الآية ١٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٣ من سورة الأعراف

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخاطبا لإبليس بأمر قدري كوني : ( فاهبط منها ) أي : بسبب عصيانك لأمري ، وخروجك عن طاعتي ، فما يكون لك أن تتكبر فيها .

قال كثير من المفسرين : الضمير عائد إلى الجنة ، ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى .

( فاخرج إنك من الصاغرين ) أي : الذليلين الحقيرين ، معاملة له بنقيض قصده ، مكافأة لمراده بضده ، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قال الله لإبليس عند ذلك: (فاهبط منها).

وقد بيَّنا معنى " الهبوط" فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

(15) * * * =(فما يكون لك أن تتكبر فيها)، يقول تعالى ذكره: فقال الله له: " اهبط منها "، يعني: من الجنة =" فما يكون لك ", يقول: فليس لك أن تستكبر في الجنة عن طاعتي وأمري.

* * * فإن قال قائل: هل لأحد أن يتكبر في الجنة؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ, وإنما معنى ذلك: فاهبط من الجنة, فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله, فأما غيرها، فإنه قد يسكنها المستكبر عن أمر الله، والمستكين لطاعته.

* * * وقوله: (فاخرج إنك من الصاغرين)، يقول: فاخرج من الجنة، إنك من الذين قد نالهم من الله الصَّغَار والذلّ والمَهانة.

* * * يقال منه: " صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغارًا وصُغْرَانًا "، وقد قيل: " صغُرَ يَصْغُرُ صَغارًا وصَغارَة ".

(16) * * * وبنحو ذلك قال السدي.

(17) 14359- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فاخرج إنك من الصاغرين)، و " الصغار "، هو الذل.

-------------------- الهوامش : (15) انظر تفسير (( الهبوط )) فيما سلف 1 : 534 ، 548 /2 : 132 ، 239 .

(16) انظر تفسير (( الصغار )) فيما سلف ص : 96 .

(17) في المطبوعة : (( وبنحو الذي قلنا قال السدي )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرينقوله تعالى قال فاهبط منها أي من السماء .

فما يكون لك أن تتكبر فيها لأن أهلها الملائكة المتواضعون .فاخرج إنك من الصاغرين أي من الأذلين .

ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل .

وقال أبو روق والبجلي : فاهبط منها أي من صورتك التي أنت فيها ; لأنه افتخر بأنه من النار فشوهت صورته بالإظلام وزوال إشراقه .

وقيل : فاهبط منها أي انتقل من الأرض إلى جزائر البحار ; كما يقال : هبطنا أرض كذا أي انتقلنا إليها من مكان آخر ، فكأنه أخرج من الأرض إلى جزائر البحار فسلطانه فيها ، فلا يدخل الأرض إلا كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها .

والقول الأول أظهر .

وقد تقدم في " البقرة "

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال اللّه له: { فَاهْبِطْ مِنْهَا } أي: من الجنة { فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا } لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تليق بأخبث خلق اللّه وأشرهم.

{ فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ } أي: المهانين الأذلين، جزاء على كبره وعجبه بالإهانة والذل

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قال فاهبط منها ) أي : من الجنة ، وقيل : من السماء إلى الأرض وكان له ملك الأرض فأخرجه منها إلى جزائر البحر ، وعرشه في البحر الأخضر ، فلا يدخل الأرض إلا خائفا على هيئة السارق مثل شيخ عليه أطمار يروع فيها حتى يخرج منها .

قوله تعالى : ( فما يكون لك أن تتكبر ) بمخالفة الأمر ، ( فيها ) أي : في الجنة ، فلا ينبغي أن يسكن في الجنة ولا السماء متكبر مخالف لأمر الله تعالى : ( فاخرج إنك من الصاغرين ) من الأذلاء ، والصغار : الذل والمهانة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال فاهبط منها» أي من الجنة وقيل من السماوات «فما يكون» ينبغي «لك أن تتكبَّر فيها فاخرج» منها «إنَّك من الصاغرين» الذليلين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله لإبليس: فاهبط من الجنة، فما يصح لك أن تتكبر فيها، فاخرج من الجنة، إنك من الذليلين الحقيرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد حكى القرآن ما رد الله به على إبليس بقوله : ( قَالَ فاهبط مِنْهَا .

.

.

.

) .أى : قال الله - تعالى - لإبليس : فاهبط من الجنة بسبب عصيانك لأمرى وخروجك عن طاعتى .وقيل إن الضمير فى ( مِنْهَا ) يعود على المنزلة التى كان فيها قبل أن يطرده الله من رحمته .

أى : فاهبط من رتبة الملكية التى كنت فيها إلى رتبة العناصر الشريرة .وقيل : إن الضمير يعود على روضة كانت على مرتفع من الأرض خلق فيها آدم - عليه السلام - .وقوله : ( فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) معناه : فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك أن تتكبر فيها ، لأنها ليست مكانا للمتكبرين وإنما هى مكان للمطيعين الخاشعين المتواضعين .وقوله : ( فاخرج ) تأكيد للأمر بالهبود ومتفرع عليه .وقوله : ( إِنَّكَ مِنَ الصاغرين ) تعليل للأمر بالخروج .

أى : فاخرج منها فأنت من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك وغرورك .ثم حكى القرآن ما طلبه إبليس من الله - تعالى - وما أجاب الله به عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وأما قوله: ﴿ قَالَ فاهبط مِنْهَا ﴾ فلا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى، ومثل هذه المناظرة بين الله سبحانه وبين إبليس مذكور في سورة ﴿ ص ﴾ على سبيل الاستقصاء.

إذا ثبت هذا فنقول: إنه لم يتفق لأحد من أكابر الأنبياء عليهم السلام مكالمة مع الله مثل ما اتفق لإبليس، وقد عظم الله تشريف موسى بأن كلمه حيث قال: ﴿ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ  ﴾ وقال: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً  ﴾ فإن كانت هذه المكالمة تفيد الشرف العظيم فكيف حصلت على أعظم الوجوه لإبليس؟

وإن لم توجب الشرف العظيم، فكيف ذكره الله تعالى في معرض التشريف الكامل لموسى عليه السلام؟

والجواب: أن بعض العلماء قال: إنه تعالى قال لإبليس على لسان من يؤدي إليه من الملائكة ما منعك من السجود؟

ولم يسلم أنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة.

قالوا: لأنه ثبت أن غير الأنبياء لا يخاطبهم الله تعالى إلا بواسطة، ومنهم من قال: إنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة، ولكن على وجه الإهانة بدليل أنه تعالى قال له: ﴿ فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين ﴾ وتكلم مع موسى ومع سائر الأنبياء عليهم السلام على سبيل الإكرام ألا ترى أنه تعالى قال لموسى: ﴿ وَأَنَا اخترتك  ﴾ وقال له ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِى  ﴾ وهذا نهاية الإكرام.

المسألة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ فاهبط مِنْهَا ﴾ قال ابن عباس: يريد من الجنة، وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.

وقال بعض المعتزلة: إنه إنما أمر بالهبوط من السماء، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في سورة البقرة.

﴿ فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ أي في السماء.

قال ابن عباس: يريد أن أهل السموات ملائكة متواضعون خاشعون فاخرج إنك من الصاغرين، والصغار الذلة.

قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله تعالى بالذلة والصغار تنبيهاً على صحة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله» وقال بعضهم: لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فاهبط مِنْهَا ﴾ من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة، إلى الأرض التي هي مقرّ العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فَمَا يَكُونُ لَكَ ﴾ فما يصحّ لك ﴿ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أولياؤه لتكبرك، كما تقول للرجل: قم صاغراً، إذا أهنته.

وفي ضدّه: قم راشداً.

وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار.

وعن عمر رضي الله عنه: من تواضع لله رفع الله حَكَمَتَهُ وقال: انتعش أنعشك الله.

ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها ﴾ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ.

﴿ فَما يَكُونُ لَكَ ﴾ فَما يَصِحُّ.

﴿ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ﴾ وتَعْصِيَ فَإنَّها مَكانُ الخاشِعِ والمُطِيعِ.

وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما طَرَدَهُ وأهْبَطَهُ لِتَكَبُّرِهِ لا لِمُجَرَّدِ عِصْيانِهِ.

﴿ فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ مِمَّنْ أهانَهُ اللَّهُ لِتَكَبُّرِهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن تَواضَعَ رَفَعَهُ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ فاهبط مِنْهَا} من الجنة أو من السماء لأنه كان فيها وهي مكان المطيعين والمتواضعين والفاء في فاهبط جواب لقوله أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ أي إن كنت تتكبر فاهبط {فَمَا يَكُونُ لَكَ} فما يصح لك {أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} وتعصي {فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين} من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه يذمك كل إنسان ويلعنك كل لسان لتكبرك وبه علم أنه الصغار لازم للاستكبار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاهْبِطْ مِنها ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ الباطِلِ وضَمِيرُ ﴿ مِنها ﴾ قِيلَ لِلْجَنَّةِ وكَوْنُهُ مِن سُكّانِها مَشْهُورٌ والمُرادُ بِها عِنْدَ بَعْضٍ الجَنَّةُ الَّتِي يَسْكُنُها المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها رَوْضَةٌ بِعَدْنٍ وفِيها خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ عَلى نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ في قَوْلٍ وأصْلُ الهُبُوطِ الِانْحِدارُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ كَما في هُبُوطِ الحَجَرِ وإذا اسْتُعْمِلَ في الإنْسانِ ونَحْوِهِ فَعَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ كَما قالَهُ الرّاغِبُ.

ولَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهم فِيهِ سِوى الِانْتِقالِ مِن شَرِيفٍ إلى ما دُونَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ والأمْرُ عَلَيْهِ واضِحٌ وإنْ لَمْ نَقُلْ: إنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ كانَتْ عَلى نَشَزٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ أيِ اخْرُجْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ فَإنَّ الخُرُوجَ مِن زُمْرَتِهِمْ هُبُوطٌ وأيَّ هُبُوطٍ وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿ فاخْرُجْ مِنها ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسَّماءِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ ورُدَّ بِأنَّ وسْوَسَتَهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ قَطْعًا ويَكُونُ وسْوَسَتُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِ الجَنَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ الجَنَّةَ أوْ زُمْرَةَ المَلائِكَةِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ الأُولى ومُعْظَمَ الثّانِيَةِ في السَّماءِ أوْ يُقالُ: إنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ في الأرْضِ وكانَتِ الجَنَّةُ فِيها وبَعْدَ العِصْيانِ حُجِبَ اللَّعِينُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَقَرُّهُ ومَعْبَدُهُ ومَعْنى أمْرِهِ بِالخُرُوجِ مِنها أمْرُهُ بِقَطْعِ عَلائِقِهِ عَنْها واتِّخاذِها مَأْوًى لَهُ بَعْدُ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن غَصَبَ دارَكَ مَثَلًا عِنْدَ نَحْوِ القاضِي: اخْرُجْ مِن دارِي مَعَ أنَّهُ إذْ ذاكَ لَيْسَ فِيها تُرِيدُ لا تَدْخُلْها واقْطَعْ عَلائِقَكَ عَنْها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأرْضِ.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أُخْرِجَ مِنها إلى الجَزائِرِ وأُمِرَ أنْ لا يَدْخُلَها إلّا خِفْيَةً ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لا يَظْهَرُ لِلتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما يَكُونُ لَكَ ﴾ أيْ فَما يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ ولا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ ﴿ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ﴾ عَلى هَذا وجْهٌ إلّا عَلى بُعْدٍ.

وأمّا عَلى الأوْجُهِ السّابِقَةِ فالوَجْهُ ظاهِرٌ وهو مَزِيدُ شَرافَةِ المُخْرَجِ مِنهُ وعُلُوُّ شَأْنِهِ وتَقَدُّسُ ساحَتِهِ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ التَّكَبُّرِ في غَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ ولا يَخْفى لَطافَةُ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ الخُرُوجِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ ﴾ المُشِيرُ إلى ارْتِفاعِ عُنْصُرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ والتَّكَبُّرُ عَلى ما قِيلَ كالكِبْرِ وهو الحالَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الشَّخْصُ مِن إعْجابِهِ بِنَفْسِهِ وذَلِكَ أنْ يَرى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ وأعْظَمَ والمُرادُ بِالتَّكَبُّرِ ها هُنا إمّا التَّكَبُّرُ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو أعْظَمُ التَّكَبُّرِ ويَكُونُ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَهُ بِالعِبادَةِ.

وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمَعْصِيَةِ وإمّا التَّكَبُّرُ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِزَعْمِهِ أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ وأكْبَرُ قَدْرًا وقِيلَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ التَّكَبُّرِ عَلى المَلائِكَةِ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ لَهُ خُصُوصِيَّةً مَيَّزَتْهُ عَلَيْهِمْ وأخْرَجَتْهُ مِن عُمُومِهِمْ وفِيهِ تَأمُّلٌ وزَعَمَ البَعْضُ أنَّ في الآيَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَكَما يُمْنَعُ مِنَ القَرارِ فِيها يُمْنَعُ مِن دُخُولِها بَعْدَ ذَلِكَ وأنَّهُ تَعالى إنَّما طَرَدَهُ لِتَكَبُّرِهِ لا لِمُجَرَّدِ عِصْيانِهِ وهو ظاهِرٌ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالاتِ كَما لا يَخْفى والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاخْرُجْ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ (13) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لِتَكَبُّرِهِ أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى أوْلِيائِهِ لِتَكَبُّرِكَ.

أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «مَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» ومِن حَدِيثِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَ اللَّهُ تَعالى حِكْمَتَهُ وقالَ: انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وعَدا طَوْرَهُ وهَصَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأرْضِ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأذِلّاءِ في الدُّنْيا بِالذَّمِّ واللَّعْنِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما ارْتَكَبَهُ مِنَ المَعْصِيَةِ والتَّكَبُّرِ وإذْلالُ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أمْثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يَغْشاهُمُ الذُّلُّ مِن كُلِّ مَكانٍ يُساقُونَ إلى السَّجْنِ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ: بُولَسُ يُسْقَوْنَ مِن طِينَةِ الخَبالِ عُصارَةِ أهْلِ النّارِ» وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الصّاغِرَ بِالرّاضِي بِالذُّلِّ كَما هو المَشْهُورُ فِيهِ والمُرادُ وصْفُهُ بِأنَّهُ خَسِيسُ الطَّبْعِ دَنِيءٌ وأنَّهُ رَأى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ ولَيْسَ بِالكَبِيرِ ولَقَدْ أبْدَعَ أبُو نُواسٍ بِقَوْلِهِ خِطابًا لَهُ.

سَوْأةٌ بِالعَيْنِ أنْتَ اخْتَلَسْتَ النّاسَ غَيْظًا عَلَيْهِمْ أجَمْعِينا تِهْتَ لَمّا أمَرْتَ في سالِفِ الدَّهْـ ∗∗∗ رِ وفارَقْتَ زُمْرَةَ السّاجِدِينا عِنْدَما قُلْتَ لا أُطِيقُ سُجُودًا ∗∗∗ لِمِثالٍ خَلَقْتَهُ رَبِّ طِينا حَسَدًا إذْ خُلِقْتَ مِن مارِجِ النَّـ ∗∗∗ ارِ لِمَن كانَ مُبْتَدا العالَمِينا ثُمَّ صُيِّرْتَ في القِيادَةِ تَسْعى ∗∗∗ يا مُجِيرَ الزُّناةِ واللّائِطِينا ولَهُ أيْضًا مِن أبْياتٍ فِيهِ: ؎تاهَ عَلى آدَمَ في سَجْدَةٍ ∗∗∗ وصارَ قَوّادًا لِذَرِّيَّتِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي: خلقنا آدم وأنتم من ذريته، ثُمَّ صورناكم يعني: ذريته.

ويقال: خَلَقْناكُمْ يعني: آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ يعني: آدم صوره بعد ما خلقه من طين.

ويقال: خَلَقْناكُمْ نطفاً في أصلاب الآباء ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ في أرحام الأمهات.

ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ على وجه التقديم أي: وقلنا للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ ثُمَّ بمعنى الواو.

ويقال: معناه خلقناكم وصورناكم وقلنا للملائكة: اسجدوا لادم وهي سجدة التحية لا سجدة الطاعة فالعبادة لله تعالى، والتحية لآدم  فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي لم يسجد مع الملائكة لآدم  قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ يعني: أن تسجد ولا زيادة.

ومعناه: ما منعك عن السجود إذ أمرتك بالسجود لآدم قالَ إبليس عليه اللعنة: إنما لم أسجد لأنّي أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي هذا الذي منعني عن السجود.

فاشتغل اللعين بالقياس والقياس في موضع النص باطل، لأنه لما أقرّ بأنه هو الذي خلقه.

فقد أقرّ بأن عليه واجب وعليه أن يأتمر بأمره.

ومع ذلك لو كان القياس جائزاً في موضع النص، فإن قياسه فاسداً، لأنّ الطين أفضل من النار، لأنّ عامة الثمار والفواكه والحبوب تخرج من الطين، ولأن العمارة من الطين والنار للخراب.

ثم قال له عز وجل: فَاهْبِطْ مِنْها قال مقاتل: أي اهبط من الجنة فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي في الجنة.

وقال الكلبي: فاهبط منها أي اخرج من الأرض والحق بجزائر البحور، ولا تدخل الأرض إلا كهيئة السارق وعليه ذل الخوف وهو يروغ فيها، فما يكون لك أن تتكبر فيها، لا ينبغي لك أن تتكبر في هذه الأرض على بني آدم فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ يعني: من المهانين المذلين قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يعني: أجلني إلى يوم البعث، اليوم الذي يخرج الناس من قبورهم.

قال ابن عباس: أراد الخبيث ألا يذوق الموت، فأبى الله تعالى أن يعطيه ذلك.

ف قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى النفخة الأولى، فحينئذٍ يذوق الموت وتصيبه المرارة بعدد الأولين والآخرين.

قوله تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي قال الكلبي: أي فكما أضللتني.

وقال مقاتل: يعني أما إذا أضللتني.

وقال بعضهم: فبما أغويتني يعني: فبما دعوتني إلى شيء غويت به.

لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يعني: لأقعدن لهم على طريقك المستقيم، وهو دين الإسلام فأصدّ الناس عن ذلك.

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ روى أسباط عن السدي قال: من بين أيديهم الدنيا أدعوهم إليها وَمِنْ خَلْفِهِمْ الآخرة أشككهم فيها وَعَنْ أَيْمانِهِمْ قال الحق: أشككهم فيه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ قال: الباطل أخففه عليهم وأرغبهم فيه.

وقال في رواية الكلبي: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أيديهم من أمر الآخرة، فأزيّن لهم التكذيب بالبعث بأنه لا جنة ولا نار، ومن خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا فأزينها في أعينهم وأرغبهم فيها، فلا يعطون حقاً عن أيمانهم أي: من قبل دينهم فإن كانوا على الضلالة زيّنتها لهم، وإن كانوا على الهدى شبّهته عليهم حتى يشكوا فيه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل اللذات والشهوات.

ويقال: معناه لآتينهم بالإضلال من جميع جهاتهم ويقال: عَنْ أَيْمانِهِمْ فيما أمروا به وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فيما نهوا عنه.

ويقال: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي: فيما يعملون لأنه يقال عملت بذلك وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ يعني ذرية آدم لا يكونون شاكرين لنعمتك، ويقال شاكرين مؤمنين وقال في آية أخرى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ: 20] قوله: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً قال الكلبي ومقاتل: يعني اخرج من الجنة مذءوما أي معيباً مدحوراً أي: مطرودا.

وقال الزجاج: مذءوما أي مذموماً.

يقال: دأمت الرجل وذممته إذا عبته مدحوراً أي: مبعداً من رحمة الله تعالى.

لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي: مَنْ أطاعك فيما دعوته إليه.

واللام زيادة للتأكيد لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ أي: ممن أطاعك منهم من الجن والإنس، ويكون هذا اللفظ بمعنى القسم والتأكيد وأنه يفعل ذلك لا محالة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ...

الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة.

واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه.

وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ «١» ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ.

وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات «٢» .

وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير «٣» ، وثُمَّ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها.

وقوله سبحانه: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ تقدم الكلام على قصص الآية في «سورة البقرة» .

«وما» في قوله: مَا مَنَعَكَ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و «لا» في قوله:

أَلَّا تَسْجُدَ قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان «١» :

إنها زائدة «٢» ، كهي في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] .

قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: ٧٥] في «ص» انتهى.

وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن [لما] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين.

وقال الطبري «٣» : ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس «٤» ، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس «٥» .

وإنما خرّج كلاهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخوارج

وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ.

وقوله سبحانه: فَاهْبِطْ مِنْها الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية.

وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي.

ومعنى: أَنْظِرْنِي أخِّرْنِي «١» فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى.

قاله/ أكثر الناس «٢» وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع.

وقوله: فَبِما يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: فَبِعِزَّتِكَ [ص: ٨٢] وأَغْوَيْتَنِي قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل «٣» .

وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه.

ومنه قوله عليه السلام: «إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ «٤» نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة «٥» ...

»

الحديث.

وقوله سبحانه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا

تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين.

قال الفخر «١» : وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: على صِرَاطِكَ.

أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع.

انتهى.

وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك.

قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل «٢» .

ومنه قوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبيّنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصَّحيح: «يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ» «٣» .

ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأسود» «٤» وشاكِرِينَ معناه: مُؤْمنين لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن.

قاله ابن عباس وغيره «٥» .

وقوله سبحانه: اخْرُجْ مِنْها أي: من الجنة مَذْؤُماً أي مَعِيباً مَدْحُوراً أي:

مقصيًّا مبعداً.

لَمَنْ تَبِعَكَ بفتح اللام هي لام قسم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى السَّماءِ، لِأنَّهُ كانَ فِيها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: إلى الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ﴾ إنْ قِيلَ: فَهَلْ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَبَّرَ في غَيْرِها؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: ما لَلْمُتَكَبِّرِ أنْ يَكُونَ فِيها، وإنَّما المُتَكَبِّرُ في غَيْرِها.

وأمّا الصّاغِرُ، فَهو الذَّلِيلُ.

والصَّغارُ: الذُّلُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَكْبَرَ إبْلِيسٌ بِإبائِهِ السُّجُودَ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ صاغِرٌ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ "ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ: أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ: أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاهْبِطْ مِنها ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما يَكُونُ لَكَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.

تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.

ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.

ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ": ﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.

وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.

و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ: مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ.

ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ [الأعراف: 10] تذكيراً بنعمة إيجاد النّوع، وهي نعمة عناية، لأنّ الوجود أشرف من العدم، بقطع النّظر عما قد يعرض للموجود من الأكدار والمتاعب، وبنعمة تفضيله على النّوع بأنْ أمَر الملائكة بالسّجود لأصله، وأُدمج في هذا الامتنان تنبيهٌ وإيقاظ إلى عداوة الشّيطان لنوع الإنسان من القِدم، ليكون ذلك تمهيداً للتّحذير من وسوسه وتضليله، وإغراء بالإقلاع عمّا أوقع فيه النّاس من الشّرك والضّلالة، وهو غرض السورة، وذلك عند قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ [الأعراف: 27] ومَا تلاه من الآيات، فلذلك كان هذا بمنزلة الاستدلال وُسِّط في خلال الموعظة.

والخطاب للنّاس كلّهم، والمقصود منه المشركون، لأنّهم الغرض في هذه السورة.

وتأكيد الخبر باللاّم و(قد) للوجه الذي تقدّم في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ﴾ ، وتعدية فعلي الخلق والتّصوير إلى ضمير المخاطبين، لما كان على معنى خلق النّوع الذي هم من أفراد تعيّن أن يكون المعنى: خلقنا أصلكم ثمّ صوّرناه، وهو آدم، كما أفصح عنه قوله: ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ .

والخلق الإيجاد وإبراز الشّيء إلى الوجود، وهذا الإطلاق هو المراد منه عند إسناده إلى الله تعالى أو وَصْف الله به.

والتّصوير جعل الشّيء صورة، والصّورة الشّكل الذي يشكّل به الجسم كما يشكّل الطين بصورة نوع من الأنواع.

وعطفت جملة ﴿ صورناكم ﴾ بحرف (ثمّ) الدّالة على تراخي رتبة التّصوير عن رتبة الخلق، لأنّ التّصوير حالة كمال في الخلق بأن كان الإنسان على الصورة الإنسانيّة المتقنة حسناً وشرفاً، بما فيها من مشاعر الإدراك والتّدبير، سواء كان التّصوير مقارناً للخلق كما في خلق آدم، أم كان بعد الخلق بمدّة، كما في تصوير الأجنّة من عظام ولحم وعصب وعروق ومشاعر، كقوله تعالى: ﴿ فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ﴾ [المؤمنون: 14].

وتعدية فعلي (خلقنا) و(صوّرنا) إلى ضمير الخطاب ينتظم في سلك ما عاد إليه الضّمير قبله في قوله: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ [الأعراف: 10] الآية فالخطاب للنّاس كلّهم توطئة لقوله فيما يأتي: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ [الأعراف: 27] والمقصود بالخصوص منه المشركون لأنّهم الذين سوّل لهم الشّيطان كفران هذه النّعم لقوله تعالى عقب ذلك: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ﴾ [الأعراف: 28] وقوله فيما تقدّم: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون ﴾ [الأعراف: 3].

وأمّا تعلُّق فعلي الخلق والتّصوير بضمير المخاطبين فمراد منه أصل نوعهم الأوّل وهو آدم بقرينة تعقيبه بقوله: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فنُزل خلق أصل نوعهم منزلةَ خلق أفراد النّوع الذين منهم المخاطبون لأنّ المقصود التّذكير بنعمة الإيجاد ليشكروا موجدهم ونظيره قوله تعالى: ﴿ إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ﴾ [الحاقة: 11] أي حملنا أصولكم وهم الذين كانوا مع نوح وتناسل منهم النّاس بعد الطّوفان، لأنّ المقصود الامتنان على المخاطبين بإنجاء أصولهم الذين تناسلوا منهم، ويجوز أن يؤول فعلا الخلق والتّصوير بمعنى إرادة حصول ذلك، كقوله تعالى: حكاية عن كلام الملائكة مع إبراهيم: ﴿ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ﴾ [الذاريات: 35] أي أردنا إخراج من كان فيها، فإن هذا الكلام وقع قبل أمر لوط ومَن آمن به بالخروج من القرية.

ودلّ قوله: ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ على أنّ المخلوق والمصوّر هو آدم، ومعنى الكلام خلقنا أصلكم وصوّرناه فبرز موجوداً معيَّناً مسمّى بآدم، فإنّ التّسمية طريق لتعيين المسمّى، ثمّ أظهرنا فضله وبديع صنعنا فيه فقلنا للملائكة اسجدوا له فوقع إيجاز بديع في نسج الكلام.

و (ثُمّ) في قوله: ﴿ ثم قال للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ عاطفةٌ الجملةَ على الجملة فهي مقيّدة للتّراخي الرّتبي لا للتّراخي الزّماني وذلك أنّ مضمون الجملة المعطوفة هنا أرقى رتبة من مضمون الجملة المعطوف عليها.

وقوله: ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ ، تقدّم تفسيره، وبيانُ ما تقدّم أمَر الله الملائكةَ بالسّجود لآدم، من ظهور فضل ما علمه الله من الأسماء ما لم يَعلِّمه الملائكة، عند قوله تعالى: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ﴾ في سورة البقرة (34).

وتعريف ﴿ الملائكة ﴾ للجنس فلا يلزم أن يكون الأمر عاماً لجميع الملائكة، بل يجوز أن يكون المأمورون هم الملائكة، الذين كانوا في المكان الذي خُلق فيه آدم، ونقل ذلك عن ابن عبّاس، ويحتمل الاستغراق لجميع الملائكة.

وطريق أمرهم جميعاً وسجودِهم جميعاً لآدم لا يعلمه إلاّ الله، لأنّ طرق علمهم بمراد الله عنهم في العالم العلوي لا تقاس على المألوف في عالم الأرض.

واعلم أن أمر الله الملائكة بالسّجود لآدم لا يقتضي أن يكون آدمُ قد خلق في العالم الذي فيه الملائكة بل ذلك محتمل، ويحتمل أنّ الله لمّا خلق آدم حشر الملائكة، وأطلعهم على هذا الخلق العجيب، فإنّ الملائكة ينتقلون من مكان إلى مكان فالآية ليست نصّاً في أنّ آدم خلق في السّماوات ولا أنّه في الجنّة التي هي دار الثّواب والعقاب، وإن كان ظاهرها يقتضي ذلك، وبهذا الظاهر أخذ جمهور أهل السنّة، وتقدّم ذلك في سورة البقرة.

واستثناء إبليس من الساجدين في قوله: ﴿ إلا إبليس ﴾ يدلّ على أنّه كان في عداد الملائكة لأنّه كان مختلطا بهم.

وقال السكاكي في «المفتاح» عُدّ إبليس من الملائكة بحكم التّغليب.

وجملة: عغتاة، ﴿ لم يكن من الساجدين ﴾ حال من (إبليس)، وهي حال مؤكدة لمضمون عاملها وهو ما دلّت عليه أداة الاستثناء، لما فيها من معنى: أستثنِي، لأنّ الاستثناء يقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنَى، وهو عين مدلول: لم يكن من الساجدين فكانت الحال تأكيداً.

وفي اختيار الاخبار عن نفي سجوده بجعْلِه من غير السّاجدين: إشارة إلى أنّه انتفى عنه السّجود انتفاء شديداً لأنّ قولك لم يكن فلان من المهتدين يفيد من النّفي أشدّ ممّا يفيده قولك لم يكن مُهتدياً كما في قوله تعالى: ﴿ قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة الأنعام (56).

ففِي الآية إشارة إلى أنّ الله تعالى خلق في نفس إبليس جبلة تدفعه إلى العصيان عندما لا يوافق الأمر هواه، وجعل له هوىً ورأياً، فكانت جبلته مخالفة لجبلة الملائكة.

وإنّما استمرّ في عِداد الملائكة لأنّه لم يَحدث من الأمر ما يخالف هواه، فلمّا حدث الأمرُ بالسّجود ظَهر خُلق العصيان الكامِنُ فيه، فكان قوله تعالى: لم يكن من الساجدين } إشارة إلى أنّه لم يقدّر له أن يكون من الطائفة السّاجدين، أي انتفى سجوده انتفاء لارجاء في حصوله بعدُ، وقد عُلِم أنّه أبى السّجود إباء وذلك تمهيداً لحكاية السّؤال والجواب في قوله: ﴿ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ﴾ ابتداء المحاورة، لأنّ ترك إبليس السّجود لآدم بمنزلة جواب عن قول الله: ﴿ أسجدوا لآدم ﴾ ، فكان بحيث يتوجّه إليه استفسار عن سبب تركه السّجود، وضمير: ﴿ قال ﴾ عائد إلى معلوم من المقام أي قال اللَّهُ تعالى بقرينة قوله: ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: قُلنا، فكان العدول إلى ضمير الغائب التفاتاً، نكتته تحويل مقام الكلام، إذ كان المقامُ مقام أمرٍ للملائكة ومن في زمرتهم فصار مقام توبيخ لإبليس خاصة.

و ﴿ مَا ﴾ للاستفهام، وهو استفهام ظاهره حقيقي، ومشوب بتوبيخ، والمقصود من الاستفهام إظهار مقصد إبليس للملائكة.

و ﴿ منعك ﴾ معناه صدّك وكفّك عن السجود فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ما منعك أن تسجد لأنّه إنّما كفّ عن السّجود لا عن نفي السجود فقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ﴾ [ص: 75]، فلذلك كان ذكر (لا) هنا على خلاف مقتضى الظاهر، فقيل هي مزيدة للتّأكيد، ولا تفيد نفياً، لأنّ الحرف المزيد للتّأكيد لا يفيد معنى غيرَ التّأكيد.

و(لاَ) من جملة الحروف التي يؤكّد بها الكلام كما في قوله تعالى: ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ [البلد: 1] وقوله ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله ﴾ [الحديد: 29] أي ليعلم أهل الكتاب علماً محقّقاً.

وقوله تعالى: ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون ﴾ [الأنبياء: 95] أي ممنوع أنّهم يرجعون منعاً محقّقاً، وهذا تأويل الكسائي، والفراء، والزّجاج، والزّمخشري، وفي توجيه معنى التّأكيد إلى الفعل مع كوننِ السّجود غير واقععٍ فلا ينبغي تأكيده خفاءٌ لأنّ التّوكيد تحقيق حصول الفعل المؤكّد، فلا ينبغي التّعويل على هذا التّأويل.

وقيل (لا) نافية، ووجودها يؤذن بفعل مقدر دلّ عليه ﴿ منعك ﴾ لأنّ المانع من شيء يدعو لضدّه، فكأنّه قيل: ما منعك أن تسجد فدعاك إلى أن لا تسجد، فإمّا أن يكون ﴿ منعك ﴾ مستعملاً في معنى دعَاك، على سبيل المجاز، و(لا) هي قرينة المجاز، وهذا تأويل السكاكي في «المفتاح» في فصل المجاز اللّغوي، وقريبٌ منه لعبد الجبّار فيما نقله الفخر عنه، وهو أحسن تأويلاً، وإمّا أن يكون قد أريد الفعلان، فذُكر أحدهما وحذف الآخر، وأشير إلى المحذوف بمتعلّقه الصّالح له فيكون من إيجاز الحذف، وهو اختيار الطّبري ومن تبعه.

وانظر ما قلتُه عند قوله تعالى: ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني ﴾ في سورة طه (92، 93).

وقوله: ﴿ إذ أمرتك ﴾ ظرف ل ﴿ تسجد ﴾ ، وتعليق ضميره بالأمر يقتضي أن أمر الملائكة شامل له، إمّا لأنّه صنف من الملائكة، فخلق الله إبليس أصلاً للجنّ ليجعل منه صنفاً مُتَمِّيزاً عن بقيّة الملائكة بقبوله للمعصية، وهذا هو ظاهر القرآن، وإليه ذهب كثير من الفقهاء، وقد قال الله تعالى: ﴿ إلا إبليس كانَ من الجنّ ﴾ [الكهف: 50] الآية، وإما لأنّ الجنّ نوع آخر من المجردات، وإبليس أصل ذلك النّوع، جعله الله في عداد الملائكة، فكان أمرهم شاملاً له بناء على أن الملائكة خلقوا من النّور وأنّ الجنّ خلقوا من النّار، وفي «صحيح مسلم»، عن عائشة رضي الله عنها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خلقت الملائكة من نور وخُلق الجان من مارج من نار " وإلى هذا ذهب المعتزله وبعض الأشاعرة، وقد يكون المراد من النّار نوراً مخلوطاً بالمادة، ويكون المراد بالنّور نوراً مجرداً، فيكون الجنّ نوعاً من جنس الملائكة أحطّ، كما كان الإنسان نوعاً من جنس الحيوان أرقى.

وفُصِل: ﴿ قال أنا خير منه ﴾ لوقوعه على طريقة المحاورات.

وبَيّن مانعه من السّجود بأنّه رأى نفسه خيراً من آدم، فلم يمتثل لأمر الله تعالى إياه بالسّجود لآدم، وهذا معصية صريحة، وقوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ مسوق مساق التّعليل للامتناع ولذلك حذف منه اللام.

وجملة: ﴿ خلقتني من نار ﴾ بيان لجملة: ﴿ أنا خير منه ﴾ فلذلك فصلت، لأنّها بمنزلة عطف البيان من المبيّن.

وحصَل لإبليس العلم بكونه مخلوقاً من نار، بإخبار من الملائكة الذين شهدوا خلقَه، أو بإخبار من الله تعالى.

وكونه مخلوقاً من النّار ثابت قال تعالى: ﴿ خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ﴾ [الرحمن: 14، 15] وإبليس من جنس الجنّ قال تعالى في سورة الكهف (50): ﴿ فسجدوا إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه ﴾ واستند في تفضيل نفسه إلى فضيلة العنصر الذي خلق منه على العنصر الذي خلق منه آدم.

والنّار هي الحرارة البالغة لشدّتها الالتهاب الكائنة في الأجسام المصهورة بأصل الخلقة، كالنّار التي في الشّمس، وإذا بلغت الحرارة الالتهام عرضت النّارية للجسم من معدن أو نبات أو تراب مثل النّار الباقية في الرّماد.

والنار أفضل من التّراب لقوّة تأثيرها وتسلّطها على الأجسام التي تلاقيها، ولأنّها تضيء، ولأنّها زكيّة لا تلصق بها الأقذار، والتّراب لا يشاركها في ذلك وقد اشتركا في أن كليهما تتكوّن منه الأجسام الحيّة كلّها.

وأمّا النّور الذي خُلق منه الملَكُ فهو أخلَص من الشّعاع الذي يبيّن من النّار مجرّدا عن ما في النّار من الأخلاط الجثمانيّه.

والطّينُ التّراب المختلط بالماء، والماءُ عنصر آخر تتوقّف عليه الحياة الحيوانيّة مع النّار والتّراب، وظاهر القرآن في آيات هذه القصة كلّها أنّ شرف النّار على التّراب مقرّر، وأنّ إبليس أُوخذ بعصيان أمر الله عصياناً باتّاً، والله تعالى لمّا أمر الملائكه بالسّجود لآدم قد عَلِم استحقاق آدمَ ذلك بما أوْدع الله فيه من القوّة التي قد تبلغ به إلى مبلغ الملائكة في الزّكاء والتّقديس، فأمّا إبليس فغرّه زكاء عنصره وذلك ليس كافياً في التّفضيل وحده، ما لم يَكن كِيَانُه من ذلك العنصر مهيّئاً إياه لبلوغ الكمالات، لأنّ العبرة بكيفيّة التّركيب، واعتبار خصائص المادة المركّب منها بعد التّركيب، بحسب مقصد الخالق عند التّركيب، ولا عبرة بحالة المادة المجرّدة، فاللَّه تعالى ركب إبليس من عنصر النّار على هيئة تجعله يستخدم آثار القوّة العنصريّة في الفساد والاندفاع إليه بالطّبع دون نظر، بحسب خصائص المادة المركّب هو منها، وركّب آدم من عنصر التّراب على هيئة تجعله يستخدم آثار القوّة العنصريّة في الخبر والصّلاح والاندفاع إلى ازدياد الكمال بمحض الاختيار والنّظر، بحسب ما تسمح به خصائص المادّة المركّب هو منها، وكلّ ذلك منوط بحكمة الخالق للتّركيب، وركّب الملائكة من عنصر النّور على هيئة تجعلهم يستخدمون قواهم العنصرية في الخيرات المحضة، والاندفاع إلى ذلك بالطّبع دون اختيار ولا نظر، بحسب خصايص عنصرهم، ولذلك كان بلوغ الإنسان إلى الفضائل الملكيّة أعلى وأعجب، وكان مبلغه إلى الرّذائل الشّيطانيّة أحطّ وأسهل، ومن أجل ذلك خوطب بالتّكليف.

ولأجل هذا المعنى أمر الله الملائكة بالسّجود لآدم أصل النّوع البشري لأنّه سجود اعتراف لله تعالى بمظهر قدرته العظيمة، وأمر إبليس بالسّجود له كذلك، فأمّا الملائكة فامتثلوا أمر الله ولم يعلموا حكمته، وانتظروا البيان، كما حكى عنهم بقوله: ﴿ قالوا سبحانك لا عِلْم لنا إلا ما علمتنا إنّك أنت العليم الحكيم ﴾ [البقرة: 32] فجاءهم البيان مجملاً بقوله: ﴿ إنّي أعلَمُ ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30] ثمّ مفصّلا بقصّة قوله: ﴿ ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 31] إلى قوله ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ في سورة البقرة (33).

وقد عاقبه الله على عصيانه بإخراجه من المكان الذي كان فيه في اعتلاء وهو السّماء، وأحل الملائكة فيه، وجعله مكاناً مقدّساً فاضِلاً على الأرض فإنّ ذلك كلّه بجعل آلهي بإفاضة الأنوار وملازمة الملائكة، فقال له: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها}.

والتّعبير بالهبوط إمّا حقيقة إن كان المكان عالياً، وإمّا استعارة للبعد عن المكان المشرّف، بتشبيه البُعد عنه بالنّزول من مكان مرتفع وقد تقدّم ذلك في سورة البقرة.

والفاء في جملة: ﴿ فاهبط ﴾ لترتيب الأمر بالهبوط على جواب إبليس، فهو من عطف كلام متكلّم على كلام متكلّم آخر، لأنّ الكلامين بمنزلة الكلام الواحد في مقام المحاورة، كالعطف الذي في قوله تعالى: ﴿ قال إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي ﴾ [البقرة: 124].

والفاء دالة على أن أمره بالهبوط مسبّب عن جوابه.

وضمير المؤنّث المجرور بمن في قوله: ﴿ منها ﴾ عائد على المعلوم بين المتكلّم والمخاطب، وتأنيثه إمّا رعي لمعناه بتأويل البقعة، أو للفظ السّماء لأنّها مكان الملائكة، وقد تكرّر في القرآن ذكر هذا الضّمير بالتّأنيث.

وقوله: ﴿ فما يكون لك أن تتكبر فيها ﴾ الفاء للسّببيّة والتّفريع تعليلاً للأمر بالهبوط، وهو عقوبة خاصه عقوبةَ إبعاد عن المكان المقدّس، لأنّه قد صار خُلُقُه غير ملائم لمّا جعل الله ذلك المكان له، وذلك خُلقُ التّكبر لأنّ المكان كان مكاناً مقدّساً فاضلاً لا يكون إلاّ مطهّراً من كلّ ما له وصف ينافيه وهذا مبدأ حاوله الحكماء الباحثون عن المدينة الفاضلة وقد قال مالك رحمه الله: لا تحْدِثوا بدعة في بلدنا.

وهذه الآية أصل في ثبوت الحقّ لأهل المحلّة أن يخرجوا من محلّتهم من يخشى من سيرته فشّو الفساد بينهم.

ودلّ قوله: ﴿ ما يكون لك ﴾ على أنّ ذلك الوصف لا يغتفر منه، لأنّ النّفي بصيغة (ما يكون لك) كذا أشدّ من النّفي ب (ليس لك كذا) كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ الآية في آل عمران (79)، وهو يستلزم هنا نهيا لأنّه نفاه عنه مع وقوعه، وعليه فتقييد نفي التّكبّر عنه بالكون في السّماء لوقوعه علّة للعقوبة الخاصة وهي عقوبة الطّرد من السّماء، فلا دلالة لذلك القيد على أنّه يكون له أن يتكبّر في غيرها، وكيف وقد علم أنّ التّكبّر معصية لا تليق بأهل العالم العلويّ.

وقوله: فاخرج } تأكيد لجملة ﴿ فاهبط ﴾ بمرادفها، وأُعيدت الفاء مع الجملة الثّانية لزيادة تأكيد تسبّب الكبر في إخراجه من الجنّة.

وجملة: ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة استينافاً بيانياً، إذا كان المراد من الخبر الإخبار عن تكوين الصّغار فيه بجعل الله تعالى إياه صاغراً حقيراً حيثما حلّ، ففصلها عن التي قبلها للاستيناف، ويجوز أن تكون واقعة موقع التّعليل للإخراج على طريقة استعمال (إنّ) في مثل هذا المقام استعمال فاء التّعليل، فهذا إذا كان المراد من الخبر إظهار ما فيه من الصّغار والحقارة التي غَفَل عنها فذهبت به الغفلة عنها إلى التّكبّر.

وقوله: ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ أشدّ في إثبات الصّغار له من نحو: إنّك صَاغر، أوْ قد صَغُرت، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ قد ضللتُ إذا وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة الأنعام (56)، وقوله آنفاً: لم يكن من الساجدين } .

والصّاغر المتّصف بالصّغار وهو الذلّ والحقارة، وإنّما يكون له الصّغار عند الله لأنّ جبلته صارت على غير ما يرضي الله، وهو صغار الغواية، ولذلك قال بعد هذا: ﴿ فبما أغويتني ﴾ [الأعراف: 16].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهُ كانَ فِيها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مِنَ الجَنَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أُهْبِطَ مِنَ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّها بِطاعَةِ اللَّهِ إلى المَنزِلَةِ الدَّنِيَّةِ الَّتِي اسْتَوْجَبَها لِمَعْصِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ﴾ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ أنْ يَتَكَبَّرَ فِيها ولا في غَيْرِها، وإنَّما المَعْنى: فَما لِمَن يَتَكَبَّرُ أنْ يَكُونَ فِيها وإنَّما المُتَكَبِّرُ في غَيْرِها.

وَفي التَّكَبُّرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَكَبُّرُ عَنِ اللَّهِ أنْ يَمْتَثِلَ لَهُ.

والثّانِي: تَكَبُّرُ عَنْ آدَمَ أنْ يَسْجُدَ لَهُ.

﴿ فاخْرُجْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ.

والثّانِي: مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ كانَ مِنهم أوْ مَعَهم.

﴿ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَعْصِيَةِ في الدُّنْيا لِأنَّ العاصِيَ ذَلِيلٌ عِنْدَ مَن عَصاهُ.

والثّانِي: بِالعَذابِ في الآخِرَةِ لِأنَّ المُعَذَّبَ ذَلِيلٌ بِالعَذابِ.

وَفي هَذا القَوْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ بَعْضِ المَلائِكَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ أراهُ مُعْجِزَةً تَدُلُّهُ عَلى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَهُ الإنْظارَ بِالعُقُوبَةِ إلى البَعْثِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ سَألَهُ الإنْظارَ بِالحَياةِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وهو يَوْمُ القِيامَةِ لِئَلّا يَذُوقَ المَوْتَ، فَأُجِيبَ بِالإنْظارِ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وهي النَّفْخَةُ الأُولى لِيَذُوقَ المَوْتَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قَدَّرَ اللَّهُ مُدَّةَ أجَلِهِ وفي ذَلِكَ إغْواؤُهُ بِفِعْلِ المَعاصِي تَعْوِيلًا عَلى التَّوْبَةِ في آخِرِ الأجَلِ؟

قِيلَ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مِن حالِهِ أنَّهُ لا يَتُوبُ مِن مَعْصِيَتِهِ بِما أوْجَبَهُ مِن لَعْنَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فَجازَ مَعَ عِلْمِهِ بِهَذِهِ أنْ يُقَدِّرَ لَهُ مُدَّةَ أجَلِهِ ولَوْ كانَ كَغَيْرِهِ ما قُدِّرَتْ لَهُ مُدَّةُ أجَلِهِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أقْدَمَ إبْلِيسُ عَلى هَذا السُّؤالِ مَعَ مَعْصِيَتِهِ؟

قِيلَ: كَما يَنْبَسِطُ الجاهِلُ في سُؤالِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ مَعَ مَعْصِيَتِهِ؟

قِيلَ: في إجابَتِهِ دُعاءَ أهْلِ المَعاصِي قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَصِحُّ إجابَتُهم لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَكْرِمَةً لِلدّاعِي، وأهْلُ المَعاصِي لا يَسْتَحِقُّونَ الكَرامَةَ، فَعَلى هَذا إنَّما أنْظَرَهُ اللَّهُ تَعالى وإنْ كانَ عَقِيبَ سُؤالِهِ ابْتِداءً مِنهُ لا إجابَةً لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أنْ تُجابَ دَعْوَةُ أهْلِ المَعاصِي عَلى وجْهِ البَلْوى وتَأْكِيدِ الحُجَّةِ، فَتَكُونُ إجابَةُ المُطِيعِينَ تَكْرِمَةً، وإجابَةُ العُصاةِ بَلْوى.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يُنْظَرُ غَيْرُ إبْلِيسَ إلى الوَقْتِ الَّذِي سَألَ وقَدْ قالَ مِنَ المُنْظَرِينَ؟

قِيلَ: نَعَمْ وهو مَن لَمْ يَقْضِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ المَوْتَ مِن عِبادِهِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السّاعَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ فما يكون لك أن تتكبر فيها ﴾ يعني فما ينبغي لك أن تتكبر فيها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا ﴾ ، قال: ابن عباس: (يريد: من الجنة، وكانوا في جنة عدن، وفيها خلق آدم) (١) ﴿ {فَاهْبِطْ مِنْهَا ﴾ يعني: الجنة) (٢) وقال مجاهد (٣) ﴿ فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ \[في السماء) وهذا يدل على أنه يقول: ﴿ فَاهْبِطْ مِنْهَا ﴾ ، يعني: السماء.

وقوله: ﴿ فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ \] (٤) ﴿ فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ ، قال: يريد: من المُذلين) (٥) ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ  ﴾ .

قال أبو إسحاق: (إن إبليس قد استكبر بإبائه السجود (٦) (٧) (١) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 35، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 533، وابن الجوزي 3/ 175.

(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 30.

(٣) ذكر بدون نسبة في "تفسير البغوي" 3/ 217، وابن الجوزي 3/ 175، والقرطبي 7/ 173، وقال: (هو الأظهر) وهذا هو قول الجمهور وهو الظاهر لأنه هو المعلوم عند الإطلاق والأصل في النصوص حملها على ما هو معلوم ومفهوم حتى يقوم دليلُ على خلاف ذلك، فآدم اهبط من السماء من جنة الخلد التي هي مأوى المتقين.

أفاده شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتاب "أحكام القرآن" 1/ 168 وهو اختيار الواحدي في "البسيط" كما تقدم في قصة آدم من سورة البقرة، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 302 وذهب بعضهم -وهو قول المعتزلة والخوارج- إلى أن آدم كان في جنة الدنيا بأرض عدن.

انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 442، وابن كثير 2/ 228.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٥) "تنوير المقباس" 2/ 83، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 162.

وذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 173 بدون نسبة.

(٦) في (أ): (للسجود).

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 324.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خلقناكم ثُمَّ صورناكم ﴾ قيل: المعنى أردنا خلقكم وتصويركم ﴿ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ ﴾ وقيل: خلقنا أباكم آدم ثم صورناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف ﴿ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ لا زائدة للتوكيد ﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ استدل به بعض الأصوليين على أن الأمر يقتضي الوجوب والفور، ولذلك وقع العقاب على ترك المبادرة بالسجود ﴿ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ تعليلٌ علَّلَ به إبليس امتناعه من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله تعالى في أمره بسجود الفاضل للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ لليس كفره كفر جحود ﴿ فاهبط مِنْهَا ﴾ أي من السماء ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ الفاء للتعليل، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم، وما مصدرية، وقيل: استفهامية ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر ﴿ صراطك ﴾ يريد: طريق الهدى والخير وهو منصوب على الظرفية ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ الآية: أي من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما أمكنه، وقال ابن عباس: من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيئات ﴿ مَذْءُوماً ﴾ من ذأمه بالهمز إذا ذمه ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ أي مطروداً حيث وقع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأملأن ﴾ بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: ﴿ تخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم.

الوقوف: ﴿ إلا إبليس ﴾ ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له.

﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ إذ أمرتك ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول.

﴿ طين ﴾ ه ﴿ الصاغرين ﴾ ه.

﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ه لا للعطف ﴿ شمائلهم ﴾ ط ﴿ شاكرين ﴾ ه ﴿ مدحوراً ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الخالدين ﴾ ه ﴿ الناصحين ﴾ ه ﴿ بغرور ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء ﴿ ورق الجنة ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أنفسنا ﴾ سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ عدو ﴾ ط لعطف المختلفين ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ تخرجون ﴾ ه.

التفسير: من جملة نعم الله  علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ منع من المعصية بقوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام.

وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله  .

وههنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا ﴾ يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس.

وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا.

وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم  أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور  ﴾ أي ميثاق أسلافكم.

وقال  : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل.

وإنما قتله أحدهم.

ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد.

ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة.

ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله  عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له.

فقوله: ﴿ خلقناكم ﴾ إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم.

وقوله: ﴿ صورناكم ﴾ إشارة إلى أنه  أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".

ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله  آدم وأمر الملائكة بالسجود له.

قال الإمام فخر الدين  .

وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية.

وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته.

أما قوله  .

﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ فظاهره يقتضي أنه  طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي  ﴾ فلهذا الإشكال حصل للمفسرين  م أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في ﴿ لا أقسم  ﴾ وكما في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب  ﴾ أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين.

قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ﴿ لئلا يعلم ﴾ ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك.

قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور.

وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله  خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟

والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي.

وثالثها قال القاضي: ذكر الله  المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله  حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.

وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه.

وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟

وقيل: معناه من قال لك لا تسجد.

وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: ﴿ أن لا تسجد ﴾ بقوله: ﴿ ما منعك ﴾ وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال.

والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟

﴿ إذ أمرتك ﴾ أمر إيجاب.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده.

واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال.

ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ ثم بين هذه المقدمة بقوله ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال.

وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت.

وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع.

وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل.

ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله   : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً.

ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله  ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل.

فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال  : "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ باطلة.

ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟

ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟

قالت العلماء ههنا: إن قوله  للملائكة ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس.

وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله  مع إبليس.

ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً.

وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى.

ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك.

ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا.

﴿ قال ﴾ أي الله  كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته ﴿ فاهبط ﴾ يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط ﴿ منها ﴾ .

قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.

وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فما يكون ﴾ فما يصح ﴿ لك أن تتكبر فيها ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان.

يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين.

وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله  ذلك بل ﴿ قال ﴾ مطلقاً ﴿ إنك من المنظرين ﴾ قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله  له أجلاً.

والمراد الوقت المعلوم في علم الله  والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً.

أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن.

ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: ﴿ لأقعدن ﴾ لأن لام القسم تأبى ذلك.

لا يقال: والله يريد لأمرنّ.

لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها.

وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم.

ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن.

ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن.

وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال.

قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً.

ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب.

وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: ﴿ لأقعدن ﴾ ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل.

قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله: ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة.

أجابت المعتزلة عن قوله: ﴿ فبما إغويتني ﴾ بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه  لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله.

وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن.

وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود.

أما قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ فانتصابه على الظرف كقوله: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.

والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ﴾ على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.

واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل.

فمن قائل بالأول لقوله: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.

ومن قائل بالثاني لقوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.

قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض.

إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله  : ﴿ فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم  ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.

وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب.

وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق.

وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه  لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب.

فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها.

أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها ﴿ من بين أيديهم ﴾ أي أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ ومن خلفهم ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.

وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي ﴿ من بين أيديهم ﴾ يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك.

وأما قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في أنواع المعاصي.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في الترغيب في الباطل.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ افترهم عن الحسنات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين.

وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس.

وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: ﴿ من بين أيديهم ﴾ وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ﴿ ومن خلفهم ﴾ وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن.

ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر.

فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة.

وقيل: ﴿ من بين أيديهم ﴾ الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد ﴿ ومن خلفهم ﴾ شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ﴿ وعن إيمانهم ﴾ الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.

وعن شقيق  ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون  ﴾ وعن رسول الله  " "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام.

فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك  ﴾ وبقي ههنا بحث وهو أنه  كيف قال: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ بحرف المجاورة؟

قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع.

يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف.

وقالت الحكماء ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية.

وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.

وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟

فأوحى الله  إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.

قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق.

قلت: هذا منافٍ لما في الحديث "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" .

أما قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟

وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين.

وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه  ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ .

وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم.

وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ﴿ قال ﴾ الله  في جوابه إذا كان هذا عزمك ﴿ اخرج منها مذؤماً مدحوراً ﴾ الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً.

واللام في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم و ﴿ لأملأن ﴾ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط.

وعن عصام ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون  ﴾ أي إنكم وإنهم على هذا.

فقوله: ﴿ لأملأن ﴾ في محل الابتداء ﴿ ولمن تبعك ﴾ خبره.

قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار.

وأجيب بشرط عدم العفو.

قوله: ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ الآية.

فيها من المسائل أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.

وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.

وأن قوله ﴿ وكلا ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.

وأن قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.

وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت.

وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.

وأن الظلم في قوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ بأي معنى هو؟

وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟

ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال.

ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى.

فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته.

وقوله: ﴿ ووري ﴾ مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة.

ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟

والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً.

وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ .

قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله: ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة.

ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي.

نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟

فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين.

أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر.

ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ.

ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.

ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير.

سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟

والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح.

أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.

وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده.

قال ابن عباس: غرهما باليمين.

وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً.

وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.

﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى ﴿ فأكلا منها  ﴾ لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل.

﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل ﴿ صغت قلوبكما  ﴾ مكان قلباكما ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد.

قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.

والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟

﴿ ألم أنهكما ﴾ عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة.

عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك.

فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.

وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها.

قوله: ﴿ ما منعك ﴾ وفي ص ﴿ يا إبليس ما منعك  ﴾ وفي الحجر ﴿ يا إبليس ما لك  ﴾ حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء.

قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ وفي ص ﴿ ما منعك أن تسجد  ﴾ جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس.

وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ و ﴿ مالك أن لا تسجد ﴾ وحذف ﴿ أن تسجد ﴾ وحذف ﴿ مالك ﴾ لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ .

قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ الآية في ص مثله كلاهما في جواب ﴿ ما منعك ﴾ ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال: ﴿ لم أكن لأسجد  ﴾ ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين.

قوله: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ وفي ص وفي الحجر ﴿ رب فانظرني  ﴾ لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين.

وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ﴿ ربنا فاغفر  ﴾ أي أدعوك فاغفر.

فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء.

وكذلك من قوله: ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ليطابق الجواب السؤال.

قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ وفي الحجر ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ بزيادة النداء ليوافق ما قبله.

وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص" ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ لزيادة الربط.

ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب.

﴿ قال اخرج منها مذؤماً ﴾ ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: ﴿ لأقعدن لهم ﴾ إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم.

قوله: ﴿ فكلا ﴾ بالفاء وفي البقرة ﴿ وكلا  ﴾ لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة.

وإنما زاد في البقرة ﴿ رغداً ﴾ لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: ﴿ وقلنا ﴾ قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود.

وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد خلقنا ﴾ أرواحكم ﴿ ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم  ﴾ فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿ فسجدوا ﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿ إلا إبليس لم يكن ﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿ قال ما منعك ﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف.

وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية.

فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: ﴿ أنظرني ﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: ﴿ لأغوينهم  ﴾ ﴿ لأقعدن ﴾ ﴿ ثم لآتينهم ﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين.

﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين.

أو المراد ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ ومن خلفهم ﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع.

ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿ وقاسمهما ﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿ وطفقا ﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.

فبينما نحن في لهو وفي طرب *** بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته *** مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل *** والدمع منهمل والقلب مشتعل ﴿ وناداهما ربهما ﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿ إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: واخجلتا من وقوفي باب دارهم *** لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿ وإن لم تغفر لنا ﴾ بنوال الوصال ﴿ وترحمنا ﴾ بتجلي الجمال ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى.

فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ ولكم ﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.

إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.

﴿ قال فيها ﴾ أي في المحبة ﴿ تحيون ﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿ وفيها تموتون ﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ ومنها تخرجون ﴾ إلى عالم الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ قال الحسن: قوله ﴿ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ أراد آدم خاصة؛ لأنه قال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ﴾ أخبر: أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم بعد الخلق، ولو كان المراد منه نحن، [لكان السجود بعد خلقنا] وقد كان السجود قبل ذلك.

وقال غيره: المراد منه البشر كله؛ لأنه قال ﴿ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ﴾ \[أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم\]، ولو كان المراد آدم بقوله ﴿ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ خاصة، لكان [لابد أن] يذكر آدم ثانياً؛ فدل أنه أراد به ذريته.

وقال بعضهم خلقناكم: [أي] آدم، ﴿ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ في أرحامكم، ويحتمل ما قال الحسن، ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ﴾ أي: قدرناكم من ذلك الأصل وهو نفس آدم؛ لأن الخلق [هو التقدير]؛ كما تقول: أنا خلقته، أي: قدرته، يقول: - والله أعلم - ﴿ خَلَقْنَاكُمْ ﴾ : أى قدرناكم جميعاً من ذلك الأصل والكيان، ومنه صورناكم، ﴿ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ﴾ أي: وقد قلنا للملائكة ﴿ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ﴾ وذلك جائز في اللغة.

وقد يقول بعض أهل الكلام: إن النطفة هي إنسان بقوة، ثم تصير إنساناً بفعل.

ويقول بعضهم: هي كيان الإنسان، فجائز أن يكون إضافته إلى ذلك الطين كما هو كيان وأصل لنا.

وقوله: ﴿ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ قال الحسن: إبليس لم يكن من الملائكة، وذلك أن الله - عز وجل - وصف الملائكة جملة بالطاعة له والخضوع بقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ وغيره من الآيات ولم يكن من إبليس إلا كل سوء، وقال أيضاً: خلق الملائكة من نور وإبليس من نار على ما ذكر، والنار ليست من جوهر النور؛ دل أنه ليس من الملائكة.

وقال في قوله: ﴿ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : مثل هذا يجوز أن يقال: دخل هذه الدار أهل البصرة إلا رجلاً من أهل الكوفة، دل الاستثناء على أن دخل [هنالك] أهل الكوفة؛ فعلى ذلك يدل استثناء إبليس على أن [كان هناك] أمر بالسجود لآدم لغير الملائكة أيضاً، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك فائدة: أنه كان من الملائكة أو من غيره، إنما علينا أن نعرف أنه عدوٌ لنا، وقد ذكرنا هذا فيما سبق.

وقوله عز وجل: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ قيل: قوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ أي: ما منعك أن تسجد على ما ذكر في آية أخرى و [لا زائدة].

وقوله عز وجل: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ...

﴾ بم علم عدو الله أن المخلوق من النار خير من المخلوق بالطين إلا أن يقال بأن النار جعلت لمصالح الأغذية، فمن هنا وقع له ذلك أنها خير من الطين، فيقال: إن النار وإن جعلت لصلاح الأغذية؛ فالطين جعل لوجود الأغذية فالذي جعل لوجود الشيء هو أنفع وأكبر مما جعل لمصالحه، ولعل الأغذية تصلح للأكل بغيرها بالشمس وغيرها.

وبعد فإن الطين مما يقوم للنار ويطفئها ويتلفها، والنار لا تقوم للطين ولا تتلفه؛ فإذا كان كذلك فلا يجوز أن يقع من هذا الوجه أنها أفضل وأخير من الطين.

ثم اختلف في الجهة التي كفر عدو الله إبليس: قال بعضهم: إن إبليس عدو الله لم ير [لله على نفسه] طاعة بأمر السجود لآدم؛ لذلك كفر.

وقال آخرون: إنما كفر عدو الله لما لم ير الأمر بالخضوع والطاعة ممن فوقه لمن دونه حكمة؛ فكفر لما لم ير أنه وضع الأمر بالسجود موضعه، بل رآه لعنه الله واضعاً [أمراً في] غير موضعه.

وقال غيرهم: كفر عدو الله بالاستكبار والتكبر على آدم لا لمعنى آخر.

وقيل: أول من أخطأ في القياس وزلّ فيه إبليس لعنه الله.

وقوله عز وجل: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا ﴾ ، يعني من السماء؛ لأنه لعنه الله كان في السماء، فأمر بالهبوط منها؛ لما جعل السماء معدناً ومكاناً للخاضعين والمتواضعين، فأمر بالهبوط منها إلى مكان جعل ذلك المكان مكان الخاضعين والمتكبرين جميعاً وهي الأرض، والأرض معدن الفريقين جميعاً.

وقال بعضهم: الأمر بالهبوط منها أمر بالخروج من الأرض إلى جزائر البحور؛ لأن الأرض هي قرار أهلها وجزائر البحور ليست مكان قرار لأحد؛ ليكون فيها على الخوف أبداً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ والبحار مما [تميد] بأهلها.

وأمكن أن يكون الأمر بالهبوط منها أمراً بالخروج من الصورة التي كان فيها إلى صورة أخرى لا يعرف أبداً ولا يرى عقوبة له لتركه أمر الله وارتكابه نهيه ﴿ فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ في تلك الصورة أو في تلك الأرض؛ حتى لا يقر أبداً، ويكون على خوف أبداً.

ويحتمل في السماء؛ لما ذكرنا.

وقوله عز وجل: ﴿ فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ وجه صغاره: أنه ما من أحد ذكره إلا وقد لعنه، ودعا عليه باللعن، فذلك صغاره، وأمكن أن يكون صغاره؛ لما صيره بحال يغيب عن الأبصار، ولا يقع عليه البصر، أو لما طرده عن رحمة الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الله له: اهبط من الجنة، فليس لك أن تتكبر فيها؛ لأنها دار الطيِّبين الطاهرين، فما يجوز لك أن تكون فيها، إنك -يا إبليس- من الحقيرين الذليلين، وإن كنت ترى نفسك أنك أشرف من آدم.

<div class="verse-tafsir" id="91.kKnkW"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر