الآية ٢٧ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٢٧ من سورة الحديد

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةًۭ وَرَحْمَةًۭ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 148 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة الحديد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل ) وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ) وهم الحواريون ( رأفة ورحمة ) أي : رأفة وهي الخشية ) ورحمة ) بالخلق .

وقوله : ( ورهبانية ابتدعوها ) أي : ابتدعتها أمة النصارى ( ما كتبناها عليهم ) أي : ما شرعناها لهم ، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم .

وقوله : ( إلا ابتغاء رضوان الله ) فيه قولان ، أحدهما : أنهم قصدوا بذلك رضوان الله ، قال سعيد بن جبير ، وقتادة .

والآخر : ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله .

وقوله : ( فما رعوها حق رعايتها ) أي : فما قاموا بما التزموه حق القيام .

وهذا ذم لهم من وجهين ، أحدهما : في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله .

والثاني : في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله ، عز وجل .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي ، حدثنا السندي بن عبدويه ، حدثنا بكير بن معروف ، عن مقاتل بن حيان ، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، عن جده ابن مسعود قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا ابن مسعود " .

قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : " هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة ؟

لم ينج منها إلا ثلاث فرق ، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم ، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت ، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم ، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران ، فصبرت ونجت .

ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط ، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت ، وهم الذين ذكرهم الله ، عز وجل : ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) وقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى فقال : حدثنا يحيى بن أبي طالب ، حدثنا داود بن المحبر ، حدثنا الصعق بن حزن ، حدثنا عقيل الجعدي ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن سويد بن غفلة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة ، نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم .

.

.

" وذكر نحو ما تقدم ، وفيه : " ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) هم الذين آمنوا بي وصدقوني ( وكثير منهم فاسقون ) وهم الذين كذبوني وخالفوني " ولا يقدح في هذه المتابعة لحال داود بن المحبر ، فإنه أحد الوضاعين للحديث ، ولكن قد أسنده أبو يعلى ، وسنده عن شيبان بن فروخ ، عن الصعق بن حزن به مثل ذلك فقوي الحديث من هذا الوجه .

وقال ابن جرير ، وأبو عبد الرحمن النسائي - واللفظ له - : أخبرنا الحسين بن حريث ، حدثنا الفضل بن موسى ، عن سفيان بن سعيد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما قال : كان ملوك بعد عيسى ، عليه السلام ، بدلت التوراة والإنجيل ، فكان منهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ، فقيل لملوكهم : ما نجد شيئا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء ، إنهم يقرءون : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) [ المائدة : 44 ] ، هذه الآيات ، مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم ، فادعهم فليقرءوا كما نقرأ ، وليؤمنوا كما آمنا .

فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل ، إلا ما بدلوا منها ، فقالوا : ما تريدون إلى ذلك ؟

دعونا : فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة ، ثم ارفعونا إليها ، ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم .

وقالت طائفة : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش ، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا .

وقالت طائفة : ابنوا لنا دورا في الفيافي ، ونحتفر الآبار ، ونحترث البقول ، فلا نرد عليكم ولا نمر بكم .

وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم ، ففعلوا ذلك فأنزل الله ، عز وجل : ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) والآخرون قالوا : نتعبد كما تعبد فلان ، ونسيح كما ساح فلان ، ونتخذ دورا كما اتخذ فلان ، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبق منهم إلا القليل ، انحط منهم رجل من صومعته ، وجاء سائح من سياحته ، وصاحب الدير من ديره ، فآمنوا به وصدقوه ، فقال الله ، عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ) أجرين بإيمانهم بعيسى ابن مريم والتوراة والإنجيل ، وبإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وتصديقهم قال ( ويجعل لكم نورا تمشون به ) [ الحديد : 28 ] : القرآن ، واتباعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) الذين يتشبهون بكم ( ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) هذا السياق فيه غرابة ، وسيأتي تفسير هاتين الآيتين الأخريين على غير هذا ، والله أعلم .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا أحمد بن عيسى ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء : أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير ، وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبا منها ، فلما سلم قال : يرحمك الله ، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة ، أم شيء تنفلته ؟

قال : إنها المكتوبة ، وإنها صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " .

ثم غدوا من الغد فقالوا : نركب فننظر ونعتبر قال : نعم فركبوا جميعا ، فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا ، خاوية على عروشها فقالوا : تعرف هذه الديار ؟

قال : ما أعرفني بها وبأهلها .

هؤلاء أهل الديار ، أهلكهم البغي والحسد ، إن الحسد يطفئ نور الحسنات ، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه ، والعين تزني ، والكف ، والقدم ، والجسد ، واللسان ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه وقال الإمام أحمد : حدثنا يعمر ، حدثنا عبد الله ، أخبرنا سفيان ، عن زيد العمي ، عن أبي إياس ، عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لكل نبي رهبانية ، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل " ورواه الحافظ أبو يعلى ، عن عبد الله بن محمد بن أسماء ، عن عبد الله بن المبارك به ولفظه : " لكل أمة رهبانية ، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين - هو ابن محمد - حدثنا ابن عياش - يعني إسماعيل - عن الحجاج بن مروان الكلاعي ، وعقيل بن مدرك السلمي ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رجلا جاءه فقال : أوصني ، فقال : سألت عما سألت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبلك ، أوصيك بتقوى الله ، فإنه رأس كل شيء ، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام ، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن ، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض .

تفرد به أحمد

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ثم أتبعنا على آثارهم برسلنا الذين أرسلناهم بالبينات على آثار نوح وإبراهيم برسلنا، وأتبعنا بعيسى ابن مريم، ( وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) يعني: الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته، ( رَأْفَةٌ ) وهو أشدّ الرحمة، ( وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) يقول: أحدثوها( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) يقول: ما افترضنا تلك الرهبانية عليهم، ( إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ) يقول: لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) .

واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، فقال بعضهم: هم الذين ابتدعوها، لم يقوموا بها، ولكنهم بدّلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى، فتنصروا وتهوّدوا.

وقال آخرون: بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها، فلم يرعوها حقّ رعايتها، لأنهم كانوا كفارا، ولكنهم قالوا: نفعل كالذي كانوا يفعلون من ذلك أوّليًّا، فهم الذين وصف الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها.

وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الأحرف، إلى الموضع الذي ذكرنا أن أهل التأويل فيه مختلفون في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ) فهاتان من الله، والرهبانية ابتدعها قوم من أنفسهم، ولم تُكتب عليهم، ولكن ابتغوا بذلك وأرادوا رضوان الله، فما رعوها حقّ رعايتها، ذُكر لنا أنهم رفضوا النساء، واتخذوا الصوامع.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) قال: لم تُكتب عليهم، ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) قال: فلم؟

قال: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تطوّعا، فما رَعوها حقّ رعايتها.

ذكر من قال: الذين لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها كانوا غير الذين ابتدعوها.

ولكنهم كانوا المريدي الاقتداء بهم.

حدثنا الحسين بن الحريث [أبو عمار المَرْوزِيّ] قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت ملوك بعد عيسى بدّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل، فقيل لملكهم: ما نجد شيئا أشدّ علينا من شتم يشتُمناه هؤلاء، أنهم يقرءون وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ هؤلاء الآيات، مع ما يعيبوننا به في قراءتهم، فادعهم فليقرءوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا به، قال: فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك فدعونا؛ قال: فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا، فلا نردّ عليكم، وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض، ونهيم ونشرب كما تشرب الوحوش، فإن قدرتم علينا بأرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، فلا نردّ عليكم، ولا نمرّ بكم، وليس أحد من أولئك إلا وله حميم فيهم؛ قال: ففعلوا ذلك، فأنـزل الله جلّ ثناؤه ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا )، الآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم؛ قال: فلما بعث النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولم يبق منهم إلا قليل، انحطّ رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وجاء صاحب الدار من داره، وآمنوا به وصدّقوه، فقال الله جلّ ثناؤه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال: أجرين لإيمانهم بعيسى، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وإيمانهم بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وتصديقهم به.

قال: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ : القرآن، واتباعهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وقال لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .

حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا داود بن المحبر، قال: ثنا الصعق بن حزن، قال: ثنا عقيل الجعدّي، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن سويد ين غفلة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اخْتَلَفَ مَنْ كانَ قَبْلَنا على إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، نَجا مِنْهُمْ ثَلاثُ وَهَلَكَ سائِرُهُمْ: فِرْقَةٌ مِنَ الثَّلاثِ وَازَتِ المُلُوكَ وََقاتَلَتْهُمْ على دِينِ اللهِ ودِين عيسَى ابنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ؛ وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طاقَةٌ بِمُوَازَاة المُلُوكِ، فأقامُوا بَينَ ظَهْرَانَيْ قَوْمَهِمْ يَدْعُونَهُمْ إلى دِينِ اللهِ ودِينِ عيسى ابن مَرْيم صَلَواتُ اللهُ عَليْه، فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ، وَنَشَرَتَهُمْ بالمَناشِير؛ وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طاقَةٌ بِمُوَازَاةِ المُلُوكِ، وَلا بالمُقام بَينَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِمْ يَدْعُونَهُمْ إلى دينِ اللهِ ودِينِ عيسَى صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، فَلَحِقُوا بالبَرَارِي والجبالِ، فَتَرَهَّبُوا فيها، فَهُوَ قَوْل اللهِ عَزَّ وَجَلَّ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) قال: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله، ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) قال: ما رعاها الذين من بعدهم حقَّ رعايتها، ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ) قال: وهم الذين آمنوا بي، وصدّقوني.

قال ( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) قال: وفهم الذين جحدوني وكذّبوني.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا )، قال الآخرون: ممن تعبد من أهل الشرك، وفني من فني منهم، يقولون: نتعبَّد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، وهم في شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم.

* ذكر من قال: الذين لم يرعوها حق رعايتها: الذين ابتدعوها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ) ....

إلى قوله : ( حَقَّ رِعَايَتِهَا ) يقول: ما أطاعوني فيها، وتكلَّموا فيها بمعصية الله، وذلك أن الله عزّ وجلّ كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا قليل، وكثر أهل الشرك، وذهب الرسل وقهروا، اعتزلوا في الغيران، فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله عزّ وجلّ ودينه، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانية وباليهودية، فلم يرعوها حقّ رعايتها، وثبتت طائفة على دين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، حين جاءهم بالبينات، وبعث الله عزّ وجلّ محمدا رسولا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهم كذلك، فذلك قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ...

إلى وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ): كان الله عزّ وجلّ كتب عليهم القتال قيل أن يبعث محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا القليل، وكثر أهل الشرك، وانقطعت الرسل، اعتزلوا الناس، فصاروا في الغيران، فلم يزالوا كذلك حتى غيرت طائفة منهم، فتركوا دين الله وأمره، وعهده الذي عهده إليهم، وأخذوا بالبدع، فابتدعدوا النصرانية واليهودية، فقال الله عزّ وجلّ لهم: ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا )، وثبتت طائفة منهم على دين عيسى صلوات الله عليه، حتى بعث الله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فآمنوا به.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال ثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: إن الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، وإن قوما ابتدعوا بدعة لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فلم يرعوها حق رعايتها،فعابهم الله بتركها، فقال: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) .

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، بعض الطوائف التي ابتدعتها، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم؛ قال: فدلّ بذلك على أن منهم من قد رعاها حقّ رعايتها، فلو لم يكن منهم من كان كذلك، لم يكن مستحقّ الأجر الذي قال جلّ ثناؤه: ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ )، إلا أن الذين لم يرعوها حقّ رعايتها ممكن أن يكون كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم، لأن الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعوها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يرعها القوم على العموم.

والمراد منهم البعض الحاضر، وقد مضى نظير ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.

وقوله: ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسله من هؤلاء، الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على ابتغائهم رضوان الله، وإيمانهم به وبرسوله في الآخرة، وكثير منهم أهل معاص، وخرج عن طاعته، والإيمان به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ) قال: الذين رعوا ذلك الحقّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ثم قفينا أي : أتبعنا على آثارهم أي : على آثار الذرية .

وقيل : على آثار نوح وإبراهيم برسلنا موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم وقفينا بعيسى ابن مريم فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه وآتيناه الإنجيل وهو الكتاب المنزل عليه .

وتقدم اشتقاقه في أول سورة ( آل عمران ) .الثانية : قوله تعالى : وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه على دينه يعني الحواريين وأتباعهم رأفة ورحمة أي : مودة فكان يواد بعضهم بعضا .

وقيل : هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس ، وألان الله قلوبهم لذلك ، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه .

والرأفة : اللين ، والرحمة : الشفقة .

وقيل : الرأفة : تخفيف الكل ، والرحمة : تحمل الثقل .

وقيل : الرأفة أشد الرحمة .

وتم الكلام .

ثم قال : ورهبانية ابتدعوها أي : من قبل أنفسهم .

والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة بإضمار فعل ، قال أبو علي : وابتدعوها رهبانية ابتدعوها .

وقال الزجاج : أي : ابتدعوها رهبانية ، كما تقول : رأيت زيدا وعمرا كلمت .

وقيل : إنه معطوف على الرأفة والرحمة ، والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا وابتدعوا فيها .

قال الماوردي : وفيها قراءتان ، إحداهما بفتح الراء وهي [ ص: 237 ] الخوف ، من الرهب .

الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان كالرضوانية من الرضوان ؛ وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع ، وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا .

قال الضحاك : إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة ، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم ، فقال قوم بقوا بعدهم : نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم ، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع .

وقال قتادة : الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع .

وفي خبر مرفوع : هي لحوقهم بالبراري والجبال .

ما كتبناها عليهم أي : ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها ؛ قاله ابن زيد .

وقوله تعالى : إلا ابتغاء رضوان الله أي : ما أمرناهم إلا بما يرضي الله ؛ قاله ابن مسلم .

وقال الزجاج : ما كتبناها عليهم معناه لم نكتب عليهم شيئا البتة .

ويكون ابتغاء رضوان الله بدلا من الهاء والألف في كتبناها والمعنى : ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله .

وقيل : إلا ابتغاء الاستئناء منقطع ، والتقدير : ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله .

فما رعوها حق رعايتها أي : فما قاموا بها حق القيام .

وهذا خصوص ، لأن الذين لم يرعوها بعض القوم ، وإنما تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم ، كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اللهوهذا في قوم أداهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر .

وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : ورهبانية ابتدعوها قال : كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل ، وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ويدعون إلى دين الله تعالى ، فقال أناس لملكهم : لو قتلت هذه الطائفة .

فقال المؤمنون : نحن نكفيكم أنفسنا .

فطائفة قالت : ابنوا لنا أسطوانة ارفعونا فيها ، وأعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم .

وقالت طائفة : دعونا نهيم في الأرض ونسيح ، ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية ، فإذا قدرتم علينا فاقتلونا .

وطائفة قالت : ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحفر الآبار ونحترث البقول فلا تروننا .

وليس أحد من هؤلاء إلا وله حميم منهم ففعلوا ، فمضى أولئك على منهاج عيسى ، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فقالوا : نسيح ونتعبد كما تعبد أولئك ، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان من تقدم من الذين اقتدوا بهم ، فذلك قوله تعالى : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله الآية .[ ص: 238 ] يقول : ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها المتأخرون حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها وكثير منهم فاسقون يعني المتأخرين ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل ، جاءوا من الكهوف والصوامع والغيران فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم .الثالثة : وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة ، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه ، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية .

وعن أبي أمامة الباهلي - واسمه صدي بن عجلان - قال : أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم ، إنما كتب عليكم الصيام ، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه ، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ، فعابهم الله بتركها فقال : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها .الرابعة : وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت ، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغير الأصدقاء والإخوان .

وقد مضى بيان هذا في سورة ( الكهف ) مستوفى والحمد لله .

وفي مسند أحمد بن حنبل من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه فقال : مر رجل بغار فيه شيء من ماء ، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار ، فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا .

قال : لو أني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل ، فأتاه فقال : يا نبي الله !

إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل ، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا .

قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ، ولمقام أحدكم في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة .

وروى الكوفيون عن ابن مسعود ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تدري أي الناس أعلم قال : قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس فيه وإن كان مقصرا في العمل وإن كان [ ص: 239 ] يزحف على استه ، هل تدري من أين اتخذ بنو إسرائيل الرهبانية ؟

ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم ، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا : إن أفنونا فلم يبق للدين أحد يدعون إليه ، فتعالوا نفترق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الأمي الذي وعدنا عيسى - يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم - فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر - وتلا ورهبانية الآية - أتدري ما رهبانية أمتي ؟

الهجرة والجهاد والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم من اليهود على إحدى وسبعين فرقة فنجا منهم فرقة وهلك سائرها واختلف من كان من قبلكم من النصارى على اثنين وسبعين فرقة فنجا منهم ثلاثة ، وهلك سائرها ، فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودينعيسى - عليه السلام - حتى قتلوا ، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ، أقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فأخذتهم الملوك وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير ، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك - ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهي التي قال الله تعالى فيهم : ورهبانية ابتدعوها - الآية - فمن آمن بي واتبعني وصدقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون ، يعني الذي تهودوا وتنصروا .

وقيل : هؤلاء الذين أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا به فأولئك هم الفاسقون .

وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي : إن الأولين أصروا على الكفر أيضا ، فلا تعجب من أهل عصرك إن أصروا على الكفر .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ثُمَّ قَفَّيْنَا } أي: أتبعنا { عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } خص الله عيسى عليه السلام؛ لأن السياق مع النصارى، الذين يزعمون اتباع عيسى عليه السلام، { وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ } الذي هو من كتب الله الفاضلة، { وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً } كما قال تعالى: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } الآيات.ولهذا كان النصارى ألين من غيرهم قلوبا، حين كانوا على شريعة عيسى عليه السلام.{ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } والرهبانية: العبادة، فهم ابتدعوا من عند أنفسهم عبادة، ووظفوها على أنفسهم، والتزموا لوازم ما كتبها الله عليهم ولا فرضها، بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قصدهم بذلك رضا الله تعالى، ومع ذلك { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } أي: ما قاموا بها ولا أدوا حقوقها، فقصروا من وجهين: من جهة ابتداعهم، ومن جهة عدم قيامهم بما فرضوه على أنفسهم.

فهذه الحال هي الغالب من أحوالهم.ومنهم من هو مستقيم على أمر الله، ولهذا قال: { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ } أي: الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع إيمانهم بعيسى، كل أعطاه الله على حسب إيمانه { وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ) [ على دينه ] ( رأفة ) وهي أشد الرقة ( ورحمة ) كانوا متوادين بعضهم لبعض ، كما قال الله تعالى في وصف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - " رحماء بينهم " .

( الفتح - 29 ( ورهبانية ابتدعوها ) من قبل أنفسهم ، وليس هذا بعطف على ما قبله ، وانتصابه بفعل مضمر كأنه قال : وابتدعوا رهبانية أي جاءوا بها من قبل أنفسهم ( ما كتبناها ) أي ما فرضناها ( عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ) يعني : ولكنهم ابتغوا رضوان الله بتلك الرهبانية ، وتلك الرهبانية ما حملوا أنفسهم من المشاق في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال ( فما رعوها حق رعايتها ) أي لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى فتهودوا وتنصروا ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب ، وأقام منهم أناس على دين عيسى عليه الصلاة والسلام حتى أدركوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فآمنوا به ، وذلك قوله تعالى : ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) وهم الذين ثبتوا عليها وهم أهل الرأفة والرحمة ( وكثير منهم فاسقون ) وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى عليه الصلاة والسلام .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنبأني عبد الله بن حامد ، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا الصعق بن حزن ، عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة ، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة ، نجا منها ثلاث وهلك سائرهن ، فرقة آزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى عليه الصلاة والسلام ، فأخذوهم وقتلوهم ، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى عليه السلام فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله - عز وجل - فيهم : " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون " .

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمار فقال لي : " يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية ؟

قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم ، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلا القليل ، فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو له فقالوا : تعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام ، يعنون محمدا - صلى الله عليه وسلم - فتفرقوا في غيران الجبال ، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ، ثم تلا هذه الآية : " ورهبانية ابتدعوها " الآية .

" فآتينا الذين آمنوا منهم " يعني من ثبتوا عليها أجرهم ، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي ؟

قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : الهجرة والجهاد ، والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع " وروي عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن لكل أمة رهبانية ، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت ملوك بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوارة والإنجيل ، وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم : لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه ، فجمعهم ملوكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا : نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طائفة : ابنوا لنا أسطوانة ، ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم ، وقالت طائفة : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش ، فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا وقالت طائفة : ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم ، ففعلوا بهم ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى عليه الصلاة والسلام ، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب ، فجعل الرجل يقول : نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان ، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم ، فذلك قوله - عز وجل - : " ورهبانية ابتدعوها " أي ابتدعها هؤلاء الصالحون ( فما رعوها حق رعايتها ) يعني الآخرين الذين جاءوا من بعدهم ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) يعني الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان الله " وكثير منهم فاسقون " هم الذين جاءوا من بعدهم ، قال : فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبق منهم إلا قليل انحط رجل من صومعته وجاء سياح من سياحته وصاحب دير من ديره وآمنوا به

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية» هي رفض النساء واتخاذ الصوامع «ابتدعوها» من قبل أنفسهم «ما كتبناها عليهم» ما أمرناهم بها «إلا» لكن فعلوها «ابتغاء رضوان» مرضاة «الله فما رعوْها حق رعايتها» إذ تركها كثير منهم وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى كثير منهم فآمنوا بنبينا «فآتينا الذين آمنوا» به «منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم أتبعنا على آثار نوح وإبراهيم برسلنا الذين أرسلناهم بالبينات، وقفَّينا بعيسى ابن مريم، وآتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه على دينه لينًا وشفقة، فكانوا متوادِّين فيما بينهم، وابتدعوا رهبانية بالغلوِّ في العبادة ما فرضناها عليهم، بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قَصْدُهم بذلك رضا الله، فما قاموا بها حق القيام، فآتينا الذين آمنوا منهم بالله ورسله أجرهم حسب إيمانهم، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله مكذبون بنيه محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ ) والتقفيه إتباع الرسول برسول آخر يقال : قفا فلان آثر فلان .

.

.

إذا اتبعه ، وقفى على أثره بفلان ، إذا اتبعه إباه .

.

.

وأصله من القفا وهو مؤخر العنق .

.

.

فكأن الذى يتبع أثر غيره قد أتاه من جهة قفاه .وضمير الجمع فى قوله ( على آثَارِهِم ) يعود إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوة والكتاب .أى : ثم أرسلنا بعدهم رسولا بعد رسول .

حتى انتهينا إلى عيسى - عليه السلام - ( وَآتَيْنَاهُ الإنجيل ) أى : أوحيناه إليه ليكون هداية لقومه .قالوا : والإنجيل كلمة يونانية من النجل وهو الأصل ، يقال : رحم الله ناجليه ، أى : والديه ، وقيل : الإنجيل مأخوذ من نجلت الشىء إذا استخرجته وأظهرته .

ويقال للماء الذى يخرج من البئر : نجل .

وقيل هو من النجل الذى هو سعة العين ، ومنه قولهم : طعنة نجلاء ، أى : واسعة .وسمى الإنجيل بهذا الاسم ، لأنه سعة ونور وضياء ، أنزله الله - تعالى - على نبيه عيسى ، ليكون بشارة وهداية لقومه .وأعاد - سبحانه - مع عيسى - عليه السلام - كلمة ( قَفَّيْنَا ) للإشعار بأن المسافة التى كانت بين عيسى - عليه السلام - وبين آخر رسول من بنى إسرائيل كانت مسافة طويلة .ثم بين - سبحانه - بعض السمات التى كانت واضحة فى أتباع عيسى فقال : ( وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله ) .والرأفة : اللين وخفض الجناح ، والرحمة .

العطف والشفقة .قالوا : وعطف الرحمة على الرأفة من باب عطف العام على الخاص ، لأن الرأفة ، رحمة خاصة ، تتعلق بدفع الأذى والضر .

أما الرحمة فهى أشمل وأعم ، لأنها عطف وشفقة على كل من كان فى حاجة إليه .و " الرهبانية " معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان .

وهم النصارى المبالغون فى الرهبة والخوف من الله - تعالى - والزهد فى متاع الحياة الدنيا .قال بعض العلماء : والرهبانية : اسم للحالة التى يكون عليها الراهب متصفا بها فى غالب شئون دينه ، والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس ، لأن قياس النسب إلى الراهب : الراهبية ، والنون فيها مزيدة للمبالغة فى النسبة ، كما زيدت فى قولهم : شعرانى ، لكثير الشعر ، ولحيانى لعظيم اللحية .وقوله - تعالى - : ( ورهبانية ابتدعوها .

.

.

منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر .أى : وابتدعوها رهبانية ابتدعوها ، فهو من باب الاشتغال .ويصح أن يكون معطوفا على قوله : ( رَأْفَةً وَرَحْمَةً ) وقوله : ( ابتدعوها ) فى موضع الصفة ، والكلام على حذف مضاف ، أى : وجعلنا فى قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة لهم .وجملة : ما كتبناها عليهم ، مستأنفة مبينة لجملة ( ابتدعوها ) .والاستثناء فى قوله : ( إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله ) منقطع .والضمير فى قوله : ( فَمَا رَعَوْهَا ) يعود لهؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية .والمعنى : ثم أتبعنا كل رسول من ذرية نوح وإبراهيم برسول آخر ، حتى انتهينا إلى عيسى - عليه السلام - فأرسلناه إلى بنى إسرائيل وآتيناه الإنجيل وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه وآمنوا به ( رَأْفَةً ) أى لينا وخفض جناح ( وَرَحْمَةً ) أى : شفقة وعطفا ، وحب رهبانية مبتدعة منهم ، أى : هم الذين ابتدعوها واخترعوها واختاروها لأنفسهم ، زهداً فى متاع الحياة الدنيا .ونحن ما كتبنا هذه الرهبانية ، وإنما هم الذين ابتدعوها من أجل أن يرضى الله عنهم ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) أى : ولكنهم بمرور الأيام ، لم يحافظ كثير منهم على ما تقتضيه هذه الرهبانية من زهد وتقى وعفاف .

.

.

بل صارت طقوسا خالية من العبادة الصحيحة ، ولم يصبر على تكاليفها إلا عدد قليل منهم .ولذا ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( فَآتَيْنَا الذين آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) .أى : أما الذين استمروا على اتباعهم لعيسى - عليه السلام - وعلى الإيمان بالحق إيمانا صحيحا خاليا مما يفسده .

.

.

فقد أعطيناهم أجورهم الطيبة كاملة غير منقوصة .وأما الذين بدلوا ما جاء به عيسى - عليه السلام - حيث كفروا به وقالوا : الله ثالث ثلاثة ، أو قالوا : المسيح ابن الله فسيلقون ما يستحقونه من عقاب .وقوله : ( وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) يدل على أن الذين خرجوا عن الدين الحق الذى جاء به عيسى - عليه السلام - وفسقوا عن أمر ربهم .

.

.

أكثر من الذين آمنوا به إيمانا صحيحا .قال الإمام ابن جرير : واختلف أهل التأويل فى الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها .

فقال بعضهم : هم الذين ابتدعوها ، ولم يقوموا بها ، ولكنهم بدلوا وخالفوا دين الله الذى بعث به عيسى ، فتنصروا وتهودوا .وقال آخرون : بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حق رعايتها ، لأنهم كانوا كفارا .

.

.

فهم الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها .وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة أن يقال : إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها ، بعض الطوائف التى ابتدعتها ، وذلك لأن الله - تعالى - قد أخبر أنه أتى الذين آمنوا منهم أجرهم ، فدل ذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها .وكثير منهم - أى : من الذين ابتدعوا الرهبانية - أهل معاص ، وخروج عن طاعة الله - تعالى - وعن الإيمان به .وقال الإمام الآلوسى ما ملخصه : وقوله - تعالى - : ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) جملة مستأنفة .وقوله - سبحانه - : ( إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله ) استثناء منقطع ، أى : ما فرضناها نحن عليهم رأسا ، ولكن ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ابتغاء رضوان الله .وقوله - تعالى - : ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) أى : ما حافظوا عليها حق المحافظة ، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر ، وهو عهد مع الله - تعالى - يجب رعايته ، لا سيما إذا قصد به رضاه - عز وجل .وجائز أن يكون الاستثناء متصلا من أعم العلل .

أى : ما قضيناها عليهم لشىء من الأشياء ، إلا ليبتغوا بها رضوان الله ، ويستحقوا بها الثواب ، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها .

.

.

إلا أنهم لم يحافظوا عليها ، ولم يرعوها حق رعايتها .والفرق بين الوجهين : أن الأول يقتضى أنهم لم يؤمروا بها أصلا ، وأن الثانى يقتضى أنهم أمروا بها ، لابتغاء رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها .والظاهر أن الضمير فى قوله ( فَمَا رَعَوْهَا ) يعود لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية ، والمراد نفى وقوع الرعاية من جميعهم ، أى : فما رعاها كلهم بل بعضهم .فالآية الكريمة تثنى على الذين أحسنوا اتباع عيسى - عليه السلام - فطهروا أرواحهم من كل دنس ، وزهدوا فى متع الحياة الدنيا .

.

.

وتذم الذين بدلوا ما جاء به عيسى - عليه السلام - وقالوا الأقوال الباطلة فى شأنه ، وفعلوا الأفعال القبيحة التى تغضب الله - تعالى - :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وءاتيناه الإنجيل ﴾ .

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى قفاه أتبعه بعد أن مضى، والمراد أنه تعالى أرسل بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام فأرسله الله تعالى بعدهم وآتاه الإنجيل.

المسألة الثانية: قال ابن جني قرأ الحسن: ﴿ وآتيناه الأنجيل ﴾ بفتح الهمزة، ثم قال: هذا مثال لا نظير له، لأن أفعيل وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته، لأنه يستخرج به الأحكام، والتوراة فوعلة من ورى الزند يرى إذا أخرج النار، ومثله الفرقان وهو فعلان من فرقت بين الشيئين، فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة لأنه لا نظير له، وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع وله وجهان: أحدهما: أنه شاذ كما حكى بعضهم في البرطيل وثانيهما: أنه ظن الإنجيل أعجمياً فحرف مثاله تنبيهاً على كونه أعجمياً.

قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق لله تعالى وكسب للعبد، قالوا: لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة لله تعالى، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية، قال القاضي: المراد بذلك أنه تعالى لطف بهم حتى قويت دواعيهم إلى الرهبانية، التي هي تحمل الكلفة الزائدة على ما يجب من الخلوة واللباس الخشن والجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل، على أنا وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا أيضاً، وذلك لأن حال الاستواء يمتنع حصول الرجحان وإلا فقد حصل الرجحان عند الاستواء والجمع بينهما متناقض، وإذا كان الحصول عند الاستواء ممتنعاً، كان عند المرجوحية أولى أن يصير ممتنعاً، وإذا امتنع المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض.

المسألة الثانية: قال مقاتل: المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعض، كما وصف الله أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام بذلك في قوله: ﴿ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ  ﴾ .

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ (رآفة) على فعالة.

المسألة الرابعة: الرهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب، كخشيان من خشي، وقرئ: (ورهبانية) بالضم كأنها نسبة إلى الرهبان، وهو جمع راهب كراكب وركبان، والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة ومتحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن، والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف، عن ابن عباس أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام غير الملوك التوراة والإنجيل، فساح قوم في الأرض ولبسوا الصوف، وروى ابن مسعود أنه عليه السلام، قال: «يا ابن مسعود: أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة، كلها في النار إلا ثلاث فرق، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام، وقاتلوا أعداء الله في نصرته حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين، فلبس العباء، وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً ﴾ إلى آخر الآية».

المسألة الخامسة: لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها، ولذلك قال تعالى بعده: ﴿ مَا كتبناها عَلَيْهِمْ ﴾ .

المسألة السادسة: ﴿ رهبانية ﴾ منصوبة بفعل مضمر، يفسره الظاهر، تقديره: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وقال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حملها على ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون مجعولاً لله تعالى، وأقول: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين، ومن أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا كتبناها عَلَيْهِمْ ﴾ أي لم نفرضها نحن عليهم.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ ابتغاء رضوان الله ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع.

أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله الثاني: أنه استثناء متصل، والمعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة الله تعالى، والمراد أنها ليست واجبة، فإن المقصود من فعل الواجب، دفع العقاب وتحصيل رضا الله، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب، بل المقصود منه ليس إلا تحصيل مرضاة الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الذين ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون ﴾ ففيه أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها، بل ضموا إليها التثليث والاتحاد، وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمداً عليه الصلاة والسلام فآمنوا به فهو قوله: ﴿ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ﴾ .

وثانيها: أنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال، لكن لا لهذا الوجه، بل لوجه آخر، وهو طلب الدنيا والرياء والسمعة.

وثالثها: أنا لما كتبناها عليهم تركوها، فيكون ذلك ذماً لهم من حيث إنهم تركوا الواجب.

ورابعها: أن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمداً عليه الصلاة والسلام، ولم يؤمنوا به، وقوله: ﴿ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ﴾ أي الذين آمنوا بمحمد وكثير منهم فاسقون يعني الذين لم يؤمنوا به، ويدل على هذا ما روي أنه عليه السلام قال: «من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون».

وخامسها: أن الصالحين من قوم عيسى عليه السلام ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها، ثم جاء بعدهم قوم اقتدوا بهم في اللسان، وما كانوا مقتدين بهم في العمل، فهم الذين ما رعوها حق رعايتها، قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون، ثم قال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون ﴾ والمعنى أن بعضهم قام برعايتها وكثير منهم أظهر الفسق وترك تلك الطريقة ظاهراً وباطناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ الحسن: ﴿ الأنجيل ﴾ بفتح الهمزة، وأمره أهون من أمر البرطيل والسكينة فيمن رواهما بفتح الفاء، لأنّ الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب.

وقرئ: ﴿ رآفة ﴾ على: فعالة، أي: وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم.

ونحوه في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29] .

والرهبانية: ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، وذلك أنّ الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوا في دينهم، فاختاروا الرهبانية: ومعناه الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف: فعلان من رهب، كخشيان من خشى.

وقرئ: ﴿ ورهبانية ﴾ بالضم، كأنها نسبة إلى الرهبان: وهو جمع راهب كراكب وركبان، وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر: تقديره.

وابتدعوا رهبانية ﴿ ابتدعوها ﴾ يعني: وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ﴿ مَا كتبناها عَلَيْهِمْ ﴾ لم نفرضها نحن عليهم ﴿ إِلاَّ ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ كما يجب على الناذر رعاية نذره؛ لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه ﴿ فَئَاتَيْنَا الذين ءَامَنُواْ ﴾ يريد: أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون ﴾ الذين لم يحافظوا على نذرهم.

ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها، وابتدعوها: صفة لها في محل النصب، أي: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم، بمعنى: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها، ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب، على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه، فما رعوها جميعاً حق رعايتها؛ ولكن بعضهم، فآتينا المؤمنين المراعين منهم للرهبانية أجرهم، وكثير منهم فاسقون.

وهم الذين لم يرعوها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ أيْ أرْسَلْنا رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ حَتّى انْتُهِيَ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والضَّمِيرُ لِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُنْ أرْسِلا إلَيْهِمْ، أوْ مَن عاصَرَهُما مِنَ الرُّسُلِ لا لِلذَّرِّيَّةِ، فَإنَّ الرُّسُلَ المُلْقى بِهِمْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.

﴿ وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وأمْرُهُ أهْوَنُ مِن أمْرِ البِرْطِيلِ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ.

﴿ وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ﴾ وقُرِئَ «رَآفَةً» عَلى فَعالَةً.

﴿ وَرَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ﴾ أيْ وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها، أوْ رَهْبانِيَّةً مُبْتَدَعَةً عَلى أنَّها مِنَ المَجْعُولاتِ وهي المُبالَغَةُ في العِبادَةِ والرِّياضَةِ والِانْقِطاعُ عَنِ النّاسِ، مَنسُوبَةً إلى الرُّهْبانِ وهو المُبالَغُ في الخَوْفِ مِن رَهِبَ كالخُشْيانِ مِن خَشِيَ، وقُرِئَتْ بِالضَّمِّ كَأنَّها مَنسُوبَةٌ إلى الرُّهْبانِ وهو جَمْعُ راهِبٍ كَراكِبٍ ورُكْبانٍ.

﴿ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ﴾ ما فَرَضْناها عَلَيْهِمْ.

﴿ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ.

وقِيلَ: مُتَّصِلٌ فَإنَّ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ بِمَعْنى ما تَعَبَّدْناهم بِها وهو كَما يَنْفِي الإيجابُ المَقْصُودُ مِنهُ دَفْعُ العِقابِ يَنْفِي النَّدْبَ المَقْصُودَ مِنهُ مُجَرَّدُ حُصُولِ مَرْضاةِ اللَّهِ، وهو يُخالِفُ قَوْلَهُ ابْتَدَعُوها إلّا أنْ يُقالَ ابْتَدَعُوها ثُمَّ نَدَبُوا إلَيْها، أوِ ابْتَدَعُوها بِمَعْنى اسْتَحْدَثُوها وأتَوْا بِها، أوَّلًا أنَّهُمُ اخْتَرَعُوها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.

﴿ فَما رَعَوْها ﴾ أيْ فَما رَعَوْها جَمِيعًا.

﴿ حَقَّ رِعايَتِها ﴾ بِضَمِّ التَّثْلِيثِ والقَوْلِ بِالِاتِّحادِ وقَصْدِ السُّمْعَةِ والكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَحْوَها إلَيْها.

﴿ فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أتَوْا بِالإيمانِ الصَّحِيحِ ومِن ذَلِكَ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  وحافَظُوا حُقُوقَها.

﴿ مِنهُمْ ﴾ مِنَ المُتَّسِمِينَ بِاتِّباعِهِ.

﴿ أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ خارِجُونَ عَنْ حالِ الِاتِّباعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثم قفينا على آثارهم} أي نوح وإبراهيم ومن مضى من الأنبياء {برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً} مودة وليناً {وَرَحْمَةً} تعطفاً على إخوانهم كما قال في صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحماء بينهم وَرَهْبَانِيَّةً هي ترهبهم في

الجبال فارّين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم العبادة وهي الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب كخشيان من خشي وانتصابها بفعل من مضمر يفسره الظاهر تقديره وابتدعوا رهبانية {ابتدعوها} أي أخرجوها من عند أنفسهم ونذروها {مَا كتبناها عليهم} لم نقرضها نحن عليهم {إِلاَّ ابتغاء رضوان الله} استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثة {فآتينا الذين آمنوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} أي أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام أو الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {وكثير منهم فاسقون} الكافرون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا ﴾ أيْ أرْسَلْنا بَعْدَهم رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ وأصْلُ التَّقْفِيَةِ جَعْلُ الشَّيْءِ خَلْفَ القَفا، وضَمِيرُ آثارِهِمْ لِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِما.

وقِيلَ: لِمَن عاصَرَهُما مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ عاصَرَ رَسُولٌ نُوحًا فَإمّا أنْ يُرْسَلَ إلى قَوْمِهِ كَهارُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أوْ إلى غَيْرِهِمْ كَلُوطٍ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا مَجالَ لِلْأوَّلِ لِمُخالَفَتِهِ لِلْواقِعِ ولا إلى الثّانِي إذْ لَيْسَ عَلى الأرْضِ قَوْمٌ غَيْرُهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ تَوْجِيهٌ لِجَمْعِ الضَّمِيرِ وكَوْنُ لُوطٍ مَعَ إبْراهِيمَ كافٍ فِيهِ، وقِيلَ: لِلذُّرِّيَّةِ، وفِيهِ أنَّ الرُّسُلَ المُقَفّى بِهِمْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ فَلَوْ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ لَزِمَ أنَّهم غَيْرُهم أوِ اتِّحادُ المُقْفِي والمُقْفى بِهِ وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ بِالأوائِلِ مِنهم خِلافَ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ جَعَلْناهُ بَعْدُ.

وحاصِلُ المَعْنى أرْسَلْنا رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ حَتّى انْتَهى الإرْسالُ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ ﴾ بِأنْ أوْحَيْنا إلَيْهِ ولَيْسَ هو الَّذِي بَيْنَ أيْدِي النَّصارى اليَوْمَ أعْنِي المُشْتَمِلَ عَلى قِصَّةِ وِلادَتِهِ وقِصَّةِ صَلْبِهِ المُفْتَراةِ: وقَرَأ الحَسَنُ «الأنْجِيلَ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهو مِثالٌ لا نَظِيرَ لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمْرُهُ أهْوَنُ مِن أمْرِ البَرْطِيلِ بِفَتْحِ الباءِ والكَسْرُ أشْهَرُ وهو حَجَرٌ مُسْتَطِيلٌ واسْتِعْمالُهُ في الرَّشْوَةِ مُوَلَّدٌ مَأْخُوذٌ مِنهُ بِنَوْعِ تَجَوُّزٍ لِأنَّهُ عَجَمِيٌّ وهَذا عَرَبِيٌّ وهم يَتَلاعَبُونَ بِالعَجَمِيِّ ولا يَلْتَزِمُونَ فِيهِ أوْزانَهم، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ لَفْظَ الإنْجِيلِ عَرَبِيٌّ مِن نَجَلْتُ بِمَعْنى اسْتَخْرَجْتُ لِاسْتِخْراجِ الأحْكامِ مِنهُ ﴿ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ﴾ أيْ خَلَقْنا أوْ صَيَّرْنا - فَفي قُلُوبِ - في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ جَعَلْنا ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ فَهم يَرْأفُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَرْحَمُ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَظِيرُهُ في شَأْنِ أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ والرَّأْفَةُ في المَشْهُورِ الرَّحْمَةُ لَكِنْ قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّها إذا ذُكِرَتْ مَعَها يُرادُ بِالرَّأْفَةِ ما فِيهِ دَرْءُ الشَّرِّ ورَأْبُ الصَّدْعِ، وبِالرَّحْمَةِ ما فِيهِ جَلْبُ الخَيْرِ ولِذا تَرى في الأغْلَبِ تَقْدِيمَ الرَّأْفَةِ عَلى الرَّحْمَةِ وذَلِكَ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ وقُرِئَ رَآفَةً عَلى فَعالَةٍ كَشَجاعَةٍ ﴿ ورَهْبانِيَّةً ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ أيْ وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً.

﴿ ابْتَدَعُوها ﴾ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ - كَما قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ وأبُو حَيّانَ - أنْ يَكُونَ الِاسْمُ السّابِقُ مُخْتَصًّا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً والمَذْكُورُ نَكِرَةٌ لا مُسَوِّغَ لَها مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ، ورُدَّ بِأنَّهُ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ هَذا الشَّرْطِ الِاسْمُ هُنا مَوْصُوفٌ مَعْنًى بِما يُؤْخَذُ مِن تَنْوِينِ التَّعْظِيمِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِمْ: شَرٌّ أهَرُّ ذا نابٍ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ النِّسْبَةِ كَما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أوْ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ما قَبْلُ، وجُمْلَةُ ﴿ ابْتَدَعُوها ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وجَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَأْفَةً ورَحْمَةً وحُبَّ رَهْبانِيَّةٍ مُبْتَدَعَةٍ لَهم، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما ذُكِرَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَذْفِ، وقالَ: الرَّهْبانِيَّةُ مِن أفْعالِ العِبادِ لِأنَّها المُبالَغَةُ في العِبادَةِ بِالرِّياضَةِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ، وأصْلُ مَعْناها الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرُّهْبانِ وهو الخائِفُ فَعْلانُ مِن رَهِبَ كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ، وأفْعالُ العِبادِ يَتَعَلَّقُ بِها جَعْلُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ وهي في عَيْنِ كَوْنِها مَخْلُوقَةً لَهُ تَعالى مُكْتَسَبَةً لِلْعَبْدِ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَوَّزَ العَطْفَ المَذْكُورَ وفَسَّرَ الجَعْلَ بِالتَّوْفِيقِ كَأنَّهُ قِيلَ: وفَّقْناهم لِلتَّراحُمِ بَيْنَهم ولِابْتِداعِ الرَّهْبانِيَّةِ واسْتِحْداثِها بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الرَّهْبانِيَّةَ فِعْلُ العَبْدِ المَخْلُوقُ لَهُ بِاخْتِيارِهِ، وفائِدَةُ ( في قُلُوبِ ) عَلى هَذا التَّصْوِيرِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَخْفى ما في هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ لَكِنَّ الإنْصافَ أنَّهُ لا يَحْسُنُ العَطْفُ بِدُونِ هَذا التَّأْوِيلِ أوِ اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ تَفْسِيرُ الرَّهْبانِيَّةِ بِما هو مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ المُفْرِطِ المُقْتَضِي لِلْغُلُوِّ في التَّعَبُّدِ ويُرْتَكَبُ نَوْعُ تَجَوُّزٍ في ابْتَدَعُوها وما بَعْدَهُ كَأنْ يَكُونَ المُرادُ ابْتِداعَ أعْمالِها وآثارِها أوِ ارْتِكابَ اسْتِخْدامٍ في الكَلامِ بِأنْ يُعْتَبَرَ لِلرَّهْبانِيَّةِ مَعْنَيانِ الخَوْفُ المُفْرِطُ مَثَلًا، ويُرادُ في جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَهْبانِيَّةً والأعْمالَ التَّعَبُّدِيَّةَ الشّاقَّةَ كَرَفْضِ الدُّنْيا وشَهَواتِها مِنَ النِّساءِ وغَيْرِهِنَّ، ويُرادُ في ﴿ ابْتَدَعُوها ﴾ وما بَعْدَهُ ولَيْسَ الدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ الِاعْتِزالَ بَلْ كَوْنُ الرَّهْبانِيَّةِ بِمَعْنى الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ لَيْسَتْ مِمّا تُجْعَلُ في القَلْبِ كالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ فَتَأمَّلْ.

وقُرِئَ «رَهْبانِيَّةٌ» بِضَمِّ الرّاءِ وهي مَنسُوبَةٌ إلى الرُّهْبانِ بِالضَّمِّ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا فالنِّسْبَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ واحِدًا ومَن ظَنَّ اخْتِصاصَ المَضْمُومِ بِالجَمْعِ قالَ: إنَّهُ لَمّا اخْتَصَّ بِطائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ أُعْطِيَ حُكْمَ العَلَمِ فَنِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَما قالُوا في أنْصارٍ وأنْصارِيٍّ أوْ أنَّ النِّسْبَةَ إلى رُهْبانٍ المَفْتُوحِ وضَمِّ الرّاءِ في المَنسُوبِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ كَما في دُهْرِيٍّ بِضَمِّ الدّالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿ كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ما فَرَضْناها نَحْنُ عَلَيْهِمْ رَأْسًا ولَكِنِ ابْتَدَعُوها وألْزَمُوا أنْفُسَهم بِها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ﴾ أيْ ما حافَظُوا عَلَيْها حَقَّ المُحافَظَةِ ذَمٌّ لَهم مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ كالنَّذْرِ وهو عَهْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ رِعايَتُهُ لا سِيَّما إذا قُصِدَ بِهِ رِضاهُ عَزَّ وجَلَّ.

واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَنِ اعْتادَ تَطَوُّعًا كُرِهَ لَهُ تَرْكُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿ كَتَبْناها ﴾ إلَخْ صِفَةً أُخْرى لِرَهْبانِيَّةٍ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى قَيْدِ الفِعْلِ لا نَفْسِهِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا ابْتِغاءَ ﴾ إلَخِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ ما قَضَيْناها عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلْناهم يَبْتَدِعُونَها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيَبْتَغُوا بِها رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى ويَسْتَحِقُّوا بِها الثَّوابَ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يُحافِظُوا عَلَيْها ويُراعُوها حَقَّ رِعايَتِها فَما رَعَوْها كَذَلِكَ والوَجْهُ الأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ ولا مُخالَفَةَ عَلَيْهِ بَيْنَ ﴿ ابْتَدَعُوها ﴾ و ﴿ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِها أصْلًا والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهم أُمِرُوا بِها لِابْتِغاءِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِن مَعْنى ﴿ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ ﴾ إلَخْ، ودَفَعَ بَعْضُهُمُ المُخالَفَةَ بِأنْ يُقالَ: الأمْرُ وقَعَ بَعْدَ ابْتِداعِها أوْ يُؤَوَّلُ ابْتَدَعُوها بِأنَّهم أوَّلُ مَن فَعَلَها بَعْدَ الأمْرِ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ في الدَّفْعِ أوَّلًا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وأبُو يَعْلى والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لا تُشَدِّدُوا عَلى أنْفُسِكم فَيُشَدَّدَ عَلَيْكم فَإنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقاياهم في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ رَهْبانِيَّةُ ما ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ»» يَعْنِي الآيَةَ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ فَما رَعَوْها لِأُولَئِكَ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ، والمُرادُ نَفْيُ وُقُوعِ الرِّعايَةِ مِن كُلِّهِمْ عَلى أنَّ المَعْنى فَما رَعاها كُلُّهم بَلْ بَعْضُهم، ولَيْسَ المُرادُ بِالمَوْصُولِ فِيما سَبَقَ أشْخاصًا بِأعْيانِهِمْ بَلِ المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ النَّصارى إلى زَمانِ الإسْلامِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ أصْلَ الِابْتِداعِ كانَ مِن قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ لِأنَّ إسْنادَهُ عَلى نَحْوِ الإسْنادِ في - بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا زَيْدًا - والقاتِلُ بَعْضُهم.

وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في ﴿ فَما رَعَوْها ﴾ لِلْخِلافِ الَّذِينَ جاؤُوا بَعْدَ المُبْتَدِعِينَ والأوَّلُ أوْفَقُ بِالصِّناعَةِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا صَحِيحًا وهو لِمَن أدْرَكَ وقْتَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإيمانَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم إيمانًا صَحِيحًا بَعْدَ رِعايَةِ رَهْبانِيَّتِهِمْ ﴿ أجْرَهُمْ ﴾ أيْ ما يُخْتَصُّ بِهِ مِنَ الأجْرِ وهو الأجْرُ عَلى ما سَلَفَ مِنهم والأجْرُ عَلى الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ بَقُوا عَلى رِعايَةِ الرَّهْبانِيَّةِ إلى زَمانِ البَعْثَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا لِأنَّ رِعايَتَها لَغْوٌ مَحْضٌ وكُفْرٌ بَحْتٌ وإنَّما لَها اسْتِتْباعُ الأجْرِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوا الرَّهْبانِيَّةَ حَقَّ رِعايَتِها هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ﴾ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونُوا قَصَّرُوا فِيما ألْزَمُوهُ أنْفُسَهم، والآخَرُ وهو الأجْوَدُ أنْ يَكُونُوا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُؤْمِنُوا فَكانُوا تارِكِينَ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَما رَعَوْا تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ ﴾ إلَخِ انْتَهى، فَحُمِلَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى مَن أدْرَكَ وقْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم وآمَنَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والفاسِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُقْتَضى حَمْلِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا حَمْلُهُ عَلى الأعَمِّ الشّامِلِ لِمَن خَرَجَ عَنِ اتِّباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ وحَمْلُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مَن مَضى مِنَ المُراعِينَ لِحُقُوقِ الرَّهْبانِيَّةِ قَبْلَ النَّسْخِ والمُخِلِّينَ بِها إذْ ذاكَ بِالتَّثْلِيثِ والقَوْلِ بِالِاتِّحادِ وقَصْدِ السُّمْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكُفْرِهِمْ بِهِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ.

ومِنَ الآثارِ ما يَأْباهُ فَفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««اخْتَلَفَ مَن كانَ قَبْلَنا عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً نَجا مِنها ثَلاثٌ وهَلَكَ سائِرُها فِرْقَةٌ وازَتِ المُلُوكَ وقاتَلَتْهم عَلى دِينِ اللَّهِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازاةِ المُلُوكِ فَأقامُوا بَيْنَ ظَهْرانِيِّ قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهم إلى دِينِ اللَّهِ ودِينِ عِيسى فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ ونَشْرَتْهم بِالمَناشِرِ، وفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازاةِ المُلُوكِ ولا بِالمُقامِ مَعَهم فَساحُوا في الجِبالِ وتَرَهَّبُوا فِيها وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا بِي وصَدَّقُونِي ﴿ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ الَّذِينَ جَحَدُوا بِي وكَفَرُوا بِي»» وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما اسْتَجْوَدَهُ الزَّجّاجُ، ويُعْلَمُ مِنهُ أيْضًا سَبَبُ ابْتِداعِ الرَّهْبانِيَّةِ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَمِّ البِدْعَةِ مُطْلَقًا، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرًا ذَمُّ عَدَمِ رِعايَةِ ما التَزَمُوهُ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في البِدْعَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قالَ العُلَماءُ: البِدْعَةُ خَمْسَةُ أقْسامٍ واجِبَةٌ ومَندُوبَةٌ ومُحَرَّمَةٌ ومَكْرُوهَةٌ ومُباحَةٌ فَمِنَ الواجِبَةِ تَعَلُّمُ أدِلَّةِ المُتَكَلِّمِينَ لِلرَّدِّ عَلى المَلاحِدَةِ والمُبْتَدِعِينَ وشِبْهُ ذَلِكَ، ومِنَ المَندُوبَةِ تَصْنِيفُ كُتُبِ العِلْمِ وبِناءُ المَدارِسِ والرُّبُطِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنَ المُباحَةِ التَّبَسُّطُ في ألْوانِ الأطْعِمَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ، والحَرامُ والمَكْرُوهُ ظاهِرانِ، فَعُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»» مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.

وقالَ صاحِبُ جامِعِ الأُصُولِ: الِابْتِداعُ مِنَ المَخْلُوقِينَ إنْ كانَ في خِلافِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو في حَيِّزِ الذَّمِّ والإنْكارِ وإنْ كانَ واقِعًا تَحْتَ عُمُومِ ما نَدَبَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وحَضَّ عَلَيْهِ أوْ رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو في حَيِّزِ المَدْحِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِثالُهُ مَوْجُودًا كَنَوْعٍ مِنَ الجُودِ والسَّخاءِ وفَعَلِ المَعْرُوفِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في صَلاةِ التَّراوِيحِ: نَعِمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يعني: لا يحب الذين يبخلون.

يعني: يمسكون أموالهم، ولا يخرجون منها حق الله تعالى وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ويقال: الذين يَبْخَلُونَ.

يعني: يكتمون صفة محمد  ، وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل.

يعني: يكتمون صفة النبيّ  ونعته.

وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن النفقة.

ويقال: يعرض عن الإيمان فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يعني: غنيٌّ عن نفقتهم، وعن إيمانهم، الْحَمِيدُ في فعاله.

قرأ حمزة، والكسائي، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بنصب الخاء، والباء.

وقرأ الباقون: بضم الباء، وإسكان الخاء، ومعناهما واحد.

قرأ نافع، وابن عامر: فَإِنَّ الله الغنى الحميد الذي لا غني مثله.

والباقون: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بإثبات هو.

ثم قال: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر، والنهي، والحلال، والحرام، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ يعني: أنزلنا عليهم الكتاب ليعلموا أمتهم وَالْمِيزانَ يعني: العدل.

ويقال: هو الميزان بعينه، أنزل على عهد نوح  لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ يعني: لكي يقوم الناس بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يعني: وجعلنا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يعني: فيه قوة شديدة في الحرب.

وعن عكرمة أنه قال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يعني: أنزل الله تعالى الحديد لآدم  ، العلاة، والمطرقة، والكلبتين فيه بأس شديد.

ثم قال عز وجل: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ يعني: في الحديد مَنافِعُ لِلنَّاسِ مثل السكين، والفأس، والإبرة.

يعني: من معايشهم.

وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يعني: ولكن يعلم الله من ينصره على عدوه وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ بقتل أعداءه كقوله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ويقال: لكي يرى الله من استعمل هذا السلام في طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله  بالغيب.

يعني: يصدق بالقلب إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ في أمره عَزِيزٌ في ملكه.

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ يعني: بعثناهما إلى قومهما، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا يعني: في نسليهما النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وكان فيهم الأنبياء مثل موسى، وهارون، وداود، ويونس، وسليمان، وصالح، ونوح، وإبراهيم عليهم السلام فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: كثير من ذريتهم تاركون للكتاب.

قوله عز وجل: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ يعني: وصلنا، وأَتْبَعْنَا على آثارهم بِرُسُلِنا واحداً بعد واحد وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني: وأرسلنا على آثارهم بعيسى ابن مريم وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ يعني: أعطيناه الإنجيل وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يعني: الذين آمنوا به، وصدقوه، واتبعوا دينه، رَأْفَةً وَرَحْمَةً يعني: المودة.

والمتوادين الذين يود بعضهم بعضاً.

ويقال: الرأفة على أهل دينهم، يرحم بعضهم بعضاً، وهم الذين كانوا على دين عيسى، لم يتهوَّدوا، ولم يتنصروا.

ثم استأنف الكلام فقال: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها يعني: ابتدعوا رهبانية مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ يعني: لم تكتب عليهم الرهبانية إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وذلك أنه لما كثر المشركون، خرج المسلمون منهم، فهربوا، واعتزلوا في الغيران، واتبعوا الصوامع، فطال عليهم الأمد، ورجع بعضهم عن دين عيسى بن مريم، وابتدعوا النصرانية.

قال الله تعالى: ابْتَدَعُوها يعني: الرهبانية، والخروج إلى الصوامع، والتبتل للعبادة مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ يعني: ما أوجبنا عليهم، ولم نأمرهم إلا ابتغاء رضوان الله.

يعني: أمرناهم بما يرضي الله تعالى لا غير ذلك.

ويقال: ابْتَدَعُوها لطلب رضى الله تعالى فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها يعني: لم يحافظوا على ما أوجبوا على أنفسهم.

ويقال: فما أطاعوا الله حين تهودوا، وتنصَّروا.

قال الله تعالى: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ في الآخرة وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصين.

وهم الذين تهودوا.

وفي هذه الآية دليل وتنبيه للمؤمنين أن من أوجب على نفسه شيئاً، لم يكن واجباً عليه أن يتبعه، ولا يتركه، فيستحق اسم الفسق.

وروي عن بعض الصحابة أنه قال: عليكم بإتمام هذه التراويح، لأنها لم تكن واجبة عليكم.

فقد أوجبتموها على أنفسكم فإنكم إن تركتموها صرتم فاسقين ثم قرأ هذه الآية وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عائشة قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خِطِيئَةٌ» «١» ، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرةَ قال:

لَمَّا نَزَلَتْ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» «٢» ، انتهى، وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى، فالله المسئول أَنْ ينفع به كُلَّ مَنْ حَصَّله أو نظر فيه.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ: يدلُّ على أَنَّ الفرحَ المنهيَّ عنه إنَّما هو ما أَدَّى إلى الاختيال والفخر، وأَمَّا الفَرَحُ بنعم اللَّه المقترن بالشكر والتواضع، فَإنَّه لا يستطيع أَحَدٌ دَفْعَهُ عن نفسه، ولا حرجَ فيه، واللَّه أعلم.

وقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ قال بعضهم: هو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هم الذين يبخلون، وقال بعضهم: هو في موضع نصب صِفَةً ل كُلَّ، وإنْ كان نكرةً فهو يُخَصَّصُ نوعاً ما فيسوغُ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهبُ الأخفش، والْكِتابَ هنا: اسم جنس لجميع الكتب المُنَزَّلَةِ، وَالْمِيزانَ: العدل/ في تأويل الأكثرين.

وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ عَبَّرَ سبحانه عن خلقه الحديدَ بالإنزال كما قال:

وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ [الزمر: ٦] الآية، قال جمهورٌ من المفسرين: الحديد هنا أراد به جِنْسَهُ من المعادن وغيرها، وقال حُذَّاقٌ من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأَنَّ اللَّه أخبر أَنَّهُ أرسل رُسُلاً، وأنزل كتباً، وعدلاً مشروعاً، وسلاحاً يُحَارَبُ به مَنْ عاند، ولم يقبل هدى اللَّه إذْ لم يبقَ له عذر، وفي الآية- على هذا التأويل- حَضٌّ على القتال في سبيل اللَّه وترغيبٌ فيه.

وقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يقوِّي هذا التأويل.

وقوله: بِالْغَيْبِ معناه: بما سمع من الأَوصاف الغائبة عنه فآمن بها، وباقي الآية بين.

وقوله سبحانه: وقَفَّيْنا معناه: جئنا بهم بعد الأولِينَ، وهو مأخوذ من القفا، أي:

جيء بالثاني في قَفَا الأَوَّلِ، فيجيء الأول بين يدي الثاني، وقد تقدم بيانه.

وقوله سبحانه: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً: الجعل في هذه الآية بمعنى الخلق.

وقوله: ابْتَدَعُوها: صفة لرهبانية، وخَصَّها بِأَنَّها ابْتُدِعَتْ لأََنَّ الرأفة والرحمةَ في القلب، لا تَكَسُّبَ للإنسان فيها، وَأَمَّا الرهبانيةُ فهي أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضعٌ لِلتَّكَسُّبِ، ونحو هذا عن قتادة «١» ، والمراد بالرأفة والرحمة حُبُّ بعضهم في بعض وتوادُّهُم، والمراد بالرهبانية: رَفْضُ النساء، واتخاذ الصوامع والديارات، والتفردُ للعبادات، وهذا هو ابتداعهم، ولم يَفْرِضِ اللَّه ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك ابتغاءَ رضوان اللَّه هذا تأويل جماعة، وقرأ ابن مسعود «٢» : / «مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ لَكِنِ ابتدعوها» وقال مجاهد «٣» : المعنى: كتبناها عليهم ابتغاءَ رضوان اللَّه، فالاستثناء على هذا مُتَّصِلٌ، واخْتُلِفَ في الضمير الذي في قوله: فَما رَعَوْها مَنِ المراد به؟

فقال ابن زيد وغيره «٤» : هو عائد على الذين ابتدعوا الرهبانِيَّة، وفي هذا التأويل لزومُ الإتمام لِكُلِّ مَنْ بدأ بتطوّع ونفل، وأنّه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ ﴾ يَعْنِي: الكُتُبَ "فَمِنهُمْ" يَعْنِي: مِنَ الذُّرِّيَّةِ ﴿ مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كافِرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي عاصُونَ قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ ﴾ أيْ: أتْبَعْنا عَلى آثارِ نُوحٍ، وإبْراهِيمَ، وذُرِّيَّتِهِما "بِعِيسى" وكانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ﴿ وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ يَعْنِي: الحَوارِيِّينَ وغَيْرَهم مِن أتْباعِهِ عَلى دِينِهِ "رَأْفَةً" وقَدْ سَبَقَ بَيانُها [النُّورِ: ٢] مُتَوادِّينَ، كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى أصْحابَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ﴾ لَيْسَ هَذا مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وإنَّما انْتَصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، تَقْدِيرُهُ: وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها، أيْ: جاؤُوا بِها مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، وهي غُلُوُّهم في العِبادَةِ، وحَمْلُ المَشاقِّ عَلى أنْفُسِهِمْ في الِامْتِناعِ عَنِ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والنِّكاحِ، والتَّعَبُّدُ في الجِبالِ ﴿ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: ما فَرَضْناها عَلَيْهِمْ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ابْتَدَعُوها ﴾ وتَقْدِيرُهُ: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا أنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والرُّمّانِيُّ عَنْ قَتادَةَ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كَتَبْناها ﴾ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ أحَدُهُما: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيها تَطَوُّعًا إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ.

قالالحَسَنُ: تَطَوَّعُوا بِابْتِداعِها ثُمَّ كَتَبَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ألْزَمُوا أنْفُسَهم ذَلِكَ التَّطَوُّعَ لَزِمَهم إتْمامُهُ، كَما أنَّ الإنْسانَ إذا جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ صَوْمًا لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ أنْ يُتِمَّهُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والِابْتِداعُ قَدْ يَكُونُ بِالقَوْلِ، وَهُوَ ما يَنْذِرُهُ ويُوجِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِالفِعْلِ بِالدُّخُولِ فِيهِ.

وعُمُومُ الآيَةِ تَتَضَمَّنُ الأمْرَيْنِ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَدَعَ قُرْبَةً، قَوْلًا، أوْ فِعْلًا، فَعَلَيْهِ رِعايَتُها وإتْمامُها.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ما أمَرْناهم مِنها إلّا بِما يُرْضِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لا غَيْرَ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم ما رَعَوْها لِتَبْدِيلِ دِينِهِمْ وتَغْيِيرِهِمْ لَهُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

والثّانِي: لِتَقْصِيرِهِمْ فِيما ألْزَمُوهُ أنْفُسَهم.

والثّالِثُ: لِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ  لَمّا بُعِثَ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُبْتَدِعِي الرَّهْبانِيَّةِ في رَهْبانِيَّتِهِمْ، ما رَعَوْها بِسُلُوكِ طَرِيقٍ أوَّلِيهِمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﴿ وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا: المُؤْمِنُونَ بِعِيسى، والفاسِقُونَ: المُشْرِكُونَ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا: مُبْتَدِعُو الرَّهْبانِيَّةِ، والفاسِقُونَ: مُتَّبِعُوهم عَلى غَيْرِ القانُونِ الصَّحِيحِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ "قَفَّيْنا" مَعْناهُ: جِئْنا بِهِمْ بَعْدَ الأوَّلِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، أيْ: جاءَ بِالثانِي في قَفا الأوَّلِ، فَيَجِيءُ الأوَّلُ بَيْنَ يَدِيِ الثانِي، ومِنهُ القَوافِي الَّتِي تَأْتِي أواخِرَ أبْياتِ الشِعْرِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ تَشْرِيفًا وتَخْصِيصًا، وقَرَأ الحَسَنُ: "الإنْجِيلُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مِثالٌ لا نَظِيرَ لَهُ، و"رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً" مَفْعُولاتُ "جَعَلْنا"، والجَعْلُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: الخَلْقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ابْتَدَعُوها" صِفَةٌ لـ "رَهْبانِيَّةً"، وخَصَّها بِأنَّها ابْتُدِعَتْ لِأنَّ الرَأْفَةَ والرَحْمَةَ في القَلْبِ لا تَكَسُّبَ لِلْإنْسانِ فِيهِما، وأمّا الرَهْبانِيَّةُ فَهي أفْعالٌ بَدَنٍ مَعَ شَيْءٍ في القَلْبِ، فَفِيها مَوْضِعٌ لِلتَّكَسُّبِ، قالَ قَتادَةُ: الرَأْفَةُ والرَحْمَةُ مِنَ اللهِ تَعالى، والرَهْبانِيَّةُ هُمُ ابْتَدَعُوها، والمُرادُ بِالرَأْفَةِ والرَحْمَةِ حُبُّ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ وتَوادُّهُمْ، والمُرادُ بِالرَهْبانِيَّةِ رَفْضُ النِساءِ واتِّخاذُ الصَوامِعِ، والمُعْتَزِلَةِ تُعْرِبُ "رَهْبانِيَّةً" أنَّها نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ "ابْتَدَعُوها" ولَيْسَتْ بِمَعْطُوفَةٍ عَلى الرَأْفَةِ والرَحْمَةِ، ويَذْهَبُونَ في ذَلِكَ إلى أنَّ الإنْسانَ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، فَيُعْرِبُونَ الآيَةَ عَلى هَذا، وكَذَلِكَ أعْرَبَها أبُو عَلِيٍّ.

ورُوِيَ في ابْتِداعِهِمُ الرَهْبانِيَّةَ أنَّهُمُ افْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: فَفِرْقَةٌ قاتَلَتِ المُلُوكَ عَلى الدِينِ فَغُلِبَتْ وقُتِلَتْ، وفِرْقَةٌ قَعَدَتْ في المُدُنِ يَدْعُونَ إلى الدِينِ ويُبَيِّنُونَهُ، ولَمْ تُقاتِلْ، فَأخَذَتْها المُلُوكُ فَنَشَرَتْها بِالمَناشِيرِ، وقُتِلُوا، وفِرْقَةٌ خَرَجَتْ إلى الفَيافِي وبَنَتِ الصَوامِعَ والدِياراتِ، وطَلَبَتْ أنْ تُسْلِمَ عَلى أنْ تَعْتَزِلَ فَتُرِكَتْ وذاكَ وتَسَمَّوْا بِالرُهْبانِ، واسْمُهم مَأْخُوذٌ مِنَ الرَهَبِ وهو الخَوْفُ، فَهَذا هو ابْتِداعُهُمْ، ولَمْ يَعْرِضِ اللهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ، هَذا تَأْوِيلُ أبِي أُمامَةَ وجَماعَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: كَتَبْناها عَلَيْهِمُ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ، فَـ "كَتَبَ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى: قَضى، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا في عُمُومِ المَندُوباتِ؛ لِأنَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ تَعالى بِالقُرْبِ والنَوافِلُ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ، فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا الِاحْتِمالِ- مُتَّصِلٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ﴾ ، مَنِ المُرادُ بِهِ؟

فَقِيلَ: إنَّ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَهْبانِيَّةَ بِأنْفُسِهِمْ لَمْ يَدُومُوا عَلى ذَلِكَ ولا وفَّوْهُ حَقَّهُ، بَلْ غَيَّرُوا وبَدَّلُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، والكَلامُ سائِغٌ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن رَعى، أيْ: لَمْ يَرْعَوْها بِأجْمَعِهِمْ، وفي هَذا التَأْوِيلِ لُزُومُ الإتْمامِ لِكُلِّ مَن بَدَأ بِتَنَقُّلٍ وتَطَوُّعٍ، أنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يَرْعاهُ حَقَّ رِعايَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ لِلْمُلُوكِ الَّذِينَ حارَبُوهم وأجْلَوْهُمْ، وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ لِلْأخْلافِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ المُبْتَدِعِينَ لَها، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "كَتَبْناها عَلَيْهِمْ لَكِنِ ابْتَدَعُوها".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ، مِنَ المُخاطَبِ بِهَذا؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: خُوطِبَ بِهَذا أهْلُ الكِتابِ، فالمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى اتَّقَوْا اللهَ وآمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الصَحِيحُ عَنِ النَبِيِّ  : « "ثَلاثَةٌ يُؤْتِيهِمُ اللهُ أجَرَهم مَرَّتَيْنِ، رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي"» الحَدِيثُ، وقالَ آخَرُونَ: المُخاطَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، قِيلَ لَهُمْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ، أيِ: اثْبُتُوا عَلى ذَلِكَ ودُومُوا عَلَيْهِ، وهَذا هو مَعْنى الأمْرِ أبَدًا لِمَن هو مُتَلَبِّسٌ بِما يُؤْمَرُ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ" أيْ: نَصِيبَيْنِ بِالإضافَةِ إلى ما كانَ الأُمَمُ قَبْلُ يُعْطُونَهُ، قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "كِفْلَيْنِ": ضِعْفَيْنِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِبَعْضِ الأحْبارِ: كَمْ كانَ التَضْعِيفُ لِلْحَسَناتِ فِيكُمْ؟

فَقالَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسُونَ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ضاعَفَ لَنا إلى سَبْعمِائَةٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الصَحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِي «أنَّ اليَهُودَ عَمِلَتْ إلى نِصْفِ النَهارِ عَلى قِيراطَيْنِ، فَلَمّا احْتَجَّتِ اليَهُودُ والنَصارى عن ذَلِكَ وقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ أجْرًا، قالَ تَعالى: "هَلْ نَقَصْتُمْ مِن أجْرِكم شَيْئًا؟

قالُوا: لا، قالَ: فَإنَّهُ فَضْلِي أُوتِيِهِ مَن أشاءُ».

و"الكِفْلُ": الحَظُّ والنَصِيبُ.

و"النُورُ" هُنا إمّا أنْ يَكُونَ وعْدًا بِالنُورِ الَّذِي يَسْعى بَيْنَ الأيْدِي يَوْمَ القِيامَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً لِلْهُدى الَّذِي يَمْشِي بِهِ في طاعَةِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ثم ﴾ للتراخي الترتبي لأن بعثه رسل الله الذين جاءوا بعد نوح وإبراهيم ومن سَبق من ذريتهما أعظمُ مما كان لدى ذرية إبراهيم قبل إرسال الرسل الذين قفّى الله بهم، إذ أرسلوا إلى أمم كثيرة مثل عاد وثمود وبني إسرائيل وفيهم شريعة عظيمة وهي شريعة التوراة.

والتقفية: إتْباع الرسول برسول آخر، مشتقة من القَفا لأنه يأتي بعده فكأنه يمشي عن جهة قفاه، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ﴾ في سورة [البقرة: 87].

والآثار: جمع الأثر، وهو ما يتركه السائر من مواقع رجليه في الأرض، قال تعالى: ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ [الكهف: 64].

وضمير الجمع في قوله: ﴿ على آثارهم ﴾ عائد إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوءة والكتاب، فأما الذين كانت فيهم النبوءة فكثيرون، وأما الذين كان فيهم الكتاب فمثل بني إسرائيل.

و (على) للاستعلاء.

وأصل (قفى على أثره) يدل على قرب ما بين الماشِيين، أي حضر الماشي الثاني قبل أن يزول أثر الماشي الأول، وشاع ذلك حتى صار قولهم: على أثره، بمعنى بعده بقليل أو متصلاً شأنه بشأن سابقه، وهذا تعريف للأمة بأن الله أرسل رسلاً كثيرين على وجه الإجمال وهو تمهيد للمقصود من ذكر الرسول الأخير الذي جاء قبل الإسلام وهو عيسى عليه السلام.

وفي إعادة فعل ﴿ قفينا ﴾ وعدم إعادة ﴿ على آثارهم ﴾ إشارة إلى بُعد المدة بين آخر رسل إسرائيل وبين عيسى فإن آخر رسل إسرائيل كان يونس بن متَّى أرسل إلى أهل نَيْنَوى أول القرن الثامن قبل المسيح فلذلك لم يكن عيسى مرسلاً على آثار من قبله من الرسل.

والإنجيل: هو الوحي الذي أنزله الله على عيسى وكتَبه الحواريون في أثناء ذكر سيرته.

والإِنجيل: بكسر الهمزة وفتحها معرّب تقدم بيانه أول سورة آل عمران.

ومعنى جَعْل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتّبعوه أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها، أو إن ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخَ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى لأنه أمرهم به ويسّره عليهم.

ذلك أن عيسى بُعث لتهذيب نفوس اليهود واقتلاع القسوة من قلوبهم التي تخلقوا بها في أجيال طويلة قال تعالى: ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ في سورة [البقرة: 74].

والرأفة: الرحمة المتعلقة بدفع الأذى والضرّ فهي رحمة خاصة، وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ في سورة [البقرة: 143] وفي قوله: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ في سورة [النور: 2].

والرحمة: العطف والملاينة، وتقدمت في أول سورة الفاتحة.

فعطف الرحمة على الرأفة من عطف العام على الخاص لاستيعاب أنواعه بعد أن اهتم ببعضها.

والرهبانية: اسم للحالة التي يكون الراهب متصفاً بها في غالب شؤون دينه، والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس لأن قياس النسب إلى الراهب الراهبية، والنون فيها مزيدة للمبالغة في النسبة كما زيدت في قولهم: شَعْراني، لكثير الشعر، ولحياني لعظيم اللحية، ورُوحاني، ونَصراني.

وجعل في الكشاف} النون جائية من وصف رُهبان مثل نون خشيان من خشي والمبالغة هي هي، إلا أنها مبالغة في الوصف لا في شدة النسبة.

والهاء هاء تأنيث بتأويل الاسم بالحالة وجعل في «الكشاف» الهاء للمرة.

وأما اسم الراهب الذي نسبت إليه الرهبانية فهو وصف عومل معاملة الاسم، وهو العابد من النصارى المنقطع للعبادة، وهو وصف مشتق من الرهَب: أي الخوف لأنه شديد الخوف من غضب الله تعالى أو من مخالفة دين النصرانية.

ويلزم هذه الحالة في عرف النصارى العزلة عن الناس تجنباً لما يشغل عن العبادة وذلك بسكنى الصوامع والأديرة وترك التزوج تجنباً للشواغل، وربما أوجبت بعض طوائف الرهبان على الراهب تَرك التزوج غلوا في الدين.

وجعل في «الكشاف»: الرهبانية مشتقة من الرهب، أي الخوف من الجبابرة، أي الذين لم يؤمنوا بعيسى عليه السلام من اليهود، وأن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعيسى فقاتلوهم ثلاث مرات فَقُتِلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية وهي ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين اه.

وأول ما ظهر اضطهاد أتباع المسيح في بلاد اليهودية، فلما تفرق أتباع المسيح وأتباعهم في البلدان ناواهم أهل الإِشراك والوثنية من الروم حيث حلّوا من البلاد التابعة لهم فحدثت فيهم أحوال من التقية هي التي دعاها صاحب «الكشاف» بمقاتلة الجبابرة.

فالراهب يمتنع من التزوج خيفة أن تشغله زوجه عن عبادته، ويمتنع من مخالطة الأصحاب خشية أن يلهوه عن العبادة، ويترك لذائذ المآكل والملابس خشية أن يقع في اكتساب المال الحرام، ولأنهم أرادوا التشبه بعيسى عليه السلام في الزهد في الدنيا وترك التزوج، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ ابتدعوها ﴾ ، أي أحدثوها فإن الابتداع الإِتيان بالبدعة والبِدَععِ وهو ما لم يكن معروفاً، أي أحدثوها بعد رسولهم فإن البدعة ما كان محدثاً بعد صاحب الشريعة.

ونصب ﴿ رهبانية ﴾ على طريقة الاشتغال.

والتقدير: وابتدعوا رهبانية وليس معطوفاً على ﴿ رأفة ورحمة ﴾ لأن هذه الرهبانية لم تكن مما شرع الله لهم فلا يستقيم كونها مفعولاً ل ﴿ جعلنا ﴾ ، ولأن الرهبانية عمل لا يتعلق بالقلوب وفعل ﴿ جعلنا ﴾ مقيد ب ﴿ في قلوب الذين اتبعوه ﴾ فتكون مفعولاته مقيدة بذلك، إلا أن يتأول جعلها في القلوب بجعل حبها كقوله تعالى: ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ [البقرة: 93].

وعلى اختيار هذا الإعراب مَضى المحققون مثل أبي علي الفارسي والزجاج والزمخشري والقرطبي.

وجوز الزمخشري أن يكون عطفاً على ﴿ رأفة ورحمة ﴾ .

واتهم ابن عطية هذا الإعراب بأنه إعراب المعتزلة فقال: «والمعتزلة تعرب ﴿ رهبانية ﴾ أنها نصب بإضمار فعل يفسره ﴿ ابتدعوها ﴾ ويذهبون في ذلك إلى أن الإِنسان يخلق أفعاله فيعربون الآية على هذا» اه.

وليس في هذا الإِعراب حجة لهم ولا في إبطاله نفع لمخالفتهم كما علمت.

وإنما عطفت هذه الجملة على جملة ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ﴾ لاشتراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها رضوان الله.

والمعنى: وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم ولكنهم ابتغوا بها رضوان الله فقبلها الله منهم لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم في أحوالهم.

وضمير الرفع من ابتدعوها عائد إلى الذين اتبعوا عيسى.

والمعنى: أنهم ابتدعوا العمل بها فلا يلزم أن يكون جميعهم اخترع أسلوب الرهبانية ولكن قد يكون بعضهم سنها وتابَعَه بقيتهم.

والذين اتبعوه صادق على من أخذوا بالنصرانية كلهم، وأعظم مراتبهم هم الذين اهتدوا بسيرته اهتداء كاملاً وانقطعوا لها وهم القائمون بالعبَادة.

والإِتيان بالموصول وصلته إشعار بأن جعل الرأفة والرحمة في قلوبهم متسبب عن اتباعهم سيرته وانقطاعهم إليه.

وجملة ﴿ ما كتبناها عليهم ﴾ مبينة لجملة ﴿ ابتدعوها ﴾ ، وقوله: ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ احتراس، ومجموع الجمل الثلاث استطراد واعتراض.

والاستثناء بقوله: ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ معترض بين جملة ﴿ ما كتبناها عليهم ﴾ وجملة ﴿ فما رَعَوْها ﴾ .

وهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يشمله حكم العامل في المستثنى منه وإن لم يشمله لفظ المستثنى منه فإن معنى كونه منقطعاً أنه منقطع عن مدلول الاسم الذي قبله، وليس منقطعاً عن عامله، فالاستثناء يقتضي أن يكون ابتغاء رضوان الله معمولاً في المعنى لفعل ﴿ كتبناها ﴾ فالمعنى: لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، أي أن يبتغوا رضوان الله بكل عمل لا خصوص الرهبانية التي ابتدعوها، أي أن الله لم يكلفهم بها بعينها.

وقوله: ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ يجوز أن يكون نفياً لتكليف الله بها ولو في عموم ما يشملها، أي ليست مما يشمله الأمر برضوان الله تعالى وهم ظنوا أنهم يرضون الله بها.

ويجوز أن يكون نفياً لبعض أحوال كتابة التكاليف عليهم وهي كتابة الأمر بها بعينها فتكون الرهبانية مما يبتغَى به رضوان الله، أي كتبوها على أنفسهم تحقيقاً لما فيه رضوان الله، فيكون كقوله تعالى: ﴿ إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ﴾ [آل عمران: 93]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " شَدّدوا فشدّد الله عليهم " في قصة ذبح البقرة.

وهذا هو الظاهر من الآية.

وانتصب ﴿ إِلاَّ ﴾ على المفعول به لفعل ﴿ مَا ﴾ ، ولك أن تجعله مفعولاً لأجله بتقدير فعل محذوف بعد حرف الاستثناء، أي لكنهم ابتدعوها لابتغاء رضوان الله.

وفي الآية على أظهر الاحتمالين إشارة إلى مشروعية تحقيق المناط وهو إثبات العلة في آحاد جزئياتها وإثباتُ القاعدة الشرعية في صورها.

وفيها حجة لانقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة بحسب اندراجها تحت نوع من أنواع المشروعية فتعْتريها الأحكام الخمسة كما حققه الشهاب القرافي وحذاق العلماء.

وأما الذين حاولوا حصرها في الذم فلم يجدوا مصرفاً.

وقد قال عمر لما جمع الناس على قارئ واحد في قيام رمضان «نعمت البدعة هذه».

وقد قيل: إنهم ابتدعوا الرهبانية للانقطاع عن جماعات الشرك من اليونان والروم وعن بطش اليهود، وظاهر أن ذلك طلب لرضوان الله كما حكى الله عن أصحاب الكهف ﴿ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ﴾ [الكهف: 16].

وفي الحديث: " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتتبع بها شَعَف الجبال ومواقعَ القَطر يَفرّ بدينه من الفِتَن "، وعليه فيكون تركهم التزوج عارضاً اقتضاه الانقطاع عن المدن والجماعات فظنه الذين جاءوا من بعدهم أصلاً من أصول الرهبانية.

وأما ترك المسيح التزوج فلعله لعارض آخر أمره الله به لأجله، وليس ترك التزوج من شؤون النبوءة فقد كان لجميع الأنبياء أزواج قال تعالى: ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ [الرعد: 38.] وقيل: إن ابتداعهم الرهبانية بأنهم نذروها لله وكان الانقطاع عن اللذائذ وإعناتُ النفس من وجوه التقرب في بعض الشرائع الماضية بقيت إلى أن أبطلها الإسلام في حديث النذر في «الموطأ» «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس صامتاً فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل وأن يصوم يومه فقال: مُروه فليتكلمْ وليستظل وليُتِمَّ صومه إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغني».

وقد مضى في سورة [مريم: 26] قوله تعالى: ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً ولا تنافي بين القولين لأن أسباب الرهبانية قد تتعدد باختلاف الأديان.

﴾ وقد فُرع على قوله: ﴿ ابتدعوها ﴾ و ﴿ ما كتبناها عليهم ﴾ وما بعده قوله: ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أي فترتب على التزامهم الرهبانية أنهم، أي الملتزِمين للرهبانية ما رعوها حق رعايتها.

وظاهر الآية أن جميعهم قصروا تقصيراً متفاوتاً، قصروا في أداء حقها، وفيه إشعار بأن ما يكتبه الله على العباد من التكاليف لا يشق على الناس العمل به.

والرعي: الحفظ، أي ما حفظوها حق حفظها، واستعير الحفظ لاستيفاء ما تقتضيه ماهية الفعل، فالرهبانية تحوم حول الإِعراض عن اللذائذ الزائلة وإلى التعود بالصبر على ترك المحبوبات لئلا يشغله اللهو بها عن العبادة والنظرِ في آيات الله، فإذا وقع التقصير في التزامها في بعض الأزمان أو التفريط في بعض الأنواع فقد انتفى حق حفظها.

و ﴿ حق رعايتها ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي رعايتها الحق.

وحق الشيء: هو وقوعه على أكمل أحوال نوعه، وهو منصوب على المفعول المطلق المبين للنوع.

والمعنى: ما حفظوا شؤون الرهبانية حفظاً كاملاً فمصبّ النفي هو القيد بوصف ﴿ حق رعايتها ﴾ .

وهذا الانتفاء له مراتب كثيرة، والكلام مسوق مساق اللوم على تقصيرهم فيما التزموه أو نذروه، وذلك تقهقر عن مراتب الكمال وإنما ينبغي للمتقي أن يكون مزداداً من الكمال.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أحب الدين إلى الله أدْوَمه».

وقوله: ﴿ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ﴾ تفريع على جملة ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ﴾ إلى آخره وما بينهما استطراد.

والمراد ب ﴿ الذين آمنوا ﴾ المتصفون بالإِيمان المصطلح عليه في القرآن، وهو توحيد الله تعالى والإِيمانُ برسله في كل زمان، أي فآتينا الذين آمنوا من الذين اتبعوه أجرهم، أي الذين لم يخلطوا متابعتهم إياه بما يفسدها مثل الذين اعتقدوا إلهية عيسى عليه السلام أو بنوتَه لله، ونحوهم من النصارى الذين أدخلوا في الدين ما هو مناقض لقواعده وهم كثير من النصارى كما قال: ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ .

والمراد بالفسق: الكفر وهذا ثناء على المؤمنين الصادقين ممن مضوا من النصارى قبل البعثة المحمدية وبلوغ دعوتها إلى النصارى، وادعاؤهم أنهم أتباع المسيح باطل لأنهم ما اتبعوه إلا في الصورة والذين أفسدوا إيمانهم بنقض حصوله هم المراد بقوله تعالى: ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ ، أي وكثير من الذين التزموا دينه خارجون عن الإِيمان، فالمراد بالفسق ما يشمل الكفر وما دونه مثل الذين بدلوا الكتاب واستخفوا بشرائعه كما قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ﴾ [التوبة: 34].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّأْفَةَ اللِّينُ، والرَّحْمَةَ الشَّفَقَةُ.

الثّانِي: أنَّ الرَّأْفَةَ تَخْفِيفُ الكَلِّ، والرَّحْمَةَ تَحَمُّلُ الثُّقْلِ.

﴿ وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما بِفَتْحِ الرّاءِ وهي الخَوْفُ مِنَ الرَّهْبِ.

الثّانِيَةُ: بِضَمِّ الرّاءِ وهي مَنسُوبَةٌ إلى الرُّهْبانِ ومَعْناهُ أنَّهُمُ ابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَؤُوها.

وَسَبَبُ ذَلِكَ ما حَكاهُ الضَّحّاكُ: [أنَّهُمْ] بَعْدَ عِيسى ارْتَكَبُوا المَحارِمَ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ فَأنْكَرَها عَلَيْهِمْ مَن كانَ عَلى مِنهاجِ عِيسى فَقَتَلُوهم، فَقالَ قَوْمٌ بَقَوْا بَعْدَهُمْ: نَحْنُ إذا نَهَيْناهم قَتَلُونا، فَلَيْسَ يَسَعُنا المُقامُ بَيْنَهم، فاعْتَزَلُوا النِّساءَ واتَّخَذُوا الصَّوامِعَ، فَكانَ هَذا ما ابْتَدَعُوهُ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْها مَن تَقَدَّمَهم وإنْ كانُوا فِيها مُحْسِنِينَ.

﴿ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِمْ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها رَفْضُ النِّساءِ واتِّخاذُ الصَّوامِعِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها لُحُوقُهم بِالجِبالِ ولُزُومُهُمُ البَرارِي، ورُوِيَ فِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ.

الثّالِثُ: أنَّها الِانْقِطاعُ عَنِ النّاسِ والِانْفِرادُ بِالعِبادَةِ.

وَفِي الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ الَّتِي جَعَلَها في قُلُوبِهِمْ وجْهانِ: [الأوَّلُ]: أنَّهُ جَعَلَها في قُلُوبِهِمْ بِالأمْرِ بِها والتَّرْغِيبِ فِيها.

الثّانِي: جَعَلَها بِأنْ خَلَقَها فِيهِمْ وقَدْ مُدِحُوا بِالتَّعْرِيضِ بِها.

﴿ ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ ﴾ أيْ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ابْتِداعِها ولا كُتِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّهم تَطَوَّعُوا بِها بِابْتِداعِها، ثُمَّ كُتِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ما رَعَوْها لِتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ.

الثّانِي: بِتَبْدِيلِ دِينِهِمْ وتَغْيِيرِهِمْ فِيهِ قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ  ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ قال: العدل.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ﴾ قال: جنة وسلاح.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وأنزلنا الحديد ﴾ الآية قال: إن أول ما أنزل الله من الحديد الكلبتين والذي يضرب عليه الحديد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن الأيام فقال: السبت عدد، والأحد عدد، والاثنين يوم تعرض فيه الأعمال، والثلاثاء يوم الدم، والأربعاء يوم الحديد ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ﴾ والخميس يوم تعرض فيه الأعمال، والجمعة يوم بدأ الله الخلق وفيه تقوم الساعة.

قوله تعالى: ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ﴾ الآية.

أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر من طرق «عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله: قلت: لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال: هل تدري أي عرا الإِيمان أوثق؟

قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أوثق عرا الإِيمان الولاية في الله بالحب فيه والبغض فيه، قال: هل تدري أي الناس أفضل؟

قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أفضل الناس عملاً إذا تفقهوا في الدين، يا عبد الله هل تدري أي الناس أعلم؟

قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً بالعمل، وإن كان يزحف على استه، واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فِرْقةً نجا منها ثلاث وهلك سائرها فُرْقَةً، وزت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال، وترهبوا فيها وهم الذين قال الله: ﴿ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ﴾ الذين آمنوا بي وصدقوني ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ الذين كفروا بي وجحدوني» .

وأخرج النسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإِنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرأون التوراة والإِنجيل فقيل لملوكهم: ما نجد شيئاً أشد من شتم يشتمنا هؤلاء انهم يقرؤون ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [ المائدة: 44] ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ [ المائدة: 45] ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ﴾ [ المائدة: 47] مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإِنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟

دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئاً ترفع به طعامنا وشرابنا، ولا ترد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل منه الوحوش ونشرب مما تشرب فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا وقالت طائفة: ابنوا لنا ديوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول، فلا نَرِد عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك فأنزل الله: ﴿ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ﴾ قال: والآخرون ممن تعبد من أهل الشرك وفني من قد فني منهم قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان ونتخذ ديوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإِيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبق منهم إلا القليل انحط صاحب الصومعة من صومعته، وجاء السائح من سياحته وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ أجرين بإيمانهم بعيسى ونصب أنفسهم والتوراة والإِنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ القرآن واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو يعلى عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ﴿ رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ﴾ » .

وأخرج البيهقي في الشعب عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن جبير عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه وابن نصر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن الله كتب عليكم صيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه، فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابهم الله بتركها وتلا هذه الآية ﴿ ورهبانية ابتدعوها ﴾ .

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ورهبانية ابتدعوها ﴾ قال: ذكر لنا أنهم رفضوا النساء واتخذوا الصوامع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم، إلى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ قال ابن عباس يريد الحواريين وأتباعهم (١) ﴿ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ قال مقاتل (٢)  - بقوله ﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ هي اسم مبني من الرهبة، وقد مضى الكلام في تفسير الرهبان (٣) (٤) وقال أبو علي: قوله: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ محمول على فعل، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا (٥) (٦) ومعنى ﴿ ابْتَدَعُوهَا ﴾ جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو معنى قوله: ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم (٧) ومعنى رهبانيتهم غلوهم في العبادة من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح، والتعبد في الغيران والكهوف والديارات والصوامع، وسبب ذلك على ما قال المفسرون: أن ملوكهم بدلوا غيروا وأحدثوا أحداثًا في دينه وقاتلوهم الذين بقوا على دينهم، فقتل منهم الكثير ولم يبق إلا نفر قليل، فذهب هؤلاء النفر وخرجوا إلى البراري والجبال متبتلين، وابتدعوا الرهبانية (٨) قوله تعالى: ﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد طلبوا رضي الله (٩) وقال قتادة: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (١٠) وقال أبو إسحاق: ويكون ﴿ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾ بدلاً من الهاء والألف (١١) (١٢) (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ذكرهم الله ووصفهم بتصنع الرهبانية وترك رعايتها هم قوم كفروا بدين عيسى وتهودوا وتنصروا من هؤلاء الذين أحدثوا الرهبانية ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب وهو قول مقاتل، قال: لم يرعوها ولا أحسنوا حين تهودوا وتنصروا فأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا -  - فآمنوا به، فهو قوله: ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ الذين تهودوا وتنصروا (١٥) ونحو هذا روى ابن مسعود عن النبي -  - قال: "منهم من تمسك بدينه وهم الذين قال الله ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ ومنهم من كفر، وهو قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ (١٦) (١٧) القول الثاني: أن الذين لم يرعوها حق رعايتهم (١٨)  - ولم يؤمنوا به (١٩) قوله تعالى: ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ أي آمنوا بمحمد -  -، ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا به، يدل على هذا ما روي أن النبي -  - قال: "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون" (٢٠) القول الثالث: أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرض على ذلك طائفة منهم، وخلف بعدهم قوم اقتدوا بهم ولم يكونوا على منهاجهم، فهم الذين لم يرعوها حق رعايتها وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد (٢١) قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون وأتباعهم (٢٢) وقال سعيد: ابتدعها (٢٣) ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ يعني الذين ابتدعوها ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ الذين جاؤا من بعدهم (٢٤) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 262.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 30.

(٣) الآية (40) من سورة البقرة.

رهب، يرهب، رهبًا: أي خاف، والراهب: المتعبد في الصومعة.

وأصل الرهبانية من الرهبة ثم صارت اسمًا لما فضل عن المقدار وأفرط فيه.

"اللسان" 1/ 1237 (رهب).

(٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.

(٥) في (ك): (جعلها).

(٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 245، و"فتح القدير" 5/ 178.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263، ونسبه لابن زيد.

(٨) انظر: "جامع البيان" 27/ 138، سنن النسائي، كتاب آداب القضاة، باب: تأويل قوله -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، و"معالم التنزيل" 4/ 103، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 315 - 316.

(٩) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"التفسير الكبير" 29/ 246.

(١٠) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 138.

(١١) من الهاء والألف في (كتبناها).

(١٢) في (ك): (أمره).

(١٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.

(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 363.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 246.

(١٦) هذا الحديث ذكره المؤلف بالمعنى، وهو حديث طويل أخرجه الحاكم في كتاب التفسير، سودة الحديد.

وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقال الذهبي: قلت ليس بصحيح فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث.

== قال البخاري: وفي كتاب "السنة" لابن أبي عاصم 1/ 35، وقال عنه محققه: إسناده ضعيف جدًّا، ورجاله ثقات غير عقيل الجعدي، فإنه ضعيف جدًّا كما يفيده قول البخاري فيه: منكر الحديث.

قال: والحديث أخرجه الطبراني في الصغير والكبير والحاكم في "صحيحه"، ورده الذهبي بالجعدي، لكن للحديث في كبير الطبراني إسناد آخر عن ابن مسعود خير من هذا.

(١٧) انظر: "الكشف والببان" 12/ 71 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 301، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263.

(١٨) كذا في (ك)، ولعل الصواب (رعايتها).

(١٩) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.

(٢٠) جزء من الحديث السابق، وقد أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 71 ب، وفي سنده: عقيل الجعدي أيضًا.

(٢١) انظر: "جامع البيان" 27/ 138.

(٢٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.

(٢٣) كذا في (ك) ولعل الصواب (ابتدعها).

(٢٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 3012، غرائب القرآن 27/ 141.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَفَّيْنَا ﴾ ذكر في [القرة: 87] ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ هذه ثناء عليهم بمحبة بعضهم في بعض كما وصف أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بأنهم رحماء بينهم ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها ﴾ الرهبانية هي الانفراد في الجبال، والانقطاع عن الناس في الصوامع، ورفض النساء وترك الدنيا، ومعنى ابتدعوها أي أحدثوها من غير أن يشرعها الله لهم، وإعراب رهبانية معطوف على رأفة ورحمة أي جعل الله في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية، وابتدعوها صفة للرهبانية، والجعل هنا بمعنى الخلق.

والمعتزلة يعربون رهبانية مفعولاً بفعل مضمر يفسره ابتدعوها؛ لأن مذهبهم أن الإنسان يخلق أفعاله، فأعربوها على مذهبهم، وكذلك أعربها أبو علي الفارسي وذكر الزمخشري الوجهين ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله ﴾ كتبنا هنا بمعنى، فرضنا وشرعنا وفي هذه قولان: أحدهما أن الاستنثاء منقطع، والمعنى ما كتبنا عليهم الرهبانية، ولكنهم فعلوها من تلقاء أنفسهم، ابتغاء رضوان الله، والآخر أن الاستئناف متصل والمعنى كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله والأول أرجح لقوله: ﴿ ابتدعوها ﴾ ولقراءة عبد الله بن مسعود: ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ أي لم يدوموا عليها، ولم يحافظوا ابتدعوا الرهبانية وكان يجب عليهم إتمامها، وإن لم يكتبها الله سبحانه وتعالى عليهم، لأن دخل في شيء من النوافل يجب عليه إتمامه وقيل: الضمير لمن جاء بعد الذين ابتدعوا الرهبانية من أتباعهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أخذ ﴾ مجهولاً ﴿ ميثاقكم ﴾ بالرفع: أبو عمرو ﴿ وكل ﴾ بالرفع: ابن عامر ﴿ انظرونا ﴾ من الأنظار: حمزة ﴿ الأماني ﴾ بسكون الياء: يزيد ﴿ لا تؤخذ ﴾ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وما نزل ﴾ بالتشديد مجهولاً: عباس ﴿ نزل ﴾ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص.

الباقون: بالتشديد ﴿ ولا تكونوا ﴾ على الخطاب: رويس ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد ﴿ بما أتاكم ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

الوقوف: ﴿ الأرض ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال أن يكون قوله ﴿ يحيى ﴾ مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله ﴿ له ﴾ والجار عاملاً فيها.

﴿ ويميت ﴾ ج ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والباطن ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ كنتم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ في الليل ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ وقاتل ﴾ ط ﴿ وقاتلوا ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله ﴿ وله أجر ﴾ أو بقوله ﴿ بشراكم ﴾ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج وإن وصل وقف على ﴿ نوركم ﴾ لأن ﴿ يوم ﴾ قد يتعلق بالنور فيوقف على ﴿ نوركم ﴾ وقد يتعلق بقوله ﴿ قيل ارجعوا ﴾ ﴿ نوراً ﴾ ط ﴿ باب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ على النهي ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الصديقون ﴾ ه والوصل أولى ومن وقف على ﴿ الصديقين ﴾ لم يقف على ﴿ ربهم ﴾ ﴿ ونورهم ﴾ ط ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ والأولاد ﴾ ط ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ ورضوان ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ نبرأها ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا ﴿ أتاكم ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالبخل ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ مهتد ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر ﴿ رعايتها ﴾ ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله ﴿ فآتينا ﴾ ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله ﴿ فمنهم مهتد ﴾ ﴿ أجرهم ﴾ ه ط لما مر ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو ﴿ سبحان ﴾ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي.

وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله  مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد.

وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه.

قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان.

وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل.

قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال.

وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه  قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً.

والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب  على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو.

قلت: إنه  متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة.

أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً.

قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع.

وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ } [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " " لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له.

وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب  ، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة.

قال: أما البحث عن كونه  آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه  يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه  إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً.

فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة.

إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه  وذلك محال.

وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه.

وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير.

قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه.

قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية.

وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً.

قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين.

واختلفوا في معنى كونه  آخراً على وجوه أحدها: أنه  يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ.

قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً.

وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً.

أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً.

وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة.

قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة.

ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب.

قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس.

وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو  أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه  ، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله  لحلها وبيانها فالشكر على آلائه.

أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده.

والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً.

وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي.

قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به.

وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله ﴿ يعلم ما يلج ﴾ فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة.

وقوله ﴿ وهو معكم ﴾ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله ﴿ يحي ويميت ﴾ والثاني في العقبى لقوله ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ قوله ﴿ مستخلفين فيه ﴾ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله  لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين.

قوله ﴿ لا تؤمنون ﴾ حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع.

والواو في قوله ﴿ والرسول ﴾ للحال من ضمير ﴿ لا تؤمنون ﴾ فهما حالان متداخلتان.

وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه.

استدل القاضي بقوله ﴿ وما لكم ﴾ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض.

والبحث في أمثاله مذكور في مواضع.

والضمير في قوله ﴿ ليخرجكم ﴾ لله  أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ﴾ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله ﴿ أولئك ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله  " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" " ﴿ أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.

ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله.

وقد مر في أواخر "البقرة".

قال أهل السنة: إنه  كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة.

وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة.

وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه.

ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال ﴿ يوم ترى ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه.

عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك.

هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله  .

وإنما قال ﴿ بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.

ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة ﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ قوله ﴿ يوم يقول ﴾ بدل من قوله ﴿ يوم ترى ﴾ ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً.

قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه  يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين ﴿ انظرونا ﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار.

قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل.

ومن قرأ ﴿ انظرونا ﴾ أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم.

قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله.

ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء.

ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار ﴿ قيل ارجعوا وراءكم ﴾ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا ﴿ فالتمسوا نوراً ﴾ بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف ﴿ باطنه ﴾ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿ فيه الرحمة وظاهره ﴾ وهو ما ظهر لأهل النار ﴿ من قبله ﴾ أي من جهته ﴿ العذاب ﴾ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله ﴿ بسور ﴾ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ﴿ ألم نكن معكم ﴾ مرافقتهم في الظاهر.

ومعنى ﴿ فتنتم ﴾ محنتم ﴿ أنفسكم ﴾ بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وتربصتم ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وارتبتم ﴾ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد  أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ بكثرة الآمال وطول الآجال ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار ﴿ وغرّكم بالله ﴾ الشيطان ﴿ الغرور ﴾ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية ﴾ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ في الظاهر.

فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم.

قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم".

قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي  بقوله  " من كنت مولاه فعلى مولاه" " فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً.

قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال.

قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى.

وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله  ﴿ يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء.

قوله  ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته.

قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع.

وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين.

روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية.

وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.

وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين.

وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة.

وقوله ﴿ لذكر الله ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن ﴿ وما نزل من الحق ﴾ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء.

ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة.

ومن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ بالتاء الفوقانية فهي الناهية.

ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع.

وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي  ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر.

قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق.

قوله ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض ﴾ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات.

ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله ﴿ إن المصدقين ﴾ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.

والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك.

وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب.

ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه.

وقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله.

ثم حث على الجهاد بقوله ﴿ والشهداء ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ عند ربهم ﴾ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ ويجوز أن يكون قوله ﴿ عند ربهم ﴾ حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر.

وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ومن جعل ﴿ الشهداء ﴾ عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.

قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد.

وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.

وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده.

وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه.

وعن الأصم.

إن المؤمن قائم لله  بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة.

ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه.

ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون".

ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس.

ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للكافرين ﴿ ومغفرة من الله ورضوان ﴾ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة.

فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك ﴿ أعدت للمتقين الذين ينفقون  ﴾ إلأى آخره.

وههنا قال ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به.

وفي لفظ ﴿ سابقوا ﴾ ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ ﴿ سارعوا ﴾ هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ أي لا يوجد مصيبة ﴿ في الأرض ﴾ من القحط والوباء والبلاء ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ من المرض والفتن ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال " جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " ولم يقل إلى الأبد.

وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله  ﴾ والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله ﴿ اعلموا إنما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخره قوله ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات ﴿ إن ذلك ﴾ الإثبات أو الحفظ ﴿ على الله يسير ﴾ وإن كان عسيراً على غيره.

ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً ﴿ لكيلا تأسوا ﴾ أي لكيلا تحزنوا ﴿ على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه.

روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر.

والباقي ظاهر وقد مر في النساء.

والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ﴿ ومن يتول ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن طاعة المطيعين ﴿ الحميد ﴾ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد  وبخلوا ببيان نعته.

ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم.

يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به.

وروي عن النبي  أن الله  أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض.

أنزل الحديد والنار والماء والملح.

وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً".

وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه.

أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً.

وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق.

وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف.

وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر.

واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة.

وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة.

وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد.

وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة.

أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف.

وسابعها الكتاب للعلماء.

والميزان للعوام والسيف للملوك.

قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها.

أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة.

أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها.

ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل.

قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس.

قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله ﴿ وليعلم الله ﴾ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها.

ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم.

قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.

وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي.

عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في ﴿ فمنهم ﴾ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال.

والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله  في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد  ﴿ رحماء بينهم  ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على ﴿ جعلنا ﴾ لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل.

مجعولاً لله  ؟

قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي  قال "يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى  وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ﴾ " الآية قال العلماء: لم يرد الله  بقوله ﴿ ابتدعوها ﴾ طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها.

والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي.

وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب.

وقوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله.

وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج.

وفي قوله ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً  فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية.

وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد  بعد أن استقاموا على الطريقة.

ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون.

ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بعيسى ﴿ اتقوا الله وآمنوا برسوله ﴾ محمد  ﴿ يؤتكم كفلين ﴾ نصيبين ﴿ من رحمته ﴾ لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد  ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ وهو النور المذكور في قوله ﴿ يسعى نورهم ﴾ أو النور المذكور في قوله ﴿ أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس  ﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد  والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله  يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين  ﴾ وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة.

ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية.

قوله ﴿ لئلا يعلم ﴾ الآية.

أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم ﴿ أهل الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين.

والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد  فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ وقيل: غير زائدة والضمير في ﴿ لا يقدرون ﴾ للرسول وأصحابه.

والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي  والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً  ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أرسلنا بما يبين ويوضح أنهم رسل الله، وأن تلك الآيات التي أتوا بها من عند الله لا باختراع من عندهم؛ لما هي خارجة عن وسع البشر.

والثاني: ما يبين صدق الرسل في خبرهم، وعدلهم في حكمهم، أو يبين ما لهم وما عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ، وقال في ية أخرى: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ  ﴾ ، ثم يحتمل ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ : الموازين المعروفة التي بها تستوفى الحقوق فيما بين الناس، وبها يوفَّى وبها تحفظ حقوق الأموال التي بينهم وحدودها.

فإن كان المراد هذا فكانه قال: وأنزلنا معهم الكتاب الذي به يحفظ الدين وحدوده، والميزان الذي به يحفظ حدود الأموال، لا يزاد على الحق، ولا ينقص منه، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد بالميزان: الحكمة؛ إذ ذكره على إثر الكتاب؛ كقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ ؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ ؛ فيكون الكتاب ما يحفظ حدود الأفعال والأقوال، وتكون الحكمة ما يقوم الناس بها بالقسط.

أو أن تكون الحكمة ما أودع في الكتاب من المعاني.

وقال الحسن في قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ : إنهما واحد.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أنزل ما ذكر من الكتاب والميزان؛ ليلزم الناس القيام بالعدل، وقد ألزمهم ذلك بما أنزل عليهم من الكتاب والميزان وبين الحدود.

والثاني: أنزل ما ذكر؛ ليقوم الناس بالقسط؛ على وجود القيام بالعدل.

فإن كان المراد منه الوجود فهو راجع إلى خاص من الناس، وإن كان على الإلزام فهو راجع إلى الكل وهو كقوله  : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ، فإن كان على وجود العبادة فهو يرجع إلى خاص من الناس، وإن كان المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ، أي: لأمرهم وإلزامهم فهو للك؛ فإنه قد خلقهم ليأمرهم ويلزمهم، وقد أمرهم وألزمهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ ، خص الله  ذكر الحديد بما جعل فيه من البأس من بين غيره من الأشياء، وإن كان يشاركه غيره في احتمال الأذى والضرر به مما يطعن به فينفذ ويضرب به، ويستعمل في الحروب والقتال؛ [لأمرين:] أحدهما: أنه هو الكامل في الظفر والنفاذ والجرح، وإن كان قد يتحقق من غيره؛ ولذلك اعتاده الناس آلة القتال والحرب؛ فيكون البأس فيه أشد.

والثاني: لما يتحصن به باتخاذ الدرع؛ لقوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ  ﴾ ؛ لهذا اختص الحديد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ جعل الله  في الحديد منافع ليست تلك في غيره، وهو ما يتخذ منه ما يحرز به ويخاط من الخفاف وغيره، مما لا يحتمل هذا النوع لغيره، وكذلك حوائج الخلق لا تقوم في سائر أنواع الحرف والأعمال من التجارة والزارعة والبناء وغيرها [إلا به].

وفيه خصوصية في حق المحن، وهو ما يظهر عند فرض القتال صدق إيمان المحقق ونفاق المرتاب؛ بقوله: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً  ﴾ ، ونحو ذلك، فظهر الصادق من الكاذب في الحروب، وإنما ذلك بالحديد؛ فصار مخصوصا في حق المحنة وغيرها من المنافع، حتى لا يلتثم أمر من أمور المعاش إلا به؛ فلذلك خص، والله أعلم.

وقال أهل التأويل: أنزل من السماء المطرقة والفلاة والكلبتين.

وعندنا ليس على حقيقة الإنزال من السماء كذلك.

ومعنى قوله  : ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ ﴾ ، أي: خلقنا؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ ، أي: خلقها، وقوله  : ﴿ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ومعلوم أنه لم ينزل اللباس على ما هو عليه؛ ولكن معناه: خلقه لباسا لهم؛ كذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ﴾ يحتمل ﴿ مَن يَنصُرُهُ ﴾ أي: دينه أو أراد بإضافة النصر إلى نفسه نصر رسوله محمد وسائر رسله عليهم الصلاة والسلام.

ثم نصر الرسل مرة يكمون بتبليغ ما أمروا إلى قومهم، ينصرونهم، ويعينونهم على ذلك، ونصر دينه إظهاره في الخلق والذب عن أهله المعونة لهم؛ هذا يحتمل، وعلى هذا يخرج قوله  : ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد من إضافة النصر إليه نصر أنفسهم ودينهم، إذ هم المنتفعون بذلك، ولهم يحصل ذلك النفع وتلك المعونة، لكنه بفضله وكرمه، سمى ذلك: نصره، وأضافه إلى نفسه، على ماجعل لأعمالهم التي يعملونها لأنفسهم ثوابا، وذكر لهم على ذلك أجرا، كأنهم عاملون له، وهم المنتفعون بها، المحتاجون إليها، فعلى ذلك جائز أن يكون ما عملوا لأنفسهم سماه: نصرا له وإن كان ذلك النصر لهم، وأنه ناصر الكل؛ حيث قال: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ ، أخبر إنه إذا نصرهم لا غالب لهم سواه، وإذا خذلهم لا ناصر لهم دونه، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ليعلم من قد علم أنه ينصر: ناصراً وليعلم من قد علم بالغيب أنه يكون كائنا شاهدا، والتغيير على المعلوم لا على العلم.

والثاني: يريد بالعلم المعلوم، وذلك جائز في اللغة، ذكر العلم والفعل على إرادة المعلوم والمفعول؛ نحو مايقال: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله؛ لأن الصلاة لا تكون أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ﴾ ذكر هذا؛ ليعلم أنه لم يأمر فيما أمرهم من القتال والنصر لحاجة نفسه، ولا استعملهم فيما استعمل من النصر والمعونة لنفسه، ولا أن يكتسب بذلك العز لنفسه؛ حيث أخبر أنه قوي بنفسه عزيز بذاته، ولكن أمرهم بما أمر، واستعملهم فيما استعمل؛ لنصر أنفسهم ولقوتهم، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ ﴾ ، وإنما ذكر نوحا وإبراهيم - والله أعلم - لما أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب؛ وإلا قد ذكر الرسل بجملتهم في قوله  : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ؛ فدخل نوح وإبراهيم - عليهما السلام - في قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، ثم ذكر أن منهم من اهتدى - أي: من قومهم - وكثير منهم فاسقون بقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَفَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، يخبر رسوله عليه الصلاة والسلام أنه قد كان في قومهم من اتبعهم؛ فصاروا مهتدين، ومنهم من ترك اتباعهم، وخرجوا من أمر الله؛ فصاروا فاسقين، يصبره، ويسكن قلبه على ما كان في قوم من تقدم من الرسل من المجيبين لرسله والتاركين للإجابة كقومك، أي: لست أنك بأول من كذب ورد قوله؛ تعنتا وعنادا، والله الهادي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا ﴾ أخبر أنه جعل في ذريتهما النبة والكتاب، وبعث منهم رسلا.

ذكر في الآية الأولى أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولم يذكر الرسالة، وذكر في هذه الآية الرسالة فيهم وفي ذريتهم، أي: أسلنا رسولا على أثر رسول، وأتبعنا بعضهم بضعا: من قفا يقفو.

ثم ذكر أنه قفى بعيسى بن مريم؛ لأن عيسى -  - من أولاد إسحاق -  - وبعث محمدا  من بعد، وهو من ولد إسماعيل،  .

وقال بعض أهل التأويل: وقفينا أي أتبعنا، ويقال: قفيت فلانا، أي: عينته وسميته، وقفوته أقفوه قفوا وقفيا، واقتفيت به، أي: لزمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ ، وصف الله  الذين اتبعوا الرسل وآمنوا بهم بالرحمة والرأفة فيما بينهم، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ ، وققال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك؛ وذلك لأن السبب الذي جمعهم واحد، وهو التوحيد والإسلام.

قي: كيف وقع بينهم من العداوة والبغضاء ما وقع وسبب الجمع قائم، حتى استحل بعضهم قتال بعض من نحو الخوارج والمعتزلة؟

قيل: إنما وقع ذلك فيما بينهم وإن كان سبب الجمع قائما؛ لما كانت تلك الألفة والرأفة بلطف من الله  ، وقد زال ذلك اللطف وارتفع، وحديث بينهم ما حدث.

أو نقول: إن الخوارج قد أحدثوا من أنفسهم أشياء حتى سموا المسلمين كفرة بما ارتكبوا الكبائر، حتى نصبوا القتال والحرب معهم، وكذلك المعتزلة سموا أصحاب الكبائر: فسقة وفجرة ومنزلتهم بين الكفر والإيمان ومن سمّى آخر: كافرا أو فساقا، فلا شك أن يحدث بينهما عداوة وتباغض، فما حدث بيننا وبينهم من العداوة بتسيمتهم إيانا فسقة وفجرة وكفرة بارتكاب الكبائر، وإن كان السبب الذي جمعهم قائما عندنا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية، ذكر في القصة أن في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - كان من بني إسرائيل ملوك غيروا التوراة والإنجيل، وبقي منهم أناس مؤمنون بعيسى -  - ويعملون بما في الكتب، فهم هؤلاء الملوك أن يقتلوهم لإبائهم اتباعهم والعود إلى مذهبهم، فخرجوا من بينهم، فترهبوا؛ رجاء أن يتخلصوا منهم، فذلك ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: فرضنا عليهم تلك الرهبانية، ولم نأمرهم بها، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة أن يطلبوا رضوان اله فابتدعوا تلك الرهبانية؛ رجاء أن يكون فيه رضوان الله، والله أعلم.

قال: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ ، أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم يكتب عليهم، ثم ذكر أنهم لم يرعوه حق رعايته، ذمهم، لتركهم الرعاية لما بتدعوه، ففيه دلالة أن من افتتح أمراً لم يفرض عليه من صلاة أو صوم أو نحو ذلك، ثم لميقم بوفائه وإتمامه، لحقه ذم كما لحق هؤلاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أخبر أن الذين آمنوا وثبتوا على الإيمان أنه يؤتيهم أجرهم، أي يوجب لهم أجرهم، ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كافرون.

كذلك ذكر في حرف ابن مسعود  : (وكثير منهم كافرون).

وذكر أن بعضا بعدما ترهبوا اشتد عليهم الترهيب؛ فعادوا، ورجعوا، ودخلوا في دين أولئك الملوك، والله أعلم.

قال القتبي: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ : أي: العبادة، يعني: الخوف.

و ﴿ ٱبتَدَعُوهَا ﴾ الابتداع أن تفعل شيئا لم يفعل قبلك، يقال منه: أبدعت، وابتدعت، وبدعت أيضا.

وقيل: الرهبانية اسم مبني من الرهبة، لما فرط فيه وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ  ﴾ ويقال: دين الله بين المقصر والغالي.

وقوله: ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: ما أمرناهم بها، ولله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم أتبعنا رسلنا، فبعثناهم تَتْرَى إلى أممهم، وأتبعناهم بعيسى بن مريم وأعطيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين آمنوا به واتبعوه رأفة ورحمة، فكانوا متوادِّين متراحمين فيما بينهم، وابتدعوا الغلو في دينهم، فتركوا بعض ما أحل الله لهم من النكاح والملاذ، ولم نطلب منهم ذلك، وإنما ألزموا به أنفسهم؛ ابتداعًا منهم في الدين، وإنما طلبنا اتباع مرضاة الله فلم يفعلوا، فأعطينا الذين آمنوا منهم ثوابهم، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله بالتكذيب بما جاءهم به رسوله محمد  .

<div class="verse-tafsir" id="91.jj2VG"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده