الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ١٨ من سورة الملك
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة الملك: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ولقد كذب الذين من قبلهم ) أي : من الأمم السالفة والقرون الخالية ، ( فكيف كان نكير ) أي : فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم ؟
أي : عظيما شديدا أليما .
(أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) وهو الله (أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) وهو التراب فيه الحصباء الصغار (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ) يقول: فستعلمون أيها الكفرة كيف عاقبة نذيري لكم، إذ كذبتم به، ورددتموه على رسولي.
قوله تعالى : ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكيرقوله تعالى : ولقد كذب الذين من قبلهم يعني كفار الأمم ; كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وأصحاب الرس وقوم فرعونفكيف كان نكير أي إنكاري وقد تقدم .
وأثبت ورش الياء في " نذيري " ، و " نكيري " في الوصل .
وأثبتها يعقوب في الحالين .
وحذف الباقون اتباعا للمصحف .
فإن من قبلكم كذبوا كما كذبتم، فأهلكهم الله تعالى، فانظروا كيف إنكار الله عليهم، عاجلهم بالعقوبة الدنيوية، قبل عقوبة الآخرة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم.
( ولقد كذب الذين من قبلهم ) يعني كفار الأمم الماضية ( فكيف كان نكير ) أي إنكاري عليهم بالعذاب .
«ولقد كذب الذين من قبلهم» من الأمم «فكيف كان نكير» إنكاري عليهم بالتكذيب عند إهلاكهم، أي أنه حق.
ولقد كذَّب الذين كانوا قبل كفار "مكة" كقوم نوح وعاد وثمود رسلهم، فكيف كان إنكاري عليهم، وتغييري ما بهم من نعمة بإنزال العذاب بهم وإهلاكهم؟
ثم ذكرهم - سبحانه - بما جرى للكافرين السابقين فقال : ( وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ ) .
.أى : ووالله لقد كذب الذين من قبل كفار مكة من الأمم السابقة ، كقوم نوح وعاد وثمود .
.
فكان إنكارى عليهم ، وعقابى لهم ، شديدا ومبيرا ومدمرا لهم تدميرا تاما .فالنكير بمعنى الإِنكار ، والاستفهام فى قوله : ( فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ ) للتهويل .أى : إن إنكارى عليهم كفرهم كان إنكارا عظيما ، لأنه ترتب عليه ، أن أخذتهم أخذ عزيز مقتدر .كما قال - تعالى - : ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
يعني عاداً وثمود وكفار الأمم، وفيه وجهان: أحدهما: قال الواحدي: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ أي إنكاري وتغييري، أليس وجدوا العذاب حقاً.
والثاني: قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: وإنما سقط الياء من نذيري، ومن نكيري حتى تكون مشابهة لرؤوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.
وأما البرهان فهو أنه تعالى ذكر ما يدل على كمال قدرته، ومتى ثبت ذلك ثبت كونه تعالى قادراً على إيصال جميع أنواع العذاب إليهم؛ وذلك البرهان من وجوه: <div class="verse-tafsir"
﴿ مَّن فِي السمآء ﴾ فيه وجهان: أحدهما من ملكوته في السماء؛ لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه.
والثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب، كما تقول لبعض المشبهة: أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل، إذا رأيته يركب بعض المعاصي ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ قرئ: بالتاء والياء ﴿ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم ﴿ صافات ﴾ باسطات أجنحتهنّ في الجوّ عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً ﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قلت: لم قيل: ويقبضن، ولم يقل: وقابضات؟
قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة؛ لأنّ الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها.
وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن ﴾ بقدرته وبما دبر لهن من القوادم والخوافي، وبني الأجسام على شكل وخصائص قد تأتى منها الجري في الجو ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء بَصِيرٌ ﴾ يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ العَذابِ، وهو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَهْدِيدٌ لِقَوْمِهِ المُشْرِكِينَ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ﴾ باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها، فَإنَّهُنَّ إذا بَسَطْنَها صَفَفْنَ قَوادِمَها.
﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جَنُوبَهُنَّ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحْرِيكِ، ولِذَلِكَ عَدَلَ بِهِ إلى صِيغَةِ الفِعْلِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأصْلِ في الطَّيَرانِ والطّارِئِ عَلَيْهِ.
﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ في الجَوِّ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ.
﴿ إلا الرَّحْمَنُ ﴾ الشّامِلُ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ بِأنْ خَلَقَهُنَّ عَلى أشْكالِ وخَصائِصِ هَيْأتِهِنَّ لِلْجَرْيِ في الهَواءِ.
﴿ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ يَعْلَمُ كَيْفَ يَخْلُقُ الغَرائِبَ ويُدَبِّرُ العَجائِبَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} من قبل قومك {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكاري عليهم إذا أهلكتهم ثم نبه على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب بقوله
﴿ ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ كُفّارِ مَكَّةَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وأضْرابُهم والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِإبْرارِ الإعْراضِ عَنْهم ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ العَذابِ أيْ كانَ عَلى غايَةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهَذا هو مَوْرِدُ التَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ لا تَكْذِيبُهم فَقَطِ الكَلامُ في ﴿ نَكِيرِ ﴾ كالكَلامِ في ﴿ نَذِيرِ ﴾ وفي الكَلامِ مِنَ المُبالَغَةِ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني: يخافون الله تعالى ويخافون عذابه، الذي هو بِالْغَيْبِ، فهو عذاب يوم القيامة.
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يعني: مغفرة لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً عظيماً في الجنة ثم قال: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ.
اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد أو جهرتم به.
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر، وذلك أن جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: لا تجهروا بأصواتكم، فإن رب محمد يسمع فيخبره، قال الله تعالى للنبي : قل لهم يا محمد: أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ فإنه يعلم به.
ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين، فقال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: فكيف لا يعلم قول السر.
ثم قال عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ يعني: ألا يعلم السر، من خلق السر يعني: هو خلق السر في قلوب العباد، فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد؟
ثم قال: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ يعني: لطف علمه بكل شيء، يعني: يرى أثر كل شيء بما في القلوب من الخير والشر ويقال: لَطِيفٌ يرى أثر النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، خَبِيرٌ يعني: عالم بأفعال العباد وأقوالهم.
ثم ذكر نعمه على خلقه، ليعرفوا نعمته، فيشكروه ويوحدوه، فقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا يعني: خلق لكم الأرض ذلولاً، ومدها وذللها وجعلها لينة، لكي تزرعوا فيها، وتنتفعوا منها بألوان المنافع، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يعني: لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وجبالها.
وهذا خبر بلفظ الأمر وقال القتبي: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يعني: جوانبها.
ومنكبا الرجل: جانباه.
وقال قتادة: مَناكِبِها: جبالها.
قال: وكان لبشر بن كعب سرية، فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة لوجه الله؟
فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حرة.
فأراد أن يتزوجها، فسأل أبو الدرداء، فقال له: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
ويقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، أي: سهل لكم السلوك فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، أي: تمشون فيها.
وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ يعني: تأكلون من رزق الله تعالى وتشكرونه.
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ يعني: إلى الله تبعثون من قبوركم.
ويقال: معناه: هو الذي ذلل لكم الأرض، قادر على أن يبعثكم، لأنه ذكر أولاً خلق السماء، ثم ذكر خلق الأرض، ثم ذكر النشور.
ثم خوفهم، فقال عز وجل: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ؟
قال الكلبي، ومقاتل: يعني: أمنتم عقوبة من في السماء؟
يعني: الرب تعالى إن عصيتموه.
ويقال: هذا على الاختصار ويقال: أمنتم عقوبة من هو جار حكمه في السماء.
قرأ أبو عمرو، ونافع أَمِنتُمْ بالمد، والباقون بغير مد بهمزتين، ومعناهما واحد وهو الاستفهام، والمراد به التوبيخ.
وقرأ ابن كثير بهمزة واحدة بغير مد، على لفظ الخبر.
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ يعني: يغور بكم الأرض، كما فعل بقارون.
فَإِذا هِيَ تَمُورُ يعني: تدور بكم إلى الأرض السفلى.
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ يعني: عذاب من في السماء.
أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً يعني: حجارة كما أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ.
وقال القتبي: «أم» على وجهين، مرة يراد بها الاستفهام، كقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ، ومرة يراد بها أو، كقوله: أَمْ أَمِنْتُمْ ويعني: أو أمنتم.
وهذا كقوله: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [الإسراء: 68] .
ثم قال: فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ يعني: تعبيري عليهم بالعذاب.
ويقال: معناه سيظهر لكم كيف عذابي.
ثم قال: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الأمم الخالية كذبوا رسلهم، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟
يعني: كيف كانت عقوبتي إياهم وإنكاري لهم؟
ثم قال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ؟
يعني: أو لم يعتبروا في خلق الله تعالى كيف خلق الطيور؟
فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ يعني: باسطات أجنحتها في الهواء.
وَيَقْبِضْنَ يعني: ويضممن أجنحتهن ويضربن بها.
مَا يُمْسِكُهُنَّ يعني: ما يحفظهن في الهواء عند القبض والبسط.
إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يعني: عالماً بصلاح كل شيء.
<div class="verse-tafsir"
معناه: على الكَفَرَةِ باللَّهِ، والفَوْجُ: الفريقُ من الناس، وظاهر الآية أَنَّه لا يُلْقَى في جهنَّمَ أحَدٌ إلا سُئِلَ عَلى جهة التوبيخ.
وقوله سبحانه: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يحتملُ أنْ يكونَ من قولِ الملائكةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ من تمامِ كَلاَمِ الكفارِ للنُّذُرِ، قال الفخر «١» : وقوله- تعالى- عنهم: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ قيل إنما جَمَعُوا بين السَّمْعِ والعَقْلِ [لأن مَدَارَ التكليف على أدلة السمع والعقل] ، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يحتملُ معنيين: أحدُهما بالغَيْبِ الذي/ أُخْبِروا بهِ مِن النَّشْرِ والحشر والجنة والنار، فآمنوا بذلك وخَشُوا ربَّهم فيه ونحا إلى هذا قتادة «٢» ، والمعنى الثاني: أنهم يَخْشَوْنَ ربهم إذا غَابُوا عن أعْيُنِ الناس، أي: في خلَواتِهم في صلاتهم وعباداتهم.
وقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ ...
الآية، خطاب لجميع الخلق، وذَلُولًا بمعنى مذلولة، ومَناكِبِها قال مجاهد: هي الطُّرُقُ والفجاجُ «٣» ، وقال البخارِي: مَناكِبِها:
جَوَانِبُها، قال الغزالي- رحمه اللَّه-: جَعَلَ اللَّهُ سبحانَه الأَرْضَ ذَلُولاً لِعِبَادِه لاَ لِيَسْتَقِرُّوا في مناكِبها، بلْ لِيَتَّخِذُوهَا مَنْزِلاً فَيَتزَوَّدُونَ منها مُحْتَرِزِينَ من مصائدِها ومَعَاطبِها، ويتحقَّقُون أنّ العُمْرَ يَسِيرُ بهم سَيْرَ السفينةِ بِرَاكِبِها، فالناسُ في هَذَا العَالَمِ سُفْرُ وأوَّلُ منازلِهم المَهْدُ، وآخرُها اللحدُ، والوَطَنُ هو الجنَّةُ أو النَّارُ، والعُمْرُ مسافة السّفر، فسنوه مراحله، وشهوره
ثُمَّ خَوَّفَ الكُفّارَ فَقالَ: ﴿ أأمِنتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَإلَيْهِ النُّشُورُ وأمِنتُمْ" وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "النُّشُورُآمِنتُمْ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أأمِنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ "مَن في السَّماءِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمِنتُمْ عَذابَ مَن في السَّماءِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؟!
"وَتَمُورُ" بِمَعْنى: تَدُورُ.
قالَ مُقاتِلٌ: والمَعْنى: تَدُورُ بِكم إلى الأرْضِ السُّفْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ﴾ وهِيَ: الحِجارَةُ، كَما أُرْسِلَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ أيْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ إنْذارِي لَكم في الدُّنْيا إذا نَزَلَ بِكُمُ العَذابُ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ الأُمَمِ ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ﴾ أيْ: تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ، وتَقْبِضُ أجْنِحَتَها بَعْدَ البَسْطِ، وهَذا مَعْنى الطَّيَرانِ، وهو بَسْطُ الجَناحِ وقَبْضُهُ بَعْدَ البَسْطِ ﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ أنْ يَقَعْنَ ﴿ "إلا الرَّحْمَنُ" .
﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ ﴾ ﴿ أمْ أمِنتُمْ مَن في السَماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "أمِنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ: "النُشُورُ آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "النُشُورُ وأمِنتُمْ"، يُبْدِلُ الهَمْزَةَ واوًا لِكَوْنِها بَعْدَ ضَمَّةٍ، وبِمَدٍّ بَعْدَ الواوِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( مَن في السَماءِ ) جارٍ عَلى عُرْفِ تَلَقِّي البَشَرِ أوامِرَ اللهِ تَعالى، ونُزُولُ القَدْرِ بِحَوادِثِهِ ونِعَمِهِ ونِقَمِهِ وآياتِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلى ذَلِكَ صارَ رَفْعُ الأيْدِي والوُجُوهِ في الدُعاءِ إلى تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلى ذَلِكَ صارَ رَفْعُ الأيْدِي والوُجُوهِ في الدُعاءِ إلى تِلْكَ الجِهَةِ والناحِيَةِ.
"وَخَسْفُ الأرْضِ": أنْ تَذْهَبَ سُفْلًا.
و"تَمُورُ" مَعْناهُ: تَتَمَوَّجُ وتَذْهَبُ كَما يَذْهَبُ التُرابُ المَوّارُ في الرِيحِ، وكَما يَذْهَبُ الدَمُ المَوّارُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا".
و"الحاصِبُ": البَرْدُ وما جَرى مَجْراهُ؛ لِأنَّهُ في اللُغَةِ الرِيحُ تَرْمِي بِالحَصْباءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَرْجُمُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَسَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فَسَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ السَبْعَةُ وغَيْرُهُمْ: "نَذِيرٌ" بِغَيْرِ ياءٍ، عَلى طَرِيقِهِمْ في الفَواصِلِ المُشَبَّهَةِ بِالقَوافِي، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ وحْدَهُ: "نَذِيرِي" بِالياءِ عَلى الأصْلِ، وكَذَلِكَ في "نَكِيرِي"، و"النَكِيرُ": كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: فَأنْذَرَ مِثْلَها نُصْحًا قُرَيْشًا ∗∗∗ مِنَ الرَحْمَنِ إنْ قَبِلْتَ نَذِيرِي ثُمَّ أحالَ عَلى العِبْرَةِ في أمْرِ الطَيْرِ وما أحْكَمَ مِن خِلْقَتِها، وذَلِكَ يُبَيِّنُ عَجْزَ الأصْنامِ والأوثانِ، و"صافّاتٍ" جَمْعُ "صافَّةٍ" وهي الَّتِي تَبْسُطُ جَناحَيْها وتَصِفُهُما حَتّى كَأنَّها ساكِنَةٌ، و"قَبْضُ الجَناحِ" ضَمُّهُ إلى الجَنْبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ: ............
∗∗∗ يُحِثُّ الجَناحَ بِالتَبَسُّطِ والقَبْضِ وهاتانِ حالانِ لِلطّائِرِ يَسْتَرِيحُ مِن إحْداهُما لِلْأُخْرى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَيَقْبِضْنَ" عَطْفُ المُضارِعِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ، وذَلِكَ كَما عَطَفَ اسْمَ الفاعِلِ عَلى المُضارِعِ في قَوْلِ الشاعِرِ: باتَ يُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْوُقِها وجائِرِ وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أمَن" بِتَخْفِيفِ المِيمِ في هَذِهِ، وقَرَأ الَّتِي بَعْدَها مُثَقَّلَةً كالجَماعَةِ، و"الجُنْدُ" أعْوانُ الرَجُلِ عَلى مَذاهِبِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ بَعْدَ تَقْرِيرٍ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أمَّنْ هَذا.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن وَجه الله إليهم الخطاب تذكيراً واستدلالاً وامتناناً وتهديداً وتهويلاً ابتداء من قوله: ﴿ وأسروا قولكم أو اجهروا به ﴾ [الملك: 13] التفتَ عن خطابهم إلى الإِخبار عنهم بحالة الغيبة، تعريضاً بالغضب عليهم بما أتوه من كل تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا جديرين بإبعادهم عِزّ الحضور للخطاب، فلذلك لم يقل (ولقد كذب الذين من قبلكم) ولم يقطع توجيه التذكير إليهم والوعيد لعلهم يتدبرون في أن الله لم يدخرهم نصحاً.
فالجملة عطف على جملة ﴿ أم أمنتم مَن في السماء أن يرسل عليكم حاصباً ﴾ [الملك: 17] لمناسبة أن مما عوقب به بعض الأمم المكذبين من خسف أو إرسال حجارة من السماء وهم قوم لوط، ومنهم من خُسف بهم مثل أصحاب الرس.
ولك أن تجعل الواو للحال، أي كيف تأمنون ذلك عندما تكذبون الرسول في حال أنه قد كذب الذين من قبلكم فهل علمتم ما أصابهم على تكذيبهم الرسل.
ضرب الله لهم مثلاً بأمم من قبلهم كذبوا الرسل فأصابهم من الاستئصال ما قد علموا أخباره لعلّهم أن يتّعظوا بقياس التمثيل إن كانت عقولهم لم تبلغ درجة الانتفاع بأقيسة الاستنتاج، فإن المشركين من العرب عرفوا آثار عاد وثمود وتناقلوا أخبار قوم نوح وقوم لوط وأصحاب الرسّ وفرع ﴿ فكيف كان نكيرِ ﴾ استفهاماً تقريرياً وتنكيرياً وهو كناية عن تحقيق وقوعه وأنه وقع في حال فظاعة.
وقد أكد الخبر باللام و(قد) لتنزيل المعرّض بهم منزلة من يظن أن الله عاقب الذين من قبلهم لغير جرم أو لجرم غير التكذيب.
فهو مفرع على المؤكد، فالمعنى: لقد كذب الذين من قبلهم ولقد كان نكيري عليهم بتلك الكيفية.
و ﴿ نكير ﴾ ؛ أصله نكيري بالإضافة إلى ياء المتكلم المحذوفة تخفيفاً، كما في قوله: ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ [الملك: 17]، والمعنى: كيف رأيتم أثر نكيري عليهم فاعلموا أن نكيري عليكم صائر بكم إلى مثل ما صار بهم نكيري عليهم.
والمراد بالنكير المنظر بنكير الله على الذين مِن قبلهم، ما أفاده استفهام الإِنكار في قوله: ﴿ أأمنتم مَن في السماء أن يخسف بكم الأرض ﴾ [الملك: 16] وقوله: ﴿ أم أمنتم مَن في السماء أن يرسل عليكم حاصباً ﴾ [الملك: 17].
<div class="verse-tafsir"
﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَتَحَرَّكُ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: تَدُورُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: تُسِيلُ ويَجْرِي بَعْضُها في بَعْضٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ رَمَيْنَ فَأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرى دَمًا مائِرًا إلّا جَرى في الخَيازِمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: جبالها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: أطرافها.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة أن بشير بن كعب قرأ هذه الآية ﴿ فامشوا في مناكبها ﴾ فقال لجاريته: إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله، قالت: فإن مناكبها جبالها، فسأل أبا الدرداء رضي الله عنه، فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: أطرافها وفجاجها.
وأخرج الخطيب في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هذه الآية ﴿ قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ﴾ » .
وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هاتين الآيتين سبع مرات ﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ﴾ [ الأنعام: 98] إلى قوله: ﴿ يفقهون ﴾ ﴿ هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ﴾ إلى ﴿ تشكرون ﴾ فإنه يبرأ بإذن الله تعالى» .
وأخرج الطبراني وابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان والحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف» وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد محترفاً» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال: من أنتم؟
قالوا: المتوكلون، فقال: أنتم المتأكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه.
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أأمنتم من في السماء ﴾ قال: الله تعالى، وفي قوله: ﴿ فإذا هي تمور ﴾ قال: يمور بعضها فوق بعض واستدارتها، وفي قوله: ﴿ أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ قال: يبسطن أجنحتهن ﴿ ويقبضن ﴾ قال: يضربن بأجنحتهن.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إلا في غرور ﴾ قال: في باطل.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول حسان: تمنتك الأماني من بعيد ** وقول الكفر يرجع في غرور وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل لجوا في عتو ونفور ﴾ قال: في الضلال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بل لجوا في عتو ونفور ﴾ قال: كفور، وفي قوله: ﴿ أفمن يمشي مكبّاً على وجهه ﴾ قال: في الضلالة ﴿ أمَّنْ يمشي سويّاً على صراط مستقيم ﴾ قال: على الحق المستقيم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أفمن يمشي مكبّاً ﴾ قال: في الضلال ﴿ أمّن يمشي سويّاً ﴾ قال: مهتدياً.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن يمشي مكباً على وجهه ﴾ قال: هو الكافر عمل بمعصية الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه ﴿ أم من يمشي سويّاً على صراط مستقيم ﴾ يعني المؤمن عمل بطاعة الله يحشره الله على طاعته وفي قوله: ﴿ فلما رأوه ﴾ قال: لما رأوا عذاب الله ﴿ زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴾ قال: ساءت بما رأت من عذاب الله وهوانه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فلما رأوه زلفة ﴾ قال: قد اقترب.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ ﴿ وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ﴾ مخففة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم أنه قرأ ﴿ تدعون ﴾ مثقلة قال أبو بكر: تفسير تدعون تستعجلون.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَأَمِنتُمْ ﴾ الآية مقصودها التهديد والتخويف للكفار، وكذلك الآية التي بعدها ﴿ تَمُورُ ﴾ ذكر في [الطور: 9] ﴿ حَاصِباً ﴾ يحتمل أن يريد حجارة أو ريحاً شديدة ﴿ نَذِيرِ ﴾ بمعنى الإنذار وكذلك النكير بمعنى الإنكار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ من تفوّت ﴾ من التفعل: حمزة وعلي ﴿ هل ترى ﴾ بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ ولقد زينا ﴾ مثل ﴿ لقد سمع ﴾ : ابن فليح ﴿ فسحقا ﴾ بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون ﴿ أءمنتم ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر.
والباقون ﴿ ءأمنتم ﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿ نذيري ﴾ ﴿ ونكيري ﴾ كنظائرهما.
﴿ سيئت ﴾ مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.
﴿ يدعون ﴾ بسكون الدال: يعقوب.
﴿ أهلكني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة ﴿ معي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ فسيعلمون ﴾ على الغيبة: علي.
الوقوف ﴿ الملك ﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿ قدير ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ عملاً ﴾ ه ﴿ الغفور ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿ طباقاً ﴾ ط ﴿ تفاوت ﴾ ط ﴿ البصر ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿ فطور ﴾ ه ﴿ حسير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تفور ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿ الغيظ ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ يذنبهم ﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ أو اجهروا به ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ خلق ﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً.
﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من رزقه ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ هي تمور ﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿ أم أمنتم ﴾ ﴿ حاصبا ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ ويقبض ﴾ م ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ غرور ﴾ ه ﴿ رزقه ﴾ ط ﴿ ونفور ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ص ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ رحمنا ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج ومن قرأ ﴿ فسيعلمون ﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ معين ﴾ ه.
التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ وهو على ﴾ إيجاد ﴿ كل ﴾ ممكن وإعدامه ﴿ قدير ﴾ بيانه أنه ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك.
فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.
وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً.
أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى.
قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم.
زعم الكلبي أنه قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.
وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه.
ومعنى الغاية في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده.
وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.
عن النبي أنه تلاها فلما بلغ قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله.
وعنه أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى" والابتلاء مجاز كما مر في قوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ﴾ وفي الكهف قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مفعول ثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما ﴿ الذي خلق سبع سموات طباقاً ﴾ أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.
ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله أو لكل راءٍ.
والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ".
فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل.
وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " ﴿ وما لها من فروج ﴾ وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى ﴿ خاسئاً ﴾ بعيداً عن إصابة الملمس، قوله ﴿ ولقد زينا ﴾ قد مر تفسيره في " حم السجدة ".
والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به.
وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم.
وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ﴿ وللذين كفروا ﴾ الآية.
ثم وصف جهنم بصفات منمها أن ﴿ لها شهيقاً ﴾ تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار.
ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران.
قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل.
وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.
ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله ﴿ كلما ألقي ﴾ الآية.
على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع.
احتجوا بأنه ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير.
ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة ﴿ لو كنا نسمع ﴾ الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم.
احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي.
وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه.
قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة.
قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد.
وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب.
والفاء في قوله ﴿ فاعترفوا ﴾ للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا ﴿ بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.
قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.
ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه ﴿ فسحقاً ﴾ أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا.
والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً.
وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً ﴿ إن الذين ﴾ الآية.
وقد مر مراراً.
ثم هدد على العموم فقال ﴿ وأسروا ﴾ وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله ﴿ أنه عليم بذات الصدور ﴾ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم.
ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله .
وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية.
ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله.
وأنكر في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله ﴿ وهو اللطيف ﴾ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور.
وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة.
قوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ﴾ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز.
قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى.
قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ﴾ ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة.
ثم قال ﴿ وإليه النشور ﴾ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً.
ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله ﴿ من في السماء ﴾ ظاهر.
وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم ﴿ أأمنتم من ﴾ تزعمون أنه ﴿ في السماء ﴾ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء.
ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور".
والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً.
ثم هدد وأوعد قائلاً ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك.
وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة.
قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر.
وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري.
ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.
قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿ ويقبضن ﴾ دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح.
وإنما قال في " النحل " ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ وفي هذه السورة ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.
﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.
قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله ، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان.
والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي ﴿ هو جند لكم ﴾ هو ﴿ ينصركم من دون الرحمن ﴾ إن أرسل عذابه عليكم ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يشار إليه هذا الذي ﴿ يرزقكم ﴾ بزعمكم ﴿ إن أمسك ﴾ الله ﴿ رزقه ﴾ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم ﴿ بل لجوا في عتو ﴾ وتباعد عن الحق ﴿ ونفور ﴾ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية.
ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً ﴿ أفمن يمشي مكباً ﴾ قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب".
وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل.
وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة.
ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب.
وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر.
والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه.
وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله.
البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم ﴿ في الأرض ﴾ ثم أشار إلى المعاد بقوله ﴿ وإليه تحشرون ﴾ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين".
وحين أمر نبيه أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت.
قال أبو مسلم: المراد كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك ﴿ فلما رأوه ﴾ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ من قبيل ﴿ وسيق ﴾ وأجابهم الله بقوله ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك.
والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب.
قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة.
وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة.
قوله ﴿ سيئت ﴾ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل.
وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح.
قوله ﴿ وقيل هذا الذي ﴾ الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية.
وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.
و ﴿ تدعون ﴾ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.
وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين.
وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه.
يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول وعلى المؤمنين.
بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول.
﴿ قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ﴾ كما تتمنون فنقلب إلى الجنة ﴿ أو رحمنا ﴾ بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو ﴿ فمن يجير الكافرين من عذاب ﴾ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟
وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟
وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟
وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟
النوع الثاني في الجواب ﴿ قل هو الرحمن آمنا به ﴾ ولم نكفر كما كفرتم ﴿ وعليه ﴾ خاصة ﴿ توكلنا ﴾ لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟
ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.
عن الكلبي: لا تناله الدلاء.
والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ".
يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز.
قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا...
﴾ الآية.
وإذا ذلل لكم الأرض؛ لتمشوا في مناكبها، وتأكلوا من رزقه، فلا يجوز أن يكون خلقاً عبثا باطلا، فلا بد من الرجوع إليه، ليسألكم عما له خلق، أوفيتم بالذي خلق له، أو لم تفوا؛ وذلك أن المرء في الشاهد إذا أعطى إنسانا مالا استعمله في جهة من الجهات، فلا بد من أن يرجع إليه فيسأله هل استعمله في الذي أذن له فيه أم لا؟
وإذا ثبت أنه لم يخلقها عبثا باطلا، وإنما خلقت للمحنة؛ فلا بد من أن ينشروا إليه؛ ليخبروه عما بلاهم به وامتحنهم.
ثم احتمل أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً ﴾ فخلق تلك [الأشياء] كلها؛ ليمتحن أهلها [بها]، فعلى ذلك خلق الأرض ذلولا ليبلوكم بها.
ويحتمل أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ فأمر هناك بالنظر مرة بعد مرة هل ترى فيه تفاوتا أو فطورا؛ ليتبين عنده إذا لم ير فيه تفاوتا ولا فطورا وحدانية الرب وقدرته وسلطانه وحكمته، فأمرهم - أيضاً - بالمسير في الأرض والمشي في مناكبها وهي أطرافها - هل يرون فيها فطوراً أو تفاوتا؟
فإذا لم يروا فيها شيئا من ذلك، تقرر عندهم بجميع ما ذكرنا من الحكمة هناك، فهو في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً ﴾ موجود؛ ولأنه ذكرهم لطيف خلقه وتدبيره في خلق الأرض، وما له على الخلق من [عظيم النعمة] في حقهم، وهو أنه قدر لهم فيها أرزاقهم إلى حيث يمشون فيها، وهيأ لهم الرزق هنالك، ولا يحتمل أن يذلل لهم الأرض؛ فيضربون فيها حيث شاءوا ويستخرجون منها أقواتهم أينما تصرفوا عبثا باطلا، بل لا بد أن يستأديكم شكر ما أنعم عليكم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ .
هذه الآية في موضع المحاجة على منكري البعث، فكأنه يقول - والله أعلم -: إذا أنكرتم البعث وقد عرفتم الفرق بين العدو والولي وبين المطيع والعاصي، فكيف أمنتم عذابه في الدنيا أن ينزل بكم من فوق رءوسكم أو من تحت أرجلكم.
أو قد عصيتموه وعاديتموه بتكذيبكم رسوله واختياركم عبادة غيره، فكيف أمنتم نزول عذاب عليكم في حالتكم هذه، وأنتم لا تقرون بالآخرة؛ ليتأخر عنكم العذاب؟!
ثم قوله: ﴿ أَءَمِنتُمْ ﴾ أي: قد أمنتم.
والثاني: أنكم كيف أمنتم عذاب الله وأنتم تنكرون البعث؛ لتكون المحنة في الدنيا للجزاء في الآخرة، وهم يرون المحنة في الدنيا للجزاء في الدنيا؛ لأنهم كانوا يزعمون أن من وسع عليه في رزقه والنعيم في الدنيا فإنما وسع جزاء لعمله، ومن ضيق عليه العيش فإنما ضيق عقوبة له بما أساء من عمله، كما قال الله : ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ ﴾ ، فكانوا يعدون التضييق والتوسيع في الدنيا جزاء لصنيعهم، وكانوا يقرون بالمحنة في الدنيا، والمحنة تكون من الرجاء والخوف، وقد رجوتم إنزال الرزق عليكم من السماء، ورجوتم أن يخرج لكم من الأرض ما تتعيشون به وترزقون منه؛ فكيف لا تحذرون نزول العذاب عليكم من السماء أو إتيانه من الأرض، كما رجوتم النفع منهما جميعاً؟!
والثالث: أنكم إذا أنكرتم الرسول وجحدتموه، وقد انتهى إليكم حال من سبقكم من مكذبي الرسل، كيف عذبوا واستؤصلوا: فمنهم من أهلك بإمطار الحجارة [عليه من السماء]، ومنهم من أهلك بالخسف بالأرض، فكيف أمنتم أنتم أن ينزل عليكم ما نزل بهم وقد أوجدتم أنتم وتعاطيتم ما تعاطاه الذين أهلكوا من التكذيب؟!
ثم [قوله]: ﴿ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ أراد نفسه ، أخبر أنه إله السماء، لا على تثبيت أنه في الأرض سواه وعلى النفي أن يكون هو إله الأرض، بل هو في السماء إله وفي الأرض إله؛ وهو كقوله : ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ ليس فيه أن النجوى إذا كانت بين اثنين فهو لا يكون ثالثهم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: أأمنتم [من] في السماء ملكه وسلطانه، ولم تروا أحدا انتهى ملكه إلى السماء، فكيف تأمنون ممن بلغ ملكه السماء [؛ فكيف تأمنون مكره وتعادونه، وأنتم لا تجترئون على [معاداة] ملك من [ملوك الأرض] الذي لا يجاوز ملكه الأرض؛ هيبة منه وخوفاً من سلطانه، فكيف تأمنون عذاب من بلغ ملكه ما ذكرنا؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ .
قيل: تهوي في الأرض أبداً إلى أسفل السافلين.
وقيل: تمور بأهلها في قعرها على ما كانت من قبل تمور على ظهرها قبل أن توتد بالجبال، والحاصب: الحجارة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ .
أي: ستعلمون حال نذري الذين أنذروكم بالعذاب أنهم كانوا محقين فيه ولم يكونوا كاذبين كما زعمتم.
أو ستعلمون ما أنذركم به إذا وقع العذاب.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ ﴾ .
يذكرهم حال من تقدمهم من المكذبين وما حل بهم من النكير؛ ليرتدعوا عن التكذيب؛ فلا يحل بهم ما حل بأولئك.
ثم قوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ ﴾ أي: كيف كان إنكاري عليهم أليس وجدوه شديدا وحقّاً؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ .
قيل: صافات بأجنحتها لا يتحرك منها شيء، ويقبضن فما يمسكهن إلا الله في الحالين جميعاً، أعني: القبض والبسط.
وقال في آية أخرى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، [والجو: هو الهواء.
ثم قوله: ﴿ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ]، أي: لآيات للمؤمنين على الكفرة، وهكذا شأن الآيات إنما جعلت آيات للمؤمنين والأولياء على الكفرة والأعداء؛ لأن الكفرة تصل إليهم الآيات على ألسن الرسل والأنبياء والأولياء، فجعلت الآيات آيات للمؤمنين؛ ليحتجوا بها على أهل الكفر.
ثم الهواء ليس بمكان يمسك ما عليه من الأشياء مثل السماء والأرض فيما أنشئتا على حد يمسكان الأشياء ويقر عليهما الخلائق، وإذا كان كذلك [فإن الله] بلطفه أمسك الطير وقت طيرانها ووقت قبضها في الهواء، ومن قدر على إمساك الطير مع ثقله وتقريره في مكان لا تقر فيه الأشياء، لقادر على ما يشاء.
ثم في هذه الآية إنباء: أن لله في أفعال الطير صنعا وتدبيرا على ما يشاء؛ لأن الفعل الذي يوجد من الطائر الطيران إذا طار والوقوف إذا قبض، ثم أضاف فعل الإمساك؛ وكل ذلك إلى نفسه.
وذكر عن جعفر بن حرب في قوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : أن الإمساك كناية عن التعليم وعبارة عنه؛ لأنه قد يعبر بالإمساك عن التعليم؛ يقول الرجل لآخر فيما يعلم الرماية: أمسكت على يده حتى رمى، فيريد به، أي: توليت تعليمه الرماية، فقوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ أي: ما يعلم إمساكهن وقت الطيران إلا الله ؛ وكذلك وقت القبض.
والجواب عن هذا أن القائل يقول: (أمسكت على يده حتى رمَى)، إنما يستجيز إطلاق هذا اللفظ من نفسه إذا وجد منه فعل الإمساك في وقت ما يهم الرامي بالرمي، وأما إذا لم يوجد منه في ذلك الوقت فعل الإمساك، لم يستقم أن يقال: أمسكت على يده، وإن كان هو الذي علمه الرمي؛ ألا ترى أن من علم آخر الخياطة حتى اهتدى الخياطة إذا خاط ثوباً، لم يستجز أستاذه أن يقول: أنا الذي خطته، وإن كان هو الذي علمه الخياطة؛ وكذلك من بنى بناء، لم يستقم من أستاذه أن يضيف فعل البناء إلى نفسه؛ فيقول: أنا الذي بنيته، ويريد به: أنا الذي علمته، وإذا لم يستقم هذا، بطل أن يضاف فعل الإمساك إلى الله ، ولا فعل له في ذلك سوى التعليم، فلو كانت الإضافة إليه من حيث التعليم، لجاز أن ينسب إليه فعل الخياطة وفعل البناء والحياكة، فيقال: خائط وبانٍ وحائك؛ لأنه هو الذي علم، وإذا بطل أن ينسب إليه ما ذكرنا من الأفعال وإن كان هو الذي علم الخلق، بطل أن ينسب إليه فعل الإمساك من حيث التعليم، والله الموفق.
واحتج جعفر بن حرب - أيضا - في نفي الفعل عن الله ، فقال: إن الله - - لم يقل: ما خلق طيرانهن إلا الله ولا خلق القبض إلا الله، وإنما قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ ، فثبت أنه لا صنع له في الإمساك، وبان أن الذي أضيف إليه من الإمساك هو على الوجه الذي ذكرنا.
فالجواب عن هذا: أن الأمة فهمت من قوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ ما يفهم من قوله: ما خلق طيرانهن وقبضهن إلا الله؛ إذ هو يقتضي ما يقتضيه ذكر الخلق، وإذا كان كذلك، فلا فرق بين أن يضيف الخلق نفسه، وبين أن يضيف فعل الإمساك، ثم لو ذكر الخلق مكان الإمساك، أمكن [جعفرا أن يتأول] في الخلق ما تأول في الإمساك، فيقول: معنى قوله: خلق طيرانهن، أي: علم طيرانهن، وقوَّاهن على الأسباب التي بها تطير، فلا يتهيأ لله على قوله أن يثبت لخلقه و [لا] يقرر عندهم خلق شيء من الأشياء.
ثم الأصل أن الآيات المذكورة في القرآن إنما ذكرت لإثبات أوجه خمسة: أحدها: في تثبيت القدرة على البعث، وهي لا تثبت القدرة، ولا توجب القول بالبعث على قول المعتزلة؛ وذلك أن الله احتج في تثبيت القدرة على البعث بقدرته على ابتداء الخلق، فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ ، وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، [فاحتج بأمر الابتداء] على تثبيت القدرة على الإعادة، [وليس فيه ما يثبت القدرة على الإعادة] عندهم؛ لأنهم نفوا خلق الأفعال عن الله مع إقرارهم أن الله هو الذي ابتدأ الخلائق، وهو الذي أنشأهم، ولم يكن في إثبات القدرة على خلق الأعيان إثبات قدرة منه على خلق الأفعال، وإن كان خلق الأفعال دون خلق الأنفس، فكيف ذكر قدرته على ابتداء الخلق على تثبيت القدرة على الإعادة، وإن كان أمر الإعادة أيسر من الابتداء، مع أن آثار الخلق في أفعال العباد وإثبات التدبير فيها أوجد منه في أمر البعث؛ وذلك أنك تجد من الأفعال أفعالا هي مؤذية لأهلها متعبة مؤلمة، ومعلوم بأن قصد أربابها أن يتلذذوا بها ويتمتعوا بها؛ فثبت أن لغيرهم فيها تدبيرا وصنعا حتى صارت كذلك؛ ولأنه يوجد في أفعالهم أحوال لا تبلغها أوهامهم ولا تقدرها عقولهم؛ لأن الفعل يأخذ من الجو والمكان والوقت ما لا تقدره الأوهام ولا تبلغه العقول؛ فثبت أن لغيره فيه صنعا وتدبيرا؛ ولأن فعله يخرج على قبيح وحسن، لا [يبلغ علم] فاعله أنه يبلغ في الحسن والقبح ذلك المبلغ، وينتهي في الحسن مبلغا لو أراد أن يخرج على ذلك الحد في المرة الثانية لم يخرج كذلك، فكل ما ذكرنا يبين أن جميع أفعالهم على ما هي عليه ليست لهم، ثم مع ذلك أنكروا أن تكون الأفعال من جهة الخلق لله ، ولم يظهر شيء من أمارات البعث ولا وجد فيه التدبير؛ فصارت الكفرة في إنكارهم أمر البعث أعذر من المعتزلة في إنكارهم خلق الأفعال، ولم يوجب القول بالقدرة على ابتداء الخلق قولا بالقدرة على إنشاء البعث والإعادة بعد الإفناء؛ فثبت أن ليس في الآيات التي جعلها الله دلالة إثبات البعث على قولهم.
والوجه الثاني: في تثبيت الوحدانية، وجعل دليل وحدانيته توحده بخلق الأشياء وتفرده بإنشائها؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ \[المؤمنون: 91\]، وعلى قول المعتزلة: هو غير متوحد بخلق الأشياء، بل أكثر خلق الأشياء كان بالعباد لا بالله ، وإذا لم يوجد منه التوحد والتفرد بخلق الأشياء ارتفع وجه الاستدلال من هذا الوجه على معرفة الصانع ووحدانيته، وإذا كان كذلك، لم تثبت وحدانية الله - على قولهم - من الوجه الذي جعله دليل الإثبات.
والوجه الثالث: وهو أن الآيات ذكرت في إثبات حكمة الله ، وجعل دليل حكمته خلق السماوات والأرضين وغيرهما من الأشياء، ونحن إنما عرفنا خلق السماوات والأرضين بما شاهدناهما مجتمعين، والاجتماع حادث فيهما، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث، والحادث لا بد له من محدث، ولولا ذلك لم نعرفه ولا يثبت لنا خلقهما، وعلى قول المعتزلة: الجمع والتفريق لا يدل على الخلق؛ لأن كل من له القوة يقدر على جمع الأشياء وتفريقها، والاجتماع والتفريق فعل الجامع والمفرق؛ لقولهم بالمتوالدات، فمن استحكمت قوته أمكنه جميع الأشياء؛ لقوته ومن ضعفت قوته جَمَعَ على قدر ما ينتهي إليه قوته، وإذا كان كذلك لم يتبين عند الخلائق على قولهم: إن الله - - هو الذي خلق السماوات والأرضين؛ إذ خلقهما لا يعرف إلا من الوجه الذي ذكرنا؛ وذلك مما [لا] يجوز تحققه إلا بالله .
وجائز أن يكون الله أقدر ملكا من ملائكته وقواه على خلق السماوات والأرض، وإذا كان كذلك لم يظهر بما ذكرنا: أن الله هو الخالق لهما؛ فبطل أن يكون في خلق السماوات والأرضين وفي خلق سائر الأشياء - دلالة حكمته وقدرته ووحدانيته، وقد جعل الله خلقهما دلالة لهذه الأوجه التي ذكرناها.
والثاني: أنه جعل إتقان الأشياء وإحكامها علما لحكمته، وقد يقع الإتقان والإحكام للأشياء لا به، ثم لم يجعل الله - - لشيء مما أتقن وأحكم علما يتميز من بين ما أتقنه غيره وأحكمه، فصار الإتقان والإحكام غير دال على حكمته، بل صار دليلا على عجزه وضعفه، حيث لم يتهيأ له تمييز ما صار به متقنا وما بغيره صار كذلك؛ ولأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه ويتبين ما له مما ليس له، ومن قولهم: إن الله أعطى الكافر قوة الإيمان، ولم يبق في خزائنه ما جعل سببا يتوصل به إلى الإيمان إلا وقد أعطاه، مع علمه أنه لا يؤمن به، وهذا من أعظم الجهل وأبين السفه في الشاهد؛ لأن المرء إذا قام بسقي أرض وعمارتها بالكِرَاب والبنيان وألقى البذر فيها مع علمه أنها لا تنبت شيئاً عد ذلك منه سفهاً وجهلاً، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها حكيماً، وقال - -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، وعلى قول المعتزلة: قد خلق غيره الحياة والموت جميعاً؛ لأن القتيل ميت بالاتفاق، ثم لا يجعل أهل الاعتزال لله - - في موته صنعاً، ويزعمون أنه مات قبل أجله، فإذا قدر غيره على الإماتة، ويقدر غيره أيضاً على الإحياء بالأسباب؛ لأنه يسقي الأرض والزرع ويكون في سقيه إحياؤها، فلم يتفرد هو بخلق الموت ولا بالحياة على قولهم، بل شركه غيره في خلق الأشياء، فيبطل امتداحه - على قولهم - نفسه بأنه خالق الأشياء.
والوجه الرابع: أنه احتج بعلمه بأفعال الخلق بخلقه تلك الأفعال، وذلك قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ ، وهم قد نفوا الخلق عن الأفعال، وإذا انتفى لم يقع له بها علم؛ فصارت الآيات التي فيها إثبات العلم لا تثبت علما على قولهم، ويكون فيه كذب في الخبر، الله عن ذلك.
والوجه الخامس: أنه سمى نفسه: محسنا منعما، وأثبت إحسانه وإنعامه بآيات احتج بها على خلقه، وما من نعمة أنعم بها على العباد إلا وقد كانوا لها مستوجبين على الله ؛ فيصير الله بإعطائهم ذلك قاضيا ما عليه من الحق بالنعمة، ومن قضى آخر حقّاً كان [عليه] لم يصر به منعما مفضلا، وإنما صار قاضي حق، فصارت الآيات التي فيها إثبات النعم غير مثبتة على قولهم، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ .
أي: بكل شيء لَطُفَ أو جل أو استتر أو ظهر أو اختلط بغيره أو تميز، فهو بصير يبلغه إلى أجله الذي ضرب له، ويأتيه بالرزق الذي قدر له.
أو بصير بأفعال الخلق ما كان وما يكون؛ لأنه ذكر على أثر ذكر الأفعال، وهو قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ .
ثم في قوله: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ ترهيب وترغيب وإلزام المراقبة والتيقظ والتبصر؛ وكذلك في قوله: أنه ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ و ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ؛ لأن من علم أن عليه حافظا ورقيبا يعلم بكل شيء يتعاطاه فهو لا يتعاطى إلا المحمود من الفعال والمرضي منها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .
فهذا صلة قوله: ﴿ أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ﴾ ، ثم قال: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ إذا خسف بكم الأرض وأرسل عليكم حاصبا من السماء.
وجائز أن يكون على التقديم والتأخير؛ فيكون معناه: أمن هذا الذي هو جند لكم من دون الرحمن ينصركم من عذاب الله إن حل بكم.
أو يكون قوله: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ ﴾ يدفع عنكم العذاب من دون الله إذا حل بكم.
وجائز أن يكون أريد بالجند: آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ، فكانوا يعبدونها لتنصرهم ويعزوا بها؛ قال الله - -: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، ثم هم قد علموا أنها لا تقوم بنصرهم ولا تدفع الذل عنهم فيعزوا بها؛ لأنهم كانوا يفزعون إلى الله عندما يحل [بهم الشدائد] والذل، كما قال - -: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ ، ويتركون الفزع إلى آلهتهم؛ لعلمهم أنها لا تعزهم ولا تنصرهم، فذكرهم في حالة الأمن ما قد عرفوا وقوعه في حالة الخوف؛ لينقلعوا عن عبادة الأصنام ويقبلوا على عبادة رب الأنام؛ ليدفع عنهم الشدائد والأهوال والآلام إذا حلت بهم من خاص أو عام، ويقوم بعزهم إذا لحقهم الذل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ ﴾ .
أي: اغتروا في عبادتهم آلهتهم؛ لتقوم بنصرهم وعزهم، مع ما علموا أنها لا تدفع عنهم شدة ولا تحصل لهم عزّاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ﴾ .
هم كانوا يرجون رزقهم من السماء والأرض، فيقول: من [ذا] الذي يرزقكم إن لم يرسل عليكم من السماء مطرا، ولا زلل لكم الأرض للنبات.
وقد علموا أيضاً أن لا رازق لهم غير الله ؛ لأنهم كانوا يفزعون إليه بالسؤال للرزق عندما يبلون بالقحط والجدوبة، فذكرهم في حال السعة ما له عليهم من عظيم النعمة في توسيع الرزق عليهم؛ ليشكروه ولا يكفروه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴾ .
فالعاتي: هو المارد الشديد السفه؛ فكأنه يقول: لجوا وعتوا في قبول الحق، وتمادوا في طغيانهم، ولم يتذكروا ولم يراقبوا الله ، ولم يشكروا له، بل بعدوا عن قبول ذلك كله، فقوله: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ ﴾ يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: على التخويف والتهويل.
والثاني: على التنبيه والتذكير، وتسفيه أحلامهم.
والثالث: على البشارة لرسول الله بالنصر له [وبإجابة دعوته] على أهل الكفر.
فوجه التنبيه والتذكير وتسفيه الأحلام ما ذكرنا: أنهم قوم كانوا يعبدون الأصنام لتنصرهم وتعزهم في الدنيا، وليبتغوا به الرزق من عندها؛ إذ هم كانوا لا يؤمنون بالبعث؛ ليطلبوا بعبادتها عين الآخرة والنصر فيها، وإنما كانوا يطمعون ذلك منها في الدنيا، ثم هم في الدنيا كانوا إذا نزلت بهم الشدة والفزع تضرعوا إلى الله ، كما قال: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، ولم يكونوا يفزعون إلى أصنامهم؛ فكيف اتخذوها جندا ينصرهم عند النوائب، وقد أحاط علمهم أنها لا تنصرهم ولا تغني عنهم من عذاب الله شيئاً؟!
فيكون فيه تسفيه أحلامهم، وتنبيه من عذاب الله؛ ليمنعهم ذلك عن عبادة غير الله ، ويدعوهم إلى عبادة من يملك دفع الشدائد عنهم إذا حلت بهم.
وأما وجه التخويف، فهو: أنه يجوز أن يكون قيل لهم هذا عندما ابتلوا بالشدائد وضيق العيش، فيقول لهم: استنصروا من آلهتكم واسألوا الرزق من عندها، هل يملكون لكم رزقا أو يدفعون عنكم ذلا، وهل يقوون على نصركم؟!
وجائز أن يكون فيه بشارة لرسول الله بالنصر له [وبإجابة دعوته] وقد وجد النصر له؛ لأنه غلب عليهم يوم فتح مكة، ولم يتهيأ لأهلها أن ينتصروا، بل غلبوا وقهروا وفاز رسول الله بالغلبة والقهر ومن كان معه حتى استكانوا ولانوا وتضرعوا إلى رسول الله في ذلك حتى دعا لهم، وابتلوا أيضاً بالقحط والسنين؛ بدعاء رسول الله حتى رفع الله عنهم القحط.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
ففي هذه الآية تذكير وتنبيه وتخويف وتهويل وتعريف حال هي على خلاف ما هم عليها في الحال.
ثم ذكر الصراط في الذي يمشي [سويّاً، ولم يذكر الصراط في الذي يمشي] مكبّاً، فهو على الإضمار كأنه يقول: أفمن يمشي مكبّاً على غير الصراط أهدى، أمن يمشي سويّاً على [صراط مستقيم]؟!
فيكون هذا تذكيراً وتنبيهاً وتسفيهاً لأحلامهم؛ لأن الذين آثروا الإيمان وسلكوا طريقه، فإنما سلكوا بالحجج والبراهين، والذين آثروا الكفر آثروه من غير حجة، بل حيرتهم وسفههم هما اللذان دعواهم إلى التزام الكفر [والتدين به]، ومن آثر [الحيرة والعمى] على الهدى والرشاد فهو سفيه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ ﴾ أي: أهدى طريقا، أم الذي يمشي سويا على صراط مستقيم، وحق هذا الكلام أن يقال: بل الذي يمشي على صراط مستقيم هو الأهدى من الذي يختار الطريق المعوج الزائغ عن الرشاد، فيكون في الوجه الأول معنى التخويف والتذكير والتنبيه جميعاً، وفي الوجه الثاني تذكير وتنبيه.
وقولنا بأن فيه تعريف حَالٍ خلاف الحال التي هم عليها: أن كل واحد من الفريقين - أعني به: أهل الإسلام وأهل الكفر - يزعم أنهم على الهدى، والفريق الآخر على الضلال، وإذا اتفقت الدعاوي على تضليل أحد الفريقين، ثم لا بد أن يكون جزاء الضال غير جزاء المهتدي، وجزاء الولي غير جزاء العدو.
ثم الدنيا تمر على الفريقين على جهة واحدة؛ فلا بد من تثبيت دار أخرى، والقول بها للجزاء، فيكون فيما ذكروا إيجاب القول بالبعث والإقرار به؛ فهذا الذي ذكرنا هو يعرفهما خلاف الحالة التي هم عليها؛ ولأن الذي يمشي مكبا على غير الطريق هو الأعمى الذي لا يبصر، [و] المقعد الذي لا يقوى على المشي، والذي يمشي سويا على صراط مستقيم هو الذي ليست به زمانة ولا به عمى يمنعه عن الصراط؛ فيكون قوله: ﴿ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ هو الأعمى، والذي يمشي سويا على صراط مستقيم هو السميع البصير؛ فيكون معناه ما قال في سورة هود: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ولقد كذّبت الأمم التي سبقت هؤلاء المشركين، فنزل عليهم عذاب الله لما أصرّوا على كفرهم وتكذيبهم، فكيف كان إنكاري عليهم؟!
لقد كان إنكارًا شديدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.02PYo"