الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٢ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 130 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى : ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) ( لا ) هاهنا زائدة .
وقال بعضهم : زيدت لتأكيد الجحد ، كقول الشاعر : ما إن رأيت ولا سمعت بمثله فأدخل " إن " وهي للنفي ، على " ما " النافية; لتأكيد النفي ، قالوا : وكذلك هاهنا : ( ما منعك ألا تسجد ) مع تقدم قوله : ( لم يكن من الساجدين ) .
حكاهما ابن جرير وردهما ، واختار أن " منعك " تضمن معنى فعل آخر تقديره : ما أحوجك وألزمك واضطرك ألا تسجد إذ أمرتك ، ونحو ذلك .
وهذا القول قوي حسن ، والله أعلم .
وقول إبليس لعنه الله : ( أنا خير منه ) من العذر الذي هو أكبر من الذنب ، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول ، يعني لعنه الله : وأنا خير منه ، فكيف تأمرني بالسجود له؟
ثم بين أنه خير منه ، بأنه خلق من نار ، والنار أشرف مما خلقته منه ، وهو الطين ، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ، ولم ينظر إلى التشريف العظيم ، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى : ( فقعوا له ساجدين ) فشذ من بين الملائكة بترك السجود; فلهذا أبلس من الرحمة ، أي : أيس من الرحمة ، فأخطأ قبحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضا ، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت ، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح .
والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة; ولهذا خان إبليس عنصره ، ونفع آدم عنصره في الرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله ، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة .
وفي صحيح مسلم ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " هكذا رواه مسلم .
وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إسماعيل ، عن عبد الله بن مسعود ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلق الله الملائكة من نور العرش ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " قلت لنعيم بن حماد : أين سمعت هذا من عبد الرزاق ؟
قال : باليمن وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح : " وخلقت الحور العين من الزعفران " وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا محمد بن كثير ، عن ابن شوذب ، عن مطر الوراق ، عن الحسن في قوله : ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) قال : قاس إبليس ، وهو أول من قاس .
إسناده صحيح .
وقال : حدثني عمرو بن مالك ، حدثني يحيى بن سليم الطائفي عن هشام ، عن ابن سيرين قال : أول من قاس إبليس ، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس إسناد صحيح أيضا .
القول في تأويل قوله : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس، إذ عصاه فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له.
يقول: قال الله لإبليس: =(ما منعك)، أيّ شيء منعك =(ألا تسجد)، أن تدع السجود لآدم =(إذ أمرتك)، أن تسجد =" قال أنا خير منه "، يقول: قال إبليس: أنا خير من آدم =" خلقتني من نار وخلقته من طين ".
* * * فإن قال قائل: أخبرنا عن إبليس, ألحقته الملامة على السجود، أم على ترك السجود؟
فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود, فكيف قيل له: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) ؟
وإن كان النكير على السجود, فذلك خلافُ ما جاء به التنـزيل في سائر القرآن, وخلاف ما يعرفه المسلمون!
قيل: إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له.
غير أن في تأويل قوله: (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك)، بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافًا، أبدأ بذكر ما قالوا, ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب .
فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما منعك أن تسجد = و " لا " ها هنا زائدة, كما قال الشاعر: (1) أبَـى جُـودُهُ لا البُخْـلَ, وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَـمْ, مِـنْ فَتًـى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قَاتِلهْ (2) وقال: فسرته العرب: " أبى جوده البخل ", وجعلوا " لا " زائدةً حشوًا ها هنا، وصلوا بها الكلام.
قال: وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر " البخل ", ويجعل " لا " مضافة إليه, أراد: أبى جوده " لا " التي هي للبخل, ويجعل " لا " مضافة, لأن " لا " قد تكون للجود والبخل, لأنه لو قال له: " امنع الحق ولا تعط المسكين " فقال: " لا " كان هذا جودًا منه.
* * * وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله, غير أنه زعم أن العلة في دخول " لا " في قوله: (أن لا تسجد)، أن في أول الكلام جحدا = يعني بذلك قوله: لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ، فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد، الجحدَ, كالاستيثاق والتوكيد له .
قال: وذلك كقولهم: (3) مَــا إنْ رَأَيْنَــا مِثْلَهُــنَّ لِمَعْشَـرٍ سُــودِ الــرُّؤُوسِ, فَـوَالِجٌ وَفُيُـولُ (4) فأعاد على الجحد الذي هو " ما " جحدًا, وهو قوله " إن "، فجمعهما للتوكيد.
* * * وقال آخر منهم: ليست " لا "، بحشو في هذا الموضع ولا صلة, (5) ولكن " المنع " هاهنا بمعنى " القول "، وإنما تأويل الكلام: مَنْ قال لك لا تسجد إذ أمرتك بالسجود = ولكن دخل في الكلام " أن "، إذ كان " المنع " بمعنى " القول "، لا في لفظه, كما يُفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول, وهو له في اللفظ مخالف، كقولهم: " ناديت أن لا تقم ", و " حلفت أن لا تجلس ", وما أشبه ذلك من الكلام.
وقال: خفض " البخل " من روى: " أبى جوده لا البخل "، (6) بمعنى: كلمة البخل, لأن " لا " هي كلمة البخل, فكأنه قال: كلمة البخل.
* * * وقال بعضهم: معنى " المنع "، الحول بين المرء وما يريده.
قال: والممنوع مضطّر به إلى خلاف ما منع منه, كالممنوع من القيام وهو يريده, فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافًا للقيام, إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه, فيوثر أحدهما على الآخر فيفعله .
قال: فلما كانت صفة " المنع " ذلك, فخوطب إبليس بالمنع فقيل له: (ما منعك ألا تسجد)، كان معناه كأنه قيل له: أيّ شيء اضطرك إلى أن لا تسجد؟
* * * قال أبو جعفر: والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال: إن في الكلام محذوفًا قد كفى دليلُ الظاهر منه, وهو أن معناه: ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد = فترك ذكر " أحوجك "، استغناء بمعرفة السامعين قوله: إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ، أن ذلك معنى الكلام، من ذكره.
(7) ثم عمل قوله: (ما منعك)، في" أن " ما كان عاملا فيه قبل " أحوجك " لو ظهر، إذ كان قد ناب عنه.
وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب، لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له, وأن لكل كلمة معنًى صحيحًا, فتبين بذلك فسادُ قول من قال: " لا " في الكلام حشو لا معنى لها.
وأما قول من قال: معنى " المنع " ههنا " القول ", فلذلك دخلت " لا " مع " أن " = فإن " المنعَ" وإن كان قد يكون قولا وفعلا فليس المعروف في الناس استعمالُ" المنع "، في الأمر بترك الشيء, لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادرًا على فعله وتركه ففعله، لا يقال: " فعله "، وهو ممنوع من فعله، إلا على استكراه للكلام .
وذلك أن المنع من الفعل حَوْلٌ بينه وبينه, فغير جائز أن يكون وهو مَحُولٌ بينه وبينه فاعلا له, لأنه إن جاز ذلك، وجب أن يكون مَحُولا بينه وبينه لا محولا وممنوعًا لا ممنوعًا.
(8) وبعدُ, فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى ذكره بالسجود لآدم كبرًا, فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم, فيجوز أن يقال له: " أي شيء قال لك: لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له؟" ولكن معناه إن شاء الله ما قلت: " ما منعك من السجود له فأحوجك, أو: فأخرجك, أو: فاضطرك إلى أن لا تسجد له "، على ما بيَّنت.
* * * وأما قوله: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)، فإنه خبرٌ من الله جل ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله: ما الذي منعه من السجود لآدم, فأحوجه إلى أن لا يسجد له, واضطره إلى خلافه أمرَه به، وتركه طاعته = أنّ المانعَ كان له من السجود، والداعيَ له إلى خلافه أمر ربه في ذلك: أنه أشد منه أيْدًا، (9) وأقوى منه قوة، وأفضل منه فضلا لفضل الجنس الذي منه خلق، وهو النارُ, على الذي خلق منه آدم، (10) وهو الطين .
فجهل عدوّ الله وجه الحق, وأخطأ سبيل الصواب.
إذ كان معلومًا أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوًّا, والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حملَ الخبيث بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق، على الاستكبار عن السجود لآدم، والاستخفاف بأمر ربه, فأورثه العطبَ والهلاكَ.
وكان معلومًا أن من جوهر الطين الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبُّت, وذلك الذي هو في جوهره من ذلك، (11) كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق، إلى التوبة من خطيئته, ومسألته ربَّه العفوَ عنه والمغفرة .
ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: " أول مَنْ قاسَ إبليس ", يعنيان بذلك: القياسَ الخطأ, وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله، وبعده من إصابة الحق، في الفضل الذي خص الله به آدم على سائر خلقه: من خلقه إياه بيده, ونفخه فيه من روحه, وإسجاده له الملائكة, وتعليمه أسماء كلِّ شيء، مع سائر ما خصه به من كرامته .
فضرب عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحًا, وقصد إلى الاحتجاج بأنه خُلق من نار وخلق آدم من طين!!
(12) وهو في ذلك أيضًا له غير كفء, لو لم يكن لآدم من الله جل ذكره تكرمة شيء غيره, فكيف والذي خصّ به من كرامته يكثر تعداده، ويملّ إحصاؤه؟
14355- حدثني عمرو بن مالك قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي, عن هشام, عن ابن سيرين قال: أوّل من قاس إبليس, وما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.
(13) 14356- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن كثير, عن ابن شوذب, عن مطر الورّاق, عن الحسن قوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين)، قال: قاس إبليس وهو أول من قاس.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14357- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة، دون الملائكة الذين في السموات: اسْجُدُوا لآدَمَ ، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر, لما كان حدَّث نفسه، من كبره واغتراره, فقال: " لا أسجد له, وأنا خير منه, وأكبر سنًّا, وأقوى خلقًا, خلقتني من نار وخلقته من طين!" يقول: إنّ النار أقوى من الطين.
14358- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (خلقتني من نار)، قال: ثم جعل ذريته من ماء.
* * * قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله عدوّ الله ليس لما سأله عنه بجواب.
وذلك أن الله تعالى ذكره قال له: ما منعك من السجود؟
فلم يجب بأن الذي منعه من السجود أنه خُلِقَ من نار وخلق آدم من طين, (14) ولكنه ابتدأ خبرًا عن نفسه, فيه دليل على موضع الجواب فقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) ------------------ الهوامش : (1) لا يعرف قائله .
(2) اللسان ( نعم ) ، أمالي ابن الشجري 2 : 228 ، 231 ، شرح شواهد المغنى 217 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة : (( لا يمنع الجوع )) ، كما أثبته ، وكذلك ورد عن الفارسي في اللسان .
وأما في المراجع الأخرى فروايته : (( لا يمنع الجود )) .
(3) لم يعرف قائله .
(4) معاني القرآن للفراء 1 : 176 ، 374 و (( الفوالج )) جمع (( فالج )) ، وهو جمل ذو سنامين كان يجلب من السند للفحلة .
و (( الفيول ) ، جمع (( فيل )) .
(5) (( الصلة )) : الزيادة ، كما سلف ، انظر فهارس المصطلحات .
(6) في المطبوعة : (( وقال بعض من روى : أبي جود لا البخل )) ، فغير ما في المخطوطة ، وأفسد الكلام إفسادًا .
(7) السياق : (( استغناء بمعرفة السامعين ...
من ذكره )) .
(8) يعني أنه يجمع الصفتين معًا (( محول بينه وبينه ، وغير محول = وممنوع ، وغير ممنوع )) ، وهو تناقض .
(9) في المطبوعة : (( أشد منه يدا )) ، والصواب من المخطوطة ، و (( الأيد )) ، القوة .
(10) في المطبوعة : (( من الذي خلق منه آدم )) ، زاد (( من )) ، والمخطوطة سقط منها حرف الجر المتعلق بفضل الجنس ، والصواب ما أُبت .
(11) في المطبوعة : (( وذلك الذي في جوهره ...
)) حذف (( هو )) ، وفي المخطوطة : (( وذلك الذي هو من جوهره من ذلك )) ، وصوابها (( في جوهره )) ، وإنما هو خطأ من الناسخ .
(12) في المطبوعة : (( بأنه خلقه من نار )) ، واليد ما في المخطوطة .
(13) الأثر : 14355 - (( عمرو بن مالك الراسبي الغبري )) ، أبو عثمان البصري ، شيخ الطبري .
قال ابن عدي : (( منكر الحديث عن الثقات ، ويسرق الحديث )) ، وقال ابن أبي حاتم : (( ترك أبي التحديث عنه )) .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 /1 / 259 .
و (( يحيى بن سليم الطائفي )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 4894 ، 7831 .
(14) في المطبوعة : (( أنه خلقه من نار )) ، والجيد في المخطوطة .
قوله تعالى قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طينفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى ما منعك ما في موضع رفع بالابتداء ; أي أي شيء منعك .
وهذا سؤال توبيخ .ألا تسجد في موضع نصب ، أي من أن تسجد .
و لا زائدة .
وفي " ص " ما منعك أن تسجد وقال الشاعر :أبى جوده لا البخل فاستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود نائلهأراد أبى جوده البخل ، فزاد " لا " .
وقيل : ليست بزائدة ; فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء ، فكأنه قال : من قال لك ألا تسجد ؟
أو من دعاك إلى ألا تسجد ؟
كما تقول : قد قلت [ ص: 154 ] لك ألا تفعل كذا .
وقيل : في الكلام حذف ، والتقدير : ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد .
قال العلماء : الذي أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد ; وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك .
وكان أمره من قبل خلق آدم ; يقول الله تعالى : إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين .
فكأنه دخله أمر عظيم من قوله فقعوا له ساجدين .
فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفا لمن وقع له ; فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره في ذلك الوقت .
فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سجدا ، وبقي هو قائما بين أظهرهم ; فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره .
فقال الله تعالى : ما منعك ألا تسجد أي ما منعك من الانقياد لأمري ; فأخرج سر ضميره فقال : أنا خير منه .الثانية قوله تعالى إذ أمرتك يدل على ما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة ; لأن الذم علق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله عز وجل للملائكة : اسجدوا لآدم وهذا بين .الثالثة قوله تعالى قال أنا خير منه أي منعني من السجود فضلي عليه ; فهذا من إبليس جواب على المعنى .
كما تقول : لمن هذه الدار ؟
فيقول المخاطب : مالكها زيد .
فليس هذا عين الجواب ، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب .خلقتني من نار وخلقته من طين فرأى أن النار أشرف من الطين ; لعلوها وصعودها وخفتها ، ولأنها جوهر مضيء .
قال ابن عباس والحسن وابن سيرين : أول من قاس إبليس فأخطأ القياس .
فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس .
قال ابن سيرين : وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس .
وقالت الحكماء : أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين ، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق .
فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة :أحدها : أن من جوهر الطين الرزانة والسكون ، والوقار والأناة والحلم ، والحياء ، والصبر .
وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع ، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية .
ومن جوهر النار الخفة ، والطيش ، والحدة ، والارتفاع ، والاضطراب .
وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار ; فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء ; قاله القفال .الثاني : أن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر ، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وأن في النار ترابا .[ ص: 155 ] الثالث : أن النار سبب العذاب ، وهي عذاب الله لأعدائه ; وليس التراب سببا للعذاب .الرابع : أن الطين مستغن عن النار ، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب .قلت : ويحتمل قولا خامسا ، وهو أن التراب مسجد وطهور ; كما جاء في صحيح الحديث .
والنار تخويف وعذاب ; كما قال تعالى : ذلك يخوف الله به عباده .
وقال ابن عباس : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه ، وهو أول من قاس برأيه .
والقياس في مخالفة النص مردود .الرابعة : واختلف الناس في القياس إلى قائل به ، وراد له ; فأما القائلون به فهم الصحابة والتابعون ، وجمهور من بعدهم ، وأن التعبد به جائز عقلا واقع شرعا ، وهو الصحيح .
وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسن البصري إلى وجوب التعبد به عقلا .
وذهب النظام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلا وشرعا ; ورده بعض أهل الظاهر .
والأول الصحيح .
قال البخاري في " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " : المعنى لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وجد فيها الحكم فإن لم يوجد فالقياس .
وقد ترجم على هذا " باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السائل " .
وترجم بعد هذا " باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها " .
وقال الطبري : الاجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة هو الحق الواجب ، والفرض اللازم لأهل العلم .
وبذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة الصحابة والتابعين .
وقال أبو تمام المالكي : أجمعت الأمة على القياس ; فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في الزكاة .
وقال أبو بكر : أقيلوني بيعتي .
فقال علي : والله لا نقيلك ولا نستقيلك ، رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا ؟
فقاس الإمامة على الصلاة .
وقاس الصديق الزكاة على الصلاة وقال : والله لا أفرق بين ما جمع الله .
وصرح علي بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال : إنه إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ; فحده حد القاذف .
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه : الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة ، اعرف الأمثال والأشباه ، ثم قس الأمور عند ذلك ، فاعمد إلى أحبها إلى الله [ ص: 156 ] تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى .
الحديث بطوله ذكره الدارقطني .
وقد قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما في حديث الوباء ، حين رجع عمر من سرغ : نفر من قدر الله ؟
فقال عمر : نعم !
نفر من قدر الله إلى قدر الله .
ثم قال له عمر : أرأيت .
.
.
فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار ، وحسبك .
وأما الآثار وآي القرآن في هذا المعنى فكثير .
وهو يدل على أن القياس أصل من أصول الدين ، وعصمة من عصم المسلمين ، يرجع إليه المجتهدون ، ويفزع إليه العلماء العاملون ، فيستنبطون به الأحكام .
وهذا قول الجماعة الذين هم الحجة ، ولا يلتفت إلى من شذ عنها .
وأما الرأي المذموم والقياس المتكلف المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه الأصول المذكورة ; لأن ذلك ظن ونزغ من الشيطان ; قال الله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم .
وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية في ذم القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس المذموم ، الذي ليس له في الشرع أصل معلوم .
وتتميم هذا الباب في كتب الأصول .
فوبخه اللّه على ذلك وقال: { مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ } لما خلقت بيديَّ، أي: شرفته وفضلته بهذه الفضيلة، التي لم تكن لغيره، فعصيت أمري وتهاونت بي؟
{ قَالَ } إبليس معارضا لربه: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله: { خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } وموجب هذا أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين لعلو النار على الطين وصعودها، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، فإنه باطل من عدة أوجه: منها: أنه في مقابلة أمر اللّه له بالسجود، والقياس إذا عارض النص، فإنه قياس باطل، لأن المقصود بالقياس، أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص، يقارب الأمور المنصوص عليها، ويكون تابعا لها.
فأما قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاءُ النصوص، فهذا القياس من أشنع الأقيسة.
ومنها: أن قوله: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } بمجردها كافية لنقص إبليس الخبيث.
فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبره، والقول على اللّه بلا علم.
وأي نقص أعظم من هذا؟" ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب، فإن مادة الطين فيها الخشوع والسكون والرزانة، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات، على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخفة والطيش والإحراق.
ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى، انحط من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين.
( قال ) الله تعالى يا إبليس : ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) أي : وما منعك أن تسجد و " لا " زائدة كقوله تعالى : " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " ( الأنبياء 95 ) .
( قال ) إبليس مجيبا ( أنا خير منه ) لأنك ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) والنار خير وأنور من الطين .
قال ابن عباس : أول من قاس إبليس فأخطأ القياس ، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس .
قال ابن سيرين : ما عبدت الشمس إلا بالقياس .
قال محمد بن جرير : ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل لمن جعل الله له الفضل ، وقد فضل الله الطين على النار من وجوه منها : أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة والهداية ، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار ، فأورثه اللعنة والشقاوة ، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ، ولأن التراب سبب الحياة ، فإن حياة الأشجار والنبات به ، والنار سبب الهلاك .
«قال» تعالى «ما منعك أن» «لا» زائدة «تسجد إذ» حين «أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين».
قال تعالى منكرًا على إبليس تَرْكَ السجود: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟
فقال إبليس: أنا أفضل منه خلقًا؛ لأني مخلوق من نار، وهو مخلوق من طين.
فرأى أن النار أشرف من الطين.
ثم حكى القرآن الكريم الأسباب التى حملت إبليس على عدم السجود لآدم فقال : ( قَالَ مَا مَنَعَكَ .
.
.
.
) .أى : قال الله - تعالى - لإبليس : ما ألزمك واضطرك إلى أن لا تسجد لآدم؟
فالنع مجاز عن الإلجاء والاضطرار .
أو ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد؟
فالمنع مجاز عن الحمل .
والاستفهام للتوبيخ والتقريع .و ( لا ) فى قوله : ( أَلاَّ تَسْجُدَ ) مزيدة للتنبيه على أن الموبخ عليه ترك السجود .
وتوكيد لمعنى الفعل الذى دخلت عليه وتحقيقه ، كأنه قيل : ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك .وقد حكى القرآن ما أجاب به إبليس فقال : ( قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) أى : قال إبليس أنا خير من آدم ، لأنى مخلوق من عنصر النار الذى هو أشرف من عنصر الطين ، والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه .قال ابن كثير : " وقول إبليس - لعنة الله - ( أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ) .
.
.
إلخ .
من العذر الذى هو أكبر من الذنب ، إذ بين بأنه خير من آدم لأنه خلق من النار وآدم خلق من الطين ، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ول ينظر إلى التشريف العظيم ، وهو أن الله - تعالى - خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وقاس قياساً فاسداً فى مقابلة نص ، وهو قوله - تعالى - : ( فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ) فشذ من بين الملائكة لترك السجود فأبعده الله عن رحمته ، وكان قياسه فاسداً لأن النار ليست أشرف من الطين ، فإن الطين من شأنه الرزانة والأناة والتثبت ، وهو محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح ، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة ، ولهذا خان إبليس عنصره ، ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله .
وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم ما وصف لكم " .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود فإن ذلك الأمر قد تناول إبليس، وظاهر هذا يدل على أن إبليس كان من الملائكة، إلا أن الدلائل التي ذكرناها تدل على أن الأمر ليس كذلك وأما الاستثناء فقد أجبنا عنه في سورة البقرة.
المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى، طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود، وليس الأمر كذلك.
فإن المقصود طلب ما منعه من السجود، ولهذا الإشكال حصل في الآية قولان: القول الأول: وهو المشهور أن كلمة لا صلة زائدة، والتقدير: ما منعك أن تسجد؟ا وله نظائر في القرآن كقوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة ﴾ معناه: أقسم.
وقوله: ﴿ وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أي يرجعون.
وقوله: ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ﴾ أي ليعلم أهل الكتاب.
وهذا قول الكسائي، والفراء، والزجاج، والأكثرين.
والقول الثاني: أن كلمة ﴿ لا ﴾ هاهنا مفيدة وليست لغواً وهذا هو الصحيح، لأن الحكم بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب، وعلى هذا القول ففي تأويل الآية وجهان: الأول: أن يكون التقدير: أي شيء منعك عن ترك السجود؟ا ويكون هذا الاستفهام على سبيل الإنكار ومعناه: أنه ما منعك عن ترك السجود؟ا كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي، أدينك، أم عقلك، أم حياؤك؟ا والمعنى: أنه لم يوجد أحد هذه الأمور، وما امتنعت من ضربي.
الثاني: قال القاضي: ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد؟ا لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.
المسألة الثالثة: احتج العلماء بهذه الآية على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب، فقالوا: إنه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما أمر به ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به موجباً للذم.
فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد الوجوب، فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب.
فلم قلتم إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك؟
قلنا: قوله تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر، لأن قوله: ﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ مذكور في معرض التعليل، والمذكور في قوله: ﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ هو الأمر من حيث أنه أمر لا كونه أمراً مخصوصاً في صورة مخصوصة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ترك الأمر من حيث إنه أمر موجبٌ للذم، وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب وهو المطلوب.
المسألة الرابعة: احتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال: إنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال، ولو كان الأمر لا يفيد الفور لما استوجب هذا الذم بترك السجود في الحال.
المسألة الخامسة: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ طلب الداعي الذي دعاه إلى ترك السجود، فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي، وهو أنه قال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ومعناه: أن إبليس قال إنما لم أسجد لآدم، لأني خير منه، ومن كان خيراً من غيره فإنه لا يجوز أمر ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدون!
ثم بين المقدمة الأولى وهو قوله: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ ﴾ بأن قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل، فوجب كون إبليس خيراً من آدم.
أما بيان أن النار أفضل من الطين، فلأن النار مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السموات، وأيضاً فالنار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس لها إلا القبول والانفعال.
والفعل أشرف من الانفعال، وأيضاً فالنار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة، وأما الأرضية والبرد واليبس فهما مناسبان الموت.
والحياة أشرف من الموت، وأيضاً فنضج الثمار متعلق بالحرارة، وأيضاً فسن النمو من النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلاً في هذين الوقتين، وأما وقت الشيخوخة، فهو وقت البرد واليبس المناسب للأرضية، لا جرم كان هذا الوقت أردأ أوقات عمر الإنسان، فأما بيان أن المخلوق من الأفضل أفضل فظاهر، لأن شرف الأصول يوجب شرف الفروع.
وأما بيان أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فلأنه قد تقرر في العقول أن من أمر أبا حنيفة والشافعي وسائر أكابر الفقهاء بخدمة فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحاً في العقول، فهذا هو تقرير لشبهة إبليس.
فنقول: هذه الشبهة مركبة من مقدمات ثلاثة.
أولها: أن النار أفضل من التراب، فهذا قد تكلمنا فيه في سورة البقرة.
وأما المقدمة الثانية: وهي أن من كانت مادته أفضل فصورته أفضل، فهذا هو محل النزاع والبحث، لأنه لما كانت الفضيلة عطية من الله ابتداء لم يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة.
ألا ترى أنه يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر، والنور من الظلمة والظلمة من النور، وذلك يدل على أن الفضيلة لا تحصل إلا بفضل الله تعالى لا بسبب فضيلة الأصل والجوهر.
وأيضاً التكليف إنما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل، فالمعتبر بما انتهى إليه لا بما خلق منه، وأيضاً فالفضل إنما يكون بالأعمال وما يتصل بها لا بسبب المادة.
ألا ترى أن الحبشي المؤمن مفضل على القرشي الكافر.
المسألة السادسة: احتج من قال: أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس بأنه لو كان تخصيص عموم النص بالقياس جائزاً لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد والتوبيخ العظيم، ولما حصل ذلك دل على أن تخصيص عموم النص بالقياس لا يجوز، وبيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة: ﴿ اسجدوا لأَدَمَ ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة.
ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس.
وهو أنه مخلوق من النار والنار أشرف من الطين، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف، فيلزم كون إبليس أشرف من آدم عليه السلام، ومن كان أشرف من غيره، فإنه لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون الأدنى.
والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر، ولا معنى للقياس إلا ذلك، فثبت أن إبليس ما عمل في هذه الواقعة شيئاً إلا أنه خصص عموم قوله تعالى للملائكة: ﴿ اسجدوا لأَدَمَ ﴾ بهذا القياس، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزاً لوجب أن لا يستحق إبليس الذم على هذا العمل: وحيث استحق الذم الشديد عليه، علمنا أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز، وأيضاً ففي الآية دلالة على صحة هذه المسألة من وجه آخر، وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى: ﴿ اهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ فوصف تعالى إبليس بكونه متكبراً بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص، وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله، ولما دلت هذه الآية على أن تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله، ودلت هذه الآية على أن التكبر على الله يوجب العقاب الشديد والإخراج من زمرة الأولياء والإدخال في زمرة الملعونين، ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز.
وهذا هو المراد مما نقله الواحدي في البسيط، عن ابن عباس أنه قال: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى ربه وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس.
هذا جملة الألفاظ التي نقلها الواحدي في البسيط عن ابن عباس.
فإن قيل: القياس الذي يبطل النص بالكلية باطل.
أما القياس الذي يخصص النص في بعض الصور فلم قلتم أنه باطل؟
وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بالسجود لمن كان مخلوقاً من الأرض، لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بالسجود لمن كان مخلوقاً من الأرض أولى وأقوى، لأن النور أشرف من النار، وهذا القياس يقتضي أن يقبح أمر أحد من الملائكة بالسجود لآدم، فهذا القياس يقتضي رفع مدلول النص بالكلية وأنه باطل.
وأما القياس الذي يقتضي تخصيص مدلول النص العام، لم قلتم: إنه باطل؟
فهذا سؤال حسن أوردته على هذه الطريقة وما رأيت أحداً ذكر هذا السؤال ويمكن أن يجاب عنه، فيقال: إن كونه أشرف من غيره يقتضي قبح أمر من لا يرضى أن يلجأ إلى خدمة الأدنى الأدون، أما لو رضي ذلك الشريف بتلك الخدمة لم يقبح، لأنه لا اعتراض عليه في أنه يسقط حق نفسه، أما الملائكة فقد رضوا بذلك، فلا بأس به، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق، فوجب أن يقبح أمره بذلك السجود، فهذا قياس مناسب، وأنه يوجب تخصيص النص ولا يوجب رفعه بالكلية ولا إبطاله فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزاً، لما استوجب الذم العظيم، فلما استوجب استحقاق هذا الذم العظيم في حقه علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن تخصيص النص بالقياس غير جائز.
والله أعلم.
المسألة السابعة: قوله تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ لا شك أن قائل هذا القول هو الله لأن قوله: ﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ لا يليق إلا بالله سبحانه.
وأما قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ ﴾ فلا شك أن قائل هذا القول هو إبليس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ (لا) في ﴿ أَن لا تَسْجُدَ ﴾ صلة بدليل قوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ﴾ [ص: 75] ومثلها ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ﴾ [الحديد: 29] بمعنى ليعلم: فإن قلت: ما فائدة زيادتها؟
قلت: توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل: ليتحقق علم أهل الكتاب.
وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك؟
﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ لأن أمري لك بالسجود أوجبه عليك إيجاباً وأحتمه عليك حتماً لابد منه، فإن قلت: لم سأله عن المانع من السجود، وقد علم ما منعه؟
قلت: للتوبيخ، ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم، وأنه خالف أمر ربه معتقداً أنه غير واجب عليه، لما رأى أنّ سجود الفاضل للمفضول خارج من الصواب.
فإن قلت: كيف يكون قوله: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ ﴾ جواباً لما منعك، وإنما الجواب أن يقول: منعني كذا؟
قلت: قد استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم، وبعلة فضله عليه، وهو أنّ أصله من نار وأصل آدم من طين، فعلم منه الجواب وزيادة عليه، وهي إنكار للأمر واستبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله، كأنه يقول: من كان على هذه الصفة كان مستبعداً أن يؤمر بما أُمر به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها ﴾ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ.
﴿ فَما يَكُونُ لَكَ ﴾ فَما يَصِحُّ.
﴿ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ﴾ وتَعْصِيَ فَإنَّها مَكانُ الخاشِعِ والمُطِيعِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما طَرَدَهُ وأهْبَطَهُ لِتَكَبُّرِهِ لا لِمُجَرَّدِ عِصْيانِهِ.
﴿ فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ مِمَّنْ أهانَهُ اللَّهُ لِتَكَبُّرِهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن تَواضَعَ رَفَعَهُ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ» .
<div class="verse-tafsir"
{قال ما منعك ألا تسجد} مارفع أيْ أيّ شيء منعك من السجود ولا زائدة بدليل مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خلقت بيدي ومثلها لئلا يعلم أهل الكتاب أي ليعلم {إِذْ أَمَرْتُكَ} فيه دليل على أن الأمر للوجوب والسؤال عن المانع من السجود مع علمه به للتوبيخ وللإظهار معاندته وكفره وكبره
الأعراف (١٢ _ ١٧)
وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} وهى جوهر نوارني {وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} وهو ظلماني وقد أخطأ الخبيث بل الطين أفضل لرزانته ووقاره ومنه الحلم والحياء والصبر وذلك دعاه إلى التوبة والاستغفار وفي النار الطيش والحدة والترفع وذلك دعاه إلى الإستكبار والتراب عدة الممالك والنار عدة المهالك والنار مظنة الخيانة والإفناه والتراب مئنة الأمانة والإنماء والطين يطفيء النار ويتلفها والنار لاتتلفه وهذه فضائل غفل عنها إبليس حتى زل بفاسد من المقاييس وقول نافى القياس أول من قاس إبليس قياس على أن القياس عند مثبته مردود عند وجود النص وقياس إبليس عناد للأمر المنصوص وكان الجواب لما منك أن يقول معنى كذا وإنما قال أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ لأنه قد استأنف قصة وأخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم عليه السلام وبعلة فضله عليه فعلم منها الجواب كأنه قال منعني من السجود فضلي عليه وزيادة عليه وهي إنكار الأمر واستبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله إذ سجود الفاضل للمفضول خارج عن الصواب
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْجَوابِ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ عَدَمِ سُجُودِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ وبِهِ كَما قِيلَ يَظْهَرُ وجْهُ الِالتِفاتِ إلى الغِيبَةِ إذْ لا وجْهَ لِتَقْدِيرِ السُّؤالِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى هي الإشْعارُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَحْكِيِّ بِالمُخاطَبِينَ كَما في حِكايَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ أيْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ ﴾ المَشْهُورُ أنَّ لا مَزِيدَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ﴾ وقَدْ جاءَتْ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ وهي في ذَلِكَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ وتَحْقِيقِهِ.
واسْتُشْكِلَ بِأنَّها كَيْفَ تُؤَكِّدُ ثُبُوتَ الفِعْلِ مَعَ إيهامِ نَفْيِهِ قالَ الشِّهابُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها لا تُؤَكِّدُهُ مُطْلَقًا بَلْ إذا صَحِبَ نَفْيًا مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا صَرِيحًا أوْ غَيْرَ صَرِيحٍ كَما في ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ ﴾ وكَما هُنا فَإنَّها تُؤَكِّدُ تَعَلُّقَ المَنعِ بِهِ ومِن هُنا قالُوا: إنَّها مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ وقِيلَ: إنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ بِأنْ يَكُونَ المَنعُ مَجازًا عَنِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ فالمَعْنى ما اضْطَرَّكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ وجَعَلَهُ السَّكّاكِيُّ مَجازًا عَلى الحَمْلِ ولا قَرِينَةَ لِلْمَجازِ أيْ ما حَمَلَكَ ودَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ ولَيْسَ بَيْنَ الجَعْلَيْنِ كَثِيرُ فَرْقٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْمِينِ وقالَ الرّاغِبُ المَنعُ يُقالُ في ضِدِّ العَطِيَّةِ كَرَجُلٍ مانِعٍ ومَنّاعٍ أيْ بَخِيلٍ ويُقالُ في الحِمايَةِ ومِنهُ مَكانٌ مَنِيعٌ وقَدْ مَنَعَ وفُلانٌ ذُو مَنَعَةٍ أيْ عَزِيزٌ مُمْتَنِعٌ عَلى مَن يَرُومُهُ والمَنعُ في الآيَةِ مِنَ الثّانِي أيْ ما حَماكَ عَنْ عَدَمِ السُّجُودِ ﴿ إذْ أمَرْتُكَ ﴾ بِالسُّجُودِ و( إذْ ) ظَرْفٌ لِتَسْجُدَ وهَذِهِ الآيَةُ أحَدُ أدِلَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ لِأنَّهُ ذَمٌّ عَلى تَرْكِ المُبادَرَةِ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ لَمْ يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ عَلَيْهِ وكانَ لَهُ أنْ يُجِيبُ بِأنَّكَ ما أمَرْتَنِي بِالبِدارِ وسَوْفَ أسْجُدُ وأُجِيبَ بِأنَّ الفَوْرَ إنَّما هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ ولَيْسَ مِن صِيغَةِ الأمْرِ إلّا أنَّ بَعْضَهم مَنَعَ دَلالَةَ الفاءِ الجَزائِيَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ تَراخٍ وقالَ آخَرُونَ إنَّ الِاسْتِدْلالَ إنَّما هو بِتَرَتُّبِ اللَّوْمِ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ المُطْلَقِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ أمَرْتُكَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ إذْ قُلْتُ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَتَدَبَّرْ وفي حِكايَةِ التَّوْبِيخِ ها هُنا بِهَذِهِ العِبارَةِ وفي سُورَةِ الحِجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ ﴾ وفي سُورَةِ ص بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّعِينَ أدْمَجَ في مَعْصِيَةٍ واحِدَةٍ غَيْرَ واحِدَةٍ مِن هاتِيكَ المَعاصِي كافِيَةً في التَّوْبِيخِ وبُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ طَهَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحِكْمَةِ كُلٍّ.
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ التَّوْبِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ اللَّعِينُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ: قالَ ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ هو مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ فَإنَّ الجَوابَ المُطابِقَ لِلسُّؤالِ مَنَعَنِي كَذا وهَذا جَوابٌ عَنْ أيِّكُما خَيْرٌ وفِيهِ دَعْوى شَيْءٍ بَيْنَ الِاسْتِلْزامِ لِلْمَقْصُودِ بِزَعْمِهِ ومُشْعِرٌ بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ لا يَحْسُنُ أنْ يَسْجُدَ لِمَن دُونَهُ فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ فاللَّعِينُ أوَّلُ مَن أسَّسَ بُنْيانَ التَّكَبُّرِ واخْتَرَعَ القَوْلَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العِلِّيَّيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ (12) تَعْلِيلٌ لِما ادَّعاهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِن فَضْلِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحاصِلُهُ أنِّي مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرٍ أشْرَفَ مِن عُنْصُرِهِ لِأنَّ عُنْصُرِي عُلْوِيٌّ نَيِّرٌ قَوِيُّ التَّأْثِيرِ مُناسِبٌ لِمادَّةِ الحَياةِ وعُنْصُرَهُ بِضِدِّ ذَلِكَ والمَخْلُوقُ مِنَ الأشْرَفِ أشْرَفُ لِأنَّ شَرَفَ الأصْلِ يُوجِبُ شَرَفَ الفَرْعِ فَأنا كَذَلِكَ والأشْرَفُ لا يَلِيقُ بِهِ الِانْقِيادُ لِمَن هو دُونَهُ وقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ فَإنَّ كَوْنَ النّارِ أشْرَفُ مِنَ التُّرابِ مَمْنُوعٌ فَإنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ يَخْتَصُّ بِفَوائِدَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وكُلٌّ مِنها ضَرُورِيٌّ في هَذِهِ النَّشْأةِ ولِكُلٍّ فَضِيلَةٌ في مَقامِهِ وحالِهِ فَتَرْجِيحُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ عَلى مَن نَظَرَ إلى أنَّ الأرْضَ أكْثَرُ مَنافِعَ لِلْخَلْقِ لِأنَّها مُسْتَقَرُّهم وفِيها مَعايِشُهم وأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالرَّزانَةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الحِلْمِ والوَقارِ وإلى أنَّ النّارَ دُونَها في المَنافِعِ وأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالخِفَّةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الطَّيْشِ والِاسْتِكْبارِ والتَّرَفُعِ عُلِمَ ما في كَلامِ اللَّعِينِ وأيْضًا شَرَفُ الأصْلِ لا يُوجِبُ شَرَفَ الفَرْعِ.
إنَّما الوَرْدُ مِنَ الشَّوْكِ ولا يَنْبُتُ النَّرْجِسُ إلّا مِن بَصَلِ ويَكْفِي في ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ الكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ وأيْضًا قَدْ خَصَّ الشَّرَفَ بِما هو مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ مَعَ أنَّ الشَّيْءَ كَما يَشْرُفُ بِمادَّتِهِ وعُنْصُرِهِ يَشْرُفُ بِفاعِلِهِ وغايَتِهِ وصُورَتِهِ وهَذا الشَّرَفُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ كَما قَصَّ سُبْحانَهُ لِما أوْدَعَهُ فِيهِ وأيْضًا أيُّ قُبْحٍ في خِدْمَةِ الفاضِلِ لِلْمَفْضُولِ تَواضُعًا وإسْقاطًا لِحَظِّ النَّفْسِ عَلى أنَّ الخِدْمَةَ في الحَقِيقَةِ إنَّما كانَتْ لِلَّهِ تَعالى وإلى هَذا أشارَ ظافِرٌ الإسْكَنْدَرِيُّ بِقَوْلِهِ.
أنْتَ المُرادُ بِنَظْمِ كُلِّ قَصِيدَةٍ ∗∗∗ بُنِيَتْ عَلى الإفْهامِ في تَبْجِيلِهِ كَسُجُودِ أمَلاكِ السَّماءِ لِآدَمَ ∗∗∗ وسُجُودُهم لِلَّهِ في تَأْوِيلِهِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَوابَ مِنَ اللَّعِينِ كانَ مَعَ تَسْلِيمِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسُّجُودِ وحِينَئِذٍ فَخَطَؤُهُ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ إذْ يَعُودُ ذَلِكَ إلى الِاعْتِراضِ عَلى المالِكِ الحَكِيمِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ أنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بَلْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ العُمُومِ بِالقِياسِ واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِهَذا التَّوْبِيخِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ التَّخْصِيصِ بَلْ هو إبْطالٌ لِلنَّصِّ ورَفْعٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيِهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: اسْجُدْ لِآدَمَ فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ» إلَخْ قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ واسْتَدَلَّ بِهَذا ونَحْوِهِ مَن مَنَعَ القِياسَ مُطْلَقًا.
وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المَذْمُومَ هو القِياسُ والرَّأْيُ في مُقابَلَةِ النَّصِّ أوِ الَّذِي يُعْدَمُ فِيهِ شَرْطٌ مِنَ الشُّرُوطِ المُعْتَبَرَةِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى الكَوْنِ والفَسادِ لِدَلالَتِها عَلى خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وإيجادِهِما وعَلى اسْتِحالَةِ الطِّينِ والنّارِ عَمّا كانا عَلَيْهِ مِنَ الطِّينِيَّةِ والنّارِ لِما تَرَكَّبَ مِنهُما ما تَرَكَّبَ وعَلى أنَّ إبْلِيسَ ونَحْوَهُ أجْسامٌ حادِثَةٌ لا أرْواحَ قَدِيمَةٌ قِيلَ: لَعَلَّ إضافَةَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطِّينِ وخَلْقِهِ إلى النّارِ بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الغالِبِ وإلّا فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الأجْسامَ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وبَعْضُ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي: خلقنا آدم وأنتم من ذريته، ثُمَّ صورناكم يعني: ذريته.
ويقال: خَلَقْناكُمْ يعني: آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ يعني: آدم صوره بعد ما خلقه من طين.
ويقال: خَلَقْناكُمْ نطفاً في أصلاب الآباء ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ في أرحام الأمهات.
ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ على وجه التقديم أي: وقلنا للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ ثُمَّ بمعنى الواو.
ويقال: معناه خلقناكم وصورناكم وقلنا للملائكة: اسجدوا لادم وهي سجدة التحية لا سجدة الطاعة فالعبادة لله تعالى، والتحية لآدم فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي لم يسجد مع الملائكة لآدم قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ يعني: أن تسجد ولا زيادة.
ومعناه: ما منعك عن السجود إذ أمرتك بالسجود لآدم قالَ إبليس عليه اللعنة: إنما لم أسجد لأنّي أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي هذا الذي منعني عن السجود.
فاشتغل اللعين بالقياس والقياس في موضع النص باطل، لأنه لما أقرّ بأنه هو الذي خلقه.
فقد أقرّ بأن عليه واجب وعليه أن يأتمر بأمره.
ومع ذلك لو كان القياس جائزاً في موضع النص، فإن قياسه فاسداً، لأنّ الطين أفضل من النار، لأنّ عامة الثمار والفواكه والحبوب تخرج من الطين، ولأن العمارة من الطين والنار للخراب.
ثم قال له عز وجل: فَاهْبِطْ مِنْها قال مقاتل: أي اهبط من الجنة فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي في الجنة.
وقال الكلبي: فاهبط منها أي اخرج من الأرض والحق بجزائر البحور، ولا تدخل الأرض إلا كهيئة السارق وعليه ذل الخوف وهو يروغ فيها، فما يكون لك أن تتكبر فيها، لا ينبغي لك أن تتكبر في هذه الأرض على بني آدم فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ يعني: من المهانين المذلين قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يعني: أجلني إلى يوم البعث، اليوم الذي يخرج الناس من قبورهم.
قال ابن عباس: أراد الخبيث ألا يذوق الموت، فأبى الله تعالى أن يعطيه ذلك.
ف قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى النفخة الأولى، فحينئذٍ يذوق الموت وتصيبه المرارة بعدد الأولين والآخرين.
قوله تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي قال الكلبي: أي فكما أضللتني.
وقال مقاتل: يعني أما إذا أضللتني.
وقال بعضهم: فبما أغويتني يعني: فبما دعوتني إلى شيء غويت به.
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يعني: لأقعدن لهم على طريقك المستقيم، وهو دين الإسلام فأصدّ الناس عن ذلك.
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ روى أسباط عن السدي قال: من بين أيديهم الدنيا أدعوهم إليها وَمِنْ خَلْفِهِمْ الآخرة أشككهم فيها وَعَنْ أَيْمانِهِمْ قال الحق: أشككهم فيه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ قال: الباطل أخففه عليهم وأرغبهم فيه.
وقال في رواية الكلبي: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أيديهم من أمر الآخرة، فأزيّن لهم التكذيب بالبعث بأنه لا جنة ولا نار، ومن خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا فأزينها في أعينهم وأرغبهم فيها، فلا يعطون حقاً عن أيمانهم أي: من قبل دينهم فإن كانوا على الضلالة زيّنتها لهم، وإن كانوا على الهدى شبّهته عليهم حتى يشكوا فيه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل اللذات والشهوات.
ويقال: معناه لآتينهم بالإضلال من جميع جهاتهم ويقال: عَنْ أَيْمانِهِمْ فيما أمروا به وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فيما نهوا عنه.
ويقال: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي: فيما يعملون لأنه يقال عملت بذلك وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ يعني ذرية آدم لا يكونون شاكرين لنعمتك، ويقال شاكرين مؤمنين وقال في آية أخرى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ: 20] قوله: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً قال الكلبي ومقاتل: يعني اخرج من الجنة مذءوما أي معيباً مدحوراً أي: مطرودا.
وقال الزجاج: مذءوما أي مذموماً.
يقال: دأمت الرجل وذممته إذا عبته مدحوراً أي: مبعداً من رحمة الله تعالى.
لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي: مَنْ أطاعك فيما دعوته إليه.
واللام زيادة للتأكيد لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ أي: ممن أطاعك منهم من الجن والإنس، ويكون هذا اللفظ بمعنى القسم والتأكيد وأنه يفعل ذلك لا محالة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ...
الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة.
واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه.
وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ «١» ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ.
وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات «٢» .
وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير «٣» ، وثُمَّ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها.
وقوله سبحانه: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ تقدم الكلام على قصص الآية في «سورة البقرة» .
«وما» في قوله: مَا مَنَعَكَ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و «لا» في قوله:
أَلَّا تَسْجُدَ قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان «١» :
إنها زائدة «٢» ، كهي في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] .
قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: ٧٥] في «ص» انتهى.
وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن [لما] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين.
وقال الطبري «٣» : ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس «٤» ، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس «٥» .
وإنما خرّج كلاهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخوارج
وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ.
وقوله سبحانه: فَاهْبِطْ مِنْها الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية.
وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي.
ومعنى: أَنْظِرْنِي أخِّرْنِي «١» فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى.
قاله/ أكثر الناس «٢» وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع.
وقوله: فَبِما يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: فَبِعِزَّتِكَ [ص: ٨٢] وأَغْوَيْتَنِي قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل «٣» .
وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه.
ومنه قوله عليه السلام: «إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ «٤» نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة «٥» ...
»
الحديث.
وقوله سبحانه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا
تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين.
قال الفخر «١» : وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: على صِرَاطِكَ.
أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع.
انتهى.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك.
قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل «٢» .
ومنه قوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبيّنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصَّحيح: «يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ» «٣» .
ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأسود» «٤» وشاكِرِينَ معناه: مُؤْمنين لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن.
قاله ابن عباس وغيره «٥» .
وقوله سبحانه: اخْرُجْ مِنْها أي: من الجنة مَذْؤُماً أي مَعِيباً مَدْحُوراً أي:
مقصيًّا مبعداً.
لَمَنْ تَبِعَكَ بفتح اللام هي لام قسم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ ﴾ ما اسْتِفْهامٌ، ومَعْناها الإنْكارُ.
قالَ الكِسائِيُّ: "لا" هاهُنا زائِدَةٌ.
والمَعْنى: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟
وقالَ الزَّجّاجُ: مُوضِعُ "ما" رَفْعٌ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ؟
و"لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ ومِثْلُهُ: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَدْ تُزادُ "لا" في الكَلامِ.
والمَعْنى: طَرَحَها لَإباءٍ في الكَلامِ، أوْ جَحْدٍ، كَهَذِهِ الآَيَةِ.
وإنَّما زادَ "لا" لِأنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ.
ومِثْلُهُ: ﴿ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ "أنَّها"، فَزادَ "لا" لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا؛ ومِثْلُهُ: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ .
وقالَ الفَرّاءُ: "لا" هاهُنا جَحْدٌ مَحْضٌ، ولَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والمَنعُ راجِعٌ إلى تَأْوِيلِ القَوْلِ، والتَّأْوِيلُ: مَن قالَ لَكَ: لا تَسْجُدْ؛ فَأحَلَّ المَنعَ مَحَلَّ القَوْلِ، ودَخَلَتْ بَعْدَهُ "أنْ" لَيَدُلَّ عَلى تَأْوِيلِ القَوْلِ الَّذِي لَمَّ يَتَصَرَّحْ لَفْظُهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، فَأحْوَجَكَ أنْ لا تَسْجُدَ؟
.
قالَ الزَّجّاجُ: وسُؤالُ اللَّهِ تَعالى لَإبْلِيسَ ما مَنَعَك تَوْبِيخٌ لَهُ، ولِيُظْهِرَ أنَّهُ مُعانِدٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتُبْ، وأتى بِشَيْءٍ في مَعْنى الجَوابِ، ولَفْظُهُ غَيْرُ الجَوابِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ إنَّما هو جَوابُ، أيُّكُما خَيْرٌ؟
ولَكِنَّ المَعْنى: مَنَعَنِي مِنَ السُّجُودِ فَضْلِي عَلَيْهِ.
ومِثْلُهُ قَوْلُكَ لَلرَّجُلِ: كَيْفَ كُنْتَ؟
فَيَقُولُ: أنا صالِحٌ؛ وإنَّما الجَوابُ: كُنْتُ صالِحًا، فَيُجِيبُ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزِيادَةً.
قالَ العُلَماءُ: وقَعَ الخَطَأُ مِن إبْلِيسَ حِينَ قاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وخَفِيَ عَلَيْهِ فَضْلُ الطِّينِ عَلى النّارِ؛ وفَضْلُهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها أنَّ مَن طَبْعِ النّارِ الطَّيْشَ والِالتِهابَ والعَجَلَةَ، ومَن طَبْعِ الطِّينِ الهُدُوءُ والرَّزانَةُ.
والثّانِي: أنَّ الطِّينَ سَبَبُ الإنْباتِ والإيجادِ، والنّارُ سَبَبُ الإعْدامِ والإهْلاكِ.
والثّالِثُ: أنَّ الطِّينَ سَبَبُ جَمْعِ الأشْياءِ، والنّارَ سَبَبُ تَفْرِيقِها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ "ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ: أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ: أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاهْبِطْ مِنها ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما يَكُونُ لَكَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.
تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.
ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.
ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ": ﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.
وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.
و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ: مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ.
ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟
فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟
فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟
فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ [الأعراف: 10] تذكيراً بنعمة إيجاد النّوع، وهي نعمة عناية، لأنّ الوجود أشرف من العدم، بقطع النّظر عما قد يعرض للموجود من الأكدار والمتاعب، وبنعمة تفضيله على النّوع بأنْ أمَر الملائكة بالسّجود لأصله، وأُدمج في هذا الامتنان تنبيهٌ وإيقاظ إلى عداوة الشّيطان لنوع الإنسان من القِدم، ليكون ذلك تمهيداً للتّحذير من وسوسه وتضليله، وإغراء بالإقلاع عمّا أوقع فيه النّاس من الشّرك والضّلالة، وهو غرض السورة، وذلك عند قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ [الأعراف: 27] ومَا تلاه من الآيات، فلذلك كان هذا بمنزلة الاستدلال وُسِّط في خلال الموعظة.
والخطاب للنّاس كلّهم، والمقصود منه المشركون، لأنّهم الغرض في هذه السورة.
وتأكيد الخبر باللاّم و(قد) للوجه الذي تقدّم في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ﴾ ، وتعدية فعلي الخلق والتّصوير إلى ضمير المخاطبين، لما كان على معنى خلق النّوع الذي هم من أفراد تعيّن أن يكون المعنى: خلقنا أصلكم ثمّ صوّرناه، وهو آدم، كما أفصح عنه قوله: ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ .
والخلق الإيجاد وإبراز الشّيء إلى الوجود، وهذا الإطلاق هو المراد منه عند إسناده إلى الله تعالى أو وَصْف الله به.
والتّصوير جعل الشّيء صورة، والصّورة الشّكل الذي يشكّل به الجسم كما يشكّل الطين بصورة نوع من الأنواع.
وعطفت جملة ﴿ صورناكم ﴾ بحرف (ثمّ) الدّالة على تراخي رتبة التّصوير عن رتبة الخلق، لأنّ التّصوير حالة كمال في الخلق بأن كان الإنسان على الصورة الإنسانيّة المتقنة حسناً وشرفاً، بما فيها من مشاعر الإدراك والتّدبير، سواء كان التّصوير مقارناً للخلق كما في خلق آدم، أم كان بعد الخلق بمدّة، كما في تصوير الأجنّة من عظام ولحم وعصب وعروق ومشاعر، كقوله تعالى: ﴿ فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ﴾ [المؤمنون: 14].
وتعدية فعلي (خلقنا) و(صوّرنا) إلى ضمير الخطاب ينتظم في سلك ما عاد إليه الضّمير قبله في قوله: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ [الأعراف: 10] الآية فالخطاب للنّاس كلّهم توطئة لقوله فيما يأتي: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ [الأعراف: 27] والمقصود بالخصوص منه المشركون لأنّهم الذين سوّل لهم الشّيطان كفران هذه النّعم لقوله تعالى عقب ذلك: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ﴾ [الأعراف: 28] وقوله فيما تقدّم: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون ﴾ [الأعراف: 3].
وأمّا تعلُّق فعلي الخلق والتّصوير بضمير المخاطبين فمراد منه أصل نوعهم الأوّل وهو آدم بقرينة تعقيبه بقوله: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فنُزل خلق أصل نوعهم منزلةَ خلق أفراد النّوع الذين منهم المخاطبون لأنّ المقصود التّذكير بنعمة الإيجاد ليشكروا موجدهم ونظيره قوله تعالى: ﴿ إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ﴾ [الحاقة: 11] أي حملنا أصولكم وهم الذين كانوا مع نوح وتناسل منهم النّاس بعد الطّوفان، لأنّ المقصود الامتنان على المخاطبين بإنجاء أصولهم الذين تناسلوا منهم، ويجوز أن يؤول فعلا الخلق والتّصوير بمعنى إرادة حصول ذلك، كقوله تعالى: حكاية عن كلام الملائكة مع إبراهيم: ﴿ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ﴾ [الذاريات: 35] أي أردنا إخراج من كان فيها، فإن هذا الكلام وقع قبل أمر لوط ومَن آمن به بالخروج من القرية.
ودلّ قوله: ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ على أنّ المخلوق والمصوّر هو آدم، ومعنى الكلام خلقنا أصلكم وصوّرناه فبرز موجوداً معيَّناً مسمّى بآدم، فإنّ التّسمية طريق لتعيين المسمّى، ثمّ أظهرنا فضله وبديع صنعنا فيه فقلنا للملائكة اسجدوا له فوقع إيجاز بديع في نسج الكلام.
و (ثُمّ) في قوله: ﴿ ثم قال للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ عاطفةٌ الجملةَ على الجملة فهي مقيّدة للتّراخي الرّتبي لا للتّراخي الزّماني وذلك أنّ مضمون الجملة المعطوفة هنا أرقى رتبة من مضمون الجملة المعطوف عليها.
وقوله: ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ ، تقدّم تفسيره، وبيانُ ما تقدّم أمَر الله الملائكةَ بالسّجود لآدم، من ظهور فضل ما علمه الله من الأسماء ما لم يَعلِّمه الملائكة، عند قوله تعالى: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ﴾ في سورة البقرة (34).
وتعريف ﴿ الملائكة ﴾ للجنس فلا يلزم أن يكون الأمر عاماً لجميع الملائكة، بل يجوز أن يكون المأمورون هم الملائكة، الذين كانوا في المكان الذي خُلق فيه آدم، ونقل ذلك عن ابن عبّاس، ويحتمل الاستغراق لجميع الملائكة.
وطريق أمرهم جميعاً وسجودِهم جميعاً لآدم لا يعلمه إلاّ الله، لأنّ طرق علمهم بمراد الله عنهم في العالم العلوي لا تقاس على المألوف في عالم الأرض.
واعلم أن أمر الله الملائكة بالسّجود لآدم لا يقتضي أن يكون آدمُ قد خلق في العالم الذي فيه الملائكة بل ذلك محتمل، ويحتمل أنّ الله لمّا خلق آدم حشر الملائكة، وأطلعهم على هذا الخلق العجيب، فإنّ الملائكة ينتقلون من مكان إلى مكان فالآية ليست نصّاً في أنّ آدم خلق في السّماوات ولا أنّه في الجنّة التي هي دار الثّواب والعقاب، وإن كان ظاهرها يقتضي ذلك، وبهذا الظاهر أخذ جمهور أهل السنّة، وتقدّم ذلك في سورة البقرة.
واستثناء إبليس من الساجدين في قوله: ﴿ إلا إبليس ﴾ يدلّ على أنّه كان في عداد الملائكة لأنّه كان مختلطا بهم.
وقال السكاكي في «المفتاح» عُدّ إبليس من الملائكة بحكم التّغليب.
وجملة: عغتاة، ﴿ لم يكن من الساجدين ﴾ حال من (إبليس)، وهي حال مؤكدة لمضمون عاملها وهو ما دلّت عليه أداة الاستثناء، لما فيها من معنى: أستثنِي، لأنّ الاستثناء يقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنَى، وهو عين مدلول: لم يكن من الساجدين فكانت الحال تأكيداً.
وفي اختيار الاخبار عن نفي سجوده بجعْلِه من غير السّاجدين: إشارة إلى أنّه انتفى عنه السّجود انتفاء شديداً لأنّ قولك لم يكن فلان من المهتدين يفيد من النّفي أشدّ ممّا يفيده قولك لم يكن مُهتدياً كما في قوله تعالى: ﴿ قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة الأنعام (56).
ففِي الآية إشارة إلى أنّ الله تعالى خلق في نفس إبليس جبلة تدفعه إلى العصيان عندما لا يوافق الأمر هواه، وجعل له هوىً ورأياً، فكانت جبلته مخالفة لجبلة الملائكة.
وإنّما استمرّ في عِداد الملائكة لأنّه لم يَحدث من الأمر ما يخالف هواه، فلمّا حدث الأمرُ بالسّجود ظَهر خُلق العصيان الكامِنُ فيه، فكان قوله تعالى: لم يكن من الساجدين } إشارة إلى أنّه لم يقدّر له أن يكون من الطائفة السّاجدين، أي انتفى سجوده انتفاء لارجاء في حصوله بعدُ، وقد عُلِم أنّه أبى السّجود إباء وذلك تمهيداً لحكاية السّؤال والجواب في قوله: ﴿ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ﴾ ابتداء المحاورة، لأنّ ترك إبليس السّجود لآدم بمنزلة جواب عن قول الله: ﴿ أسجدوا لآدم ﴾ ، فكان بحيث يتوجّه إليه استفسار عن سبب تركه السّجود، وضمير: ﴿ قال ﴾ عائد إلى معلوم من المقام أي قال اللَّهُ تعالى بقرينة قوله: ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: قُلنا، فكان العدول إلى ضمير الغائب التفاتاً، نكتته تحويل مقام الكلام، إذ كان المقامُ مقام أمرٍ للملائكة ومن في زمرتهم فصار مقام توبيخ لإبليس خاصة.
و ﴿ مَا ﴾ للاستفهام، وهو استفهام ظاهره حقيقي، ومشوب بتوبيخ، والمقصود من الاستفهام إظهار مقصد إبليس للملائكة.
و ﴿ منعك ﴾ معناه صدّك وكفّك عن السجود فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ما منعك أن تسجد لأنّه إنّما كفّ عن السّجود لا عن نفي السجود فقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ﴾ [ص: 75]، فلذلك كان ذكر (لا) هنا على خلاف مقتضى الظاهر، فقيل هي مزيدة للتّأكيد، ولا تفيد نفياً، لأنّ الحرف المزيد للتّأكيد لا يفيد معنى غيرَ التّأكيد.
و(لاَ) من جملة الحروف التي يؤكّد بها الكلام كما في قوله تعالى: ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ [البلد: 1] وقوله ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله ﴾ [الحديد: 29] أي ليعلم أهل الكتاب علماً محقّقاً.
وقوله تعالى: ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون ﴾ [الأنبياء: 95] أي ممنوع أنّهم يرجعون منعاً محقّقاً، وهذا تأويل الكسائي، والفراء، والزّجاج، والزّمخشري، وفي توجيه معنى التّأكيد إلى الفعل مع كوننِ السّجود غير واقععٍ فلا ينبغي تأكيده خفاءٌ لأنّ التّوكيد تحقيق حصول الفعل المؤكّد، فلا ينبغي التّعويل على هذا التّأويل.
وقيل (لا) نافية، ووجودها يؤذن بفعل مقدر دلّ عليه ﴿ منعك ﴾ لأنّ المانع من شيء يدعو لضدّه، فكأنّه قيل: ما منعك أن تسجد فدعاك إلى أن لا تسجد، فإمّا أن يكون ﴿ منعك ﴾ مستعملاً في معنى دعَاك، على سبيل المجاز، و(لا) هي قرينة المجاز، وهذا تأويل السكاكي في «المفتاح» في فصل المجاز اللّغوي، وقريبٌ منه لعبد الجبّار فيما نقله الفخر عنه، وهو أحسن تأويلاً، وإمّا أن يكون قد أريد الفعلان، فذُكر أحدهما وحذف الآخر، وأشير إلى المحذوف بمتعلّقه الصّالح له فيكون من إيجاز الحذف، وهو اختيار الطّبري ومن تبعه.
وانظر ما قلتُه عند قوله تعالى: ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني ﴾ في سورة طه (92، 93).
وقوله: ﴿ إذ أمرتك ﴾ ظرف ل ﴿ تسجد ﴾ ، وتعليق ضميره بالأمر يقتضي أن أمر الملائكة شامل له، إمّا لأنّه صنف من الملائكة، فخلق الله إبليس أصلاً للجنّ ليجعل منه صنفاً مُتَمِّيزاً عن بقيّة الملائكة بقبوله للمعصية، وهذا هو ظاهر القرآن، وإليه ذهب كثير من الفقهاء، وقد قال الله تعالى: ﴿ إلا إبليس كانَ من الجنّ ﴾ [الكهف: 50] الآية، وإما لأنّ الجنّ نوع آخر من المجردات، وإبليس أصل ذلك النّوع، جعله الله في عداد الملائكة، فكان أمرهم شاملاً له بناء على أن الملائكة خلقوا من النّور وأنّ الجنّ خلقوا من النّار، وفي «صحيح مسلم»، عن عائشة رضي الله عنها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خلقت الملائكة من نور وخُلق الجان من مارج من نار " وإلى هذا ذهب المعتزله وبعض الأشاعرة، وقد يكون المراد من النّار نوراً مخلوطاً بالمادة، ويكون المراد بالنّور نوراً مجرداً، فيكون الجنّ نوعاً من جنس الملائكة أحطّ، كما كان الإنسان نوعاً من جنس الحيوان أرقى.
وفُصِل: ﴿ قال أنا خير منه ﴾ لوقوعه على طريقة المحاورات.
وبَيّن مانعه من السّجود بأنّه رأى نفسه خيراً من آدم، فلم يمتثل لأمر الله تعالى إياه بالسّجود لآدم، وهذا معصية صريحة، وقوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ مسوق مساق التّعليل للامتناع ولذلك حذف منه اللام.
وجملة: ﴿ خلقتني من نار ﴾ بيان لجملة: ﴿ أنا خير منه ﴾ فلذلك فصلت، لأنّها بمنزلة عطف البيان من المبيّن.
وحصَل لإبليس العلم بكونه مخلوقاً من نار، بإخبار من الملائكة الذين شهدوا خلقَه، أو بإخبار من الله تعالى.
وكونه مخلوقاً من النّار ثابت قال تعالى: ﴿ خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ﴾ [الرحمن: 14، 15] وإبليس من جنس الجنّ قال تعالى في سورة الكهف (50): ﴿ فسجدوا إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه ﴾ واستند في تفضيل نفسه إلى فضيلة العنصر الذي خلق منه على العنصر الذي خلق منه آدم.
والنّار هي الحرارة البالغة لشدّتها الالتهاب الكائنة في الأجسام المصهورة بأصل الخلقة، كالنّار التي في الشّمس، وإذا بلغت الحرارة الالتهام عرضت النّارية للجسم من معدن أو نبات أو تراب مثل النّار الباقية في الرّماد.
والنار أفضل من التّراب لقوّة تأثيرها وتسلّطها على الأجسام التي تلاقيها، ولأنّها تضيء، ولأنّها زكيّة لا تلصق بها الأقذار، والتّراب لا يشاركها في ذلك وقد اشتركا في أن كليهما تتكوّن منه الأجسام الحيّة كلّها.
وأمّا النّور الذي خُلق منه الملَكُ فهو أخلَص من الشّعاع الذي يبيّن من النّار مجرّدا عن ما في النّار من الأخلاط الجثمانيّه.
والطّينُ التّراب المختلط بالماء، والماءُ عنصر آخر تتوقّف عليه الحياة الحيوانيّة مع النّار والتّراب، وظاهر القرآن في آيات هذه القصة كلّها أنّ شرف النّار على التّراب مقرّر، وأنّ إبليس أُوخذ بعصيان أمر الله عصياناً باتّاً، والله تعالى لمّا أمر الملائكه بالسّجود لآدم قد عَلِم استحقاق آدمَ ذلك بما أوْدع الله فيه من القوّة التي قد تبلغ به إلى مبلغ الملائكة في الزّكاء والتّقديس، فأمّا إبليس فغرّه زكاء عنصره وذلك ليس كافياً في التّفضيل وحده، ما لم يَكن كِيَانُه من ذلك العنصر مهيّئاً إياه لبلوغ الكمالات، لأنّ العبرة بكيفيّة التّركيب، واعتبار خصائص المادة المركّب منها بعد التّركيب، بحسب مقصد الخالق عند التّركيب، ولا عبرة بحالة المادة المجرّدة، فاللَّه تعالى ركب إبليس من عنصر النّار على هيئة تجعله يستخدم آثار القوّة العنصريّة في الفساد والاندفاع إليه بالطّبع دون نظر، بحسب خصائص المادة المركّب هو منها، وركّب آدم من عنصر التّراب على هيئة تجعله يستخدم آثار القوّة العنصريّة في الخبر والصّلاح والاندفاع إلى ازدياد الكمال بمحض الاختيار والنّظر، بحسب ما تسمح به خصائص المادّة المركّب هو منها، وكلّ ذلك منوط بحكمة الخالق للتّركيب، وركّب الملائكة من عنصر النّور على هيئة تجعلهم يستخدمون قواهم العنصرية في الخيرات المحضة، والاندفاع إلى ذلك بالطّبع دون اختيار ولا نظر، بحسب خصايص عنصرهم، ولذلك كان بلوغ الإنسان إلى الفضائل الملكيّة أعلى وأعجب، وكان مبلغه إلى الرّذائل الشّيطانيّة أحطّ وأسهل، ومن أجل ذلك خوطب بالتّكليف.
ولأجل هذا المعنى أمر الله الملائكة بالسّجود لآدم أصل النّوع البشري لأنّه سجود اعتراف لله تعالى بمظهر قدرته العظيمة، وأمر إبليس بالسّجود له كذلك، فأمّا الملائكة فامتثلوا أمر الله ولم يعلموا حكمته، وانتظروا البيان، كما حكى عنهم بقوله: ﴿ قالوا سبحانك لا عِلْم لنا إلا ما علمتنا إنّك أنت العليم الحكيم ﴾ [البقرة: 32] فجاءهم البيان مجملاً بقوله: ﴿ إنّي أعلَمُ ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30] ثمّ مفصّلا بقصّة قوله: ﴿ ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 31] إلى قوله ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ في سورة البقرة (33).
وقد عاقبه الله على عصيانه بإخراجه من المكان الذي كان فيه في اعتلاء وهو السّماء، وأحل الملائكة فيه، وجعله مكاناً مقدّساً فاضِلاً على الأرض فإنّ ذلك كلّه بجعل آلهي بإفاضة الأنوار وملازمة الملائكة، فقال له: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها}.
والتّعبير بالهبوط إمّا حقيقة إن كان المكان عالياً، وإمّا استعارة للبعد عن المكان المشرّف، بتشبيه البُعد عنه بالنّزول من مكان مرتفع وقد تقدّم ذلك في سورة البقرة.
والفاء في جملة: ﴿ فاهبط ﴾ لترتيب الأمر بالهبوط على جواب إبليس، فهو من عطف كلام متكلّم على كلام متكلّم آخر، لأنّ الكلامين بمنزلة الكلام الواحد في مقام المحاورة، كالعطف الذي في قوله تعالى: ﴿ قال إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي ﴾ [البقرة: 124].
والفاء دالة على أن أمره بالهبوط مسبّب عن جوابه.
وضمير المؤنّث المجرور بمن في قوله: ﴿ منها ﴾ عائد على المعلوم بين المتكلّم والمخاطب، وتأنيثه إمّا رعي لمعناه بتأويل البقعة، أو للفظ السّماء لأنّها مكان الملائكة، وقد تكرّر في القرآن ذكر هذا الضّمير بالتّأنيث.
وقوله: ﴿ فما يكون لك أن تتكبر فيها ﴾ الفاء للسّببيّة والتّفريع تعليلاً للأمر بالهبوط، وهو عقوبة خاصه عقوبةَ إبعاد عن المكان المقدّس، لأنّه قد صار خُلُقُه غير ملائم لمّا جعل الله ذلك المكان له، وذلك خُلقُ التّكبر لأنّ المكان كان مكاناً مقدّساً فاضلاً لا يكون إلاّ مطهّراً من كلّ ما له وصف ينافيه وهذا مبدأ حاوله الحكماء الباحثون عن المدينة الفاضلة وقد قال مالك رحمه الله: لا تحْدِثوا بدعة في بلدنا.
وهذه الآية أصل في ثبوت الحقّ لأهل المحلّة أن يخرجوا من محلّتهم من يخشى من سيرته فشّو الفساد بينهم.
ودلّ قوله: ﴿ ما يكون لك ﴾ على أنّ ذلك الوصف لا يغتفر منه، لأنّ النّفي بصيغة (ما يكون لك) كذا أشدّ من النّفي ب (ليس لك كذا) كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ الآية في آل عمران (79)، وهو يستلزم هنا نهيا لأنّه نفاه عنه مع وقوعه، وعليه فتقييد نفي التّكبّر عنه بالكون في السّماء لوقوعه علّة للعقوبة الخاصة وهي عقوبة الطّرد من السّماء، فلا دلالة لذلك القيد على أنّه يكون له أن يتكبّر في غيرها، وكيف وقد علم أنّ التّكبّر معصية لا تليق بأهل العالم العلويّ.
وقوله: فاخرج } تأكيد لجملة ﴿ فاهبط ﴾ بمرادفها، وأُعيدت الفاء مع الجملة الثّانية لزيادة تأكيد تسبّب الكبر في إخراجه من الجنّة.
وجملة: ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة استينافاً بيانياً، إذا كان المراد من الخبر الإخبار عن تكوين الصّغار فيه بجعل الله تعالى إياه صاغراً حقيراً حيثما حلّ، ففصلها عن التي قبلها للاستيناف، ويجوز أن تكون واقعة موقع التّعليل للإخراج على طريقة استعمال (إنّ) في مثل هذا المقام استعمال فاء التّعليل، فهذا إذا كان المراد من الخبر إظهار ما فيه من الصّغار والحقارة التي غَفَل عنها فذهبت به الغفلة عنها إلى التّكبّر.
وقوله: ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ أشدّ في إثبات الصّغار له من نحو: إنّك صَاغر، أوْ قد صَغُرت، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ قد ضللتُ إذا وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة الأنعام (56)، وقوله آنفاً: لم يكن من الساجدين } .
والصّاغر المتّصف بالصّغار وهو الذلّ والحقارة، وإنّما يكون له الصّغار عند الله لأنّ جبلته صارت على غير ما يرضي الله، وهو صغار الغواية، ولذلك قال بعد هذا: ﴿ فبما أغويتني ﴾ [الأعراف: 16].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهُ كانَ فِيها، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مِنَ الجَنَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أُهْبِطَ مِنَ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّها بِطاعَةِ اللَّهِ إلى المَنزِلَةِ الدَّنِيَّةِ الَّتِي اسْتَوْجَبَها لِمَعْصِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ﴾ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ أنْ يَتَكَبَّرَ فِيها ولا في غَيْرِها، وإنَّما المَعْنى: فَما لِمَن يَتَكَبَّرُ أنْ يَكُونَ فِيها وإنَّما المُتَكَبِّرُ في غَيْرِها.
وَفي التَّكَبُّرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَكَبُّرُ عَنِ اللَّهِ أنْ يَمْتَثِلَ لَهُ.
والثّانِي: تَكَبُّرُ عَنْ آدَمَ أنْ يَسْجُدَ لَهُ.
﴿ فاخْرُجْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ.
والثّانِي: مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ كانَ مِنهم أوْ مَعَهم.
﴿ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَعْصِيَةِ في الدُّنْيا لِأنَّ العاصِيَ ذَلِيلٌ عِنْدَ مَن عَصاهُ.
والثّانِي: بِالعَذابِ في الآخِرَةِ لِأنَّ المُعَذَّبَ ذَلِيلٌ بِالعَذابِ.
وَفي هَذا القَوْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ بَعْضِ المَلائِكَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ أراهُ مُعْجِزَةً تَدُلُّهُ عَلى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَهُ الإنْظارَ بِالعُقُوبَةِ إلى البَعْثِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ سَألَهُ الإنْظارَ بِالحَياةِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وهو يَوْمُ القِيامَةِ لِئَلّا يَذُوقَ المَوْتَ، فَأُجِيبَ بِالإنْظارِ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وهي النَّفْخَةُ الأُولى لِيَذُوقَ المَوْتَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قَدَّرَ اللَّهُ مُدَّةَ أجَلِهِ وفي ذَلِكَ إغْواؤُهُ بِفِعْلِ المَعاصِي تَعْوِيلًا عَلى التَّوْبَةِ في آخِرِ الأجَلِ؟
قِيلَ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مِن حالِهِ أنَّهُ لا يَتُوبُ مِن مَعْصِيَتِهِ بِما أوْجَبَهُ مِن لَعْنَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فَجازَ مَعَ عِلْمِهِ بِهَذِهِ أنْ يُقَدِّرَ لَهُ مُدَّةَ أجَلِهِ ولَوْ كانَ كَغَيْرِهِ ما قُدِّرَتْ لَهُ مُدَّةُ أجَلِهِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أقْدَمَ إبْلِيسُ عَلى هَذا السُّؤالِ مَعَ مَعْصِيَتِهِ؟
قِيلَ: كَما يَنْبَسِطُ الجاهِلُ في سُؤالِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ مَعَ مَعْصِيَتِهِ؟
قِيلَ: في إجابَتِهِ دُعاءَ أهْلِ المَعاصِي قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَصِحُّ إجابَتُهم لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَكْرِمَةً لِلدّاعِي، وأهْلُ المَعاصِي لا يَسْتَحِقُّونَ الكَرامَةَ، فَعَلى هَذا إنَّما أنْظَرَهُ اللَّهُ تَعالى وإنْ كانَ عَقِيبَ سُؤالِهِ ابْتِداءً مِنهُ لا إجابَةً لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أنْ تُجابَ دَعْوَةُ أهْلِ المَعاصِي عَلى وجْهِ البَلْوى وتَأْكِيدِ الحُجَّةِ، فَتَكُونُ إجابَةُ المُطِيعِينَ تَكْرِمَةً، وإجابَةُ العُصاةِ بَلْوى.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يُنْظَرُ غَيْرُ إبْلِيسَ إلى الوَقْتِ الَّذِي سَألَ وقَدْ قالَ مِنَ المُنْظَرِينَ؟
قِيلَ: نَعَمْ وهو مَن لَمْ يَقْضِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ المَوْتَ مِن عِبادِهِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السّاعَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ قال: حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم فأهلكه الله بكبره وحسده.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح قال: خلق إبليس من نار العزة، وخلقت الملائكة من نور العزة.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ قال: قاس إبليس وهو أول من قاس.
وأخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر بن محمد عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال أو من قاس أمر الدين برأيه إبليس.
قال الله له: اسجد لآدم.
فقال: ﴿ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ قال جفعر: «فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ موضع (ما (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وأما (لا) في قوله ﴿ أَلَّا تَسْجُدَ ﴾ فقال الفراء: (المعنى: ما منعك أن تسجد وأن في هذا الموضع تصحبها (٦) ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ تزاد (٧) ﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ﴾ (٨) (٩) وهذا أيضًا قول الكسائي (١٠) ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ﴾ إلغاء لا وهي مؤكدة؛ المعنى: ما منعك أن تسجد، قال (١١) (١٢) أَبَى جُوُده لا البُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ...
نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنع الجودَ قَاتِلُهْ قالوا: معناه: أبى جوده البخل (١٣) [قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: الرواية أبى جوده لا البخلِ] (١٤) (١٥) (١٦) قال أبو علي: (وهذا البيت أنشده أبو الحسن (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقد أجاز (٢٥) (٢٦) وحكى عن أحمد بن يحيى: (أن (لا) في هذه الآية ليست زائدة، ولا توكيدًا؛ لأن معنى قوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ﴾ من قال لك لا تسجد، فحمل نظم الكلام على (٢٧) (٢٨) وهذا القول حكاه أبو بكر (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ (٣٠) ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ \[إنما هو\] (٣١) ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ في معنى: منعني من السجود فضلي عليه، وهذا قول الفراء (٣٢) (٣٣) وزاد أبو بكر لهذا بيانًا فقال: (أما قولة إبليس لعنه الله في جواب ربه عز وتعالى: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ ففيه [معنى] (٣٤) (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ ، قال ابن عباس: (كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى (٣٧) (٣٨) فإن قيل: أليس العلماء يقيسون في مسائل، قيل: القياس قياسان: قياس في مخالفة النص فهو مردود كقياس إبليس، وقياس يوافق الأصول عند عدم النص فهو مقبول كقياس العلماء يقيسون (٣٩) (٤٠) (١) ﴿ مَاَ ﴾ اسم استفهام مبتدأ وما بعدها خبرها.
انظر: "إعراب النحاس" 1/ 601، و"المشكل" 1/ 284.
(٢) أبو بكر بن الأنباري، إمام لغوي.
تقدمت ترجمته.
(٣) لفظ: (الواو): ساقطة من (ب).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 322، وما نقله هو نص كلامه.
(٦) في (ب): (تصحتها)، وهو تصحيف.
(٧) في (ب): (يراد)، وهو تصحيف.
(٨) في النسخ: (لان لا).
(٩) في "معاني الفراء" 1/ 473 (إلا أن معنى الجحد الساقط في لئلا من أولها لا من آخرها المعنى: ليعلم أهل "الكتاب" ألا يقدرون) اهـ.
وانظر: "أضداد ابن الأنباري" ص 211.
(١٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 161، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 173، والرازي في "تفسيره" 14/ 31، وقال: (هو قول الأكثرين) اهـ.
ومهم أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 211، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 176، و"تأويل المشكل" ص 244، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 601، 602، ومكي في "المشكل" 1/ 284.
(١١) في (ب): وقال مثل إلغاء.
(١٢) الشاهد مشهور لا يعرف قائله، وقد تقدم تخريجه.
(١٣) في (ب): (أبي جوده لا البخل) وهو تحريف.
(١٤) في (أ): (لا البخل) وهو تحريف.
ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٥) في "معاني الزجاج" 2/ 323، (أبي جوده (لا) هذه).
(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 323.
(١٧) أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش إمام مشهور.
(١٨) يونس بن حبيب الضبي، إمام تقدمت ترجمته.
(١٩) أبو عمرو بن العلاء النحوي القارئ، إمام، تقدمت ترجمته.
(٢٠) لفظ: (لا) ساقطة من (أ).
(٢١) في (ب): (يكون) بالياء.
(٢٢) في (ب): (فالتي للبخل وللجود فالتي للبخل معروفة) وهو تحريف.
ولم ترد عند الأخفش ولا عند أبي علي لفظه: (فالتي للبخل معروفة).
(٢٣) في "معاني الأخفش" 2/ 295، و"الإغفال" ص 692، (كان هذا جودا منه).
(٢٤) النص في "معاني الأخفش " 2/ 294، "الإغفال " ص 692، و"الحجة" لأبي علي 1/ 169.
وانظر: إعرابه وتوجيهه في "الحجة" لأبي علي 3/ 381، و"كتاب الشعر" 1/ 117، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 542.
(٢٥) هذا من قول أبي علي أيضًا في "الإغفال" ص 692 - 693 والنص منه.
(٢٦) "معاني الزجاج" 2/ 323.
وفيه: (المعنى أبي جوده البخل واستعجلت به نعم) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 273.
(وقد خرجته أنا تخريجًا آخر وهو أن ينتصب البخل على أنه مفعول من أجله ولا مفعول له).
وقال السمين في "الدر" 5/ 262: (ولا حجة في هذا البيت على زيادة لا في رواية النصب، ويتخرج على وجهين: == أحدهما: أن تكون لا مفعولًا بها، والبخل بدل منها لأن (لا) تقال في المنع فهي مؤدية للبخل.
والثاني: أنها مفعول بها أيضًا والبخل مفعول من أجله، والمعنى: أبي جوده لفظ لا لأجل البخل أي: كراهة البخل، ويؤيد عدم الزيادة رواية الجر) اهـ.
وانظر: الشاهد وتوجيهه في "الأضداد" لابن الأنباري ص 211 - 216.
(٢٧) في (أ): (لأن لا)، وهو تحريف.
(٢٨) ذكره الثعلبي في "الكشف" 188 أ.
(٢٩) انظر "الأضداد" لابن الأنباري ص 215 - 216.
وقال الرازي في "تفسيره" 4/ 31: (لا هاهنا مفيدة وليست لغوًا، وهذا هو الصحيح لأن الحكم بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب) اهـ.
(٣٠) لفظ: (قال) ساقط من (ب).
(٣١) لفظ: (إنما هو) ساقط من (ب).
(٣٢) انظر: "معاني الفراء" 1/ 374.
(٣٣) "معاني الزجاج" 2/ 323.
(٣٤) لفظ: (معنى) ساقط من (ب).
(٣٥) في (ب): (أنه)، وهو تحريف.
(٣٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 161، والقرطبي 7/ 170 - 171 بدون نسبة ونحوه في "معاني النحاس" 3/ 15، و"تفسير البغوي" 3/ 217.
(٣٧) قوله: (فعصى) غير واضحة في (أ)، وموضحة في الهامش.
(٣٨) ذكره الثعلبي في "الكشف" 188 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 161، والبغوي في "تفسيره" 3/ 217، والقرطبي 7/ 171 وغيرهم، ونقله الرازي في "تفسيره" 14/ 34، عن الواحدي عن ابن عباس.
(٣٩) القياس لغة: التقدير، ورد الشيء إلى نظيره، واختلف في تعريفه في الشرع، فقيل: هو حمل مجهول الحكم على معلومه لمساواة بينهما في علة الحكم، والقياس الشرعي عند الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء أصل من أصول الشريعة يستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع.
انظر: "الرسالة" للشافعي ص 476 وما بعدها، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 218، و"التعريفات" للجرجاني ص 181، و"إرشاد الفحول" 2/ 839 وما بعدها.
(٤٠) انظر: "زاد المسير" 3/ 174، و"تفسير الرازي" 14/ 34، والقرطبي 7/ 171، و"فتاوى شيخ الإسلام" 5/ 15 - 6.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خلقناكم ثُمَّ صورناكم ﴾ قيل: المعنى أردنا خلقكم وتصويركم ﴿ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ ﴾ وقيل: خلقنا أباكم آدم ثم صورناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف ﴿ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ لا زائدة للتوكيد ﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ استدل به بعض الأصوليين على أن الأمر يقتضي الوجوب والفور، ولذلك وقع العقاب على ترك المبادرة بالسجود ﴿ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ تعليلٌ علَّلَ به إبليس امتناعه من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله تعالى في أمره بسجود الفاضل للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ لليس كفره كفر جحود ﴿ فاهبط مِنْهَا ﴾ أي من السماء ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ الفاء للتعليل، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم، وما مصدرية، وقيل: استفهامية ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر ﴿ صراطك ﴾ يريد: طريق الهدى والخير وهو منصوب على الظرفية ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ الآية: أي من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما أمكنه، وقال ابن عباس: من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيئات ﴿ مَذْءُوماً ﴾ من ذأمه بالهمز إذا ذمه ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ أي مطروداً حيث وقع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لأملأن ﴾ بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: ﴿ تخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم.
الوقوف: ﴿ إلا إبليس ﴾ ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له.
﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ إذ أمرتك ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول.
﴿ طين ﴾ ه ﴿ الصاغرين ﴾ ه.
﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ه لا للعطف ﴿ شمائلهم ﴾ ط ﴿ شاكرين ﴾ ه ﴿ مدحوراً ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف.
﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الخالدين ﴾ ه ﴿ الناصحين ﴾ ه ﴿ بغرور ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء ﴿ ورق الجنة ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أنفسنا ﴾ سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ عدو ﴾ ط لعطف المختلفين ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ تخرجون ﴾ ه.
التفسير: من جملة نعم الله علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ منع من المعصية بقوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام.
وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله .
وههنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا ﴾ يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس.
وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا.
وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ﴾ أي ميثاق أسلافكم.
وقال : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل.
وإنما قتله أحدهم.
ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد.
ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة.
ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له.
فقوله: ﴿ خلقناكم ﴾ إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم.
وقوله: ﴿ صورناكم ﴾ إشارة إلى أنه أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".
ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله آدم وأمر الملائكة بالسجود له.
قال الإمام فخر الدين .
وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية.
وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته.
أما قوله .
﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ فظاهره يقتضي أنه طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ﴾ فلهذا الإشكال حصل للمفسرين م أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في ﴿ لا أقسم ﴾ وكما في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ﴾ أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين.
قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ﴿ لئلا يعلم ﴾ ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك.
قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور.
وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟
والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي.
وثالثها قال القاضي: ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.
وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه.
وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟
وقيل: معناه من قال لك لا تسجد.
وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: ﴿ أن لا تسجد ﴾ بقوله: ﴿ ما منعك ﴾ وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال.
والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟
﴿ إذ أمرتك ﴾ أمر إيجاب.
وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده.
واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال.
ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ ثم بين هذه المقدمة بقوله ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال.
وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت.
وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع.
وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل.
ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً.
ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل.
فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال : "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ باطلة.
ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟
ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟
قالت العلماء ههنا: إن قوله للملائكة ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس.
وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس.
ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً.
وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى.
ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك.
ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا.
﴿ قال ﴾ أي الله كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته ﴿ فاهبط ﴾ يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط ﴿ منها ﴾ .
قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.
وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فما يكون ﴾ فما يصح ﴿ لك أن تتكبر فيها ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان.
يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين.
وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله ذلك بل ﴿ قال ﴾ مطلقاً ﴿ إنك من المنظرين ﴾ قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله له أجلاً.
والمراد الوقت المعلوم في علم الله والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً.
أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن.
ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: ﴿ لأقعدن ﴾ لأن لام القسم تأبى ذلك.
لا يقال: والله يريد لأمرنّ.
لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها.
وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم.
ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن.
ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن.
وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال.
قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً.
ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب.
وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: ﴿ لأقعدن ﴾ ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل.
قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله: ﴿ فبعزتك لأغوينهم ﴾ أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة.
أجابت المعتزلة عن قوله: ﴿ فبما إغويتني ﴾ بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله.
وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن.
وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود.
أما قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ فانتصابه على الظرف كقوله: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.
والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ﴾ على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل.
فمن قائل بالأول لقوله: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.
ومن قائل بالثاني لقوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.
قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض.
إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله : ﴿ فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.
وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب.
وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق.
وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب.
فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها.
أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها ﴿ من بين أيديهم ﴾ أي أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ ومن خلفهم ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.
وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي ﴿ من بين أيديهم ﴾ يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك.
وأما قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في أنواع المعاصي.
وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في الترغيب في الباطل.
وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ افترهم عن الحسنات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين.
وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس.
وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: ﴿ من بين أيديهم ﴾ وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ﴿ ومن خلفهم ﴾ وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن.
ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر.
فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة.
وقيل: ﴿ من بين أيديهم ﴾ الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد ﴿ ومن خلفهم ﴾ شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ﴿ وعن إيمانهم ﴾ الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.
وعن شقيق ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ﴾ وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ وعن رسول الله " "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام.
فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ وبقي ههنا بحث وهو أنه كيف قال: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ بحرف المجاورة؟
قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع.
يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف.
وقالت الحكماء ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية.
وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.
وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟
فأوحى الله إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.
قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق.
قلت: هذا منافٍ لما في الحديث "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" .
أما قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟
وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين.
وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ .
وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم.
وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ﴿ قال ﴾ الله في جوابه إذا كان هذا عزمك ﴿ اخرج منها مذؤماً مدحوراً ﴾ الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً.
واللام في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم و ﴿ لأملأن ﴾ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط.
وعن عصام ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ أي إنكم وإنهم على هذا.
فقوله: ﴿ لأملأن ﴾ في محل الابتداء ﴿ ولمن تبعك ﴾ خبره.
قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار.
وأجيب بشرط عدم العفو.
قوله: ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ الآية.
فيها من المسائل أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.
وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.
وأن قوله ﴿ وكلا ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.
وأن قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.
وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت.
وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.
وأن الظلم في قوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ بأي معنى هو؟
وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟
ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال.
ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى.
فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته.
وقوله: ﴿ ووري ﴾ مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة.
ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .
سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟
والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً.
وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ .
قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله: ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة.
ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي.
نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟
فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين.
أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر.
ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ.
ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.
ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير.
سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟
والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح.
أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.
وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده.
قال ابن عباس: غرهما باليمين.
وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً.
وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.
﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى ﴿ فأكلا منها ﴾ لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل.
﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل ﴿ صغت قلوبكما ﴾ مكان قلباكما ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد.
قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.
والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟
﴿ ألم أنهكما ﴾ عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة.
عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك.
فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.
وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها.
قوله: ﴿ ما منعك ﴾ وفي ص ﴿ يا إبليس ما منعك ﴾ وفي الحجر ﴿ يا إبليس ما لك ﴾ حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء.
قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ وفي ص ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس.
وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ و ﴿ مالك أن لا تسجد ﴾ وحذف ﴿ أن تسجد ﴾ وحذف ﴿ مالك ﴾ لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ .
قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ الآية في ص مثله كلاهما في جواب ﴿ ما منعك ﴾ ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال: ﴿ لم أكن لأسجد ﴾ ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين.
قوله: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ وفي ص وفي الحجر ﴿ رب فانظرني ﴾ لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين.
وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ﴿ ربنا فاغفر ﴾ أي أدعوك فاغفر.
فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء.
وكذلك من قوله: ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ليطابق الجواب السؤال.
قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ وفي الحجر ﴿ رب بما أغويتني ﴾ بزيادة النداء ليوافق ما قبله.
وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص" ﴿ فبعزتك لأغوينهم ﴾ لزيادة الربط.
ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب.
﴿ قال اخرج منها مذؤماً ﴾ ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: ﴿ لأقعدن لهم ﴾ إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم.
قوله: ﴿ فكلا ﴾ بالفاء وفي البقرة ﴿ وكلا ﴾ لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة.
وإنما زاد في البقرة ﴿ رغداً ﴾ لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: ﴿ وقلنا ﴾ قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود.
وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولقد خلقنا ﴾ أرواحكم ﴿ ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ﴾ فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿ فسجدوا ﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿ إلا إبليس لم يكن ﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿ قال ما منعك ﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف.
وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية.
فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: ﴿ أنظرني ﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: ﴿ لأغوينهم ﴾ ﴿ لأقعدن ﴾ ﴿ ثم لآتينهم ﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين.
﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين.
أو المراد ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال.
أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول.
أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ ومن خلفهم ﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم.
﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع.
ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿ وقاسمهما ﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿ وطفقا ﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.
فبينما نحن في لهو وفي طرب *** بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته *** مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل *** والدمع منهمل والقلب مشتعل ﴿ وناداهما ربهما ﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿ إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: واخجلتا من وقوفي باب دارهم *** لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿ وإن لم تغفر لنا ﴾ بنوال الوصال ﴿ وترحمنا ﴾ بتجلي الجمال ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى.
فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ ولكم ﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.
إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.
﴿ قال فيها ﴾ أي في المحبة ﴿ تحيون ﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿ وفيها تموتون ﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ ومنها تخرجون ﴾ إلى عالم الحقيقة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ قال الحسن: قوله ﴿ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ أراد آدم خاصة؛ لأنه قال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ﴾ أخبر: أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم بعد الخلق، ولو كان المراد منه نحن، [لكان السجود بعد خلقنا] وقد كان السجود قبل ذلك.
وقال غيره: المراد منه البشر كله؛ لأنه قال ﴿ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ﴾ \[أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم\]، ولو كان المراد آدم بقوله ﴿ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ خاصة، لكان [لابد أن] يذكر آدم ثانياً؛ فدل أنه أراد به ذريته.
وقال بعضهم خلقناكم: [أي] آدم، ﴿ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ في أرحامكم، ويحتمل ما قال الحسن، ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ﴾ أي: قدرناكم من ذلك الأصل وهو نفس آدم؛ لأن الخلق [هو التقدير]؛ كما تقول: أنا خلقته، أي: قدرته، يقول: - والله أعلم - ﴿ خَلَقْنَاكُمْ ﴾ : أى قدرناكم جميعاً من ذلك الأصل والكيان، ومنه صورناكم، ﴿ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ﴾ أي: وقد قلنا للملائكة ﴿ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ﴾ وذلك جائز في اللغة.
وقد يقول بعض أهل الكلام: إن النطفة هي إنسان بقوة، ثم تصير إنساناً بفعل.
ويقول بعضهم: هي كيان الإنسان، فجائز أن يكون إضافته إلى ذلك الطين كما هو كيان وأصل لنا.
وقوله: ﴿ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ قال الحسن: إبليس لم يكن من الملائكة، وذلك أن الله - عز وجل - وصف الملائكة جملة بالطاعة له والخضوع بقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ وغيره من الآيات ولم يكن من إبليس إلا كل سوء، وقال أيضاً: خلق الملائكة من نور وإبليس من نار على ما ذكر، والنار ليست من جوهر النور؛ دل أنه ليس من الملائكة.
وقال في قوله: ﴿ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : مثل هذا يجوز أن يقال: دخل هذه الدار أهل البصرة إلا رجلاً من أهل الكوفة، دل الاستثناء على أن دخل [هنالك] أهل الكوفة؛ فعلى ذلك يدل استثناء إبليس على أن [كان هناك] أمر بالسجود لآدم لغير الملائكة أيضاً، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك فائدة: أنه كان من الملائكة أو من غيره، إنما علينا أن نعرف أنه عدوٌ لنا، وقد ذكرنا هذا فيما سبق.
وقوله عز وجل: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ قيل: قوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ أي: ما منعك أن تسجد على ما ذكر في آية أخرى و [لا زائدة].
وقوله عز وجل: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ...
﴾ بم علم عدو الله أن المخلوق من النار خير من المخلوق بالطين إلا أن يقال بأن النار جعلت لمصالح الأغذية، فمن هنا وقع له ذلك أنها خير من الطين، فيقال: إن النار وإن جعلت لصلاح الأغذية؛ فالطين جعل لوجود الأغذية فالذي جعل لوجود الشيء هو أنفع وأكبر مما جعل لمصالحه، ولعل الأغذية تصلح للأكل بغيرها بالشمس وغيرها.
وبعد فإن الطين مما يقوم للنار ويطفئها ويتلفها، والنار لا تقوم للطين ولا تتلفه؛ فإذا كان كذلك فلا يجوز أن يقع من هذا الوجه أنها أفضل وأخير من الطين.
ثم اختلف في الجهة التي كفر عدو الله إبليس: قال بعضهم: إن إبليس عدو الله لم ير [لله على نفسه] طاعة بأمر السجود لآدم؛ لذلك كفر.
وقال آخرون: إنما كفر عدو الله لما لم ير الأمر بالخضوع والطاعة ممن فوقه لمن دونه حكمة؛ فكفر لما لم ير أنه وضع الأمر بالسجود موضعه، بل رآه لعنه الله واضعاً [أمراً في] غير موضعه.
وقال غيرهم: كفر عدو الله بالاستكبار والتكبر على آدم لا لمعنى آخر.
وقيل: أول من أخطأ في القياس وزلّ فيه إبليس لعنه الله.
وقوله عز وجل: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا ﴾ ، يعني من السماء؛ لأنه لعنه الله كان في السماء، فأمر بالهبوط منها؛ لما جعل السماء معدناً ومكاناً للخاضعين والمتواضعين، فأمر بالهبوط منها إلى مكان جعل ذلك المكان مكان الخاضعين والمتكبرين جميعاً وهي الأرض، والأرض معدن الفريقين جميعاً.
وقال بعضهم: الأمر بالهبوط منها أمر بالخروج من الأرض إلى جزائر البحور؛ لأن الأرض هي قرار أهلها وجزائر البحور ليست مكان قرار لأحد؛ ليكون فيها على الخوف أبداً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ والبحار مما [تميد] بأهلها.
وأمكن أن يكون الأمر بالهبوط منها أمراً بالخروج من الصورة التي كان فيها إلى صورة أخرى لا يعرف أبداً ولا يرى عقوبة له لتركه أمر الله وارتكابه نهيه ﴿ فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ في تلك الصورة أو في تلك الأرض؛ حتى لا يقر أبداً، ويكون على خوف أبداً.
ويحتمل في السماء؛ لما ذكرنا.
وقوله عز وجل: ﴿ فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ وجه صغاره: أنه ما من أحد ذكره إلا وقد لعنه، ودعا عليه باللعن، فذلك صغاره، وأمكن أن يكون صغاره؛ لما صيره بحال يغيب عن الأبصار، ولا يقع عليه البصر، أو لما طرده عن رحمة الله.
<div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى توبيخًا لإبليس: أي شيء منعك من امتثال أمري لك بالسجود لآدم؛ قال إبليس مجيبًا ربه: منعني أني أفضل منه، فقد خلقتني من نار، وخلقته هو من طين، والنار أشرف من الطين.
<div class="verse-tafsir" id="91.GZLNG"