الآية ٢٥ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٢٥ من سورة الطور

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) أي : أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا ، وهذا كما يتحادث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) .

.

.

الآية, يقول تعالى ذكره: وأقبل بعض هؤلاء المؤمنين في الجنة على بعض, يسأل بعضهم بعضا.

وقد قيل: إن ذلك يكون منهم عند البعث من قبورهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس في قوله: ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) قال: إذا بعثوا في النفخة الثانية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال ابن عباس : إذا بعثوا من قبورهم سأل بعضهم بعضا .

وقيل : في الجنة يتساءلون أي يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف من العاقبة ، ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف عنهم .

وقيل : يقول بعضهم لبعض بم صرت في هذه المنزلة الرفيعة ؟

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } عن أمور الدنيا وأحوالها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) يسأل بعضهم بعضا في الجنة .

قال ابن عباس : يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» يسأل بعضهم بعضا عما كانوا عليه وما وصلوا إليه تلذذا واعترافا بالنعمة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأقبل أهل الجنة، يسأل بعضهم بعضًا عن عظيم ما هم فيه وسببه، قالوا: إنا كنا قبل في الدنيا- ونحن بين أهلينا- خائفين ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه يوم القيامة.

فمنَّ الله علينا بالهداية والتوفيق، ووقانا عذاب سموم جهنم، وهو نارها وحرارتها.

إنا كنا من قبلُ نضرع إليه وحده لا نشرك معه غيره أن يقينا عذاب السَّموم ويوصلنا إلى النعيم، فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا، إنه هو البَرُّ الرحيم.

فمن بِره ورحمته إيانا أنالنا رضاه والجنة، ووقانا مِن سخطه والنار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - تساؤلهم وهم فى الجنة ، فقال : ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ) أى : وأقبل بعضهم على بعض وهم فى الجنة ، يسأل أحدهم الآخر عن أحواله وعن أعماله ، وعن حسن عاقبته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

إشارة إلى أنهم يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا، فتزداد لذة المؤمن من حيث يرى نفسه انتقلت من السجن إلى الجنة ومن الضيق إلى السعة، ويزداد الكافر ألماً حيث يرى نفسه منتقلة من الشرف إلى التلف ومن النعيم إلى الجحيم، ثم يتذكرون ما كانوا عليه في الدنيا من الخشية والخوف، فيقولون ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ وهو أنهم يكون تساؤلهم عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون خشية الله كنا نخاف الله ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْنَا ووقانا عَذَابَ السموم ﴾ وفيه لطيفة وهو أن يكون إشفاقهم على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان ثم لما نزلوا الجنة علموا خطأهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ يتحادثون ويسأل بعضهم بعضاً عن أحواله وأعماله وما استوجب به نيل ما عند الله ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله.

وقرئ: ﴿ ووقانا ﴾ بالتشديد ﴿ عَذَابَ السموم ﴾ عذاب النار ووهجها ولفحها.

والسموم: الريح الحارّة التي تدخل المسام فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه، يعنون في الدنيا ﴿ نَدْعُوهُ ﴾ نعبده ونسأله الوقاية ﴿ إِنَّهُ هُوَ البر ﴾ المحسن ﴿ الرحيم ﴾ العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب.

وقرئ: (إنه) بالفتح، بمعنى: لأنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِهِ وأعْمالِهِ.

﴿ قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ ﴾ خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ مُعْتَنِينَ بِطاعَتِهِ، أوْ وجِلِينَ مِنَ العاقِبَةِ.

﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ بِالرَّحْمَةِ والتَّوْفِيقِ.

﴿ وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ﴾ عَذابَ النّارِ النّافِذَةِ في المَسامِّ نُفُوذَ السُّمُومِ، وقُرِئَ «وَوَقّانا» بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ ذَلِكَ في الدُّنْيا.

﴿ نَدْعُوهُ ﴾ نَعْبُدُهُ أوْ نَسْألُهُ الوِقايَةَ.

﴿ إنَّهُ هو البَرُّ ﴾ المُحْسِنُ، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ أنَّهُ بِالفَتْحِ.

﴿ الرَّحِيمُ ﴾ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ} يسأل بعضهم بعضاً عن أحواله وأعماله وما استحق به نيل ما عند الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ أيْ يَسْألُ كُلُّ بَعْضٍ مِنهم بَعْضًا آخَرَ عَنْ أحْوالِهِ وأعْمالِهِ فَيَكُونُ كُلُّ بَعْضٍ سائِلًا ومَسْؤُولا لا أنَّهُ يَسْألُ بَعْضٌ مُعَيَّنٌ مِنهم بَعْضًا آخَرَ مُعَيَّنًا ثُمَّ هَذا التَّساؤُلُ في الجَنَّةِ كَما هو الظّاهِرُ.

وحَكى الطَّبَرَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ولا أراهُ يُصَحُّ عَنْهُ لِبَعْدِهِ جِدًّا ﴿ قالُوا ﴾ أيِ المَسْؤُولُونَ وهم كُلُّ واحِدٍ مِنهم في الحَقِيقَةِ ﴿ إنّا كُنّا قَبْلُ ﴾ أيْ قَبْلِ هَذا الحالِ ﴿ فِي أهْلِنا مُشْفِقِينَ ﴾ أرِقّاءُ القُلُوبِ خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُعْتَنِينَ بِطاعَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ وجِلِينَ مِنَ العاقِبَةِ، ( وفي أهْلِنا ) قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَوْنِ إشْفاقِهِمْ كانَ فِيهِمْ وفي أهْلِهِمْ لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهم في العادَةِ ويَكُونُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم بيّن حال المتقين فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ يعني: الذين يتقون الشرك، والفواحش في بساتين وَنَعِيمٍ فاكِهِينَ يعني: معجبين.

