الآية ٢ من سورة الملك

الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ٢ من سورة الملك

ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الملك: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الملك عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( الذي خلق الموت والحياة ) واستدل بهذه الآية من قال : إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق .

ومعنى الآية : أنه أوجد الخلائق من العدم ، ليبلوهم ، ويختبرهم أيهم أحسن عملا ؟

كما قال : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) [ البقرة : 28 ] فسمى الحال الأول - وهو العدم - موتا ، وسمى هذه النشأة حياة .

ولهذا قال : ( ثم يميتكم ثم يحييكم ) [ البقرة : 28 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا خليد ، عن قتادة في قوله : ( الذي خلق الموت والحياة ) قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله أذل بني آدم بالموت ، وجعل الدنيا دار حياة ، ثم دار موت ، وجعل الآخرة دار جزاء ، ثم دار بقاء " .

ورواه معمر ، عن قتادة .

وقوله : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) أي : خير عملا كما قال محمد بن عجلان : ولم يقل أكثر عملا .

ثم قال : ( وهو العزيز الغفور ) أي : هو العزيز العظيم المنيع الجناب ، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب ، بعدما عصاه وخالف أمره ، وإن كان تعالى عزيزا ، هو مع ذلك يغفر ، ويرحم ، ويصفح ، ويتجاوز .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ) فأمات من شاء وما شاء، وأحيا من أراد وما أراد إلى أجل معلوم (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ) يقول: ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع، وإلى طلب رضاه أسرع.

وقد حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ) قال: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ) ذكر أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: " إنَّ الله أذَلَّ ابْنَ آدَمَ بالمَوْتِ".

وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ ) يقول: وهو القويّ الشديد انتقامه ممن عصاه، وخالف أمره (الْغَفُورُ ) ذنوب من أناب إليه وتاب من ذنوبه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفورفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة فيه مسألتان : قيل : المعنى خلقكم للموت والحياة ; يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدم الموت على الحياة ; لأن الموت إلى القهر أقرب ; كما قدم البنات على البنين فقال : يهب لمن يشاء إناثا .

وقيل : قدمه لأنه أقدم ; لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوه .

وقال قتادة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت ، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت ، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء " .

وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لولا ثلاث ما [ ص: 191 ] طأطأ ابن آدم رأسه : الفقر والمرض والموت ، وإنه مع ذلك لوثاب " .المسألة الثانية : الموت والحياة قدم الموت على الحياة ، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه ; فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم ، قال العلماء : الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف ، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته ، وحيلولة بينهما ، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار .

والحياة عكس ذلك .

وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل أن الموت والحياة جسمان ، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء - وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها - خطوتها مد البصر ، فوق الحمار ودون البغل ، لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حيي ، ولا تطأ على شيء إلا حيي .

وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي .

حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس .

والماوردي : معناه عن مقاتل والكلبي .قلت : وفي التنزيل : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ، ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ثم توفته رسلنا ، ثم قال : الله يتوفى الأنفس حين موتها .

فالوسائط ملائكة مكرمون صلوات الله عليهم .

وهو سبحانه المميت على الحقيقة ، وإنما يمثل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على الصراط ; حسب ما ورد به الخبر الصحيح .

وما ذكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر صحيح يقطع العذر .

والله أعلم .

وعن مقاتل أيضا : خلق الموت ; يعني النطفة والعلقة والمضغة ، وخلق الحياة ; يعني خلق إنسانا ونفخ فيه الروح فصار إنسانا .قلت : وهذا قول حسن ; يدل عليه قوله تعالى : ليبلوكم أيكم أحسن عملا وتقدم الكلام فيه في سورة " الكهف " .

وقال السدي في قوله تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ ص: 192 ] أي أكثركم للموت ذكرا وأحسن استعدادا ، ومنه أشد خوفا وحذرا .

وقال ابن عمر : تلا النبي صلى الله عليه وسلم : تبارك الذي بيده الملك حتى بلغ : أيكم أحسن عملا فقال : أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله .

وقيل : معنى ليبلوكم ليعاملكم معاملة المختبر ; أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره ، وبالحياة ليبين شكره .

وقيل : خلق الله الموت للبعث والجزاء ، وخلق الحياة للابتلاء .

فاللام في ليبلوكم تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت ; ذكره الزجاج .

وقال الفراء والزجاج أيضا : لم تقع البلوى على " أي " لأن فيما بين البلوى و " أي " إضمار فعل ; كما تقول : بلوتكم لأنظر أيكم أطوع .

ومثله قوله تعالى : سلهم أيهم بذلك زعيم أي سلهم ثم انظر أيهم .

ف " أيكم " رفع بالابتداء و " أحسن " خبره .

والمعنى : ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا .وهو العزيز في انتقامه ممن عصاه .الغفور لمن تاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وخلق الموت والحياة أي: قدر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم؛ { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } أي: أخلصه وأصوبه، فإن الله خلق عباده، وأخرجهم لهذه الدار، وأخبرهم أنهم سينقلون منها، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء.

{ وَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء، وانقادت له المخلوقات.

{ الْغَفُورُ } عن المسيئين والمقصرين والمذنبين، خصوصًا إذا تابوا وأنابوا، فإنه يغفر ذنوبهم، ولو بلغت عنان السماء، ويستر عيوبهم، ولو كانت ملء الدنيا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذي خلق الموت والحياة ) قال عطاء عن ابن عباس : يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة .

وقال قتادة : أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا جعل الله الدنيا دار حياة وفناء ، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء .

قيل إنما قدم الموت لأنه إلى القهر أقرب : وقيل : قدمه لأنه أقدم لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوهما ثم اعترضت عليها الحياة .

وقال ابن عباس : خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء [ أنثى ] وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي ، وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها فألقى على العجل فحيي .

( ليبلوكم ) فيما بين [ الحياة إلى الموت ] ( أيكم أحسن عملا ) روي عن ابن عمر مرفوعا : " أحسن عملا " أحسن عقلا وأورع عن محارم الله ، وأسرع في طاعة الله وقال فضيل بن عياض " أحسن عملا " أخلصه وأصوبه .

وقال : العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا ، الخالص : إذا كان لله ، والصواب : إذا كان على السنة .

وقال الحسن : أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها .

وقال الفراء : لم يوقع البلوى على " أي " [ إلا ] وبينهما إضمار كما تقول بلوتكم لأنظر أيكم أطوع .

ومثله : " سلهم أيهم بذلك زعيم " ( القلم - 40 ) أي : سلهم وانظر أيهم ف " أي " : رفع على الابتداء " وأحسن " خبره ( وهو العزيز ) في انتقامه ممن عصاه ( الغفور ) لمن تاب إليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذي خلق الموت» في الدنيا «والحياة» في الآخرة أو هما في الدنيا فالنطفة تعرض لها الحياة وهي ما به الإحساس، والموت ضدها أو عدمها قولان، والخلق على الثاني بمعنى لتقدير «ليبلوكم» ليختبركم في الحياة «أيكم أحسن عملا» أطوع لله «وهو العزيز» في انتقامه ممن عصاه «الغفور» لمن تاب إليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذي خلق الموت والحياة؛ ليختبركم - أيها الناس-: أيكم خيرٌ عملا وأخلصه؟

وهو العزيز الذي لا يعجزه شيء، الغفور لمن تاب من عباده.

وفي الآية ترغيب في فعل الطاعات، وزجر عن اقتراف المعاصي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ، ما يدل على شمول قدرته ، وسمو حكمته ، فقال ( الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً .

.

) .والموت : صفة وجودية تضاد الحياة : والمراد بخلقه : إيجاده .

أو هو عدم الحياة عما هى من شأنه .

والمراد بخلقه على هذا المعنى : تقديره أزلا .واللام فى قوله : ( لِيَبْلُوَكُمْ .

.

.

) متعلقة بقوله : ( خَلَقَ ) وقوله : ( لِيَبْلُوَكُمْ ) بمعنى يختبركم ويمتحنكم .

.

.وقوله ( أَيُّكُمْ ) مبتدأ ، و ( أَحْسَنُ ) خبره ، و ( عَمَلاً ) تمييز ، والجملة فى محل نصب مفعول ثان لقوله ( لِيَبْلُوَكُمْ ) .والمعنى : ومن مظاهر قدرته - سبحانه - التى لا يعجزها شئ ، أنه خلق الموت لمن يشاء إماتته ، وخلق الحياة لمن يشاء إحياءه ، ليعاملكم معاملة من يختبركم ويمتحنكم ، أيكم أحسن عملا فى الحياة ، لكى يجازيكم بما تستحقونه من ثواب .

.أو المعنى : خلق الموت والحياة ، ليختبركم أيكم أكثر استعدادا للموت ، وأسرع إلى طاعة ربه - عز وجل - .قال القرطبى ما ملخصه : قوله : ( الذي خَلَقَ الموت والحياة ) .

.

قيل : الذى خلقكم للموت والحياة ، يعنى : للموت فى الدنيا والحياة فى الآخرة .وقدم الموت على الحياة ، لأن المخوت إلى القهر أقرب .

.

وقيل : لأنه أقدم ، لأن الأشياء فى الابتداء كانت فى حكم الموت .

.

وقيل : لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل ، من نصب موته بين عينيه ، فقدم لأنه ف يما يرجع على الغرض الذى سبقت له الآية لهم .قال قتادة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله - تعالى - أذل ابن آدم بالموت ، وجعل الدنيا دار حياة ، ثم دار موت ، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء .

.

" .وعن أبى الدرداء أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه : الفقر والمرض والموت ، وإنه مع ذلك لوَثَّاب .

.

" .وقال العلماء : الموت ليس بعدم محض ، ولا فناء صرف ، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته ، وحيلولة بينهما ، وتبدل حال ، وانتقال من دار إلى دار ، والحياة عكس ذلك .

.وأوثر بالذكر من المخلوقات الموت والحياة ، لأنهما أعظم العوارض لجنس الحيوان ، الذى هو أعجب موجود على ظهر الأرض ، والذى الإِنسان نوع منه ، وهو المقصود بالمخاطبة ، إذ هو الذى رضى بحمل الأمانة التى عجزت عن حملها السموات والأرض .

.والتعريف فى الموت والحياة للجنس .

و " أحسن " أفعل تفضيل ، لأن الأعمال التى يقوم بها الناس فى هذه الحياة متفاوته فى الحسن من الأدنى إلى الأعلى .وجملة ( وَهُوَ العزيز الغفور ) تذييل قصد به أن جميع الأعمال تحت قدرته وتصرفه .أى : وهو - سبحانه - الغالب الذى لا يعجزه شئ الواسع المغفرة لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من عباده ، كما قال - تعالى - : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ الذى خَلَقَ الموت والحياة ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في الموت، فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قولهم بأنه تعالى قال: ﴿ الذى خَلَقَ الموت ﴾ والعدم لا يكون مخلوقاً هذا هو التحقيق، وروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فارس يلقاه فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحتها شيء إلا حيي.

واعلم أن هذا لابد وأن يكون مقولاً على سبيل التمثيل والتصوير، وإلا فالتحقيق هو الذي ذكرناه.

المسألة الثانية: إنما قدم ذكر الموت على ذكر الحياة مع أن الحياة مقدمة على الموت لوجوه: أحدها: قال مقاتل: يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة والحياة نفخ الروح.

وثانيها: روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان.

وثالثها: أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن منادياً ينادي يوم القيامة يا أهل الجنة، فيعلمون أنه من قبل الله عز وجل فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا: نعم، ثم يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويذبح ثم ينادي يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزن».

واعلم أنا بينا أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة فلا يجوز أن يصير كبشاً بل المراد منه التمثيل ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت، فظهر بما ذكرناه أن أيام الموت هي أيام الدنيا وهي منقضية، وأما أيام الآخرة فهي أيام الحياة وهي متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة لا جرم قدم الله ذكر الموت على ذكر الحياة.

ورابعها إنما قدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض له أهم.

المسألة الثالثة: اعلم أن الحياة هي الأصل في النعم ولولاها لم يتنعم أحد في الدنيا وهي الأصل أيضاً في نعم الآخرة ولولاها لم يثبت الثواب الدائم، والموت أيضاً نعمة على ما شرحنا الحال فيه في مواضع من هذا الكتاب، وكيف لا وهو الفاصل بين حال التكليف وحال المجازاة وهو نعمة من هذا الوجه، قال عليه الصلاة والسلام: «أكثروا من ذكر هازم اللذات» وقال لقوم: «لو أكثرتم ذكر هازم اللذات لشغلكم عما أرى» وسأل عليه الصلاة والسلام عن رجل فأثنوا عليه، فقال: «كيف ذكره الموت؟

قالوا قليل، قال فليس كما تقولون».

قوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العزيز الغفور ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي وذلك في حق من وجب أن يكون عالماً بجميع المعلومات أزلاً وأبداً محال، إلا أنا قد حققنا هذه المسألة في تأويل قوله: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات  ﴾ والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه (الابتلاء) على المختبر.

المسألة الثانية: احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ قالوا: هذه اللام للغرض ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ وجوابه أن الفعل في نفسه ليس بابتلاء إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي مجازاً، فكذا هاهنا، فإنه يشبه الغرض وإن لم يكن في نفسه غرضاً، فذكر فيه حرف الغرض.

المسألة الثالثة: اعلم أنا فسرنا الموت والحياة بالموت حال كونه نطفة وعلقة ومضغة، والحياة بعد ذلك فوجه الابتلاء على هذا الوجه أن يعلم أنه تعالى هو الذي نقله من الموت إلى الحياة وكما فعل ذلك فلابد وأن يكون قادراً على أن ينقله من الحياة إلى الموت فيحذر مجيء الموت الذي به ينقطع استدراك ما فات ويستوي فيه الفقير والغني والمولى والعبد، وأما إن فسرناهما بالموت في الدنيا وبالحياة في القيامة فالابتلاء فيهما أتم لأن الخوف من الموت في الدنيا حاصل وأشد منه الخوف من تبعات الحياة في القيامة، والمراد من الابتلاء أنه هل ينزجر عن القبائح بسبب هذا الخوف أم لا.

المسألة الرابعة: في تعلق قوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ بقوله: ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وجهان: الأول: وهو قول الفراء والزجاج: إن المتعلق بأيكم مضمر والتقدير ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملاً والثاني: قال صاحب الكشاف: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ في معنى ليعلمكم والتقدير ليعلمكم أيكم أحسن عملاً.

المسألة الخامسة: ارتفعت (أي) بالابتداء ولا يعمل فيها ما قبلها لأنها على أصل الاستفهام فإنك إذا قلت: لا أعلم أيكم أفضل كان المعنى لا أعلم أزيد أفضل أم عمرو، واعلم أن مالا يعمل فيما بعد الألف فكذلك لا يعمل في (أي) لأن المعنى واحد، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ سَلْهُمْ أَيُّهُم بذلك زَعِيمٌ  ﴾ وقد تقدم الكلام فيه.

المسألة السادسة: ذكروا في تفسير ﴿ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وجوهاً: أحدها: أن يكون أخلص الأعمال وأصوبها لأن العمل إذا كان خالصاً غير صواب لم يقبل، وكذلك إذا كان صواباً غير خالص فالخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنة.

وثانيها: قال قتادة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يقول أيكم أحسن عقلاً» ثم قال: «أتمكم عقلاً أشدكم لله خوفاً وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظراً»، وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلاً كان أحسن عملاً على ما ذكر في حديث قتادة.

وثالثها: روي عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا وأشد تركاً لها، واعلم أنه لما ذكر حديث الابتلاء قال بعده: ﴿ وَهُوَ العزيز الغفور ﴾ أي وهو العزيز الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل، الغفور لمن تاب من أهل الإساءة.

واعلم أن كونه عزيزاً غفوراً لا يتم إلا بعد كونه قادراً على كل المقدورات عالماً بكل المعلومات أما أنه لابد من القدرة التامة، فلأجل أن يتمكن من إيصال جزاء كل أحد بتمامه إليه سواء كان عقاباً أو ثواباً، وأما أنه لابد من العلم التام فلأجل أن يعلم أن المطيع من هو والعاصي من هو فلا يقع الخطأ في إيصال الحق إلى مستحقه، فثبت أن كونه عزيزاً غفوراً لا يمكن ثبوتها إلا بعد ثبوت القدرة التامة والعلم التام، فلهذا السبب ذكر الله الدليل على ثبوت هاتين الصفتين في هذا المقام، ولما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً، لا جرم ذكر أولاً دلائل القدرة وثانياً دلائل العلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تبارك ﴾ تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين ﴿ الذى بِيَدِهِ الملك ﴾ على كل موجود ﴿ وَهُوَ على كُلِّ ﴾ ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة ﴿ قَدِيرٌ ﴾ وذكر اليد مجاز عن الإحاطة بالملك والاستيلاء عليه.

والحياة: ما يصح بوجوده الإحساس.

وقيل: ما يوجب كون الشيء حياً، وهو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر.

والموت عدم ذلك فيه، ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ذلك المصحح وإعدامه.

والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ وسمى علم الواقع منهم باختيارهم (بلوى) وهي الخبرة استعارة من فعل المختبر.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ ﴾ [محمد: 31] .

فإن قلت: من أين تعلق قوله: ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ بفعل البلوى؟

قلت: من حيث أنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا؛ وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملا أم هو؟

كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه، كما تقول: علمته هو أحسن عملا.

فإن قلت: أتسمي هذا تعليقاً؟

قلت: لا، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق.

ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الإستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: علمت أزيد منطلق.

وعلمت زيداً منطلقاً: ﴿ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .

قيل: أخلصه وأصوبه؛ لأنه إذا كان خالصاً غير صواب لم يقبل، وكذلك إذا كان صواباً غير خالص؛ فالخالص: أن يكون لوجه الله تعالى؛ والصواب: أن يكون على السنة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلاها، فلما بلغ قوله: ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ قال: «أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» يعني: أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه؛ والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وتستمكنون منه، وسلط علكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، لأن وراءه البعث والجزاء الذي لابد منه.

وقدم الموت على الحياة، لأنّ أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم ﴿ وَهُوَ العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة ﴿ طِبَاقاً ﴾ مطابقة بعضها فوق بعض، من طابق النعل: إذا خصفها طبقاً على طبق، وهذا وصف بالمصدر.

أو على ذات طباق، أو على: طوبقت طباقاً ﴿ مِن تفاوت ﴾ وقرئ: ﴿ من تفوت ﴾ ، ومعنى البناءين واحد، كقولهم: تظاهروا من نسائهم.

وتظهروا.

وتعاهدته وتعهدته، أي: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض؛ إنما هي مستوية مستقيمة.

وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضاً ولا يلائمه.

ومنه قولهم: خلق متفاوت.

وفي نقيضه: متناصف.

فإن قلت: كيف موقع هذه الجملة مما قبلها؟

قلت: هي صفة مشايعة لقوله: ﴿ طِبَاقاً ﴾ وأصلها: ما ترى فيهنّ من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله: ﴿ خَلْقِ الرحمن ﴾ تعظيماً لخلقهنّ، وتنبيهاً على سبب سلامتهنّ من التفاوت: وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب، والخطاب في ما ترى للرسول أو لكل مخاطب.

وقوله تعالى: ﴿ فارجع البصر ﴾ متعلق به على معنى التسبيب؛ أخبره بأنه لا تفاوت في خلقهنّ، ثم قال: ﴿ فارجع البصر ﴾ حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ولا تبقى معك شبهة فيه ﴿ هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ﴾ من صدوع وشقوق: جمع فطر وهو الشق.

يقال: فطره فانفطر.

ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شق وبزل.

ومعناه: شق اللحم فطلع.

وأمره بتكرير البصر فيهنّ متصفحاً ومتتبعاً يلتمسُ عيباً وخللاً ﴿ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ﴾ أي إن رجعت البصر وكررت النظر لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل وإدراك العيب، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور، أي: بالبعد عن إصابة الملتمس، كأنه يطرد عن ذلك طرداً بالصغار والقماءة، وبالإعياء والكلال لطول الإجالة والترديد.

فإن قلت: كيف ينقلب البصر خاسئاً حسيراً برجعه كرّتين اثنتين؟

قلت: معنى التثنية التكرير بكثرة، كقولك: لبيك وسعديك، تريد إجابات كثيرة بعضها في أثر بعض، وقولهم في المثل: دهدرّين سعد القين من ذلك، أي: باطلاً بعد باطل.

فإن قلت: فما معنى ثم ارجع؟

قلت: أمره برجع البصر، ثم أمره بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى وبالنظرة الحمقاء، وأن يتوقف بعدها ويجم بصره، ثم يعاود ويعاود، إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة، فإنه لا يعثر على شيء من فطور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ، وتُسَمّى الواقِيَةَ والمُنْجِيَةَ لِأنَّها تَقِي قارِئَها وتُنْجِيهِ مِن عَذابِ القَبْرِ، وآيُها ثَلاثُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ بِقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ التَّصَرُّفُ في الأُمُورِ كُلِّها.

﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ قَدِيرٌ.

﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ قَدَّرَهُما أوْ أوْجَدَ الحَياةَ وأزالَها حَسْبَما قَدَّرَهُ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ ﴾ ولِأنَّهُ أدْعى إلى حُسْنِ العَمَلِ.

﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِالتَّكْلِيفِ أيُّها المُكَلَّفُونَ.

﴿ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ أصْوَبُهُ وأخْلَصُهُ، وجاءَ مَرْفُوعًا: «أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ وأسْرَعُ في طاعَتِهِ».» جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ ثانِيًا لِفِعْلِ البَلْوى المُتَضَمِّنِ مَعْنى العِلْمِ، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّعْلِيقِ لِأنَّهُ يُخِلُّ بِهِ وُقُوعُ الجُمْلَةِ خَبَرًا فَلا يُعَلَّقُ الفِعْلُ عَنْها بِخِلافِ ما إذا وقَعَتْ مَوْقِعَ المَفْعُولَيْنِ.

﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ مَن أساءَ العَمَلَ.

﴿ الغَفُورُ ﴾ لِمَن تابَ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)

{الذى خَلَقَ الموت} خبر مبتدأ

محذوف أو بدل من الذي قبله {والحياة} أي ما يصح بوجوده الإحساس والموت ضده ومعنى خلق الموت والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه والمعنى خلق موتكم وحياتكم أيه المكلفون {لِيَبْلُوَكُمْ} ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير والحياة التي لا تفي بعليل ولا طبيب فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم {أَيُّكُمْ} مبتدأ وخبره {أَحْسَنُ عَمَلاً} أي أخلصه وأصوبه فالخالص أن يكون لوجه الله

والصواب أن يكون على السنة والمراد أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وسلط عليمك الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح فما وراءه إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه وقدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى المسوق له الآية أهم ولما قدم الموت الذي هو أثر صفة القهر على الحياة التي هي أثر اللطف قدم صفة القهر على صفة اللطف بقوله {وَهُوَ العزيز} أي الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل {الغفور} الستور الذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ وبَيانِ ابْتِنائِهِما عَلى قَوانِينِ الحُكْمِ والمَصالِحِ واسْتِتْباعِهِما لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ والمَوْصُولُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ وصِلَتُهُ كَصِلَتِهِ في الشَّهادَةِ بِتَعالِيهِ عَزَّ وجَلَّ.

وجَوَزَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الَّذِي إلَخْ.

والمَوْتُ عَلى ما ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تُضادُّ الحَياةَ، واسْتَدَلَّ عَلى وُجُودِيَّتِهِ بِتَعَلُّقِ الخَلْقِ بِهِ وهو لا يَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِيِّ لِأزَلِيَّةِ الإعْدامِ.

وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ تَعالى خَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا ماتَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فَرَسٍ بَلْقاءَ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ ولا يَجِدُ رائِحَتَها شَيْءٌ إلّا حَيِيَ فَهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ لا يُعْقَلُ ظاهِرُهُ.

وقِيلَ: هو وارِدٌ عَلى مِنهاجِ التَّمْثِيلِ والتَّصْوِيرِ وذَهَبَ القَدَرِيَّةُ وبَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ إلى أنَّهُ أمْرٌ عَدَمِيٌّ هو عَدَمُ الحَياةِ عَمّا هي مِن شَأْنِهِ وهو المُتَبادِرُ الأقْرَبُ وأُجِيبَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ بِأنَّ الخَلْقَ فِيها بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وهو يَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِيِّ كَما يَتَعَلَّقُ بِالوُجُودِيِّ، أوْ أنَّ ﴿ المَوْتَ ﴾ لَيْسَ عَدَمًا مُطْلَقًا صَرْفًا بَلْ هو عَدَمُ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ ومِثْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الخَلْقُ والإيجادُ بِناءً عَلى أنَّهُ إعْطاءُ الوُجُودِ ولَوْ لِلْغَيْرِ دُونَ إعْطاءِ الوُجُودِ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ، أوْ أنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإثْباتِ دُونَ الإيجادِ وهو بِهَذا المَعْنى يَجْرِي في العَدَمِيّاتِ، أوْ أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ خَلَقَ أسْبابَ المَوْتِ أوْ أنَّ المُرادَ بِخَلْقِ ﴿ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ خَلْقُ زَمانٍ ومُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهُما لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى فَإيجادُهُما عِبارَةٌ عَنْ إيجادِ زَمانِهِما مَجازًا ولا يَخْفى الحالُ في هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ.

ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ إنَّهُ كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا إذْ هو واقِعٌ فِيها، وبِالحَياةِ عَنِ الآخِرَةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها فَكَأنَّهُ قِيلَ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ والحَقُّ أنَّهُما بِمَعْناهُما الحَقِيقِيِّ والمَوْتُ عَلى ما سَمِعْتَ والحَياةُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ بِلا خِلافٍ وهي ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ أوْ مَعْنى زائِدٌ عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ يُوجِبُ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ حالًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مِن صِحَّةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، وتَقْدِيمُ المَوْتِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَدَمًا مُطْلَقًا أعْنِي عَدَمَ الحَياةِ عَمّا هي مِن شَأْنِهِ ظاهِرٌ لِسَبْقِهِ عَلى الوُجُودِ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ العَدَمَ اللّاحِقَ كَما هو الأنْسَبُ بِالإرادَةِ هُنا أعْنِي عَدَمَ الحَياةِ عَمّا اتَّصَفَ بِها فُلانٌ فِيهِ مَزِيدُ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ وزَجْرٍ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي وحَثٍّ عَلى حُسْنِ العَمَلِ، ولِذا ورَدَ: «أكْثِرُوا مِن ذِكْرِ هاذِمِ اللَّذّاتِ والحَياةِ» .

وإنْ كانَتْ داعِيَةً لِذَلِكَ ضَرُورَةُ أنَّ مَن عَرَفَ أنَّها نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وكانَ ذا بَصِيرَةٍ عَمِلَ شَكَرَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْها لَكِنَّها لَيْسَتْ بِمَثابَةِ المَوْتِ في ذَلِكَ، فَمَن زَعَمَ أنَّها لا داعِيَةَ فِيها أصْلًا وإنَّما ذُكِرَتْ بِاعْتِبارِ تَوَقُّفِ العَمَلِ عَلَيْها لَمْ يُدَقِّقِ النَّظَرَ.

وألْ في المَوْضِعَيْنِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيِ الَّذِي خَلَقَ مَوْتَكُمُ الطّارِئَ وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم ﴿ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ أيْ أصْوَبَهُ وأخْلَصَهُ فَيُجازِيَكم عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِ أعْمالِكم.

وأصْلُ البَلاءِ الِاخْتِبارُ ولِأنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ العِلْمِ بِما اخْتَبَرَهُ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ وحَمْلُ الكَلامِ عَلى ما ذُكِرَ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ واعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ فِيهِ دُونَها دُونٌ في البَلاغَةِ والمُرادُ بِالعَمَلِ ما يَشْمَلُ عَمَلَ القَلْبِ وعَمَلَ الجَوارِحِ ولِذا قالَ  في الآيَةِ: ««أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» .

أيْ أيُّكم أتَمُّ فَهْمًا لِما يَصْدُرُ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى وأكْمَلُ ضَبْطًا لِما يُؤْخَذُ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ، وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّ الِابْتِلاءَ شامِلٌ لِلْمُكَلَّفِينَ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحَسَنِ والقَبِيحِ أيْضًا لا إلى الحَسَنِ والأحْسَنِ فَقَطْ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ والمَقْصِدَ الأصْلِيَّ مِنَ الِابْتِلاءِ هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ مَعَ تَحَقُّقِ أصْلِ الإيمانِ والطّاعَةِ في الباقِينَ أيْضًا لِكَمالِ تَعاضُدِ المُوجِباتِ لَهُ، وأمّا الإعْراضُ عَنْ ذَلِكَ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ الِانْدِراجِ تَحْتَهُ لِوُقُوعِ فَضْلًا عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الغايَةِ أوِ الفَرْضِ عِنْدَ مَن يَراهُ لِأفْعالِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما هو عَمَلٌ يَصْدُرُ عَنْ عامِلِهِ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ مِن غَيْرِ مُصَحِّحٍ لَهُ ولا تَقْرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّرَقِّي إلى مَعارِجِ العُلُومِ ومَدارِجِ الطّاعاتِ والزَّجْرِ عَنْ مُباشَرَةِ نَقائِصِها ما لا يَخْفى.

وجَعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ أوْ مِن بابِ ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا  ﴾ لَيْسَ بِذاكَ ( وأيُّكم أحْسَنُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ وذَلِكَ عَلى ما في الكَشّافِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ، وهَلْ يُسَمّى نَحْوُ هَذا تَعْلِيقًا أمْ لا؟

قِيلَ: فِيهِ خِلافٌ فَفي البَحْرِ لِأبِي حَيّانِ نَقْلًا عَنْ أصْحابِهِ أنَّهُ يُسَمّى بِذَلِكَ قالَ: إذا عُدِّيَ الفِعْلُ إلى اثْنَيْنِ ونَصَبَ الأوَّلَ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ أوْ مَقْرُونَةٌ بِلامِ الِابْتِداءِ أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ، وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ.

وفي الكَشّافِ هُنا لا يُسَمّى تَعْلِيقًا إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ يُوقِعَ بَعْدَ الفِعْلِ الَّذِي يُعَلَّقُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما زَيْدٌ وعَلِمْتُ أزْيَدٌ مُنْطَلِقٌ، وأمّا إذا ذُكِرَ بَعْدَهُ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ نَحْوَ عَلِمْتُ القَوْمَ أيُّهم أفْضَلُ فَلا يَكُونُ تَعْلِيقًا.

والآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ واعْتَرَضَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ العِلْمَ مُضْمَرٌ وهو المُعَلِّقُ كَما قالَ الفَرّاءُ والزَّجاجُ ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ المَفْعُولِ مَعَهُ بَلِ التَّقْدِيرُ لِيَبْلُوَكم فَيَعْلَمَ أيُّكم أحْسَنُ.

وأيْضًا لا تَقَعُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَفْعُولًا ثانِيًا لَعَلِمْتُ وإنَّما تَقَعُ مَوْقِعَ المَفْعُولَيْنِ في عَلِمْتُ أيُّهم خَرَجَ لِأنَّ المَعْنى عَلِمْتُ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ ولا مَعْنى لِتَقْدِيرٍ مِثْلِهِ في عَلِمْتُهُ أيُّهم خَرَجَ وأُجِيبُ بِأنَّ التَّضْمِينَ يُغْنِي عَنِ الإضْمارِ وكَوْنُ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ لا تَقَعُ مَفْعُولًا ثانِيًا ضَعِيفٌ لِأنَّها إذا وقَعَتْ مَفْعُولًا أوَّلًا في نَحْوِ ﴿ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ  ﴾ عَلى مَعْنى لِنَنْزِعُنَّ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ أيُّهم أشَدُّ كَما قالَ الخَلِيلُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ وُقُوعُها مَفْعُولًا ثانِيًا بِتَأْوِيلٍ لِيَعْلَمَكُمُ الَّذِينَ يُقالُ في حَقِّهِمْ ﴿ أيُّهم أحْسَنُ ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قالَ: وقَدْ أنْصَفَ صاحِبُ الِانْتِصافِ حَيْثُ قالَ: التَّعْلِيقُ عَنْ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ فِيهِ خِلافٌ والأصَحُّ هو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهَذا النَّحْوُ عُشُّهُ فِيهِ يَدْرُجُ ويَدْرِي كَيْفَ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ انْتَهى.

والَّذِي ذَكَرَهُ في سُورَةِ هُودٍ أنَّ في الآيَةِ تَعْلِيقًا لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا فَجَعَلُوا بَيْنَ كَلامَيْهِ تَنافِيًا وفي الكَشْفِ أنَّ كَلامَهُ هُناكَ صَرِيحٌ بِأنَّ التَّعْلِيقَ فِيهِ بِمَعْنى تَعْلِيقِ فِعْلِ القَلْبِ عَلى ما فِيهِ اسْتِفْهامٌ وهو بِهَذا المَعْنى خاصٌّ بِفِعْلِ القَلْبِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِالسَّبْعَةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ.

وفي الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً دُونَ ما فِيهِ لامُ الِابْتِداءِ ونَحْوُها صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ نَصًّا فَلا يُنافِي ما ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ، فَإنَّما نَفِيُ التَّعْلِيقِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ.

وأمّا الحَمْلُ عَنِ الإضْمارِ في آيَةِ هُودٍ والتَّضْمِينُ في آيَةِ المُلْكِ لِلتَّفَنُّنِ فَلا وجْهَ لَهُ بَعْدَ تَصْرِيحِهِ بِأنَّهُ اسْتِعارَةٌ انْتَهى.

وكَذا عَلى هَذا لا وجْهَ لِكَوْنِ ما هُناكَ اخْتِيارًا لِمَذْهَبِ الفَرّاءِ والزَّجاجِ وما هُنا اخْتِيارٌ لِمَذْهَبٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ وتَذَكَّرْ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُسْألُ عَنْ ذَلِكَ قَدِيمًا وحَدِيثًا واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

﴿ وهُوَ العَزِيزُ ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ عِقابُ مَن أساءَ ﴿ الغَفُورُ ﴾ لِمَن شاءَ مِنهم أوْ لِمَن تابَ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهم لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وتسمى الواقية والمنجية وهي ثلاثون آية مكية قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: تعالى وتعظم.

وهذا قول ابن عباس وقيل: تفاعل من البركة.

وقال الحسن: تبارك يعني: تقدس الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له الملك، كما قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ويقال: الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له القدرة ونفاذ الأمر.

وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: في العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء.

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال مقاتل: خَلَقَ الْمَوْتَ يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار حياً.

وقال الكلبي: خَلَقَ الْمَوْتَ بمنزلة كبش أملح، لا يمر على شيء، ولا يجد ريحه شيء إلا مات وَالْحَياةَ شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء.

وقال قتادة في قوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.

ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة.

لِيَبْلُوَكُمْ يعني: ليختبركم ما بين الحياة والموت.

أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في حياته، ويقال: أيكم أكمل عملاً وأخلص عملاً.

ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أي: خلق الحياة للامتحان، وخلق الموت للجزاء كما قيل: لولا المحن لقدمنا مفاليس، وذلك أن الله تعالى، خلق الجنة.

وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب.

والابتلاء من الله تعالى، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب.

ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ يعني: العزيز بالنقمة للكافر، والغفور لمن تاب منهم.

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ يعني: تبارك الذي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض مثل القبة.

مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.

قرأ حمزة، والكسائي: من تفوت بغير ألف، والباقون بالألف، وهما لغتان.

تفاوت الشيء وتفوت، إذا اختلف، يعني: مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن اختلافاً واضطراباً، ويقال: ما ترى فيها من اعوجاج، ولكنه مستوي.

ويقال: معناه مَّا ترى فِى خَلْقِ السموات من عيب.

وأصله من الفوت أي يفوت الشيء، فيقع فيه الخلل، ولكنه متصل بعضها ببعض.

ثم أمر بأن ينظروا في خلقه، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته، فقال عز وجل: فَارْجِعِ الْبَصَرَ يعني: رد البصر إلى السماء.

ويقال: قلب البصر في السماء، ويقال: اجتهد بالنظر إلى السماء.

هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟

يعني: هل ترى فيها من شقوق؟

ويقال: هل ترى فروجاً أو صدوعاً أو خللاً؟

ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعني: انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين، لا يرى فيها عيباً، بل يتحير بالنظر إليها، فذلك قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً يعني: يرجع البصر ذليلاً.

وَهُوَ حَسِيرٌ يعني: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً.

وقال القتبي: خاسِئاً أي: مبعداً، وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئاً من الخلل.

ثم قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني: بالنجوم والكواكب.

وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يعني: جعلنا بعض النجوم رمياً للشياطين، إذا تصدوا استراق السمع.

وَأَعْتَدْنا لَهُمْ يعني: للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ يعني: الوقود.

وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أعتدنا للذين جحدوا بِرَبِّهِمْ يعني: بوحدانية الله تعالى عَذابُ جَهَنَّمَ.

قرئ في الشاذ عَذابُ جَهَنَّمَ بالنصب يعني: أعتدنا لهم عذاب جهنم، فيصير نصباً لوقوع الفعل عليه، وقراءة العامة بالضم، على معنى خبر الابتداء.

ثم قال: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع.

ثم قال: إِذا أُلْقُوا فِيها يعني: ألقوا الكفار في نار جهنم.

سَمِعُوا لَها يعني: سمعوا منها شَهِيقاً يعني: صوتاً كصوت الحمار.

وَهِيَ تَفُورُ يعني: تغلي كغلي المرجل.

تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ يعني: تكاد تتفرق من غيظها على أعداء الله تعالى.

كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ يعني: من النار فوج، يعني: أمة من الأمم.

سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يعني: رسولاً يخبركم ويخوفكم؟

قالُوا بَلى يعني: يقولون: بلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ يعني: الرسول، فَكَذَّبْنا الرسول، وَقُلْنا: إنكم لكاذبون على الله تعالى.

مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يعني: كتاباً ولا رسولاً.

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يعني: قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم.

وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ يعني: لو كنا نسمع إلى الحق أَوْ نَعْقِلُ يعني: نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق.

مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: مع أصحاب الزقوم في النار.

ويقال: يعني: ما كنا في أهل النار.

فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ يعني: أقروا بشركهم فَسُحْقاً يعني: فبعداً من رحمة الله تعالى لِأَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: الوقود.

وقال الزجاج: فَسُحْقاً نصب على المصدر، فمعناه أسحقهم الله سحقاً، فباعدهم من رحمته.

والسحق: البعيد، كقوله: فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31] أي: بعيد.

قرأ الكسائي بضم السين والحاء، وجزم الحاء والباقون بضم السين، وهما لغتان معناهما واحد.

ثم بين حال المؤمنين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَسِيراً، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، وكَرَّتَيْنِ معناه مرتين، والخاسئ المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون:

١٠٨] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئاً، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ.

وقوله تعالى: بِمَصابِيحَ يعني: النجومَ، قال الفخر «١» : ومعنى السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السموات إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سموات أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء «٢» الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى.

وقوله: وَجَعَلْناها معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ/ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.

وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ قال ع «٣» : تضمنتِ الآيةُ أنَّ عذابَ جهنمَ للكفارِ المُخَلّدِينَ، وقد جاءَ في الأثر: أنه يَمُرُّ على جهنَم زَمانٌ تُخْفِق أبوابَها، قد أخْلَتْها الشفاعةُ، والذي يقال في هذا أن جهنَّمَ اسْمٌ تُخْتَصُّ به الطبقةُ العُلْيَا من النارِ، ثم قَدْ تُسَمَّى الطبقاتُ كلها باسْمِ بَعْضِها، فالتي في الأثرِ هي الطبقةُ العُلْيَا لأنَّها مَقَرُ العُصَاةِ من المؤمنينَ، وَالَّتي في هذهِ الآية هي جهنمَ بأسرها، أي: جميعُ الطبقاتِ، والشَّهِيقُ أقْبَحُ ما يكونُ من صوتِ الحمارِ، فاشْتِعَالُ النار وغَلَيَانُها يُصَوِّتُ مِثْل ذلك.

وقوله: تَكادُ تَمَيَّزُ أي يُزَايِلُ بَعْضُها بَعْضاً لشدّة الاضطراب، ومِنَ الْغَيْظِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُلْكِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي المانِعَةُ مِن عَذابِ القَبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: السُّلْطانُ يُعِزُّ ويُذِلُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَلَقَ المَوْتَ المُزِيلَ لِلْحَياةِ، والحَياةَ الَّتِي هي ضِدُّ المَوْتِ ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٧] قالَ الزَّجّاجُ: والمُعَلَّقُ بِـ "أيُّكُمْ" مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: لِيَبْلُوَكُمْ، فَيَعْلَمَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وهَذا عِلْمُ وُقُوعٍ.

وارْتَفَعَتْ "أيُّ" بِالِابْتِداءِ، ولا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، لِأنَّها عَلى أصْلِ الِاسْتِفْهامِ، ومِثْلُهُ "أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى" [الكَهْفِ: ١٢] .

والمَعْنى: خَلَقَ الحَياةَ لِيَخْتَبِرَكم فِيها، وخَلَقَ المَوْتَ لِيَبْعَثَكم ويُجازِيَكم.

وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ في "لِيَبْلُوَكُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِ الحَياةِ دُونَ خَلْقِ المَوْتِ، لِأنَّ الِابْتِلاءَ بِالحَياةِ، ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ مُطابَقاتٍ، أيْ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ "ما تَرى" يا ابْنَ آدَمَ "فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ" قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن تَفَوُّتٍ" بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الباقُونَ بِألِفٍ.

قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، كَما تَقُولُ: تَعاهَدْتُ الشَّيْءَ، وتَعَهَّدْتُهُ.

والتَّفاوُتُ: الِاخْتِلافُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّفاوُتُ: الِاضْطِرابُ والِاخْتِلافُ، وأصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا، فَيَقَعُ الخَلَلُ، ولَكِنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ ﴾ أيْ: كَرِّرِ البَصَرَ ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "هَلْ تَّرى" بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ، أيْ: هَلْ تَرى فِيها فُرُوجًا وصُدُوعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُبْعَدًا مِن قَوْلِكَ: خَسَأْتُ الكَلْبَ: إذا باعَدْتَهُ ﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ أيْ: كَلَيْلٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ أنْ يَلْحَقَ ما نَظَرَ إلَيْهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ أعْيا مِن قَبْلِ أنْ يَرى في السَماءِ خَلَلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [حَم السَّجْدَةِ: ١٢] ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ أيْ: يُرْجَمُ بِها مُسَتَرِقُو السَّمْعِ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا المَعْنى [الحِجْرِ: ١٨] ﴿ وَأعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿ عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ وهَذا وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ أيْ: صَوْتًا مِثْلَ صَوْتِ الحِمارِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى الشَّهِيقِ في [هُودٍ: ١٠٦] ﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أيْ: تَغْلِي بِهِمْ كَغَلْيِ المِرْجَلِ "تَكادُ تَمَيَّزُ" أيْ: تَتَقَطَّعُ مِن تَغَيُّظِها عَلَيْهِمْ ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنهم ﴿ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ؟!

وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: قُلْنا لِلرُّسُلِ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ بِعِيدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ اعْتَرَفُوا بِجَهْلِهِمْ فَقالُوا: ﴿ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ ﴾ أيْ: سَماعَ مَن يَعِي ويُفَكِّرُ ﴿ أوْ نَعْقِلُ ﴾ عَقْلَ مَن يُمَيِّزُ ويَنْظُرُ ﴿ ما كُنّا ﴾ مِن أهْلِ النّارِ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا.

وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.

وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو صالِحٍ: السُّحْقُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ: سُحْقٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُلْكِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ  يَقْرَؤُها كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ أخْذِ مَضْجَعِهِ،» رَواهُ جَماعَةٌ مَرْفُوعًا إلى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "إنَّها لِتُنْجِي مِن عَذابِ القَبْرِ، وتُجادِلُ عن حافِظِها حَتّى لا يُعَذَّبَ"،» ويُرْوى أنَّ في التَوْراةِ سُورَةَ المُلْكِ، مَن قَرَأها في لَيْلَةٍ فَقَدْ أجادَ وأطْيَبَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "وَدِدْتُ أنَّ سُورَةَ ﴿ [تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ]﴾ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلَقَ الرَحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرَ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ ﴾ "تَبارَكَ" تَفاعَلَ، مِنَ البَرَكَةِ، وهي التَزَيُّدُ في الخَيْراتِ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "يَتَبارَكَ" وَلا "مُتَبارِكَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِيَدِهِ المَلِكُ" عِبارَةٌ عن تَحْقِيقِ المُلْكِ، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ هي آلَةُ التَمَلُّكِ، فَهي مُسْتَعارَةٌ لِذَلِكَ، و"المُلْكُ" عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ مِنهُ شَيْءٌ، وذَلِكَ هو مُلْكُ اللهِ تَعالى، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مَلِكُ المُلُوكِ، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ  ﴾ ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ عُمُومٌ، فالشَيْءُ مَعْناهُ في اللُغَةِ: المَوْجُودُ.

و"المَوْتَ والحَياةَ" مَعْنَيانِ يَتَعاقَبانِ جِسْمَ الحَيَوانِ، يَرْتَفِعُ أحَدُهُما بِحُلُولِ الآخَرِ، وما جاءَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ  : « "يُؤْتى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيُذْبَحُ عَلى الصِراطِ"،» فَقالَ أهْلُ العِلْمِ: ذَلِكَ تِمْثالُ كَبْشٍ يُوَقِّعُ الله تَعالى عَلَيْهِ العِلْمَ الضَرُورِيَّ لِأهْلِ الدارَيْنِ إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي خافُوهُ في الدُنْيا، ويَكُونُ ذَلِكَ التِمْثالُ حامِلًا لِلْمَوْتِ عَلى أنَّهُ يُحِلُّ المَوْتَ فِيهِ، فَتَذْهَبُ عنهُ حَياتُهُ، ثُمَّ يَقْرِنُ اللهُ تَعالى بِذَبْحِ ذَلِكَ التِمْثالِ إعْدامُ المَوْتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ، أيْ: لِيَخْتَبِرَكم في حالِ الحَياةِ ويُجازِيَكم بَعْدَ المَوْتِ، وقالَ أبُو قَتادَةَ -وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ ؟

فَقالَ: "يَقُولُ تَعالى: أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأشَدُّ لِلَّهِ تَعالى خَوْفًا، وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا وإنْ كانُوا أقَلَّكم تَطَوُّعًا،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا: أزْهَدُكم في الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَبْلُوَكُمْ" دالٌّ عَلى فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ أو يَعْلَمُ أيُّكُمْ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَوْتُ والحَياةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا والآخِرَةِ، سَمّى هَذِهِ مَوْتًا مِن حَيْثُ إنَّ فِيها المَوْتَ، وسَمّى تِلْكَ حَياةَ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَوَصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ كَعَدْلٍ وزُورٍ، وقَدَّمَ المَوْتَ في اللَفْظِ لِأنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في النَفْسِ هَيْبَةً وغِلْظَةً.

و"طِباقًا" قالَ الزَجّاجُ: هو مَصْدَرٌ، وقِيلَ: هو جَمْعُ طَبَقَةٍ أو جَمْعُ طَبَقٍ مِثْلُ رَحْبَةٍ ورِحابٍ أو جَبَلٍ وجِبالٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَذُمُّ رَجُلًا فَقالَ: شَرُّهُ طِباقٌ، وخَيْرُهُ غَيْرُ باقٍ، وما ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في السَماواتِ أنَّ بَعْضَها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وياقُوتٍ ونَحْوِ هَذا ضَعِيفٌ كُلُّهُ ولَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ حَدِيثٌ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ حَقِيقَةً لِهَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ ﴾ مَعْناهُ: مِن قِلَّةٍ تُناسِبُ، ومِن خُرُوجٍ عَنِ الِاتِّفاقِ، والأمْرُ المُتَفاوِتُ هو الَّذِي يُجاوِزُ الحُدُودَ الَّتِي لَهُ زِيادَةً أو نَقْصًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مِن تَفاوُتٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "مِن تَفَوُّتٍ" وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: "فِي خَلْقِ الرَحْمَنِ" يَعْنِي بِهِ السَماواتِ فَقَطْ، وهي الَّتِي تَتَضَمَّنُ اللَفْظَ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ ﴾ الآيَةُ، قالُوا: وإلّا فَفي الأرْضِ فُطُورٌ، وقالَ آخَرُونَ: "فِي خَلْقِ الرَحْمَنِ" مَعْنِيٌّ بِهِ جَمِيعَ ما خَلَقَ اللهُ تَعالى مِنَ الأشْياءِ فَإنَّها لا تَفاوُتَ فِيها ولا فُطُورَ جارِيَةً عَلى غَيْرِ إتْقانٍ، ومَتى كانَتْ فُطُورٌ لا تُفْسِدُ الشَيْءَ المَخْلُوقَ مِن حَيْثُ هو ذَلِكَ الشَيْءُ بَلْ هي إتْقانٌ فِيهِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ المُرادَةَ في الآيَةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أمَرَ اللهُ تَعالى بِالنَظَرِ إلى السَماءِ وخَلْقَها ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَكْرِيرِ في النَظَرِ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ مَتى نَظَرَها ناظِرٌ لِيَرى فِيها خَلَلًا أو نَقْصًا فَإنَّ بَصَرَهُ يَنْقَلِبُ خاسِئًا حَسِيرًا، "وَرَجْعُ البَصَرِ" تَرْدِيدُهُ في الشَيْءِ المُبْصَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَرَّتَيْنِ" مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، و"الخاسِئُ": المُبْعَدُ بِذُلٍّ عن شَيْءٍ أرادَهُ وعُرِضَ عَلَيْهِ، ومِنهُ الكَلْبُ الخاسِئُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  لِابْنِ صَيّادٍ: « "اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ"،» ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في الكُفّارِ الحَرِيصِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن جَهَنَّمَ: "اخْسَئُوا فِيها"، وكَذَلِكَ هُنا البَصَرُ يَحْرِصُ عَلى رَوِيَّةٍ فَطَوْرٍ أو تَفاوُتٍ فَلا يَجِدُ ذَلِكَ، فَيَنْقَلِبُ خاسِئًا، و"الحَسِيرُ": العَيِيُّ الكالُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَهُنَّ الوَجى أنْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَوى ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

صفة ل ﴿ الذي بيده الملك ﴾ [الملك: 1] فلما شمل قوله: ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ [الملك: 1] تعلق القدرة بالموجود والمعدوم أتبع بوصفه تعالى بالتصرف الذي منه خلق المخلوقات وأعراضِها لأن الخلق أعظم تعلق القدرةِ بالمقدور لدلالته على صفة القدرة وعلى صفة العلم.

وأوثر بالذكر من المخلوقات الموتُ والحياة لأنهما أعظم العوارض لجنس الحيوان الذي هو أعجب الموجود على الأرض والذي الإنسان نوع منه، وهو المقصود بالمخاطبة بالشرائع والمواعظ، فالإماتة تصرف في الموجود بإعداده للفناء، والإحياء تصرف في المعدوم بإيجاده ثم إعطائه الحياة ليستكمل وجود نوعه.

فليس ذكر خلق الموت والحياة تفصيلاً لمعنى المُلك بل هو وصف مستقل.

والاقتصار على خلق الموت والحياة لأنهما حالتان هما مظهرا تعلق القدرة بالمقدور في الذاتتِ والعرض لأن الموت والحياة عرضان والإنسان معروض لهما.

والعَرَض لا يقوم بنفسه فلما ذُكر خلق العَرَض علم من ذكره خَلْق معروضه بدلالة الاقتضاء.

وأوثر ذكر الموت والحياة لِما يدلان عليه من العبرة بتداول العرضين المتضاديْن على معروض واحد، وللدلالة على كمال صنع الصانع، فالموت والحياة عرضان يعرضان للموجود من الحيوان، والموتُ يُعِد الموجود للفناء والحياة تُعِد الموجود للعمل للبقاء مدة.

وهما عند المتكلمين من الأعراض المختصة بالحي، وعند الحكماء من مقولة الكيف ومن قسم الكيفيات النفسانية منه.

فالحياة: قوة تَتْبَع اعتدالَ المزاج النوعي لتَفيضَ منها سائر القوى.

و ﴿ الموت ﴾ : كيفية عدمية هو عدم الحياة عما شأنه أن يوصف بالحياة أو الموت، أي زوال الحياة عن الحي، فبين الحياة والموت تقابُلُ العَدَم والمَلَكة.

ومعنى خلق الحياة: خلق الحي لأن قوام الحي هو الحياة، ففي خَلقه خلقُ ما به قوامه، وأما معنى ﴿ خلق الموت ﴾ فإيجاد أسبابه وإلاّ فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي، ولكنه لما كان عرضاً للمخلوق عبّر عن حصوله بالخَلق تبعاً كما في قوله تعالى: ﴿ والله خلقكم وما تَعْمَلون ﴾ [الصافات: 96].

وأيضاً لأن الموت تصرف في الموجود القادر الذي من شأنه أن يدفع عن نفسه ما يكرهه.

والموت مكروه لكل حي فكانت الإماتة مظهراً عظيماً من مظاهر القدرة لأن فيها تجلي وصْف القاهِر.

فأما الإِحياء فهو من مظاهر وصف القادر ولكن مع وصفه المنعم.

فمعنى القدرة في الإِماتة أظهر وأقوى لأن القهر ضرب من القدرة.

ومعنى القدرة في الإِحياء خفي بسبب أمرين بدقة الصنع وذلك من آثار صفة العلم، وبنعمة كمال الجنس وذلك من آثار صفة الإِنعام.

وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ [سورة البقرة: 28].

وفي ذكرهما تخلص إلى ما يترتب عليهما من الآثار التي أعظمها العملُ في الحياة والجزاءُ عليه بعد الموت، وذلك ما تضمنه قوله: ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ فإن معنى الابتلاء مشعر بترتب أثر له وهو الجزاء على العمل للتذكير بحكمة جعل هذين الناموسين البديعين في الحيوان لتظهر حكمة خلق الإنسان ويُفضِيا به إلى الوجود الخالد، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عَبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [المؤمنون: 115].

وهذا التعليل من قبيل الإِدماج.

وفيه استدلال على الوحدانية بدلالة في أنفسهم قال تعالى: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ [الذاريات: 21].

والمعنى: أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعملون الصالحات والسيئات، ثم أمواتاً يَخلُصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما يناسبها.

فالتعريف في ﴿ الموتَ ﴾ و ﴿ والحياة ﴾ تعريف الجنس.

وفي الكلام تقديرُ: هو الذي خلق الموت والحياة لتحيَوا فيبلوكم أيكم أحسن عملاً، وتموتوا فتُجزوا على حسب تلك البلوى، ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة.

وجملة ﴿ ليبلوكم ﴾ إلى آخرها معترضة بين الموصولين.

واللام في ﴿ ليبلوكم ﴾ لام التعليل، أي في خلق الموت والحياة حكمة أن يبلوكم.

الخ.

وتعليل فعل بعلةٍ لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقامَ، فقوله تعالى: ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ تعليلٌ لفعل ﴿ خَلَقَ ﴾ باعتبار المعطوف على مفعوله، وهو ﴿ والحياة ﴾ لأن حياة الإِنسان حياة خاصة تصحح للموصوف بمن قامت به الإدراك الخاص الذي يندفع به إلى العمل باختياره، وذلك العمل هو الذي يوصف بالحسن والقبح، وهو ما دل عليه بالمنطوق والمفهوم قوله تعالى: ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ أي وأيكم أقبح عملاً.

ولذلك فذكر خلق الموت إتمام للاستدلال على دقيق الصنع الإلهي وهو المسوق له الكلام، وذكِر خلق الحياة إدماج للتذكير، وهو من أغراض السورة.

ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة يعسر على الأفهام الاطلاع عليها.

والبلوى: الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم، أي ليعلم علم ظَهورٍ أو مستعارةٌ لإظهار الأمر الخفي، فجعل إظهار الشيء الخفي شبيهاً بالاختبار.

وجملة ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مرتبطة ب ﴿ يبلوكم ﴾ .

و (أيُّ) اسم استفهام ورفعه يعيّن أنه مبتدأ وأنه غير معمول للفظٍ قبله فوجب بيان موقع هذه الجملة، وفيه وجهان: أحدهما قول الفراء والزجاج والزمخشري في تفسير أول سورة هود أن جملة الاستفهام سادة مَسدَّ المفعول الثاني، وأن فعل ﴿ يبلوكم ﴾ المضمن معنى (يَعْلَمكم) معلق عن العمل في المفعول الثاني، وليس وجود المفعول الأول مانعاً من تعليق الفعل عن العمل في المفعول الثاني وإن لم يكن كثيراً في الكلام.

الوجه الثاني أن تكون الجملة واقعة في محل المفعول الثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ أي تؤول الجملة بمعنى مفردٍ تقديره: ليعلمكم أهذا الفريق أحسنُ عملاً أم الفريقُ الآخر.

وهذا مختار صاحب «الكشاف» في تفسير هذه الآية.

ومبناه على أن تعليق أفعال العلم عن العمل لا يستقيم إلاّ إذا لم يذكر للفعل مفعول فإذا ذكر مفعول لم يصح تعليق الفعل عن المفعول الثاني، وحاصله: أن التقدير ليَعلم الذين يقال في حقهم ﴿ أيهم أحسن عملاً ﴾ على نحو قوله تعالى: ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشدُّ على الرحمان عتياً ﴾ [مريم: 69] أي: لنَنْزِعَنّ الذين يقال فيهم: أيهم أشد.

وجوز صاحب «التقريب» أن يكون التقدير: ليعلم جواب سؤال سائلٍ: أيكُم أحسنُ عملاً.

قلت: ولك أن تجعل جملة: ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مستأنفة وتجعلَ الوقف على قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ ويكون الاستفهام مستعملاً في التحْضيض على حُسن العمل كما هو في قول طرفة: إذا القوم قالوا مَن فتًى خلتُ أنني *** عُنيت فلم أكسل ولَم أتبلَّد فجعل الاستفهام تحضيضاً.

و ﴿ أحسن ﴾ تفضيل، أي أحسن عملاً من غيره، فالأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها، فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأوْلى لأن إحصاءها والإِحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع، ومن الفساد في النفس، وفي نظام العالم، وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله: ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ إيجاز.

وجملة: ﴿ وهو العزيز الغفور ﴾ تذييل لجملة: ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ إشارة إلى أن صفاته تعالى تقتضي تعلقاً بمتعلقاتها لئلا تكون معطلة في بعض الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها، فأما ﴿ العزيز ﴾ فهو الغالب الذي لا يعجز عن شيء، وذكره مناسب للجزاء المستفاد من قوله: ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ كما تقدم آنفاً، أي ليجزيكم جزاء العزيز، فعلم أن المراد الجزاء على المخالفات والنكول عن الطاعة.

وهذا حظ المشركين الذين شملهم ضمير الخطاب في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ .

وأما ﴿ الغفور ﴾ فهو الذي يكرم أولياءه ويصفح عن فلتاتهم فهو مناسب للجزاء على الطاعات وكناية عنه، قال تعالى: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ﴾ [طه: 82] فهو إشارة إلى حظ أهل الصلاح من المخاطبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الكُلِّ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّبارُكَ تَفاعُلٌ مِنَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَهو أبْلَغُ مِنَ المُبارَكِ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ بِالتَّبارُكِ واشْتِراكِ المَخْلُوقِينَ في المُبارَكِ.

الثّانِي: أيْ تَبارَكَ في الخَلْقِ بِما جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ عَلا وارْتَفَعَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

وَفي قَوْلِهِ ( ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الثّانِي: مُلْكُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أعَزَّ بِها مَنِ اتَّبَعَهُ وأذَلَّ بِها مَن خالَفَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مِن إنْعامٍ وانْتِقامٍ.

﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ يَعْنِي المَوْتَ في الدُّنْيا، والحَياةَ في الآخِرَةِ.

قالَ قَتادَةُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَقُولُ: « (إنَّ اللَّهَ أذَلَّ بَنِي آدَمَ بِالمَوْتِ، وجَعَلَ الدُّنْيا دارَ حَياةٍ ثُمَّ دارَ مَوْتٍ، وجَعَلَ الآخِرَةَ دارَ جَزاءٍ ثُمَّ دارَ بَقاءٍ)» .

الثّانِي: أنَّهُ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ جِسْمَيْنِ، فَخَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فَرَسٍ [أُنْثى بَلْقاءَ]، وهَذا مَأْثُورٌ حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيُّكم أتَمُّ عَقْلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أيُّكم أزْهَدُ في الدُّنْيا، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: أيُّكم أوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ وأسْرَعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ.

الرّابِعُ: أيُّكم لِلْمَوْتِ أكْثَرُ ذِكْرًا ولَهُ أحْسَنُ اسْتِعْدادًا ومِنهُ أشَدُّ خَوْفًا وحَذَرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: أيُّكم أعْرَفُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أيُّكم أرْضى بِقَضائِهِ وأصْبَرُ عَلى بَلائِهِ.

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُتَّفِقٌ مُتَشابِهٌ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ هَذا مُطابِقٌ لِهَذا أيْ شَبِيهٌ لَهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: يَعْنِي بِعْضَهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، قالَ الحَسَنُ: وسَبْعُ أرَضِينَ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وأرْضٍ خَلْقٌ وأمْرٌ.

﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ اخْتِلاَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ مُتَفاوِتاتٌ مِنَ الأعِنَّةِ قَطَّبا حَتّى وفي عَشِيَّةِ أثْقالِها.

الثّانِي: مِن عَيْبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مِن تَفَرُّقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: لا يَفُوتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي مُسْلِمٍ.

قالَ الشّاعِرُ فَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ∗∗∗ بِلَهْفٍ ولاَ بِلَيْتَ ولا لَوْ أنِّي ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ فانْظُرْ إلى السَّماءِ.

﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن شُقُوقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: مِن خَلَلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مِن خُرُوقٍ قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: مِن وهَنٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيِ انْظُرْ إلى السَّماءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.

وَيَحْتَمِلُ أمْرُهُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ في الثّانِيَةِ أقْوى نَظَرًا وأحَدَّ بَصَرًا.

الثّانِي: لِأنَّهُ يَرى في الثّانِيَةِ مِن سَيْرِ كَواكِبِها واخْتِلافِ بُرُوجِها ما لا يَراهُ مِنَ الأُولى فَيَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا فُطُورَ فِيها.

وَتَأوَّلَ قَوْمٌ بِوَجْهٍ ثالِثٍ: أنَّهُ عَنى بِالمَرَّتَيْنِ قَلْبًا وبَصَرًا.

﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلَيْكَ البَصَرُ لِأنَّهُ لا يَرى فُطُورًا فَيَرْتَدُّ.

وَفي ( ﴿ خاسِئًا ﴾ ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذَلِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُنْقَطِعًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: كَلِيلًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الرّابِعُ: مُبْعَدًا، قالَهُ الأخْفَشُ مَأْخُوذٌ مَن خَسَأْتَ الكَلْبَ إذا أبْعَدْتَهُ.

وَفي (حَسِيرٌ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ النّادِمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ما أنا اليَوْمَ عَلى شَيْءٍ خَلا ∗∗∗ يا ابْنَةَ القَيْنِ تَوَلّى بِحَسِيرْ.

الثّانِي: أنَّهُ الكَلِيلُ الَّذِي قَدْ ضَعُفَ عَنْ إدْراكِ مَرْآهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ مَن مَدَّ طَرْفًا إلى ما فَوْقَ غايَتِهِ ∗∗∗ ارْتَدَّ خَسْآنَ مِنهُ الطَّرْفُ قَدْ حَسِرا.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُنْقَطِعُ مِنَ الإعْياءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ والخَيْلُ شُعْثٌ ما تَزالُ جِيادُها ∗∗∗ حَسْرى تُغادِرُ بِالطَّرِيقِ سِخالُها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .

وأخرج الترمذي والحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتاة على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا هو بإنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر» .

وأخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة» وقال: «هي المانعة في القبور، وإن قرأءة قل هو الله أحد في صلاة تعدل قراءة ثلث القرآن، وإن قراءة قل يا أيها الكافرون في صلاة تعدل ربع القرآن، وإن قراءة إذا زلزلت في صلاة تعدل نصف القرآن» .

وأخرج عبد بن حميد في مسنده واللفظ له والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟

قال: بلى، قال اقرأ ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار، وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» .

وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك الذي بيده الملك، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره شقاقك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الربّ فاشفعي له، فانطلقت إلى الرب، فتقول: يا رب إن فلاناً عمد إليّ من بين كتابك فتعلمني وتلاني، أفمحرقه أنت بالنار ومعذبه وأنا في جوفه؟

فإن كنت فاعلاً به فامحني من كتابك فيقول: ألا أراك غضبت فتقول: وحق لي أن أغضب، فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشفعتك فيه، فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبا بهذا الفم فربما تلاني، وتقول: مرحباً بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحباً بهاتين القدمين فربما قامتا بي، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه» فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم المنجية.

وأخرج ابن الضريس والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: يؤتى الرجل في قبره فيؤتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، قد كان يقوم علينا بسورة الملك، ثم يؤتى من قبل صدره فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان وعى فيّ سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان يقرأ بي سورة الملك، فهي المانعة تمنع من عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد كثر وأطيب.

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود قال: كنا نسميها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المانعة، وإنها لفي كتاب الله سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب.

وأخرج أبو عبيد والبيهقي في الدلائل من طريق مرة عن ابن مسعود قال: إن الميت إذا مات أوقدت حوله نيران فتأكل كل نار يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها، وإن رجلاً مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فأتته من قبل رأسه، فقالت: إنه كان يقرؤني، فأتته من قبل رجليه، فقالت: إنه كان يقوم بي، فأتته من قبل جوفه فقالت: إنه كان وعاني فأنجته.

قال: فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك.

وأخرجه الدارمي وابن الضريس عن مرة مرسلاً.

وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن مرة قال: كان يقال: إن في القرآن سورة تجادل عن صاحبها في القبر تكون ثلاثين آية فنظروا فوجدوها تبارك.

وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً قال: يبعث رجل يوم القيامة لم يترك شيئاً من المعاصي إلا ركبها إلا أنه كان يوحد الله، ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة واحدة فيؤمر به إلى النار فطار من جوفه شيء كالشهاب، فقالت: اللهم إني مما أنزلت على نبيك صلى الله عليه وسلم وكان عبدك هذا يقرؤني، فما زالت تشفع حتى أدخلته الجنة، وهي المنجية ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ [ الأعلى: 1] وفي صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿ ألم تنزيل ﴾ [ السجدة: 1] و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ .

وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأجد في كتاب الله سورة هي ثلاثون آية من قرأها عند نومه كتب له منها ثلاثون حسنة، ومحي عنه ثلاثون سيئة، ورفع له ثلاثون درجة، وبعث الله إليه ملكاً من الملائكة ليبسط عليه جناحه ويحفظه من كل شيء حتى يستيقظ، وهي المجادلة تجادل عن صاحبها في القبر، وهي ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .

وأخرج الديلمي بسند واه عن أنس رضي الله عنه رفعه «لقد رأيت عجباً، رأيت رجلاً مات كان كثير الذنوب مسرفاً على نفسه، فكلما توجه إليه العذاب في قبره من قبل رجليه أو من قبل رأسه أقبلت السورة التي فيها الطير تجادل عنه العذاب، أنه كان يحافظ عليّ، وقد وعدني ربي أنه من واظب عليّ أن لا يعذبه، فانصرف عنه العذاب بها وكان المهاجرون والأنصار يتعلمونها ويقولون: المغبون من لم يتعلمها وهي سورة الملك» .

وأخرج ابن الضريس عن مرة الهمداني قال: أتى رجل من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل عنه حتى منعته من عذاب القبر، فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك.

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الصباح عن عبد العزيز عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخل رجل الجنة بشفاعة سورة من القرآن، وما هي إلا ثلاثون آية تنجيه من عذاب القبر ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ ألم تنزيل ﴾ السجدة و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ كل ليلة لا يدعها في سفر ولا حضر.

قوله تعالى: ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ﴾ الآيتين.

أخرج ابن عساكر عن عليّ رضي الله عنه مرفوعاً «كلمات من قالهن عن وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات، الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات، ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن السدي في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن للموت ذكراً، وله استعداداً، ومنه خوفاً وحذراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ قال: الحياة فرس جبريل عليه السلام، والموت كبش أملح.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله الموت كبشاً أملح مستتراً بسواد وبياض له أربعة أجنحة، جناح تحت العرش، وجناح في الثرى، وجناح في المشرق وجناح في المغرب.

أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبع سماوات طباقاً ﴾ قال: بعضها فوق بعض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ قال: ما يفوت بعضه بعضاً، مفاوت: مفرق.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ قال: من اختلاف ﴿ فارجع البصر هل ترى فطور ﴾ قال: من خلل ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً ﴾ قال: صاغراً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: يعني لا ترى في خلق الرحمن تفاوتاً ولا خللاً.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفوت ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفوت ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ من تفاوت ﴾ قال: تشقق، وفي قوله: ﴿ هل ترى من فطور ﴾ قال: شقوق وفي قوله: ﴿ خاسئاً ﴾ قال: ذليلاً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: كليل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الفطور الوهي.

وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ من فطور ﴾ قال: من خلل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ من فطور ﴾ قال: تشقق أو خلل، وفي قوله: ﴿ ينقلب إليك البصر خاسئاً ﴾ قال: يرجع إليك ﴿ خاسئاً ﴾ قال: صاغراً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: يعي ولا يرى شيئاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ خاسئاً ﴾ قال: ذليلاً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: مترجع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

اختلفوا في معنى ﴿ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾ هاهنا.

فروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح، لا يمر بشي إلا مات، ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء (١) (٢) وقال مقاتل: يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة، والحياة (٣) (٤) وقال قتادة: يعني موت الإنسان أذل الله به ابن آدم، والحياة حياته في الدنيا (٥) وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان (٦) قوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ مضى الكلام في معنى ابتلاء الله في مواضع (٧) والمعنى: لنعاملكم معاملة المختبر، فيرى من يعتبر بهما، فيعلم قدرة الله الذي قدر على خلق ضدين الحياة والموت، فيحذر مجيء الموت الذي ينقطع به استدراك ما فات، وشمتوي فيه الفقير والغني والملوك والسوقة، ويعلم أن خلفهما قاهر الجميع (٨) وهذا المعنى في ليبلوكم على قول الكلبي، وأما على قول قتادة (٩) ﴿ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾ (١٠) (١١) (١٢) ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ تتعلق بخلق الحياة دون خلق الموت؛ لأن الابتلاء بها وفيها، وحذف ما خلق الموت (١٣) وأما على قول مقاتل فالمعنى: ليبلوكم فيما بين كونكم مواتًا نطفًا وعلقًا، وبين منتهى الحياة، والمعنى: خلقكم أمواتًا أولاً ثم خلق لكم الحياة ليرى أعمالكم الذي تستحقون به الجزاء (١٤) قال صاحب النظم: معنى ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ ؛ ليكون ما قدر عليكم من الخير والشر فتجازون به؛ لأن (١٥) (١٦) ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ بخلق الموت والحياة على الوجه الذي ذكرنا في تفسير الكلبي.

قال الفراء والزجاج: المتعلق بأيكم مضمر، لأن المعنى والتقدير: ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملاً، وارتفعت (أي) بالابتداء ولا (١٧) (١٨) ﴿ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ  ﴾ يريد: سلهم ثم انظر أيهم يكفل بذلك.

والكلام في إعراب أي فيما ذكرنا (١٩) ومعنى قوله: ﴿ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ قال أبو قتادة (٢٠)  - عنه فقال: "يقول: أيكم أحسن عقلاً (٢١) (٢٢) (٢٣) وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل؛ لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلاً كان أحسن عملًا على ما ذكره النبي -  - في حديث أبي قتادة (٢٤) وروي عن الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها (٢٥) ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ أي في انتقامه ممن عصاه فلم يعتبر بما خلق ولم يستدل على توحيده وقدرته ﴿ الْغَفُورُ ﴾ لمن تاب إليه، واستدل بصنيعه على توحيده.

ثم أخبر عن صنعه الذي يدل على توحيده فقال: ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بعضها فوق بعض.

وقال الكلبي: كل سماء مقببة على الأخرى يلتصق بها أطرافها، وسماء الدنيا موضوعة على الأرض مثل القبة (٢٦) قال الزجاج: و ﴿ طِبَاقًا ﴾ مصدر، أي: طوبقت طباقًا (٢٧) قوله تعالى: ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾ قال مقاتل: ما ترى يا ابن آدم في خلق السموات من عيب (٢٨) وقال قتادة: ما ترى خللًا واختلافًا (٢٩) وقال السدي: ﴿ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾ أي من اختلاف وعيب (٣٠) (٣١) قال الكلبي: هو الذي يفوت بعضه بعضًا (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال ابن قتيبة: ﴿ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾ أي: اضطراب واختلاف، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئًا، فيقع الخلل فيهن، ولكنه متصل بعضه ببعض (٣٦) قال أبو الحسن الأخفش: تفاوت أجود، لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا يكادون يقولون: تَفَوَّت الأمر (٣٧) (٣٨) (٣٩) قوله تعالى: ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ ﴾ قال مقاتل (٤٠) ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ ﴾ لأنه قال: ﴿ مَّا تَرَى ﴾ (٤١) قوله: ﴿ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾ قال المفسرون: من فروج وصدوع وشقوق وفتوق وخروق.

كل هذا من ألفاظهم (٤٢) ومنه التفطر والانفطار، وقد مر (٤٣) قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ قال ابن عباس: يريد مرة بعد مرة (٤٤) ﴿ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا ﴾ قال مقاتل: صاغرًا (٤٥) (٤٦) وقال ابن قتيبة: مبعدًا من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته (٤٧) وقال المبرد: الخاسئ: المبعد المصغر -والله أعلم- كالذي قصد ففزع (٤٨) (٤٩) (٥٠) قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وهو كليل قال منقطع لا يرى عيبًا ولا فطورًا (٥١) وقال الكلبي: الحسير: المعي (٥٢) (٥٣) يحسر طرف عينه فضاؤه فحاصل (٥٤) (٥٥) (٥٦) قال أبو إسحاق: أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا (٥٧) قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾ قال المفسرون: هي الأدنى إلى الأرض، وهي التي يراها الناس ﴿ بِمَصَابِيحَ ﴾ واحدها مصباح وهو السراج.

وذكرنا ذلك في قوله: ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ  ﴾ ، وهو السراج.

ثم يسمى الكوكب أيضًا مصباحًا لإضاءته.

قال الليث: والمصابيح من النجوم أعلام الكواكب (٥٨) قال ابن عباس: بنجوم لها نور (٥٩) وقال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجومًا للشياطين (٦٠) ﴿ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ﴾ قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع (٦١) قال أبو علي: فإن قيل: كيف يجوز أن تكون المصابيح زينة مع قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ﴾ ، فالقول إنها إذا جعلت رجومًا (٦٢) (٦٣) (٦٤) ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾ الآية [الحجر: 16]، وقوله: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ...

﴾ الآية [الصافات: 6].

قوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ ﴾ ، أي: في الآخرة ﴿ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾ قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير، كقوله: مفتولة وفتيل (٦٥) (١) بَلَقُ الدابة سواد وبياض.

وهو مصدر، الأبلق: ارتفاع التحجيل إلى الفخذين.

"اللسان" 1/ 259 (بلق).

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 104، و"معاني القرآن" للزجاج 9/ 197، و"الكشف والبيان" 12/ 154 ب.

قال الألوسي: وهو أشبه شيء بكلام الصوفية لا يعقل ظاهره.

"روح المعاني" 29/ 4.

(٣) في (ك): (في الحياة).

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 207.

(٥) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 304، و"جامع البيان" 12/ 29/ 2.

(٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 369، و"التفسير الكبير" 30/ 55.

(٧) الابتلاء: بمعنى الامتحان والاختبار، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ﴾ سورة محمد: 31.

ويكون في الخير والشر معًا، ومنه قوله تعالى ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ .

انظر: "اللسان" 1/ 264، (بلا)، و"المفردات" ص 61 (بلى).

(٨) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 56.

(٩) في (س): (وأما على قول قتادة) زيادة.

(١٠) (خلق الموت والحياة) ساقطة من (س).

(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 197.

(١٢) في (س): (ويجازيكم بأعمالكم.

وعلى هذا المعني: خلق الموت ليبعثكم) زيادة.

(١٣) في (س): (لأن الابتلاء بها وفيها، وحذف ما خلق الموت) زيادة.

(١٤) انظر: "تفسير غرائب القرآن" 29/ 5.

(١٥) (س): (لأن، بما) زيادة.

(١٦) (س): من (المتعلق بأيكم) إلى (بالابتداء ولا) زيادة.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 169، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 197.

(١٨) انظر: "معانى القرآن" للفراء 3/ 169.

(١٩) وأبو قتادة الحارث بن ربعي  ، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، دعا له رسول الله -  -.

توفي وهو ابن سبعين سنة، وذلك سنة أربع وخمسين بالمدينة المنورة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 15، و"التاريخ الكبير" 2/ 258، و"صفة الصفوة" 1/ 647، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 449، و"البداية والنهاية" 8/ 68.

(٢٠) في (ك): (اتقوا أيكم أحسن عملاً).

(٢١) أخرجه الطبري 15/ 250، وفيه مرة، وهو ضعيف.

وأخرجه داود بن المجبر في كتاب العقل، والحارث في مسنده عنه، والطبري، وابن مردويه من طريقه عن عبد الواحد بن قلد، عن كليب بن وائل، عن ابن عمر، وداود ساقط.

وأخرجه ابن مردويه أيضًا من طريق آخر، وإسناده أسقط من الأول، وأخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 12/ 154/ ب وفي سنده داود بن المجبر أيضًا.

وانظر: "تخريجات الكشاف" ص 86.

(٢٢) انظر: "زاد المسير" 4/ 79، وأخرجه الثعلبي عن ابن عمر عن النبي -  - بالسند الأول.

وذكره البغوي في "تفسيره" دون سند.

انظر: "الكشف والبيان" 2/ 154 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 369.

(٢٣) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 56.

قلت: وتفسير المؤلف للآية بناه على الحديث المذكور، وهو حديث ضعيف.

والأفضل والأصح من هذا ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عند تفسيره لآية سورة هود ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ قال: (ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجل، على شريعة رسول الله -  -، فمتي فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين حبط وبطل).

وانظر: "زاد المسير" 4/ 79.

(٢٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 155 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 36.

(٢٥) انظر: "جامع البيان" 29/ 3، و"الكشاف" 4/ 120، "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 208.

(٢٦) انظر: "تنويرالمقباس" 6/ 105، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 198.

(٢٧) انظر: "معاني القرآن" 5/ 198.

(٢٨) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 208.

(٢٩) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 304، و"جامع البيان" 12/ 29/ 3.

(٣٠) (س): (وعيب) زيادة.

(٣١) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 57، و"اللسان" 2/ 1141 (فوت).

(٣٢) انظر: " التفسير الكبير" 30/ 57، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 208.

قلت: هذه الأقوال اختلفت في الألفاظ، واتحدت في المعنى، ولذا ذكر بعض المفسرين بعضًا منها، وذكر غيرهم غيرها.

واقتصر بعضهم على معنى واحد.

انظر: "الكشف والبيان" 2/ 155 أ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 396.

(٣٣) قرأ حمزة والكسائي: (تفوت) بضم الواو مشددة من غير ألف.

وقرأ الباقون ﴿ تَفَاوُتٍ ﴾ بألف والتخفيف.

انظر: "حجة القراءات" ص 715، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" ص 420.

(٣٤) قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ  ﴾ .

قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿ تُصَعِّرْ ﴾ بتشديد العين من غير ألف، وقرأ الباقون (تصاعر) بتخفيف العين وألف قبلها.

انظر: "حجة القراءات" ص 565، و"النشر" 2/ 346، و"الإتحاف" ص 350.

(٣٥) (س): (ونحو هذا قال الزجاج سواء) زيادة.

وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 170، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 198.

(٣٦) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 474.

(٣٧) (تفوت الأمر) ساقطة من (س).

وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 305.

(٣٨) في (ك): (عبيدة).

(٣٩) نقله المؤلف عن الأزهري من "التهذيب" 14/ 331 (فوت)، ولفظه: (أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله فأتى أبوه النبي -  - فذكر ذلك له فقال: (اردد على ابنك فإنما هو سهم من كنانتك).

قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد.

انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 3، وهذا هو اختيار الفراء والنحاس.

وهو قول سيبويه.

والقراءة بأيهما ثابتة عن الرسول -  - فلا عبرة بقول مخالف مهما بلغ علمه وفضله، والعصمة لمن عصمه الله.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 170، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 470، و"الحجة للقراء" 6/ 305.

(٤٠) في (س): (قال مقاتل) زيادة.

وانظر: "تفسير مقاتل" 161 أولفظه (أعد).

(٤١) انظر: "معاني القرآن" 3/ 170.

(٤٢) انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 3، و"الكشف والبيان" 12/ 156 أ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 396.

(٤٣) عند تفسيره الآية (14) سورة الأنعام.

قال: ﴿ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ، أي: خالقهما ابتداء على غير مثال سبق ...

والفطر: ابتداء الخلق.

قال ابن عباس: كنت ما أدري ما == فاطر السموات حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها ...

وقال ابن الأنباري: أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه.

(٤٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 370.

(٤٥) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب.

(٤٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 170، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 198.

(٤٧) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 474.

(٤٨) في (س): (قصدٍ) زيادة.

وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 58.

(٤٩) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 105، و"معالم التنزيل" 4/ 370.

(٥٠) عند تفسيره الآية (65) من سورة البقرة.

قال: الخسأ: الطرد والإبعاد.

يقال: خسأته خسأً فخسأ وانخسأ، فهو واقع ومطاوع.

ويقال للكلب عند الزجر والإبعاد: اخسأ.

(٥١) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 105، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و"الكشف والبيان" 2/ 156 أ.

(٥٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 305.

(٥٣) "ديوان رؤبة" ص 3، و"تهذيب اللغة" 4/ 286، و"اللسان" 1/ 632 (حسر).

(٥٤) في (ك): (مجاز).

(٥٥) في (س): (فهن).

(٥٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 170، و"التفسير الكبير" 30/ 59.

(٥٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 198.

(٥٨) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 267، و"اللسان" 2/ 403 (صبح).

(٥٩) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 105، ولفظه (بالنجوم).

(٦٠) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وفيه زيادة قوله: (فمن يتأول منها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به).

انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 3، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 396.

(٦١) انظر: "الكشف والبيان" 2/ 156 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 370، ولم ينسب لقائل، وهو ظاهر.

(٦٢) في (س): (رجومًا) زيادة.

(٦٣) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 59، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 211.

(٦٤) انظر: "روح المعاني" 29/ 9.

(٦٥) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 62.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خَلَقَ الموت والحياة ﴾ يعني موت الخلق وحياتهم، وقيل: الموت الدنيا لأن أهلها يموتون، والحياة الآخرة لأنها باقية، فهو كقوله: ﴿ وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان ﴾ [العنكبوت: 64] وهو على هذا وصف بالمصدر والأول أظهر ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أي ليختبركم، واختبار الله لعباده إنما هو لتقوم عليهم الحجة بما يصدر منهم، وقد كان الله علم ما يفعلون قبل كونه، والمعنى ليبلوكم فيجازيكم بما ظهر منكم ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها فقال: أيكم أحسن عملاً وأشدكم لله خوفاً وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ من تفوّت ﴾ من التفعل: حمزة وعلي ﴿ هل ترى ﴾ بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ ولقد زينا ﴾ مثل ﴿ لقد سمع ﴾ : ابن فليح ﴿ فسحقا ﴾ بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون ﴿ أءمنتم ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر.

والباقون ﴿ ءأمنتم ﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿ نذيري ﴾ ﴿ ونكيري ﴾ كنظائرهما.

﴿ سيئت ﴾ مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

﴿ يدعون ﴾ بسكون الدال: يعقوب.

﴿ أهلكني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة ﴿ معي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ فسيعلمون ﴾ على الغيبة: علي.

الوقوف ﴿ الملك ﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿ قدير ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ عملاً ﴾ ه ﴿ الغفور ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿ طباقاً ﴾ ط ﴿ تفاوت ﴾ ط ﴿ البصر ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿ فطور ﴾ ه ﴿ حسير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تفور ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿ الغيظ ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ يذنبهم ﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ أو اجهروا به ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ خلق ﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً.

﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من رزقه ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ هي تمور ﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿ أم أمنتم ﴾ ﴿ حاصبا ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ ويقبض ﴾ م ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ غرور ﴾ ه ﴿ رزقه ﴾ ط ﴿ ونفور ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ص ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ رحمنا ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج ومن قرأ ﴿ فسيعلمون ﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ معين ﴾ ه.

التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ وهو على ﴾ إيجاد ﴿ كل ﴾ ممكن وإعدامه ﴿ قدير ﴾ بيانه أنه ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك.

فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.

وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً.

أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى.

قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم.

زعم الكلبي أنه  قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.

وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه.

ومعنى الغاية في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده.

وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.

عن النبي  أنه تلاها فلما بلغ قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله.

وعنه  أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى" والابتلاء مجاز كما مر في قوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ﴾ وفي الكهف قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مفعول ثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما ﴿ الذي خلق سبع سموات طباقاً ﴾ أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.

ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله  أو لكل راءٍ.

والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ".

فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل.

وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " ﴿ وما لها من فروج  ﴾ وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى ﴿ خاسئاً ﴾ بعيداً عن إصابة الملمس، قوله ﴿ ولقد زينا ﴾ قد مر تفسيره في " حم السجدة ".

والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به.

وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم.

وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ﴿ وللذين كفروا ﴾ الآية.

ثم وصف جهنم بصفات منمها أن ﴿ لها شهيقاً ﴾ تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار.

ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران.

قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل.

وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.

ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله ﴿ كلما ألقي ﴾ الآية.

على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه  حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع.

احتجوا بأنه  ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير.

ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة ﴿ لو كنا نسمع ﴾ الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه  جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم.

احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي.

وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه.

قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة.

قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد.

وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب.

والفاء في قوله ﴿ فاعترفوا ﴾ للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا ﴿ بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.

قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.

ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه ﴿ فسحقاً ﴾ أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا.

والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً.

وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً ﴿ إن الذين ﴾ الآية.

وقد مر مراراً.

ثم هدد على العموم فقال ﴿ وأسروا ﴾ وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله ﴿ أنه عليم بذات الصدور ﴾ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم.

ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله  .

وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية.

ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله.

وأنكر في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله ﴿ وهو اللطيف ﴾ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور.

وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة.

قوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ﴾ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه  وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز.

قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى.

قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً  ﴾ ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة.

ثم قال ﴿ وإليه النشور ﴾ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً.

ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله ﴿ من في السماء ﴾ ظاهر.

وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم ﴿ أأمنتم من ﴾ تزعمون أنه ﴿ في السماء ﴾ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء.

ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور".

والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً.

ثم هدد وأوعد قائلاً ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً  والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك.

وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة.

قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر.

وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري.

ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.

قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿ ويقبضن ﴾ دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح.

وإنما قال في " النحل " ﴿ ما يمسكهن إلا الله  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.

﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.

قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله  ، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله  إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان.

والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي ﴿ هو جند لكم ﴾ هو ﴿ ينصركم من دون الرحمن ﴾ إن أرسل عذابه عليكم ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يشار إليه هذا الذي ﴿ يرزقكم ﴾ بزعمكم ﴿ إن أمسك ﴾ الله ﴿ رزقه ﴾ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم ﴿ بل لجوا في عتو ﴾ وتباعد عن الحق ﴿ ونفور ﴾ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية.

ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً ﴿ أفمن يمشي مكباً ﴾ قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب".

وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل.

وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة.

ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي  وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب.

وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر.

والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله.

البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم ﴿ في الأرض ﴾ ثم أشار إلى المعاد بقوله ﴿ وإليه تحشرون ﴾ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين".

وحين أمر نبيه  أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت.

قال أبو مسلم: المراد كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك ﴿ فلما رأوه ﴾ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ من قبيل ﴿ وسيق  ﴾ وأجابهم الله بقوله ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك.

والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب.

قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة.

وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة.

قوله ﴿ سيئت ﴾ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل.

وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح.

قوله ﴿ وقيل هذا الذي ﴾ الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية.

وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.

و ﴿ تدعون ﴾ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.

وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين.

وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه.

يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول  وعلى المؤمنين.

بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول.

﴿ قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ﴾ كما تتمنون فنقلب إلى الجنة ﴿ أو رحمنا ﴾ بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو ﴿ فمن يجير الكافرين من عذاب ﴾ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟

وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟

وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟

وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟

النوع الثاني في الجواب ﴿ قل هو الرحمن آمنا به ﴾ ولم نكفر كما كفرتم ﴿ وعليه ﴾ خاصة ﴿ توكلنا ﴾ لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟

ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.

عن الكلبي: لا تناله الدلاء.

والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ".

يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز.

قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ .

قيل:  وتعاظم، و ﴿ تَبَارَكَ ﴾ تفاعل من البركة، والبركة كناية عن نفي كل عيب؛ قال - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً  ﴾ أي: ماء لا كدورة فيه ولا قذر، بل هو ماء مطهر من كل آفة وعيب، فمعنى قوله: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ أي:  من أن يكون له شبيه وعديل، وتعاظم عما قالت فيه الملاحدة ومن أن يلحقه المعايب والآفات.

وقوله: ﴿ بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ .

أي: الذي له ملك الملك؛ لأنه قال في موضع آخر: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ  ﴾ [أي: الذي له الملك]، فذكر اليد هاهنا مكان المالك هناك؛ فامتدح - جل وعلا - بملك الملك وكونه مالكا له.

والمعتزلة يقولون بأن مِلْكَ مُلْكِ الكفرة ليس له، وأنه لا يولي الملك للكافر، ويقولون في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ  ﴾ أن الذي آتاه الله الملك هو إبراهيم -  - والهاء تنصرف إليه، لا إلى الذي حاجه، وإذا لم يجعلوا مِلكَْ مُلْكِ الكافر في يده، لم يصر ممتدحا بما ذكرنا؛ لأنه يكون في يده بعض الملك لا كله، وقال في آية أخرى: ﴿ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ  ﴾ ، وعلى قولهم يصير الملك في يد من لا يشاء؛ لأنه لا يشاء الملك للكافر، ومع ذلك يوجد فيهم الملك.

ثم ما ينبغي لهم أن يقطعوا القول بأن الله  لا يؤتي الملك للكافر، بل عليهم أن يقولوا: إن كان إيتاء الملك أصلح لهم آتاهم إياه، وإن كان شرّاً لهم لم يؤتهم؛ إذ من مذهبهم أن الله لا يفعل بعبده إلا [ما هو الأصلح] له في الدين والدنيا في حقه، فهذا جملة اعتقادهم، ثم هم لا يعرفون الوجه الذي صار أصلح في كل شيء على الإشارة إليه؛ لأنهم يقولون: في إبقاء إبليس اللعين إلى اليوم المعلوم صلاح، وإن كنا لا نعرف الوجه الذي لأجله صار أصلح، وإفناء الأنبياء والرسل - عليهم السلام - كان أصلح وإن لم نعرف من أي وجه صار أصلح؟!

فليقولوا هاهنا بأن إيتاء الملك إن كان أصلح لهم لم يكن له إلا يؤتيهم، وإن كان شرّاً فعليه ألا يؤتيهم؛ لئلا يجعلوا الأمر على النفي.

ثم الملك اسم عام، وهو عبارة عن نفاذ التدبير والسلطان والولاية، والملك هو أن يكون للمالك خاصة في الشيء، لا يتناول من ذلك الشيء إلا بإذنه، وقد يكون المرء مالكا، وليس بملك، وقد يكون ملكا ليس بمالك، فكل واحد من الوجهين يقتضي معنى [غير ما] يقتضيه الآخر.

وجائز أن يكون [تأويل] قوله: ﴿ بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ ، أي: ملك كل من ملك من أهل الأرض بيده؛ لأنه إن شاء أبقى له الملك، وإن شاء نزعه؛ فما من ملك في دار الدنيا إلا وملكه في الحقيقة لله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

امتدح نفسه  [بأنه على ما يشاء قدير، وذلك من أوصاف ربوبيته أيضاً ومن قول المعتزلة]: إنه على أكثر الأشياء غير قدير؛ لأنهم يجعلون المعدوم شيئاً؛ فشيئية الأشياء كانت بأنفسها لا بإنشاء الله  ، ويجعلون ظهورها بالله -  - فقط، وإذا كان كذلك فإنه لم يصر قادرا على شيئية الأشياء، وكذلك ينفون الخلق والقدرة على أفعال العباد.

ومن قولهم - أيضاً - إن إقدار العبد بيد الله، وإذا أقدر عبداً من عبيده على الهداية، خرجت القدرة من يده؛ فتصير هذه القدرة مستفادة لا ذاتية، وإذا كان كذلك فقد نفوا عنه القدرة عن أكثر الأشياء، فلا يصير هو قادرا على كل شيء، وإنما هو قادر على البعض،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ ﴾ أي: خلقكم أمواتا: نطفة وعلقة ومضغة، ثم أحياكم ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ .

وقال غيره: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ ﴾ ليجزيكم بعده، والحياة؛ ليبتليكم بها، واستدل بقوله -  -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ، فصرف المحنة إلى الحالة التي أنشأهم على وجه الأرض، وهي حالة الحياة، [ثم أخبر بعد ذلك أنه يجعلهم] صعيدا جرذا بعد الابتلاء بقوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً  ﴾ .

وعندنا: أنه خلقهما جميعا للابتلاء؛ لأن الله -  - خلق الموت على غاية ما تكرهه الأنفس، وتنفر عنه، وخلق الحياة على غاية ما تتلذذ به الأنفس وترغب فيها، والمحنة في الترغيب والترهيب، فثبت أن في خلق الموت محنة؛ فيكون قوله -  -: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾ كأنه يقول: خلق الموت مرهبا، وخلق الحياة مرغبة؛ ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، أي: ليبلوكم أيكم أرهب من الشر، وأرغب في الخير؟

ثم الموت مما لا مهرب منه لأحد، ولا مخلص لمخلوق، وكذلك الحياة، وإن كانت من أرغب الأشياء إلى الأنفس، فليست هي بحيث يتهيأ للمرء أن يزيد منها بالطلب، ولا مما يوجد بالكد والسعي؛ فصارت هي مرغبة في الحياة الدائمة وهي نعيم الآخرة، [وصار الموت] مرهبا عن الموت الدائم، والموت الدائم هو العذاب الدائم، الذي لا ينقطع كما قال -  -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  ﴾ ، أي: لا تنقضي عنه الآلام والأوجاع بل يبقى فيها أبدا، وإذا ثبت أن الموت صار مرهبا عن العذاب الدائم، والحياة صارت مرغبة في مثلها، فنقوم بطلبه، ووجب القول بالبعث أيضاً؛ إذ الراغب إنما يصل [إلى] ما يرغب فيه بالبعث، والآخر إنما يصير إلى العذاب الدائم بالبعث.

وفي إيجاب القول بالرسالة؛ لأنه إذا ثبت الرغبة في الموعود من الثواب والرهبة عن العذاب، وهما جميعاً غائبان، فاحتيج إلى من يظهرهما ويحضرهما ويخبر عنهما، فلم يكن بد من رسول يخبرهم ويحضر علمه لهم.

ثم الأصل في قوله -  -: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ \[أنه إنما يحسن عمله\] بحسن رغبته ويسوء عمله بسوء رغبته ورهبته، فخلق الحياة والموت ليتفكر فيهما المرء، ويعتبر بهما، فمن حسنت رغبته ورهبته حسن عمله، ومن لم يتفكر فيهما، ولم يعتبر بهما، ساء عمله، فالموت والحياة أنشئا مرغبين ومرهبين، وكذلك الدنيا وما فيها [أنشئت] دلالة على طريق الآخرة، فالسمع يدل على السمع، والبصر على البصر، وآلامها تدل على آلام الآخرة، ونعيمها دليل على نعيم الآخرة، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ \[فيه دليل على إضمار قوله: وأيكم أسوأ عملا\] على مقابلة الأول، إلا أنه اكتفى بذكر أحد المتقابلين عن الآخر، والله أعلم.

فإن قال قائل: كيف أضاف الابتلاء إلى نفسه بقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ، والابتلاء في الشاهد؛ لاستظهار ما خفي، ولاستحضار ما غاب، والله  لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف أضيف إليه الابتلاء؟!

فجوابه أن نقول: إن الابتلاء في الحقيقة كناية عما به ظهور الشيء وبروزه.

فاستعمل الابتلاء في كل ما فيه ظهور الأمر، وإن كان الذي ظهر من الأمر عند المبتلي ظاهرا، وهذا كما أضيف [الاستدراج والمكر] إلى الله  ؛ لوجود معنى المكر والاستدراج فيه، وإن لم يكن المقصود من ذلك المكر والاستدراج، وفي الشاهد المكر أن تحسن إلى عدو ليقع عنده أنك تركت عداوته، فيعتبر بإحسانك إليه، ثم تأخذه من وجه أمنه، ومن حيث لا يشعر به، هذا هو معنى المكر في الشاهد، وقد وجد الإحسان من الله  إلى أعدائه، ووجد منهم الاغترار بالنعم، ووقع عندهم أنهم من جملة أوليائه ثم أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون؛ فوجد معنى المكر وإن لم يقصد بإحسانه إليهم المكر بهم.

والثاني: أن من أمر في الشاهد فإنما يأمر؛ لمصلحة أو لمنفعة تعود إليه، وإذا نهى عن شيء فإنما ينهى؛ لنفي مضرة تصل إليه، والله  لم يأمر الخلق ولم ينههم لمنفعة يجلب بها إلى نفسه، أو لمضرة يدفعها عن نفسه، وإنما أمرهم ونهاهم؛ لمنافع ترجع إليهم ومضار تلحقهم، ثم أضيف إليه الأمر والنهي وإن كان لا منفعة له ولا مضرة عليه؛ فكذلك ابتلى خلقه؛ ليظهر للمبتلى عداوته وولايته، لا لتظهر له، وأضاف الابتلاء إلى نفسه وإن كان هو مستغنيا عن الابتلاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ﴾ .

ففيه إبانة أنه لم يبتلنا لمنفعة أو لعز يرجع إليه، أو لذل يدفع عنه، ولكن لعز يحرزه الممتحن إذا أحسن العمل وذنوب تغفر له وتستر عليه، وهو عزيز بذاته.

وجائز أن يكون معنى قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ ، أي: القوي على الانتقام ممن ساء عمله، واختار عداوته، ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ : الستور على من حسن عمله، يستر عليه ذنبه، ويجزيه بحسن عمله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ .

ففي ذكر السماوات السبع إيجاب القول بتصديق ما يأتي به الرسل؛ [لأن كون السماوات سبعا لا يعرف إلا من طريق] الخبر، وقد ثبت وجود هذا القول [على ألسن الرسل] وهذه الآية أثبتت تصديق ما يأتي به الرسل؛ فلزمنا القول [في السماوات] أنها سبع وإن لم تشاهد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً ﴾ ؛ ليبلو أهلها: أيهم أحسن عملا؛ لأنه بين أنه لم يخلق السماوات والأرضين باطلا، ثم السماوات بأنفسها لا تمتحن، وإنما يمتحن أهلها، لكنه اقتضى [ذكر السماوات] ذكر أهلها، واقتضى ذكر الأرض ذكر أهلها، فأخبر بذكر الأرض عن ذكر أهلها، وبذكر السماوات عن ذكر أهلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ .

أي: انظر في خلق الرحمن، هل ترى [فيه] من تفاوت أو فطور؟!

فإنك إن رأيت فيه فطوراً، ظننت أن في مدبره عدداً، وإن رأيت فيه تفاوتا، ظننت في منشئه سفهاً، فإنك إذا رأيت فيه فطورا وشقوقا رأيت فيه تمانعا وتدافعا، وفي حصول التمانع والتدافع حصول العدد؛ لأن التدافع والتمانع إنما يقع عند ثبات العدد؛ لأن ما يبني هذا يهدمه الآخر، وما يهدمه الآخر وينقضه يبني الآخر، فعند ذلك يقع التدافع، وإذا لم ير فيه فطوراً أو شقوقاً، بل رآه متسقا مجتمعا؛ دل على وحدانيته وقدرته وسلطانه.

وكذلك التفاوت يدل على السفه ونفي الحكمة، وارتفاع التفاوت يدل على حكمته وعجيب تدبيره؛ فيكون في ارتفاع [الفطور والتفاوت] إثبات القول بالوحدانية وإيجاب القول بالبعث من حيث ثبت حكمته، وفي نفي القول بالبعث زوال الحكمة، وفيه إيجاب المحنة والابتلاء؛ لأن العدد إذا ثبت، كان للممتحن ألا يعمل حتى يتبين له الغالب من المغلوب فلا يضيع عمله.

أو يشتغل كل بإقامة سلطانه ونفاذ تدبيره، فلا يتفرغ للأمر بالمحنة؛ ألا ترى [إلى] قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ \[المؤمنون: 91\] قيل: يذهب كل واحد منهم بالجزء الذي خلقه؛ فيظهر عند ذاك فطور وشقوق؛ لأن ما خلق هذا يمتاز من الذي خلقه الآخر، فارتفاع الفطور يدل على وحدانية الصانع  .

وقيل في قوله: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ أي: من حيث الدلالة على وحدانية الرب -  - أو من حيث الحكمة والمصلحة؛ فالخلائق كلها في المعاني التي ذكرناها غير متفاوتة، لا أن تكون الأشياء المحدثة غير متفاوتة في أنفسها؛ لأن بين السماوات والأرضين تفاوتاً، وكذلك بين الحياة والموت تفاوت، ولكن منافع السماء متصلة بمنافع الأرض، ومنافع أهل الأرض متصلة بالأرض وقوامهم ومعاشهم بما يخرج منها، وكل ذلك يدل على وحدانيته وعلى حكمته ولطائف تدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ .

فجائز أن يكون هذا على رجوع بصر الوجه.

وجائز أن يكون على رجوع بصر القلب.

أو يكون أحدهما على بصر الوجه، والثاني على بصر القلب.

والأشبه أن يكون على بصر القلب؛ لأنه قد سبق منه النظر إلى السماوات والأرضين ببصر الوجه، وسبق منه العلم من حيث النظر أنه لا تفاوت فيها ولا فطور، فدعاه إلى أن ينظر ببصر القلب؛ ليدله ذلك على المعاني التي ذكرناها؛ وهو كقوله -  -: ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ ، وقال  : ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، ولم يرد به السير بالأقدام؛ إذ قد سبق منهم السير فيها، ولكن معناه: أو لم يتفكروا في عواقب من تقدمهم من مكذبي الرسل أنهم بأي سبب أهلكوا؟

ولأي معنى عوقبوا واستؤصلوا؟

ثم قوله: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ...

﴾ الآية منهم من قال: إن الكرتين هاهنا كناية عن مرة بعد مرة، ليس على تثنية العدد، فكأنه أمره أن يكون أبداً معتبرا ناظرا في خلق الرحمن؛ وإلى هذا يذهب الحسن والأصم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَرَّتَيْنِ ﴾ مرتين، ولكن على اختلاف الوقتين؛ فيكون أحد النظرين [بالليل] والآخر بالنهار؛ لأنه يرى بالليل آيات وبالنهار آيات سواها، وثبوت كل ذلك يدل على وحدانيته وعجيب حكمته ونفاذ قدرته وسلطانه.

أو أن تكون النظرة الأولى ببصر الوجه والنظرة الثانية ببصر القلب؛ لأنه إذا نظر النظرة الأولى ببصر وجهه، فرأى ما فيه من العجائب أشعر قلبه ما رأى، فينظر فيه مرة أخرى ببصر القلب؛ ليتأكد ذلك ويتكرر.

ويجوز أن يكون النظران جميعا ببصر الوجه؛ لأنه لا يستوعب النظر بالجملة في المرة الأولى؛ فينظر [مرة أخرى]؛ ليدرك ما غاب عنه في المرة الأولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَاسِئاً ﴾ .

أي: صاغرا مستسلما معترفا بالقصور عن درك كنه سلطانه والإحاطة بعظمته وجلاله.

﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ .

أي: منقطع عن درك بلوغ حكمته ونفاذ أمره.

ثم الأشبه أن يكون المراد بهذا الخطاب المكذبين بالبعث؛ لأن رسول الله  وإن كان الخطاب متوجها إليه في الظاهر؛ لأنه إنما أراد بالنظر في خلق الله  ؛ ليتقرر عنده عظمة الله  وسلطانه وعجيب حكمته ونفاذ تدبيره، ورسول الله  قد كان تقرر عنده علم ذلك كله؛ فلم يكن يحتاج إلى النظر فيما ذكر؛ ليتقرر صرف النظر إلى المكذبين بالبعث، فأمروا بالنظر فيما ذكر؛ ليتقرر عندهم سلطانه ونفاذ تدبيره، وأنه ليس بالذي يعجزه أمر وأن قدرته ليست بمقدرة بقوى البشر، وهم كانوا ينكرون البعث والإحياء على تقرير الأمور بقوى أنفسهم، فإذا نظروا في هذه الأشياء وعرفوا فيها لطائف وحكماً لا تدركها عقولهم وقوة لا تبلغها حيلهم، أدى ذلك إلى رفع الإشكال عنهم وإزاحة الريب الذي اعتراهم في أمر البعث؛ فيحملهم على الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ ﴾ .

سماها: سماء الدنيا؛ لدنوها إلى المخاطبين الممتحنين، لا أن تكون السماء الثانية سماء الآخرة، والذي يدل على صحة ما ذكرنا: أن مقابل الآخرة ليست هي الدنيا بل مقابلها الأولى، ومقابل الدنيا القصوى؛ فثبت أن ليس فيها تثبيت أن السماء الثانية هي سماء الآخرة، والمصابيح هي النجوم، فذكر عباده عظم ما أودع من النعيم في النجوم عليهم، فجعل فيها ثلاثة أوجه من النعيم: أحدها: أنه جعلها زينة للناظرين؛ كما قال -  -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ  ﴾ ، ثم هذه الزينة إنما تظهر عندما تخفى على الناظرين زينة الأرض، وذلك في ظلم الليالي؛ فأبدل الله لهم زينة في السماء مكان الزينة التي أنشأها في الأرض، وفضل هذه الزينة على سائرها؛ لأن سائرها لا يظهر إلا بالدنو إليها والقرب منها، ثم جعل هذه الزينة بحيث تظهر فترى من البعد؛ فثبت أن لها فضلا وشرفا على زينة الأرض.

والنعمة الثانية: ما ذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ ؛ فجعلها هدى من ظلمات أحوال تقع فيسلم بها المرء عن الوقوع في المهالك.

والنعمة الثالثة: ما ذكر من قوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ ﴾ ، وفي جعلها رجوما للشياطين رفع الاشتباه عن الخلق وإخراجهم من ظلمات الأفعال إلى النور، وذلك أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء؛ فيستمعون إلى الأخبار التي يتحادث بها أهل السماء، فيما بينهم مما يراد بأهل الأرض، فيسترقون السمع منهم، فيأتون بها أهل الأرض ويلقونها إلى أهل الأرض بعدما يخلطونها بأكاذيب من عند أنفسهم فيشبهون على الخلائق ويضلونهم بذلك عن سبيل الله  ؛ فملأ الله -  - السماء بالحرس والشهب؛ ليدفعوا الشياطين عن استراق السمع؛ ليكون تبليغ الأخبار إلى أهل الأرض بمن يؤمن عليه الكذب، وهو الرسول -  - فتسلم تلك الأخبار عن التخاليط والشبه؛ فيسلم الناس عن الوقوع في الظلمات.

ثم يكون في جعل النجوم زينة للسماء: أن أهل [السماء ابتلوا] أيهم أحسن عملا؟

كما ابتلي به أهل الأرض؛ ألا ترى إلى ما ذكر في أهل الأرض من قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ فأخبر أن الزينة للامتحان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

ففيه أنهم وإن عذبوا بالنيران التي جعلت في النجوم الرجوم، لا يدفع عنهم ما استوجبوا من العذاب الدائم، بل قد أعد لهم عذاب السعير، كما أعد لغيرهم من الشياطين وأهل الكفر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الَّذي خلق الموت وخلق الحياة ليختبركم -أيها الناس- أيكم أحسن عملًا، وهو العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الغفور لذنوب من تاب من عباده.

<div class="verse-tafsir" id="91.ez9y0"

مزيد من التفاسير لسورة الملك

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر