الآية ١٣١ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٣١ من سورة الأعراف

فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَـٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَـٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣١ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

"فإذا جاءتهم الحسنة" أي : من الخصب والرزق ( قالوا لنا هذه ) أي : هذا لنا بما نستحقه : ، ( وإن تصبهم سيئة ) أي : جدب وقحط ( يطيروا بموسى ومن معه ) أي : هذا بسببهم وما جاءوا به .

( ألا إنما طائرهم عند الله ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ألا إنما طائرهم عند الله ) يقول : مصائبهم عند الله ، قال الله : ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) وقال ابن جريج ، عن ابن عباس قال : ( ألا إنما طائرهم عند الله ) قال : إلا من قبل الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ (131) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإذا جاءت آل فرعون العافية والخصب والرخاء وكثرة الثمار, ورأوا ما يحبون في دنياهم (1) =(قالوا لنا هذه)، نحن أولى بها =(وإن تصبهم سيئة)، يعني جدوب وقحوط وبلاء (2) =(يطيروا بموسى ومن معه)، يقول: يتشاءموا ويقولوا: ذهبت حظوظنا وأنصباؤنا من الرخاء والخصب والعافية, مذ جاءنا موسى عليه السلام .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14983 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (فإذا جاءتهم الحسنة)، العافية والرخاء =(قالوا لنا هذه)، نحن أحق بها =(وإن تصبهم سيئة)، بلاء وعقوبة =(يطيروا)، يتشاءموا بموسى.

14984 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه.

14985 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه)، قالوا: ما أصابنا هذا إلا بك يا موسى وبمن معك, ما رأينا شرًّا ولا أصابنا حتى رأيناك!

وقوله: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه)، قال: الحسنة ما يحبُّون.

وإذا كان ما يكرهون قالوا: ما أصابنا هذا إلا بشؤم هؤلاء الذين ظلموا!

قال قوم صالح: اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فقال الله إنما: طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ، [سورة النمل: 47].

(3) * * * القول في تأويل قوله : أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ألا ما طائر آل فرعون وغيرهم = وذلك أنصباؤهم من الرخاء والخصب وغير ذلك من أنصباء الخير والشر = " إلا عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون "، أن ذلك كذلك, فلجهلهم بذلك كانوا يطَّيّرون بموسى ومن معه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14986 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (ألا إنما طائرهم عند الله)، يقول: مصائبهم عند الله.

قال الله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون).

14987 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (ألا إنما طائرهم عند الله)، قال: الأمر من قبل الله.

-------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير (( الحسنة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .

(2) انظر تفسير (( السيئة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) .

(3) في المخطوطة والمطبوعة : (( إنما طائركم )) ، بزيادة (( إنما )) ، وهو خطأ ، تلك آية أخرى .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون[ ص: 238 ] فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى فإذا جاءتهم الحسنة أي الخصب والسعة .

قالوا لنا هذه أي أعطيناها باستحقاق .وإن تصبهم سيئة أي قحط ومرض وهي المسألة :الثانية : يطيروا بموسى أي يتشاءموا به .

نظيره وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك .

والأصل " يتطيروا " أدغمت التاء في الطاء .

وقرأ طلحة : ( تطيروا ) على أنه فعل ماض .

والأصل في هذا من الطيرة وزجر الطير ، ثم كثر استعمالهم حتى قيل لكل من تشاءم : تطير .

وكانت العرب تتيمن بالسانح : وهو الذي يأتي من ناحية اليمين .

وتتشاءم بالبارح : وهو الذي يأتي من ناحية الشمال .

وكانوا يتطيرون أيضا بصوت الغراب ; ويتأولونه البين .

وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور ، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك .

وهكذا الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة ، ويقولون إذا برحت : " من لي بالسانح بعد البارح " .

إلا أن أقوى ما عندهم كان يقع في جميع الطير ; فسموا الجميع تطيرا من هذا الوجه .

وتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب به إلى المعلم بالغداة ، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته ، ويتشاءمون برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة ، ويتيمنون برؤية فارغ السقاء مفتوحة قربته ; ويتشاءمون بالحمال المثقل بالحمل ، والدابة الموقرة ، ويتيمنون بالحمال الذي وضع حمله ، وبالدابة يحط عنها ثقلها .

فجاء الإسلام بالنهي عن التطير والتشاؤم بما يسمع من صوت طائر ما كان ، وعلى أي حال كان ; فقال عليه السلام : أقروا الطير على مكناتها .

وذلك أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكرها فنفرها ; فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته ، وهذا هو السانح عندهم .

وإن أخذت ذات الشمال رجع ، وهذا هو البارح عندهم .

فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا بقوله : أقروا الطير على مكناتها هكذا في الحديث .

وأهل العربية يقولون : " وكناتها " قال امرؤ القيس :وقد أغتدي والطير في وكناتهاوالوكنة : اسم لكل وكر وعش .

والوكن : موضع الطائر الذي يبيض فيه ويفرخ ، وهو [ ص: 239 ] الخرق في الحيطان والشجر .

ويقال : وكن الطائر يكن وكونا إذا حضن بيضه .

وكان أيضا من العرب من لا يرى التطير شيئا ، ويمدحون من كذب به .

قال المرقش :ولقد غدوت وكنت لا أغدو على واق وحاتمفإذا الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائموقال عكرمة : كنت عند ابن عباس فمر طائر يصيح ; فقال رجل من القوم : خير ، خير .

فقال ابن عباس : ما عند هذا لا خير ولا شر .قال علماؤنا : وأما أقوال الطير فلا تعلق لها بما يجعل دلالة عليه ، ولا لها علم بكائن فضلا عن مستقبل فتخبر به ، ولا في الناس من يعلم منطق الطير ; إلا ما كان الله تعالى خص به سليمان صلى الله عليه وسلم من ذلك ، فالتحق التطير بجملة الباطل .

والله أعلم .

وقال صلى الله عليه وسلم : ليس منا من تحلم أو تكهن أو رده عن سفره تطير .

وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطيرة شرك - ثلاثا - وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل .

وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك .

قيل : وما كفارة ذلك يا رسول الله ؟

قال : أن يقول أحدهم : اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي لحاجته .

وفي خبر آخر : إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت لا حول ولا قوة إلا بك .

ثم يذهب متوكلا على الله ; فإن الله يكفيه ما وجد في نفسه من ذلك ، وكفاه الله تعالى ما يهمه .

وقد تقدم في " المائدة " الفرق بين الفأل والطيرة .ألا إنما طائرهم عند الله وقرأ الحسن ( طيرهم ) جمع طائر .

أي ما قدر لهم وعليهم .ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله عز وجل بذنوبهم لا من عند موسى وقومه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أي: الخصب وإدرار الرزق قَالُوا لَنَا هَذِهِ أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا اللّه عليها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: قحط وجدب يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.

قال اللّه تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإذا جاءتهم الحسنة ) يعني : الخصب والسعة والعافية ، ( قالوا لنا هذه ) أي : نحن أهلها ومستحقوها على العادة التي جرت لنا في سعة أرزاقنا ولم يروها تفضلا من الله - عز وجل - فيشكروا عليها ، ( وإن تصبهم سيئة ) جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون ، ( يطيروا ) يتشاءموا ، ( بموسى ومن معه ) وقالوا : ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم ، فهذا من شؤم موسى وقومه .

قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر : كان ملك فرعون أربعمائة سنة ، وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها ، ولو كان له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ليلة ، أو وجع ساعة ، لما ادعى الربوبية قط .

قال الله تعالى ( ألا إنما طائرهم عند الله ) أي : انصباؤهم من الخصب والجدب والخير والشر كله من الله .

وقال ابن عباس : طائرهم ما قضى الله عليهم وقدر لهم .

وفي رواية عنه : شؤمهم عند الله ومن قبل الله .

أي : إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله .

وقيل : معناه الشؤم العظيم الذي لهم عند الله من عذاب النار ، ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أن الذي أصابهم من الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإذا جاءتهم الحسنة» الخصب والغنى «قالوا لنا هذه» أي نستحقها ولم يشكروا عليها «وإن تصبهم سيئة» جدب وبلاء «يَطَّيَّروا» يتشاءموا «بموسى ومن معه» من المؤمنين «ألا إنما طائرهم» شؤمهم «عند الله» يأتيهم به «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أنَّ ما يصيبهم من عنده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإذا جاء فرعونَ وقومَه الخِصْبُ والرزقُ قالوا: هذا لنا بما نستحقه، وإن يُصِبْهم جدب وقحط يتشاءموا، ويقولوا: هذا بسبب موسى ومَن معه.

ألا إنَّ ما يصيبهم من الجدب والقحط إنما هو بقضاء الله وقدره، وبسبب ذنوبهم وكفرهم، ولكن أكثر قوم فرعون لا يعلمون ذلك؛ لانغمارهم في الجهل والضلال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن آل فرعون لم يعتبروا بهذا الأخذ والامتحان ، وإنما ازدادوا تمردا وكفرا فقال : ( فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه ) .أى : فإذا جاءهم ما يستحسنونه من الخصب والسعة والرخاء ، قالوا بغرورن وصلف : ما جاء هذا الخير إلا من أجلنا لأننا أهل له ، ونحن مستحقوه وبكدنا واجتهادنا وامتيازنا على غيرنا ناسين فضل الله عليهم ، ولطفه بهم ، غافلين عن شكره على نعمائه .( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ) أى : وإن اتفق أن أصابتهم سيئة أى : حالة تسوءهم كجدب أو قحط أو مصيبة فى الأبدان أو الأرزاق ، تشاءموا بموسى ومن معه من أتباعه ، وقالوا : ما أصابنا ما أصابنا إلا بشؤمهم ونحسهم ، ولو لم يكونوا معنا لما أصبنا .وأصل ( يَطَّيَّرُواْ ) يتطيروا فأدغمت التاء فى الطاء لمقاربتها لها .

والتطير التشاؤم والأصل فى إطلاق التطير على التشاؤم : أن العرب كانت تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وهو ما طار إلى الجهة اليسرى ، وتتيامن بالسانح وهو ما طار إلى الجهة اليمنى .

ومنه سموا الشؤم طيرا وطائراً ، والتشاؤم تطيرا .

وقد يطلق الطائر على الحظ والنصيب خيراً كان أو شراً ، ولكنه غالب فى الشر .وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق - وهى إذا - لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات ، لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة وعموم النعمة قبل حصول الأعمال .

ونكر السيئة وذكرها بأداة الشك - وهى إن - لندورها وعدم تعلق الإرادة بإحداثها إلا بالتبع ، فإن النقمة بمقتضى تلك العناية إنما تستحق بسبب الأعمال السيئة .وقوله - تعالى - ( ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) استئناف مسوق للرد على خرافاتهم وأباطيلهم .

وصدر بلفظ " ألا " الذى يفيد التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمون هذا الخبر .أى : إنما سبب شؤمهم هو أعمالهم السيئة المكتوبة لهم عند الله ، فهى التى ساقت إليهم ما يسوءهم وليس لموسى ولا لمن معه أى تدخل فى ذلك .

ولكن أكثرهم يجهلون هذه الحقيقة ، فيقولون ما يقولون مما تمليه عليهم أهواؤهم وجهالاتهم .وفى إسناد عدم العلم إلى أكثرهم ، إشعار بأن قلة منهم تعلم ذلك ، ولكنها لا تعمل بمقتضى علمها .هذا ، وقد أفادت الآية الكريمة أن القوم لم يتأثروا لا بالرخاء ولا بالشدائد .

الرخاء العظيم ، والخصب الواسع زادهم غروراً وبطراً ، والشدائد والمحن جعلتهم ينسبون أسبابها إلى غيرهم دون أن يتوبوا إلى الله من ذنوبهم .

مع أن الشدائد - كما يقول صاحب الكشاف - تجعل الناس " أضرع خدوداً وألين أعطافا ، وأرق أفئدة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ  ﴾ لا جرم بدأ هاهنا بذكر ما أنزله بفرعون وبقومه من المحن حالاً بعد حال، إلى أن وصل الأمر إلى الهلاك تنبيهاً للمكلفين على الزجر عن الكفر والتمسك بتكذيب الرسل، خوفاً من نزول هذه المحن بهم.

فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: السنين جميع السنة قال أبو علي الفارسي: السنة على معنيين: أحدهما: يراد بها الحول والعام والآخر يراد بها الجدب وهو خلاف الخصب فمما أريد به الجدب هذه الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعلها عليهم سنيناً كسنين يوسف» وقول عمر رضي الله عنه: إنا لا نقع في عام السنة، فلما كانت السنة يعني بها الجدب، اشتقوا منها كما يشتق من الجدب.

ويقال: أسنتوا، كما يقال أجدبوا.

قال الشاعر: ورجال مكة مسنتون عجاف *** قال أبو زيد: بعض العرب تقول، هذه سنين ورأيت سنيناً، فتعرب النون.

ونحوه قال الفراء، ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا وشيبننا مردا قال الزجاج: السنين في كلام العرب الجدوب، يقال مستهم السنة ومعناه: جدب السنة.

وشدة السنة.

إذا عرفت هذا فنقول: قال المفسرون: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين ﴾ يريد الجوع والقحط عاماً بعد عام، فالسنون لأهل البوادي ﴿ وَنَقْصٍ مّن الثمرات ﴾ لأهل القرى.

ثم قال تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ظاهر الآية أنه تعالى إنما أنزل عليهم هذه المضار لأجل أن يرجعوا عن طريقة التمرد والعناد إلى الانقياد والعبودية، وذلك لأن أحوال الشدة ترقق القلب وترغب فيما عند الله، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ  ﴾ .

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية تدل على أنه تعالى فعل ذلك إرادة منه أن يتذكروا، لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.

أجاب الواحدي عنه: بأنه قد جاء لفظ الابتلاء والاختبار في القرآن، لا بمعنى أنه تعالى يمتحنهم، لأن ذلك على الله تعالى محال، بل بمعنى أنه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء والامتحان، فكذا هاهنا والله أعلم.

ثم بين تعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم فقال: ﴿ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه ﴾ قال ابن عباس: يريد بالحسنة العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية والسلامة ﴿ قَالُواْ لَنَا هذه ﴾ أي نحن مستحقون على العادة التي جرت من كثرة نعمنا وسعة أرزاقنا، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ويقوموا بحق النعمة فيه.

وقوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ يريد القحط والجدب والمرض والضر والبلاء ﴿ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ﴾ أي يتشاءموا به.

ويقولوا إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين وقوله: ﴿ يَطَّيَّرُواْ ﴾ هو في الأصل يتطيروا، أدغمت التاء في الطاء، لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا وقوله: ﴿ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ في الطائر قولان: القول الأول: قال ابن عباس: يريد شؤمهم عند الله تعالى أي من قبل الله أي إنما جاءهم الشر بقضاء الله وحكمه، فالطائر هاهنا الشؤم.

ومثله قوله تعالى في قصة ثمود: ﴿ قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله ﴾ قال الفراء: وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا، قال الأزهري: وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطير ببارحها، ونعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسموا الشؤم طيراً وطائراً وطيرة لتشاؤمهم بها.

ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طيرتهم باطلة، فقال: ﴿ لا طيرة ولا هام ﴾ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل، ولا يتطير.

وأصل الفأل الكلمة الحسنة، وكانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الفأل وأبطل الطيرة قال محمد الرازي رحمه الله: ولا بد من ذكر فرق بين البابين.

والأقرب أن يقال: إن الأرواح الإنسانية أصفى وأقوى من الأرواح البهيمية والطيرية.

فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها بخلاف طيران الطير، وحركات البهائم، فإن أرواحها ضعيفة، فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال.

القول الثاني: في تفسير الطائر قال أبو عبيدة: ﴿ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ أي حظهم.

وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنما طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم والعرب تقول: أطرت المال وطيرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه.

أي حصل له ذلك السهم.

واعلم أن على كلا القولين، المعنى: أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أن الكل من الله تعالى، وذلك لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ويقطونها عن قضاء الله تعالى وتقديره، والحق أن الكل من الله، لأن كل موجود، فهو إما واجب الوجود لذاته أو ممكن لذاته، والواجب واحد وما سواه ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذته، وبهذا الطريق يكون الكل من الله فإسنادها إلى غير الله يكون جهلاً بكمال الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة ﴾ من الخصب والرخاء ﴿ قَالُواْ لَنَا هذه ﴾ أي هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها ولم نزل في النعمة والرفاهية، واللام مثلها في قولك.

الجل للفرس ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ من ضيقة وجدب ﴿ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ﴾ يتطيروا بهم ويتشاءموا ويقولوا: هذه بشؤمهم، ولولا مكانهم لما أصابتنا، كما قالت الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه من عندك.

فإن قلت: كيف قيل فإذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة، وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة؟

قلت: لأنّ جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه.

وأمّا السيئة فلا تقع إلاّ في الندرة، ولا يقع إلاّ شيء منها.

ومنه قول بعضهم: قد عددت أيام البلاء، فهل عددت أيام الرخاء ﴿ طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ أي سبب خيرهم وشرهم عند الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسيئة، وليس شؤم أحد ولا يمنه بسبب فيه، كقوله تعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ [النساء: 78] ويجوز أن يكون معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله، ويعاقبون له بعد موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ [غافر: 46] الآية.

ولا طائر أشأم من هذا.

وقرأ الحسن: ﴿ إنما طيركم عند الله ﴾ ، وهو اسم لجمع طائر غير تكسير، ونظيره: التجر، والركب.

وعند أبي الحسن: هو تكسير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ﴾ بِالجُدُوبِ لِقِلَّةِ الأمْطارِ والمِياهِ، والسَّنَةُ غَلَبَتْ عَلى عامِ القَحْطِ لِكَثْرَةِ ما يُذْكَرُ عَنْهُ ويُؤَرَّخُ بِهِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنها فَقِيلَ أسِنَتِ القَوْمُ إذا قُحِطُوا.

﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ بِكَثْرَةِ العاهاتِ.

﴿ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ لِكَيْ يَتَنَبَّهُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ بِشُؤْمِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ فَيَتَّعِظُوا، أوْ تَرِقَّ قُلُوبُهم بِالشَّدائِدِ فَيَفْزَعُوا إلى اللَّهِ ويَرْغَبُوا فِيما عِنْدَهُ.

﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ ﴾ مِنَ الخِصْبِ والسِّعَةِ.

﴿ قالُوا لَنا هَذِهِ ﴾ لِأجْلِنا ونَحْنُ مُسْتَحِقُّوها.

﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ جَدْبٌ وبَلاءٌ.

﴿ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴾ يَتَشاءَمُوا بِهِمْ ويَقُولُوا: ما أصابَتْنا إلّا بِشُؤْمِهِمْ، وهَذا إغْراقٌ في وصْفِهِمْ بِالغَباوَةِ والقَساوَةِ، فَإنَّ الشَّدائِدَ تُرَقِّقُ القُلُوبَ وتُذَلِّلُ العَرائِكَ وتُزِيلُ التَّماسُكَ سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ، وهم لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ بَلْ زادُوا عِنْدَها عُتُوًّا وانْهِماكًا في الغَيِّ، وإنَّما عَرَّفَ الحَسَنَةَ وذَكَّرَها مَعَ أداةِ التَّحْقِيقِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِها، وتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِإحْداثِها بِالذّاتِ، ونَكَّرَ السَّيِّئَةَ وأتى بِها مَعَ حَرْفِ الشَّكِّ لِنُدُورِها وعَدَمِ القَصْدِ لَها إلّا بِالتَّبَعِ.

﴿ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ عِنْدَهُ وهو حُكْمُهُ ومَشِيئَتُهُ، أوْ سَبَبُ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وهو أعْمالُهُمُ المَكْتُوبَةُ عِنْدَهُ، فَإنَّها الَّتِي ساقَتْ إلَيْهِمْ ما يَسُوؤُهم.

وقُرِئَ « إنَّما طَيْرُهم» وهو اسْمُ الجَمْعِ وقِيلَ هو جَمْعٌ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ما يُصِيبُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن شُؤْمِ أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة} الصحة والخصب {قَالُواْ لَنَا هذه} أي هذه التي نستحقها {وَإِن تُصِبْهُمْ سيئة} جدب ومرض {يطيروا} أصله يتطيروا فأدعمت التاء في الطاء لأنها من طرف اللسان وأصول الثنايا {بموسى وَمَن مَّعَهُ} تشاءموا بهم وقالوا هذه بشؤمهم ولولا مكانهم لما أصابتنا وغنما دخل إذا فى الحسة وعرفت الحسنة وإن في السيئة ونكرت السيئة لأن جنس الحسنة وقوع كالكائن لكثرته وأما السيئة فلا تقع إلا فى الندرة ولا يقع الاشئ منها {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ} سبب خيرهم وشرهم {عَندَ الله} في حكمه ومشيئته والله هو الذى يقدر ما يصيبهم ن الحسنة والسيئة قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ ﴾ إلَخْ.

بَيانٌ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ، والمُرادُ بِالحَسَنَةِ كَما يُفْهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ الخِصْبُ والرَّخاءُ، وفَسَّرَها مُجاهِدٌ بِالرَّخاءِ والعافِيَةِ وبَعْضُهم بِأعَمَّ مِن ذَلِكَ.

أيْ: إذا جاءَهم ما يَسْتَحْسِنُونَهُ ﴿ قالُوا لَنا هَذِهِ ﴾ أيْ: إنّا مُسْتَحِقُّوها بِيُمْنِ الذّاتِ، ﴿ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ أيْ: ضَيِّقَةٌ وجَدْبٌ أوْ جَدْبٌ ومُرْضٌ أوْ عُقُوبَةٌ وبَلاءٌ ﴿ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴾ ، أيْ: يَتَشاءَمُوا بِهِمْ ويَقُولُوا: ما أصابَنا ذَلِكَ إلّا بِشُؤْمِهِمْ، وأصْلُ إطْلاقِ التَّطَيُّرِ عَلى التَّشاؤُمِ عَلى ما قالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ تَزْجُرُ الطَّيْرَ فَتَتَشاءَمُ بِالبارِحِ وتَتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ.

وفي المَثَلِ: مَن لِي بِالسّانِحِ بَعْدَ البارِحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَألَ يُونُسُ رُؤْبَةَ -وأنا شاهِدٌ- عَنِ السّانِحِ والبارِحِ فَقالَ: السّانِحُ ما ولّاكَ مَيامِنَهُ، والبارِحُ ما ولّاكَ مَياسِرَهُ، وقِيلَ: البارِحُ ما يَأْتِي مِن جِهَةِ الشِّمالِ والسّانِحُ ما يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ وأنْشَدُوا: زَجَرْتُ لَها طَيْرَ الشِّمالِ فَإنْ يَكُنْ هَواكَ الَّذِي تَهْوى يُصِبْكَ اجْتِنابُها ثُمَّ إنَّهم سَمَّوُا الشُّؤْمَ طَيْرًا وطائِرًا والتَّشاؤُمَ تَطَيُّرًا، وقَدْ يُطْلِقُونَ الطّائِرَ عَلى الحَظِّ والنَّصِيبِ خَيْرًا أوْ شَرًّا حَتّى قِيلَ: إنَّ أصْلَ التَّطَيُّرِ تَفْرِيقُ المالِ وتَطْيِيرُهُ بَيْنَ القَوْمِ، فَيَطِيرُ لِكُلِّ أحَدٍ نَصِيبُهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ثُمَّ غَلَبَ في الشَّرِّ.

وفي الآيَةِ إغْراقٌ في وصْفِهِمْ بِالغَباوَةِ والقَساوَةِ، فَإنَّ الشَّدائِدَ تُرَقِّقُ القُلُوبَ وتُذَلِّلُ العَرائِكَ وتُزِيلُ التَّماسُكَ لا سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ، وقَدْ كانُوا بِحَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنها بَلِ ازْدادُوا عُتُوًّا وعِنادًا، وتَعْرِيفُ الحَسَنَةِ وذِكْرُها بِأداةِ التَّحْقِيقِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِكَثْرَةِ وُقُوعِها وتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِأحْداثِها بِالذّاتِ؛ لِأنَّ العِنايَةَ الإلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ سَبْقَ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ النِّعْمَةِ قَبْلَ حُصُولِ الأعْمالِ، وتَنْكِيرُ السَّيِّئَةِ وذِكْرُها بِأداةِ الشَّكِّ لِنُدُورِها وعَدَمِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِأحْداثِها إلّا بِالتَّبَعِ؛ فَإنَّ النِّقْمَةَ بِمُقْتَضى تِلْكَ العِنايَةِ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالأعْمالِ.

والزَّمَخْشَرِيُّ بَيَّنَ الحَسَنَةَ بِالخِصْبِ والرَّخاءِ، ثُمَّ قالَ في تَعْلِيلِ ما ذُكِرَ: لِأنَّ جِنْسَ الحَسَنَةِ وُقُوعُهُ كالواجِبِ لِكَثْرَتِهِ واتِّساعِهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَلا تَقَعُ إلّا في النُّدْرَةِ، ولا يَقَعُ إلّا شَيْءٌ مِنها.

وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ التَّقْرِيرِيِّ بِدَلِيلِ أنَّهُ ذُكِرَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ الجِنْسَ إلَخْ أيْ: جِنْسُ الخِصْبِ والرَّخاءِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ.

أيْ أنَّهُ لِكَثْرَةِ الوُقُوعِ كَأنَّ الجِنْسَ كُلَّهُ واجِبُ الوُقُوعِ، ولِهَذا لا يَزالُ يَتَكاثَرُ حَتّى يَسْتَغْرِقَ الجِنْسَ.

وقَوْلُهُ: وأمّا السَّيِّئَةُ إلَخْ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى إرادَةِ هَذا المَعْنى فَلا تَخالُفَ بَيْنَ كَلامَيْهِ، ولَمْ يُرِدْ بِالجِنْسِ العَهْدَ الذِّهْنِيَّ وهَذا مُرادُ صاحِبِ المِفْتاحِ وبِهِ يَنْدَفِعُ ما تَوَهَّمَهُ صاحِبُ الإيضاحِ.

انْتَهى.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَيْخِهِ الطِّيبِيِّ حَيْثُ حَمَلَ الجِنْسَ عَلى العَهْدِ الذِّهْنِيِّ وقالَ ما قالَ، والبَحْثُ طَوِيلُ الذَّيْلِ فَلْيُطْلَبْ مِن شُرُوحِ المِفْتاحِ وشَرْحِ التَّلْخِيصِ لِلْعَلّامَةِ الثّانِي وحَواشِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى لِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ في ذَلِكَ، وتَصْدِيرُهُ بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ أيْ: لَيْسَ شُؤْمُهم إلّا عِنْدَ اللَّهِ أيْ: مِن قِبَلِهِ وحُكْمِهِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَيْسَ الشُّؤْمُ الَّذِي يَلْحَقُهم إلّا الَّذِي وُعِدُوا بِهِ مِنَ العِقابِ عِنْدَهُ لا ما يَنالُهم في الدُّنْيا، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: ألا إنَّ ما تَشاءَمُوا مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ حَتّى يُجازِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الطّائِرَ هُنا بِالحَظِّ أيْ: إنَّما حَظُّهم وما طارَ إلَيْهِمْ مِنَ القَضاءِ والقَدَرِ بِسَبَبِ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (إنَّما طَيْرُهُمْ) وهو اسْمُ جَمْعِ طائِرٍ عَلى الصَّحِيحِ؛ لِأنَّهُ عَلى أوْزانِ المُفْرَداتِ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لَهُ، ورُوِيَ عَنْ قُطْرُبٍ أنَّ الطَّيْرَ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا وكَذا الطّائِرُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَأنَّهُ تَهْتانُ يَوْمٍ ماطِرٍ ∗∗∗ عَلى رُؤُوسٍ كَرُؤُوسِ الطّائِرِ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، وإسْنادُ عَدَمِ العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُ ولَكِنْ لا يَعْمَلُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ يعني: سلوا الله التوفيق وَاصْبِرُوا يعني: اصبروا على أذاهم حتى يأتيكم الفرج إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: أرض مصر ينزلها من يشاء من عباده ويقال الجنة قرأ عاصم في رواية حفص بالتشديد.

وقرأ الباقون بالتخفيف.

وهما لغتان ورّث وأوْرَث بمعنى واحد.

ثم قال: وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أي الذين يعملون في طاعة الله تعالى على نور من الله مخافة عقاب الله ورجاء ثواب الله تعالى، أي آخر الأمر لهم.

وروي في الخبر أن مسيلمة الكذاب كتب إلى النبيّ  كتاباً من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله  أما بعد.

فإن الأرض بيني وبينكم نصفان إلا أن العرب قوم يظلمون الناس فكتب إليه رسول الله  : «مِنْ مُحَمَّد رَسُولِ الله إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ.

أمَّا بَعْدُ فَإنَّ الأرْضَ لله يورثها من يشاء من عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» .

قوله تعالى: قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا يعني: إن قوم موسى قالوا لموسى: إنهم قد عذبوا قبل أن تأتينا بالرسالة وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا لأن قوم فرعون كانوا يكلفون بني إسرائيل من العمل ما لا يطيقون، وكان آل فرعون لا يعرفون شيئاً من الأعمال، وكان بنو إسرائيل حذاقاً في الأشياء والأعمال، فكانوا يأمرونهم بالعمل ولا يعطونهم الأجر.

ف قالَ لهم موسى عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ يعني: فرعون وقومه وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي: يجعلكم سكاناً في أرض مصر من بعد هلاكهم يعني: من بعد هلاك فرعون وقومه فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يعني: يبتليكم بالنعمة كما ابتلاكم بالشدة، فيظهر عملكم في حال اليسر والشدة، لأنه قد وعد لهم بقوله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: 5] .

ويقال: فينظر كيف تعملون من بعده يعني: من بعد انطلاق موسى إلى الجبل فعبدوا العجل.

قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي: بالجوع والقحط وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي يتعظون ويؤمنون فلم يتعظوا.

قال الله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ يعني: الخير والخصب والرخاء قالُوا لَنا هذِهِ يعني: نحن أهل لهذه الحسنة وأحق بها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني: القحط والبلاء والشدة يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ وأصله يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء.

كقوله: يَذَّكَّرُونَ أي يتشاءمون بموسى ومن معه على دينه.

قال الله تعالى: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يعني: إن الذي أصابهم من عند الله وبفعلهم.

ويقال: إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا ما ينالهم في الدنيا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أنه من الله تعالى ولا يعلمون ما عليهم في الآخرة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ ...

الآية: مقالةٌ تتضمَّن إِغراء فرعون وتحريضَهُ، وقولُهم: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ، رُويَ أن فرعون كان في زمنه للناس آلهةٌ مِنْ بقرٍ، وأصنامٍ، وغير ذلك، وكان فرعونُ قَدْ شَرَع ذلك، وَجَعل نَفْسَه الإله الأَعلَى فقوله على هذا أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] إنما يريدُ: بالنَّسْبة إِلى تلك المعبودات.

وقيل: إِن فرعون كان يعبد حَجَراً يعلِّقه في صَدْره.

كأنه/ ياقوتَةٌ أو نحوها، وعن الحسنِ نحوه، وقوله: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، المعنى: سنستمرُّ عَلى ما كنا عليه مِنْ تعذيبهم، وقوله: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ، يريد: في المنزلة، والتمكّن من الدنيا، وقاهِرُونَ: يقتضي تحقير أمرهم، أي: هم أقلُّ من أن يُهتمَّ بهم.

قلت: وهذا من عَدُوِّ الله تجلُّدٌ، وإِلاَّ فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ [الشعراء: ٥٤، ٥٥، ٥٦] .

وقوله سبحانه: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ...

الآية: لما قال فرعونُ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، وتوعدهم، قال موسى لبني إسرائيل، يثبتهم، ويعدهم عن اللَّه تعالى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، والأرض هنا: أرضُ الدنيا، وهو الأظهرُ.

وقيل: المراد هنا أرضُ الجَنَّة، وأما في الثانية، فأرض الدنيا لا غير، والصَّبْرُ في هذه الآية: يعمُّ الانتظارَ الذي هو عبادةٌ، والصَّبْرَ في المناجزاتِ، والبأْسَ، وقولهم: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا، يعنون به الذَّبْحَ الذي كان في المُدَّة التي كانَ فِرْعَون يتخوَّف فيها أنْ يولَدَ المولودُ الذي يُخَرِّبُ ملكه، وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا، يعنون به وعيدَ فِرْعَونَ، وسائِرَ ما كان خلالَ تلك المدَّة، من الإخافة لهم.

وقال ابنُ عباس «١» والسدّيُّ «٢» : إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة، حين اتّبعهم

فرعون، واضْطَرَّهم إِلى البحر.

قال ع «١» : وبالجملة فهو كلامٌ يجري مع المعهودِ مِنْ بني إِسرائيل مِن اضطرابهم على أنبيائهم، وقلَّةِ يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ، ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض، يدُلَّ على أنه يستدعي نفوساً نافرةً ويقوِّي هذا الظنَّ في جهة بني إِسرائيل سلوكُهم هذا السبيلَ في غَيْر مَا قصَّةٍ، وقوله:

فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ تنبيهٌ وحضٌّ على الاستقامة، ولقد استخلفوا في مِصْرَ في زمن دَاوُدَ وسليمانَ، وقد فتحوا بَيْتَ المَقْدِسِ مع يُوشَعَ.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، أي: بالجُدُوب والقُحُوطِ، وهذه سِيرَةُ اللَّه في الأممِ، وقوله: وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ، أي: حتى رُوِيَ أن النخلة مِنْ نخلهم لا تَحْمَلُ إِلا ثمرةً واحدةً، وقال نحوه رجاءُ بْنُ حَيْوَة «٢» وفعل اللَّه تعالى بهم هذا لينيبوا ويَزْدَجِرُوا عَمَّا هم عليه من الكُفْرِ إِذ أحوالُ الشدَّة ترقُّ معها القلوبُ، وترغبُ فيما عند اللَّه سبحانه.

وقوله عزَّ وجلَّ: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ...

الآية: كان القَصْدُ في إِصابتهم بِالقَحْط والنقْصِ في الثمراتِ أن ينيبوا ويرجعوا، فإذا هم قد ضَلُّوا، وجعلوها تشاؤماً بموسى، فكانوا إِذَا اتفق لهم اتفاق حسنٌ في غَلاَّت ونحوها، قالوا: هذه لنا، وبسببنا، وإذا نالهم ضُرٌّ، قالوا: هذا بسبب موسى وشُؤْمِهِ قاله مجاهد «٣» وغيره، وقرأ الجمهور «٤» «يَطَّيَّرُوا» - بالياء وشدِّ الطاء والياءِ الأخيرة-، وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ «٥» وغيره: «تَطِيرُوا» - بالتاء وتخفيف الطاء-، وقرأ «٦» مجاهدٌ: «تَشَاءَمُوا بمُوسَى» - بالتاء من فوق- وبلفظ الشؤم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ ﴾ وهي الغَيْثُ والخِصْبُ وسَعَةُ الرِّزْقِ والسَّلامَةِ (قالُوا لَنا هَذِهِ) أيْ: نَحْنُ مُسْتَحِقُّوها عَلى ما جَرى لَنا مِنَ العادَةِ في سَعَةِ الرِّزْقِ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَيَشْكُرُوا عَلَيْهِ.

﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ وهي القَحْطُ والجَدْبُ والبَلاءُ ﴿ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴾ أيْ: يَتَشاءَمُوا بِهِمْ.

وكانَتِ العَرَبُ تَزْجُرُ الطَّيْرَ، فَتَتَشاءَمُ بِالبارِحِ، وهو الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَةِ الشَّمالِ، وتَتَبَرَّكُ بِالسّانِحِ، وهو الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "ألّا" تَنْبِيهٌ وتَوْكِيدٌ ومَجازٌ.

"طائِرُهُمْ" حَظُّهم ونَصِيبُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ "ألّا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ" أيْ: إنَّ الَّذِي أصابَهم مِنَ اللَّهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ألا إنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي يَلْحَقُهم هو الَّذِي وعَدُوا بِهِ في الآَخِرَةِ، لا ما يَنالُهم في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَفادِعَ والدَمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ كانَ القَصْدُ في إصابَتِهِمْ بِالقَحْطِ والنَقْصِ في الثَمَراتِ أنْ يُنِيبُوا ويَرْجِعُوا فَإذا بِهِمْ قَدْ ضَلُّوا وجَعَلُوها تَشاؤُمًا بِمُوسى، فَكانُوا إذا اتَّفَقَ لَهُمُ اتِّفاقٌ حَسَنٌ في غَلّاتٍ ونَحْوِها قالُوا: هَذا لَنا وبِسَبَبِنا وعَلى الحَقِيقَةِ لَنا، وإذا نالَهم ضُرٌّ قالُوا: هَذا بِسَبَبِ مُوسى وشُؤْمِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالياءِ وشَدِّ الطاءِ والياءِ الأخِيرَةِ "يَطَّيَّرُوا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ: "تَطَيَّرُوا"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "تَشاءَمُوا بِمُوسى" بِالتاءِ مِن فَوْقُ وبِلَفْظِ الشُؤْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّما طائِرُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: حَظُّهم ونَصِيبُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَيْرِ، فَسُمِّيَ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَقِدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطائِرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "طائِرُهُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "طَيْرُهُمْ".

وقالَ تَعالى: "أكْثَرَهُمْ" وجَمِيعُهم لا يَعْلَمُ إمّا لِأنَّ القَلِيلَ عَلِمَ كالرَجُلِ المُؤْمِنِ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنْ يُرادَ الجَمِيعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ لِأجْلِ الإمْكانِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "طائِرُهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يَعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ، وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللهُ.

و"مَهْما" أصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ "ما ما" فَبُدِّلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي "مَهْ ما" خُلِطَتا، وهي حَرْفٌ واحِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها: "مَهْ وما" جَزاءٌ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ طُغْيانَهم وعُتُوَّهم وقَطْعَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ البَحْتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الأخْفَشُ: الطُوفانُ: جَمْعُ طُوفانَةٍ، وهَذِهِ عُقُوباتٌ وأنْواعٌ مِنَ العَذابِ بَعَثَها اللهُ عَلَيْهِمْ لِيَزْدَجِرُوا ويُنِيبُوا، والطُوفانُ: مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: طافَ يَطُوفُ فَهو عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ كَثُرَ في الماءِ والمَطَرِ الشَدِيدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: غَيَّرَ الجَدَّةَ مِن آياتِها ∗∗∗ خُرُقُ الرِيحِ وطُوفانُ المَطَرِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَجْمِ: قَدْ مَدَّ طُوفانٌ فَبَثَّ مَدَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: إنَّ الطُوفانَ في هَذِهِ الآيَةِ المَطَرُ الشَدِيدُ أصابَهم وتَوالى عَلَيْهِمْ حَتّى هَدَمَ بُيُوتَهم وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِيلِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ في كَيْفِيَّتِهِ قَصَصٌ كَثِيرٌ.

وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها «عَنِ النَبِيِّ  : "إنَّ الطُوفانَ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَوْتُ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هو مَصْدَرٌ مُعَمًّى، عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِمْ.

والجَرادُ مَعْرُوفٌ، قالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ جَرادَةٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَإنْ أرَدْتَ الفَصْلَ قُلْتَ: رَأيْتُ جَرادَةً ذِكْرًا، ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا والى عَلَيْهِمُ المَطَرَ غَرِقَتْ أرْضُهم ومُنِعُوا،الزِراعَةَ قالُوا: يا مُوسى ادْعُ في كَشْفِ هَذا عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا، فَدَفَعَهُ اللهُ عنهم فَأنْبَتَتِ الأرْضُ إنْباتًا حَسَنًا، فَطَغَوْا وقالُوا: ما نَوَدُّ أنّا لَمْ نُمْطَرْ، وما هَذا إلّا إحْسانٌ مِنَ اللهِ إلَيْنا، فَبَعَثَ اللهُ حِينَئِذٍ الجَرادَ، فَأكَلَ جَمِيعَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ أكَلَ أبْوابَهم وأكَلَ الحَدِيدَ والمَسامِيرَ، وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ غايَةَ التَضْيِيقِ، وتَرَكَ اللهُ مِن نَباتِهِمْ ما يَقُومُ بِهِ الرَمَقُ، فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ في كَشْفِ الجَرادِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ، ورَأوا أنَّ ما أقامَ رَمَقَهم قَدْ كَفاهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ وهي الدَبى صِغارُ الجَرادِ الَّذِي يَثِبُ ولا يَطِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وقِيلَ: هو الحَمْنانُ وهو صِغارُ القِرْدانِ.

وقِيلَ: هو البَراغِيثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُمَّلُ: السُوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الحِنْطَةِ، وقِيلَ: القُمَّلُ: حَيَوانٌ صَغِيرٌ جِدًّا أسْوَدُ، وإنَّهُ بِأرْضِ مِصْرَ حَتّى الآنَ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: القُمَّلُ: الجُعْلانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "القَمْلَ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، فَهي -عَلى هَذا- بَيِّنَةٌ، إذْ هو القَمْلُ المَعْرُوفُ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى مَشى بِعَصاهُ إلى كَثِيبٍ أُهِيلَ، فَضَرَبَهُ فانْتَشَرَ كُلُّهُ قَمْلًا في مِصْرَ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا فَدَعا، ورَجَعُوا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ.

وبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمُ الضَفادِعَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في فُرُشِهِمْ وبَيْنَ ثِيابِهِمْ، وإذا هَمَّ الرَجُلُ أنْ يَتَكَلَّمَ وثَبَ الضِفْدَعُ في فَمِهِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَجُلُ يَجْلِسُ إلى ذَقْنِهِ في الضَفادِعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الضَفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أُرْسِلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ، فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ أنْفُسَها في القُدُورِ وهي تَغْلِي فَأثابَها اللهُ بِحُسْنِ طاعَتِها بِرَدِّ الماءِ.

فَقالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ الدَمَ فَرَجَعَ ماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَسْقُونَهُ ويَحْصُلُ عِنْدَهم دَمًا، فَرُوِيَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَسْتَقِي مِنَ البِئْرِ فَإذا ارْتَفَعَ إلَيْهِ الدَلْوُ عادَ دَمًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ بِإناءٍ واحِدٍ فَإذا خَرَجَ الماءُ كانَ الَّذِي يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا والَّذِي يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، إلى نَحْوِ هَذا وشِبْهِهِ مِنَ العَذابِ بِالدَمِ المُنْقَلِبِ عَنِ الماءِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُتَأوِّلِينَ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُعافَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "والدَمَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ﴾ التَفْصِيلُ أصْلُهُ في الأجْرامِ إزالَةُ الِاتِّصالِ، فَهو تَفْرِيقُ شَيْئَيْنِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي فَيُرادُ أنَّهُ فُرِّقَ بَيْنَها وأُزِيلَ اشْتِراكُها وإشْكالُها، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ بَيانُها وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "مُفَصَّلاتٍ" يُرادُ بِهِ مُفَرَّقاتُ بِالزَمَنِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ العَذابُ يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُدَّةً قِيلَ: شَهْرٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَرِدُ الآخَرُ، فالمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَجِئْ جُمْلَةً ولا مُتَّصِلَةً، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِكْبارِ عَنِ الآياتِ والإيمانِ، وبِأنَّهم كانَ لَهُمُ اجْتِرامٌ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَلى عِبادِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا انتقال إلى ذكر المصائب التي أصاب الله بها فرعون وقومه، وجعلها آيات لموسى، ليلجئ فرعون إلى الإذن لبني إسرائيل بالخروج، وقد وقعت تلك الآيات بعد المعجزة الكبرى التي أظهرها الله لموسى في مجمع السحرة، ويظهر أن فرعون أغضى عن تحقيق وعيده إبقاء على بني إسرائيل، لأنهم كانوا يقومون بالأشغال العظيمة لفرعون.

ويُؤخذ من التوراة أن موسى بقي في قومه مدة يعيد محاولة فرعون أن يطلق بني إسرائيل، وفرعون يَعد ويُخلف، ولم تضبط التوراة مدة مقام موسى كذلك، وظاهرها أن المدة لم تطُل، وليس قوله تعالى: ﴿ بالسنين ﴾ دليلاً على أنها طالت أعواماً لأن السنين هنا جمع سنة بمعنى الجدْب لا بمعنى الزمن المقدر من الدهر.

فالسنة في كلام العرب إذا عرفت باللام يراد بها سنة الجدب، والقحط، وهي حينئذٍ علم جنس بالغلبة، ومن ثَم اشتقوا منها: أسْنَت القومُ، إذا أصابهم الجدب والقحط، فالسنين في الآية مراد بها القحوط وجمعها باعتبار كثرة مواقعها أي: أصابهم القحط في جميع الأرضين والبلدان، فالمعنى: ولقد أخذناهم بالقحوط العامة في كل أرض.

والأخْذُ: هنا مجاز في القهر والغلبة، كقوله: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ [البقرة: 255].

ويصح أن يكون هنا مجازاً في الإصابة بالشدائد، لأن حقيقة الأخذ: تناول الشيء باليد، وتعددت إطلاقاته، فأطلق كناية عن الملك.

وأطلق استعارة للقهر والغلبة، وللإهلاك.

وقد تقدمت معانيه متفرقة في السور الماضية.

وجملة ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ في موضع التعليل لجملة ﴿ ولقد أخذنا ﴾ فلذلك فصلت.

ونقص الثمرات قلة إنتاجها قلة غير معتادة لهم.

فتنوين ﴿ نقص ﴾ للتكثير ولذلك نكر (نقص) ولم يضف إلى (الثمرات) لئلا تفوت الدلالة على الكثرة.

فالسنون تنتاب المزارع والحقول، ونقص الثمرات ينتاب الجنات.

و (لعل) للرجاء، أي مرجوا تذكرهم، لأن المصائب والأضرار المقارنة لتذكير موسى إياهم بربهم، وتسريح عبيده، من شأنها أن يكون أصحابها مرجواً منهم أن يتذكروا بأن ذلك عقاب على إعراضهم وعلى عدم تذكرهم، لأن الله نصب العلامات للاهتداء إلى الخفيات كما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبيء ﴾ في هذه السورة (94)، فشأن أهل الألباب أن يتذكروا، فإذا لم يتذكروا، فقد خيبوا ظن من يظن بهم ذلك مثل موسى وهارون، أما الله تعالى فهو يعلم أنهم لا يتذكرون ولكنه أراد الإملاء لهم، وقطع عذرهم، وذلك لا ينافي ما يدل عليه (لعل) من الرجاء لأن دلالتها على الراجي والمرجو منه دلالة عرفية، وقد تقدم الكلام على وقوع (لعل) في كلام الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾ في سورة البقرة (21).

وفي هذه الآية تنبيه للأمة للنظر فيما يحيط بها من دلائل غضب الله فإن سلب النعمة للمنعم عليهم تنبيه لهم على استحقاقهم إعراض الله تعالى عنهم.

والفاء في قوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ لتفريع هذا الخبر على جملة ﴿ أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي: فكان حالهم إذا جاءتهم الحسنة الخ...

والمعنى: فلم يتذكروا ولكنهم زادوا كفراً وغروراً.

والمجيء: الحصول والإصابة، وإنما عبر في جانب الحسنة بالمجيء لأن حصولها مرغوب، فهي بحيث تُترقب كما يُترقَب الجائي، وعبر في جانب السيئة بالإصابة لأنها تحصل فجأة من غير رغبة ولا ترقب.

وجيء في جانب الحسنة بإذا الشرطية لأن الغالب في (إذا) الدلالة على اليقين بوقوع الشرط أو ما يقرب من اليقين كقولك: إذا طلعت الشمس فعلتُ كذا، ولذلك غلب أن يكون فعل الشرط مع (إذا) فعلاً ماضياً لكون الماضي أقرب إلى اليقين في الحصول من المستقبل، كما في الآية، فالحسنات أي: النعم كثيرة الحصول تنتابهم متوالية من صحة وخصب ورخاء ورفاهية.

وجيء في جانب السيئة بحرف (إنْ) لأن الغالب أن تدل (إنْ) على التردد في وقوع الشرط، أو على الشك، ولكون الشيء النادر الحصول غير مجزوم بوقوعه، ومشكوكاً فيه، جيء في شرط إصابة السيئة بحرف (إنْ) لندرة وقوع السيئات أي: المكروهات عليهم، بالنسبة إلى الحسنات، أي: النعم، وفي ذلك تعريض بأن نعم الله كانت متكاثرة لديهم وأنهم كانوا معرضين عن الشكر، وتعريض بأن إصابتهم بالسيئات نادرة وهم يعدون السيئات من جراء موسى ومن آمن معه، فهم في كلتا الحالتين بين كافرين بالنعمة وظالمين لموسى ومن معه، ولهذين الاعتبارين عُرفت الحسنة تعريف الجنس المعروف في علم المعاني بالعهد الذهني، أي: جاءتهم الحسنات، لأن هذا الجنس محبوب مألوف كثير الحصول لديهم، ونكرت ﴿ سيئة ﴾ لندرة وقوعها عليهم، ولأنها شيء غير مألوف حلوله بهم، أي: وإن تصبهم آية سيئة، كذا في «الكشاف» و«المفتاح».

واعْلم أن التفرقة بين تعريف الجنس والتنكير من لطائف الاستعمال البَلاغي، كما أشرنا إليه في قوله تعالى: ﴿ الحمد لله ﴾ في سورة الفاتحة (2)، وأما من جهة مُفاد اللفظ، فالمعرف بلام الجنس والمنكرة سواء، فلا تظن أن اللام للعهد لحسنة معهودة ووقوع المعرف بلام الجنس والنكرة في سياق الشرط، في هذه الآية يعم كل حسنة وكل سيئة.

والحسنة والسيئة هنا مراد بهما الحالة الحسنة والحالة السيئة.

واللام في قوله ﴿ لنا ﴾ هذه لام الاستحقاق أي: هذه الحسنة حق لنا، لأنهم بغرورهم يحسبون أنهم أحرياء بالنعم، أي: فلا يرون تلك الحسنة فضلاً من الله ونعمة.

﴿ ويَطَيّرُوا ﴾ أصله يتَطيروا، وهو تَفَعّلُ، مشتق من اسم الطَيْرِ، كأنهم صاغوه على وزن التفعّل لما فيه من تكلف معرفة حظ المرء بدلالة حركات الطير، أو هو مطاوعة سمي بها ما يحصل من الانفعال من إثر طيران الطير.

وكان العرب إذا خرجوا في سفر لحاجة، نظروا إلى ما يلاقيهم أول سيرهم من طائر، فكانوا يزعمون أن في مروره علامات يُمن وعلاماتتِ شُؤم، فالذي في طيرانه علامة بُمننٍ في إصطلاحهم يسمونه السانح، وهو الذي ينهض فيطير من جهة اليمين للسائر والذي علامته الشؤم هو البَارح وهو الذي يمر على اليسار، وإذا وجد السائر طيراً جاثماً آثاره لينظر أي جهة يطير، وتسمى تلك الإثارة زجراً، فمن الطير ميمون ومنه مشؤوم والعرب يدْعُون للمسافر بقولهم «على الطائر الميمون»، ثم غلب استعمال لفظ التطير في معنى التشاؤم خاصة، يقال الطيرة أيضاً، كما في الحديث «لا طيرة وإنما الطيرَة على من تطيّر» أي: الشؤم يقع على من يتشاءم، جعل الله ذلك عقوبة له في الدنيا لسوء ظنه بالله، وإنما غلب لفظ الطيرة على التشاؤم لأن للأثر الحاصل من دلالة الطيران على الشؤم دلالة أشد على النفس، لأن توقع الضر أدخل في النفوس من رجاء النفع.

والمراد به في الآية أنهم يتشاءمون بموسى ومن معه فاستعمل التطير في التشاؤم بدون دلالة من الطير، لأن قوم فرعون لم يكونوا ممن يزجر الطير فيما علمنا من أحوال تاريخهم، ولكنهم زعموا أن دعوة موسى فيهم كانت سبب مصائب حلت بهم، فعبر عن ذلك بالتطير على طريقة التعبير العربي.

والتشاؤم: هو عد الشيء مشؤوماً، أي: يكون وجوده.

سبباً في وجود ما يُحزن ويضر، فمعنى ﴿ يَطَّيّرُوا بموسى ﴾ يحسبون حلول ذلك بهم مسبباً عن وجود موسى ومن آمن به وذلك أن آل فرعون كانوا متعلقين بضلال دينهم، وكانوا يحسبون أنهم إذا حافظوا على إتباعه كانوا في سعادة عيش، فحسبوا وجود من يخالف دينهم بينهم سبباً في حلول المصائب والإضرار بهم فتشاءموا بهم، ولم يعلموا أن سبب المصائب هو كفرهم وإعراضهم، لأن حلول المصائب بهم يلزم أن يكون مسبباً عن أسباب فيهم لا في غيرهم.

وهذا من العَماية في الضلالة فيبقون منصرفين عن معرفة الأسباب الحقيقية، ولذلك كان التطير من شعار أهل الشرك لأنه مبني على نسبة المسببات لغير أسبابها، وذلك من مخترعات الذين وضعوا لهم ديانة الشرك وأوهامها.

في الحديث «الطيرة شرك» وتأويله أنها: من بقايا دين الشرك، ويقع بعد فعل التطير باء، وهي باء السببية تدخل على موجب التطير، وقد يقال أيضاً: تطير من كذا.

وعطفُ ﴿ ومن معه ﴾ ، أي: من آمنوا به، لأن قوم فرعون يعدون موجب شُؤم موسى هو ما جاء به من الدين لأنه لا يُرضي آلهتهم ودينهم، ولولا دينُه لم يكن مشؤوماً كما قال ثمود ﴿ قد كنت فينا سرجوا قبل هذا ﴾ [هود: 62].

و ﴿ ألا ﴾ حرف استفتاح يفيد الاهتمام بالخبر الوارد بعده.

تعليماً للأمة، وتعريضاً بمشركي العرب.

والطائر: اسم للطير الذي يُثار ليتيمن به أو يتشاءَم، واستعير هنا للسبب الحق لحلول المصائب بهم بعلاقة المشاكلة لقوله: ﴿ يطيروا ﴾ فشبه السبب الحق، وهو ما استحقوا به العذاب من غضب الله بالطائر.

و ﴿ عند ﴾ مستعملة في التصرف مجازاً لأن الشيء المتصرف فيه كالمستقر في مكان، أي: سبب شؤمهم مقدر من الله، وهذا كما وقع في الحديث: " ولا طيْرَ إلا طَيْرُك " فعبر عما قدره الله للناس «بطير» مشاكلة لقوله: «ولا طَيْر» ومن فسر الطائر بالحظ فقد أبعد عن السياق.

والقصر المستفاد من ﴿ إنما ﴾ إضافي أي: سوء حالهم عقابٌ من الله، لا من عند موسى ومن معه، فلا ينافي أن المؤمنين يعلمون أن سبب حلول المصائب بأهل الشرك المعاندين للرسل، هو شركهم وتكذيبهم الرسل: يعلمون ذلك بأخبار الرسل، أو بصدق الفراسة وحسن الاستدلال، كما قال أبو سفيان ليلة الفتح لما هداه الله «لقد علمتُ أن لو كان معه إله آخر لَقد أغنَى عني شيئاً».

فأما المشركون وأضرابهم من أهل العقائد الضالة، فيسندون صدور الضرر والنفع إلى أشياء تقارن حصول ضر ونفع، فيتوهمون تلك المقارنة تسبباً، ولذلك تراهم يتطلبون معرفة حصول الخير والشر من غير أسبابها، ومن ذلك الاستقسام بالأزلام كما تقدم في سورة العقود.

وجملة ﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ معترضة ولذلك فصلت، والاستدراك المستفاد من ﴿ لكّن ﴾ عما يوهمه الاهتمام بالخبر الذي قبله لقرنه بأداة الاستفتاح، واشتماله على صيغة القصر: من كون شأنه أن لا يجهله العقلاء، فاستدرك بأن أكثر أولئك لا يعلمون.

فالضمير في قوله: ﴿ أكثرهم ﴾ عائد إلى الذين ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ وإنما نفي العلم عن أكثرهم تنبيهاً على أن قليلاً منهم يعلمون خلاف ذلك ولكنهم يشايعون مقالة الأكثرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى السِّنِينَ الجُدُوبُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والعَرَبُ تَقُولُ: أخَذَتْهُمُ السِّنَةُ إذا قَحِطُوا وأُجْدِبُوا.

وَقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ بِالسِّنِينَ الجَدْبُ والقَحْطُ عامًا بَعْدَ عامٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴾ في الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَسَنَةَ الخِصْبُ، والسَّيِّئَةُ القَحْطُ.

والثّانِي: أنَّ الحَسَنَةَ الأمْنُ، والسَّيِّئَةَ: الخَوْفُ.

﴿ قالُوا لَنا هَذِهِ ﴾ أيْ كانَتْ حالُنا في أوْطانِنا وقَبْلَ اتِّباعِنا لَكَ، جَهْلًا مِنهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المَوْلى لَها.

﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴾ أيْ يَتَشاءَمُونَ بِمُوسى ويَقُولُونَ هَذا مِنِ اتِّباعِنا إيّاكَ وطاعَتِنا لَكَ، عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَزْجُرُ الطَّيْرَ فَتَتَشاءَمُ بِالبارِحِ وهو الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَةِ الشَّمالِ، وتَتَبَرَّكُ بِالسّانِحِ وهو الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ، ثُمَّ قالَ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ.

﴿ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ طائِرُ البَرَكَةِ وطائِرُ الشُّؤْمِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال: العافية والرخاء ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ ونحن أحق بها ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ قال: بلاء وعقوبة ﴿ يطيروا بموسى ﴾ قال: يتشاءموا به.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألا إنما طائرهم ﴾ قال مصائبهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال: الأمر من قبل الله.

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ يقول: الأمر من قبل الله، ما أصابكم من أمر الله فمن الله بما كسبت أيديكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) ﴿ الْحَسَنَةُ ﴾ يريد بها: الغيث والخصب والثمار والمواشي والألبان والسعة في الرزق، والعافية والسلامة).

وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَنَا هَذِهِ ﴾ .

أي: أنَّا مستحقوه (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ يريد: القحط والجدب والمرض والبلاء والضرّ، ﴿ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ﴾ ، أي: يتشاءموا، وقالوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، والتطير: التشاؤم في قول جميع المفسرين (٤) وقوله تعالى: ﴿ يَطَّيَّرُوا ﴾ هو في الأصل يتطيروا، فأدغمت التاء في الطاءة لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا (٥) وقوله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد شؤمهم عند الله) (٦) (٧) وقال الكلبي: (يقول إن الذي أصابهم هو من الله) (٨) (٩) ﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ .

قال الفراء: (كما تشاءمت اليهود بالنبي  بالمدينة، فقالوا (١٠) (١١) قال الأزهري: (وقيل للشؤم: طائر وطَيْر وطِيَرة؛ لأن العرب كان من شأنها عِيَافَةُ الطير وزجرها، والتَّطيُّر ببارحها، وبِنَعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فَسَمَّوا الشؤم طَيْراً وطائِراً وطِيَرَة لتشاؤمهم بها.

ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طِيَرَتهم باطلة فقال: "لا طِيَرة ولا هام" (١٢)  (١٣) (١٤) (١٥)  الفأل واستحسنه، وأبطل الطِّيَرة ونهى عنها) (١٦) وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ : (أي: حظهم) (١٧) (١٨) والعرب تقول: أطرت المال وَطيَّرته بين القوم فَطَار لكل (١٩) (٢٠) (٢١) تَطِيرُ عَدَائِدُ الأشْرَاكِ شَفْعاً ...

وَوِتْراً والزَّعَامَةُ لِلْغُلَامِ (٢٢) الأشراك: الأنصباء واحدها شرك أي: قسم المال للذكر مثل حظ الأنثيين فطارت الأنصاب شفعاً ووتراً لمستحقيها، وخلصت الرئاسة للذكور من الأولاد (٢٣) ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ : (ألا إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا (٢٤) [قال: (وقال بعضهم (٢٥) ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ حظهم، والمعنى واحد) (٢٦) ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ما وعدوا في الآخرة مما ينالهم في الدنيا] (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ .

قال الكلبي (٢٨) (٢٩) (١) "تنوير المقباس" 2/ 120، وذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 215.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، وأخرج عن مجاهد وابن زيد من طرق جيدة نحوه، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 368، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والثعلبي 6/ 9 أ، والماوردي 2/ 251.

(٣) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 179، و"تأويل مشكل القرآن" ص 391.

(٤) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد.

وانظر: "معاني النحاس" 3/ 568، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والثعلبي 6/ 9 أ، والماوردي 2/ 251.

(٥) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 368.

(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 223، والبغوي 3/ 269 بلفظ: (شؤمهم عند الله ومن قبل الله).

وأخرج الطبري 9/ 30 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يقول مصائبهم عند الله) اهـ.

وفي رواية قال: (الأمر من قبل الله) اهـ، وذكره الثعلبي 6/ 9 أ، والبغوي 3/ 269 عنه أنه قال: (طائرهم ما قضى الله عليهم وقدر لهم) اهـ.

(٧) في (ب): (وجرأتهم على الله عليه)، وهو تحريف.

(٨) "تنوير المقباس" 2/ 120.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، 30، و"معاني الزجاج" 2/ 368 - 369، والنحاس 3/ 68، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والماوردي 2/ 251.

(١٠) لفظ: (فقالوا) ساقط من (أ).

(١١) "معاني الفراء" 1/ 392.

(١٢) حديث متفق عليه.

أخرجه البخاري رقم (5770) كتاب الطب، باب: لا هامة، ومسلم رقم (2220) كتاب السلام، باب: لا عدوى ولا طيرة، عن أبي هريرة  : أن رسول الله  قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" اهـ.

والهامة: طائر معروف.

وقيل إن عظام الميت وروحه تنقلب هامة تطير، والصفر: داء يأخذ البطن.

انظر: "صحيح مسلم بشرح النووي" 14/ 310.

(١٣) في (أ): (  ).

(١٤) أخرج البخاري رقم (5757) كتاب الطب، باب: الفأل.

ومسلم رقم (2223 - 2224) كتاب السلام، باب: الطيرة والفال، عن أبي هريرة، عن النبي  قال: == "لا طيرة وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟

قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم".

وفي رواية لمسلم قال: "أحب الفأل الصالح" وأخرجا عن أنس عن النبي  قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة" اهـ.

(١٥) في (أ): (واحدًا).

(١٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2150 (طير).

(١٧) "مجاز القرآن" 1/ 226 وفيه: (مجازه إنما طائرهم وتزاد (ألا) للتنبيه والتوكيد، ومجاز طائرهم حظهم ونصيبهم) اهـ.

(١٨) سبق تخريجه.

(١٩) في (ب): (فطار لكل واحد منهم سهمه).

(٢٠) النص من "تهذيب اللغة" 3/ 2150.

(٢١) أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (2071) كتاب اللباس والزينة، باب: استعمال إناء الذهب والفضة، وأبو داود 4/ 322 رقم (4043)، والنسائي 8/ 197 - 198 كتاب الزينة، باب: ذكر الرخصة للنساء في لبس السيراء، وباب النهي عن لبس الإستبرق، عن علي بن أبي طالب  قال: أهديت لرسول الله  حلة سيراء فبعث بها إلى فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه فقال: "إني لم أبعثها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء".

وفي رواية: (فأمرني == فأطرتها بين نسائي) اهـ.

وحلة سيراء: أي: مضلعة بالحرير، وأطرتها: أي قسمتها بأن شققتها بينهن، أفاده الخطابي في "حاشية سنن أبي داود".

(٢٢) "ديوانه" ص 200، و"تهذيب اللغة" 3/ 2150، و"الدر المصون" 5/ 429، وتطير: أي تخرج، والعدائد: المال والميراث وقيل: الأنصباء.

والأشراك: الشركاء، والزعامة: الرياسة والحظ من المغنم.

(٢٣) هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2150.

(٢٤) في النسخ: (إلى ما ينالهم في الدنيا)، وهو تحريف.

(٢٥) هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 226.

(٢٦) "معاني الزجاج" 2/ 369.

(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٨) لم أقف عليه.

(٢٩) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة ﴾ الآية: إذ جاءهم الخصب والرخاء قالوا: هذه لنا وبسعدنا، ونحن مستحقون له وإذ جاءهم الجدب والشدة تطيروا بموسى: أي قالوا هذه بشؤمه، فإن قيل: لم قال إذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة؟

فالجواب: أن وقوع الحسنة كثير، والسيئة وقوعها نادر فعرف الكثير الوقوع باللام التي للعهد، وذكره بإذا لأنها تقتضي التحقيق وذكر السيئة بإن لأنها تقتضي الشك ونكرها للتعليل ﴿ ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ أي إنما حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمي به ما يصيب الإنسان.

ومقصود الآية الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم.

مهما هي ما الشرطية ضمت إليها ما الزائدة نحو أينما، ثم قلبت الألف هاء، وقيل: هي اسم بسيط غير مركب.

والضمير في به يعود على مهما، وإنما قالوا: من آية على تسمية موسى لها آية، أو على وجه التهكم ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان ﴾ روي أنه كان مطراً شديداً دائماً مع فيض النيل حتى هدم بيوتهم، وكادوا يهلكون وامتنعوا من الزراعة وقيل هو الطاعون ﴿ والجراد ﴾ هو المعروف أكل زروعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم ﴿ والقمل ﴾ قيل هي صغار الجراد، وقيل: البراغيث، وقيل: السوس، وقرئ القمل بفتح القاف والتخفيف، فهي على القمل المعروف، وكانت تتعلق بلحومهم وشعورهم ﴿ والضفادع ﴾ هي المعروفة كثرت عندهم حتى امتلأت بها فرشهم وأوانيهم وإذا تكلم أحدهم وثبت الضفدع إلى فمه ﴿ والدم ﴾ صارت مياههم دماً فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيخرج ما يلي القبطي دماً، وما يلي الإسرائيلي ماء ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز ﴾ أي العذاب وهي الأشياء المتقدمة وكانوا مهما نزل بهم أمر منها عاهدوا موسى على أن يؤمنوا به إن كشفه عنهم، فلما كشفه عنهم نقضوا العهد وتمادوا على كفرهم ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ بدعائك إليه ووسائلك، والباء تحتمل أن تكون للقسم وجوابه لنؤمنن لك أو يتعلق بادع لنا أي توسل إليه بما عندك ﴿ فِي اليم ﴾ البحر الميت حيث وقع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.

الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.

الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.

الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.

﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.

التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.

وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.

والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.

قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.

وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.

وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.

ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله  انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.

وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.

ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.

فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.

ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله  لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.

عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.

وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.

فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.

ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .

و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.

ثم حكى  ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.

فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.

قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.

والسنون من الجموع المصححة الشاذة.

عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.

وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.

قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.

قال القاضي: في الآية دلالة على أنه  أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.

وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.

وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟

﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.

وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.

وكان النبي  يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.

قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.

ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.

وقد تشاءمت اليهود بالنبي  وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.

وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.

ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.

﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.

وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.

قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.

وقيل: هو الموتان.

وقيل: الطاعون.

والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.

فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله  ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.

وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.

فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.

وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.

وقيل: البراغيث.

وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.

وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.

وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.

فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.

فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.

وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.

وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.

وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى  مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.

ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.

ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.

وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.

أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.

ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.

وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.

ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.

وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.

وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.

قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة  ﴾ إلى تمام الآيتين.

ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.

وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.

وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.

وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.

ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات  ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.

ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.

وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.

وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله  كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.

وعن علي  أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.

ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.

﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.

وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.

﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.

وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.

قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال  ﴿ يبغونكم الفتنة  ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.

ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.

والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.

وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.

﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.

وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.

﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.

يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.

﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز جل -: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .

عن ابن مسعود -  -: ﴿ بِٱلسِّنِينَ ﴾ قال: بالجوع، وقيل: بالقحط.

ومجاهد: ﴿ بِٱلسِّنِينَ ﴾ قال: بالجوائح ونقص من الثمرات دون ذلك.

وقال القتبي: بالسنين: بالجدب؛ يقال: أصاب الناس سنة: أي جدب.

فإن قيل: ذكر أنه أخذ آل فرعون، وكان فيهم بنو إسرائيل فما معنى التخصيص؟

قيل: يحتمل أن يكون ذلك لهم خاصّة دون بني إسرائيل، وإن كانوا فيهم؛ على ما ذكر في بعض القصّة أن القبط كانوا يشربون الدم وبنو إسرائيل الماء، أو كان الجدب والنقص من الثمرات يضر آل فرعون، ولا يضر بني إسرائيل؛ لما أنهم كانوا يأكلون للشهوة وبنو إسرائيل للحاجة، فمن يأكل للحاجة كان أقل حاجة إلى الطعام ممن يأكل للشهوة؛ فإذا لم يجدوا ما يأكلون للشهوة كان أضر بهم.

ألا ترى أنه قيل: "يأكل المؤمن في معيٍّ واحد والكافر لسبعة أمعاء" أو خرج تخصيص ذلك لهم لما أن في عقد بني إسرائيل أن [لله أن] يمتحنهم بجميع أنواع المحن: مرة بالشدة ومرة بالسعة، ومن عقد القبط لا، فأضيف إليهم ذلك لما لم يكن في عقدهم ذلك، وإن كانوا جميعاً في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .

أي: يتعظون، "ولعل" من الله واجب قد اتعظوا لكنهم عاندوا وكابروا، وإلا قد لزمهم الاتعاظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ .

أي: الخصب والسعة ﴿ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ ، أي: هذا ما كنا نعرفه أبداً وما جرينا على اعتياده، أو أن يقولوا: لنا هذه بفرعون وبعبادتنا له.

﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ .

قيل: الضيق والقحط.

﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ ﴾ .

وقال بشؤمه، وهذا كما قال العرب لمحمد: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ  ﴾ كانوا يضيفون ما يصيبهم من الحسنة إلى الله؛ لأنهم كانوا يقرون بالله، والقبط لا فيقولون ذلك من فرعون أو على الاعتياد.

فقال: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قال ها هنا: ﴿ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

ثم يحتمل هذا وجوهاً: قيل: جزاء تطيرهم عند الله في الآخرة.

وقيل: طائرهم وشؤمهم الذي كانوا تطيروا بموسى كان بتكذيبهم موسى؛ أضاف ذلك إلى ما عنده من الآيات؛ لأنهم بنزول تلك الآيات وإرسالها عليهم تطيروا بموسى، [وبتجدد] تلك الآيات تجدد تطيرهم وتشاؤمهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حظهم عند الله، وكذلك قال في قوله: ﴿ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ  ﴾ ، وهو كما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ لما كذبوا تلك الآيات زاد ما نزل [بهم] من الآيات من بعد رجساً إلى رجسهم، فعلى ذلك شؤمهم وطائرهم الذي كان بتكذيبهم موسى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ ﴾ : من الطيرة، وهو من التشاؤم، يقال: تشاءمت بفلان، أي: قلت: هو غير مبارك، وتطيرت بفلان - أيضاً - مثله، ويقال: تبركت به إذا قلت: هو مبارك، ويقال: تطيرت واطيرت منه وبه.

﴿ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ ﴾ ، أي: شؤمهم ذلك الذي يخافون منه هو من عند الله، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : بأنه [كان] من عند الله، كان بتكذيبهم موسى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: تأويله: كل ما تأتينا به تزعم أنه آية، تريد أن تسحرنا بها، فما نحن لك بمؤمنين.

وقال ابن عباس، والحسن: هو: أي ما تأتينا ﴿ بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا...

﴾ ، الآية.

وقوله "مه" زيادة، وهو قول القتبي، ومعناه: أي ما تأتنا.

وقال الخليل: هو في الأصل ["ما" "ما"] إحداهما زيادة، فطرحت الألف وأبدلت مكانها هاء؛ طلباً للتخفيف.

وقال سيبويه النحوي: قوله: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ ﴾ ، [أي]: مه أي كأنهم قالوا له: مه، أي: اسكت، كما يقول الرجل لآخر: مه، أي: اسكت، "ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين".

والسحر: هو التحيير، وأخذ الأبصار، ولا حقيقة له؛ كقوله: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً  ﴾ أي: متحيراً، وقوله: ﴿ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

ثم دل قولهم: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أن ما قالوا: إن هذا ساحر، وإنه سحر عن علم بالآية والنبوة له قالوا ذلك، لا عن جهل وغفلة حيث قالوا: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ذلك منهم إياس من الإيمان به، وقبول الآيات لأنهم أخبروا أنهم لا يقبلون الآيات، ولا يصدقونه في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال أهل التأويل: [لما قالوا ذلك] أرسل الله بعد السنين ونقص الثمرات الطوفان والآيات التي ذكر، ويحتمل أن يكون هذا وإن كان مؤخراً في الذكر فهو مقدم؛ لما قال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ ﴾ إلى آخره.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ أي: يتعظون.

ثم اختلف أهل التأويل في الطوفان: قال بعضهم: [الطوفان]: الماء والمطر حتى خافوا الهلاك، وهو قول ابن عباس.

وعن عائشة، قالت: "سئل النبي  عن الطوفان، فقال: الموت" ، فإن ثبت فهو هو.

وقيل: الطوفان: هو أنواع العذاب.

والجراد: هو المعروف.

والقمل، قال بعضهم: هو بنات الجراد، يقال: الدباء.

وقيل: هو الجراد الصغار التي لا أجنحة لها.

﴿ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ ﴾ .

قيل: مفصلات، أي معرفات، واحداً بعد واحد، لم يرسل آية إلا بعد ذهاب أخرى، بعضها على إثر بعض.

وقيل: مفصلات، أي: بينات واضحات، ما علم كل أحد أنه [ليس من أحد] وليس من عمل السحر، ولكن آية سماوية إذ لو كان سحراً لتكلفوا في دفعه، واشتغلوا بالسحر على ما اشتغلوا بسحر العصا والحبال، فإذ لم يتكلفوا في ذلك، [و] لم يشتغلوا بدفع ذلك، بل فزعوا إلى موسى ليكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به، وإرسال بني إسرائيل معه، دلّ فزعهم إليه في كشف ذلك عنهم على أنهم قد عرفوا أنه ليس بسحر، ولكنه آية أقرّوا بها أنّها ليست بسحر، وأنها آيات إلا أنهم فزعوا عند ذلك إلى موسى فقالوا: ﴿ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ : ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ ووعدوه الإيمان به، وبعث بني إسرائيل معه إن كشف عنهم الرجز.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ ما عهد لك أنك متى دعوته أجابك.

وقيل: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ أنَّا متى آمنا بك وصدّقناك كشف عنا الرجز، فقالوا: لئن كشف عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإذا جاء آلَ فرعون الخَصْبُ وصلاح الثمار ورخص الأسعار قالوا: اعْطِينَا هذه لاستحقاقنا لها واختصاصنا بها، وإن يَنَلْهُمْ أو تُصِبْهم مصيبة من جَدْب وقَحْط وكثرة أمراض وغيرها من الرزايا يتشاءموا بموسى ومن معه من بني إسرائيل، والحق أن ما يصيبهم من ذلك كله إنما هو بتقدير من الله سبحانه، وليس لهم ولا لموسى  شأن فيه إلّا ما كان من دعاء موسى عليهم، ولكن أكثرهم لا يعلمون، فينسبونه إلى غير الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.Mjo3N"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله