الإسلام > القرآن > سور > سورة 61 الصف > الآية ١١ من سورة الصف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 52 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة الصف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) أي : من تجارة الدنيا ، والكد لها ، والتصدي لها وحدها .
فإن قال قائل: وكيف قيل: ( تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) ، وقد قيل لهم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) بوصفهم بالإيمان؟
فإن الجواب في ذلك نظير جوابنا في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وقد مضى البيان عن ذلك في موضعه بما أغنى عن إعادته.
وقوله: ( وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) يقول تعالى ذكره: وتجاهدون في دين الله، وطريقه الذي شرعه لكم بأموالكم وأنفسكم ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) يقول: إيمانكم بالله ورسوله، وجهادكم في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ( خَيْرٌ لَكُمْ ) من تضييع ذلك والتفريط ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) مضارّ الأشياء ومنافعها.
وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله ( آمِنُوا بِاللهِ ) على وجه الأمر، وبيَّنت التجارة من قوله: ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ ) وفسِّرت بقوله: ( تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ولم يقل: أن تؤمنوا، لأن العرب إذا فسرت الاسم بفعل تثبت في تفسيره أن أحيانًا، وتطرحها أحيانًا، فتقول للرجل: هل لك في خير تقوم بنا إلى فلان فنعوده؟
هل لك في خير أن تقوم إلى فلان فنعوده؟، بأن وبطرحها.
ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعًا قوله: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا وإنا؛ فالفتح في أن لغة من أدخل في يقوم أن من قولهم: هل لك في خير أن تقوم، والكسر فيها لغة من يُلقي أن من تقوم؛ ومنه قوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وإنا دمرناهم، على ما بيَّنا.
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ ) ..
الآية، فلولا أن الله بينها، ودلّ عليها المؤمنين، لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها ، حتى يضنوا بها (1) وقد دلكم الله عليها، وأعلمكم إياها فقال: ( تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) .
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة: ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قال: الحمد لله الذي بينها.
------------------------ الهوامش: (1) الذي في الدر "حتى يطلبوها".
فقال : تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذكر الأموال أولا لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق .
و " تؤمنون " عند المبرد والزجاج في معنى آمنوا ، ولذلك جاء ( يغفر لكم ) مجزوما على أنه جواب الأمر .
وفي قراءة عبد الله ( آمنوا بالله ) وقال الفراء يغفر لكم جواب الاستفهام ; وهذا إنما يصح على الحمل على المعنى ; وذلك أن يكون تؤمنون بالله وتجاهدون عطف بيان على قوله : هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم كأن التجارة لم يدر ما هي ; فبينت بالإيمان والجهاد ; فهي هما في المعنى .
فكأنه قال : هل تؤمنون بالله وتجاهدون يغفر لكم .
الزمخشري : وجه قول الفراء أن متعلق الدلالة هو التجارة ، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد .
كأنه قيل : هل تتجرون بالإيمان [ ص: 79 ] والجهاد
وأتى بأداة العرض الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل متبصر، ويسمو إليه كل لبيب، فكأنه قيل: ما هذه التجارة التي هذا قدرها؟
فقال { تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } .ومن المعلوم أن الإيمان التام هو التصديق الجازم بما أمر الله بالتصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، ومن أجل أعمال الجوارح الجهاد في سبيل الله فلهذا قال: { وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } بأن تبذلوا نفوسكم ومهجكم، لمصادمة أعداء الإسلام، والقصد نصر دين الله وإعلاء كلمته، وتنفقون ما تيسر من أموالكم في ذلك المطلوب، فإن ذلك، ولو كان كريها للنفوس شاقا عليها، فإنه { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فإن فيه الخير الدنيوي، من النصر على الأعداء، والعز المنافي للذل والرزق الواسع، وسعة الصدر وانشراحه.
ثم بين تلك التجارة فقال : "تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون".
«تؤمنون» تدومون على الإيمان «بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» أنه خير لكم فافعلوه.
تداومون على إيمانكم بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله؛ لنصرة دينه بما تملكون من الأموال والأنفس، ذلك خير لكم من تجارة الدنيا، إن كنتم تعلمون مضارَّ الأشياء ومنافعها، فامتثلوا ذلك.
والمراد بها هنا : العقيدة السليمة ، والأعمال الصالحة ، التى فسرت بها بعد ذلك فى قوله - تعالى - ( تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ) .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( هَلْ أَدُلُّكمْ ) للتشويق والتحضيض إلى الأمر المدلول عليه .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ألا تريدون أن أدلكم على تجارة رابحة ، تنجيكم مزاولتها ومباشرتها ، من عذاب شديد الأليم؟
إن كنتم تريدون ذلك ، فهاكم الطريق إليها ، وهى : ( تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ) .فقوله - سبحانه - : ( تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ) استئناف مفسر وموضح لقوله ( هَلْ أَدُلُّكمْ ) ؟
فكأن سائلا قال : وما هذه التجارة؟
دلنا عليها ، فكان الجواب : تؤمنون بالله ورسوله .أى : تداومون تامة على الإيمان بالله - تعالى - وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وتجاهدون فى سبيل إعلاء كلم الله ونصرة دينه بأموالكم وأنفسكم .قالوا : وقوله ( تُؤْمِنُونَ ) خبر فى معنى الأمر ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود : آمنوا بالله رسوله ، وجاهدوا فى سبيله .وفائدة العدول إلى الخبر : الإشعار بأنهم قد امتثلوا لما أرشدوا إليه ، فكأنه - سبحانه - يخبر عن هذا الامتثال الموجود عندهم .وجاء التعبير بقوله : ( هَلْ أَدُلُّكمْ ) لإفادة أن ما يذكر بعد ذلك من الأشياء التى تحتاج إلى من يهدى إليها ، لأنها أمور مرد تحديدها إلى الله - تعالى - .وتنكير لفظ التجارة ، للتهويل والتعظيم ، أى : هل أدلكم على تجارة عظيمة الشأن .
.
؟وأطلقت التجارة هنا على الإيمان والعمل الصالح ، لأنهما يتلاقيان ويتشابهان فى أن كليهما المقصود من ورائه الربح العظيم ، والسعى من أجل الحصول على المنافع .وقدم - سبحانه - هنا الجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس ، لأن المقام قمام تفسير وتوضيح لمعنى التجارة الرابحة عن طريق الجهاد فى سبيل الله ، ومن المعلوم أن التجارة تقوم على تبادل الأموال ، وهذه الأموال هى عصب الجهاد ، فعن طريقها تشترى الأسلحة والمعدات التى لا غنى للمجاهدين عنها ، وفى الحديث الشريف " من جهز غازيا فقد غزا " .وقدم - سبحانه - فى قوله : ( إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ .
.
) وقدم الأنفس على الأموال ، لأن الحديث هناك ، كان فى معرض الاستبدال والعرض والطلب ، والأخذ والعطاء .
.
.
فقدم - سبحانه - الأنفس لأنها أعز ما يملكه الإنسان ، وجعل فى مقابلها الجنة لأنها أعز ما يوهب ، وأسمى ما تتطلع إلى نيله النفوس .واسم الإشارة فى قوله : ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) يعود إلى ما سبق ذكره من الإيمان والجهاد .
أى : ذلكم الذى أرشدناكم إلى التمسك به من الإيمان والجهاد فى سبيل الله ، هو خير لكم من كل شىء إن كنتم من أهل العلم والفهم .فقوله ( تَعْلَمُونَ ) منزلة منزلة الفعل اللازم ، للإشعار بأن من يخالف ذلك لا يكون لا من أهل العلم ، ولا من أهل الإدراك .وجعله بعضهم فعلا متعديا ، ومفعوله محذوف ، والتقدير : إن كنتم تعلمون أنه خير لكم فافعلوه ، ولا تتقاعسوا عن ذلك .
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ ﴾ في معنى الأمر عند الفراء، يقال: هل أنت ساكت أي اسكت وبيانه: أن هل، بمعنى الاستفهام، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضاً وحثاً، والحث كالإغراء، والإغراء أمر، وقوله تعالى: ﴿ على تجارة ﴾ هي التجارة بين أهل الإيمان وحضرة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ﴾ دل عليه ﴿ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء، وكما أن التجارة تنجي التاجر من محنة الفقر، ورحمة الصير على ما هو من لوازمه، فكذلك هذه التجارة وهي التصديق بالجنان والإقرار باللسان، كما قيل في تعريف الإيمان فلهذا قال: بلفظ التجارة، وكما أن التجارة في الربح والخسران، فكذلك في هذا، فإن من آمن وعمل صالحاً فله الأجر، والربح الوافر، واليسار المبين، ومن أعرض عن العمل الصالح فله التحسر والخسران المبين، وقوله تعالى: ﴿ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ قرئ مخففاً ومثقلاً، ﴿ وَتُؤْمِنُونَ ﴾ استئناف، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟
فقال: ﴿ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ وهو خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب بقوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وتجاهدون فِي سَبِيلِ الله ﴾ والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة، جهاد فيما بينه وبين نفسه، وهو قهر النفس، ومنعها عن اللذات والشهوات، وجهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم، ويشفق عليهم ويرحمهم وجهاد فيما بينه بين الدنيا وهو أن يتخذها زاداً لمعاده فتكون على خمسة أوجه، وقوله تعالى: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ يعني الذي أمرتم به من الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي إن كنتم تنتفعون بما علمتم فهو خير لكم، وفي الآية مباحث: الأول: لم قال: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ بلفظ الخبر؟
نقول: للإيذان بوجوب الامتثال، عن ابن عباس قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملنا، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: يا ليتنا نعلم ما هي؟
فدلهم الله عليها بقوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ بالله ﴾ .
الثاني: ما معنى: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ نقول: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه خير لكم كان خيراً لكم، وهذه الوجوه للكشاف، وأما الغير فقال: الخوف من نفس العذاب لا من العذاب الأليم، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره، والخوف من اللوازم كقوله تعالى: ﴿ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ومنها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فنقول: يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين، وهم الذين آمنوا في الظاهر، ويمكن أن يكون أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد رسول الله، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إيمانا ﴾ ، ﴿ لِيَزْدَادُواْ إيمانا ﴾ وهو الأمر بالثبات كقوله: ﴿ يُثَبّتُ الله الذين ءَامَنُواْ ﴾ وهو الأمر بالتجدد كقوله: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «من جدد وضوءه فكأنما جدد إيمانه»، ومنها: أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن بالله ورسوله، ولم يجاهد في سبيل الله، وقد علق بالمجموع، ومنها أن هذا المجموع وهو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خبر في نفس الأمر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تُنجِيكُم ﴾ قرئ مخففاً ومثقلاً.
و ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ استئناف، كأنهم قالوا: كيف: نعمل؟
فقال: تؤمنون، وهو خبر في معنى الأمر؛ ولهذا أجيب بقوله: ﴿ يغفر لكم ﴾ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا.
فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟
قلت: للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين.
ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوّة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.
فإن قلت: هل لقول الفراء أنه جواب ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ ﴾ وجه؟
قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد؛ فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟
فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن علي رضي الله عنهما: (تؤمنوا...
وتجاهدوا)؟
قلت: وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر، كقوله: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ** إذَا مَا خفت مِنْ أَمْرٍ تَبَالاَ وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ وهذا دليل على أن ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ كلام مستأنف، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلع منها إليه: أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ من أموالكم وأنفسكم.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ؟
قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم حينئذٍ؛ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا ﴾ ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله: ﴿ نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ أي عاجل وهو فتح مكة.
وقال الحسن: فتح فارس والروم.
وفي ﴿ تُحِبُّونَهَا ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجل.
فإن قلت: علام عطف قوله ﴿ وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ ؟
قلت: على ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك.
فإن قلت: لم نصب من قرأ نصراً من الله وفتحاً قريباً؟
قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص.
أو على تنصرون نصراً، ويفتح لكم فتحاً.
أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصراً من الله وفتحاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تُنَجِّيكم بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِلتِّجارَةِ وهو الجَمْعُ بَيْنَ الإيمانِ والجِهادِ المُؤَدِّي إلى كَمالِ عِزِّهِمْ، والمُرادُ بِهِ الأمْرُ وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ الخَبَرِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُتْرَكُ..
﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ إذِ الجاهِلُ لا يُعْتَدُّ بِفِعْلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{تُؤْمِنُونَ} استئناف كأنّهم قالوا كيف نعمل فقال تؤمنون وهو بمعنى آمنوا عند سيبويه ولهذا اجيب بقوله يغفر لكم ويدل على هـ قراءة ابن مسعود آمنوا بالله وَرَسُولِهِ وجاهدوا وانما جئ به على لفظ الخير للإيذان بوجوب الامتثال وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين {بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ} أي ما ذكر من الإيمان والجهاد {خَيْرٌ لَّكُمْ} من أموالكم وأنفكسم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خير لكم كان خيرا لكم حينئذ لأنكم إذا علمتهم ذلك واعتقد تموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم فتفلحون وتخلصون
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذِهِ التِّجارَةُ ؟
دُلَّنا عَلَيْها: فَقِيلَ: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ إلَخْ، والمُضارِعُ في المَوْضُوعَيْنِ كَما قالَ المُبَرِّدُ وجَماعَةٌ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ أيْ آمِنُوا وجاهِدُوا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ كَأنَّ الإيمانَ والجِهادَ قَدْ وقَعا فَأخْبَرَ بِوُقُوعِهِما، والخِطابُ إذا كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ فالمُرادُ تَثْبُتُونَ وتَدُومُونَ عَلى الإيمانِ أوْ تَجْمَعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والجِهادِ أيْ بَيْنَ تَكْمِيلِ النَّفْسِ وتَكْمِيلِ الغَيْرِ وإنْ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهِرًا فالمُرادُ تُخْلِصُونَ الإيمانَ، وأيًّا ما كانَ فَلا إشْكالَ في الأمْرِ، وقالَ الأخْفَشُ: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ إلَخْ عَطْفُ بَيانٍ عَلى ﴿ تِجارَةٍ ﴾ ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُتَخَيَّلُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأصْلُ أنْ تُؤْمِنُوا حَتّى يَتَقَدَّرَ بِمَصْدَرٍ، ثُمَّ حُذِفَ أنْ فارْتَفَعَ الفِعْلُ كَما في قَوْلِهِ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى يُرِيدُ أنْ أحْضُرَ فَلَمّا حُذِفَ أنِ ارْتَفَعَ الفِعْلُ وهو قَلِيلٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ فِعْلٌ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ أنَّهُ تُؤْمِنُونَ، وفِيهِ حَذْفُ المُبْتَدَأِ وأنْ واسْمِها وإبْقاءُ خَبَرِها، وذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - تُؤْمِنُوا وتُجاهِدُوا - بِحَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ لامِ الأمْرِ أيْ لِتُؤْمِنُوا وتُجاهِدُوا، أوْ ولِتُجاهِدُوا كَما في قَوْلِهِ: قُلْتُ لِبَوّابٍ عَلى بابِها تَأْذَنُ لَنا إنِّي مِن أحِمّائِها وكَذا قَوْلُهُ: مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا وجُوِّزِ الِاسْتِئْنافُ، والنُّونُ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا كَما في قِراءَةِ «ساحِرانِ يَظّاهَرا» وقَوْلِهِ: ونَقِّرِي ما شِئْتِ أنْ تُنَقِّرِي ∗∗∗ قَدْ رُفِعَ الفَخُّ فَماذا تَحْذَرِي وكَذا قَوْلُهُ: أبِيتُ أُسَرِّي وتَبِيتِي تُدَلِّكِي ∗∗∗ وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكِي وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الحَذْفَ شاذٌّ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوْ مِن أمْوالِكم وأنْفُسِكم ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ إذِ الجَهَلَةُ لا يُعْتَدُّ بِأفْعالِهِمْ حَتّى تُوصَفَ بِالخَيْرِيَّةِ، وقِيلَ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم كانَ خَيْرًا لَكم حِينَئِذٍ لِأنَّكم إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ واعْتَقَدْتُمْ أحْبَبْتُمُ الإيمانَ والجِهادَ فَوْقَ ما تُحِبُّونَ أمْوالَكم وأنْفُسَكم فَتُخْلِصُونَ وتُفْلِحُونَ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ يعني: من أشد في كفره مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ يعني: اختلق على الله الْكَذِبَ وهم اليهود.
وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ يعني: إلى دين محمد وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم.
ويقال: لا يرحمهم ما داموا على كفرهم.
ثم قال عز وجل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ يعني: ليبطلوا دين الله بقولهم: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ يعني: مظهر توحيده وكتابه، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ يعني: وإن كره اليهود والنصارى.
قرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ على معنى الإضافة، والباقون مُتِمُّ بالتنوين نُورِهِ بالنصب.
فمتم فاعل ونصب نوره، لأنه مفعول به.
ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى يعني: بالتوحيد وَدِينِ الْحَقِّ يعني: الشهادة لا إله إلا الله.
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: على الأديان كلها.
قال مقاتل: وقد فعل، ويقال: إنه يكون في آخر الزمان، لا يبقى أحد إلا مسلم أو ذمة للمسلم.
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ يعني: وإن كرهوا ذلك.
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، يعني: من عذاب دائم.
قرأ ابن عامر تُنْجِيكُمْ بالتشديد، والباقون بالتخفيف، وهما لغتان.
أنجاه ونجاه بمعنى واحد.
ثم بيَّن لهم تلك التجارة، فقال عز وجل: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: تصدقون بتوحيد الله وَرَسُولِهِ يعني: وتصدقون برسوله، وبما جاء به من عنده.
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، فقدم ذكر المال، لأن الإنسان ربما يضر بماله ما لا يضر بنفسه، ولأنه إذا كان له مال، فإنه يؤخذ به النفس ليغزو.
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: التصديق والجهاد خير لكم من تركهما.
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: تعلمون ثواب الله تعالى، ويقال: يعلمون يعني: يصدقون.
ثم بين ثواب ذلك العمل.
فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ يعني: إن فعلتم ذلك العمل، يغفر لكم ذنوبكم.
وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً يعني: يدخلكم منازل الجنة فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: النجاة الوافرة.
ثم قال عز وجل: وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: تجارة أخرى تحبونها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: ولكم سوى الجنة أيضاً عدة أخرى في الدنيا تحبونها، ويقال: معناه ونجاة أخرى تحبونها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: هي النصرة من الله تعالى على عدوكم، وَفَتْحٌ قَرِيبٌ يعني: ظفراً سريعاً عاجلاً في الدنيا والجنة في الآخرة.
ثم قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: بشرهم بالجنة.
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ، قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو أنصارا لله بالتنوين، والباقون أَنْصارَ اللَّهِ بالإضافة، ومعناهما واحد يعني: كونوا أعوان الله بالسيف على أعدائه، ومعناه: انصروا الله، وانصروا دين الله، وانصروا محمدا ، كما نصر الحواريون عيسى ابن مريم.
وهو قوله تعالى: كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ يعني: من أعواني إلى الله، ويقال: إنما سموا الحواريون لبياض ثيابهم، ويقال: كانوا قصارين، ويقال: خلصاؤه وصفوته.
كما قال النبيّ : «الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي وَحَوارِيَّ مِنْ أُمَّتِي» .
وتأويل الحواريين في اللغة، الذين أخلصوا وتبرؤوا من كل عيب وكذلك الدقيق الحواري، لأنه ينتقى من لباب البرّ.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين.
وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: تلا قتادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ قال: وقد كان ذلك بحمد الله جاءه السبعون، فبايعوه عند العقبة فنصروه وآووه، حتى أظهر الله دينه.
قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ يعني: نحن أعوانك مع الله، فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: بعيسى- - ويقال: فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد ، وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ يعني: جماعة منهم.
فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ يعني: قوينا الذين آمنوا على عدوهم من الكفار، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ، فصاروا غالبين بالنصرة، والحجة والله أعلم بالصواب.
أن يريد محمّدا صلّى الله عليه وسلّم لأنه تقدّم ذكره، ت: والأول أظهر.
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ ...
الآية: نَدْبٌ وَحَضٌّ على الجِهادِ بهذهِ التجارةِ التي بَيَّنَهَا سبحانه، وهي أن يبذلَ المرءُ نفسَه ومالَه، ويأخذ ثمناً جنةَ الخلدِ، وقرأ ابن عامر «١» وحده: «تُنَجِّيكُمْ» - بفتحِ النونَ وَشَدِّ الجيم-.
وقوله: تُؤْمِنُونَ معناه: الأمر، أي: آمنوا، قال الأخفش: ولذلكَ جاء «يَغْفِرْ» مجزُوماً، وفي مصحفِ ابن مسعودٍ: «آمِنُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهِدُوا» .
وقوله: ذلِكُمْ إشارة إلى الجهاد والإيمان، وخَيْرٌ هنا يحتملُ أَن يكونَ للتفضِيل، فالمَعْنَى: من كل عمل، ويحتملُ أن يكون إخباراً أنَّ هذا خيرٌ في ذاتهِ، ومَساكِنَ عَطْفٌ عَلَى جَنَّاتٍ وَطِيبُ المسَاكِنِ، سِعَتُها وجمالُها، وقيل: طِيبُها المعرفة بدوام أمرها.
وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)
وقوله سبحانه: وَأُخْرى تُحِبُّونَها ...
الآية، قال الأخفش، وَأُخْرى هي في موضع خَفْضٍ عطفاً على تِجارَةٍ، وهَذَا قَلِقٌ، وقد ردَّه الناس، لأنَّ هذه الأُخْرَى ليستْ مِمَّا دَلَّ عليه سبحانه إنما هي مما أُعْطِيَ ثمناً وجزاءً على الإيمانِ والجهادِ بالنفس والمَالِ، وقَالَ الفَرَّاء: وَأُخْرى في موضِع رفعٍ، وقيل: في موضع نصبٍ بإضمار فعل تقديرُه:
ويدخلكم جناتٍ ويمنحْكُم أُخْرَى وهي النصرُ والفتحُ القريب، وقصةُ عِيسَى مع بني إسرائيل قد تقدَّمت.
وقوله تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ قِيلَ ذلك قبل محمد- عليه السلام-/ وَبَعْدَ فترةٍ منْ رفعِ عِيسَى رَدَّ اللَّهُ الكَرَّةَ لمنْ آمن بهِ فَغَلبُوا الكَافرينَ الذين قَتَلُوا صَاحِبَه الذي ألقيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ، وقيل: المعنى فأصبحوا ظاهرين بالحجةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ قالُوا: لَوْ عَلِمْنا أيُّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْنا بِهِ أبَدًا فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ التِّجارَةِ لِمَكانِ رِبْحِهِمْ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُنْجِيكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تُنَجِّيكم ) بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
ثُمَّ بَيَّنَ التِّجارَةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ، جَوابُ قَوْلِهِ: «تُؤْمِنُونَ» "وَتُجاهِدُونَ" لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى الأمْرِ.
والمَعْنى: آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا، يَغْفِرْ لَكُمْ، أيْ: إنْ فَعُلْتُمْ ذَلِكَ، يَغْفِرْ لَكم.
وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، فَقالَ: هَذا جَوابُ "هَلْ" وهَذا غَلَطٌ بَيِّنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ إذا دَلَّهم عَلى ما يَنْفَعُهم غُفِرَ لَهُمْ، إنَّما يُغْفَرُ لَهم إذا عَمِلُوا بِذَلِكَ.
ومَن قَرَأ ( يَغْفِرْ لَّهم ) بِإدْغامِ الرّاءِ في اللّامِ، فَغَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، لِأنَّهُ لا تُدْغَمُ الرّاءُ في اللّامِ في قَوْلِهِمْ.
وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وهو إمامٌ عَظِيمٌ، ولا أحْسَبُهُ قَرَأها إلّا وقَدْ سَمِعَها مِنَ العَرَبِ.
وقَدْ زَعَمَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ، ما خَلا أبا عَمْرٍو، أنَّ اللّامَ تُدْغَمُ في الرّاءِ، وأنَّ الرّاءَ لا تُدْغَمُ في اللّامِ وحُجَّتُهم أنَّ الرّاءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ قَوِيٌّ، فَإذا أُدْغِمَتْ في اللّامِ ذَهَبَ التَّكْرِيرُ مِنها.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: ولَكم في العاجِلِ مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ أُخْرى تُحِبُّونَها، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ تَعالى: ﴿ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فَتْحُ فارِسَ والرُّومِ، قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، والجَنَّةِ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ حَضَّهم عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو ( كُونُوا أنْصارًا لِلَّهِ ) مُنَوَّنَةً.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ( أنْصارَ اللَّهِ ) ومَعْنى الآيَةِ: دُومُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وانْصُرُوا دِينَ اللَّهِ، مِثْلَ نُصْرَةِ الحَوارِيِّينَ لَمّا قالَ لَهم عِيسى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ وحَرَّكَ نافِعٌ ياءَ ( مَن أنْصارِيَ إلى اللَّهِ ) وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ [آلِ عِمْرانَ: ٥٢] .
﴿ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ بِعِيسى ﴿ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ ﴾ ﴿ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِعِيسى ﴿ عَلى عَدُوِّهِمْ ﴾ وهم مُخالِفُو عِيسى، كَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ، وقالَ مُقاتِلٌ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ ﴾ ، ﴿ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﴿ عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلى الأدْيانِ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: أصْبَحَ مَن آمَنَ بِعِيسى ظاهِرِينَ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ بِتَعْلِيمِ الحُجَّةِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ أيْ: غالِبِينَ عَلَيْهِمْ بِمُحَمَّدٍ.
مِن قَوْلِكَ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ: إذا عَلَوْتَهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ: إذا صِرْتَ فَوْقَهُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الرِسالَةِ وشَدٌّ لِأزْرِها، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ: أنا فَعَلْتُهُ، أيْ: فَمَن يَقْدِرُ عَلى مُعارَضَتِهِ فَلْيُعارِضْ، و"الرَسُولُ" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ﴾ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِلْعُمُومِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا يَبْقى مَوْضِعٌ فِيهِ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُظْهِرَهُ حَتّى لا يُوجَدَ دِينٌ إلّا والإسْلامُ أظْهَرُ مِنهُ، وهَذا قَدْ كانَ ووُجِدَ.
ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَضَّهم عَلى الجِهادِ بِهَذِهِ التِجارَةِ الَّتِي بَيَّنَها، وهي أنْ يُعْطِيَ المَرْءُ نَفْسَه وَمالَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنًا جَنَّةَ الخُلْدِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقُرّاءُ: "تُنْجِيكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تُنَجِّيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: آمَنُوا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ألِيمٌ، آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ تُؤْمِنُونَ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَطْفُ بَيانٍ عَلى "تِجارَةٍ"، قالَ المَبَرِّدً: هو بِمَعْنى: آمَنُوا عَلى الأمْرِ، ولِذَلِكَ جاءَ "يَغْفِرْ" مَجْزُومًا، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" أشارَ إلى الجِهادِ والإيمانِ، و"خَيْرٌ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، فالمَعْنى: مِن كُلِّ عَمَلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا، أنَّ هَذا خَيْرٌ في ذاتِهِ ونَفْسِهِ.
والجَزْمُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَغْفِرْ" عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ المُقَدَّرِ في "تُؤْمِنُونَ"، أو عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: "هَلْ أدُلُّكُمْ" مِنَ الحَضِّ والأمْرِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "يُغْفِلُكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، ولا يُجَوِّزُ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَساكِنَ" عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، و"طَيِّبُ المَساكِنِ": سِعَتُها وجَمالُها، وقِيلَ: طَيِّبُها المَعْرِفَةُ بِدَوامِ أمْرِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، وأيُّ طَيِّبٍ مَعَ الفَناءِ والمَوْتِ؟
<div class="verse-tafsir"
هذا تخلص إلى الغرض الذي افتتحت به السورة من قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ كأنهم بنيان مرصوص ﴾ [الصف: 2 4].
فبعد أن ضربت لهم الأمثال، وانتقل الكلام من مجال إلى مجال، أعيد خطابهم هنا بمثل ما خوطبوا به بقوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ [الصف: 2]، أي هل أدلكم على أحب العمل إلى الله لتعملوا به كما طلبتم إذْ قلتم لو نعلم أيَّ الأعمال أحبّ إلى الله لعملنا به فجاءت السورة في أُسلوب الخطابة.
والظاهر أن الضمير المستتر في ﴿ أدلكم ﴾ عائد إلى الله تعالى لأن ظاهر الخطاب أنه موجه من الله تعالى إلى المؤمنين.
ويجوز أن يجعل الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم على تقدير قول محذوف وعلى اختلاف الاحتمال يختلف موقع قوله الآتي ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ [الصف: 13].
والاستفهام مستعمل في العَرض مجازاً لأن العارض قد يسأل المعروضَ عليه ليعلم رغبته في الأمر المعروض كما يقال: هل لك في كذا؟
أو هل لك إلى كذا؟
والعرض هنا كناية عن التشويق إلى الأمر المعروض، وهو دلالته إياهم على تجارة نافعة.
وألفاظ الاستفهام تخرج عنه إلى معان كثيرة هي من ملازمات الاستفهام كما نبه عليه السكّاكي في «المفتاح»، وهي غير منحصرة فيما ذكره.
وجيء بفعل ﴿ أدلكم ﴾ لإِفادة ما يذكر بعده من الأشياء التي لا يهتدى إليها بسهولة.
وأطلق على العمل الصالح لفظُ التجارة على سبيل الاستعارة لمشابهة العمل الصالح التجارةَ في طلب النفع من ذلك العمل ومزاولته والكد فيه، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ في سورة [البقرة: 16].
ووصف التجارة بأنها تنجي من عذاب أليم، تجريد للاستعارة لقصد الصراحة بهذه الفائدة لأهميتها وليس الإِنجاء من العذاب من شأن التجارة فهو من مناسبات المعنى الحقيقي للعمل الصالح.
وجملة تؤمنون بالله ورسوله} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ذكر الدلالة مجمل والتشويقُ الذي سبقها مما يثير في أنفس السامعين التساؤل عن هذا الذي تدلنا عليه وعن هذه التجارة.
وإذ قد كان الخطاب لقوم مؤمنين فإن فِعْل ﴿ تؤمنون بالله ﴾ مع ﴿ وتجاهدون ﴾ مراد به تجمعون بين الإِيمان بالله ورسوله وبين الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم تنويهاً بشأن الجهاد.
وفي التعبير بالمضارع إفادة الأمر بالدوام على الإِيمان وتجديده في كل آن، وذلك تعريض بالمنافقين وتحذير من التغافل عن ملازمة الإِيمان وشؤونه.
وأما ﴿ وتجاهدون ﴾ فإنه لإِرادة تجدّد الجهاد إذا استُنفِروا إليه.
ومجيء ﴿ يغفر ﴾ مجْزوماً تنبيه على أن ﴿ تؤمنون ﴾ ﴿ وتجاهدون ﴾ وإن جاءا في صيغة الخبر فالمراد الأمرُ لأن الجزم إنما يكون في جواب الطلب لا في جواب الخبر.
قاله المبرد والزمخشري.
وقال الفراء: جزم ﴿ يغفرْ ﴾ لأنه جواب ﴿ هل أدلكم ﴾ ، أي لأن متعلق ﴿ أدلكم ﴾ هو التجارة المفسرة بالإِيمان والجهاد، فكأنه قيل: هل تتَّجرون بالإِيمان والجهاد يَغفرْ لكم ذنوبكم.
وإنما جيء بالفعلين الأولين على لفظ الخبر للإِيذان بوجوب الامتثال حتى يفرض المأمور كأنه سمع الأمر وامتثله.
وقرأ الجمهور ﴿ تنجيكم ﴾ بسكون النون وتخفيف الجيم.
وقرأه ابن عامر بفتح النون وتشديد الجيم، يقال: أنجاه ونَجّاه.
والإِشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى الإِيمان والجهاد بتأويل المذكور: خير.
و ﴿ خير ﴾ هذا ليس اسم تفضيل الذي أصله: أخير ووزنه: أَفعل، بل هو اسم لضد الشر، ووزنه: فَعْل.
وجمع قوله: ﴿ خير ﴾ ما هو خيرُ الدنيا وخيرُ الآخرة.
وقوله: ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ تعريض لهم بالعتاب على تولّيهم يوم أُحُد بعد أن قالوا: لو نعلم أيَّ الأعمال أحب إلى الله لَعَمِلْنَاه، فندبوا إلى الجهاد فكان ما كان منهم يوم أُحُد، كما تقدم في أول السورة، فنزلوا منزلة من يُشَك في عملهم بأنه خير لعدم جريهم على موجَب العلم.
والمساكن الطيبة: هي القصور التي في الجنة، قال تعالى: ﴿ ويجعل لك قصوراً ﴾ [الفرقان: 10].
وإنما خُصّت المساكن بالذكر هنا لأن في الجهاد مفارقة مساكنهم، فوعدوا على تلك المفارقة الموقتة بمساكن أبدية.
قال تعالى: ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ﴾ إلى قوله: ﴿ ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ﴾ [التوبة: 24] الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ، لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالجَنَّةِ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ عُلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُرِيدُ عاجِلَ النَّصْرِ لِقاءَ رَغْبَةٍ في الدُّنْيا ولِقاءَ تَأْيِيدِ الدِّينِ فَوَعَدَهم بِما يُقَوِّي بِهِ الرَّغْبَةَ فَقالَ: ﴿ وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ يَعْنِي فَتْحَ البِلادِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ في كِلا الأمْرَيْنِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ قَرِيبٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى ما يُحِبُّونَهُ أنَّهُ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ ما يُحِبُّونَهُ مِن ذَلِكَ سَيَكُونُ قَرِيبًا، فَكانَ كَما أخْبَرَ لِأنَّهُ عَجَّلَ لَهْمُ الفَتْحَ والنَّصْرَ
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ﴾ الآية، قال: لما نزلت قال المسلمون: لو علمنا ما هذه التجارة لأعطينا فيها الأموال والأهلين، فبين لهم التجارة، فقال: ﴿ تؤمنون بالله ورسوله ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ﴾ الآية قال: فلولا أن الله بينها ودل عليها للهف الرجال أن يكونوا يعلمونها حتى يطلبوها، ثم دلهم الله عليها فقال: ﴿ تؤمنون بالله ورسوله ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ على تجارة تنجيكم ﴾ خفيفة.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ﴾ .
أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ كونوا أنصار الله ﴾ مضاف.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ﴾ قال: قد كان ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلاً فبايعوه عند العقبة، فنصروه وآووه حتى أظهر الله دينه ولم يسمّ حيّ من السماء قط باسم لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون ما تبايعون هذا الرجل؟
إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها أو يسلموا، «وذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله؟
قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة ففعلوا، ففعل الله» قال: والحواريون كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام.
وأخرج ابن إسحاق وابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفر الذين لاقوه بالعقبة: «اخرجوا إليّ اثني عشر رجلاً منكم يكونوا كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى ابن مريم» .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن لبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء: «أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل قومي» قالوا: نعم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ قال: من يتبعني إلى الله، وفي قوله: ﴿ فأصبحوا ظاهرين ﴾ قال: من آمن مع عيسى من قومه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ فأيدنا الذين آمنوا ﴾ قال: فقوّينا الذين آمنوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي ﴿ فأصبحوا ظاهرين ﴾ قال: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد أن عيسى كلمة الله وروحه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فأيدنا الذين آمنوا ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فأصبحوا ﴾ اليوم ﴿ ظاهرين ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية تفسير للتجارة المذكورة، قال الأخفش: هو عطف بيان عليها ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ جزم في جواب تؤمنون لأنه بمعنى الأمر، وقد قرأه ابن مسعود آمنوا وجاهدوا على الأمر؛ لأنه يقتضي التحضيض ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا ﴾ ارتفع أخرى على أنه ابتداء مضمر تقديره: ولكم نعمة أخرى، أو انتصب على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره: ويمنحكم أخرى ﴿ نَصْرٌ مِّن الله ﴾ تفسير لأخرى فهو بدل منها ﴿ وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ قال الزمخشري عطف على تؤمنون بالله؛ لأنه في معنى الأمر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ زاغوا ﴾ بالإمالة مثل ﴿ زاغ البصر ﴾ ﴿ بعدي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحماد وأبو بكر غير ابن غالب ﴿ متم نوره ﴾ بالإضافة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف وحفص.
الآخرون: بالتنوين ونصب ﴿ نوره ﴾ ﴿ تنجيكم ﴾ بالتشديد: ابن عامر ﴿ أنصاراً ﴾ بالتنوين ﴿ لله ﴾ جاراً ومجروراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
والباقون: بالإضافة ﴿ أنصاري إلى الله ﴾ بالفتح كما مر في " آل عمران ".
الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ج ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ مرصوص ﴾ ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أحمد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الإسلام ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ز ﴿ وأنفسكم ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ تؤمنون ﴾ على أنه خبر في معنى الأمر ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج للعطف ﴿ تحبونها ﴾ ط لحق الحذف أي هي نصر ﴿ قريب ﴾ ه لانقطاع النظم واختلاف المعنى ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ وكفرت طائفة ﴾ ه لاتفاق الجملتين مع تخصيص الثانية ببيان حال أحد الفريقين ﴿ ظاهرين ﴾ ه.
التفسير: يروى أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم الله على الجهاد فولوا يوم أحد فعيرهم.
وروي أن الله حين أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالاً إلى الله لنفرغن فيه وسعنا ففرّوا يوم أحد ولم يفوا.
وقيل؛ كان الرجل يقول: قلت ولم يقل وطعنت ولم يطعن فأنزل الله ﴿ لم تقولون ﴾ واللام الجاره إذا دخلت على " ما " الاستفهامية أسقطت الألف لكثرة الاستعمال.
وقد عرفت مراراً أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم، وهذا التفسير يتناول إخلاف كل وعد.
وقال الحسن: نزلت في الذين آمنوا بلسانهم لا بقلوبهم.
ثم عظم أمر الإخلاف في قلوب المنافقين فقال ﴿ كبر ﴾ الآية.
وفيه أصناف مبالغة من جهة صيغة التعجب والتعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، ومن جهة إسناد الفعل إلى ﴿ أن تقولوا ﴾ ونصب ﴿ مقتاً ﴾ على التمييز ومن قبل أن المقت أشدّ من البغض أو من وصفه بأنه ﴿ عند الله ﴾ لأن الممقوت عنده ممقوت عند كل ذي لب.
ثم حث على الجهاد بنوع آخر وذلك أنه نسب أوّلاً ترك الجهاد بعد تمنيه إلى المقت ثم نسب الجهاد إلى الحب.
وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على المصدر بمعنى الحال.
وقوله ﴿ كأنهم ﴾ مع الأول حالان متداخلان أي صافين أنفسهم أو مصفوفين كأنهم في تراميهم من غير فرجة ولا خلل ﴿ بنيان ﴾ رص بعضه على بعض أي رص صف.
وجوزوا أن يراد صف معنوي وهو اتفاق كلمتهم واستواء نياتهم في الثبات.
وعلى الأول استدل بعضهم به على تفضيل القتال راجلاً بناء على أن الفرسان لا يصطفون من غير فرجة، ثم ذكرهم قصة موسى مع قومه كيلا يفعلوا بنبيهم مثل ما فعل به بنو إسرائيل.
تفسير الإيذاء مذكور في آخر " الأحزاب " وسائر أصناف إيذائهم إياه من عبادة العجل وطلب الرؤية والالتماسات المنكرة مشهورة ﴿ وقد تعلمون ﴾ في موضع الحال.
وفائدة " قد " تأكيد العلم لا تقليله وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم إذا عكسوا القضية وصنعوا مكان تعظيم رسول الله إيذاءه.
والزيغ الميل عن الحق والإزاغة الإمالة فكأنهم تسببوا لمزيد الانحراف عن الجادة، فالطاعة تجر الطاعة والمعصية تجر المعصية.
قال بعض العلماء: إنما قال عيسى ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ ولم يقل يا قوم كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم.
قلت: ممنوع لقوله في " الأنعام " ﴿ ومن ذريته داود ﴾ إلى قوله ﴿ وعيسى ﴾ قال النحويون: قوله ﴿ مصدّقاً ﴾ و ﴿ مبشراً ﴾ حالان والعامل فيهما معنى الإرسال في الرسول فلا يجوز أن يكون ﴿ إليكم ﴾ عاملاً لأنه ظرف لغو.عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟
قال: نعم أمة محمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل.
قوله ﴿ وهو يدعى إلى الإسلام ﴾ نظير ما مر من قوله ﴿ وقد تعلمون إني رسول الله ﴾ ففي كل منهما تعكيس القضية إذ جعل مكان إجابة النبي إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين افتراء الكذب على الله وهو قولهم للمعجزات هي سحر،لأن السحر كذب وتمويه ولهذا عرف الكذب بخلاف آخر " العنكبوت ".
ثم ذكر غرضهم من الافتراء بقوله ﴿ يريدون ليطفؤا ﴾ ولهذا خص هذه السورة باللام كأنه قال: يريدون الافتراء لأجل هذه الإرادة كما زيدت اللام في " لا أبالك " لتأكيد معنى الإضافة.
وباقي الآيتين سبق تفسيره في " براءة ".
وإنما قال ههنا ﴿ والله متم نوره ﴾ لمكان الفصل بالعلة كأنه قال: يريدون الافتراء لغرض إطفاء نور الله والحال أن الله متم نوره، وأما هنالك فإنه عطف قوله ﴿ ويأبى ﴾ على قوله ﴿ يريدون ﴾ .
ثم دل أهل الإيمان على التجارة الرابحة وهي مجاز عن وجدان الثواب على العمل كما قال ﴿ إن الله اشترى ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم ﴾ قال أهل المعاني: فائدة إيقاع الخبر موقع الأمر هي التنبيه على وجوب الأمر وتأكيده كأنه أمتثل فهو يخبره به كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان؟
وعن الفراء أن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ هل أدلكم ﴾ بتأويل أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ﴿ ذلكم ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿ خير لكم ﴾ من أموالكم وأنفسكم وهو اعتراض.
وقوله ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ اعتراض زائد على اعتراض ومعناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيراً.
ثم قال ﴿ و ﴾ لكم مع هذه النعم الآجلة نعمة ﴿ أخرى ﴾ عاجلة ﴿ تحبونها ﴾ وهي فتح مكة كما قال ﴿ وأثابكم فتحاً قريباً ﴾ وعن الحسن: هو فتح فارس والروم.
قال في الكشاف: في قوله ﴿ تحبونها ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجلة.
وعندي أنه رتب أمرين على أمرين: المغفرة وإدخال الجنة على الإيمان، والنصر والفتح على الجهاد، ومحبة النصر من الله والفتح القريب لا تقتضي التوبيخ وإنما ذلك مطلوب كل ذي لب ودين.
وقال في قوله ﴿ وبشر ﴾ إنه معطوف على ﴿ تؤمنون ﴾ لأنه بمعنى الأمر.
والأظهر عند علماء المعاني أنه معطوف على " قل " مقدراً قل يا أيها الذين آمنوا يؤيد تقدير قل.
قوله ﴿ هل أدلكم ﴾ فإن نسبة هذا الاستفهام إلى رسوله أولى من نسبته إلى الله على ما لا يخفى.
قوله ﴿ كونوا أنصار الله ﴾ أي أعوان دينه ﴿ كما قال عيسى ابن مريم للحوارين ﴾ أي أصفيائه وقد مر ذكرهم في " آل عمران " ﴿ من أنصاري ﴾ متوجهاً ﴿ إلى ﴾ نصرة دين ﴿ الله ﴾ قال أهل البيان: فيه تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى وإنه لا يصح على الظاهر لأن الكون يشبه بالكون لا القول، فوجهه أن يحمل التشبيه على المعنى وبيانه أن كون الحواريين أنصار الله يعرف من سياق الآية بعدها وهو قول الحواريين ﴿ نحن أنصار الله ﴾ وارد بطريق الاستئناف كأن سائلاً سأل: فماذا قال الحواريون حينئذ؟
فأجيب بما أجيب.
وقولهم لا يخالف كونهم فيعود معنى الآية إلى قول القائل: كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصار عيسى وقت قوله ﴿ من أنصاري ﴾ على أن " ما " مصدرية والمصدر يستعمل مقام الظرف اتساعاً كقولك " جئتك قدوم الحاج " و " خفوق النجم " أي وقت القدوم والخفوق والسر في العدول عن العبارة الواضحة إلة العبارة الموجودة هو أن سوق الكلام بطريق الكناية حيث جعل المشبه به لازم ما هو المشبه به أبلغ من التصريح، وأن بناء الكلام على السؤال والجواب أوكد، وأن المجاز وهو استفادة كونهم من قولهم أبلغ من الحقيقة، ولعل في الآية أسراراً آخر لم نطلع عليها.
ومعنى ﴿ ظاهرين ﴾ غالبين.
عن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .
الإيمان بالله: أن يؤمن بأنه الواحد الأحد، الصمد الفرد، الذي لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ويؤمن بأن له الخلق والأمر، وأنه قادر لا يعجزه شيء، وعليم لا يخفى عليه شيء، وحيكم لا يخرج خلقه الأشياء والمختلفة من السراء والضراء، والظمة والنور، والمرضى والصحة، عن حكمته.
وأنه ليس كما قالت الثنوية: إن خالق الظلمة والشر والقبيح غير خالق النور؛ بل يعلمه أنه خالق كل شيء، سواء من ظلمة ونور، وشر وخير، وقسم وصحة.
ولا على شبيه ما قالت المجوس: إن الله غفل غفلة فتولد منه الشيطان؛ بل هو لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.
ولا على ما قالت النصارى: حيث شبهوه بالخلق حتى أجازوا أن يكون له ولد.
ولا على ما قالت القدرية: إنه لا يقدر شيئا من الشر والقسم والوجع.
وعلى ما قالت المعتزلة: إنه ليس له في أفعال العباد صنع وتدبير؟
بل يعلمه عليما بكل شيء، قديرا على كل شيء، متعاليا عن كل شيء من معاني الخلق، متنزها عن كل آفة وحاجة وعيب، فهذا هو الإيمان بالله عندنا، والله أعلم.
والإيمان بالرسول: هو أن يؤمن من بأن ما جاء به فهو حق وصدق.
وقوله: ﴿ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
هذا على وجهين: أحدهما: أن يقاتلوا أعداء الله .
والثاني: أن يجاهدوا في طاعة الله ، وفيما دعا إليه من الأمر بالجهاد ينصرف إلى أنواع أربعة: جهاد في سبيل الله بمقاتلة أعدائه، والاستقصاء في طاعته.
وجهاد فيما بين الإنسان ونفسه أن يجاهد في قهرها ومنعها عن لذاتها وشهواتها، وعما يعلم أنه يهلكها ويرديها.
وجهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع فيهم، وأن يشفق عليهم ويرحمهم، وألا يرجوهم ولا يخافهم.
وجها فيما بينه وبين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده، أو مَرمَّة لمعاشهن ولا يأخذ منها ما يضره في عقباه.
وكل هذه الأنواع يستقيم أن يسميها جهادا في سبيل الله.
ثم إن هذه الآية تنتظم مسائل ثلاثاً: إحدها: أن كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ؟
والثانية: أن كيف يرجى له النجاة إذا آمن بالله ورسوله، ولم يجاهد في سبيل الله وقد أوجب عليه ذلك؟
والثالثة: أن كيف يخاف عليه العذاب إذا آمن بالله ورسوله، وجاهد في سبيل الله، وأتى بالكبيرة مع قوله: ﴿ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ؟
أما الجواب عن المسألة الأولى: أنه يحتمل أن يكون المراد من هذه الآية أهل النفاق؛ فيكون المعنى من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ في الظاهر، ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، أي: تصدقون بقلوبكم.
ويجوز أن تكون من أهل الكتاب أيضاً فكأنه قال - عز وجل -: يأيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة، آمنوا بالله وبمحمد وبهذا الكتاب.
هذا إذا كان الكفار.
فأما إذا في المؤمنين يجوز أن يكون أمر بالإيمان من بعد ما آمنوا، بمعنى: الثبات عليه أو الزيادة وبحق التجدد، وأن الإيمان من حادث الأوقات له أسما ثلاثة: الزيادة، والثبات، والتجدد؛ وذلك أن الله ذكر هذا النوع في كتابه مرة باسم الزيادة؛ حيث قال: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ ، ومرة باسم الثبات بقوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، ومرة بالإيمان بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ .
فإن كان الزيادة والثبات، فذلك لطف من الله ؛ وذلك أن الزيادة والثبات هذا اسمان يطلقان على فعل دائم، وفعل الإيمان منقضٍ، ولكنه يجوز أن يكون الله بلطفه جعل المنقضي كالدائم؛ فيخرج هذه الفعل مخرج الزيدة والثبات، والله أعلم.
وإن كان على التجدد في الأوقات الحادثة، فذلك مستقيم؛ وذلك لأن المرء منهي عن الكفر في كل وقت يأتي عليه إذا أتى بالإيمان في ذلك الوقت انتهى عن الكفر؛ فصار لإيمانه حكم التجدد، والله أعلم.
وجائز أن يكون المراد بقوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : الاعتقاد، وإذا كان المراد منه ذلك، وأتى بما أمر من الاعتقاد بهذه الأمور، ولكنه لم يف بالفعل، فهو في رجاء من النجاة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
يعني: ذلك الذي أمركم به من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهوائكم.
﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
عيانا بعلمكم أن ذلك خير لكم.
وقوله : ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ .
يعني: يغفر الله لكم بتلك النجاة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً ﴾ .
يجوز أن يكون رغبهم في هذه الآية بما أمرهم بتركها؛ وذلك أنه أمرهم بمفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد بأنفسهم، ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ذلك آتاهم مكان كل ما فات عنهم خيراً منها: مكان ما فارقوا من المساكن يؤتيهم مساكن طيبة، ومكان ما أنفقوا من أموالهم يؤتيهم النعيم الدائم، ومكان ما أفنوا من حياتهم وأنفسهم يؤتيهم حياة دائمة باقية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .
يعني: ذلك الثواب الدائم هو الفوز العظيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ .
فكأنه يقول يعطيكم الله بتلك التجارة التي دلكم عليها ما ذكر من الثواب في الآجل، وأخرى تحبونها نصر من الله على أعدائكم في الدنيا، وفتح البلاد.
﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، بهما، وقد فعل الله ذلك بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ ﴾ هذا كلام يورث شبهة في القلب أن كيف قال ﴿ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ ﴾ والله لا يخاف [أحداً] حتى يستنصر عليه غيره؟
ولكن السبيل في كشف هذه الغمة عن القلوب هو المعنى في هذا وفي قوله: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ وقد وصفنا في ذلك أن الله جعل ما يصلون به أرحامهم ويتصدقون على فقرائهم كأنهم أقرضوا الله؛ كرماً منه وفضلا ولطفا، فكذل يحتمل أن يكون جعل ما ينصرون به دينه أو رسوله نصرا له .
وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، والمعنى في هذا: إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا رسول الله أو تنصروا الحق، والله أعلم أي ذلك كان.
ويحتمل أن يكون المراد من ذلك كله، أي: اجعلوا ما تنصرون به دينكم لله ولوجهه.
وكذلك قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ ﴾ : اجعلوا ذلك لله ولوجهه الكريم، ولا بد من أن يكون في هذه الآية إضمار: إما في الابتداء أو في الانتهاء حتى تستقيم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ فكأنه يقول: قل للذين آمنو: كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله؟
أو يكون معناه وإضماره في حق الإجابة، أي: أجيبوا لله ورسوله وكونوا أنصار له كما أجاب قوم عيسى بقولهم: ﴿ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ﴾ .
والحواريون: المتبصرون المنقون دينهم عن الشبهة، وهم قوم كانوا خيرة عيسى - - وخاصته حيث دعاهم إلى دينه فأجابوه وآمنوا به، ونقوا دينهم عن كل شبهة وآفة وعيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ هذا يحتمل أن يكون في حياة عيسى - - حين اتبعه الحواريون ثم دعا بعد ذلك قومه إلى دينه فآمنت طائفة وكفرت طائفة، ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ بالبراهين، والحجج على الطائفة الذين كفروا؛ ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ﴾ على أعدائهم بالحجج والبراهين.
ويجوز أن يكون بعد وفاة عيسى - - حين اختلفوا في ما هيته: فمنهم من قال: هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله؛ فكفرت به هذه الطائفة وآمنت به طائفة أخرى، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم حين وقع لهم قتال؛ فنصروا عليهم وظفروا، والله أعلم.
هذه التجارة الرابحة هي أن تؤمنوا بالله وبرسوله، وتجاهدوا في سبيله سبحانه بإنفاق أموالكم وبذل أنفسكم ابتغاء مرضاته؛ ذلك العمل المذكور خير لكم إن كنتم تعلمون فسارعوا إليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.azYpg"