تفسير الآية ٦ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٦ من سورة الرحمن

وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 29 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والنجم والشجر يسجدان ) قال ابن جرير : اختلف المفسرون في معنى قوله : ( والنجم ) بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق ، فروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : النجم ما انبسط على وجه الأرض - يعني من النبات .

وكذا قال سعيد بن جبير ، والسدي ، وسفيان الثوري .

وقد اختاره ابن جرير رحمه الله .

وقال مجاهد : النجم الذي في السماء .

وكذا قال الحسن وقتادة .

وهذا القول هو الأظهر والله أعلم ; لقوله تعالى : ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ) الآية [ الحج : 18 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) اختلف أهل التأويل في معنى النجم في هذا الموضع، مع إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فقال بعضهم: عني بالنجم في هذا الموضع من النبات: ما نجم من الأرض، مما ينبسط عليها، ولم يكن على ساق مثل البقل ونحوه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَالنَّجْمِ ) قال: ما يُبسط على الأرض.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ( وَالنَّجْمِ ) قال: النجم كل شيء ذهب مع الأرض فرشا، قال: والعرب تسمي الثبل نجما.

حدثني محمد بن خلف العسقلانيّ، قال: ثنا رَوّاد بن الجرّاح، عن شريك، عن السديّ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) قال: النجم: نبات الأرض.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( وَالنَّجْمِ ) قال: النجم: الذي ليس له ساق.

وقال آخرون: عُنِي بالنجم في هذا الموضع: نجم السماء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَالنَّجْمِ ) قال: نجم السماء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَالنَّجْمِ ) يعني: نجم السماء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) قال: إنما يريد النجم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، نحوه.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بالنجم: ما نجم من الأرض من نبت لعطف الشجر عليه، فكان بأن يكون معناه لذلك: ما قام على ساق وما لا يقوم على ساق يسجدان لله، بمعنى: أنه تسجد له الأشياء كلها المختلفة الهيئات من خلقه، أشبه وأولى بمعنى الكلام من غيره.

وأما قوله: ( وَالشَّجَرُ ) فإن الشجر ما قد وصفت صفته قبل.

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) قال: الشجر: كل شيء قام على ساق.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ( وَالشَّجَرُ ) قال: الشجر: كلّ شيء قام على ساق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ( وَالشَّجَرُ ) قال: الشجر: شجر الأرض.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) قال: الشجر الذي له سُوق.

وأما قوله: ( يَسْجُدَانِ ) فإنه عُنِي به سجود ظلهما، كما قال جلّ ثناؤه وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ .

كما حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا تميم بن عبد المؤمن، عن زبرقان، عن أبي رزين وسعيد ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) قالا ظلهما سجودهما.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوام، عن قتادة ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) : ما نـزل من السماء شيئا من خلقه إلا عَبَّده له طوعا وكرها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) قال: يسجد بكرة وعشيا.

وقيل: ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) فثنى وهو خبر عن جمعين .

وقد زعم الفراء أن العرب إذا جمعت الجمعين من غير الناس مثل السدر والنخل، جعلوا فعلهما واحدا، فيقولون الشاء والنعم قد أقبل، والنخل والسدر قد ارتوى، قال: وهذا أكثر كلامهم، وتثنيته جائزة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قال ابن عباس وغيره : النجم ما لا ساق له والشجر ما له ساق , وأنشد ابن عباس قول صفوان بن أسد التميمي : لقد أنجم القاع الكبير عضاهه وتم به حيا تميم ووائل وقال زهير بن أبي سلمى : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الجنوب لضاحي مائه حبك واشتقاق النجم من نجم الشيء ينجم بالضم نجوما ظهر وطلع , وسجودهما بسجود ظلالهما , قاله الضحاك .وقال الفراء : سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء .وقال الزجاج : سجودهما دوران الظل معهما , كما قال تعالى : " يتفيئوا ظلاله " [ النحل : 48 ] .وقال الحسن ومجاهد : النجم نجم السماء , وسجوده في قول مجاهد دوران ظله , وهو اختيار الطبري , حكاه المهدوي .وقيل : سجود النجم أفوله , وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمرها , حكاه الماوردي .وقيل : إن جميع ذلك مسخر لله , فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من الصابئين النجوم , وعبد كثير من العجم الشجر .والسجود الخضوع , والمعني به آثار الحدوث , حكاه القشيري .النحاس : أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله عز وجل , فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله عز وجل وانقيادها له , ومن الحيوان كذلك ويكون من سجود الصلاة , وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم قال : فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } أي: نجوم السماء، وأشجار الأرض، تعرف ربها وتسجد له، وتطيع وتخشع وتنقاد لما سخرها له من مصالح عباده ومنافعهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والنجم والشجر يسجدان ) النجم ما ليس له ساق من النبات ، والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء ، وسجودهما سجود ظلهما كما قال : " يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله " ( النحل - 48 ) قال مجاهد : النجم هو الكوكب وسجوده طلوعه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والنجم» ما لا ساق له من النبات «والشجر» ما له ساق «يسجدان» يخضعان لما يراد منهما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والنجم الذي في السماء وأشجار الأرض، تعرف ربها وتسجد له، وتنقاد لما سخرَّها له مِن مصالح عباده ومنافعهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - : ( والنجم والشجر يَسْجُدَانِ ) والمراد بالنجم هنا - عند بعضهم - النبات الذى لا ساق له ، وسمى بذلك .

لأنه ينجم - أى يظهر من الأرض - بدون ساق .ويرى آخرون : أن المراد به نجوم السماء ، فهو اسم جنس لكل ما يظهر فى السماء من نجوم .

ويؤيد هذا الرأى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب .

.

.

) والشجر : هو النبات الذى له ساق وارتفاع عن وجه الأرض .والمراد بسجودهما : انقيادهما وخضوعهما لله - تعالى - كانقياد الساجد لخالقه .قال ابن كثير : قال ابن جرير : اختلف المفسرون فى معنى قوله : ( والنجم ) بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق ، فعن ابن عباس قال : النجم : ما انبسط على وجه الأرض من النبات .

وكذا قال هذا القول سعيد بن جبير ، والسدى ، وسفيان الثورى ، وقد اختاره ابن جرير .وقال مجاهد : النجم - المراد به هنا - الذى يكون فى السماء ، وكذا قال الحسن وقتادة ، وهذا القول هو الأظهر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الترتيب وجوه: أحدها: هو أن الله تعالى لما ثبت كونه رحمن وأشار إلى ما هو شفاء ورحمة وهو القرآن ذكر نعمه وبدأ بخلق الإنسان فإنه نعمة جميع النعم به تتم، ولولا وجوده لما انتفع بشيء، ثم بين نعمة الإدراك بقوله: ﴿ عَلَّمَهُ البيان  ﴾ وهو كالوجود إذ لولاه لما حصل النفع والانتفاع، ثم ذكر من المعلومات نعمتين ظاهرتين هما أظهر أنواع النعم السماوية وهما الشمس والقمر ولولا الشمس لما زالت الظلمة، ولولا القمر لفات كثير من النعم الظاهرة بخلاف غيرهما من الكواكب فإن نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ما تظهر نعمتهما، ثم بين كمال نفعهما في حركتهما بحساب لا يتغير ولو كانت الشمس ثابتة في موضع لما انتفع بها أحد، ولو كان سيرها غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزراعات في أوقاتها وبناء الأمر على الفصول، ثم بين في مقابلتهما نعمتين ظاهرتين من الأرض وهما النبات الذي لا ساق له والذي له ساق، فإن الرزق أصله منه، ولولا النبات لما كان للآدمي رزق إلا ما شاء الله، وأصل النعم على الرزق الدار، وإنما قلنا: النبات هو أصل الرزق لأن الرزق إما نباتي وإما حيواني كاللحم واللبن وغيرهما من أجزاء الحيوان، ولولا النبات لما عاش الحيوان والنبات وهو الأصل وهو قسمان قائم على ساق كالحنطة والشعير والأشجار الكبار وأصول الثمار وغير قائم كالبقول المنبسطة على الأرض والحشيش والعشب الذي هو غذاء الحيوان ثانيها: هو أنه تعالى لما ذكر القرآن وكان هو كافياً لا يحتاج معه إلى دليل آخر قال بعده: ﴿ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ * والنجم والشجر ﴾ وغيرها من الآيات إشارة إلى أن بعض الناس إن تكن له النفس الزكية التي يغنيها الله بالدلائل التي في القرآن، فله في الآفاق آيات منها الشمس والقمر، وإنما اختارهما للذكر لأن حركتهما بحسبان تدل على فاعل مختار سخرهما على وجه مخصوص، ولو اجتمع من في العالم من الطبيعيين والفلاسفة وغيرهم وتواطئوا أن يثبتوا حركتهما على الممر المعين على الصواب المعين والمقدار المعلوم في البطء والسرعة لما بلغ أحد مراده إلى أن يرجع إلى الحق ويقول: حركهما الله تعالى كما أراد، وذكر الأرض والسماء وغيرهما إشارة إلى ما ذكرنا من الدلائل العقلية المؤكدة لما في القرآن من الدلائل السمعية ثالثها: هو أنا ذكرنا أن هذه السورة مفتتحة بمعجزة دالة عليها من باب الهيئة فذكر معجزة القرآن بما يكون جواباً لمنكري النبوة على الوجه الذي نبهنا عليه، وذلك هو أنه تعالى أنزل على نبيه الكتاب وأرسله إلى الناس بأشرف خطاب، فقال: بعض المنكرين كيف يمكن نزول الجرم من السماء إلى الأرض وكيف يصعد ما حصل في الأرض إلى السماء؟

فقال تعالى: ﴿ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ ﴾ إشارة إلى (أن) حركتهما بمحرك مختار ليس بطبيعي وهم وافقونا فيه وقالوا: إن الحركة الدورية لا يمكن أن تكون طبيعية اختيارية فنقول: من حرك الشمس والقمر على الإستدارة أنزل الملائكة على الاستقامة ثم النجم والشجر يتحركان إلى فوق على الاستقامة مع أن الثقيل على مذهبكم لا يصعد إلى جهة فوق فذلك بقدرة الله تعالى وإرادته، فكذلك حركة الملك جائزة مثل الفلك، وأما قوله: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ ففيه إشارة إلى الجواب عن قولهم: ﴿ أأنزلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا بْل  ﴾ وذلك لأنه تعالى كما اختار لحركتهما ممراً معيناً وصوباً معلوماً ومقداراً مخصوصاً كذلك اختار للملك وقتاً معلوماً وممراً معيناً بفضله وفي التفسير مباحث: الأول: ما الحكمة في تعريفه عما يرجع إلى الله تعالى حيث قال هما: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ ولم يقل: حركهما الله بحسبان أو سخرهما أو أجراهما كما قال: ﴿ خَلَقَ الإنسان  ﴾ وقال: ﴿ عَلَّمَهُ البيان  ﴾ نقول: فيه حكم منها أن يكون إشارة إلى أن خلق الإنسان وتعليمه البيان أتم وأعظم من خلق المنافع له من الرزق وغيره، حيث صرح هناك بأنه فاعله وصانعه ولم يصرح هنا، ومنها أن قوله: ﴿ الشمس والقمر ﴾ هاهنا بمثل هذا في العظم يقول القائل: إني أعطيتك الألوف والمئات مراراً وحصل لك الآحاد والعشرات كثيراً وما شكرت، ويكون معناه حصل لك مني ومن عطائي لكنه يخصص التصريح بالعطاء عند الكثير، ومنها أنه لما بينا أن قوله: ﴿ الشمس والقمر ﴾ إشارة إلى دليل عقلي مؤكد السمعي ولم يقل: فعلت صريحاً إشارة إلى أنه معقول إذا نظرت إليه عرفت أنه مني واعترفت به، وأما السمعي فصرح بما يرجع إليه من الفعل الثاني: على أي وجه تعلق الباء من ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ ، نقول: هو بين من تفسيره والتفسير أيضاً مر بيانه وخرج من وجه آخر، فنقول: في الحسبان وجهان الأول: المشهور أن المراد الحساب يقال: حسب حساباً وحسباناً، وعلى هذا فالباء للمصالحة تقول: قدمت بخير أي مع خير ومقروناً بخير فكذلك الشمس والقمر يجريان ومعهما حسابهما ومثله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ  ﴾ ، ﴿ وَكُلُّ شَيء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ  ﴾ ويحتمل أن تكون للاستعانة كما في قولك: بعون الله غلبت، وبتوفيق الله حجت، فكذلك يجريان بحسبان من الله والوجه الثاني: أن الحسبان هو الفلك تشبيهاً له بحسبان الرحا وهو ما يدور فيدير الحجر، وعلى هذا فهو للاستعانة كما يقال: في الآلات كتبت بالقلم فهما يدوران بالفلك وهو كقوله تعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ .

الثالث: على الوجه المشهور هل كل واحد يجري بحسبان أو كلاهما بحسبان واحد ما المراد؟

نقول: كلاهما محتمل فإن نظرنا إليهما فلكل واحد منهما حساب على حدة فهو كقوله تعالى: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ  ﴾ لا بمعنى أن الكل مجموع في فلك واحد وكقوله: ﴿ وَكُلُّ شَيء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ  ﴾ وإن نظرنا إلى الله تعالى فللكل حساب واحد قدر الكل بتقدير حسبانهما بحساب، مثاله من يقسم ميراث نفسه لكل واحد من الورثة نصيباً معلوماً بحساب واحد، ثم يختلف الأمر عندهم فيأخذ البعض السدس والبعض كذا والبعض كذا، فكذلك الحساب الواحد.

وأما قوله: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ ﴾ ففيه أيضاً مباحث: الأول: ما الحكمة في ذكر الجمل السابقة من غير واو عاطفة، ومن هنا ذكرها بالواو العاطفة؟

نقول ليتنوع الكلام نوعين، وذلك لأن من بعد النعم على غيره تارة يذكر نسقاً من غير حرف، فيقول: فلان أنعم عليك كثيراً، أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، قواك بعد ضعف، وأخرى يذكرها بحرف عاطف وذلك العاطف قد يكون واواً وقد يكون فاء وقد يكون ثم، فيقول: فلان أكرمك وأنعم عليك وأحسن إليك، ويقول: رباك فعلمك فأغناك، ويقول: أعطاك ثم أغناك ثم أحوج الناس إليك، فكذلك هنا ذكر التعديد بالنوعين جميعاً، فإن قيل: زده بياناً وبين الفرق بين النوعين في المعنى، قلنا: الذي يقول بغير حرف كأنه يقصد به بيان النعم الكثيرة فيترك الحرف ليستوعب الكل من غير تطويل كلام، ولهذا يكون ذلك النوع في أغلب الأمر عند مجاوزة النعم ثلاثاً أو عندما تكون أكثر من نعمتين فإن ذكر ذلك عند نعمتين فيقول: فلان أعطاك المال وزوجك البنت، فيكون في كلامه إشارة إلى نعم كثيرة وإنما اقتصر على النعمتين للأنموذج، والذي يقول بحرف فكأنه يريد التنبيه على استقلال كل نعمة بنفسها، وإذهاب توهم البدل والتفسير، فإن قول القائل: أنعم عليك أعطاك المال هو تفسير للأول فليس في كلامه ذكر نعمتين معاً بخلاف ما إذا ذكر بحرف، فإن قيل: إن كان الأمر على ما ذكرت فلو ذكر النعم الأول بالواو ثم عند تطويل الكلام في الآخر سردها سرداً، هل كان أقرب إلى البلاغة؟

وورود كلامه تعالى عليه كفاه دليلاً على أن ما ذكره الله تعالى أبلغ، وله دليل تفصيلي ظاهر يبين ببحث وهو أن الكلام قد يشرع فيه المتكلم أولاً على قصد الاختصار فيقتضي الحال التطويل، إما لسائل يكثر السؤال، وإما لطالب يطلب الزيادة للطف كلام المتكلم، وإما لغيرهما من الأسباب وقد يشرع على قصد الإطناب والتفصيل، فيعرض ما يقتضي الاقتصار على المقصود من شغل السامع أو المتكلم وغير ذلك مما جاء في كلام الآدميين، نقول: كلام الله تعالى فوائده لعباده لا له ففي هذه السورة ابتدأ الأمر بالإشارة إلى بيان أتم النعم إذ هو المقصود، فأتى بما يختص بالكثرة، ثم إن الإنسان ليس بكامل العلم يعلم مراد المتكلم إذا كان الكلام من أبناء جنسه، فكيف إذا كان الكلام كلام الله تعالى، فبدأ الله به على الفائدة الأخرى وإذهاب توهم البدل والتفسير والنعي على أن كل واحد منها نعمة كاملة، فإن قيل: إذا كان كذلك فما الحكمة في تخصيص العطف بهذا الكلام والابتداء به لا بما قبله ولا بما بعده؟

قلنا: ليكون النوعان على السواء فذكر الثمانية من النعم كتعليم القرآن وخلق الإنسان وغير ذلك أربعاً منها بغير واو وأربعاً بواو، وأما قوله تعالى: ﴿ فِيهَا فاكهة والنخل  ﴾ وقوله: ﴿ والحب ذُو العصف  ﴾ فلبيان نعمة الأرض على التفصيل ثم في اختيار الثمانية لطيفة، وهي أن السبعة عدد كامل والثمانية هي السبعة مع الزيادة فيكون فيه إشارة إلى أن نعم الله خارجة عن حد التعديد لما أن الزائد على الكمال لا يكون معيناً مبيناً، فذكر الثمانية منها إشارة إلى بيان الزيادة على حد العدد لا لبيان الانحصار فيه.

المسألة الثانية: النجم ماذا؟

نقول: فيه وجهان: أحدهما: النبات الذي لا ساق له والثاني: نجم السماء والأول أظهر لأنه ذكره مع الشجر في مقابلة الشمس والقمر ذكر أرضين في مقابلة سماوين، ولأن قوله: ﴿ يَسْجُدَانِ ﴾ يدل على أن المراد ليس نجم السماء لأن من فسر به قال: يسجد بالغروب، وعلى هذا فالشمس والقمر أيضاً كذلك يغربان، فلا يبقى للاختصاص فائدة، وأما إذا قلنا: هما أرضان فنقول: ﴿ يَسْجُدَانِ ﴾ بمعنى ظلالهما تسجد فيختص السجود بهما دون الشمس والقمر، وفي سجودهما وجوه: أحدها: ما ذكرنا من سجود الظلال ثانيها: خضوعهما لله تعالى وخروجهما من الأرض ودوامهما وثباتهما عليها بإذن الله تعالى، فسخر الشمس والقمر بحركة مستديرة والنجم بحركة مستقيمة إلى فوق، فشبه النبات في مكانها بالسجود لأن الساجد يثبت.

ثالثها: حقيقة السجود توجد منهما وإن لم تكن مرئية كما يسمح كل منهما وإن لم يفقه كما قال تعالى: ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ ، رابعها: السجود وضع الجبهة أو مقاديم الرأس على الأرض والنجم والشجر في الحقيقة رؤوسهما على الأرض وأرجلهما في الهواء، لأن الرأس من الحيوان ما به شربه واغذاؤه، وللنجم والشجر اغتذاؤهما وشربهما بأجذالهما ولأن الرأس لا تبقى بدونه الحياة والشجر والنجم لا يبقى شيء منهما ثابتاً غضاً عند وقوع الخلل في أصولهما، ويبقى عند قطع فروعهما وأعاليهما، وإنما يقال: للفروع رؤوس الأشجار، لأن الرأس في الإنسان هو ما يلي جهة فوق فقيل لأعالي الشجر رؤوس، إذا علمت هذا فالنجم والشجر رؤوسهما على الأرض دائماً، فهو سجودهما بالشبه لا بطريق الحقيقة.

المسألة الثالثة: في تقديم النجم على الشجر موازنة لفظية للشمس والقمر وأمر معنوي، وهو أن النجم في معنى السجود أدخل لما أنه ينبسط على الأرض كالساجد حقيقة، كما أن الشمس في الحسبان أدخل، لأن حساب سيرها أيسر عند المقومين من حساب سير القمر، إذ ليس عند المقومين أصعب من تقويم القمر في حساب الزيج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ يَجْرِيانِ بِحِسابٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما، وتَتَّسِقُ بِذَلِكَ أُمُورُ الكائِناتِ السُّفْلِيَّةِ وتَخْتَلِفُ الفُصُولُ والأوْقاتُ، ويُعْلَمُ السِّنُونَ والحِسابُ.

﴿ والنَّجْمُ ﴾ والنَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ أيْ يَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ.

﴿ والشَّجَرُ ﴾ الَّذِي لَهُ ساقٌ.

﴿ يَسْجُدانِ ﴾ يَنْقادانِ لِلَّهِ تَعالى فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبْعًا انْقِيادَ السّاجِدِ مِنَ المُكَلَّفِينَ طَوْعًا، وكانَ حَقُّ النُّظُمِ في الجُمْلَتَيْنِ أنْ يُقالَ: وأجْرى الشَّمْسَ والقَمَرَ، وأسْجَدَ النَّجْمَ والشَّجَرَ.

أوِ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ لَهُ، لِيُطابِقا ما قَبْلَهُما وما بَعْدَهُما في اتِّصالِهِما بِ الرَّحْمَنُ، لَكِنَّهُما جُرِّدَتا عَمّا يَدُلُّ عَلى الِاتِّصالِ إشْعارًا بِأنَّ وُضُوحَهُ يُغْنِيهِ عَنِ البَيانِ، وإدْخالُ العاطِفِ بَيْنَهُما لِاشْتِراكِهِما في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما يُحَسُّ بِهِ مِن تَغَيُّراتِ أحْوالِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ بِتَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ فَإنَّ المَعْطُوفَ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ، والمُرادُ - بِالنَّجْمِ - النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ أيْ يَظْهَرُ ويَطْلَعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ، وبِالشَّجَرِ النَّباتُ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي رَزِينٍ؛ والمُرادُ بِسُجُودِهِما انْقِيادِهِما لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبْعًا، شَبَهُ جَرْيِهِما عَلى مُقْتَضى طَبِيعَتَيْهِما بِانْقِيادِ السّاجِدِ لِخالِقِهِ وتَعْظِيمِهِ لَهُ.

ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْمُ المُشَبَّهِ بِهِ في المُشَبَّهِ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ - النَّجْمُ - نَجْمَ السَّماءِ وسُجُودَهُ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ وسُجُودَ الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ عِنْدَ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ سُجُودَهُما عِبارَةٌ عَنِ انْقِيادِهِما لِما يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِما طَبْعًا، والجُمْهُورُ عَلى تَفْسِيرِ النَّجْمِ بِما سَمِعْتَ أوَّلًا قَبْلَ لِأنَّ اقْتِرانَهُ بِالشَّجَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ تَقَدُّمُ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) يُتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّهُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ فَفِيهِ تَوْرِيَةٌ ظاهِرَةٌ، وإخْلاءُ الجُمَلِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ والرّابِعَةِ عَنِ العاطِفِ لِوُرُودِها عَلى نَهْجِ التَّعْدِيدِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِمّا تَضَمَّنَتْهُ نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ، وقَدْ قَصَرُوا في أدائِهِ ولَوْ عُطِفَتْ مَعَ شِدَّةِ اتِّصالِها وتَناسُبِها رُبَّما تُوهِّمَ أنَّ الكُلَّ نِعْمَةٌ واحِدَةٌ.

وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ الرّابِعَةِ والخامِسَةِ رِعايَةٌ لِتَناسُبِهِما مِن حَيْثُ التَّقابُلِ لِما أنَّ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) عُلْوِيّانِ ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ ﴾ سُفْلِيّانِ، ومِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن حالِ العُلْوِيِّينَ وحالِ السُّفْلِيَّيْنِ مِن بابِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وخُلُّوِهِما عَنِ الرّابِطِ اللَّفْظِيِّ مَعَ كَوْنِهِما خَبَرَيْنِ لِلْتَعْوِيلِ عَلى كَمالِ قُوَّةِ الِارْتِباطِ المَعْنَوِيِّ إذْ لا يُتَوَهَّمُ ذَهابُ الوَهْمِ إلى كَوْنِ حالُ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) بِتَسْخِيرِ غَيْرِهِ تَعالى، ولا إلى كَوْنِ سُجُودُ النَّجْمِ والشَّجَرِ لِسِواهُ سُبْحانَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانِهِ ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ لَهُ كَذا قالُوهُ، وفي الكَشْفِ: تَبْيِينًا لِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ أخْلى الجُمَلَ أيِ الَّتِي قَبْلَ ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ عَنِ العاطِفِ لِأنَّ الغَرَضَ تَعْدِيدُ النِّعَمِ وتَبْكِيتُ المُنْكِرِ كَما يُقالُ: زَيْدٌ أغْناكَ بَعْدَ فَقْرٍ، أعَزَّكَ بَعْدَ ذُلٍّ، كَثَّرَكَ بَعْدَ قِلَّةٍ، فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ فَما تَنَكَّرَ مِن إحْسانِهِ كَأنَّهُ لَمّا عَدَّ نِعْمَةً حَرَّكَ مِنهُ حَتّى يَتَأمَّلَ هَلْ شَكَرَها حَقَّ شُكْرِها أمْ لا، ثُمَّ يَأْخُذُ في أُخْرى ولَوْ جِيءَ بِالعاطِفِ صارَتْ كَواحِدَةٍ ولَمْ يَكُنْ مِنَ التَّحْرِيكِ في شَيْءٍ، ولَمّا قُضِيَ الوَطَرُ مِنَ التَّعْدِيدِ المُحَرِّكِ والتَّبْكِيتِ بِذَكْرِ ما هو أصْلُ النِّعَمِ عَلى نَمَطِ رَدِّ الكَلامِ عَلى مِنهاجِهِ الأصْلِيِّ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ واحِدَةٍ بَعْدَ أُخْرى عَلى التَّناسُبِ والتَّقارُبِ بِحَرْفِ النَّسَقِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النِّعَمَ لا تُحْصى فَلْيَكْتَفِ بِتَعْدِيدِ أجَلَّها رُتْبَةً لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ.

وجُمْلَةُ ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ لَيْسَتْ مِن أخْبارِ المُبْتَدَأِ، والزَّمَخْشَرِيُّ إنَّما سَألَ عَنْ وجْهِ الرَّبْطِ، وأجابَ بِأنَّ الرَّبْطَ حاصِلٌ بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ كَأنَّهُ بَعْدَ ما بَكَّتْ ونَبَّهْ أخَذَ يَعُدُّ عَلَيْهِ أُصُولَ النِّعَمِ لِيَثْبُتَ عَلى ما طَلَبَ مِنهُ مِنَ الشُّكْرِ، وهَذا كَما تَقُولُ في المِثالِ السّابِقِ بَعْدَ قَوْلِكَ: فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ دانَتْ لَهُ أقْرانُكَ وأطاعَتْهُ إخْوانُكَ وبَسَطَ نَوالَهُ فَيْمَن تَحْتَ مِلْكَتِهِ ولَمْ يُخْرَجْ أحَدٌ مِن حِياطَةِ عَدْلِهِ ونَصَفَتِهِ، فَلا يَشُكُّ ذُو أرَبٍ أنَّها جُمَلٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنِ الأوْلى إعْرابًا مُتَّصِلَةٌ بِها اتِّصالًا مَعْنَوِيًّا أوْرَثَها قَطْعَها لِأنَّها سِيقَتْ لِغَرَضٍ وهَذِهِ لِآخَرَ، وقَرِيبٌ مِن هَذا الِاتِّصالِ اتِّصالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ الآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ  ﴾ الآيَةُ انْتَهى.

وقَدْ أُبْعِدالمَغْزى فِيما أرى إلّا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ الكَشّافِ يَقْتَضِي كَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ مِنَ الأخْبارِ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ [الرحمن: 5] عطف الخبر على الخبر للوجه الذي تقدم لأن سجود الشمس والقَمر لله تعالى وهو انتقال من الامتنان بما في السماء من المنافع إلى الامتنان بما في الأرض، وجعل لفظ ﴿ النجم ﴾ واسطة الانتقال لصلاحيته لأنه يراد منه نجوم السماء وما يسمى نجماً من نبات الأرض كما يأتي.

وعطفت جملة ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ ولم تفصل فخرجت من أسلوب تعداد الأخبار إلى أسلوب عطف بعض الأخبار على بعض لأن الأخبار الواردة بعد حروف العطف لم يقصد بها التعداد إذ ليس فيها تعريض بتوبيخ المشركين، فالإِخبار بسجود النجم والشجر أريد به الإِيقاظ إلى ما في هذا من الدلالة على عظيم القدرة دلالة رمزية، ولأنه لما اقتضى المقام جمع النظائر من المزاوجات بَعد ذكر الشمس والقمر، كان ذلك مقتضياً سلوك طريقة الوصل بالعطف بجامع التضاد.

وجُعلت الجملة مفتَتَحة بالمسند إليه لتكون على صورة فاتحة الجملة التي عطفت هي عليها.

وأتي بالمسند فعلاً مضارعاً للدلالة على تجدد هذا السجود وتكرره على معنى قوله تعالى: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال ﴾ [الرعد: 15].

و ﴿ النجم ﴾ يطلق: اسمَ جمع على نجوم السماء قال تعالى: ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ [النجم: 1]، ويطلق مفرداً فيُجمع على نجوم، قال تعالى: ﴿ وإدبار النجوم ﴾ [الطور: 49].

وعن مجاهد تفسيره هنا بنجوم السماء.

ويطلق النجم على النبات والحشيش الذي لا سُوق له فهو متصل بالتراب.

وعن ابن عباس تفسير النجم في هذه الآية بالنبات الذي لا ساق له.

والشجر: النبات الذي له ساق وارتفاعٌ عن وجه الأرض.

وهذان ينتفع بهما الإِنسان والحيوان.

فحصل من قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ بعد قوله: ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ [الرحمن: 5] قرينتان متوازيتان في الحركة والسكون وهذا من المحسنات البديعية الكاملة.

والسجود: يطلق على وضع الوجه على الأرض بقصد التعظيم، ويطلق على الوقوع على الأرض مجازاً مرسلاً بعلاقة الإِطلاق، أو استعارة ومنه قولهم: «نخلة ساجدة» إذا أمالها حِمْلُها، فسجود نجوم السماء نزولها إلى جهات غروبها، وسجود نجم الأرض التصاقه بالتراب كالساجد، وسجود الشجر تطأطؤه بهبوب الرياح ودنوّ أغصانه للجانين لثماره والخابطين لورقه، ففعل ﴿ يسجدان ﴾ مستعمل في معنيين مجازيين وهما الدنو للمتناول والدلالة على عظمة الله تعالى بأن شبه ارتسام ظِلالهما على الأرض بالسجود كما قال تعالى: ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طَوعاً وكرهاً وظِلالهم بالغدوّ والآصال ﴾ في سورة الرعد (15)، وكما قال امرؤ القيس: يَكُبُّ على الأذ *** قان وْحَ الكَنَهْبَلِ فقال: على الأذقان، ليكون الانكباب مشبهاً بسقوط الإنسان على الأرض بوجهه ففيه استعارة مكنية، وذكر الأذقان تخييل، وعليه يكون فعل يسجدان} هنا مستعملاً في مجازه، وذلك يفيد أن الله خلق في الموجودات دلالات عِدَّةً على أن الله مُوجدها ومُسخرها، ففي جميعها دلالات عقلية، وفي بعضها أو معظمها دلالات أخرى رمزية وخيالية لتفيد منها العقول المتفاوتة في الاستدلال.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ قال عامة أهل اللغة والمفسرين: النجم: النبت على الأرض ليس له ساق، والشجر: ما كان على ساق، يبقى شتاء والنجم لا يبقى على الشتاء (١) قال ابن الأعرابي: النجمة نبتة صغيرة وجمعها نَجْمٌ (٢) (٣) أَخُصْيَيْ حِمارٍ ظَلَّ يَكْدِمُ نَجْمةً ...

أَتُؤْكَلُ جاراتي وجارُك سالمُ (٤) قال الأزهري: وإنما قال ذلك لأن الحمار إذا أراد أن يقلع النجمة من الأرض وكدمها ارتدت خصياه إلى مؤخره.

(٥) وأنشد الليث: مُوزَرٌ بعميم النَّجْم تنسجهُ ...

ريحُ الخريف لضاحي مائه حُبُكُ (٦) ذكر المفسرون في تفسير النجم: هو ما أنجمت الأرض، يعنون أنبتت، ولم أر لأهل اللغة أنجم، بمعنى: أنبت.

وقوله: ﴿ يَسْجُدَانِ ﴾ قال الفراء والكسائي: العرب إذا جمعت جمعين من غير الناس مثل السدر والنخل جعلوا فعليهما واحدًا، فتقول: السدر والنخل تنبت، والإبل والغنم مقبلة، ويجوز ينبتان ومقبلتان، والأول كلامهم، وذكر في الآية على لفظ التثنية لوفاق الفواصل (٧) (٨) وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ (٩) وقال مجاهد في قوله: ﴿ وَالنَّجْمُ ﴾ قال نجوم السماء ﴿ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ بكرة وعشيًا: وهو قول قتادة في النجم (١٠) قال أبو إسحاق (١١) ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ ﴾ إلى قوله ﴿ وَالنُّجُومُ  ﴾ .

(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 112، و"مجاز القرآن" 2/ 242، و"جامع البيان" 27/ 68، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 96.

(٢) انظر: "اللسان" (نجم).

(٣) أبو ليلى.

محمد بن مرة بن ذبيان، تقدمت ترجمته.

(٤) ورد البيت منسوبًا في "المفضيات" ص 313، و"اللسان" 3/ 59 (نجم)، و"المنصف" 2/ 131.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 129 (نجم).

(٦) البيت لزهير بن أبي سلمى.

كما في "ديوانه" ص 176، و"المحتسب" 2/ 217، و"اللسان" 3/ 59 (خبك) وفي الألفاظ بعض الاختلاف والشاهد فيه أن النجم هو نبت يمتد على وجه الأرض بلا ساق.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 112.

(٨) جمع الظَّلَّ: أظلال وظِلال وظلول.

"اللسان" 2/ 647 (ظلل).

(٩) عند تفسيره الآية (48) من سورة النحل.

(١٠) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 639، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 262.

(١١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 96.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ ﴾ النجم عند ابن عباس النبات الذي لا ساق له كالبقول، والشجر النبات الذي له ساق، وقيل: النجم جنس نجوم السماء.

والسجود عبارة عن التذلل والانقياد لله تعالى: وقيل: سجود الشمس: غروبها وسجود الشجر ظله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما لا ساق له من النبات والشجر يسجدان لله سبحانه منقادَين مستسلمَينِ له.

<div class="verse-tafsir" id="91.4YzNB"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله