الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ٦ من سورة ق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى منبها للعباد على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه : ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ) ؟
أي : بالمصابيح ، ( وما لها من فروج ) .
قال مجاهد : يعني من شقوق .
وقال غيره : فتوق .
وقال غيره : من صدوع .
والمعنى متقارب ، كقوله تعالى : ( الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) [ الملك : 3 ، 4 ] أي : كليل ، أي : عن أن يرى عيبا أو نقصا .
وقوله ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا ) يقول تعالى ذكره: أفلم ينظر هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت المنُكرون قُدرتنا على إحيائهم بعد بلائهم ( إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا ) فسوّيناها سقفا محفوظا, وزيناها بالنجوم ( وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ) يعني: وما لها من صدوع وفُتوق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال : ثنا أبو عاصم, قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال : ثنا الحسن, قال : ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( مِنْ فُرُوجٍ ) قال: شَقّ.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ) قلت له, يعني ابن زيد: الفروج: الشيء المتبرئ بعضه من بعض, قال: نعم.
قوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم نظر اعتبار وتفكر ، وأن القادر على إيجادها قادر على الإعادة .كيف بنيناها فرفعناها بلا عمد وزيناها بالنجوم وما لها من فروج جمع فرج وهو الشق ; ومنه قول امرئ القيس :لها ذنب مثل ذيل العروس تسد به فرجها من دبروقال الكسائي : ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق .
لما ذكر تعالى حالة المكذبين، وما ذمهم به، دعاهم إلى النظر في آياته الأفقية، كي يعتبروا، ويستدلوا بها، على ما جعلت أدلة عليه فقال: { أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ } أي: لا يحتاج ذلك النظر إلى كلفة وشد رحل، بل هو في غاية السهولة، فينظرون { كَيْفَ بَنَيْنَاهَا } قبة مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، مزينة بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة، لا ترى فيها عيبًا، ولا فروجًا، ولا خلالًا، ولا إخلالاً.قد جعلها الله سقفًا لأهل الأرض، وأودع فيها من مصالحهم الضرورية ما أودع.
ثم دلهم على قدرته ، فقال : ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ) بغير عمد ( وزيناها ) بالكواكب ( وما لها من فروج ) شقوق وفتوق وصدوع ، واحدها فرج .
«أفلم ينظروا» بعيونهم معتبرين بعقولهم حين أنكروا البعث «إلى السماء» كائنة «فوقهم كيف بنيناها» بلا عمد «وزيناها» بالكواكب «وما لها من فروج» شقوق تعيبها.
أغَفَلوا حين كفروا بالبعث، فلم ينظروا إلى السماء فوقهم، كيف بنيناها مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، وزيناها بالنجوم، وما لها من شقوق وفتوق، فهي سليمة من التفاوت والعيوب؟
ثم شرعت السورة الكريمة فى بيان الأدلة على قدرة الله - تعالى - وعلى أن البعث حق ، وعلى أن استبعادهم له إنما هو لون من جهالاتهم وانطماس بصائرهم ، فقال - تعالى - : ( أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ) .
والاستفهام للإِنكار والتعجب من جهلهم ، والهمزة متعلقة بمحذوف ، والفاء عاطفة عليه : أى : أأعرضوا عن آيات الله فى هذا الكون ، فلم ينظروا إلى السماء فوقهم .
كيف بنيانها هذا البناء العجيب ، بأن رفعناها بدون عمد ، وزيناها بالكواكب ، وحفظناها من أى تصدع أو تشقق أو تفتق .
فقوله : ( فُرُوجٍ ) جمع فرج ، وهو الشق بين الشيئين .
والمراد سلامتها من كل عيب وخلل .ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ).
إشارة إلى الدليل الذي يدفع قولهم: ﴿ ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ ﴾ وهذا كما في قوله تعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ﴾ وقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيىِ الموتى بلى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: همزة الاستفهام تارة تدخل على الكلام ولا واو فيه، وتارة تدخل عليه وبعدها واو، فهل بين الحالتين فرق؟
نقول فرق أدق مما على الفرق، وهو أن يقول القائل: أزيد في الدار بعد، وقد طلعت الشمس؟
يذكره للإنكار، فإذا قال: أو زيداً في الدار بعد، وقد طلعت الشمس؟
يشير بالواو إشارة خفية إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين، كأنه يقول بعد ما سمع ممن صدر عن زيد هو في الدار، أغفل وهو في الدار بعد، لأن الواو تنبئ عن ضيف أمر مغاير لما بعدها وإن لم يكن هناك سابق لكنه يومئ بالواو إليه زيادة في الإنكار، فإن قيل قال في موضع ﴿ أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ ﴾ وقال هاهنا ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُواْ ﴾ بالفاء فما الفرق؟
نقول هاهنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب بمخالفه، فإن قيل ففي ياس سبق ذلك بقوله قال: ﴿ مَن يُحيىِ العظام ﴾ نقول هناك الاستدلال بالسموات لما لم يعقب الإنكار على عقيب الإنكار استدل بدليل آخر، وهو قوله تعالى: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ثم ذكر الدليل الآخر، وهاهنا الدليل كان عقيب الإنكار فذكر بالفاء، وأما قوله هاهنا بلفظ النظر، وفي الأحقاف بلفظ الرؤية، ففيه لطيفة وهي أنهم هاهنا لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم: ﴿ ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ ﴾ استبعد استبعادهم، وقال: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء ﴾ لأن النظر دون الرؤية فكأن النظر كان في حصول العلم بإنكار الرجع ولا حاجة إلى الرؤية ليقع الاستبعاد في مقابلة الاستعباد، وهناك لم يوجد منهم بإنكار مذكور فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي أتم من النظر، ثم إنه تعالى كمل ذلك وجمله بقوله: ﴿ إِلَى السماء ﴾ ولم يقل في السماء لأن النظر في الشيء ينبئ عن التأمل والمبالغة والنظر إلى الشيء ينبئ عنه، لأن إلى للغاية فينتهي النظر عنده في الدخول في معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى الظرفية وقوله تعالى: ﴿ فَوْقَهُمُ ﴾ تأكيد آخر أي وهو ظاهر فوق رؤوسهم غير غائب عنهم، وقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ بنيناها وزيناها وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾ إشارة إلى وجه الدلالة وأولوية الوقوع وهي للرجع، أما وجه الدلالة فإن الإنسان له أساس هي العظام التي هي كالدعامة وقوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم.
وأما الأولوية فإن السماء ما لها من فروج فتأليفها أشد، وللإنسان فروج ومسام، ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف، والأول أصعب عند الناس وأعجب، فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى؟
قالت الفلاسفة الآية دالة على أن السماء لا تقبل الخرق، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ﴾ وقوله: ﴿ سَبْعاً شداداً ﴾ وتعسفوا فيه لأن قوله تعالى: ﴿ مَّا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾ صريح في عدم ذلك، والإخبار عن عدم الشيء لا يكون إخباراً عن عدم إمكانه فإن من قال: ما لفلان قال؟
لا يدل على نفي إمكانه، ثم إنه تعالى بيّن خلاف قولهم بقوله: ﴿ وَإِذَا السماء فُرِجَتْ ﴾ وقال: ﴿ إِذَا السماء انفطرت ﴾ وقال: ﴿ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ وقال: ﴿ فَإِذَا انشقت السماء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان ﴾ إلى غير ذلك والكل في الرد عليهم صريح وما ذكروه في الدلالة ليس بظاهر، بل وليس له دلالة خفية أيضاً، وأما دليلهم المعقول فأضعف وأسخف من تمسكهم بالمنقول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُواْ ﴾ حين كفروا بالبعث إلى آثار قدرة الله في خلق العالم ﴿ بنيناها ﴾ رفعناها بغير عمد ﴿ مِن فُرُوجٍ ﴾ من فتوق: يعني أنها ملساء سليمة من العيوب لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل، كقوله تعالى: ﴿ هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ﴾ [الملك: 3].
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ حِينَ كَفَرُوا بِالبَعْثِ.
﴿ إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ ﴾ إلى آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ العالَمِ.
﴿ كَيْفَ بَنَيْناها ﴾ رَفَعْناها بِلا عَمْدٍ.
﴿ وَزَيَّنّاها ﴾ بِالكَواكِبِ.
﴿ وَما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ فُتُوقٍ بِأنْ خَلَقَها مَلْساءَ مُتَلاصِقَةَ الطِّباقِ.
﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ بَسَطْناها.
﴿ وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ.
﴿ وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ.
﴿ بَهِيجٍ ﴾ حَسَنٍ.
﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ مُتَفَكِّرٍ في بَدائِعِ صُنْعِهِ، وهُما عِلَّتانِ لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعْنًى وإنِ انْتَصَبَتا عَنِ الفِعْلِ الأخِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَلَمْ يَنظُرُوآ} حين كفروا بالبعث {إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ} إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم {كَيْفَ بنيناها} رفعناها بغير عمد {وزيناها} بالنيرات {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} من فتوق وشقوق أي أنها سليمة من العيوب لافتق فيها ولا صداع ولا خلل
﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ أيْ أغْفَلُوا أوْ عَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا حِينَ كَفَرُوا بِالبَعْثِ ﴿ إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ ﴾ بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها كُلَّ وقْتٍ، قِيلَ: وهَذا ظاهِرٌ عَلى ما هو المَعْرُوفُ بَيْنَ النّاسِ مِن أنَّ المُشاهَدَ هو السَّماءُ الَّتِي هي الجِرْمُ المَخْصُوصُ الَّذِي يُطْوى يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ وُصِفَ في الآياتِ والأحادِيثِ بِما وُصِفَ.
وأمّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ مِن أنَّ المُشاهَدَ إنَّما هو كُرَةُ البُخارِ أوْ هَواءٌ ظَهَرَ بِهَذا اللَّوْنِ ولا لَوْنَ لَهُ حَقِيقَةً ودُونَ ذَلِكَ الجِرْمِ فَفِيهِ خَفاءٌ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ في هَذا المَقامِ: إنَّ ظَواهِرَ الآياتِ والأخْبارِ ناطِقَةٌ بِأنَّ السَّماءَ مَرْئِيَّةٌ، وما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ مِن أنَّ الأفْلاكَ أجْرامٌ صُلْبَةٌ شَفّافَةٌ لا تُرى غَيْرُ مُسَلَّمٍ أصْلًا، وكَذا كَوْنُ السَّماواتِ السَّبْعِ هي الأفْلاكُ السَّبْعَةُ غَيْرَ مُسَلَّمٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وكَذا وُجُودُ كُرَةِ البُخارِ وأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ هَواءٌ مُخْتَلِفُ الأجْزاءِ في اللَّطافَةِ فَكُلَّما عَلا كانَ ألْطَفَ حَتّى أنَّهُ رُبَّما لا يَصْلُحُ لِلتَّعَيُّشِ ولا يَمْنَعُ خُرُوجَ الدَّمِ مِنَ المَسامِّ الدَّقِيقَةِ جِدًّا لِمَن وصَلَ إلَيْهِ، وإنَّ رُؤْيَةَ الجَوِّ بِهَذا اللَّوْنِ لا يُنافِي رُؤْيَةَ السَّماءِ حَقِيقَةً وإنْ لَمْ تَكُنْ في نَفْسِها مُلَوَّنَةً بِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ كَرُؤْيَةِ قَعْرِ البَحْرِ أخْضَرَ مِن وراءِ مائِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُرى بِواسِطَةِ شَيْءٍ عَلى لَوْنٍ وهو في نَفْسِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ اللَّوْنِ، بَلْ قِيلَ: إنَّ رُؤْيَةَ السَّماءِ مَعَ وُجُودِ كُرَةِ البُخارِ عَلى نَحْوِ رُؤْيَةِ الأجْرامِ المُضِيئَةِ كالقَمَرِ وغَيْرِهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأصْحابَ مَعَ الظَّواهِرِ حَتّى يَظْهَرَ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ يُؤَوِّلُونَها، وأنَّ التِزامَ التَّطْبِيقِ بَيْنَ ما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وما قالَهُ الفَلاسِفَةُ مَعَ إكْذابِ بَعْضِهِ بَعْضًا أصْعَبُ مِنَ المَشْيِ عَلى الماءِ أوِ العُرُوجِ إلى السَّماءِ، وأنا أقُولُ: لا بَأْسَ بِتَأْوِيلٍ ظاهِرٍ تَأْوِيلًا قَرِيبًا لِشَيْءٍ مِنَ الفَلْسَفَةِ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً ولَمْ يَسْتَلْزِمْ مَفْسَدَةً دِينِيَّةً، وأرى الإنْصافَ مِنَ الدِّينِ، ورَدُّ القَوْلِ احْتِقارًا لِقائِلِهِ غَيْرُ لائِقٍ بِالعُلَماءِ المُحَقِّقِينَ، هَذا وحَمَلَ بَعْضٌ ( السَّماءِ ) هاهُنا عَلى جِنْسِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وهو كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّها الجِرْمُ المَخْصُوصُ وأنَّها السَّماءُ الدُّنْيا أيْ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ الدُّنْيا ﴿ كَيْفَ بَنَيْناها ﴾ أحْكَمْناها ورَفَعْناها بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿ وزَيَّنّاها ﴾ لِلنّاظِرِينَ بِالكَواكِبِ المَرَتَّبَةِ عَلى أبْدَعِ نِظامٍ ﴿ وما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ أيْ مِن فُتُوقٍ وشُقُوقٍ، والمُرادُ سَلامَتُها مِن كُلِّ عَيْبٍ وخَلَلٍ فَلا يُنافِي القَوْلَ بِأنَّ لَها أبْوابًا.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مُتَلاصِقَةُ الطِّباقِ وهو يُنافِي ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن أنَّ بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
وقِيلَ هاهُنا ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ بِالفاءِ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ بِالواوِ لِسَبْقِ إنْكارِ الرَّجْعِ فَناسَبَ التَّعْقِيبَ بِما يُشْعِرُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وجِيءَ بِالنَّظَرِ دُونَ الرُّؤْيَةِ كَما في الأحْقافِ اسْتِبْعادًا لِاسْتِبْعادِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: النَّظَرُ كافٍ في حُصُولِ العِلْمِ بِإمْكانِ الرَّجْعِ ولا حاجَةَ إلى الرُّؤْيَةِ قالَهُ الإمامُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما لَها مِن فُرُوجٍ ) لِلْفَلاسِفَةِ عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى امْتِناعِهِ، عَلى أنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ المُرادَ بِذَلِكَ، ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ لَيْسَ مَعْنًى حَقِيقِيًّا لِشُيُوعِهِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعني: من أهل مكة فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ يعني: أمر عجيب أن يكون محمد رسولاً، وهو من نسبهم.
قوله تعالى: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً بعد الموت، نجدد بعد ما متنا، نصير خلقاً جديداً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يعني: رد طويل لا يكون أبداً.
ويقال: رجع يرجع رجعاً إذا رجعه غيره، ورجع يرجع رجوعاً إذا رجع بنفسه، كقوله: صد يصد صدوداً، وصد يصد صداً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ أي: ذلك صرف بعيد.
قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ يعني: ما تأكل الأرض من لحومهم، وعروقهم، وما بقي منهم، ويقال: تأكل الأرض جميع البدن إلا العصعص، وهو عجب الذنب، وذلك العظم آخر ما يبقى من البدن.
فأول ما يعود، ذلك العظم ويركب عليه سائر البدن وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ يعني: اللوح المحفوظ.
قوله عز وجل: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني: كذبوا بالقرآن، وبمحمد ، والبعث.
لَمَّا جاءَهُمْ أي: حين جاءهم فَهُمْ يعني: قريش فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ يعني: في قول مختلف، ملتبس.
المريج أن يقلق الشيء فلا يستقر.
ويقال: مرج الخاتم في يدي مرجاً إذا قلق للهزال.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي: من ترك الحق.
يقال: من ترك الحق أمرج عليه رأيه، والتبس عليه دينه.
ثم دلهم على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه، الذي يدل على وحدانيته فقال: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها بغير عمد وَزَيَّنَّاها بالكواكب وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ يعني: شقوق، وصدوع، وخلل.
قوله تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها يعني: بسطناها مسير خمسمائة عام من تحت الكعبة، وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت.
قوله: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ يعني: حسن طيب من الثمار، والنبات.
قوله تعالى: تَبْصِرَةً يعني: في هذا الذي ذكره من خلقه، تَبْصِرَةً لتبصروا به.
ويقال: عبرة.
وَذِكْرى يعني: تفكراً، وعظة.
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني: مخلص بالتوحيد.
ويقال: راجع إلى ربه.
قوله تعالى: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء مُبارَكاً يعني: المطر فيه البركة حياة لكل شيء، فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ يعني: البساتين وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني: حين ما يخرج من سنبله.
ويقال: ما يحصد، وما لا يحصد، كل ما كان له حب.
ويقال: هي الحبوب التي تحصد.
قوله عز وجل: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ يعني: أطوال لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ يعني: الكفري نضيد.
يعني: مجتمع.
يقال: نضد بعضه على بعض.
ويقال: ثمر منضود إذا كان متراكباً بعضه على بعض.
ويقال: إنما يسمى نضيداً ما كان في الغلاف رِزْقاً لِلْعِبادِ يعني: جعلناه طعاماً للخلق.
يعني: الحبوب، والثمر.
وَأَحْيَيْنا بِهِ يعني: بالماء بَلْدَةً مَيْتاً إذا لم يكن فيها نبات، فهذا كله صفات بركة المطر.
ثم قال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ يعني: هكذا الخروج من القبر.
كما أحييت الأرض الميتة بالنبات، فكذلك لما ماتوا، وبقيت الأرض خالية، أمطرت السماء أربعين ليلة كمني الرجل، فدخل في الأرض، فتنبت لحومهم، وعروقهم، وعظامهم من ذلك، ثم يحييهم.
فذلك قوله: كَذلِكَ الْخُرُوجُ.
ثم عزى النبيّ ليصبر على إيذاء الكفار.
يعني: لا تحزن بتكذيب الكفار إياك، لأنك لست بأول نبي، وكل أمة كذبت رسلها، مثل نوح، وهود- عليهم السلام- وغيرهم فقال عز وجل: <div class="verse-tafsir"
وخَصَّ هذا الصنف بالذكر تشريفاً لهم من حيثُ انتفاعُهُم بالتبصرة والذكرى، وَحَبَّ الْحَصِيدِ: البُرُّ، والشعير، ونحوُهُ مِمَّا هو نبات مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ قال أبو حيان «١» : وَحَبَّ الْحَصِيدِ من إضافة الموصوف إلى صفته على قول الكوفيين، أو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقَامه، أي: حب الزرع الحصيد على قول البصريين، وباسِقاتٍ حال مُقَدَّرَةٌ لأَنَّهَا حالةَ الإنبات ليست طوالاً، انتهى، وباسِقاتٍ: معناه طويلات ذاهبات في السماء، والطَّلْعُ أول ظهور التمر في الكفرّى، قال البخاريّ: ونَضِيدٌ معناه: مَنْضُودٌ بعضُه على بعض، انتهى، ووصف البلدة بالميت على تقدير القطر والبلد.
ثم بَيَّنَ سبحانه موضع الشَّبَهِ فقال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ يعني: من القبور، وهذه الآيات كلها إنَّما هي أَمْثِلَة وأَدِلَّة على البعث، وَأَصْحابُ الرَّسِّ: قوم كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرَّسُّ، وكُلُّ ما لم يُطْوَ من بئر، أو مَعْدِنٍ، أو نحوه فهو رَسٌّ، وجاءهم نبيٌّ/ يُسَمَّى حَنْظَلَةَ بن سفيان- فيما رُوِيَ- فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه، فأهلكهم اللَّهُ، وقال الضّحّاك: الرّسّ بئر قتل فيها صاحب «يس» «٢» ، وقيل: إنَّهم قوم عاد، واللَّه أعلم.
وقوله: كُلٌّ قال سيبويه: التقدير: كُلُّهم، والوعيد الذي حَقَّ: هو ما سبق به القضاءُ من تعذيبهم.
وقوله سبحانه: أَفَعَيِينا توقيف للكفار، وتوبيخ، والخلق الأَوَّلُ: إنشاء الإنسان من نُطْفَةٍ على التدريج المعلوم، وقال الحسن «٣» : الخلق الأول: آدم، واللَّبْسُ: الشَّكُّ والريب، واختلاط النظر، والخَلْقُ الجديد: البعث من القبور.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ...
الآية: الإنسان: اسم جنس، وتُوَسْوِسُ معناه: تتحدث في فكرتها، والوسوسةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غير الخير.
وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ: عبارة عن قُدْرَةِ الله على العبد،
ثُمَّ دَلَّهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها ﴾ بِغَيْرِ عَمَدٍ "وَزَيَّنّاها" بِالكَواكِبِ ﴿ وَما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ أيْ: مِن صُدُوعٍ وشُقُوقٍ.
والزَّوْجُ: الجِنْسُ.
والبَهِيجُ: الحَسَنُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَهِيجُ: الَّذِي يُبْتَهَجُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُبَصِّرَ ونَدُلَّ عَلى القُدْرَةِ.
والمُنِيبُ: الَّذِي يَرْجِعُ إلى اللَّهِ ويُفَكِّرُ في قُدْرَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ وهو المَطَرُ ﴿ مُبارَكًا ﴾ أيْ: كَثِيرَ الخَيْرِ، فِيهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿ فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ ﴾ وهي البَساتِينُ ﴿ "وَحَبَّ الحَصِيدِ ﴾ أرادَ: الحَبَّ الحَصِيدَ، فَأضافَهُ إلى نَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ فالحَبْلُ هو الوَرِيدُ، وكَما يُقالُ: صَلاةُ الأُولى، يُرادُ الصَّلاةُ الأُولى، ويُقالُ: مَسْجِدُ الجامِعِ، يُرادُ: المَسْجِدُ الجامِعُ، وإنَّما تُضافُ هَذِهِ الأشْياءُ إلى أنْفُسِها لِاخْتِلافِ لَفْظِ اسْمِها، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءُ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.
وقالَ غَيْرُهُما: أرادَ حَبَّ النَّبْتِ الحَصِيدِ.
"والنَّخْلَ" أيْ: وأنْبَتْنا النَّخْلَ "باسِقاتٍ" و"بُسُوقُها": طُولُها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: بَسَقَ الشَّيْءُ يَبْسُقُ بُسُوقًا: إذا طالَ، والنَّضِيدُ: المَنضُودُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَفَتَّحَ، فَإذا انْشَقَّ جَفَّ طَلْعُهُ وتَفَرَّقَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِزْقًا لِلْعِبادِ ﴾ أيْ: أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ "وَأحْيَيْنا بِهِ" أيْ: بِالمَطَرِ "بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ" مِنَ القُبُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ بِما بَعْدَ هَذا، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَحَقَّ وعِيدِ ﴾ أيْ: وجَبَ عَلَيْهِمْ عَذابِي.
﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ .
والمَعْنى: أعْجَزَنا عَنِ ابْتِداءِ الخَلْقِ، وهو الخَلْقُ الأوَّلُ، فَنَعْيا بِالبَعْثِ وهو الخَلْقُ الثّانِي؟!
وهَذا تَقْرِيرٌ لَهُمْ، لِأنَّهُمُ اعْتَرَفُوا أنَّهُ الخالِقُ، وأنْكَرُوا البَعْثَ ﴿ بَلْ هم في لَبْسٍ ﴾ أيْ: في شَكٍّ ﴿ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وهو البَعْثُ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ ق هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، رَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ ق هَوَّنَ اللهُ عَلَيْهِ المَوْتَ وسَكَراتِهِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ ق والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ ﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: [ق] اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، وقالَ أيْضًا: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقالَ قَتادَةُ والشَعْبِيُّ: هو اسْمُ السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: هُمُ اسْمُ الجَبَلِ المُحِيطِ بِالدُنْيا، وهو فِيما يَزْعُمُونَ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، مِنها خُضْرَةُ السَماءِ وخُضْرَةُ البَحْرِ.
و"المَجِيدُ": الكَرِيمُ في أوصافِهِ الَّذِي جَمَعَ كُلَّ عِلِيٍّ، و[ق] -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ- مُقْسَمٌ بِهِ وبِالقُرْآنِ المَجِيدِ، وجَوابُ القَسَمِ مُنْتَظَرٌ، واخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ ، وقِيلَ: الجَوابُ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى ﴾ ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، عن سَعِيدٍ الأخْفَشِ: الجَوابُ ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ ، وضَعَّفَهُ النُحاسُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ مِنَ النُحاةِ: الجَوابُ "بَلْ عَجِبُوا"، والمَعْنى: لَقَدْ عَجِبُوا قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكَلُّفٌ وتَحَكُّمٌ عَلى اللِسانِ، وقالَ الزَجّاجُ، والمُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: الجَوابُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "ق والقُرْآنُ المَجِيدُ لَتُبْعَثُنَّ"، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ الَّذِي يَقَعُ عنهُ الإضْرابُ بِـ "بَلْ"،كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والقُرْآنِ المَجِيدِ ما رَدُّوا أمَرَكَ بِحُجَّةٍ، أو ما كَذَبُوكَ بِبُرْهانٍ، ونَحْوُ هَذا مِمّا لا بُدَّ لَكَ مِن تَقْدِيرِهِ بَعْدَ الَّذِي قَدَّرَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّك إذا قُلْتَ "الجَوابُ "لَتُبْعَثُنَّ" فَلا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تُقَدِّرَ خَبَرًا عنهُ يَقَعُ الإضْرابُ، وهَذا الَّذِي جَعَلْناهُ جَوابًا وجاءَ في المُقَدَّرِ أخْصَرُ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى [ق]: إنَّهُ حَرْفٌ دالٌّ عَلى الكَلِمَةِ نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافِ..................
واخْتَلَفُوا بَعْدُ، فَقالَ القُرْطُبِيُّ: هو دالٌّ عَلى أسْماءِ اللهِ تَعالى هِيَ: قادِرٌ وقاهِرٌ وقَرِيبٌ وقاضٍ وقابِضٌ.
وقِيلَ: المَعْنى: قُضِيَ الأمْرُ مِن رِسالَتِكَ ونَحْوِهِ.
"والقُرْآنُ المَجِيدُ"، فَجَوابُ القَسَمِ في الكَلامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ق]، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا، وقِيلَ: المَعْنى: قُهِرَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، وهَذا أيْضًا وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قِيامُهم مِنَ القُبُورِ حَقٌّ "والقُرْآنِ المَجِيدِ"، فَيَكُونُ أوَّلَ السُورَةِ مِنَ المَعْنى الَّذِي اطَّرَدَ بَعْدُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ، فَثَمَّ كَلامٌ مُضْمَرٌ وقَعَ عنهُ الإضْرابُ، وهو خَبَرٌ عنهُمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كَذَّبُوكَ بِبُرْهانٍ، أوَنَحْوِ هَذا مِمّا يَلِيقُ مُظْهَرًا.
وقَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ القُرّاءِ: "ق" بِسُكُونِ الفاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ غَيْرُها إلّا جَوازَ سُوءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْسُنُ مَعَ أنْ تَكُونُ [ق] حَرْفًا دالًّا عَلى كَلِمَةٍ.
وقَرَأ الثَقَفِيُّ، وعِيسى: "قافَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهَذِهِ تَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِأنَّها اسْمٌ لِلْقُرْآنِ أو لِلَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قافِ" بِكَسْرِ الفاءِ، وهي في رُتْبَةِ الَّتِي قَبْلَها في أنَّ الحَرَكَةَ لِلِالتِقاءِ، وفي أنَّها اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، و"المَجِيدِ" الكَرِيمِ الأوصافِ الكَثِيرِ الخَيْرِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ في "عَجِبُوا"، لِمَن هُوَ؟
فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو لِجَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مَفْطُورٍ عَجِبَ مِن بَعْثَةِ بِشْرٍ رَسُولًا لِلَّهِ، لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ نَظَرُوا واهْتَدَوْا، والكافِرُونَ بَقُوا في عَمايَتِهِمْ وصُمُّوا وحاجُّوا بِذَلِكَ العَجَبِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الضَمِيرُ في "عَجِبُوا" لِلْكافِرِينَ، كَرَّرَ الكَلامَ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً، والإشارَةُ بِـ "هَذا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى نَفْسِ مَجِيءِ البَشَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الإنْذارُ وهو الخَبَرُ بِالبَعْثِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ ما يَأْتِي بَعْدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أئِذا"، وقَرَأ الأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "إذا" عَلى الخَبَرِ دُونَ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنُبْعَثُ إذًا؟
وإلى هَذا الفِعْلِ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: "ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ"، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أإذا مِتْنا بَعْدَ رَجْعِنا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ "رَجْعٌ بَعِيدٌ" عَلى هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو "بَعْدُ" ويَحِلُّ مَحَلَّ الجَوابِ لِقَوْلِهِمْ: "إذا".
وَ"الرَجْعُ" مَصْدَرُ رَجَعَتْهُ، وقَوْلُهُمْ: "بَعِيدٌ" مَعْناهُ: بَعِيدٌ في الأفْهامِ والفِكْرِ كَوْنُهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى -رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ- بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما تَأْكُلُ الأرْضُ مِنَ ابْنِ آدَمَ وما تُبْقِي مِنهُ، وإنَّ ذَلِكَ في الكِتابِ، وكَذَلِكَ يَعُودُ في الحَشْرِ مَعْلُومًا ذَلِكَ كُلُّهُ، و"الحَفِيظُ": الجامِعُ الَّذِي لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ، وقالَ الرُمّانِيُّ: حَفِيظٌ: مَنِيعٌ مِن أنْ يَذْهَبَ بِبِلًى ودُرُوسٍ، ورُوِيَ في الخَبَرِ الثابِتِ أنَّ الأرْضَ تَأْكُلُ ابْنَ آدَمَ إلّا عَجَبُ الذَنَبِ وهو عَظَمٌ كالخَرْدَلَةِ فَمِنهُ يَرْكَبُ ابْنُ آدَمَ، وحِفْظُ ما تَنْقُصُ الأرْضُ إنَّما هو لِيَعُودَ بِعَيْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا هو الحَقُّ، وذَهَبَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ إلى أنَّ الأجْسادَ المَبْعُوثَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ هَذِهِ، وهَذا عِنْدِي خِلافٌ لِظاهِرِ كِتابِ اللهِ تَعالى، ولَوْ كانَتْ غَيْرُها فَكَيْفَ كانَتْ تَشْهَدُ الجُلُودُ والأيْدِي والأرْجُلُ عَلى الكَفَرَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ أجْسادَ الدُنْيا هي الَّتِي تَعُودُ؟
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ: المَعْنى: ما تَنْقُصُ مِن لُحُومِهِمْ وأبْشارِهِمْ وعِظامِهِمْ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ" ﴾ أيْ: ما يَحْصُلُ في بَطْنِ الأرْضِ مِن مَوْتاهُمْ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ مُضَمِّنُهُ الوَعِيدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أيْضًا -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: مَعْناهُ: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ بِالإيمانِ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ في الإيمانِ، وهَذا قَوْلٌ أجْنَبِيٌّ مِنَ المَعْنى الَّذِي قَبْلُ وبَعْدُ.
وقَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: "بَلْ كَذَّبُوا" مُضْمَرٌ عنهُ وقَعَ الإضْرابُ، تَقْدِيرُهُ: ما أجادُوا النَظَرَ، أو نَحْوَ هَذا، والَّذِي يَقَعُ عنهُ الإضْرابُ بِـ "بَلْ" الأغْلَبُ فِيهِ أنَّهُ مَنفِيٌّ تَقْضِي "بَلْ" بِفَسادِهِ، وقَدْ يَكُونُ أمْرًا مُوجِبًا تَقْضِي "بَلْ" بِتَرْكِ القَوْلِ فِيهِ لا بِفَسادِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمّا" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي كَقَوْلِهِمْ: "أعْطَيْتُهُ لِما سَألَ"، وكَما في التارِيخِ "لِخَمْسٍ خَلَوْنَ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ................
∗∗∗ إذا هَبَّتْ لِقارِبِها الرِياحُ و"المَرِيجُ" مَعْناهُ: المُخْتَلِطُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: بَعْضُهم يَقُولُ ساحِرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ كاهِنٌ، وبَعْضُهم شاعِرٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَخْلِيطِهِمْ، وكَذَلِكَ عادَتْ فِكْرَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُخْتَلِطَةً في نَفْسِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَرِيجُ: المُنْكَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْتَبِسُ، والمَرِيجُ: المُضْطَرِبُ أيْضًا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ومِنهُ في الحَدِيثِ: « "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ،» ومِنَ الأوَّلِ: "مَرَجَ البَحْرَيْنِ"، وقالَ الشاعِرُ: مَرِجَ الدِينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ∗∗∗ مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ ثُمَّ دَلَّ تَعالى عَلى العِبْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ الآيَةُ.
و"زَيَّنّاها" مَعْناهُ: بِالنُجُومِ، و"الفُرُوجُ": الفُطُورُ خِلالَها وأثْناءَها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وحَكى النَقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُعْطِي أنَّ السَماءَ مُسْتَدِيرَةٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حُكِيَ إذا تُدُبِّرَ اللَفْظُ وما يَقْتَضِي.
و"الرَواسِي": الجِبالُ، و"الزَوْجُ": النَوْعُ، و"البَهِيجُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الحَسَنُ المَنظِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: ﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، و"المُنِيبُ": الراجِعُ إلى الحَقِّ عن فِكْرَةٍ ونَظَرٍ، قالَ قَتادَةُ: هو المُقْبِلُ بِقَلْبِهِ إلى اللهِ وخَصَّ تَعالى هَذِهِ الصُنَيْفَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا مِن حَيْثُ هي المُنْتَفِعَةُ بِالتَبْصِرَةِ والذِكْرى، وإلّا فَهَذِهِ المَخْلُوقاتُ هي تَبْصِرَةٌ وذِكْرى لِكُلِّ بَشَرٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "تَبْصِرَةً وذِكْرى" مَفْعُولانِ مِن أجْلِهِما، وهَذا مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ أرْجَحُ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على قوله: ﴿ بل عجبوا أن جاءهم منذر ﴾ [ق: 2] إلى قوله: ﴿ مريج ﴾ [ق: 5] لأن أهمّ ما ذكر من تكذيبهم أنهم كذبوا بالبعث، وخلق السماوات والنجوم والأرض دالّ على أن إعادة الإنسان بعد العدم في حيّز الإمكان فتلك العوالم وجدت عن عدم وهذا أدلّ عليه قوله تعالى في سورة يس (81) ﴿ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ﴾ والاستفهام يجوز أن يكون إنكارياً.
والنظرُ نظرَ الفكر على نحو قوله تعالى: ﴿ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ﴾ [يونس: 101].
ومحل الإنكار هو الحال التي دل عليها ﴿ كيفَ بنيناها ﴾ ، أي ألم يتدبروا في شواهد الخليقة فتكون الآية في معنى أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق.
ويجوز أن يكون الاستفهام تقريرياً، والنظر المشاهدة، ومحل التقرير هو فعل ﴿ ينظروا ﴾ ، أو يكون ﴿ كيف ﴾ مراد به الحال المشاهدة.
هذا وأن التقرير على نفي الشيء المراد الإقرار بإثباته طريقة قرآنية ذكرناها غير مرة، وبينا أن الغرض منه إفساح المجال للمقرَّر إن كان يروم إنكار ما قُرر عليه، ثقة من المقرِّر بكسر الراء بأن المقرَّر بالفتح لا يُقدم على الجحود بما قرر عليه لظهوره، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ﴾ [الأعراف: 148]، وقوله: ﴿ ألست بربكم كلاهما ﴾ في سورة الأعراف (172).
وهذا الوجه أشدّ في النعي عليهم لاقتضائه أن دلالة المخلوقات المذكورة على إمكان البعث يكفي فيها مجرد النظر بالعين.
وفوقهم} حال من السماء.
والتقييد بالحال تنديد عليهم لإهمالهم التأمل مع المكنة منه إذ السماء قريبة فوقهم لا يكلفهم النظر فيها إلا رفعَ رؤوسهم.
و ﴿ كيف ﴾ اسم جامد مبْنيّ معناه: حالة، وأكثر ما يرد في الكلام للسؤال عن الحالة فيكون خبراً قبل ما لا يستغنِي عنه مثل: كيف أنت؟
وحالاً قبل ما يستغنى عنه نحو: كيف جاء؟
ومفعولاً مطلقاً نحو ﴿ كيف فعل ربك ﴾ [الفجر: 6]، ومفعولاً به نحو قوله تعالى: ﴿ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ [الإسراء: 21].
وهي هنا بدل من ﴿ فوقَهم ﴾ فتكون حالاً في المعنى.
والتقدير: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم هيئة بنينا إياها، وتكون جملة ﴿ بنيناها ﴾ مبينة ل ﴿ كيف ﴾ .
وأطلق البناء على خلق العلويات بجامع الارتفاع.
والمراد ب ﴿ السماء ﴾ هنا ما تراه العين من كرة الهواء التي تبدو كالقبة وتسمى الجوّ.
والتزيين جعل الشيء زينا، أي حسناً أي تحسين منظرها للرائي بما يبدو فيها من الشمس نهاراً والقمر والنجوم ليلاً.
واقتصر على آية تزيين السماء دون تفصيل ما في الكواكب المزَّينة بها من الآيات لأن التزيين يشترك في إدراكه جميع الذين يشاهدونه وللجمع بين الاستدلال والامتنان بنعمة التمكين من مشاهدة المرائي الحسنة كما قال تعالى ﴿ ولكم فيها جَمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ [النحل: 6] في شأن خَلق الأنعام في سورة النحل.
ثم يتفاوت الناس في إدراك ما في خلق الكواكب والشمس والقمر ونظامها من دلائل على مقدار تفاوت علومهم وعقولهم.
والآية صالحة لإفهام جميع الطبقات.
وجملة ﴿ وما لها من فروج ﴾ عطف على جملتي ﴿ كيف بنيْنَاها وزيّناها ﴾ فهي حال ثالثة في المعنى.
والفروج: جمع فرج، وهو الخرق، أي يشاهدونها كأنها كُرة متصلة الأجزاء ليس بين أجزائها تفاوت يبدو كالخَرْق ولا تباعد يفصل بعضها عن بعض فيكون خرقاً في قبتها.
وهذا من عجيب الصنع إذ يكون جسم عظيم كجسم كرة الهواء الجوي مصنوعاً كالمفروغ في قالب.
وهذا مشاهد لجميع طبقات الناس على تفاوت مداركهم ثم هم يتفاوتون في إدراك ما في هذا الصنع من عجائب التئام كرة الجوّ المحيط بالأرض.
ولو كان في أديم ما يسمى بالسماء تخالف من أجزائه لظهرت فيه فروج وانخفاض وارتفاع.
ونظير هذه الآية قوله في سورة المُلك ﴿ الذي خلق سبع سماوات طباقا إلى قوله هل ترى من فطور ﴾ [الملك: 3].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شُقُوقٍ.
الثّانِي: مِن فُتُوقٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى إلّا أنَّ المَلِكَ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ عِنْدَ العُرُوجِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ أيْ بَسَطْناها.
﴿ وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ يَعْنِي الجِبالَ الرَّواسِيَ الثَّوابِتَ، واحِدُها راسِيَةٌ قالَ الشّاعِرُ رَسا أصْلُهُ تَحْتَ الثَّرى وسَما بِهِ إلى النَّجْمِ فَرْعٌ لا يُنالُ طَوِيلٌ ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ مِن كُلِّ نَوْعٍ.
﴿ بَهِيجٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَسَنٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ البَهْجَةِ وهي الحُسْنِ.
الثّانِي: سارٌّ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ أبْهَجَنِي هَذا الأمْرُ أيْ سَرَّنِي، لِأنَّ السُّرُورَ يُحْدِثُ في الوَجْهِ مِنَ الإسْفارِ والحُمْرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسَنًا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ نَباتُ الأرْضِ فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَبْصِرَةً ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بَصِيرَةً لِلْإنْسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: نِعَمًا بَصَّرَ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: يَعْنِي دِلالَةً وبُرْهانًا.
﴿ وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُنِيبَ المُخْلَصُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ التّائِبُ إلى رَبِّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الرّاجِعُ المُتَذَكِّرُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ بِهَذِهِ التَّبْصِرَةِ والذِّكْرى وإنْ خَصَّ بِالخِطابِ كُلَّ عَبْدٍ مُنِيبٍ لِانْتِفاعِهِ بِها واهْتِدائِهِ إلَيْها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا ﴾ يَعْنِي المَطَرَ، لِأنَّهُ بِهِ يَحْيا النَّباتُ والحَيَوانُ.
﴿ فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ ﴾ فِيها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها البَساتِينُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: الشَّجَرُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ وَحَبَّ الحَصِيدِ ﴾ يَعْنِي البُرَّ والشَّعِيرَ، وكُلَّ ما يُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، إذا تَكامَلَ واسْتَحْصَدَ سُمِّيَ حَصِيدًا، قالَ الأعْشى: لَسْنا كَما إيادِ دارِها ∗∗∗ تَكْرِيثٌ يُنْظَرُ حَبُّهُ أنْ يُحْصَدا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والنَّخْلَ باسِقاتٍ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الطُّوالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
قالَهُ الشّاعِرُ يا ابْنَ الَّذِينَ بِفَضْلِهِمْ ∗∗∗ بَسَقَتْ عَلى قَيْسٍ فَزارَهُ أيْ طالَتْ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي أنَّها الَّتِي قَدْ ثَقُلَتْ مِنَ الحِمْلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ فَلَمّا تَرَكْنا الدّارَ ظَلَّتْ مَنيِفَّةً ∗∗∗ بِقِرانٍ فِيهِ الباسِقاتُ المَواقِرُ ﴿ نَضِيدٌ ﴾ أيْ مَنضُودٌ، فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ النَّضِيدَ المُتَراكِمَ المُتَراكِبَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ المَنظُومُ، وهَذا يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ القائِمُ المُعْتَدِلُ، قالَهُ ابْنُ الهادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رِزْقًا لِلْعِبادِ ﴾ يَعْنِي ما أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ مُبارَكٍ، وما أخْرَجَهُ مِنَ الأرْضِ بِالماءِ مِن نَباتٍ وحَبِّ الحَصِيدِ وطَلْعٍ نَضِيدٍ.
﴿ وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ ﴾ جَعَلَ هَذا كُلَّهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّشْأةَ الأُولى إذا خَلَقَها مِن غَيْرِ أصْلٍ كانَتِ النَّشْأةُ الثّانِيَةُ بِإعادَةِ ما لَهُ أصْلٌ أهْوَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا شُوهِدَ مِن قُدْرَتِهِ، إعادَةُ ما ماتَ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ كانَ إعادَةُ مَن ماتَ مِنَ العِبادِ أوْلى لِلتَّكْلِيفِ المُوجِبِ لِلْجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ق ﴾ قال: هو اسم من أسماء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً بها ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له ﴿ ق ﴾ السماء الدنيا مترفرفة عليه، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له ق السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سموات، قال: وذلك قوله: ﴿ والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ﴾ [ لقمان: 27] .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿ ق ﴾ قال: جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كتفا السماء.
وأخرج ابن أبي الدنيا في العقوبات وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: خلق الله جبلاً يقال له ﴿ ق ﴾ محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها، فمن ثم تحرك القرية دون القرية.
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: ﴿ ق ﴾ جبل محيط بالأرض.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ ق ﴾ إسم من أسماء القرآن.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والقرآن المجيد ﴾ قال: الكريم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ والقرآن المجيد ﴾ ليس شيء أحسن منه ولا أفضل منه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ قال: أنكروا البعث فقالوا: من يستطيع أن يرجعنا ويحيينا؟.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ﴾ قال: من أجسادهم وما يذهب منها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ﴾ قال: ما تأكل الأرض من لحومهم وأشعارهم وعظامهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في الآية قال: يعني الموتى تأكلهم الأرض إذا ماتوا.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ وعندنا كتاب حفيظ ﴾ قال: لعدتهم وأسمائهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ في أمر مريج ﴾ يقول: مختلف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق أبي جمرة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ في أمر مريج ﴾ يقول: الشيء المريج الشيء المنكر المتغير، أما سمعت قول الشاعر: فجالت والتمست به حشاها ** فخر كأنه خوط مريج وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ في أمر مريج ﴾ يقول: في أمر ضلالة.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف، والخطيب في تالي التلخيص، والطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ في أمر مريج ﴾ قال: مختلط.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: فراغت فانتفذت به حشاها ** فخر كأنه خوط مريج وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ في أمر مريج ﴾ قال: ملتبس وفي قوله: ﴿ ما لها من فروج ﴾ قال: شقوق.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ من كل زوج بهيج ﴾ قال: الزوج الواحد والبهيج الحسن.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: وكل زوج من الديباج يلبسه ** أبو قدامة محبوك يداه معاً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كل زوج بهيج ﴾ قال: حسن ﴿ تبصرة ﴾ قال: نعم تبصرة للعباد ﴿ وذكرى لكل عبد منيب ﴾ قال: المنيب المقبل قلبه إلى الله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ تبصرة ﴾ قال: بصيرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء في قوله: ﴿ لكل عبد منيب ﴾ قال: مخبت.
وأخرج في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا أمطرت السماء يقول: يا جارية أخرجي سرجي أخرجي ثيابي، ويقول ﴿ وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك في قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً ﴾ قال: المطر.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وحب الحصيد ﴾ قال: الحنطة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وحب الحصيد ﴾ قال: هو البر والشعير.
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن قطبة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح فلما أتى على هذه الآية ﴿ والنخل باسقات لها طلع نضيد ﴾ قال قطبة: فجعلت أقول ما أطولها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والنخل باسقات ﴾ قال: الطول.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: سألت عكرمة عن ﴿ النخل باسقات ﴾ فقلت: ما بسوقها؟
قال: بسوقها طلعها، ألم تر أنه يقال للشاة إذا حان ولادها بسقت؟
قال: فرجعت إلى سعيد بن جبير، فقلت له: فقال: كذب، بسوقها طولها في كلام العرب ألم تر أن الله قال: ﴿ والنخل باسقات ﴾ ثم قال: ﴿ طلع نضيد ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن شداد في قوله: ﴿ والنخل باسقات ﴾ قال: استقامتها.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: بسوقها التفافها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لها طلع نضيد ﴾ قال: متراكم بعضه على بعض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا ﴾ قال المفسرون: يعني بغير عمد (١) ﴿ وَزَيَّنَّاهَا ﴾ أي بالكواكب ﴿ وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾ ، أي فتوق وشقوق وصدوع وفصول.
كل هذا من ألفاظهم.
وقال مقاتل: من خلل (٢) (٣) تسدُّ به فَرْجَها من دُبُر (٤) أراد لما بين فخذيها ورجليها.
(١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 221 ، "روح المعاني" 26/ 175، "تفسير القاسمي" 15/ 5485.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.
(٣) دوارج الدابة: قوائمها.
"اللسان" 1/ 963 (درج).
(٤) وصدره: لها ذنب مثل ذيل العروس انظر: "ديوانه" ص 112، "تهذيب اللغة" 11/ 45 (فَرَجَ)، "الخزانة" 7/ 210.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَزَيَّنَّاهَا ﴾ يعني بالنجوم ﴿ وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾ أي من شقوق، وذلك دليل على إتقان الصنعة ﴿ رَوَاسِيَ ﴾ يعني الجبال ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ أي من كل نوع جميل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.
الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .
﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.
قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.
﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.
التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.
وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.
وقيل: قضي الأمر.
وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.
والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.
ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.
وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.
والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.
ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.
ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.
وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.
والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.
عن النبي " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.
ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.
والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد مثل ذلك.
ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.
وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.
نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.
وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.
ومنه مدّ الأرض أي دحوها.
ومنها خلق الجبال الرواسخ.
ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.
ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.
والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.
والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.
ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.
وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".
وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب ﴾ وفيه تسلية للنبي .
ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟
واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.
ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.
والوسوسة الصوت الخفي.
والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.
والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.
والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.
والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.
والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.
قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.
وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.
عن النبي "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.
والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.
وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.
قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.
وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.
وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.
وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.
والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.
ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.
قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.
والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.
ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.
ثم يقال للإنسان.
﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.
وقال ابن زيد: الخطاب للنبي كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.
ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.
إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.
ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".
وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.
وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.
نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.
وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .
﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.
﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.
قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.
ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟
فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.
قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.
أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.
قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.
قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.
وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.
وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.
وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.
والمعاني كما مرت.
ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.
ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.
فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.
وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟
ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.
وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله ذليل متواضع لله.
وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.
قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.
وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.
ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.
قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.
فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.
وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.
ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.
فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.
ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.
ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.
ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.
وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.
والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.
والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.
قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.
وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.
قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.
ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.
ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .
ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.
ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.
وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.
قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.
ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.
وفيه لطيفة وهي أن الله مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟
بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.
وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله وتقديسه.
قيل: النوافل بعد المكتوبات.
وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.
ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".
قال أهل النظم: إن النبي له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.
فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.
ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.
قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.
والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.
والمكان القريب صخرة بيت المقدس.
يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.
وقيل: من تحت أقدامهم.
وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.
ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.
وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.
قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .
﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.
ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.
وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.
والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ قۤ ﴾ اسم هذه السورة، ولله - - أن يسمي السور بما شاء: ﴿ قۤ ﴾ كناية؛ كما سمى كتابه: قرآنا، وزبوراً، وتوراة، وإنجيلا؛ أقسم بهذه السورة والقرآن جملة.
ويحتمل أن يذكر ﴿ قۤ ﴾ كتابة عن جميع الحروف المقطعة، والقرآن هو اسم الحروف المجموعة المقطعة؛ أقسم بالحروف المقطعة والمجموعة جميعاً.
ومن الناس من يقول: ﴿ قۤ ﴾ اسم للجبل المحيط بالأرض، وهو ياقوتة خضراء أو ياقوتة حمراء، فخضرة السماء من ذلك؛ أقسم الله - - به وبالقرآن.
والأول أشبه وأقرب؛ لأن العرب لم تعرف جبل قاف، ولم تعرف عظمته، والقسم في الأصل لتأكيد الخبر، فإنما يتحقق بما يعرفه من أريد القسم في حقه، فأما إذا لم يعرف ولم يعظم ذلك في عينه يخرج القسم مخرج العبث الله عن ذلك، إلا أن يقال: أن يكون هذا القسم في حق أهل الكتاب، فإنه قد كان لهم كتاب يعرفون ذلك، وكانت لهم رسل قد بلغتهم ذلك، وكذا الظاهر أن القسم في حق العرب فدل أن الأول أشبه.
ثم هذه الحروف المقطعة لم يظهر في الأخبار تفسيرها عن رسول الله بطريق التواتر والاشتهار، ولم يثبت عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أنهم سألوا رسول الله عن ذلك، فسبيله الوقف فيها؛ لأنه معلوم ألا يقف أحد على المراد بالحروف المقطعة إلا من جهة السمع، فلما لم يظهر [ذلك] من أصحاب رسول الله دل أنهم تركوا ذلك، وإنما تركوه لوجوه: إما لأن هذه الحروف المقطعة كانت بيان أحكام في نوازل عرفوها وتركوا سؤالها؛ لما عرفوا تلك الأحكام والنوازل.
وإما أن تركوا ذلك لما كان ذلك من السرائر التي لم يطلع الله - - الخلق على ذلك، وهو المتشابه الذي يجب الإيمان به، ولا يطلب له تفسير، وكأن ذلك مما اختص الرسول بمعرفته؛ لقوله - -: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ﴾ فلم يسألوا منه بيان ذلك.
وإما أن كان ذلك عندهم أسماء السور لتعريف السور، وأسماء الأعلام لا يطلب فيها المعاني؛ لذلك لم يسألوا معانيها، ولم يرد التعليم من النبي كما أن أصحاب رسول الله تركوا سؤال التفسير للآيات إما لأن في وسعهم الوصول إلى معرفة ما تصمنته الآيات، وعرفوا المراد مها باللسان، وعرفوا مواقع النوازل، ففهموا المراد، فلم يحتاجوا إلى السؤال.
وإما أن تركوا لما أنها تضمنت أحكاماً عرفوها، فتركوا السؤال، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم ذكر القسم ولم يبين موضع القسم، واختلف فيه: قال بعضهم: موضع القسم في آخر السورة: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ...
﴾ الآية [ق: 16].
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...
﴾ الآية [ق: 38].
وقال بعضهم: موضع القسم قوله - -: ﴿ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أقسم بقوله: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ بأن الكفرة في أمر مريج.
ويحتمل أن يكون موضع القسم هو ما عجبوا؛ كما قال: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ ذكر - هاهنا - عجبهم من شيئين.
أحدهما: ما ذكر ﴿ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من البشر ﴿ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ وهو كقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ وقولهم: ﴿ مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ لا يزالون ينكرون الرسالة في البشر.
والثاني: من الإحياء بعد الموت؛ لقولهم ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ وقد ذكرنا في غير آي من القرآن عجبهم وإنكارهم البعث بعد الموت، فجائز أن يكون موضع القسم ما عجبوا أو أنكروا أن يكون من البشر رسول أو يحيون بعد الموت، أقسم بما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ أنه يكون ذلك ردّاً لإنكارهم وتعجبهم، والله أعلم.
ثم إنكار الكفرة وعجبهم أن كيف بُعِثَ من البشر رسول؟
أو كيف لا اختار بعث الرسل ممن عنده - وهم الملائكة - وأبداً إنما بعث الرسل من كان عند المرسل، لا ممن كان هذا مبعوثا إليهم في الشاهد إلا لمعنى، ولا ينبغي لهم أن ينكروا بعث الرسول ممن هو عند المبعوث إليهم، وإن تعجبوا منه؛ لأن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم والمبعوث إليهم في معرفة صدقة وحقيقة دعواه أقرب من أن يكون من خلاف جنسهم؛ لأنهم إنما يعرفون رسالته بآيات ودلالات يقيمها على رسالته بحيث يخرج عن وسعهم إقامتها، ولا يعرفون صدق تلك الآيات وحقيقتها إذا كانت تلك من غير جنسهم بما لعل أن ما آتاهم به وزعم أنها آيات ليست بآيات؛ لما في وسعه إتيان مثلها، وليس في وسعهم ذلك؛ لما أن القوى تختلف عند اختلاف الجنس؛ فدل أن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم أحق وأقرب إلى معرفة صدق الآيات والمعجزات، والله الموفق.
ولأن كل ذي نوع من نوعه، وكل ذي شكل من شكله أميل، وبه آنس من خلاف جنسه ونوعه، كفان الغرض وهو التأليف والأجتماع في هذا أقرب إلى الحصول، والله أعلم.
ثم قولهم: هلا بعث إلينا الرسل ممن هو عنده فاسد؛ لأن الخلائق جميعاً من حيث العند لله - - واحد، لا يوصف أحد من الخلائق أنه عنده إلا من حيث القرب به بالطاعة له، والائتمار بأمره، وترك الخلاف له، فأما على ما يوصف المخلوق عند مخلوق فلا، إذ ذاك وصف المتمكن في المكان، الله عن ذلك علوّاً كبيرا.
فإذا كان المراد من عنده من حيث القرب به بالطاعة والقيام بأمره مما يثبت أهلية الرسالة وصلاحها فذلك مما لايوجب الفضل بين البشر والملاكئة؛ بل من جهة البشر أحق؛ لما هم يفعلون عن غيب الدلائل أجمع دون العيان - والله أعلم - بحجتهم أنه لو أراد إحياءنا كيف أماتنا؟
ولا أحد في الشاهد يبني بناء فيهدمه ويبني مثله فليس بشيء؛ لأنه لو لم يكن إماتة ثم إحياء لكان الجزاء بالأعمال يكون حضرة الأفعال، وذلك يوجب أن يكون إيمانهم إيمان اضطرار، لا إيمان اختيار وإيثار؛ لأن من عاين أنه يدخل النار يعذب فيها أبد الآبدين لا يعمل ذلك العمل الذي أوعد به؛ بل يتركه، وكذا أن من عاين أن من آمن بالله - - وعمل طاعة وعبادة يدخل الجنة ويكرم أبد الآبدين لا يعمل غير ذلك العمل، فترتفع المحنة، ويكون الإيمان بحق الاضطرار، فأخر ذلك؛ ليكون الإيمان بحق الاختيار حتى يكن له قيمة.
ثم قوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾ وصف القرآن مرة بأنه كريم، ومرة بأنه حكيم، ومرة بأنه مجيد، يحتمل أنما سماه بهذه الأسماء على معنى أن من تمسك به يصير مجيداً، كريماً، حكيماً؛ أي: منزلة مجيد، كريم، حكيم.
ويحتمل أن تكون هذه صفات القرآن راجعة إلى عينه كما يقال: كلام حكمة، وكلام سفه، وإنمنا يراد به عينه؛ فعلى هذا يحتمل، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: المجيد: الماجد، والتمجيد: التعظيم، وأمجدت الدابة من الملف: إذا أكثرت [من] ذلك، وأمجد القوم: إذا أكثروا من الطعام والشراب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ قد ذكرنا تأويله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ أي: لا يكون؛ كنوا بالبعيد عما لا يكون عندهم؛ كذلك قال القتبي.
وقال أبو عوسجة: ﴿ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ أي: رد، يقال: رجع رجعً: إذا رد، ورجع رجوعاً: إذا انصرف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾ ظاهر هذا أن يكون هذا قول أولئك الكفرة؛ قالوا ذلك على سبيل الاحتجاج لما أنكروا من البعث؛ أي: قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومنا، وتأكل من أنفسنا، فأنى نحيا بعد ذلك؟!!
وهو كقولهم: ﴿ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ ونحوه.
لكن أهل التأويل بأجمعهم صرفوا هذا القول إلى الله - - أنه قال ذلك جواباً لقولهم: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ فقال: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي: عن علم منا بما تأكل منكم وتنقص قلنا: إنكم تبعثون وتحيون، وعلى علم منا بذلك أخبركم الرسل بالإحياء والبعث بعد الموت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ أي: عندنا كتاب يحفظ أحوالهم وأفعالهم وجميع ما يكون منهم.
وقال بعضهم: أي: مع علمي فيهم هم عندنا في كتاب حفيظ.
وقال قتادجة: ما أكلت الأرض منهم وكانوا تراباً، ونحن عالمون، وهم مع علمنا في كتاب حفيظ، وهو مثل الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: بالقرآن.
ويحتمل: أي: محمد وقد كذبوا بهما جميعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّرِيجٍ ﴾ قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أي: مختلط؛ يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدين، وأصل المرج أن يقلق الشيء فلا يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي مرجاً: إذا قلب للهزل، أي: تحرك.
وقيل: مضطرب مختلف؛ وهكذا كان قولهم مختلفاً مضطرباً مختلطاً في القرآن والرسول جميعاً؛ قالوا في الرسول أقوالا مضطربة مختلفة: مرة نسبوه إلى السحر، ومرة إلى الشعر، ومرة إلى الجنون، ومرة إلى الافتراء على الله - - وأنه يتلقاه من فلان، ونحو ذلك من أقوال مختلفة مضطربة فيما يدفع كل واحد من ذلك للآخر، وكذلك قالوا في القرآن مرة: إنه سحر، ومرة إنه شعر؛ وإنه من أساطير الأولين، وإنه مفترى، وإنه اختلاق، وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا، وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أي: في ضلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ...
﴾ الآية.
يحتمل أن تكون هذه الآيات صلة ما ذكر من عجبهم من بعث الرسل من البشر، والبعث بعد الموت بقوله: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ كأنه يقول: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها مرتفعة، ملتصقة بعضا ببعض، منضدة بلا فروج ولا عماد مع صلابتها وكثافتها وغلظها، وألم ينظروا إلى الأرض كيف بسطناها وألقينا فيها الجبال الرواسي أوتاداً؛ لئلا تميد بأهلها، حتى عرفوا أن من قدر على رفع السماء بلا عمد مع ارتفاعها وغلظها وصلابتها حتى لا ينتهي أحد إلى طرف من أطرافها، ولا علم نهايتها، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما - لقادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأن من فعل هذا لا يفعله عبثاً باطلا، ولكن يفعله عن حكمة وتدبير، ولو كان على ما قالوا أن لا بعث ولا جزاء كان خلق ذلك عبثاً باطلا، ويكون فعل ذلك فعل سفه، لا فعل حكمة، فلما كان فعل ذلك لكه على التدبير الذي ذكر، وعلى الاتساق الذي جرى حكمه إن شاء ذلك من غير تفاوت - دل أنه لم ينشئ الخلق من المكلفين ليتركهم سدى، لا يأمر، ولا ينهى، ولا يمتحن، فيكون عبثاً؛ بل ليمتحنهم بالأمر والنهي؛ ليكون فعله في العقلاء على نهج الحكمة كما في غيرهم من الخلائق، وإذا كان كذلك فلا بد من رسول يخبرهم ويعلمهم ما لا يقف عليه العقل من كيفية شكر المنعم، ومقداره، ووقته، ونحو ذلك، يؤكد ذلك الأمر والنهي بالوعد والوعيد، ثم كان له وضع الرسالة فيمن شاء، وفي أي جنس شاء؛ لأنه حكيم عليم، لا يكون منه الخطأ من التدبير والجهل بالأصلح والأوفق بالحكمة؛ فدل ذلك على إثبات الرسالة والبعث بعد الموت، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: انظروا إلى ما ذكر.
والثاني: قد نظروا بأبصارهم، لكن لم ينظروا نظر معتبر بنظر القلب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾ قيل: من صدوع وشقوق، والواحد: فرج، وهو الموضع بين الموضعين، والفرجة من الفرج، ومنه يقال: فوجت عنه الغمّ؛ أي: كشف، وهو كقوله - -: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ﴾ أخبر أنكم لم تروا في السماء شقوقاً وفطوراً، وفي الشاهد البناء وإن عظم وأحكم لا يخلو من نقصان أو شقوق ترد عليه، فإذا لم تروا ذلك فهلا دلكم ذلك على أن خالقه قادر على الكمال لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ اسم الزوج يقع على الشكل والضد، وكل ذي شكل هو ذو ضدّ.
والبهيج ما يبهج به، فمعناه: أنبتنا من كل زوج ما يبهج به أهله ويسرون بذلك من ألوان النبات وجواهرها.
وقال القتبي: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ ما يبهج به أهله؛ أي: من كل جنس حسن؛ يقال: بَهُجَ يَبْهُج بهجاً فهو بهيج؛ أي: حسن، وأما من السرور، فيقال: بَهج يَبْهج بهجاً فهو بهيج؛ أي: سرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ أي: تبصر ذل كل عبد منيب؛ أي: منفعة ذلك تكون لمن ذكر، وهو العبد المنيب إلى الله - - والمقبل على طاعته، فأمّا من اعتقد الخلاف له فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً ﴾ سماه: مباركاً؛ لأنه يستعمل في أمر الدين والدنيا، ويطهر به كل شيء ويزين، وبه حياة كل شيء ونماؤه، والمبارك كل خير يكون على النماء والزيادة في كل وقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ يقول: أنبتنا بذلك الماء المبارك المنزل من السماء ﴿ جَنَّٰتٍ ﴾ أي: بساتين، والمكان الذي جمع فيه كل انواع الشجر سمي: بستاناً وجنّة.
وقوله: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ أي: أنبت ذلك الماء كل حب حصيد، فدخل تحت قوله: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ أنواع الشجر والغربي والبنات.
ثم قوله - -: ﴿ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾ الحب الحصيد هو الحب نفسه، لكن أضاف الحبّ إلى الحصيد، ويجوز مثل هذا؛ كما يقال صلاة الأولى، ومسجد الجامع.
وقال بعضهم: هما غيران؛ الحب: ما يخرج منه، والحصيد: ما يحصد من العصف الذي يصير نبتاً؛ لأن الحب لا يحصد، وإنما يحصد الساق منه؛ لذلك أضاف الحب إلى الحصيد، وهو شجرة وقوامه؛ لذلك أضيف إليه؛ كما يقال: ثمر الشجر، ونحو ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ .
قوله: ﴿ وَٱلنَّخْلَ ﴾ أي: طوال؛ يقال: بسق الشيء بسوقاً إذا طال.
وقال أبو عوسجة: ﴿ بَاسِقَاتٍ ﴾ أي: حوائل.
يخبر الله - عز وجل - عن بركة الماء أنه بلطفه جعل الماء بحيث تظهر بركته ونماؤه وأثره على رأس النخل، وإن طال يسقى الأصل؛ لما جعل في سيرته من البركة، والمعنى ما يظهر ذلك، ولا يعلم حقيقة ذلك المعنى.
وقوله: ﴿ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ أي: منضود، والطلع: أول ما يخرج من النخل فيحمل، والتنضيد: هو التأليف والتركيب؛ أي: يؤلف بعضه إلى بعض ويركب، ويسمى ذلك: كُفُرَّى، وإذا نضج استوجب الطلع ويعرف وصار رطباً.
وقال أبو عوسجة ﴿ نَّضِيدٌ ﴾ أي: متراكم بعضه من على بعض، والميل المتراكم يقال له: منضود، والتنضيد: هو جعل [الشيء] بعضه فوق بعض، ونضد الشيء بنفسه فهو نضيد.
وقيل: ﴿ نَّضِيدٌ ﴾ أي: كثير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ ﴾ أخبر أن ذلك كله إنما أنبته وأخرجه رزقاً للعباد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْيَيْنَا بِهِ ﴾ أي: بالماء ﴿ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ أي: أحيا بالماء كل بلدة ميت، وكل بقعة ميتة، وكل غرس، فصار به كل حي ونماء كل شيء.
ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ ﴾ ، أي: كما قدر على إحياء ما ذكر من الأرض بعد موتها، وإحياء النبات والغرس، وكل شيء بعد موته بذلك الماء، فعلى ذلك قادر على إحيائكم بعد موتكم، وبعدما صرتم تراباً.
والأعجوبة في إحياء ما ذكر كله من الأرض والنبات والغرس إن لم تكن أكثر لم تكن دن ما في إحياء الناس من بعد موتهم، فإذ قد عرفوا قدرته في إحياء ما ذكر وأقروا به، كذلك لزمهم أن يقروا به في إحياء كل شيء، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
أفلم يتأمل هؤلاء المكذبون بالبعث السماء فوقهم؛ كيف خلقناها وبنيناها وزيناها بما وضعنا فيها من نجوم، وليس لها شقوق تعيبها؟!
فالذي خلق هذه السماء لا يعجز عن بعث الموتى أحياء.
<div class="verse-tafsir" id="91.NPk93"