الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ٤١ من سورة ق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤١ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( واستمع ) يا محمد ( يوم ينادي المناد من مكان قريب ) قال قتادة : قال كعب الأحبار : يأمر الله [ تعالى ] ملكا أن ينادي على صخرة بيت المقدس : أيتها العظام البالية ، والأوصال المتقطعة ، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء .
القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : واستمع يا محمد صيحة يوم القيامة, يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب.
وذُكر أنه ينادي بها من صخرة بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن سهل, قال: ثنا الوليد بن مسلم, عن سعيد بن بشر, عن قتادة, عن كعب, قال : ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) قال مَلك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة; إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
حدثنا بشر; قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد; عن قتادة ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) قال: كنا نحدّث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة, وهي أوسط الأرض.
وحُدّثنا أن كعبا قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) قال: بلغني أنه ينادي من الصخرة التي في بيت المقدس.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) قال: هي الصيحة.
حدثني عليّ بن سهل, قال: ثنا الوليد بن مسلم, قال: ثني بعض أصحابنا, عن الأغرّ, عن مسلم بن حيان, عن ابن بُريدة, عن أبيه بُريدة, قال: مَلك قائم على صخرة بيت المقدس, واضع أصبعيه في أذُنيه ينادي, قال: قلتُ: بماذا ينادي؟
قال: يقول يا أيها الناس هلموا إلى الحساب; قال: فيقبلون كما قال الله كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ .
قوله تعالى : واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب مفعول الاستماع محذوف ; أي : استمع النداء والصوت أو الصيحة وهي صيحة القيامة ، وهي النفخة الثانية ، والمنادي جبريل .
وقيل : إسرافيل .
الزمخشري : وقيل إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي ، فينادي بالحشر ويقول : هلموا إلى الحساب فالنداء على هذا في المحشر .
وقيل : واستمع نداء الكفار بالويل والثبور من مكان قريب ، أي يسمع الجميع فلا يبعد أحد عن ذلك النداء .
قال عكرمة : ينادي منادي الرحمن فكأنما ينادي في آذانهم .
وقيل : المكان القريب صخرة بيت المقدس .
ويقال : إنها وسط الأرض وأقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلا .
وقال كعب : بثمانية عشر ميلا ، ذكر الأول القشيري والزمخشري ، والثاني الماوردي .
فيقف جبريل أو إسرافيل على الصخرة فينادي بالحشر : أيتها العظام البالية ، والأوصال المتقطعة ، ويا عظاما نخرة ، ويا أكفانا فانية ، ويا قلوبا خاوية ، ويا أبدانا فاسدة ، ويا عيونا سائلة ، قوموا لعرض رب العالمين .
قال قتادة : هو إسرافيل صاحب الصور .
أي: { وَاسْتَمِعْ } بقلبك نداء المنادي وهو إسرافيل عليه السلام، حين ينفخ في الصور { مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } من الخلق
( واستمع يوم ينادي المنادي ) أي : واستمع يا محمد صيحة القيامة والنشور يوم ينادي المنادي ، قال مقاتل : يعني إسرافيل ينادي بالحشر يا أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة ، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء ( من مكان قريب ) من صخرة بيت المقدس ، وهي وسط الأرض .
قال الكلبي : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا .
«واستمع» يا مخاطب مقولي «يوم يناد المناد» هو إسرافيل «من مكان قريب» من السماء وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضع من الأرض إلى السماء يقول: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
واستمع -أيها الرسول- يوم ينادي المَلَك بنفخه في "القرن" من مكان قريب، يوم يسمعون صيحة البعث بالحق الذي لا شك فيه ولا امتراء، ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم.
ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يلقى سمعه لما يخبره به - تعالى - من أهوال يوم القيامة فقال : ( واستمع ) والمستمع إليه محذوف للتهويل والتعظيم .
.
أى : واستمع - أيها الرسول الكريم - أو أيها العاقل - لما سأخبرك به من أهوال يوم القيامة .ثم بين - سبحانه - ذلك فقال : ( يَوْمَ يُنَادِ المناد مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) .أى : استمع استماع تنبيه وتيقظ يوم يناد المناد وهو إسرافيل - عليه السلام - من كان قريب بحيث يسمع نداءه الناس جميعا .
.قال ابن كثير : قال قتادة : قال كعب الأحبار : يأمر الله ملكا أن ينادى على صخرة بيت المقدس : أيتها العظام البالية ، والأوصال المتقطعة ، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء .وفى ورود الأمر بالاستماع مطلقا ، ثم توضيحه بما بعده ، تهويل وتعظيم للمخبر به ، لما فى الإِبهام ، ثم التفسير ، من التهويل والتفخيم لشأن المحدث عنه .
هذا إشارة إلى بيان غاية التسبيح، يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله تعالى: ﴿ واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الذي يستمعه؟
قلنا: يحتمل وجوهاً ثلاثة.
أحدها: أن يترك مفعوله رأساً ويكون المقصود كن مستمعاً ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين الغافلين، يقال هو رجل سميع مطيع ولا يراد مسموع بعينه كما يقال فلان وكاس، وفلان يعطي ويمنع.
ثانيهما: استمع لما يوحي إليك.
ثالثها: استمع نداء المنادي.
المسألة الثانية: ﴿ يَوْمَ يُنَادِ المناد ﴾ منصوب بأي فعل؟
نقول: هو مبني على المسألة الأولى، إن قلنا استمع لا مفعول له فعامله ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ يَوْمُ الخروج ﴾ تقديره: يخرجون يوم ينادي المنادي، وإن قلنا مفعوله لما يوحى فتقديره (واستمع) لما يوحى (يوم ينادي) ويحتمل ما ذكرنا وجهاً آخر، وهو ما يوحي أي ما يوحى ﴿ يَوْم يُنَادِ المناد ﴾ اسمعه، فإن قيل: استمع عطف على فاصبر وسبح وهو في الدنيا، والاستماع يكون في الدنيا، وما يوحى ﴿ يَوْمَ يُنَادِ المناد ﴾ لا يستمع في الدنيا، نقول ليس بلازم ذلك لجواز أن يقال صل وادخل الجنة أي صل في الدنيا وادخل الجنة في العقبى، فكذلك هاهنا، ويحتمل أن يقال بأن استمع بمعنى انتظر فيحتمل الجمع في الدنيا، وإن قلنا استمع الصيحة وهو نداء المنادي: يا عظام انتشري، والسؤال الي ذكره علم الجواب منه، وجواب آخر نقوله حينئذ وهو أن الله تعالى قال: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ قلنا: إن من شاء الله هم الذين علموا وقوع الصيحة، واستيقظوا لها فلم تزعجهم كمن يرى برقاً أومض، وعلم أن عقبيه يكون رعد قوي فينظره ويستمع له، وآخر غافل فإذا رعد بقوة ربما يغشى على الغافل ولا يتأثر منه المستمع، فقال: استمع ذلك كي لا تكون ممن يصعق في ذلك اليوم.
المسألة الثانية: ما الذي ينادي المنادي؟
فيه وجوه محتملة منقولة معقولة وحصرها بأن نقول المنادي إما أن يكون هو الله تعالى أو الملائكة أو غيرهما وهم المكلفون من الإنس والجن في الظاهر، وغيرهم لا ينادي، فإن قلنا هو تعالى فيه وجوه: أحدها: ينادي: ﴿ احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم ﴾ .
ثانيها: ينادي ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ مع قوله: ﴿ أدخلوها بسلام ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ يدل على هذا قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنَادِ المناد مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ وقال: ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ .
ثالثها: غيرهما لقوله تعالى: ﴿ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى ﴾ وغير ذلك، وأما على قولنا المنادي غير الله ففيه وجوه أيضاً.
أحدها: قول إسرافيل: أيتها العظام البالية اجتمعوا للوصل واستمعوا للفصل.
ثانيها: النداء مع النفس يقال للنفس ارجعي إلى ربك لتدخلي مكانك من الجنة أو النار.
ثالثها: ينادي مناد هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، كما قال تعالى: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ﴾ وعلى قولنا المنادي هو المكلف فيحتمل أن يقال هو ما بين الله تعالى في قوله: ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك ﴾ أو غير ذلك إلا أن الظاهر أن المراد أحد الوجهين الأولين، لأن قوله المنادي للتعريف وكون الملك في ذلك اليوم منادياً معروف عرف حاله وإن لم يجر ذكره، فيقال: قال صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن قد سبق ذكره، وأما أن الله تعالى مناد فقد سبق في هذه السورة في قوله: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ وهذا نداء، وقوله: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ﴾ وهو نداء، وأما المكلف ليس كذلك، وقوله تعالى: ﴿ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ إشارة إلى أن الصوت لا يخفى على أحد بل يستوي في استماعه كل أحد وعلى هذا فلا يبعد حمل المنادي على الله تعالى إذ ليس المراد من المكان القريب نفس المكان بل ظهور النداء وهو من الله تعالى أقرب، وهذا كما قال في هذه السورة: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ﴾ وليس ذلك بالمكان.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ أي اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه.
وقيل: فاصبر على ما يقول المشركون من إنكارهم البعث؛ فإنّ من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم.
وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
وقيل: الصبر مأمور به في كل حال ﴿ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ حامداً ربك، والتسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة، فالصلاة ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس ﴾ الفجر ﴿ وَقَبْلَ الغروب ﴾ الظهر والعصر ﴿ وَمِنَ اليل ﴾ العشاآن.
وقيل التهجد ﴿ وأدبار السجود ﴾ التسبيح في آثار الصلوات، والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة.
وقيل النوافل بعد المكتوبات.
وعن علي رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الوتر بعد العشاء.
والأدبار: جمع دبر.
وقرئ: ﴿ وأدبار ﴾ من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت.
ومعناه: ووقت انقضاء السجود، كقولهم: آتيك خفوق النجم ﴿ واستمع ﴾ يعني واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة.
وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه، كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: «يا معاذاً اسمع ما أقول لك» ، ثم حدّثه بعد ذلك.
فإن قلت: بم انتصب اليوم؟
قلت: بما دل عليه ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخروج ﴾ أي: يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.
ويوم يسمعون: بدل من ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ﴾ و ﴿ المناد ﴾ إسرافيل ينفخ في الصور وينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر ﴿ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ من صخرة بيت المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلاً، وهي وسط الأرض.
وقيل: من تحت أقدامهم.
وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة: أيتها العظام البالية، و ﴿ الصيحة ﴾ النفخة الثانية ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة، والمراد به البعث والحشر للجزاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واسْتَمِعْ ﴾ لِما أُخْبِرُكَ بِهِ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ وتَعْظِيمٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ.
﴿ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ ﴾ إسْرافِيلُ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ فَيَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ والشُّعُورُ المُتَفَرِّقَةُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ القَضاءِ.
﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ نِداؤُهُ إلى الكُلِّ عَلى سَواءٍ، ولَعَلَّهُ في الإعادَةِ نَظِيرُ «كُنْ» في الإبْداءِ، ويَوْمَ نُصِبَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ يَوْمُ الخُرُوجِ.
﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ والصَّيْحَةَ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ.
﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ( الصَّيْحَةَ ) والمُرادُ بِهِ البَعْثُ لِلْجَزاءِ.
﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ﴾ مِنَ القُبُورِ، وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ وقَدْ يُقالُ لِلْعِيدِ.
﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ﴾ في الدُّنْيا.
﴿ وَإلَيْنا المَصِيرُ ﴾ لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{واستمع} لما أخبرك به من حال يوم القيامة وفى ذاك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به وقد وقف يعقوب عليه وانتصب {يَوْمَ يُنَادِ المناد} بما دل عليه ذَلِكَ يَوْمُ الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور وقيل تقديره واستمع حديث يوم ينادي المنادي المنادي بالياء في
الحالين مكى وسهل ويعقوب في الوصل مدني وأبو عمرو وغيرهم بغير ياء فيهما والمنادى اسرافيل في الصور وينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن تجتمعن لفصل القضاء وقيل إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من صخرة بيت المقدس وهي أقرب من الأرض إلى السماء باثني عشر ميلاً وهي وسط الأرض
﴿ واسْتَمِعْ ﴾ أمْرٌ بِالِاسْتِماعِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ، والمُسْتَمَعُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ واسْتَمِعْ لِما أُخْبِرُ بِهِ مِن أهْوالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ ﴾ إلى آخِرِهِ، وسَلَكَ هَذا لِما في الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ لِشَأْنِ المُخْبَرِ بِهِ، وانْتَصَبَ ( يَوْمَ ) بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ﴾ أيْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نِداءُ المُنادِي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ نِداءُ الكافِرِينَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ( ويَوْمَ ) ظَرْفٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: لا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى مَفْعُولٍ والمَعْنى كُنْ مُسْتَمِعًا ولا تَكُنْ غافِلًا، وقِيلَ: مَعْنى اسْتَمِعِ انْتَظِرْ، والخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ، وقِيلَ: لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ( ويَوْمَ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاسْتَمِعْ أيِ انْتَظِرْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي فَإنَّ فِيهِ تَبَيُّنَ صِحَّةِ ما قُلْتُهُ كَما تَقُولُ لِمَن تَعِدُهُ بِوُرُودِ فَتْحٍ: اسْتَمِعْ كَذا وكَذا.
والمُنادِي عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْفُخُ إسْرافِيلُ في الصُّورِ ويُنادِي جِبْرِيلُ يا أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ والشُّعُورُ المُتَقَطِّعَةُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَجْتَمِعِي لِفَصْلِ الحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، والواسِطِيُّ في فَضائِلِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْفُخُ في الصُّورِ فَيَقُولُ: يا أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُنادِي هو عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ الأوَّلُ هو الأصَحُّ ﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ هو صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ وكَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وبُرَيْدَةَ وقَتادَةَ، وهي عَلى ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا.
وفِي الكَشّافِ أنَّها أقْرَبُ إلَيْها بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا وهي وسَطُ الأرْضِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقْبَلُ إلّا بِوَحْيٍ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَها وسَطَ الأرْضِ مِمّا تَأْباهُ القَواعِدُ في مَعْرِفَةِ العُرُوضِ والأطْوالِ، ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ قَرِيبٌ مِمَّنْ يُنادِيهِمْ فَقِيلَ: يُنادِي مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ، وقِيلَ: مِن مَنابِتِ شُعُورِهِمْ فَيَسْمَعُ مِن كُلِّ شَعْرَةٍ يا أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ إلَخْ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِقُرْبِهِ كَوْنُ النِّداءِ مِنهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ بَلْ يَسْتَوِي في سَماعِهِ كُلُّ أحَدٍ، والنِّداءِ في كُلِّ ذَلِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الإعادَةِ نَظِيرُ كُنْ في الِابْتِداءِ عَلى المَشْهُورِ فَهو تَمْثِيلٌ لِإحْياءِ المَوْتى بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ ولا نِداءَ ولا صَوْتَ حَقِيقَةً، ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُنادِيَ مَلَكٌ وأنَّهُ يُنادِي بِما سَمِعْتَ هو المَأْثُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نِداؤُهُ بِقَوْلِهِ لِلنَّفْسِ: ارْجِعِي إلى رَبِّكِ لَتَدْخُلَنَّ مَكانَكِ مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ أوْ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وهَؤُلاءِ لِلنّارِ، وأنْ يَكُونَ المُنادِي هو اللَّهَ تَعالى يُنادِي ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ ﴾ أوْ ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْخُلُوها بِسَلامٍ ﴾ أوْ ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ أوْ ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ تَعالى وغَيْرُ المَلَكِ مِنَ المُكَلَّفِينَ يُنادِي يا ﴿ مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ﴾ أوْ ﴿ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى يعني: فيما صنع لقومك لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ يعني: عقل لأنه يعقل بالقلب فكني عنه أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ يعني: استمع إلى القرآن وَهُوَ شَهِيدٌ يعني: قلبه حاضر غير غائب عنه، وقال القتبي: وهو شهيد، يعني: استمع كتاب الله، وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل، ولا ساه، وروى معمر عن قتادة قال: لمن كان له قلب من هذه الأمة، أو ألقى السمع.
قال رجل من أهل الكتاب: استمع إلى القرآن، وهو شهيد على ما في يديه من كتاب الله تعالى، وروي عن عمر أنه قرأ: فَنَقَّبُوا بالتخفيف، يعني: فتبينوا ونظروا وذكروا، ومنه قيل للعريف نقيب القوم، لأنه يتعرف أمرهم، ويبحث عنهم.
وقرأ يحيى بن يعمر فَنَقَّبُوا بضم النون، وكسر القاف، يعني: تبينوا، وقرأ الباقون بالتشديد يعني: طوفوا، وقوله: هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [ق: 36] يعني: هل من ملجأ من الموت، قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وذلك أن اليهود قالوا: لما خلق الله السموات والأرض وفرغ منهما، استراح في يوم السبت فنزل قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ يعني: ما أصابنا من إعياء، وإنما يستريح من يعيى.
قوله عز وجل: فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ من المنكر، وهو قولهم: استراح، ويقال: فاصبر على مَا يَقُولُونَ من التكذيب، وقال في رواية الكلبي: نزلت في المستهزئين من قريش، وفي أذاهم للنبي وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ يعني: صل لربك صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر وَمِنَ اللَّيْلِ يعني: المغرب والعشاء فَسَبِّحْهُ يعني: صل له وهو المغرب والعشاء وَأَدْبارَ السُّجُودِ يعني: ركعتي المغرب، قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة وَأَدْبارَ بكسر الألف، والباقون بالنصب، فهو جمع الدبر، ومن قرأ بالكسر فعلى مصدر أدبر يدبر إدباراً، قال أبو عبيدة: هكذا نقرأ يعني: بالنصب، لأنه جمع الدبر، وإنما الإدبار، هو المصدر كقولك: أدبر، يدبر، إدباراً، ولا إدبار للسجود، وإنما ذلك للنجوم.
قوله عز وجل: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ قرأ أبو عمرو، ونافع، وابن كثير: الْمُنَادِي بالياء في الوصل، وهو الأصل في اللغة، والباقون بغير ياء، لأن الكسر يدل عليه فاكتفى به، ومعنى الآية اعمل واجتهد، واستعد ليوم القيامة، يعني: استمع صوت إسرافيل مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يعني: من صخرة بيت المقدس يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ يعني: نفخة إسرافيل بالحق أنها كائنة، وقال مقاتل: في قوله: مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قال صخرة: بيت المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء، بثمانية عشر ميلاً، وقال الكلبي: باثني عشر ميلاً ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من قبورهم إلى المحاسبة، ثم إلى إحدى الدارين، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وقال أبو عبيدة: يوم الخروج اسم من أسماء يوم القيامة، واستشهد بقول العجاج أليس يوم سميت خروجاً أعظم يوماً سميت عروجاً، قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ يعني: نحيي في الآخرة، ونميت في الدنيا الأحياء، ويقال: إنا نحن نحيي الموتى ونميت الأحياء وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يعني: المرجع في الآخرة، يعني: مصير الخلائق كلهم.
قوله عز وجل: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً يعني: تصدع الأرض عنهم، قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر تَشَقَّقُ بتشديد الشين، والباقون بالتخفيف، لأنه لما حذف إحدى التاءين ترك الشين على حالها، ثم قال: سِراعاً يعني: خروجهم من القبور سراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ يعني: جمع الخلائق علينا هين نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ في البعث من التكذيب وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ يعني: بمسلط، يعني: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام، وإنما بعثت بشيراً ونذيراً، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
ثم قال: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ يعني: فعظ بالقرآن بما وعد الله فيه مَنْ يَخافُ وَعِيدِ يعني: من يخاف عقوبتي وعذابي والله أعلم.
وقوله: بِحَمْدِ رَبِّكَ الباء للاقتران، أي: سَبِّح سبحة يكون معها حمد، وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هي الصبح، وَقَبْلَ الْغُرُوبِ: هي العصر قاله ابن زيد والناس «١» ، وقال ابن عبّاس «٢» : الظهر والعصر، وَمِنَ اللَّيْلِ: هي صلاة الْعِشَاءَيْنِ، وقال ابن زيد «٣» : هي العشاء فقط، وقال مجاهد «٤» : هي صلاة الليل.
وقوله: وَأَدْبارَ السُّجُودِ قال عمر بن الخطاب وجماعة «٥» : هي الرَّكْعَتَانِ بعد المغرب، وأَسنده الطبريُّ عن ابن عبّاس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٦» قال ع «٧» : كَأَنَّهُ رُوعِيَ أَدبارُ صلاة النهار، كما رُوعي أدبار النجوم في صلاة الليل، وقال ابن عباس أيضاً، وابن زيد، ومجاهد «٨» : هي النوافل إثر الصلوات، وهذا جارٍ مع لفظ الآية، وقرأ نافع، وابن كثير، وحمزة: «وَإدْبَارَ» بكسر الهمزة، وهو مصدر، وقرأ الباقون بفتحها، وهو جمع دُبُر كطُنُب وأَطْنَاب «٩» ، أي: وفي أدبار السجود، أي: في أعقابه.
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)
وقوله سبحانه: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ واستمع بمنزلة: وانتظر،
وكذا، أي: كُنْ مُنتظراً له، مستمعاً له، فعلى هذا فَنَصْبُ «يوم» إنَّما هو على المفعول الصريح.
وقوله سبحانه: مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قيل: وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق، وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ مَلَكاً يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ: أَيَّتُهَا الأَجْسَامُ الْهَامِدَةُ، وَالْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، - وَالرِّمَمُ الذَّاهِبَةُ- هَلُمِّي إلَى الْحَشْرِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» والصيحة:
/ هي صيحة المنادي، والخروج: هو من القبور، ويومُه هو يومُ القيامة، ويومُ الخروج في الدنيا: هو يوم العيد.
وقوله تعالى: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ: معادل لقول الكفرة: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣] .
وقوله سبحانه: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وعيد محض للكفرة.
وقوله سبحانه: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ قال الطبري وغيره «١» : معناه: وما أنت عليهم بمُسَلَّطٍ، تُجْبِرُهُمْ على الإيمان.
وقال قتادة «٢» : هو نهيٌ من اللَّه تعالى عن التجبر، والمعنى: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت، وروى ابن عباس أَنَّ المؤمنين قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خوّفتنا!
فنزلت:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "يُنادِي المُنادِي" بِياءٍ في الوَصْلِ.
ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ بِياءٍ، ووَقَفَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ.
ووَقَفَ الباقُونَ ووَصَلُوا بِياءٍ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: واسْتَمِعْ حَدِيثَ يَوْمِ يُنادِي المُنادِي.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُنادِي: إسْرافِيلُ، يَقِفُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَيُنادِي: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى الحِسابِ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَجْتَمِعُوا لِفَصْلِ القَضاءِ؛ وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ.
والمَكانُ القَرِيبُ: صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ: هي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا.
قالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ: إنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ في وسَطِ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ ﴾ وهي [هَذِهِ] النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ﴾ مِنَ القُبُورِ.
﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ﴾ أيْ: نُمِيتُ في الدُّنْيا ونُحْيِي لِلْبَعْثِ ﴿ وَإلَيْنا المَصِيرُ ﴾ بَعْدَ البَعْثِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَشَّقَّقَ" بِتَشْدِيدِ الشِّينِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها ﴿ سِراعًا ﴾ أيْ: فَيَخْرُجُونَ مِنها سِراعًا ﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ﴾ أيْ: هَيِّنٌ.
ثُمَّ عَزّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ﴾ في تَكْذِيبِكَ، يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُبْعَثْ لِتَجْبُرَهم عَلى الإسْلامِ إنَّما بُعِثْتَ مُذَكِّرًا، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ بِقِتالِهِمْ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ هَذا القَوْلَ فَقالَ: العَرَبُ لا تَقُولُ: "فَعّالٌ مِن أفْعَلْتُ" لا يَقُولُونَ: "خَرّاجٌ" يُرِيدُونَ "مُخْرِجٌ" ولا "دَخّالٌ" يُرِيدُونَ "مُدْخِلٌ" إنَّما يَقُولُونَ: "فَعّالٌ" مِن "فَعَلْتُ"، وإنَّما الجَبّارُ هُنا في مَوْضِعِ السُّلْطانِ مِنَ الجَبْرِيَّةِ، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ في حَرْفٍ واحِدٍ: "دَرّاكٌ" مِن "أدْرَكْتُ" وهو شاذٌّ، فَإنْ جَعَلَ هَذا عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَهو وجْهٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "بِجَبّارٍ" أيْ: بِمُسَلَّطٍ، والجَبّارُ: المَلِكُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَجَبُّرِهِ، يَقُولُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمَلِكٍ مُسَلَّطٍ.
قالَ اليَزِيدِيُّ: لَسْتَ بِمُسَلَّطٍ فَتَقْهَرَهم عَلى الإسْلامِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: لِتَقْتُلَهم.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ ﴾ أيْ: فَعِظْ بِهِ "مَن يَخافُ وعِيدِ" وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَعِيدِي" بِياءٍ في الحالَيْنِ]، أيْ: ما أوْعَدْتُ مَن عَصانِي مِنَ العَذابِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمَ الخُرُوجِ ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عنهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ﴾ ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "واسْتَمِعْ" هو بِمَنزِلَةٍ، "وانْتَظِرْ"، وذَلِكَ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُؤْمَرْ بِأنْ يَسْتَمِعَ في يَوْمِ النِداءِ لِأنَّ كُلَّ مَن فِيهِ يَسْتَمِعُ، وإنَّما الآيَةُ في مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ تَحَسَّسْ وتَسَمَّعْ هَذا اليَوْمَ وارْتَقِبْهُ فَإنَّ فِيهِ تَبْيِينُ صِحَّةِ ما قُلْتَهُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَعِدُهُ بِوُرُودِ فَتْحٍ: اسْتَمِعْ كَذا وكَذا، أيْ كُنْ مُنْتَظِرًا لَهُ مُسْتَمِعًا، فَعَلى هَذا فَنَصَبَ "يَوْمَ" إنَّما هو عَلى المَفْعُولِ الصَرِيحِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "المُنادِي" بِالياءِ وصْلًا ووَقْفًا عَلى الأصْلِ الَّذِي هو ثُبُوتُها؛ إذًا الكَلامُ غَيْرُ تامٍّ، وإنَّما الحَذْفُ أبَدًا في الفَواصِلِ وفى الكَلامِ التامِّ تَشْبِيهًا بِالفَواصِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ بِالوَقْفِ بِغَيْرِ ياءٍ لِأنَّ الوَقْفَ مَوْضِعُ تَغْيِيرٍ، ألا تَرى أنَّها تُبَدَّلُ مِنَ التاءِ فِيهِ الهاءُ في نَحْوِ " طَلْحَةُ " و" حَمْزَةُ "، ويُبَدِّلُ مِنَ التَنْوِينِ الألِفُ، ويَضْعُفُ فِيهِ الحَرْفُ كَقَوْلِكَ: هَذا فَوْجٌ، ويُحْذَفُ فِيهِ الحَرْفُ فِي القَوافِي.
وقَرَأ الباقُونَ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ الياءَ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ، فَوَجَبَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ مُعاقِبِ التَنْوِينِ، وهُما الألِفُ واللامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ ، قِيلَ وصَفَهُ بِالقُرْبِ مِن حَيْثُ يَسْمَعُ جَمِيعَ الخَلائِقِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ : «أنَّ مَلَكًا يُنادِي مِنَ السَماءِ: أيَّتُها الأجْسامُ الهامِدَةُ، والعِظامُ البالِيَةُ، والرِمَمُ الواهِيَةُ، هَلُمَّ إلى الحَشْرِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى.» وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: المَكانُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى صِفَتِهِ بِالقُرْبِ، فَقالَ قَوْمٌ: وصْفُها بِذَلِكَ لِقُرْبِها مِنَ النَبِيِّ أيْ: مِن مَكَّةَ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: وصْفُها بِالقُرْبِ مِنَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّها أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وهَذا الخَبَرُ إنْ كانَ بِوَحْيٍ، وإلّا فَلا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلى صِحَّتِهِ.
و"الصَيْحَةُ" هي صَيْحَةُ المُنادِي، و"الخُرُوجِ" هو مِنَ القُبُورِ، و: "يَوْمَهُ" هو يَوْمَ القِيامَةِ، و"يَوْمُ الخُرُوجِ" في الدُنْيا هو يَوْمُ العِيدِ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ولَأنْتَ أحْسُنُ إذْ بَرَزَتْ لَنا يَوْمَ الخُرُوجِ بِساحَةِ القَصْرِ مِن دُرَّةٍ أغْلى بِهامِلِكَ مِمّا تَرَبَّبَ حائِرُ البَحْرِ قَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَ تَشَقَّقُ"، العامِلُ في "يَوْمَ" هو "المَصِيرُ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ الشِينِ، والباقُونَ خَفَّفُوها.
و"سِراعًا" حالٌ، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، والعامِلُ في الحالِ "تَشَقَّقُ"، وقالَ بَعْضُهُمُ التَقْدِيرُ: يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عنهم يَخْرُجُونَ سِراعًا، فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، والعامِلُ "يَخْرُجُونَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِ الكَفَرَةِ: ﴿ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ لِلْكَفَرَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ﴾ فَقالَ قَتادَةُ: نَهى اللهُ تَعالى عَنِ التَجَبُّرِ، وتَقَدَّمَ فِيهِ، فَمَعْناهُ: وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُتَعَظِّمٍ، مِنَ الجَبَرُوتِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلِّطٍ تَجَبُّرَهم عَلى الإيمانِ، ويُقالُ: جَبَرْتُهُ عَلى كَذا، أيْ قَسَرْتُهُ، فَـ "جَبّارٌ" مُبالَغَةٌ مِن جَبَرَ، وأنْشَدَ المُفَضَّلُ: عَصَيْنا عَزْمَةَ الجَبّارِ حَتّى ∗∗∗ صَحِبْنا الخَوْفَ إلْفًا مُعَلِّمِينا قالَ: أرادَ بِالجَبّارِ النُعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ لِوِلايَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ نَصْبَ "عَزْمَةَ" عَلى المَصْدَرِ وأرادَ: عَصَيْنا مُقْدِمِينَ عَزْمَةَ جَبّارٍ، فَمَدَحَ نَفْسَهُ وقَوْمَهُ بِالعُتُوِّ والِاسْتِعْلاءِ، أخْلاقُ الجاهِلِيَّةِ والحَياةِ الدُنْيا، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ .» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا سَبَبًا فَإنَّهُ لَمّا أعْلَمَهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُسَلَّطٍ عَلى جَبْرِهِمْ أمَرَهُ بِالِاقْتِصارِ عَلى تَذْكِيرِ الخائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ ق
لا محالة أن جملة ﴿ استمع ﴾ عطف على جملة ﴿ سَبح بحمد ربك ﴾ [ق: 39]، فالأمر بالاستماع مفرع بالفاء التي فرع بها الأمر بالصبر على ما يقولون.
فهو لاحق بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون المسموع إلا من نوع ما فيه عناية به وعقوبة لمكذبيه.
وابتداء الكلام ب ﴿ استمع ﴾ يفيد توثيقاً إلى ما يرد بعده على كل احتمال.
والأمر بالاستماع حقيقته: الأمر بالإنصات والإصْغاء.
وللمفسرين ثلاث طرق في محمل ﴿ استمع ﴾ ، فالذي نحاه الجمهور حمل الاستماع على حقيقته وإذ كان المذكور عقب فعل السمع لا يصلح لأن يكون مسموعاً لأن اليوم ليس مما يُسمع تعين تقدير مفعول ل ﴿ استمع ﴾ يدل عليه الكلام الذي بعده فيقدر: استمع نداءَ المنادي، أو استمع خبرهم، أو استمع الصيحة يوم ينادي المنادي.
ولك أن تجعل فعل ﴿ استمع ﴾ منزلاً منزلة اللازم، أي كُن سامِعاً ويتوجه على تفسيره هذا أن يكون معنى الأمر بالاستماع تخييلاً لصيحة ذلك اليوم في صورة الحاصل بحيث يؤمر المخاطب بالإصغاء إليها في الحال كقول مالك بن الرَّيّب: دَعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي *** بذي الطَّبَسَيْن فالتفَتُّ وَرائيا ونحَا ابنُ عطية حمل ﴿ استمع ﴾ على المجاز، أي انتظر.
قال: «لأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء لأن كل مَن فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم تحسس هذا اليوم وارتقبه فإن فيه تبّين صحة ما قلته» اه.
ولم أر مَن سَبَقه إلى هذا المعنى ومثله في «تفسير الفخر» وفي «تفسير النسفي».
ولعلهما اطلعا عليه لأنهما متأخران عن ابن عطية وهما وإن كانا مشرقيّين فإن الكتب تُنقل بين الأقطار.
وللزمخشري طريقة أخرى فقال «يعني: واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة.
وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبَر به كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل " يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك " ولم أرَ من سبقه إلى هذا وهو محمل حسن دقيق.
واللائق بالجري على المحامل الثلاثة المتقدمة أن يكون ﴿ يوم يناد المنادي ﴾ مبتدأ وفتحته فتحة بناء لأنه اسم زمان أضيف إلى جملة فيجوز فيه الإعراب والبناءُ على الفتح، ولا يناكده أن فعل الجملة مضارع لأن التحقيق أن ذلك وارد في الكلام الفصيح وهو قول نحاة الكوفة وابننِ مالك ولا ريبة في أنه الأصوب.
ومنه قوله تعالى: ﴿ قال الله هذَا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ [المائدة: 119] في قراءة نافع بفتح ﴿ يومَ ﴾ .
وقوله: ﴿ يوم يسمعون الصيحة ﴾ بدل مطابق من ﴿ يوم يناد المنادي ﴾ وقوله: ﴿ ذلك يوم الخروج ﴾ خبر المبتدأ.
ولك أن تجعل ﴿ يوم يناد المنادي ﴾ مفعولاً فيه ل ﴿ استمع ﴾ وإعراب ما بعده ظاهر.
ولك أن تجعل ﴿ يوم يناد المنادي ﴾ ظرفاً في موقع الخبر المقدم وتجعل المبتدأ قوله: ﴿ ذلك يوم الخروج ﴾ ويكون تقدير النظم: واستمعْ ذلكَ يومُ الخروج يوم ينادي المنادي الخ، ويكون اسمُ الإشارة لمجرد التنبيه، أو راجعاً إلى يوم ينادي المنادي، فإنه متقدم عليه في اللفظ وإن كان خبراً عنه في المعنى واسم الإشارة يكتفي بالتقدم اللفظي بل يكتفي بمجرد الخطور في الذهن.
وفي «تفسير النسَفِي» أن يعقوب أي الحضرمي أحد أصحاب القراءات العشر المتواترة وقف على قوله ﴿ واستمع ﴾ .
وتعريف ﴿ المنادي ﴾ تعريف الجنس، أي يوم ينادي منادٍ، أي من الملائكة وهو الملك الذي ينفخ النفخة الثانية فتتكوَّن الأجساد وتحل فيها أرواح الناس للحشر قال تعالى: ﴿ ثم نُفِخَ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [الزمر: 68].
وتنوين ﴿ مكان قريب ﴾ للنوعية إذ لا يتعلق الغرض بتعيينه، ووصفه ب ﴿ قريب ﴾ للإشارة إلى سرعة حضور المنادين، وهو الذي فسرته جملة ﴿ يوم يسمعون الصيحة بالحق ﴾ لأن المعروف أن النداء من مكان قريب لا يخفى على السامعين بخلاف النداء من كان بعيد.
و ﴿ بالحق ﴾ بمعنى: بالصدق وهو هنا الحشر، وصف ﴿ بالحق ﴾ إبطالاً لزعم المشركين أنه اختلاق.
والخروج: مغادرة الدار أو البلدِ، وأطلق الخروج على التجمع في المحشر لأن الحَيَّ إذا نَزَحُوا عن أرضهم قيل: خرجوا، يقال: خرجوا بقَضِّهم وقضيضهم.
واسم الإشارة جيء به لتهويل المشار إليه وهو ﴿ يوم يسمعون الصيحة بالحق ﴾ فأريد كمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الخبر العظيم.
ومقتضى الظاهر أن يقال: هو يوم الخروج.
و ﴿ يوم الخروج ﴾ علم بالغلبة على يوم البعث، أي الخروج من الأرض.
وجملة ﴿ إنا نحن نحي ونميت وإلينا المصير ﴾ تذييل، أي هذا الإحياء بعد أن أمَتْنَاهُم هو من شؤوننا بأنا نحييهم ونحيي غيرهم ونميتهم ونميت غيرهم.
والمقصود هو قوله: ﴿ ونميت ﴾ ، وأما قوله: ﴿ نحيي ﴾ فإنه لاستيفاء معنى تصرف الله في الخلق.
وتقديم ﴿ إلينا ﴾ في ﴿ إلينا المصير ﴾ للاهتمام.
والتعريف في ﴿ المصير ﴾ إما تعريف الجنس، أي كل شيء صائر إلى ما قدرناه له وأكبر ذلك هو ناموس الفناء المكتوب على جميع الأحياء وإما تعريف العهد، أي المصير المتحدث عنه، وهو الموت لأن المصير بعد الموت إلى حكم الله.
وعندي أن هذه الآيات من قوله: ﴿ واستمع يوم يناد المنادي ﴾ إلى قوله ﴿ المصير ﴾ مكان قريب هي مع ما تفيده من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم مبشر بطريقة التوجيه البديعي إلى تهديد المشركين بعذاب يحلّ بهم في الدنيا عقب نداء يفزعهم فيلقَون إثره حتفهم، وهو عذاب يوم بدر فخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بترقب يوممٍ يناديهم فيه منادٍ إلى الخروج وهو نداء الصريخ الذي صَرخ بأبي جهل ومن معه بمكة بأنّ عِير قريش وفيها أبو سفيان قد لقيها المسلمون ببدر وكان المنادي ضمضم بن عمرو الغفاري إذ جاء على بعيره فصرخ ببطن الوادي: يا معشر قريش اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالُكم مع أبي سفيان قد عَرض لها محمد وأصحابه.
فتجهز الناس سراعاً وخرجوا إلى بدر.
فالمكان القريب هو بطن الوادي فإنه قريب من مكة.
والخروج: خروجهم لبدر، وتعريف اليوم بالإضافة إلى الخروج لتهويل أمر ذلك الخروج الذي كان استئصالُ سادتهم عقبه.
وتكون جملة ﴿ إنا نحن نحيي ونميت ﴾ وعيدا بأن الله يميت سادتهم وأنه يبقي من قَدّر إسلامه فيما بعدُ فهو يحييه إلى يوم أجله.
وكتب في المصحف ﴿ المناد ﴾ بدون ياء.
وقرأها نافع وأبو عمرو وأبو جعفر بدون ياء في الوصل وبالياء في الوقف، وذلك جارٍ على اعتبار أن العرب يعاملون المنقوص المعرّف باللام معاملة المنكّر وخاصة في الأسجاع والفواصل فاعتبروا عدم رسم الياء في آخر الكلمة مراعاة لحال الوقف كما هو غالب أحوال الرسم لأن الأسجاع مبنية على سكون الأعجاز.
وقرأها عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وخلف بحذف الياء وصلا ووقفا لأن العرب قد تعامل المنقوص المعرّف معاملة المنكر.
وقرأها ابن كثير ويعقوب بالياء وصلا ووقفا اعتباراً بأن رسم المصحف قد يخالف قياس الرسم فلا يخالَف قياسُ اللفظ لأجله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ ﴾ هَذِهِ الصَّيْحَةُ الَّتِي يُنادِي بِها المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي لِلْبَعْثِ إلى أرْضِ المَحْشَرِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، أنَّهُ نِداؤُهُ في المَحْشَرِ لِلْعَرْضِ والحِسابِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَسْمَعُها كُلُّ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الصَّيْحَةَ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ.
قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ الصَّخْرَةِ وهي أوْسَطُ الأرْضِ: يا أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ، قُومِي لِفَصْلِ القَضاءِ وما أُعِدَّ مِنَ الجَزاءِ.
وَحُدِّثْنا أنَّ كَعْبًا قالَ: هي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةِ عَشَرَ مِيلًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِقَوْلِ الحَقِّ.
الثّانِي: بِالبَعْثِ الَّذِي هو حُقٌّ.
﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الخُرُوجُ مِنَ القُبُورِ.
الثّانِي: أنَّ الخُرُوجَ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
قالَ العَجّاجُ ولَيْسَ يَوْمٌ سُمِّيَ الخُرُوجا أعْظَمَ يَوْمٍ رَجَّهُ رُجُوجًا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: نَحْنُ أعْلَمُ بِما يُجِيبُونَكَ مِن تَصْدِيقٍ أوْ تَكْذِيبٍ.
الثّانِي: بِما يُسِرُّونَهُ مِن إيمانٍ أوْ نِفاقٍ.
﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِرَبٍّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، لِأنَّ الجَبّارَ هو اللَّهُ تَعالى سُلْطانُهُ.
الثّانِي: مُتَجَبِّرٌ عَلَيْهِمْ مُتَسَلِّطٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَلِذَلِكَ قِيلَ لِكُلِّ مُتَسَلِّطٍ جَبّارٌ.
قالَ الشّاعِرُ وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن صَعْرِهِ فَتَقَوَّما وَهُوَ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ذَمٌّ.
الثّالِثُ: أنَّكَ لا تُجْبِرْهم عَلى الإسْلامِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ جَبَرْتُهُ عَلى الأمْرِ إذا قَهَرْتَهُ عَلى أمْرٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ الوَعِيدُ العَذابُ، والوَعْدُ الثَّوابُ.
قالَ الشّاعِرُ وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفٌ إيعادِي ومُنْجِزٌ مَوْعِدِي قالَ قَتادَةُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ يَخافُ وعِيدَكَ ويَرْجُو مَوْعِدَكَ.
وَرُوِيَ أنَّهُ قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ خَوَّفْتَنا فَنَزَلَتْ ﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ »
أخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: قالت اليهود ابتدأ الله الخلق يوم الأحد والإِثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة واستراح يوم السبت، فأنزل الله: ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: قالت اليهود: إن الله خلق الخلق في ستة أيام وفرغ من الخلق يوم الجمعة واستراح يوم السبت فأكذبهم الله في ذلك فقال: ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ قال: من نصب.
وأخرج آدم بن أبي إياس والفريابي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ قال: اللغوب النصب.
تقول اليهود إنه أعيا بعد ما خلقهما.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن العوّام بن حوشب قال: سألت أبا مجلز عن الرجل يجلس فيضع إحدى رجليه على الأخرى فقال لا بأس به، إنما كره ذلك اليهود زعموا أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السبت فجلس تلك الجلسة فأنزل الله: ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسّنا من لغوب ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ الآية.
أخرج الطبراني في الأوسط وابن عساكر عن جرير بن عبد الله «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ﴾ قال: قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل الغروب صلاة العصر» .
أما قوله تعالى: ﴿ ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ﴾ .
أخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ومن الليل فسبحه ﴾ قال: العتمة ﴿ وأدبار السجود ﴾ النوافل.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ ومن الليل فسبحه ﴾ قال: الليل كله.
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه «عن ابن عباس قال: بتّ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر ثم خرج إلى الصلاة، فقال يا ابن عباس ركعتان قبل صلاة الفجر أدبار النجوم وركعتان بعد المغرب أدبار السجود» .
وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أدبار النجوم والسجود فقال: «أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل الغداة» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات تطوّعاً منها أربع في كتاب الله ومن الليل فسبحه وأدبار السجود، قال: الركعتين بعد المغرب.
وأخرج ابن المنذر ومحمد بن نصر في الصلاة عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ وأدبار السجود ﴾ قال: ركعتان بعد المغرب ﴿ وأدبار النجوم ﴾ قال: ركعتان قبل الفجر.
وأخرج ابن المنذر وابن نصر عن أبي تميم الجيشاني قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وأدبار السجود ﴾ هما الركعتان بعد المغرب» .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كان يقال أدبار السجود الركعتان بعد المغرب.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: ﴿ أدبار السجود ﴾ الركعتان بعد المغرب.
وأخرج عن قتادة والشعبي والحسن مثله.
وأخرج ابن جرير عن الأوزاعي أنه سئل عن الركعتين بعد المغرب فقال هما في كتاب الله تعالى ﴿ فسبحه وأدبار السجود ﴾ .
وأخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن نصر وابن مردويه من طريق مجاهد قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أدبار السجود التسبيح بعد الصلاة ولفظ البخاري أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واستمع يوم يناد المناد ﴾ قال: هي الصيحة.
وأخرج ابن عساكر والواسطي في فضائل بيت المقدس عن يزيد بن جابر في قوله: ﴿ واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾ قال: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس فينفخ في الصور فيقول: يا أيتها العظام النخرة والجلود المتمزقة والأشعار المتقطعة إن الله يأمرك أن تجتمعي لفصل الحساب.
وأخرج ابن جرير عن كعب في قوله: ﴿ واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾ قال: ملك قائم على صخرة بيت القدس ينادي يا أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وأخرج ابن جرير عن بريدة قال: ملك قائم على صخرة بيت المقدس واضع إصبعيه في أذنيه ينادي يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والواسطي عن قتادة في قوله: ﴿ يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾ قال: كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة، وهي أوسط الأرض، وحدثنا أن كعباً قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وأخرج الواسطي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾ قال: من صخرة بيت المقدس.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يوم يسمعون الصيحة بالحق ﴾ قال: يسمع النفخة القريب والبعيد.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ذلك يوم الخروج ﴾ قال: يوم يخرجون إلى البعث من القبور.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ﴾ قال: تمطر السماء عليهم حتى تشقق الأرض عنهم.
وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة» وتلا ابن عمر ﴿ يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ قال لا تتجبر عليهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ قال: إن الله كره لنبيه الجبرية، ونهى عنها، وقدم فيها، فقال: ﴿ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ .
وأخرج الحاكم عن جرير قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل ترعد فرائصه، فقال: هوّن عليك فإنما أنا ابن إمرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء» ثم تلا جرير ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، ولقد كان يوم خيبر ويوم قريظة على حمار خطامه حبل من ليف وتحته اكاف من ليف.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا يا رسول الله لو خوّفتنا، فنزلت ﴿ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ مفعول الاستماع محذوف على تقدير: واستمع النداء أو الصوت، أو الصيحة، وهي صيحة القيامة والبعث والنشور.
واختلفوا في المنادي، فقال الكلبي: هو جبريل (١) وقال مقاتل: هو إسرافيل، وهو أنه ينادي بالحشر فيقول: يا أيها الناس: هلموا إلى الحساب، وذلك في النفخة الأخيرة (٢) وقوله: ﴿ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ أكثر المفسرين (٣) (٤) (٥) وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد من تحت أقدامهم (٦) (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 81، "الكشاف" 4/ 35، "فتح القدير" 5/ 81.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "معالم التنزيل" 4/ 227، "جامع البيان" 26/ 114، عن بريدة، "الدر" 6/ 111.
(٣) وممن قال به كعب الأحبار وقتادة، ويزيد بن جابر، وابن عباس، وبريدة.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 240، "جامع البيان" 26/ 114، "روح المعاني" 26/ 194.
(٤) (أقرب) ساقطة من (ك).
وانظر: "الوسيط" 4/ 172، "معالم التنزيل" 4/ 228، "القرطبي" 17/ 27.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "جامع البيان" 26/ 114، عن قتادة.
(٦) انظر.
"تنوير المقباس" 5/ 264.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واستمع ﴾ معناه انتظر.
فهو عامل في يوم يناد على أنه مفعول به صريح، وقيل: المعنى استمع لما نقصُ عليك من أهل القيامة.
فعلى هذا لا يكون عاملاً في يوم يناد فيقوف على استمع والأول أظهر ﴿ يَوْمَ يُنَادِ المناد مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ المنادي هنا إسرافيل الذي ينفخ في الصور، وقيل: إنما وصفه بالقرب لأنه يسمعه جميع الخلق، وقيل: المكان صخرة بيت المقدس، وإنما وصفها بالقرب لقربها من مكة ﴿ يَوْمُ الخروج ﴾ يعني خروج الناس من القبور.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.
الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .
﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.
قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.
﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.
التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.
وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.
وقيل: قضي الأمر.
وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.
والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.
ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.
وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.
والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.
ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.
ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.
وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.
والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.
عن النبي " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.
ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.
والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد مثل ذلك.
ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.
وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.
نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.
وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.
ومنه مدّ الأرض أي دحوها.
ومنها خلق الجبال الرواسخ.
ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.
ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.
والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.
والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.
ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.
وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".
وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب ﴾ وفيه تسلية للنبي .
ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟
واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.
ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.
والوسوسة الصوت الخفي.
والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.
والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.
والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.
والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.
والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.
قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.
وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.
عن النبي "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.
والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.
وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.
قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.
وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.
وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.
وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.
والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.
ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.
قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.
والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.
ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.
ثم يقال للإنسان.
﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.
وقال ابن زيد: الخطاب للنبي كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.
ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.
إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.
ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".
وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.
وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.
نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.
وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .
﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.
﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.
قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.
ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟
فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.
قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.
أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.
قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.
قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.
وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.
وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.
وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.
والمعاني كما مرت.
ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.
ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.
فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.
وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟
ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.
وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله ذليل متواضع لله.
وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.
قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.
وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.
ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.
قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.
فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.
وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.
ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.
فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.
ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.
ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.
ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.
وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.
والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.
والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.
قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.
وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.
قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.
ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.
ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .
ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.
ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.
وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.
قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.
ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.
وفيه لطيفة وهي أن الله مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟
بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.
وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله وتقديسه.
قيل: النوافل بعد المكتوبات.
وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.
ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".
قال أهل النظم: إن النبي له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.
فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.
ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.
قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.
والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.
والمكان القريب صخرة بيت المقدس.
يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.
وقيل: من تحت أقدامهم.
وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.
ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.
وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.
قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .
﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.
ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.
وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.
والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ ﴾ ، كأن هذا صلة قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ ، وانتظر ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ ﴾ ، ولا تكافئهم، ولا تنتقم منهم، ولكن اصبر وانتظر ذلك اليوم.
ثم قوله: ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: كقوله : ﴿ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴾ ، ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ ﴾ ، أي: يوم يدعهم الداعي إلى شيء أنكروه.
والثاني: ما ذكر من نداء بعض لبعض؛ كقول: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ ﴾ الآية [الأعراف: 44]، وقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ ، يقول - عز وجل -: انتظر يوم ينادون ويدعون إلى ما أنكروا، ويوم يناذ بعضهم بعضا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ أي: من مكان يسمعون ما ينادون ويدعون، ويعرفون ما يراد بالدعاء، ومن يراد به، ينتهي ذلك الدعاء والنداء إلى كلٍّ في نفسه حتى يعرفه.
وذكر أهل التأويل: أن المنادي هو جبريل - - ينادي عند بيت المقدس بنداء يسمعه كل أحد، وبيت المقدس أرفع مكان في الأرض، وهو يقرب من السما ء بكذا كذا ذراعاً، فهو المكان القريب.
ولكن هذا لا معنى له؛ فإنه يسمع صوته جميع الخلائق وإن لم يقم في ذلك الكان، وليس المراد من القرب ما ذكروه، ولكن على الإسماع في أي موضع كانوا، ومن يسمع شيئا فذلك منه قريب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ﴾ الصيحة: النفخة، أو النداء الذي ذكر.
ثم قوله : ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يسمتعون الصيحة بما أوعدهم الرسل من المواعيد؛ فيتحقق لهم ذلك في ذلك اليوم.
و[الثاني]: يحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: تحقق ذلك اليوم؛ لأن الرسل - عليهم السلام - قد أخبروهم بذلك اليوم، وهم أنكروه.
أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، أي: يستوفي بعض من بعض ما لهم من الحق في ذلك اليوم، وأمروا بأداء الحقوق في ذلك اليوم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ ﴾ قيلأ: يوم الخروج من قبورهم.
وقيل: يوم الخروج والبروز إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ ﴾ ، أي: نحيي المتوتى، ونميت الأحياء؛ أي: نحن نملك ذلك، لا يملك أحد ذلك غيرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، خص ذلك اليوم بالمصير إليه، وإن كانوا في الأوقات كلها صائرين إليه؛ لما ذكرنا من الوجوه في غير موضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ﴾ .
يحتمل أن يكون ما ذكر من السراع هو صفة تشقق الارض، كأنه يقول: يوم تشقق الأرض سراعا، لا تنتظر طرفة عين، ولكن تتشقق أسرع من لمحة البصر.
ويحتلم أن يكون وصف سرعة خروجهم من الأرض، يقول: يوم يسرعون الخروج من الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ ، وغير الحشر يسير على الله - أيضاً - ليس شيء أيسر عليه من شيء، أو أصعب عليه من شيء، لكن خص ذلك بالذكر؛ لأن أولئك الكفرة استبعدوا ذلك اليوم، واستعظموا كونه؛ فخص ذلك اليوم باليسير لهذا؛ إذ وجود الأشياء كلها بالتكوين الأزلي، وعبر عن ذلك بحرف ﴿ كُنْ ﴾ لمعرفة العباد، لا أن التكوين الذي به وجوه المكونات مما يوصف بالحرف، وفي ذلك يستوي ابتداء الخلق وإعادته، والحشر، وكل شيء، ولا قوة إلا بالله.
وهو كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ ، والله الموفق.
قوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ يقول - والله أعلم - اصبر على ما يقولون؛ فنحن أعلم بما يقولون؛ فتكافئهم.
أو يقول: عن علم بذلك نتركهم على ذلك، ونمهلهم؛ يصبر رسوله على ذلك؛ ليتسلى به بعض ما يحزن عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ قال بعضهم: من الجبر والقهر، أي: ما أنت بقاهر عليهم، وجبار يجبرهم على التوحيد.
وقال بعضهم: من التجبر والتكبر، والجبار: هو الذي يقتل بلا ذنب ولا حق.
وقيل: أي: وما انت عليم بمسلط، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ أي: ملسطاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ ، أي: بلغ ما أنزل إليك، فعليك التبليغ وأنا المجازي لهم والمكافئ بما يفعلون.
ثم ليس يخص بالتذكير من يخاف الوعيد، لكن أمر بتذكير الكل، إلا أن منفعة الذكرى تكون لمن يخاف الوعيد، لا لمن لا يخاف الوعيد، فلذلك خصه بالذكر، لكن التخصيص بالذكر لا يكون تخصيصا بالحكم ونفيا عن غيره؛ فيبطل بهذا مذهب من ادعى ذلك، والله أعلم بحقيقة ما أراد، والله الموفق.
واستمع -أيها الرسول- يوم ينادي المَلَك الموكل بالنفخ في الصُّور النفخة الثانية، من مكان قريب.
<div class="verse-tafsir" id="91.rvzA1"