ويقال: ناعمين.

ويقال: فرحين.

بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ في الجنة من الكرامة وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ يعني: دفع عنهم عذاب النار.

ويقول لهم الخزنة: كُلُوا وَاشْرَبُوا يعني: كلوا من ألوان الطعام، والثمار، واشربوا من ألوان الشراب، هَنِيئاً يعني: لا داء، ولا غائلة فيه، ولا يخاف في الأكل، والشرب، من الآفات ما يكون في الدنيا، بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: هذا الثواب لأعمالكم التي عملتم في الدنيا.

ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ يعني: نائمين على سرر مَصْفُوفَةٍ قد صف بعضها إلى بعض، فكانوا على سرر، وكل من كان، اشتاق إلى صديقه يلتقيان.

قوله تعالى: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يعني: بيض الوجوه.

العين: حسان الأعين.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني: صدقوا بالله، ورسوله، وصدقوا بالبعث وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ يعني: ألحقناهم ذرياتهم.

قرأ أبو عمرو: وأتبعناهم ذرياتهم الحقنا بهم ذرياتهم الثلاثة كلها بالألف.

وقرأ نافع: اثنان بغير ألف، والآخر: بالألف.

وقرأ ابن عامر الأول: بغير ألف.

والآخران: بالألف.

والباقون: كلها ألف.

فمن قرأ: أَتْبَعْناهُمْ معناه: ألحقناهم.

يعني: الذين آمنوا، وجعلنا ذريتهم مؤمنين، ألحقنا بهم ذريتهم في الجنة في درجتهم.

ومن قرأ: وَاتَّبَعَتْهُمْ بغير ألف، يعني: ذريتهم معهم.

ومن قرأ ذرياتهم بالألف، فهو جمع الذرية.

ومن قرأ: بغير ألف، فهو عبارة عن الجنس، ويقع على الجماعة أيضاً.

وقال مقاتل: معناه الذين أدركوا مع آبائهم، وعملوا خيراً في الجنة، ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل، فهم معهم في الجنة.

ويقال: إن أحدهم إذا كان أسفل منه، يلحق بهم، لكي تقر عينه.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يرفع الله المسلم ذريته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه.

ثم قال: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما نقصناهم من عمل الآباء إذا كانوا مع الأبناء، حتى يبلغ بهم ذريتهم، من غير أن ينقص من أجر أولئك شيئاً، ولا من ذريتهم.

كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ يعني: كل نفس مرتهنة بعملها يوم القيامة.

ثم رجع إلى صفة المتقين في التقديم، وكرامتهم، قوله تعالى: وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ يعني: أعطيناهم من ألوان الفاكهة وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يعني: يتمنون.

قرأ ابن كثير: أَلَتْناهُمْ بكسر اللام، وهي لغة لبعض العرب.

واللغة الظاهرة: بالفتح، وهي من آلت يألت وهو النقصان.

قوله عز وجل: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً يعني: يتعاطون في الجنة.

تعطيهم الخدم قدح الشراب، ولا يكون كأس إلا مع الشراب، لاَّ لَغْوٌ فِيها يعني: لا باطل في الجنة وَلا تَأْثِيمٌ يعني: لا إثم في شرب الخمر.

ويقال: لا تَأْثِيمٌ يعني: لا تكذيب فيما بينهم.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لا لَغْواً فِيهَا بنصب الواو، وَلا تَأْثِيماً بنصب الميم.

والباقون: بالضم مع التنوين.

فمن قرأ: بالنصب، فهو على التبرئة.

ومن قرأ: بالضم، فهو على معنى الخبر.

يعني: ليس فيها لغو ولا تأثيم، كما قال: لاَ فِيها غَوْلٌ [الصافات: 47] .

ثم قال عز وجل: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ يعني: في الحسن، والبياض، مثل اللؤلؤ في الصدف لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين.

وروى سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم، فكيف المخدوم؟

فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القَمَرِ ليلة البدر، على سائر الكواكب.

ثم قال: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعني: يتحدثون، ويتساءلون في الجنة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا.

ثم يقول: صرت إلى هذه المنزلة الرفيعة.

قوله تعالى: قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ يعني: في الدنيا فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ يعني: خائفين من العذاب.

ثم قال: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: من علينا بالمغفرة، والرحمة.

وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ يعني: دفع عنا عذاب النار.

قوله عز وجل: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ يعني: في الدنيا ندعو الرب إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الصادق في قوله، وفيما وعد لأوليائه.

ويقال: الْبَرُّ بمعنى النار الرَّحِيمُ قرأ نافع، والكسائي: أنه بالنصب.

ومعناه: إنا كنا من قبل ندعوه بأنه هو البر.

وقرأ الباقون: بالكسر على معنى الاستئناف.

ثم أمر الله تعالى نبيه  بأن يعظ الناس ولا يبالي في قولهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

على الإطلاق هم في هذه الآية قطعاً على اللَّه تعالى بحكم خبره الصادق، وقرأ جمهور الناس: «فاكهين» «١» ومعناه: فَرِحِينَ مسرورين، وقال أبو عُبَيْدَةَ: هو من باب: «لاَبِنٌ» و «تَامِرٌ» ، أي: لهم فاكهة «٢» ، قال ع «٣» : والمعنى الأَوَّلُ أبرع، وقرأ خالد فيما روى أبو حاتم: «فَكِهِينَ» «٤» والفَكِهُ والفاكه: المسرور المتنعم.

