الآية ٢٠ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٢٠ من سورة الطور

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٍۢ مَّصْفُوفَةٍۢ ۖ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( متكئين على سرر مصفوفة ) قال الثوري ، عن حصين ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : السرر في الحجال .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا صفوان بن عمرو ; أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله ، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه " .

وحدثنا أبي ، حدثنا هدبة بن خالد ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت قال : بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة ، عنده من أزواجه وخدمه وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم ، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك ، فيقلن : قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا .

ومعنى ) مصفوفة ) أي : وجوه بعضهم إلى بعض ، كقوله : ( على سرر متقابلين ) [ الصافات : 44 ] .

( وزوجناهم بحور عين ) أي : وجعلناهم قرينات صالحات ، وزوجات حسانا من الحور العين .

وقال مجاهد : ( وزوجناهم ) : أنكحناهم بحور عين ، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ) قد جعلت صفوفا, وترك قوله: على نمارق, اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام عليه.

وقوله: ( وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) يقول تعالى ذكره: وزوّجنا الذكور من هؤلاء المتقين أزواجا بحور عين من النساء, يقول الرجل: زوّج هذا الخلف الفرد أو النعل الفرد بهذا الفرد, بمعنى: اجعلهما زوجا.

وقد بينَّا معنى الزوج فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا , والحُور: جمع حَوْراء, وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة.

وقد ذكرت اختلاف أهل التأويل في ذلك, وبيَّنت الصواب فيه عندنا بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع, والعين: جمع عَيْنَاء, وهي العظيمة العَيْن في حُسن وسعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : متكئين على سرر سرر جمع سرير وفي الكلام حذف تقديره : متكئين على نمارق سرر .مصفوفة قال ابن الأعرابي : أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا .

وفي الأخبار أنها تصف في السماء بطول كذا وكذا ; فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت له ; فإذا جلس عليها عادت إلى حالها .

قال ابن عباس : هي سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، والسرير ما بين مكة وأيلة .وزوجناهم بحور عين أي قرناهم بهن .

قال يونس بن حبيب : تقول العرب زوجته امرأة وتزوجت امرأة ; وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة .

قال : وقول الله عز وجل : وزوجناهم بحور عين أي قرناهم بهن ; من قول الله تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم أي وقرناءهم .

وقال الفراء : تزوجت بامرأة لغة في أزد شنوءة .

وقد مضى القول في معنى الحور العين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ } الاتكاء: هو الجلوس على وجه التمكن والراحة والاستقرار، والسرر: هي الأرائك المزينة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية.ووصف الله السرر بأنها مصفوفة، ليدل ذلك على كثرتها، وحسن تنظيمها، واجتماع أهلها وسرورهم، بحسن معاشرتهم، ولطف كلام بعضهم لبعض فلما اجتمع لهم من نعيم القلب والروح والبدن ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، من المآكل والمشارب [اللذيذة]، والمجالس الحسنة الأنيقة، لم يبق إلا التمتع بالنساء اللاتي لا يتم سرور بدونهن فذكر الله أن لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافا وخلقا وأخلاقا، ولهذا قال: { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } وهن النساء اللواتي قد جمعن من جمال الصورة الظاهرة وبهاءها، ومن الأخلاق الفاضلة، ما يوجب أن يحيرن بحسنهن الناظرين، ويسلبن عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطيش شوقا إليهن، ورغبة في وصالهن، والعين: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( متكئين على سرر مصفوفة ) موضوعة بعضها إلى جنب بعض ( وزوجناهم بحور عين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(متكئين) حال من الضمير المستكن في قوله "" في جنات "" (على سرر مصفوفة) بعضها إلى جنب بعض (وزوجناهم) عطف على جنات، أي قرناهم (بحور عين) عظام الأعين حسانها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كلوا طعامًا هنيئًا، واشربوا شرابًا سائغًا؛ جزاء بما عملتم من أعمال صالحة في الدنيا.

وهم متكئون على سرر متقابلة، وزوَّجناهم بنساء بيض واسعات العيون حسانهنَّ.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ) منصوب على الحال من فاعل ( كُلُواْ ) أو من الضمير المستكن فى قوله ( جَنَّاتٍ ) .أى : هم فى جنات عظيمة ، حالة كونهم متكئين فيها على سرر موضوعة على صفوف منتظمة ، وعلى خطوط مستوية ، والسُّررُ : جمع سرير وهو ما يجلس عليه الإنسان للراحة .وقوله : ( وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) بيان لنعمة أخرى من النعم التى يتلذذون بها .أى : وفضلا عن كل ذلك ، فقد زوجناهم بنساء جميلات .وبذلك نرى أن هؤلاء المتقين ، قد أكرمهم الله - تعالى - بكل أنواع النعيم ، من مسكن طيب ، ومأكل كريم ، ومشرب هنىء ، وأزواج مطهرات من كل سوء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه بيان أسباب التنعيم على الترتيب، فأول ما يكون المسكن وهو الجنّات ثم الأكل والشرب، ثم الفرش والبسط ثم الأزواج، فهذه أمور أربعة ذكرها الله على الترتيب، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله قوله: ﴿ جنات ﴾ إشارة إلى المسكن والمسكن للجسم ضروري وهو المكان، فقال: ﴿ فاكهين ﴾ لأن مكان التنعيم قد ينتغص بأمور وبين سبب الفكاهة وعلو المرتبة يكون مما آتاهم الله، وقد ذكرنا هذا، وأما في الأكل والشرب والإذن المطلق فترك ذكر المأكول والمشروب لتنوعهما وكثرتهما، وقوله تعالى: ﴿ هَنِيئَاً ﴾ إشارة إلى خلوهما عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل والكل منتف في الجنة فلا مرض ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه، ولا إثم ولا تعب في تحصيله، فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة أو ما فيه من قضاء الحاجة واستقذار ما فيه، فلا يتهنأ، وكل ذلك في الجنة منتف.

وقوله تعالى: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ إشارة إلى أنه تعالى يقول أي مع أني ربكم وخالقكم وأدخلتكم بفضلي الجنة، وإنما منتي عليكم في الدنيا إذ هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال تعالى: ﴿ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ للإيمان  ﴾ .

وأما اليوم فلا من عليكم لأن هذا إنجاز الوعد فإن قيل قال في حق الكفار ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ وقال في حق المؤمنين ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فهل بينهما فرق؟

قلت بينهما بون عظيم من وجوه: الأول: كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ للحصر أي لا تجزون إلا ذلك، ولم يذكر هذا في حق المؤمن فإنه يجزيه أضعاف ما عمل ويزيده من فضله، وحينئذ إن كان يمن الله على عبده فيمن بذلك لا بالأكل والشرب الثاني: قال هنا ﴿ بِمَا كُنتُمْ ﴾ وقال هناك ﴿ مَّا كُنتُمْ ﴾ أي تجزون عين أعمالكم إشارة إلى المبالغة في المماثلة كما تقول هذا عين ما عملت وقد تقدم بيان هذا وقال في حق المؤمن ﴿ بِمَا كُنتُمْ ﴾ كأن ذلك أمر ثابت مستمر بعملكم هذا الثالث: ذكر الجزاء هناك وقال هاهنا ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لأن الجزاء ينبئ عن الانقطاع فإن من أحسن إلى أحد فأتى بجزائه لا يتوقع المحسن منه شيئاً آخر.

فإن قيل فالله تعالى قال في مواضع ﴿ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ في الثواب، نقول في تلك المواضع لما لم يخاطب المجزي لم يقل تجزى وإنما أتى بما يفيد العالم بالدوام وعدم الانقطاع.

وأما في السرر فذكر أموراً أيضاً أحدها: الاتكاء فإنه هيئة تختص بالمنعم، والفارغ الذي لا كلفة عليه ولا تكلف لديه فإن من يكون عنده من يتكلف له يجلس له ولا يتكئ عنده، ومن يكون في مهم لا يتفرغ للاتكاء فالهيئة دليل خير.

ثم الجمع يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون لكل واحد سرر وهو الظاهر لأن قوله: ﴿ مَصْفُوفَةٌ ﴾ يدل على أنها لواحد لأن سرر الكل لا تكون في موضع واحد مصطفة ولفظ السرير فيه حروف السرور بخلاف التخت وغيره، وقوله: ﴿ مَصْفُوفَةٌ ﴾ دليل على أنه لمجرد العظم فإنها لو كات متفرقة لقيل في كل موضع واحد ليتكئ عليه صاحبه إذا حضر في هذا الموضع، وقوله تعالى: ﴿ وزوجناهم ﴾ إشارة إلى النعمة الرابعة وفيها أيضاً ما يدل على كمال الحال من وجوه: أحدها: أنه تعالى هو المزوج وهو يتولى الطرفين يزوج عباده بأمانه ومن يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء ثانيها: قال: ﴿ وزوجناهم بِحُورٍ ﴾ ولم يقل وزوجناهم حوراً مع أن لفظة التزويج يتعدى فعله إلى مفعولين بغير حرف يقال زوجتكها قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زوجناكها  ﴾ وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج لهم وإنما زوجوا للذتهم بالحور لا للذة الحور بهم وذلك لأن المفعول بغير حرف يعلق الفعل به كذلك التزويج تعلق بهم ثم بالحور، لأن ذلك بمعنى جعلنا ازدواجهم بهذا الطريق وهو الحور ثالثها: عدم الاقتصار على الزوجات بل وصفهن بالحسن واختار الأحسن من الأحسن، فإن أحسن ما في صورة الآدمي وجهه وأحسن ما في الوجه العين، ولأن الحور والعين يدلان على حسن المزاج في الأعضاء ووفرة المادة في الأرواح، أما حسن المزاج فعلامته الحور، وأما وفرة الروح فإن سعة العين بسبب كثرة الروح المصوبة إليها، فإن قيل قوله: ﴿ زوجناهم ﴾ ذكره بفعل ماض و ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ حال ولم يسبق ذكر فعل ماض يعطف عليه ذلك وعطف الماضي على الماضي والمستقبل على المستقبل أحسن، نقول الجواب من وجوه اثنان لفظيان ومعنوي أحدها: أن ذلك حسن في كثير من المواضع، تقول جاء زيد ويجيء عمراً وخرج زيد ثانيها: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ المتقين فِي جنات وَنَعِيمٍ ﴾ تقديره أدخلناهم في جنات، وذلك لأن الكلام على تقدير أن في اليوم الذي يدع الكافر في النار في ذلك الوقت يكون المؤمن قد أدخل مكانه، فكأنه تعالى يقول في يوم يدعون إلى نار جهنم إن المتقين كائنون في جنّات والثالث: المعنوي وهو أنه تعالى ذكر مجزاة الحكم، فهو في هذا اليوم زوج عباده حوراً عيناً، وهن منتظرات الزفاف يوم الآزفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى جنات وَنَعِيمٍ ﴾ في آية جنات وأي نعيم، بمعنى الكمال في هذه الصفة.

أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة.

وقرئ: ﴿ فاكهين فكهين وفاكهون ﴾ : من نصبه حالاً جعل الظرف مستقراً، ومن رفعه خبراً جعل الظرف لغواً، أي: متلذذين ﴿ بِمَا ءاتاهم رَبُّهُمْ ﴾ .

فإن قلت: علام عطف قوله؟

﴿ ووقاهم رَبُّهُمْ ﴾ ؟

قلت: على قوله: ﴿ فِي جنات ﴾ أو على ﴿ ءاتاهم رَبُّهُمْ ﴾ على أن تجعل ما مصدرية؛ والمعنى: فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم.

ويجوز أن تكون الواو للحال وقد بعدها مضمرة.

يقال لهم: ﴿ كُلُواْ واشربوا ﴾ أكلا وشرباً ﴿ هَنِيئَاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً، وهو الذي لا تنغيص فيه.

ويجوز أن يكون مثله في قوله: هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ ** لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا استحلت أعني: صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل مرتفعاً به ما استحلت كما يرتفع بالفعل،، كأنه قيل: هناء عزة المستحل من أعراضنا، وكذلك معنى ﴿ هَنِيئَاً ﴾ ههنا: هناءكم الأكل والشرب.

أو هناءكم ما كنتم تعملون؛ أي: جزاء ما كنتم تعملون.

والباء مزيدة كما في ﴿ كفى بالله ﴾ [الرعد: 43] والباء متعلقة بكلوا واشربوا إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب.

وقرئ: (بعيس عين).

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ ﴾ في أيَّةِ جَنّاتٍ وأيِّ نَعِيمٍ، أوْ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ.

﴿ فاكِهِينَ ﴾ ناعِمِينَ مُتَلَذِّذِينَ.

﴿ بِما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ وقُرِئَ «فَكِهِينَ» و «فاكِهُونَ» عَلى أنَّهُ الخَبَرُ والظَّرْفُ لَغْوٌ.

﴿ وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ عَطْفٌ عَلى آتاهم إنْ جَعَلَ ما مَصْدَرِيَّةً، أوْ في جَنّاتٍ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ أوِ الحالِ، أوْ مِن فاعِلِ آتى أوْ مَفْعُولِهِ أوْ مِنهُما.

﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا ﴾ أيْ أكْلًا وشَرابًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ.

﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلَهُ، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ و «ما» فاعِلُ هَنِيئًا، والمَعْنى هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أيْ جَزاؤُهُ.

﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ﴾ مُصْطَفَّةٍ ﴿ وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ الباءُ لِما في التَّزْوِيجِ مِن مَعْنى الوَصْلِ والإلْصاقِ، أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ إذِ المَعْنى صَيَّرْناهم أزْواجًا بِسَبَبِهِنَّ، أوْ لِما في التَّزْوِيجِ مِن مَعْنى الإلْصاقِ والقَرْنِ ولِذَلِكَ عَطَفَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مُتَّكِئِينَ} حال من الضمير في كُلُواْ واشربوا {على سُرُرٍ} جمع سرير {مَصْفُوفَةٌ} موصول بعضها ببعض {وزوجناهم} وقرناهم {بِحُورٍ} جمع حوراء {عِينٌ} عظام الاعين حسانها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في ( كُلُوا ) أوْ في ( وقاهم ) أوْ في ( آتاهم ) أوْ في ( فاكِهِينَ ) أوْ في الظَّرْفِ يَعْنِي في جَنّاتٍ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الأخِيرُ ( عَلى سُرُرٍ ) جَمْعُ سَرِيرٍ مَعْرُوفٍ، ويُجْمَعُ عَلى ( أسِرَّةٍ ) وهو مِنَ السُّرُورِ إذْ كانَ لِأُولِي النِّعْمَةِ، وتَسْمِيَةُ سَرِيرِ المَيِّتِ بِهِ لِلتَّفاؤُلِ بِالسُّرُورِ الَّذِي يَلْحَقُ المَيِّتَ بِرُجُوعِهِ إلى جِوارِ اللَّهِ تَعالى وخَلاصِهِ مِن سِجْنِ الدُّنْيا، وقَرَأأبُو السَّمّالِ سُرَرٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ.

﴿ مَصْفُوفَةٍ ﴾ مَجْعُولَةٍ عَلى صَفٍّ وخَطٍّ مُسْتَوٍ ﴿ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ أيْ قَرْناهم بِهِنَّ - قالَهُ الرّاغِبُ - ثُمَّ قالَ: ولَمَّ يَجِئْ في القُرْآنِ زَوَّجْناهم حُورًا كَما يُقالُ زَوَّجَتُهُ امْرَأةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى حَسَبِ المُتَعارَفِ فِيما بَيْنَنا مِنَ المُناكَحَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: تَزَوَّجْتُ بِامْرَأةٍ لُغَةُ أزْدِشَنُوءَةَ، والمَشْهُورُ أنَّ التَّزَوُّجَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِهِ والتَّزْوِيجُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ، وقِيلَ: فِيما هُنا أنَّ الباءَ لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى القَرَآنِ أوِ الإلْصاقِ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي مَعْنى التَّزْوِيجِ بِالعَقْدِ وهو لا يُناسِبُ المَقامَ إذِ العَقْدُ لا يَكُونُ في الجَنَّةِ لِأنَّها لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ أوْ أنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ والتَّزْوِيجُ لَيْسَ بِمَعْنى الإنْكاحِ بَلْ بِمَعْنى تَصْيِيرِهِمْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ أيْ صَيَّرْناهم كَذَلِكَ بِسَبَبِ حُورِ عَيْنٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِحُورِ عَيْنٍ عَلى إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم بيّن حال المتقين فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ يعني: الذين يتقون الشرك، والفواحش في بساتين وَنَعِيمٍ فاكِهِينَ يعني: معجبين.

ويقال: ناعمين.

ويقال: فرحين.

بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ في الجنة من الكرامة وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ يعني: دفع عنهم عذاب النار.

ويقول لهم الخزنة: كُلُوا وَاشْرَبُوا يعني: كلوا من ألوان الطعام، والثمار، واشربوا من ألوان الشراب، هَنِيئاً يعني: لا داء، ولا غائلة فيه، ولا يخاف في الأكل، والشرب، من الآفات ما يكون في الدنيا، بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: هذا الثواب لأعمالكم التي عملتم في الدنيا.

ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ يعني: نائمين على سرر مَصْفُوفَةٍ قد صف بعضها إلى بعض، فكانوا على سرر، وكل من كان، اشتاق إلى صديقه يلتقيان.

قوله تعالى: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يعني: بيض الوجوه.

العين: حسان الأعين.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني: صدقوا بالله، ورسوله، وصدقوا بالبعث وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ يعني: ألحقناهم ذرياتهم.

قرأ أبو عمرو: وأتبعناهم ذرياتهم الحقنا بهم ذرياتهم الثلاثة كلها بالألف.

وقرأ نافع: اثنان بغير ألف، والآخر: بالألف.

وقرأ ابن عامر الأول: بغير ألف.

والآخران: بالألف.

والباقون: كلها ألف.

فمن قرأ: أَتْبَعْناهُمْ معناه: ألحقناهم.

يعني: الذين آمنوا، وجعلنا ذريتهم مؤمنين، ألحقنا بهم ذريتهم في الجنة في درجتهم.

ومن قرأ: وَاتَّبَعَتْهُمْ بغير ألف، يعني: ذريتهم معهم.

ومن قرأ ذرياتهم بالألف، فهو جمع الذرية.

ومن قرأ: بغير ألف، فهو عبارة عن الجنس، ويقع على الجماعة أيضاً.

وقال مقاتل: معناه الذين أدركوا مع آبائهم، وعملوا خيراً في الجنة، ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل، فهم معهم في الجنة.

ويقال: إن أحدهم إذا كان أسفل منه، يلحق بهم، لكي تقر عينه.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يرفع الله المسلم ذريته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه.

ثم قال: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما نقصناهم من عمل الآباء إذا كانوا مع الأبناء، حتى يبلغ بهم ذريتهم، من غير أن ينقص من أجر أولئك شيئاً، ولا من ذريتهم.

كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ يعني: كل نفس مرتهنة بعملها يوم القيامة.

ثم رجع إلى صفة المتقين في التقديم، وكرامتهم، قوله تعالى: وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ يعني: أعطيناهم من ألوان الفاكهة وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يعني: يتمنون.

قرأ ابن كثير: أَلَتْناهُمْ بكسر اللام، وهي لغة لبعض العرب.

واللغة الظاهرة: بالفتح، وهي من آلت يألت وهو النقصان.

قوله عز وجل: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً يعني: يتعاطون في الجنة.

تعطيهم الخدم قدح الشراب، ولا يكون كأس إلا مع الشراب، لاَّ لَغْوٌ فِيها يعني: لا باطل في الجنة وَلا تَأْثِيمٌ يعني: لا إثم في شرب الخمر.

ويقال: لا تَأْثِيمٌ يعني: لا تكذيب فيما بينهم.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لا لَغْواً فِيهَا بنصب الواو، وَلا تَأْثِيماً بنصب الميم.

والباقون: بالضم مع التنوين.

فمن قرأ: بالنصب، فهو على التبرئة.

ومن قرأ: بالضم، فهو على معنى الخبر.

يعني: ليس فيها لغو ولا تأثيم، كما قال: لاَ فِيها غَوْلٌ [الصافات: 47] .

ثم قال عز وجل: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ يعني: في الحسن، والبياض، مثل اللؤلؤ في الصدف لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين.

وروى سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم، فكيف المخدوم؟

فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القَمَرِ ليلة البدر، على سائر الكواكب.

ثم قال: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعني: يتحدثون، ويتساءلون في الجنة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا.

ثم يقول: صرت إلى هذه المنزلة الرفيعة.

قوله تعالى: قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ يعني: في الدنيا فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ يعني: خائفين من العذاب.

ثم قال: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: من علينا بالمغفرة، والرحمة.

وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ يعني: دفع عنا عذاب النار.

قوله عز وجل: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ يعني: في الدنيا ندعو الرب إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الصادق في قوله، وفيما وعد لأوليائه.

ويقال: الْبَرُّ بمعنى النار الرَّحِيمُ قرأ نافع، والكسائي: أنه بالنصب.

ومعناه: إنا كنا من قبل ندعوه بأنه هو البر.

وقرأ الباقون: بالكسر على معنى الاستئناف.

ثم أمر الله تعالى نبيه  بأن يعظ الناس ولا يبالي في قولهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَواقِعٌ يريد: عذاب الآخرة واقع للكافرين قاله قتادة «١» ، قال الشيخ عبد الحق في «العاقبة» : وَيُرْوَى أَنَّ عمر بن الخطاب- رضي اللَّه عنه- سَمِعَ قارئاً يقرأ:

وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ قال: هذا قسم حقّ، فلمّا بلغ القارئ إلى قوله- عز وجل-: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ظنَّ أَنَّ العذاب قد وقع به فغشي عليه، انتهى، وتَمُورُ معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعةً مُتَفَتِّتَةً، وسير الجبال: هو في أَوَّلِ الأمر، ثم تتفتَّتُ حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش، ويُدَعُّونَ قال ابن عباس وغيره «٢» : معناه:

يُدْفَعُونَ في أعناقهم بشدة وإهانة وتَعْتَعَةٍ، ومنه: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: ٢] ، وفي الكلام محذوف، تقديره: يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون توبيخاً وتقريعاً لهم، ثم وقفهم سبحانه بقوله: أَفَسِحْرٌ هذا ...

الآية: ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم:

اصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سواء عليكم، أي: عذابكم حتم، فسواء جَزَعُكُمِ/ وَصَبْرُكُمْ، لا بدّ من جزاء أعمالكم.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)

وقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ...

الآية: يحتمل أَنْ يكونَ من خطاب أهل النار، فيكون إخبارُهم بذلك زيادةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالهم، نعوذ باللَّه من سخطه!

ويحتمل، وهو الأظهر، أن يكون إخبارا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعاصريه، لما فَرَغَ من ذكر عذاب الكفار عَقَّبَ بذكر نعيم المتقين- جعلنا اللَّه منهم بفضله- ليبين الفرقَ، ويقعَ التحريضُ على الإيمان، والمتقون هنا: مُتَّقُو الشرك لأَنَّهم لا بُدَّ من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قَوِيَ الحصولُ في حكم الآية، حتّى إنّ المتقين

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ وصَفَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِما بَعْدَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ فاكِهِينَ ﴾ قُرِئَتْ بِألِفٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ شَرَحْناها في [يَس: ٥٥]، ﴿ وَوَقاهُمْ ﴾ أيْ: صَرَفَ عَنْهم والجَحِيم مَذْكُورٌ في [البَقَرَةِ: ١١٩] .

﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿ واشْرَبُوا هَنِيئًا ﴾ تَأْمَنُونَ حُدُوثَ المَرَضِ عَنْهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِيَهْنِكم ما صِرْتُمْ إلَيْهِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ [ النِّساءِ: ٤ ] .

ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ ﴾ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى نَمارِقَ عَلى سُرُرٍ، وهي جَمْعُ سَرِيرٍ.

﴿ مَصْفُوفَةٍ ﴾ قَدْ وُضِعَ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ.

وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ ﴾ ﴿ فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿ فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ ﴾ الآيَةُ...

يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ  ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ.

و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ ، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ.

والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا ﴾ ، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

حال من ضمير ﴿ كلوا واشربوا ﴾ [الطور: 19]، أي يقال لهم كلوا واشربوا حال كونهم متكئين، أي وهم في حال إكلة أهل الترف المعهود في الدنيا، فقد كان أهل الرفاهية يأكلون متكئين وقد وصف القرآن ذلك في سورة يوسف (31) بقوله: ﴿ أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئاً وءاتت كل واحدة منهن سكيناً ﴾ أي لَحز الطعام والثمار.

وفي الحديث «أمَّا أنا فلا آكل متكئاً» وكان الأكاسرة ومرازبة الفُرس يأكلون متكئين وكذلك كان أَباطرة الرومان وكذلك شأنهم في شُرب الخمر، قال الأعشى: نَازَعْتهُم قُضب الريحان متكئاً *** وخمرةً مُزة رَاوُوقها خضل والسَّرر: جمع سرير، وهو ما يُضطجع عليه.

والمصفوفة: المتقابلة، والمعنى: أنهم يأكلون متكئين مجتمعين للتأنس كقوله تعالى: ﴿ على سرر متقابلين ﴾ [الصافات: 44].

وجملة ﴿ وزوجناهم ﴾ عطف على ﴿ متكئين ﴾ فهي في موضع الحال.

ومعنى ﴿ زوجناهم ﴾ : جعلنا كل فرد منهم زوجاً، أي غير مفرد، أي قرنَّاهم بنساء حُور عيننٍ.

والباء للمصاحبة، أي جعلنا حُوراً عِيناً معهم، ولم يُعد فعل ﴿ زوجناهم ﴾ إلى ﴿ حور ﴾ بنفسه على المفعولية كما في قوله تعالى: ﴿ زوجناكها ﴾ [الأحزاب: 37]، لأن (زوجنا) في هذه الآية ليس بمعنى: أنكحناهم، إذ ليس المراد عقد النكاح لنُبوّ المراد عن هذا المعنى، فالتزويج هنا وارد بمعناه الحقيقي في اللغة وهو جعل الشيء المفرد زوجاً وَليس وارداً بمعناه المنقول عنه في العرف والشرع، وليس الباء لتعدية فعل ﴿ زوجناهم ﴾ بتضمينه معنى: قرنَّا، ولا هو على لغة أزد شنوة فإنه لم يسمع في فصيح الكلام: تزوج بامرأة.

وحور: صفة لنساء المؤمنين في الجنة، وهنّ النساء اللاتي كنّ أزواجاً لهم في الدنيا إن كنّ مؤمنات ومن يخلقهن الله في الجنة لنعمة الجنة وحكم نساء المؤمنين اللاتي هن مؤمنات ولم يكن في العمل الصالح مثل أزواجهن في لحاقهن بأزواجهن في الدرجات في الجنة تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ﴾ في سورة الزخرف (70) وما يقال فيهن يقال في الرجال من أزواج النساء الصالحات.

وعين} صفة ثانية، وحقها أن تعطف ولكن كثر ترك العطف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُعْجَبِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ناعِمِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: فَرِحِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: المُتَقابِلِينَ بِالحَدِيثِ الَّذِي يَسُرُّ ويُؤْنِسُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الفُكاهَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الخامِسُ: ذَوِي فاكِهَةٍ كَما قِيلَ: لابِنٌ وتامِرٌ، أيْ ذُو لَبَنٍ وتَمْرٍ، قالَهُ عُبَيْدَةُ، ومَعْنى ذَلِكَ، أنَّهم ذَوُو بَساتِينَ فِيها فَواكِهُ.

﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ﴾ والسُّرُرُ الوَسائِدُ، وفي المَصْفُوفَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المَصْفُوفَةُ بَيْنَ العَرْشِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: هي المَوْصُولَةُ بِالذَّهَبِ.

الثّالِثُ: أنَّها المَوْصُولَةُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَصِيرَ صَفًّا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ والعِينُ الواسِعَةُ الأعْيُنِ في صَفائِها، وهو جَمْعُ عَيْناءَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَحُورٌ قَدْ لَهَوْنَ وهُنَّ عِينٌ نَواعِمُ في المُرُوطِ وفي الرِّياطِ وَفِي تَسْمِيَتِهِنَّ حُورًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ يُحارُ فِيهِنَّ الطَّرْفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لِبَياضِهِنَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْخُبْزِ حُوارٌ لِبَياضِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: قال ابن عباس في قول الله لأهل الجنة ﴿ كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون ﴾ قوله هنيئاً أي لا تموتون فيها، فعندها قالوا ﴿ أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ﴾ [ الصافات: 58-59].

أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم، هل تزاور أهل الجنة؟.

قال: أي والذي بعثني بالحق إنهم ليتزاورون على النوق الدمك عليها حشايا الديباج يزور الأعلون الأسفلين، ولا يزور الأسفلون الأعلين، قال: هم درجات، قال: وإنهم ليضعون مرافقهم فيتكئون ويأكلون ويشربون ويتنعمون ويتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم لا يصدّعون عنها ولا ينزفون مقدار سبعين خريفاً، ما يرفع أحدهم مرفقه من اتكائه، قال: يا رسول الله هل ينكحون؟

قال: أي والذي بعثني بالحق دحاماً دحاماً وأشار بيده، ولكن لا مني ولا منية ولا يمتخطون فيها ولا يتغوّطون رجيعهم رشح كحبوب المسك مجامرهم الالوة، وأمشاطهم الذهب والفضة، آنيتهم من الذهب والفضة يسبحون الله بكرة وعشياً قلوبهم على قلب رجل واحد، لا غل بينهم ولا تباغض يسبحون الله تعالى بكرة وعشياً» .

وأخرج الحاكم وصححه عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم عينه، ثم قرأ ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ الآية.

وأخرج البزار وابن مردويه عن ابن عباس رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع ذرية المؤمن إليه في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ﴾ قال: وما نقصنا الآباء بما أعطينا البنين» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وذريته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به» وقرأ ابن عباس ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ الآية، قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإِسلام، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم لحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوا شيئاً.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد المسند عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ » الآية.

وأخرج هناد وابن المنذر عن إبراهيم في الآية قال: أعطي الآباء مثل ما أعطي الأبناء وأعطي الأبناء مثل ما أعطي الآباء.

وأخرج ابن المنذر عن أبي مجلز في الآية قال: يجمع الله له ذريته كما يحب أن يجمعوا له في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما ألتناهم ﴾ قال: ما نقصناهم.

وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما ألتناهم ﴾ قال: لم ننقصهم من عملهم شيئاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وما ألتناهم ﴾ يقول: وما ظلمناهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالي: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ﴾ تفسير هذه الحروف قد تقدَّم فيما سبق.

ووصف ابن عباس هذه السرر فيما روي عنه عطاء قال: يريد من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين مكة وأيْلة (١) وقال الكلبي: طول السرير في السماء مائة عام، فإذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتى يجلس عليه، فإذا جلس عليه ارتفع به إلى مكانه (٢) قوله تعالي: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة الدخان (٣) (١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 65، "فتح القدير" 5/ 96.

(٢) انظر: "الوسيط" 3/ 46، "التفسير الكبير" 19/ 153، "القرطبي" 10/ 33، "روح المعاني" 14/ 59، وأيْلَةُ بالفتح مدينة على ساحل البحر الأحمر ممل يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 347.

(٣) عند تفسيره لآية (54) من سورة الدخان وملخصه: أن الله تعالى أنكحهم في الجنة الحور العين، والحور في اللغة البيض وقيل الحسان الأعين.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَاكِهِينَ ﴾ يحتمل أن يكون معناه أصحاب فاكهة، فيكون نحو لابن وتامرٌ صاحب لبن وصاحب تمر أو يكون من الفكاهة بمعنى السرور ﴿ وَوَقَاهُمْ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فِي جَنَّاتٍ ﴾ أو على آتاهم ربهم، أو تكون الواو للحال ﴿ كُلُواْ واشربوا ﴾ أي يقال لهم: كلوا ﴿ هَنِيئَاً ﴾ صفة لمصدر محذوف تقديره: كلوا أكلاً هنيئاً، ويحتمل أن يكون وقع موقع فعل تقديره: هنأكم الأكل والشرب ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ الحور: جمع حوراء وهي الشديدة بياض بياض العين وسواد سوادها، والعين جمع عيناء وهي الكبيرة العينين مع جمالها، وإما دخلت الباء في قوله: ﴿ بِحُورٍ ﴾ لأنه تضمن قوله: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُم ﴾ معنى قرناهم، قاله الزمخشري وقال: ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ ﴾ معطوف على ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ أي قرناهم بحور للتلذذ بهن، وبالذين للأنس معهم.

والأظهر أن الكلام تمّ في قوله: ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ ويكون ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أَلْحَقْنَا ﴾ عَذَابَ.

﴿ والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم ﴾ معنى الآية ما ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه» فذلك كرامة للأبناء بسبب الآباء، قيل: إن ذلك في الأولاد الذين ماتوا صغاراً، وقيل: على الاطلاق في الأبناء المؤمنين، وبإيمان في موضع الحال من الذرية، والمعنى أنهم اتبعوا آباءهم في الإيمان، وقال الزمخشري: إن هذا المجرور يتعلق بألحقنا، والمعنى عنده بسبب الإيمان ألحقنا بهم ذريتهم، والأول أظهر، فإن قيل: لم قال بإيمان بالتنكير؟

فالجواب: أن المعنى بشيء من الإيمان لم يكونوا به أهلاً لدرجة آبائهم، ولكنهم لحقوا بهم كرامة للآباء، فالمراد تقليل إيمان الذرية ولكنه رفع درجتهم، فكيف إذا كان إيماناً عظيماً ﴿ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ أي ما أنقصناهم من ثواب أعمالهم بل وفينا لهم أجورهم، وقيل المعنى: ألحقنا ذريتهم بهم، وما نقصناهم شيئاً من ثواب أعمالهم بسبب ذلك، بل فعلنا ذلك تفضلاً زيادة إلى ثواب أعمالهم، والضمير على القولين يعود على الذين آمنوا، وقيل: إنه يعود على الذرية ﴿ كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ ﴾ أي مرتهن، فإما أن تنجيه حسناته، وإما أن تهلكه سيئاته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ...

﴾ الآية.

يحتمل: في جحنات وفي نعيم.

ويحتمل: في جنات فيها نعيم؛ فتكون الواو بمعنى "مع"، أي: في جنات مع نعيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ناعمين متنعمين.

وقال بعضهم: معجبين وهما واحد المعجب به والناعم سواء؛ لأنه إذاكان ناعما متنعما، كان معجبا مسروراً.

وقال بعضهم: ﴿ فَاكِهِينَ ﴾ : ناعمين، و ﴿ فَاكِهِينَ ﴾ معجبين بذلك؛ وهو قول القتبي.

ثم ذكر هاهنا: ﴿ فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ ، وذكر في سورة الذاريات: ﴿ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ  ﴾ فالفاكهة ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ  ﴾ .

أي: آخذين ما آتاهم ربهم بالشكر منه والحمد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: وقاهم، أي: عصمهم في الدنيا عن الأعمال التي توبقهم وتهلكم لو أتوا بها وعملوها، فإذا عصمهم عن ذلك، وقاهم عن عذاب الجحيم، والله أعلم.

والثاني: وقاهم أي: عفا عنهم في الآخرة، وصفح عما عملوا من الأعمال الموبقات في الدنيا ما لولا عفوه إياهم، لكانت توبقهم، ويستوجبون ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم لما أدخلوا الجنة، ونزلوا منازلهم: كانوا واشربواز وقوله: ﴿ هَنِيئَاً ﴾ أي: ليس عليهم في ذلك خوف التبعة، ولا خوف حدوث مكروه، في أنفسهم ولا آفة؛ لأن ذلك ينقص عليهم ذلك، ليس كما يؤكل في الدنيا، فيه خوف التبعة، وخوف حدوث المكروه والآفات في أنفسهم والضرر، فأخبر: ألا يكومن لهم في الجنة ذلك؛ لئلا ينقص عليهم نعمها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ ذكر [أن] لهم في الجنة جميع ما ترغب إليه أنفسهم في الدنيا، و يتمنون بها، كقوله  : ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً  وَكَأْساً دِهَاقاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ  وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ  وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ  وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ  ﴾ ، وأشباه ذلك مما يكثر عده مما تحدث به أنفسهم في الدنيا، ورغبهم فيه، ليرغبوا في طلبها وليتركوا ما في الدنيا من ذلك؛ ليصفوا لهم ذلك في الآخرة.

وهذه الأحوال التي ذكر وأخبر أنه تكون لهم في الآخرة من الاتكاء على السرر، والمقابلة في المجلس وغير ذلك من الأشياء التي ذكرها في الكتاب.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ .

كما يقال: تزوجت: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: أحدها: ما قال أبو بكر الكيساني: أي: يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء والأمهات، ولو قصرت أعمال الذرية من أعمال الآباء والأمهات لأن الدرجات إنما تكمون بالأعمال، فهم وإن لم يبلغوا فلي الأعمال مبلغ آبائهم؛ فإنهم يلحقون بهم في الدرجات، والله أعلم.

وقال بعضهم: إن الذرية التقنوا الإيمان من آبائهم وأمهاتهم، وأخذوه منهم، ولم يبحثوا عن حجة وبرهانه حتى يكون أخذهم وقبولهم عن البحث عن الحجة والبرهان، فهم وإن كانوا مقلدين أباءهم في الإيمان، متلقنين منهم فإنهم يلحقون بآبائهم وإن كان الإيمان عن الحجة أفضل من الإيمان بالتقليد والالتقان.

وقال بعضهم: إن الذرية وإن لم يبلغوا مبلغا يكون منهم الإيمان، فإنهم يلحقون بآبائهم وأمهاتهم في إيمانهم، وإن لم يكن منهم الإيمان ولم يأتوا به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .

على تأويل أبي بكر: أي وما ألتنا من أعمال الذرية من شيء؛ أي: ما نقصنا أعمال آبائهم في الثواب وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم، بل يبلغون درجات آبائهم، ويوقرون كما يوقر على آبائهم؛ وتأويله أبعد هذه التأويلات التي ذكرنا.

وعلى تأويل غيره: ما نقصنا من أعمال آبائهم شيئاً، أي: إنهم وإن بلغوا مبلغ الآباء، فإن الآباء لا ينقصون من أعمالهم شيئاً، ذكر هذا لا يظن أنه ينقص من ثواب آبائهم ويعطي ذلك لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ ﴾ .

قال بعضهم: هذا صلة قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ، ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ  ﴾ وهو يرد قول من يقول بأن الرهن لصاحبه، له أنه يحلبه، وأن يركبه، وأن ينتفع به، ثم يرد إلى المرتهن، ولو كان له هذا، لكان لا يكون وهنا؛ إذ أخبر: أنه رهين - أي: محبوس - فالرهن هو الذي يحبس في كل وقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ ﴾ .

أي: وأمددناهم فاكهة، وإلباء في (الفاكهة) زائدة كما ذكرنا في قوله  : ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ .

ثم يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم ﴾ إخباراً عن دوامها وكثرتها، أي: لا تنقطع ولا تقل، وليس كفواكه الدنيا أنها لا توجد في كل وقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ .

أخبر أنهم يأكلون جميع ما يشتهون، ويجدون ما يتمنون، ليس كالدنيا، ربما يشتهي شيئاً لا يحده، ويجد ما لا بشتهيه، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً ﴾ أي: يتعاطون فيها كأسا، ويأخذ بعضهم من بعض، كما يكمون في الدنيا لا يكون لكل أحد كأس على حدة، وهو كما روي في الخبر: أن نبي الله  كان يغتسل مع بعض أوزاج وربما تتنازع أيديهما.

وقال أبو بكر الكيساني: الكأس هو الخمر.

وقال غيره: هو الإناء المملوء من الخمر، وأما الذي لا شراب فيه فهو الإناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ قرئ: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ بالرفع والتنوين.

قال أبو عبيدة: إنه خبر بأنه ليس فيها لغو ولا تأثيم كما قال: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ  ﴾ .

وقرئ بالنصب فيهما على التنزيه، وهو وجه غير مدفوع.

وتأويل الآية: أي: لا يكون منهم من اللغو، وما يؤثم من القول؛ كما يكون في شراب الدنيا من اللغو وقول الإثم.

وقيل: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ ؛ لأنها أحلت لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .

يرغبهم فيها [كما] رغب إليهم أنفسهم في الدنيا من الخدم، والفواكه، والبسط ليطلبوها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: يتساءلون عن المعاصي التي كانت منهم في الدنيا، واستدل بقوله على أثر هذه الآية: ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ يحتمل قول: ﴿ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: إنا كنا قبل وأهلنا مشفقين كقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ .

والثاني: أي: إنا كنا قبل على أنفسنا وأهلنا مشفقين، أي: خائفين على ما كان منا من الجنايات والمعاصي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: والله أعلم -: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين على أنفسنا؛ لجناياتنا وراجعين رحمته بقوله  : ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ، وصف الله  في غير آي من القرآن بالإشفاق والخشية، والطمع والرجاء: كقوله  : ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً  ﴾ ، ونحو ذلك.

ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ قرئ: (أَنَّه هو البر) بنصب الألف وخفضه؛ فمن كسره، حمله على الابتداء؛ أي: ربنا كذلك على كل حال، ومن نصب أراد: يدعوه ثانيا؛ لأنه هو البر الرحيم، أي: يدعوه لأجل أنه كذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ﴾ : أن لله أن يعذبهم بعذاب السموم، لكنه بمنه وفضله وقاهم، ولو كان عليه ذلك كما قالت المعتزلة لم يكن لذكر المنة معنى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

متكئون على الأرائك المزينة قد جعلت متقابلة بعضها إلى جانب بعض، وزوجناهم بنساء بيض واسعات العيون.

<div class="verse-tafsir" id="91.8185P"

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله