الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٣٤ من سورة الطور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 50 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) أي : إن كانوا صادقين في قولهم : " تقوله وافتراه " فليأتوا بمثل ما جاء به محمد [ - صلى الله عليه وسلم - ] من هذا القرآن ، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس ، ما جاءوا بمثله ، ولا بعشر سور [ من ] مثله ، ولا بسورة من مثله .
وقوله ( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ) يقول: جلّ ثناؤه: فليأت قائلو ذلك له من المشركين بقرآن مثله, فإنهم من أهل لسان محمد صلى الله عليه وسلم , ولن يتعذر عليهم أن يأتوا من ذلك بمثل الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم إن كانوا صادقين في أن محمدا صلى الله عليه وسلم تقوّله وتخلَّقه.
فليأتوا بحديث مثله أي بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم إن كانوا صادقين في أن محمدا افتراه .
وقرأ الجحدري " فليأتوا بحديث مثله " بالإضافة .
والهاء في " مثله " للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأضيف الحديث الذي يراد به القرآن إليه لأنه المبعوث به .
والهاء على قراءة الجماعة للقرآن .
{ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } أنه تقوله، فإنكم العرب الفصحاء، والفحول البلغاء، وقد تحداكم أن تأتوا بمثله، فتصدق معارضتكم أو تقروا بصدقه، وأنكم لو اجتمعتم، أنتم والإنس والجن، لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله، فحينئذ أنتم بين أمرين: إما مؤمنون به، مهتدون بهديه، وإما معاندون متبعون لما علمتم من الباطل.
( فليأتوا بحديث مثله ) أي : مثل القرآن ونظمه وحسن بيانه ( إن كانوا صادقين ) أن محمدا يقوله من قبل نفسه .
«فليأتوا بحديث» مختلق «مثله إن كانوا صادقين» في قولهم.
فليأتوا بكلام مثل القرآن، إن كانوا صادقين- في زعمهم- أن محمدًا اختلقه.
وإذا كان الأمر - كما زعموا - فها هو ذا القرآن أمامهم يسمعون آياته .
.
.
فليأتوا بحديث يشابه القرآن فى بلاغته .
وهدايته ، وسمو تشريعاته وآدابه .وقد تحداهم - سبحانه - فى آيات أخرى أن يأتوا بعشر سور من مثله فقال : ( أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ثم تحداهم سبحانه - أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فقال : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ولكنهم فى جميع مراحل التحدى ، وقفوا عاجزين مبهوتين ، فثبت أن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
ثم قال لبطلان جميع الأقسام ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ إِن كَانُواْ صادقين ﴾ أي إن كان هو شاعراً ففيكم الشعراء البلغاء والكهنة الأذكياء ومن يرتجل الخطب والقصائر ويقص القصص ولا يختلف الناقص والزائد فليأتوا بمثل ما أتى به، والتقول يراد به الكذب.
وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن التفعل للتكلف وإراءة الشيء وهو ليس على ما يرى يقال تمرض فلان أي لم يكون مريضاً وأرى من نفسه المرض وحينئذ كأنهم كانوا يقولون كذب وليس بقول إنما هو تقول صورة القول وليس في الحقيقة به ليعلم أن المكذب هو الصادق، وقوله تعالى: ﴿ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ بيان هذا أنهم كانوا في زمان نزول الوحي وحصول المعجزة كانوا يشاهدونها وكان ذلك يقتضي أن يشهدوا له عند غيرهم ويكونوا كالنجوم للمؤمنين كما كانت الصحابة رضي الله عنهم وهم لم يكونوا كذلك بل أقل من ذلك لم يكونوا أيضاً وهو أن يكونوا من آحاد المؤمنين الذين لم يشهدوا تلك الأمور ولم يظهر الأمر عندهم ذلك الظهور.
وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَأْتُواْ ﴾ الفاء للتعقيب أي إذا كان كذلك فيجب عليهم أن يأتوا بمثل ما أتى به ليصحح كلامهم ويبطل كلامه وفيه مباحث: الأول: قال بعض العلماء ﴿ فَلْيَأْتُواْ ﴾ أمر تعجيز بقول القائل لمن يدعي أمراً أو فعلاً ويكون غرضه إظهار عجزه، والظاهر أن الأمر هاهنا مبقي على حقيقته لأنه لم يقل: ائتوا مطلقاً بل إنما قال: ائتوا إن كنتم صادقين، وعلى هذا التقدير ووجود ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز في كلام الله تعالى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله * يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ ﴾ وليس هذا بحثاً يورث خللاً في كلامهم.
الثاني: قالت المعتزلة الحديث محدث والقرآن سماه حديثاً فيكون محدثاً، نقول الحديث اسم مشترك، يقال للمحدث والقديم، ولهذا يصح أن يقال هذا حديث قديم بمعنى متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لا نزاع فيه.
الثالث: النحاة يقولون الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير، لكن الموصوف حديث وهو منكر ومثل مضاف إلى القرآن والمضاف إلى المعرف معرف، فكيف هذا؟
نقول مثل وغير لا يتعرفان بالإضافة وكذلك كل ما هو مثلهما والسبب أن غير أو مثلاً وأمثالهما في غاية التنكير، فإنك إذا قلت ما رأيت شيئاً مثل زيد يتناول كل شيء فإن كل شيء مثل زيد في كونه شيئاً، فالجماد مثله في الجسم والحجم والإمكان، والنبات مثله في النشوء والنماء والذبول والفناء، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف، وأما غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت غير زيد صار في غاية الإيهام فإنه يتناول أموراً لا حصر لها، وأما إذا قطعته عن الإضافة ربما تقول الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير كأسماء الأجناس، أو تجعله مبتدأ وتريد به معنى معيناً.
الرابع: ﴿ إِن كَانُواْ صادقين ﴾ أي في قولهم: ﴿ تَقَوَّلَهُ ﴾ وقد ذكرنا أن ذلك راجع إلى ما سبق من أنه كاهن وأنه مجنون، وأنه شاعر، وأنه متقول، ولو كانوا صادقين في شيء من ذلك لهان عليهم الإتيان بمثل القرآن، ولما امتنع كذبوا في الكل.
البحث الخامس: قد ذكرنا أن القرآن معجز ولا شك فيه، فإن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثل ما يقرب منه عند التحدي فإما أن يكون كونه معجزاً لفصاحته وهو مذهب أكثر أهل السنة وإما أن يكون معجزاً لصرف الله عقول العقلاء عن الإتيان بمثله، وعقله ألسنتهم عن النطق بما يقرب منه، ومنع القادر من الإتيان بالمقدور كإتيان الواحد بفعل لا يقدر عليه غيره فإن من قال لغيره أنا أحرك هذا الجبل يستبعد منه، وكذا إذا قال إني أفعل فعلاً لا يقدر الخلق (معه) على حمل تفاحة من موضعها يستبعد منه على أن كل واحد فعل معجز إذا اتصل بالدعوى، وهذا مذهب بعض المتكلمين ولا فساد فيه وعلى أن يقال هو معجز بهما جميعاً.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ يتربص به ريب المنون ﴾ ، على البناء للمفعول.
وريب المنون.
ما يقلق النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر.
قال: أَمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِهِ تتَوَجَّعُ وقيل: المنون الموت، وهو في الأصل فعول؛ من منه إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع؛ ولذلك سميت شعوب قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة ﴿ مّنَ المتربصين ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي ﴿ أحلامهم ﴾ عقولهم وألبابهم.
ومنه قولهم: أحلام عاد.
والمعنى: أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم مجنون.
وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ مجاوزون الحدّ في العناد مع ظهور الحق لهم.
فإن قلت: ما معنى كون الأحلام آمرة؟
قلت: هو مجاز لأدائها إلى ذلك، كقوله تعالى: ﴿ أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ [هود: 87] وقرئ: ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ ﴿ تَقَوَّلَهُ ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن، مع علمهم ببطلان قولهم، وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من العرب.
وقرئ (بحديث مثله) على الإضافة، والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه: أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب، فإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادراً عليه، فليأتوا بحديث ذلك المثل: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ ﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ﴿ مِنْ غَيْرِ شَيْء ﴾ من غير مقدّر ﴿ أَمْ هُمُ ﴾ الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق ﴿ بل لا يوقنون ﴾ أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض؟
قالوا: الله، وهم شاكون فيما يقولون، لا يوقنون.
وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟
وقيل: أخلقوا من غير أب وأم؟
﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ ﴾ الرزق حتى يرزقوا النبوّة من شاؤا.
أو: أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟
﴿ أَمْ هُمُ المسيطرون ﴾ الأرباب الغالبون، حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم؟
وقرئ ﴿ المصيطرون ﴾ بالصاد ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ منصوب إلى السماء يستمعون صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون؟
﴿ بسلطان مُّبِينٍ ﴾ بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم.
المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، أي: لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في أتباعك؟
﴿ أَمْ عِندَهُمُ الغيب ﴾ أي اللوح المحفوظ ﴿ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ما فيه حتى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لم نعذب ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ﴾ وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين ﴿ فالذين كَفَرُواْ ﴾ إشارة إليهم أو أريد بهم كل من كفر بالله ﴿ هُمُ المكيدون ﴾ هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم.
وذلك أنهم قتلوا يوم بدر.
أو المغلوبون في الكيد، من كايدته فكدته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ﴾ اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
﴿ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ فَيَرْمُونَهُ بِهَذِهِ المَطاعِنِ لِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ.
﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ مِثْلَ القُرْآنِ.
﴿ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ في زَعْمِهِمْ إذْ فِيهِمْ كَثِيرٌ مِمَّنْ عُدُّوا فُصَحاءَ فَهو رَدٌّ لِلْأقْوالِ المَذْكُورَةِ بِالتَّحَدِّي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَدًّا لِلتَّقَوُّلِ فَإنَّ سائِرَ الأقْسامِ ظاهِرُ الفَسادِ.
﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ أمْ أُحْدِثُوا وقُدِّرُوا مِن غَيْرِ مُحْدِثٍ ومُقَدِّرٍ فَلِذَلِكَ لا يَعْبُدُونَهُ، أوْ مِن أجْلِ لا شَيْءٍ مِن عِبادَةٍ ومُجازاةٍ.
﴿ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ فَإنَّ مَعْناهُ أمْ خَلَقُوا أنْفُسَهم ولِذاكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ وأمْ في هَذِهِ الآياتِ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ.
﴿ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَكم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قالُوا اللَّهُ إذْ لَوْ أيْقَنُوا ذَلِكَ لَما أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ} مختلق {مّثْلِهِ} مثل القرآن {إِن كَانُواْ صادقين} في أن محمداً تقوله من تلفاء نفسه لأنه بلسانهم وهم فصحاء
﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ مُماثِلُ القُرْآنِ في النُّعُوتِ الَّتِي اسْتَقَلَّ بِها مِن حَيْثُ النَّظْمِ ومِن حَيْثُ المَعْنى ﴿ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ فِيما زَعَمُوا فَإنَّ صِدْقَهم في ذَلِكَ يَسْتَدْعِي قُدْرَتَهم عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ بِقَضِيَّةِ مُشارَكَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ مَعَ ما بِهِمْ مِن طُولِ المُمارِسَةِ لِلْخُطَبِ والأشْعارِ، وكَثْرَةِ المُزاوَلَةِ لِأسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ، والمُبالَغَةُ في حِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ ولا رَيْبَ في أنَّ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ مِن مُوجِباتِ الإتْيانِ بِهِ ودَواعِي الأمْرِ بِذَلِكَ، فالكَلامُ ( رَدَّ ) لِلْأقْوالِ المَذْكُورَةِ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والقُرْآنُ بِالتَّحَدِّي فَإذا تَحَدَّوْا وعَجَزُوا عُلِمَ رَدُّ ما قالُوهُ وصِحَّةُ ( المُدَّعى )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( رَدًّا ) لِزَعْمِهِمُ التَّقَوُّلَ خاصَّةً فَإنَّ غَيْرَهُ مِمّا تَقَدَّمَ حَتّى الكِهانَةِ كَما لا يَخْفى أظْهَرُ فَسادًا مِنهُ ومَعَ ذَلِكَ إذا ظَهَرَ فَسادُ زَعْمِ التَّقَوُّلِ ظَهَرَ فَسادُ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو السَّمّالِ بِحَدِيثِ مِثْلِهِ عَلى الإضافَةِ أيْ بِحَدِيثِ رَجُلٍ مِثْلَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَصْحَبْ أهْلَ العِلْمِ ولا رُحِّلَ عَنْ بَلَدِهِ، أوْ مَثَلِهِ في كَوْنِهِ واحِدًا مِنهم فَلا يُعَوَّزُ أنْ يَكُونَ في العَرَبِ مِثْلُهُ في الفَصاحَةِ فَلْيَأْتِ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ ولَنْ يَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: فَذَكِّرْ يعني: فعظ بالقرآن فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ يعني: برحمة ربك.
ويقال: هو كقوله: ما أنت بحمد الله مجنون.
وقال أبو سهل: متعظ بالقرآن، ولست أنت والحمد الله بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ويقال: فذكر.
يعني: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين المتقين، وبما أعتدنا للضالين الكافرين فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ يعني: لست تقول بقول الكهنة، ولا تنطق إلا بالوحي.
ثم قال: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ يعني: أيقولون هو شاعر يأتي من قبل نفسه، وهو قول الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأصحابهما.
نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ يعني: أوجاع الموت، وحوادثه.
قال قتادة: رَيْبَ الْمَنُونِ الموت.
وقال مجاهد: رَيْبَ الْمَنُونِ حوادث الدهر.
وقال القتبي: حوادث الدهر، وأوجاعه، ومصائبه.
ويقال: إنهم كانوا يقولون: قد مات أبوه شاباً، وهم ينتظرون موته قُلْ تَرَبَّصُوا يعني: انتظروا هلاكي فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ وذكر في التفسير، أن الذين قالوا هكذا ماتوا كلهم قبل رسول الله .
قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا يعني: أتأمرهم عقولهم، وتدلهم على التكذيب، والإيذاء بمحمد .
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني: بل هم قوم عاتون في معصية الله تعالى.
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ يعني: أيقولون أن محمداً يقول من ذات نفسه.
واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر والوعيد.
ثم قال: بَلْ لاَّ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بالرَّسول، والكتاب، عناداً وحسداً منهم.
قوله عز وجل: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ يعني: إن قلتم إن محمداً يقول: من ذات نفسه، فأتوا بمثل هذا القرآن كما جاء به إِنْ كانُوا صادِقِينَ في قولهم.
ثم قال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: من غير رب.
كانوا هكذا خلقاً من غير شيء.
ومعناه: كيف لا يعتبرون بأن الله تعالى خلقهم، فيوحدونه، ويعبدونه.
ويقال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: لغير شيء.
ومعناه: أخلقوا باطلاً لا يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون.
ثم قال: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يعني: أهم خلقوا الخلق؟
أم الله تعالى؟
ومعناه: أن الله تعالى خلق الخلق، وهو الذي يبعثهم يوم القيامة.
ثم قال: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: بل الله تعالى خلقهم بَلْ لاَّ يُوقِنُونَ بتوحيد الله الذي خلقهما، أنه واحد لا شريك له.
ثم قال أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ يعني: مفاتيح رزق ربك.
ويقال: مفاتيح ربك الرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا، ولكن الله يختار من يشاء، كقولهم: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (5) [القمر: 25] .
ثم قال: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ يعني: أهم المسلطون عليهم، يحملونهم حيث شاؤوا على الناس، فيجبرونهم بما شاؤوا.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي، في إحدى الروايتين: المسيطرون بالسين.
والباقون: بالصاد.
وقرأ حمزة: المزيطرون بإشمام الزاء.
وقال الزجاج: تسيطر علينا، وتصيطر.
وأصله السين، وكل سين بعدها طاء، يجوز أن تقلب صاداً، مثل مسيطر، ويبسط.
ثم قالوا: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يعني: سبباً إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ يعني: يرتقون عليه، فيستمعون القول من رب العالمين فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: بحجة بينة.
<div class="verse-tafsir"
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
وقوله سبحانه: فَذَكِّرْ أمر لنبيّه ع بإدامة الدعاء إلى الله عز وجل، ثم قال مؤنساً له: فَما أَنْتَ: بإِنعام اللَّه عليك ولُطْفِهِ بك- كاهِنٌ ولا مجنون.
وقوله سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ أي: بل يَقُولُونَ شاعِرٌ ...
الآية: رُوِيَ أَنَّ قريشاً اجتمعت في دار الندوة، فكثرت آراؤهم في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حَتَّى قال قائل منهم: تَرَبَّصُوا به رَيْبَ المَنُونِ، أي: حوادِثَ الدهر، فَيَهْلِكَ كما هَلَكَ من قبله من الشُّعَرَاءِ: زُهَيْرٌ، والنَّابِغَةُ، وَالأَعْشَى، وغيرُهم، فافترقوا على هذه المقالة، فنزلت الآية في ذلك، والتَّرَبُّصُ: الانتظار، والمنون: من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس «١» ، وهو أيضاً من أسماء الدهر، وبه فَسَّرَ مجاهد «٢» ، والرَّيْبُ هنا: الحوادث والمصائب: ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا» «٣» الحديثَ.
وقوله: قُلْ تَرَبَّصُوا وعيد في صيغة أمر.
وقوله سبحانه: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا الأحلام: العقول، وقوله: بِهذا يحتمل أنْ يشيرَ إلى هذه المقالة: هو شاعر، ويحتمل أَنْ يشير إلى ما هم عليه من الكُفْرِ وعبادة/ الأصنام، وتَقَوَّلَهُ معناه: قال عن الغير أَنَّهُ قاله، فهي عبارة عن كَذِبٍ مخصوص، ثم عَجَّزَهُمْ سبحانه بقوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ والضمير في مِثْلِهِ عائد على القرآن.
وقوله: إِنْ كانُوا صادِقِينَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ أيْ: فَعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ "بِكاهِنٍ" وهو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويُخْبِرُ عَمّا في غَدٍ مِن غَيْرِ وحْيٍ.
والمَعْنى: إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ لا كَما يَقُولُ [فِيكَ] كُفّارُ مَكَّةَ.
﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ ﴾ أىْ: هو شاعِرٌ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، قالَ الأخْطَلُ: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطِ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا لَمْ يَسْتَفْهِمْ، إنَّما أوْجَبَ أنَّهُ رَأى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَوادِثُ الدَّهْرِ وأوْجاعُهُ ومَصائِبُهُ، و"المَنُونُ" الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ هَكَذا أنْشَدَناهُ أصْحابُ الأصْمَعِيِّ عَنْهُ، وكانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، قالَ: وقَوْلُهُ "والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ" يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: أمِنَ الدَّهْرِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ؟!
قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: لا أُكَلِّمُكَ آخِرَ المَنُونِ، أيْ: آخِرَ الدَّهْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا ﴾ أيِ: انْتَظَرُوا بِي ذَلِكَ ﴿ فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُنْتَظَرِينَ عَذابَكُمْ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ.
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، إذْ لا تَضادَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ، وهي العُقُولُ، فَأزْرى اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ، إذْ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.
وقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا وَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعُقُولِ؟!
فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها بارِئُها، أيْ: لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أمْ تَأْمُرُهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أمْ هُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنى "بَلْ"، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ قالَ: والمَعْنى: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ ويَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، أمْ يَكْفُرُونَ طُغْيانًا وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ؟!
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أمْ تَدُلُّهم عُقُولُهم عَلى هَذا؟
لِأنَّ الحِلْمَ يَكُونُ بِالعَقْلِ، فَكَنّى عَنْهُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ﴾ أيِ: افْتَعَلَ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؟
والتَّقَوُّلُ: تُكَلُّفُ القَوْلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ "بَلْ" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بِالقُرْآنِ، اسْتِكْبارًا.
فَلْيَأْتُوا ﴿ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "بِحَدِيثِ مِثْلِهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ﴿ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ ﴿ أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ ﴿ أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ مُحَمَّدًا إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ ﴾ الآيَةُ.
رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ...............
∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..................
∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗.....................
وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ.
ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ؟
فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ.
والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟
وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟
وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟
ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال متصل بقوله: ﴿ أم يقولون شاعر ﴾ [الطور: 30] الخ.
وهذا حكاية لإِنكارهم أن يكون القرآن وحياً من الله، فزعموا أنه تقوّله النبي صلى الله عليه وسلم على الله، فالاستفهام إنكار لقولهم، وهم قد أكثروا من الطعن وتمالؤوا عليه ولذلك جيء في حكايته عنهم بصيغة ﴿ يقولون ﴾ المفيدة للتجدد.
والتقول: نسبة كلام إلى أحد لم يقله، ويتعدى إلى الكلام بنفسه ويتعدى إلى من يُنسب إليه بحرف (على)، قال تعالى: ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ﴾ [الحاقة: 44، 45] الآية.
وضمير النصب في ﴿ تقوله ﴾ عائد إلى القرآن المفهوم من المقام.
وابتدئ الرد عليهم بقوله: ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ لتعجيل تكذيبهم قبل الإِدلاء بالحجة عليهم وليكون ورود الاستدلال مفرّعاً على قوله: ﴿ لا يؤمنون ﴾ بمنزلة دليل ثان.
ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ : أن دلائل تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن تقوّل القرآن بيّنة لديهم ولكن الزاعمين ذلك يأبون الإِيمان فهم يبادرون إلى الطعن دون نظر ويلقون المعاذير ستراً لمكابرتهم.
ولما كانت مقالتهم هذه طعناً في القرآن وهو المعجزة القائمة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وكانت دعواهم أنه تقوّل على الله من تلقاء نفسه قد تروج على الدهماء تصدى القرآن لبيان إبطالها بأن تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن بقوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ﴾ أي صادقين في أن محمداً صلى الله عليه وسلم تقوله من تلقاء نفسه، أي فعجزهم عن أن يأتوا بمثله دليل على أنهم كاذبون.
ووجه الملازمة أن محمداً صلى الله عليه وسلم أحد العرب وهو ينطق بلسانهم.
فالمساواة بينه وبينهم في المقدرة على نظم الكلام ثابتة، فلو كان القرآن قد قاله محمد صلى الله عليه وسلم لكان بعض خاصة العرب البلغاء قادراً على تأليف مثله، فلما تحدّاهم الله بأن يأتوا بمثل القرآن وفيهم بلغاؤهم وشعراؤهم وكلمتهم وكلهم واحد في الكفر كان عجزهم عن الإِتيان بمثل القرآن دالاً على عجز البشر عن الإِتيان بالقرآن ولذلك قال تعالى في سورة هود (13، 14): ﴿ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللَّه إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم اللَّه ﴾ كما قال تعالى: ﴿ فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون ﴾ [الأنعام: 33].
والإِتيان بالشيء: إحضاره من مكان آخر.
واختير هذا الفعل دون نحو: فليقولوا مثلَه ونحوه، لقصد الإِعذار لهم بأن يُقتنع منهم بجلب كلام مثله ولو من أحد غيرهم، وقد تقدم عند قوله تعالى في سورة البقرة (23) ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ أنه يحتمل معنيين، هما: فأتوا بسورة من مثل القرآن، أو فأتوا بسورة من مثل الرسول، أي من أحد من الناس.
والحديث: الإِخبار بالحوادث، وأصل الحوادث أنها الواقعات الحديثة، ثم توسع فأطلقت على الواقعات، ولو كانت قديمة كقولهم: حوادث سنة كذا، وتَبع ذلك إطلاق الحديث على الخبر مطلقاً، وتوسع فيه فأطلق على الكلام ولو لم يكن إخباراً، ومنه إطلاق الحديث على كلام النبي.
فيجوز أن يكون الحديث هنا قد أطلق على الكلام مجازاً بعلاقة الإِطلاق، أي فليأتوا بكلام مثله، أي في غرض من الأغراض التي يشتمل عليها القرآن لا خصوص الأخبار.
ويجوز أن يكون الحديث هنا أطلق على الأخبار، أي فليأتوا بأخبار مثل قصص القرآن فيكون استنزالاً لهم فإن التكلم بالأخبار أسهل على المتكلم من ابتكار الأغراض التي يتكلم فيها، فإنهم كانوا يقولون إن القرآن أساطير الأولين، أي أخبار عن الأمم الماضين فقيل لهم: فليأتوا بأخبار مثل أخباره لأن الإِتيان بمثل ما في القرآن من المعارف والشرائع والدلائل لا قِبَل لعقولهم به، وقصاراهم أن يفهموا ذلك إذا سمعوه.
ومعنى المثلية في قوله: مثله} المثلية في فصاحته وبلاغته، وهي خصوصيات يدركونها إذا سمعوها ولا تحيط قرائحهم بإيداعها في كلامهم.
وقد بينا أصول الإِعجاز في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير.
ولام الأمر في ﴿ فليأتوا ﴾ مستعملة في أمر التعجيز كقوله حكاية عن قول إبراهيم ﴿ إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْتتِ بها من المغرب ﴾ [البقرة: 258].
وقوله: ﴿ إن كانوا صادقين ﴾ أي في زعمهم أنه تقوّله، أي فإن لم يأتوا بكلام مثله فهم كاذبون.
وهذا إلهاب لعزيمتهم ليأتوا بكلام مثل القرآن ليكون عدم إتيانهم بمثله حجة على كذبهم وقد أشعر نظم الكلام في قوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ﴾ الواقععِ موقعاً شبيهاً بالتذييل والمختوممِ بكلمة الفاصلة، أنه نهاية غرض وأن ما بعده شروع في غرض آخر كما تقدم في نظم قوله: ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ﴾ [الطور: 31].
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَذَكِّرْ ﴾ يَعْنِي بِالقُرْآنِ.
﴿ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي بِرِسالَةِ رَبِّكَ.
﴿ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ﴾ تَكِّذِيبًا لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ حَيْثُ قالَ إنَّهُ ساحِرٌ، وتَكْذِيبًا لِعُقْبَةَ بْنِ مَعِيطٍ، حَيْثُ قالَ: إنَّهُ مَجْنُونٌ.
﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: قالَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ: تَرَبَّصُوا بِمُحَمَّدٍ المَوْتَ يَكْفِيكُمُوهُ، كَما كَفاكم شاعِرَ بَنِي فُلانٍ، وشاعِرَ بَنِي فُلانٍ، قالَ الضَّحّاكُ: هَؤُلاءِ بَنُو عَبْدِ الدّارِ، نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ شاعِرٌ.
وَفِي ﴿ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: حَوادِثُ الدَّهْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
المَنُونُ: الدَّهْرُ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ ؎ أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس أن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: الموت.
وأخرج ابن الأنباري في الوقت والابتداء عن ابن عباس قال: ريب: شك، إلا مكاناً واحداً في الطور ﴿ ريب المنون ﴾ يعني حوادث الأمور، قال الشاعر: تربص بها ريب المنون لعلها ** تطلق يوماً أو يموت حليلها وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: حوادث الدهر، وفي قوله: ﴿ أم هم قوم طاغون ﴾ قال: بل هم قوم طاغون.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم تأمرهم أحلامهم ﴾ قال: العقول.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ قال: مثل القرآن، وفي قوله: ﴿ فليأت مستمعهم ﴾ قال: صاحبهم، وفي قوله: ﴿ أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون ﴾ يقول: أسألت هؤلاء القوم على الإِسلام أجراً فمنعهم من أن يسلموا الجعل، وفي قوله: ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ قال: القرآن.
وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن جبير بن مطعم رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ﴾ الآيات، كاد قلبي أن يطير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: المسلطون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: أم هم المنزلون والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ﴾ أي اختلقه من تلقاء نفسه، وضمير الفاعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم المفعول للقرآن ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ﴾ ردّ عليهم وإقامة حجة عليهم، والأمر هنا للتعجيز.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.
وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.
الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.
ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.
وابن عامر والآخرون: بالصاد.
وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.
والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.
وقيل: اللوح المحفوظ.
وقيل: صحيفة الأعمال.
والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.
والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.
قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.
﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.
والدع الدفع العنيف.
قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.
والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.
قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.
وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.
وقد مر في أول "النساء".
وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.
قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.
وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.
﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.
ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.
قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.
فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.
وقيل: هذا يعود إلى الكفار.
والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.
وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.
﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.
ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.
والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.
وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟
فقال: قال رسول الله "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.
وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.
والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.
وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .
ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.
وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.
والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.
والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.
ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.
ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.
قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.
وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.
والمعنى مثل ما قلنا.
وقيل: التسبيح التهجد.
ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.
أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.
قوله: ﴿ فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ﴾ .
أي: بما أنعم عليك من النبوة والقرآن لست بكاهن ولا مجنون.
ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنك لم تقابل نعمة ربك [بذلك،] عوفيت وعصمت عما ذكروا من الجنون، والسحر وغير ذلك، والله أعلم.
دلت هذه الآية على أنهم قالوا له: إنه كاهن، ومجنون، وكذا كانت عادة أولئك أنهم ينسبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف الرسل - عليهم السلام - لقادتهم وفراعنتهم إلى الجنون، والكلام المستملح والنظم الجيد إلى الشعر؛ تلبيسا للأمر على أتباعهم، هذه كانت عادتهم، مع العلم منهم أن رسول الله ليس كذلك، ولا اختلف إلى أحد من الكهان ولا السحرة ولا كان القرآن على نظم الشعر؛ إذ عجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين، لم لم عجزوا عن مقابلة ما آتاهم من الحجج قالوا: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ ﴾ ، أي: عن قريب يرجعون إلى ديننا، وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب رسول الله : إن محمداً يموت ويصير الأمر لنا؛ فترجعون إلينا؛ فقال : ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ ﴾ ، أي: تربصوا ذلك؛ فإني متربص ذلك بكم؛ فكانوا جميعاً أو عامتهم - أعني: الذين قالوا لرسول الله : إنه شاعر نتربص به ريب المنون - أهلكوا قبل وفاة رسول الله - فحل بهم ما ظنوا برسول الله ، والله أعلم.
قال القتبي: ريب المنون: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، والمنون: الدهر.
وقال أبو عوسجة: ريب المنون، أي: المنية، وريبها: ما تأتي به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع معنى حرف "أم" أي: ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أي: من يأمر بهذا فليس بعاقل.
والثاني: على تسفيه أحلامهم، أي: أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن عبادة الله ؟!
أي: لا عقل يأمر به.
وقوله: ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .
أي: طاغون في ذلك، والطغيان: هو المجاوزة عن الحد في العداوة.
وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يعلمون أنك لست بمتقول، ولكن ينسبونك إلى التقول، لتكذيبهم بآيات الله ؛ وهو وما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ يقول: إنهم لا يقولون: إنك كاذب فيما تقول، ولا ينسبونك إلى الكذب، ولكن إنما يكذبون الآيات، ويعتقدون كذبها؛ فعلى ذلك تقوله على علم منهم: أنك لم تتقول، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها، فيقولون: إنك تتقول من [عند نفسك]، قال: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ ، أي: لو كانوا صادقين بأن محمداً يتقول على الله، فليأتوا بمثل ما أتى به محمد.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ﴾ وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر، فهو في الحقيقة ليس بأمر؛ لأنه لا يحمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب والافتراء، ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله.
والثاني: على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول الله من الافتراء والتقول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أم خلقوا من غير أب، ولكن ليس فيما ذكروا كثير فائدة، لو خلقوا من غير أب، إلا أن يريدوا بذلك: حتى لم يعرفوا من خلقهم، وممن خلقوا، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم مخلوقون، وليسوا بخالقين، أن كلام نحوه، فكيف يتكلمون بما هو سفه، وكيف يصرون عليه.
وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء، إذ [لو] خلقوا من تراب، ولغير معنى وحكمة، لكان خلقهم عبثاً باطلا، وهم يعلمون أنهم لم يخلقوا لعباً باطلا.
والثاني: يقال: لا يلخو إما أن يكون خلقوا من غير شيء، أو خلقوا من تراب وماء، فكيفما كان، فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .
أي: ليسوا هم بخالقين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوهما.
وقوله: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن ما يقولون إما يقولون على الظن لا على اليقين.
والثاني: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ أي: لا يصدقون، وذلك في قوة علم الله بأنهم لا يؤمنون.
فإن كان التأويل هذا، ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ حيث أخبر عن الغيب.
وإن كان التأويل هو الأول، ففيه أن جميع ما يقولون، إنما يقولون على الظن والجهل، لا على اليقين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ...
﴾ الآية؛ أي: ليس عندهم خزائن ربك، على ما ذكرنا في قوله : ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: لم يخلقوا؛ فعلى ذلك هذا: ليس عندهم خزائن ربك، ولا هم المصيطرون.
ثم الآية تحتمل وجوها أيضاً: تحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: الذي منعهم عن اتباع رسول الله هو المنعة التي عندهم، ليس ذلك عند رسول الله ؛ فيكونون هم الذلك أحق بالرسالة، أي: ليسوا بأحق.
ويحتمل قوله : ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم الغيب، أطلعوا على ذلك فعلموا أن رسول الله قد تقوَّلَ على الله ؟!
أي: ليس لهم علم الغيب.
ويحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: علم الغيب، ليس ذلك عند رسول الله ، بل عند رسوله ما يخبره ربه - جل وعلا - ليس عندهم شيء من ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ ﴾ .
أي: ليس هم المسلطين على أرزاقهم، ولا أرزاق غيرهم.
وقال بعضهم: المسيطر: الرب ، يقال: سيطر فلان، أي: صار ربا؛ وهو قول القتبي.
وقال الزجاج: المسطير: المسلط؛ يقال: سيطر، اي: تسلط.
وقال أبو بكر: المسيطر: الغالب القاهر، لكن الغلبة والقهر بالحجة عليهم، وهذا يخرج على المقابلة برسول الله ما ذكر، ويحتمل على غير المقابلة والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أم لهم سبب وقوة؛ فيصعدون السماء؛ فيستمعون من أخبارها؛ فعلموا بذلك أن محمداً تقول على الله .
والثاني: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ ، أي: لهم حجة وبرهان يستمعون يه أن رسول الله على ما ذكروا، فإن قالوا: نعم لنا ذلك، يقال لهم عند ذلك: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: بحجة بينة، ليس لهم ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ...
﴾ الآية.
هذا ليس من نوع ما سبق ذكره؛ لأن ما تقدم من الآيات بينهم وبين رسول الله على المقابلة، وهذا راجع إلى الله في الظاهر على ما سبق منهم القول: إن الملائكة بنات الله، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ، يذكر سفههم في نسبتهم البنات إلى الله - عز وجل - وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيسكن بذلك صدر رسول الله ، ويصبره على أذاهم، أي: إنهم يقولون فيَّ ما قالوا؛ فاصبر على ما يقولون فيك، والله أعلم.
ويحتمل أن خرج ما ذكرنا من المقابلة برسول الله ، [و]معناه: أم لرسول الله البنات، ولكم البنون؛ فتتركون اتباعه لذلك؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ .
أي: لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعهم ذلك عن اتباعك، يذكر أن ليس لهم أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنتا ومكابرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ، أي: عندهم علم الغيب؛ فيعلمون أن رسول الله تقوله؛ بل ليس عندهم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ ﴾ .
أي: يريدون كيدا برسول الله ، لكن هم المكيدون، أي: إليهم يرجع ذلك الكيد، والذي أرادوا برسول الله .
ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر - عز وجل - أنه عليهم في الدنيا؛ على ما قاله أهل التأويل: إنهم قتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: أم لهم إله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله ؟
أي: أم لهم إله غير الله يمنعهم ن عذاب الله ؟!
أي: ليس لهم.
ويحتمل: أم لهم إله غير الله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله من التقول على الله ، أو يطعلهم على ذلك؟
أي: ليس لهم إله يطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ﴾ .
ثم نزه نفسه عما أشركوا معه من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة، فقال: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فليأتوا بحديث مثله ولو كان مُخْتَلَقًا إن كانوا صادقين في دعواهم أنه اختلقه.
<div class="verse-tafsir" id="91.O9bKe"