وقوله تعالى: بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي: من إنعامه ورضاه عنهم.

وقوله تعالى: وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ هذا متمكن في مُتَّقِي المعاصي، الذي لا يدخل النارَ وَوَقاهُمْ مشتق من الوقاية، وهي الحائل بين الشيء وبين ما يضرُّه.

وقوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، وهَنِيئاً نُصِبَ على المصدر.

وقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ معناه: أَنَّ رُتَبَ الجنة ونعيمها بحسب الأعمال، وأَمَّا نَفْسُ دخولها فهو برحمة اللَّه وفضلِهِ، وأعمالُ العباد الصالحاتُ لا تُوجِبُ على اللَّه تعالى التنعيمَ إيجاباً لكِنَّهُ سبحانه قد جعلها أَمارةً على مَنْ سبق في علمه تنعيمه، وعَلَّقَ الثوابَ والعِقَابَ بالتكسب الذي في الأعمال، والحُورُ: جمع حَوْرَاءُ، وهي البيضاء القويةُ بياضِ بياضِ/ العَيْنِ وَسَوَادِ سَوَادِها، والعِينُ: جمع عَيْنَاءُ، وهي كبيرة العينين مع جمالهما، وفي قراءة ابن مسعود والنَّخَعِيِّ: «وَزَوَّجْنَاهُمْ بِعِيسٍ عِينٍ» «٥» قال أبو الفتح: العيساء:

البيضاء.

قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ اختُلِفَ في معنى الآيةِ، فقال ابن عباس، وابن جبير، والجمهور: أخبر اللَّه تعالى أَنَّ المؤمنين الذين اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يلحق الأبناء في الجنة بمراتب الآباء، وإنْ لم يكن الأبناء في التقوى والأعمال كالآباء كرامةً للآباء «١» ، وقد ورد في هذا المعنى حديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فجعلوا الحديثَ تفسيراً للآية، وكذلك وردت أحاديث تقتضي أَنَّ اللَّه تعالى يرحم الآباء رعياً للأبناء الصالحين، وقال ابن عباس أيضاً والضَّحَّاكُ.

معنى الآية: أَنَّ اللَّه تعالى يلحق الأبناء الصغار بأحكام الآباء المؤمنين، يعني في الموارثة والدفن في مقابر المسلمين، وفي أحكام الآخرة في الجنة «٢» ، وقال منذر بن سعيد: هي في الصغار لا في الكبار «٣» قال ع «٤» : وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأَوَّل لأَنَّ الآياتِ كلَّها في صفة إحسان اللَّه تعالى إلى أهل الجنة، فذكر من جملة إحسانِهِ سبحانه أَنَّه يرْعَى المحسنَ في المسيء، ولفظة أَلْحَقْنا تقتضي أَنَّ لِلْمُلْحَقِ بعضَ التقصير في الأعمال.

ت: وأظهرُ مَنْ هذا ما أشار إليه الثعلبيُّ في بعض أنقاله: أَنَّ اللَّه تعالى يجمع لعبده المؤمن ذُرِّيَّتَهُ في الجنة، كما كانوا في الدنيا، انتهى، ولم يتعرَّضْ لذكر الدرجات في هذا التأويل، وهو أحسن لأَنَّهُ قد تقرَّرَ أَنَّ رفع الدرجات هي بأعمال العاملين، والآياتُ/ والأحاديث مُصَرِّحَةٌ بذلك، ولما يلزم على التأويل الأَوَّلِ أَنْ يكونَ كلّ من دخل الجنة مع آدم ع في درجةٍ واحدة إذ هم كُلُّهم ذرِّيَّتُهُ، وقد فتحتُ لك باباً للبحث في هذا المعنى منعني من إتمامه ما قصدته من الاختصار، وباللَّه التوفيق.

وقوله: وَما أَلَتْناهُمْ أي: نقصناهم، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانهُ يُلْحِقُ الأبناء بالآباء، ولا يُنْقِصُ الآباء من أجورهم شيئاً، وهذا تأويل الجمهور، ويحتمل أَنْ يريدَ: مِنْ عمل الأَبناء من شيء من حسن أو قبيح، وهذا تأويل ابن زيد «٥» ، ويُؤيِّدُهُ قوله سبحانه:

كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ والرهين: المُرْتَهِنُ، وفي هذه الألفاظ وعيد، وأمددتُ الشيءَ: إذا سرّبْتُ إليه شيئا آخر يكثره أو يكثر لديه.

وقوله: مِمَّا يَشْتَهُونَ إشارة إلى ما رُوِيَ من أَنَّ المُنَعَّمَ إذا اشتهى لحماً نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم يحتز، ولا يُتَكَلَّفُ فيه الذبح، والسلخ، والطبخ، وبالجملة لا كلفة في الجنة، ويَتَنازَعُونَ معناه:

يتعاطون ومنه قول الأخطل: [البسيط]

نَازَعْتُهُ طَيِّبَ الَّراحِ الشَّمُولِ وَقَد ...

صَاحَ الدَّجَاجُ وَحَانَتْ وَقْعَةُ السَّارِي «١» ،

قال الفخر «٢» : ويحتمل أنْ يقال: التنازع: التجاذُبُ، وحينئذ يكون تجاذُبُهُمْ تجاذبَ مُلاَعَبَةٍ، لا تجاذب منازعة، وفيه نوعُ لَذَّةٍ، وهو بيان لما عليه حال الشُرَّابِ في الدنيا فإنَّهم يتفاخرون بكثرة الشرب، ولا يتفاخرون بكثرة الأكل، انتهى، والكأس: الإِناء فيه الشراب، ولا يقال في فارغ كأس قاله الزَّجَّاج «٣» ، واللغو: السَّقَطُ من القول، والتأثيم:

يلحق خَمْرَ الدنيا في نفس شُرْبِهَا وفي الأفعال التي تكون من شاربيها، وذلك كُلُّه/ مُنْتَفٍ في الآخرة.

ت: قال الثعلبيُّ: وقال ابن عطاء: أيُّ لغوٍ يكون في مجلس: مَحَلُّهُ جَنَّةُ عدن، والساقي فيه الملائكة، وشربُهم على ذكر اللَّه، ورَيحانُهم تحيَّةٌ من عند اللَّه، والقومُ أضياف اللَّه.

وَلا تَأْثِيمٌ أي: فعل يُؤْثِمُهُمْ، وهو تفعيل من الإثم، أي: لا يأثمونَ في شربها، انتهى، واللؤلؤ المكنون أجملُ اللؤلؤ لأَنَّ الصون والكَنُّ يُحَسِّنُهُ، قال ابن جبير: أراد الذي في الصّدَفِ لم تنله الأيدي «٤» ، وقيل للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا كَانَ الْغِلْمَانُ كَاللُّؤْلُؤ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟

قال: هُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» «٥» .

ت: وهذا تقريب للأفهام، وإلاَّ فجمال أهلِ الجَنَّةِ أَعْظَمُ من هذا، يَدُلُّ على ذلك أحاديث صحيحة ففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرةَ- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ- وفي رِوَايَةٍ: «مِنْ أُمَّتِي» عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ على أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ إضَاءَةً» «١» ، وفي رواية:

«ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ» الحديثَ، وفي «صحيح مسلم» أيضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ في الجَنَّةَ لَسُوقاً يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو في وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، وَيَزْدَادُونَ حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: واللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً!

فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ واللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً» «٢» ، انتهى، وقد أشار الغَزَّاليُّ وغيره إلى طَرَفٍ من هذا المعنى، لَمَّا تكلَّم على رؤية العارفين للَّه سبحانه في الآخرة، قال بعد كلام: ولا يَبْعُدُ أَنْ تكونَ ألطاف الكشف والنظر في الآخرة متواليةً إلى غير نهاية، فلا يزالُ النعيمُ واللَّذَّةُ متزايداً أبَدَ الآبادِ، وللشيخ أبي الحسن الشاذلي هنا كلام حسن قال: لو كُشِفَ عن نور المؤمن لعبد من دون اللَّه، ولو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي لطبق السماء والأرض، / فكيف بنور المؤمن المطيع؟!

نقل كلامه هذا ابن عطاء اللَّه وابن عَبَّاد، انظره.

ثم وصف تعالى عنهم أَنَّهُم في جملة تنعمهم يَتَساءَلُونَ أي: عن أحوالهم وما نال كُلَّ واحد منهم، وأَنَّهم يتذكرون حالَ الدنيا وخشيتَهم عذابَ الآخرة، والإشفاقُ أشدّ الخشية ورقّة القلب، والسَّمُومِ: الحارّ، ونَدْعُوهُ: يحتمل أَنْ يريد: الدعاءَ على بابه، ويحتمل أنْ يريد نعبده، وقرأ نافع والكسائيُّ: «أَنَّهُ» - بفتح الهمزة-، والباقون بكسرها «٣» والْبَرُّ الذي يبرّ ويحسن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: " وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّبَعَتْهُمْ" بِالتّاءِ "ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً ﴿ بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ واحِدَةً أيْضًا.

وقَرَأ نافِعٌ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ" واحِدَةً "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" "بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعًا في المَوْضِعَيْنِ.

واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ [ذُرِّيّاتِهِمْ] مِنَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانُوا لَمْ يَبْلُغُوا أعْمالَ آبائِهِمْ، تَكْرُمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآبائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِاجْتِماعِ أوْلادِهِمْ مَعَهُمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ﴿ واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ﴾ ، أيْ: بَلَغَتْ أنْ آمَنَتْ، ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الإيمانَ.

ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

ومَعْنى هَذا القَوْلِ، أنَّ أوْلادَهُمُ الكِبارَ تَبِعُوهم بِإيمانٍ مِنهُمْ، وأوْلادَهُمُ الصِّغارَ تَبِعُوهم بِإيمانِ الآباءِ، [لِأنَّ الوَلَدَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ تَبَعًا لِوَلَدِهِ.

والثّالِثُ: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" بِإيمانِ الآباءِ] فَأدْخَلْناهُمُ الجَنَّةَ، وهَذا مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ألَتْناهُمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَما ألَتْناهُمْ" بِالهَمْزَةِ وفَتْحِ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ.

ورَوى ابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ عَنْهُ "وَما لِتْناهُمْ" بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ اللّامِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "وَما آلَتْناهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها.

وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَما ولَتْناهُمْ" بِواوٍ مَفْتُوحَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وبِنَصْبِ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "وَما ألَتُّهُمْ" مَثَلُ جَعَلْتُهم.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في [ الحُجُراتِ: ١٤٠] والمَعْنى: ما نَقَصْنا الآباءَ بِما أعْطَيْنا الذُّرِّيَّةَ.

﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ أيْ: مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ.

وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمْدَدْناهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي الزِّيادَةُ عَلى الَّذِي كانَ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَنازَعُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يَتَعاطَوْنَ ويَتَداوَلُونَ، وأنْشَدَ الأخْطَلُ: نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي قالَ الزَّجّاجُ: يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدٍ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا.

فَأمّا الكَأْسُ فَقَدْ شَرَحْناها في [الصّافّاتِ: ٤٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" نَصْبًا وقَرَأ الباقُونَ: "لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ" رَفْعًا مُنَوَّنًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا فَيَأْثَمُوا، كَما يَكُونُ ذَلِكَ في خَمْرِ الدُّنْيا.

وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، يُقالُ: آثَمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ.

والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الكَأْسَ لا تَجْعَلُهم آثِمِينَ.

﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ لِلْخِدْمَةِ ﴿ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهُمْ ﴾ في الحُسْنِ والبَياضِ ﴿ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴾ أيْ: مَصُونٌ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.

«وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقِيلَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذا الخادِمُ، فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟

فَقالَ: "إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ" .» وَقَوْلُهُ تَعالى" ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَتَذاكَرُونَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَوْفِ والتَّعَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا ﴾ أيْ: في دارِ الدُّنْيا ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ أيْ: خائِفِينَ مِنَ العَذابِ، ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ﴾ أيْ: عَذابَ النّارِ.

وقالَ الحَسَنُ: السَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

وَقالَ غَيْرُهُ: سَمُومُ: جَهَنَّمُ.

وهو ما يُوجَدُ مِن نَفْحِها وحَرِّها، ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ ونُخْلِصُ لَهُ ﴿ إنَّهُ هو البَرُّ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

وفي مَعْنى "البَرِّ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الصّادِقُ فِيما وعَدَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اللَّطِيفُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: العَطُوفُ عَلى عِبادِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي عَمَّ بِبَرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ ﴿ وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ ﴿ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ﴾ ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴾ ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ ﴾ ﴿ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ ﴾ ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ".

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ  ﴾ ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ ، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ.

وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ.

و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ  : إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ.

وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ يتنازعون فيها كأساً ﴾ [الطور: 23].

والتقدير: وقد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي هم في تلك الأحوال قد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.

ولما كان إلحاق ذرياتهم بهم مقتضياً مشاركتهم إياهم في النعيم كما تقدم آنفاً عند قوله: ﴿ ألحقنا بهم ذريتهم ﴾ [الطور: 21] كان هذا التساؤل جارياً بين الجميع من الأصول والذريات سائلين ومسؤولين.

وضمير ﴿ بعضهم ﴾ عائد إلى ﴿ المتقين ﴾ [الطور: 17] وعلى ﴿ ذريتهم ﴾ [الطور: 21].

وجملة ﴿ قالوا ﴾ بيان لجملة ﴿ يتساءلون ﴾ على حد قوله تعالى: ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ [طه: 120] ضمير ﴿ قالوا ﴾ عائد إلى البعضين، أي يقول كل فريق من المتسائلين للفريق الآخر هذه المقالة.

والإِشفاق: توقع المكروه وهو ضد الرجاء، وهذا التوقع متفاوت عند المتسائلين بحسب تفاوت ما يوجبه من التقصير في أداء حق التكليف، أو من العصيان.

ولذلك فهو أقوى في جانب ذريات المؤمنين الذين أُلحقوا بأصولهم بدون استحقاق.

ولعله في جانب الذريات أظهر في معنى الشكر لأن أصولهم من أهلهم فهم يعلمون أن ذرياتهم كانوا مشفقين من عقاب الله تعالى أو بمنزلة من يعلم ذلك من مشاهدة سَيرهم في الوفاء بحقوق التكليف، وكذلك أصولهم بالنسبة إلى من يعلم حالهم من أصحابهم أو يسمع منهم إشفاقهم واستغفارهم.

وحذف متعلق ﴿ مشفقين ﴾ لأنه دل عليه ﴿ ووقانا عذاب السموم ﴾ .

وعلى هذا الوجه يكون معنى (في) الظرفية.

ويتعلق ﴿ في أهلنا ﴾ ب ﴿ كنا ﴾ ، أي حين كنا في ناسنا في الدنيا.

ف ﴿ أهلنا ﴾ هنا بمعنى آلنَا.

ويجوز أن تكون المقالة صادرة من الذين آمنوا يخاطبون ذرياتهم الذين ألحقوا بهم ولم يكونوا يحسبون أنهم سيلحقون بهم: فالمعنى: إنا كنا قبل مشفقين عليكم، فتكون (في) للظرفية المجازية المفيدة للتعليل، أي مشفقين لأجلكم.

ومعنى ﴿ فمن الله علينا ﴾ من علينا بالعفو عنكم فأذهب عنا الحزن ووقانا أن يعذبكم بالنار.

فلما كان عذاب الذريات يحزن آباءهم جعلت وقاية الذريات منه بمنزلة وقاية آبائهم فقالوا: ﴿ ووقانا عذاب السموم ﴾ إغراقاً في الشكر عنهم وعن ذرياتهم، أي فمنّ علينا جميعاً ووقانا جميعاً عذاب السموم.

والسَموم بفتح السين، أصله اسم الريح التي تهبّ من جهة حارّة جداً فتكون جافّة شديدة الحرارة وهي معروفة في بلاد العرب تهلك من يتنشقها.

وأطلق هنا على ريح جهنم على سبيل التقريب بالأمر المعروف، كما أطلقت على العنصر الناري في قوله تعالى: ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ في سورة الحجر (27) وكل ذلك تقريب بالمألوف.

وجملة إنا كنا من قبل ندعوه} تعليل لمنة الله عليهم وثناء على الله بأنه استجاب لهم، أي كنا من قبل اليوم ندعوه، أي في الدنيا.

وحذف متعلق ﴿ ندعوه ﴾ للتعميم، أي كنا نبتهل إليه في أمورنا، وسبب العموم داخل ابتداء، وهو الدعاء لأنفسهم ولذرياتهم بالنجاة من النار وبنوال نعيم الجنة.

ولما كان هذا الكلام في دار الحقيقة لا يصدر إلا عن إلهام ومعرفة كان دليلاً على أن دعاء الصالحين لأبنائهم وذرياتهم مرجو الإِجابة، كما دل على إجابة دعاء الصالحين من الأبناء لآبائهم على ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» فذكر «وولد صالح يدعو له بخير».

وقوله: ﴿ إنه هو البر الرحيم ﴾ قرأه نافع والكسائي وأبو جعفر بفتح همزة (أنه) على تقدير حرف الجر محذوفاً حذفاً مطّرداً مع (أَنَّ) وهو هنا اللام تعليلاً ل ﴿ ندعوه ﴾ ، وقرأه الجمهور بكسر همزة (إن) وموقع جملتها التعليل.

والبَر: المُحسن في رفق.

والرحيم: الشديد الرحمة وتقدم في تفسير سورة الفاتحة.

وضمير الفصل لإِفادة الحصر وهو لقصر صفتي ﴿ البر ﴾ و ﴿ الرحيم ﴾ على الله تعالى وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد ببرور غيره ورحمة غيره بالنسبة إلى برور الله ورحمته باعتبار القوة فإن غير الله لا يبلغ بالمبرة والرحمة مبلغ ما لله وباعتبار عموم المتعلق، وباعتبار الدوام لأن الله بر في الدنيا والآخرة، وغير الله برّ في بعض أوقات الدنيا ولا يملك في الآخرة شيئاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الذُّرِّيَّةَ بِإيمانِ الآباءِ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي الذُّرِّيَّةَ مِثْلَ أُجُورِ الآباءِ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ الآباءُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ البالِغُونَ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ مَعَ آبائِهِمْ فَألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِآبائِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا أدْرَكَ أبْناؤُهُمُ الأعْمالَ الَّتِي عَمِلُوها تَبِعُوهم عَلَيْها فَصارُوا مِثْلَهم فِيها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما نَقَصْناهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ رُؤْبَةُ ولَيْلَةٍ ذاتِ سِرًى سَرَيْتُ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سِراها لَيْتُ أيْ لَمْ يُنْقِصْنِي، ومَعْنى الكَلامِ: ولَمْ يُنْقَصِ الآباءُ بِما أعْطَيْنا الأبْناءَ.

الثّانِي: مَعْناهُ وما ظَلَمْناهم، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ أبْلِغْ سَراةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْدَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبًا أيْ لا ظُلْمًا، ولا كَذِبًا.

وَمَعْنى الكَلامِ: لَمْ نَظْلِمِ الآباءَ بِما أعْطَيْنا الأبْناءَ، وإنَّما فَعَلَ تَعالى ذَلِكَ بِالأبْناءِ كَرَمَةً لِلْآباءِ.

﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُؤاخَذَةٌ كَما تُؤْخَذُ الحُقُوقُ مِنَ الرُّهُونِ.

الثّانِي: أنَّهُ يُحْبَسُ، ومِنهُ الرَّهْنُ لِاحْتِباسِهِ بِالحَقِّ قالَ الشّاعِرُ وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ رَهِينَةً ∗∗∗ لِأحْمَرَ قِبْطِيٍّ مِنَ القَوْمِ مُعْتَقِ ﴿ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا ﴾ أيْ، يَتَعاطَوْنَ ويَتَساقَوْنَ بِأنْ يُناوِلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وهو المُؤْمِنُ وزَوْجاتُهُ وخَدَمُهُ في الجَنَّةِ.

والكَأْسُ إناءٌ مَمْلُوءٌ مِن شَرابٍ وغَيْرِهِ فَهو كَأْسٌ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، وشاهِدُ التَّنازُعِ والكَأْسِ في اللُّغَةِ قَوْلُ الأخْطَلِ وشارِبٍ مِرْبَحٌ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحُضُورِ ولا فِيها بِسِوارِ ∗∗∗ نازَعَتْهُ طِيبُ الرّاحِ السُّمُولُ وقَدِ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعُهُ السّارِي.

﴿ لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا باطِلٌ في الخَمْرِ ولا مَأْثَمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وإنَّما ذَلِكَ في الدُّنْيا مِنَ الشَّيْطانِ.

الثّانِي: لا كَذِبٌ فِيها ولا خُلْفٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: لا يَتَسابُّونَ عَلَيْها ولا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: لا لَغْوٌ في الجَنَّةِ ولا كَذِبٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

واللَّغْوُ هاهُنا فُحْشُ الكَلامِ كَما قالَ ذُو الرُّمَّةِ فَلا الفُحْشُ فِيهِ يَرْهَبُونَ ولا الخَنا ∗∗∗ عَلَيْهِمْ ولَكِنْ هَيْبَةٌ هِي ما هِيا ∗∗∗ بِمُسْتَحْكَمٍ جَزْلِ المُرُوءَةِ مُؤْمِنٍ ∗∗∗ مِنَ القَوْمِ لا يَهْوى الكَلامَ اللَّواغِيا ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ بَحْرٍ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الأطْفالُ مِن أوْلادِهِمُ الَّذِينَ سَبَقُوهم، فَأقَرَّ اللَّهُ بِهِمْ أعْيُنَهم.

الثّانِي: أنَّهم مَن أخْدَمَهُمُ اللَّهُ إيّاهم مِن أوْلادِ غَيْرِهِمْ.

﴿ كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴾ أيْ مَصُونٌ بِالكَنِّ والغِطاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ قَدْ كُنْتُ أُعْطِيهِمْ مالًا وأمْنَعُهم ∗∗∗ عِرْضِي، ووُدُّهم في الصَّدْرِ مَكْنُونٌ قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّهُ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الخَدَمُ مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟

قالَ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَفَضْلِ ما بَيْنَهم، كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةِ البَدْرِ عَلى النُّجُومِ» .

﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالجَنَّةِ والنَّعِيمِ.

الثّانِي: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.

﴿ وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَقالَ الأصَمُّ: السَّمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

الثّانِي: أنَّهُ وهَجُ جَهَنَّمَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: لَفْحُ الشَّمْسِ والحَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في لَفْحِ البَرْدِ، كَما قالَ الرّاجِزُ اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ ∗∗∗ مِن جَزِعَ اليَوْمِ فَلا نَلُومُهُ ﴿ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البَرَّ الصّادِقُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: اللَّطِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ فاعِلُ البِرِّ المَعْرُوفُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج في قوله: ﴿ يتنازعون فيها كأساً ﴾ قال: الرجل وأزواجه وخدمه يتنازعون أخذه من خدمة الكأس ومن زوجته وأخذ خدمة الكأس منه ومن زوجته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا لغو فيها ﴾ يقول: لا باطل فيها ﴿ ولا تأثيم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا لغو فيها ﴾ قال: لا يستبون ﴿ ولا تأثيم ﴾ قال: لا يغوون.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ كأنهم لؤلؤ مكنون ﴾ قال: الذي لم تمر عليه الأيدي.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر «عن قتادة في قوله: ﴿ كأنهم لؤلؤ مكنون ﴾ قال: بلغني أنه قيل: يا رسول الله هذا الخدم مثل اللؤلؤ فكيف بمخدوم؟

قال: والذي نفسي بيده إن فضل ما بينهما كفضل القمر ليلة البدر على النجوم» وفي لفظ لابن جرير «إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» .

وأخرج الترمذي وحسنة وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر، يطوف عليّ ألف خادم ﴿ كأنهم لؤلؤ مكنون ﴾ » .

قوله تعالى: ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ الآيات.

أخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإِخوان فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدثان فيتكئ ذا ويتكئ ذا فيتحدثان بما كانا في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا، يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ووقانا عذاب السموم ﴾ قال: وهج النار.

وخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو فتح الله من عذاب السموم على أهل الأرض مثل الأنملة أحرقت الأرض ومن عليها» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة أنها قرأت هذه الآية ﴿ فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ﴾ فقالت: اللهم منَّ علينا وقنا عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم وذلك في الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن أسماء أنها قرأت هذه الآية فوقعت عليها فجعلت تستعيذ وتدعو.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه هو البر ﴾ قال: اللطيف.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إنه هو البر ﴾ قال: الصادق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ غِلْمَانٌ لَّهُمْ ﴾ يعني خدامهم ﴿ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ﴾ اللؤلؤ الجوهر، والمكنون المصون، وذلك لحسنه وقيل: هو الذي لم يخرج من الصدف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ...

﴾ الآية.

يحتمل: في جحنات وفي نعيم.

ويحتمل: في جنات فيها نعيم؛ فتكون الواو بمعنى "مع"، أي: في جنات مع نعيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ناعمين متنعمين.

وقال بعضهم: معجبين وهما واحد المعجب به والناعم سواء؛ لأنه إذاكان ناعما متنعما، كان معجبا مسروراً.

وقال بعضهم: ﴿ فَاكِهِينَ ﴾ : ناعمين، و ﴿ فَاكِهِينَ ﴾ معجبين بذلك؛ وهو قول القتبي.

ثم ذكر هاهنا: ﴿ فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ ، وذكر في سورة الذاريات: ﴿ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ  ﴾ فالفاكهة ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ  ﴾ .

أي: آخذين ما آتاهم ربهم بالشكر منه والحمد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: وقاهم، أي: عصمهم في الدنيا عن الأعمال التي توبقهم وتهلكم لو أتوا بها وعملوها، فإذا عصمهم عن ذلك، وقاهم عن عذاب الجحيم، والله أعلم.

والثاني: وقاهم أي: عفا عنهم في الآخرة، وصفح عما عملوا من الأعمال الموبقات في الدنيا ما لولا عفوه إياهم، لكانت توبقهم، ويستوجبون ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم لما أدخلوا الجنة، ونزلوا منازلهم: كانوا واشربواز وقوله: ﴿ هَنِيئَاً ﴾ أي: ليس عليهم في ذلك خوف التبعة، ولا خوف حدوث مكروه، في أنفسهم ولا آفة؛ لأن ذلك ينقص عليهم ذلك، ليس كما يؤكل في الدنيا، فيه خوف التبعة، وخوف حدوث المكروه والآفات في أنفسهم والضرر، فأخبر: ألا يكومن لهم في الجنة ذلك؛ لئلا ينقص عليهم نعمها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ ذكر [أن] لهم في الجنة جميع ما ترغب إليه أنفسهم في الدنيا، و يتمنون بها، كقوله  : ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً  وَكَأْساً دِهَاقاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ  وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ  وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ  وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ  ﴾ ، وأشباه ذلك مما يكثر عده مما تحدث به أنفسهم في الدنيا، ورغبهم فيه، ليرغبوا في طلبها وليتركوا ما في الدنيا من ذلك؛ ليصفوا لهم ذلك في الآخرة.

وهذه الأحوال التي ذكر وأخبر أنه تكون لهم في الآخرة من الاتكاء على السرر، والمقابلة في المجلس وغير ذلك من الأشياء التي ذكرها في الكتاب.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ .

كما يقال: تزوجت: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: أحدها: ما قال أبو بكر الكيساني: أي: يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء والأمهات، ولو قصرت أعمال الذرية من أعمال الآباء والأمهات لأن الدرجات إنما تكمون بالأعمال، فهم وإن لم يبلغوا فلي الأعمال مبلغ آبائهم؛ فإنهم يلحقون بهم في الدرجات، والله أعلم.

وقال بعضهم: إن الذرية التقنوا الإيمان من آبائهم وأمهاتهم، وأخذوه منهم، ولم يبحثوا عن حجة وبرهانه حتى يكون أخذهم وقبولهم عن البحث عن الحجة والبرهان، فهم وإن كانوا مقلدين أباءهم في الإيمان، متلقنين منهم فإنهم يلحقون بآبائهم وإن كان الإيمان عن الحجة أفضل من الإيمان بالتقليد والالتقان.

وقال بعضهم: إن الذرية وإن لم يبلغوا مبلغا يكون منهم الإيمان، فإنهم يلحقون بآبائهم وأمهاتهم في إيمانهم، وإن لم يكن منهم الإيمان ولم يأتوا به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .

على تأويل أبي بكر: أي وما ألتنا من أعمال الذرية من شيء؛ أي: ما نقصنا أعمال آبائهم في الثواب وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم، بل يبلغون درجات آبائهم، ويوقرون كما يوقر على آبائهم؛ وتأويله أبعد هذه التأويلات التي ذكرنا.

وعلى تأويل غيره: ما نقصنا من أعمال آبائهم شيئاً، أي: إنهم وإن بلغوا مبلغ الآباء، فإن الآباء لا ينقصون من أعمالهم شيئاً، ذكر هذا لا يظن أنه ينقص من ثواب آبائهم ويعطي ذلك لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ ﴾ .

قال بعضهم: هذا صلة قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ، ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ  ﴾ وهو يرد قول من يقول بأن الرهن لصاحبه، له أنه يحلبه، وأن يركبه، وأن ينتفع به، ثم يرد إلى المرتهن، ولو كان له هذا، لكان لا يكون وهنا؛ إذ أخبر: أنه رهين - أي: محبوس - فالرهن هو الذي يحبس في كل وقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ ﴾ .

أي: وأمددناهم فاكهة، وإلباء في (الفاكهة) زائدة كما ذكرنا في قوله  : ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ .

ثم يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم ﴾ إخباراً عن دوامها وكثرتها، أي: لا تنقطع ولا تقل، وليس كفواكه الدنيا أنها لا توجد في كل وقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ .

أخبر أنهم يأكلون جميع ما يشتهون، ويجدون ما يتمنون، ليس كالدنيا، ربما يشتهي شيئاً لا يحده، ويجد ما لا بشتهيه، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً ﴾ أي: يتعاطون فيها كأسا، ويأخذ بعضهم من بعض، كما يكمون في الدنيا لا يكون لكل أحد كأس على حدة، وهو كما روي في الخبر: أن نبي الله  كان يغتسل مع بعض أوزاج وربما تتنازع أيديهما.

وقال أبو بكر الكيساني: الكأس هو الخمر.

وقال غيره: هو الإناء المملوء من الخمر، وأما الذي لا شراب فيه فهو الإناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ قرئ: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ بالرفع والتنوين.

قال أبو عبيدة: إنه خبر بأنه ليس فيها لغو ولا تأثيم كما قال: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ  ﴾ .

وقرئ بالنصب فيهما على التنزيه، وهو وجه غير مدفوع.

وتأويل الآية: أي: لا يكون منهم من اللغو، وما يؤثم من القول؛ كما يكون في شراب الدنيا من اللغو وقول الإثم.

وقيل: ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ ﴾ ؛ لأنها أحلت لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .

يرغبهم فيها [كما] رغب إليهم أنفسهم في الدنيا من الخدم، والفواكه، والبسط ليطلبوها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: يتساءلون عن المعاصي التي كانت منهم في الدنيا، واستدل بقوله على أثر هذه الآية: ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ يحتمل قول: ﴿ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: إنا كنا قبل وأهلنا مشفقين كقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ .

والثاني: أي: إنا كنا قبل على أنفسنا وأهلنا مشفقين، أي: خائفين على ما كان منا من الجنايات والمعاصي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: والله أعلم -: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين على أنفسنا؛ لجناياتنا وراجعين رحمته بقوله  : ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ، وصف الله  في غير آي من القرآن بالإشفاق والخشية، والطمع والرجاء: كقوله  : ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً  ﴾ ، ونحو ذلك.

ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴾ قرئ: (أَنَّه هو البر) بنصب الألف وخفضه؛ فمن كسره، حمله على الابتداء؛ أي: ربنا كذلك على كل حال، ومن نصب أراد: يدعوه ثانيا؛ لأنه هو البر الرحيم، أي: يدعوه لأجل أنه كذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ﴾ : أن لله أن يعذبهم بعذاب السموم، لكنه بمنه وفضله وقاهم، ولو كان عليه ذلك كما قالت المعتزلة لم يكن لذكر المنة معنى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأقبل بعض أهل الجنة على بعض، يسأل بعضهم بعضًا عن حالهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.GNKl5"

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله