الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٣٢ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا إخبار من الله عز وجل عن تمرد قوم فرعون وعتوهم وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل في قولهم "مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين" يقولون أي آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها رددناها فلا نقبلها منك ولا نؤمن بك ولا بما جئت به.
القول في تأويل قوله : وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال آل فرعون لموسى: يا موسى، مهما تأتنا به من علامة ودلالة = " لتسحرنا ", يقول: لتلفتنا بها عما نحن عليه من دين فرعون =(فما نحن لك بمؤمنين)، يقول: فما نحن لك في ذلك بمصدقين على أنك محق فيما تدعونا إليه.
* * * وقد دللنا فيما مضى على معنى " السحر " بما أغنى عن إعادته.
(4) * * * وكان ابن زيد يقول في معنى: (مهما تأتنا به من آية)، ما: - 14988 - حدثني يونس قال، [أخبرنا ابن وهب]، قال ابن زيد في قوله: (مهما تأتنا به من آية)، قال: إن ما تأتنا به من آية = وهذه فيها زيادة " ما ".
(5) --------------------- الهوامش : (4) انظر تفسير (( السحر )) فيما سلف ص : 27 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(5) الأثر : 14988 - الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم 14985 ، وإنما هذا سهو من الناسخ .
قوله تعالى وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنينقوله تعالى وقالوا مهما تأتنا به من آية أي قال قوم فرعون لموسى مهما .
قال الخليل : الأصل : ما ، ما ; الأولى للشرط ، والثانية زائدة توكيد للجزاء ; كما تزاد في سائر الحروف ، مثل إما وحيثما وأينما وكيفما .
فكرهوا حرفين لفظهما واحد ; فأبدلوا من الألف الأولى هاء فقالوا مهما .وقال الكسائي : أصله مه ; أي اكفف ، ما تأتنا به من آية .وقيل : هي كلمة مفردة ، يجازى بها ليجزم ما بعدها على تقدير إن .
والجواب فما نحن لك بمؤمنينلتسحرنا لتصرفنا عما نحن عليه .
وقد مضى في " البقرة " بيان هذه اللفظة .
قيل : بقي موسى في القبط بعد إلقاء السحرة سجدا عشرين سنة يريهم الآيات إلى أن أغرق الله فرعون ، فكان هذا قولهم .
وَقَالُوا مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نـزلت عليهم الآيات أم لم تنـزل.
( وقالوا ) يعني : القبط لموسى ( مهما تأتنا ) متى ما كلمة تستعمل للشرط والجزاء ، ( تأتنا به من آية ) من علامة ، ( لتسحرنا بها ) لتنقلنا عما نحن عليه من الدين ، ( فما نحن لك بمؤمنين ) بمصدقين .
«وقالوا» لموسى «مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين» فدعا عليهم.
وقال قوم فرعون لموسى: أي آية تأتِنا بها، ودلالة وحجة أقمتها لتصرفنا عما نحن عليه من دين فرعون، فما نحن لك بمصدِّقين.
ثم تحكى السورة الكريمة أن آل فرعون قد لجوا فى طغيانهم يعمهون فقالت : ( وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) .أى : قال الملأ من بنى إسرائيل لموسى بعد أن رأوا من حججه الدالة على صدقه : إنك يا موسى إن تجئنا بكل نوع من أنواع الآيات التى تستدل بها على حقية دعوتك لأجل أن تسحرنا بها ، أى تصرفنا بها عما نحن فيه ، فما نحن لك بمصدقين ، ولا لرسالتك بمتبعين .ومنطقهم هذا يدل على منتهى العناد والجحود ، فهم قد صاروا فى حالة نفسية لا يجدى معها دليل ولا ينفع فيها إقناع ، لأنهم قد أعلنوا الإصرار على التكذيب حتى ولو أتاهم نبيهم بألف دليل ودليل ، وهكذا شأن الجبارين الذين قست قلوبهم ، ومسخت نفوسهم وأظلمت مشاعرهم ، حين يدمغهم الحق ، ويطاردهم الدليل الساطع بنوره الواضح ، إنهم تأخذهم العزة بالإثم فيأبون أى لون من ألوان التفكير والتدبر .قال الجمل : و ( مَهْمَا ) اسم شرط جازم - يدل على العموم - ، و ( مِن آيَةٍ ) بيان له ، والضميران فى " به " و " بها " راجعان لمهما الأول مراعاة للفظها لإبهامه ، والثانى مراعاة لمعناها " .وسموا ما جاء به موسى - عليه السلام - آية من باب المجاراة له والاستهزاء بها حيث زعموا أها نوع من السحر كما بنبىء عنه قولهم ( لِّتَسْحَرَنَا بِهَا ) .
اعلم أنه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، فحكى عنهم في هذه الآية نوعاً آخر من أنواع الجهالة والضلالة، وهو أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السحر، وجعلوا جملة الآيات مثل انقلاب العصا حية من باب السحر منهم.
وقالوا لموسى: إنا لا نقبل شيئاً منها ألبتة.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كلمة ﴿ مَهْمَا ﴾ قولان: الأول: أن أصلها ماما الأولى هي ما الجزاء، والثانية هي التي تزاد توكيداً للجزاء، كما تزاد في سائر حروف الجزاء، كقولهم: إما ومما وكيفما قال الله تعالى: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ ﴾ وهو كقولك: إن تثقفنهم، ثم أبدلوا من ألف ما الأولى ها كراهة لتكرار اللفظ، فصار مهما هذا قول الخليل والبصريين.
والثاني: وهو قول الكسائي الأصل مه التي بمعنى الكف، أي أكفف دخلت على ما التي للجزاء كأنهم قالوا أكفف ما تأتنا به من آية فهو كذا وكذا.
المسألة الثانية: قال ابن عباس: أن القوم لما قالوا لموسى: مهما أتيتنا بآية من ربك، فهي عندنا من باب السحر، ونحن لا نؤمن بها ألبتة، وكان موسى عليه السلام رجلاً حديداً، فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له، فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلاً ونهاراً سبتاً إلى سبت، حتى كان الرجل منهم لا يرى شمساً ولا قمراً ولا يستطيع الخروج من داره وجاءهم الغرق، فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به، فأرسل إلى موسى عليه السلام وقال: اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحراً واحداً، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك، فأزال الله عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط.
فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر.
فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل النبات وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس، ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعاً، فأكلت النبات، فصرخ أهل مصر، فدعا موسى عليه السلام فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر، فنظر أهل مصر إلى أن بقية من كلئهم وزرعهم تكفيهم.
فقالوا: هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن بك.
فأرسل الله بعد ذلك عليهم القمل، سبتاً إلى سبت، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكلته، فصاحوا وسأل موسى عليه السلام ربه، فأرسل الله عليها ريحاً حارة فأحرقتها، واحتملتها الريح فألقتها في البحر، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع بعد ذلك فخرج من البحر مثل الليل الدامس ووقع في الثياب والأطعمة، فكان الرجل منهم يسقط وعلى رأسه ذراع من الضفادع، فصرخوا إلى موسى عليه السلام، وحلفوا بإلهه لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمنن بك، فدعا الله تعالى فأمات الضفادع، وأرسل عليها المطر فاحتملها إلى البحر، ثم أظهروا الكفر والفساد، فأرسل الله عليهم الدم فجرت أنهارهم دماً فلم يقدروا على الماء العذب، وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطيب حتى بلغ منهم الجهد، فصرخوا وركب فرعون وأشراف قومه إلى أنهار بني إسرائيل فجعل يدخل الرجل منهم النهر فإذا اغترف صار في يده دماً ومكثوا سبعة أيام في ذل لا يشربون إلا الدم.
فقال فرعون: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز ﴾ إلى آخر الآية، فهذا هو القول المرضي عند أكثر المفسرين، وقد وقع في أكثرها اختلافات.
أما الطوفان، فقال الزجاج: الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً محيطاً مطبقاً بالقوم كلهم، كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة، فإنه يقال له طوفان، وكذلك القتل الذريع طوفان، والموت الجارف طوفان.
وقال الأخفش: هو فعلان من الطوف، لأنه يطوف بالشيء حتى يعم.
قال: وواحده في القياس طوفانه.
وقال المبرد: الطوفان مصدر مثل الرجحان والنقصان فلا حاجة إلى أن يطلب له واحداً.
إذا عرفت هدا فنقول: الأكثرون على أن هذا الطوفان هو المطر الكثير على ما رويناه عن ابن عباس، وقد روى عطاء عنه أنه قال: الطوفان هو الموت، وروى الواحدي رحمه الله بإسناده خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الطوفان هو الموت» وهذا القول مشكل لأنهم لو أميتوا لم يكن لإرسال سائر أنواع العذاب عليهم فائدة، بل لو صح هذا الخبر لوجب حمل لفظ الموت على حصول أسباب الموت، مثل المطر الشديد والسيل العظيم وغيرهما، وأما الجراد، فهو معروف والواحدة جرادة، ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه.
وقال اللحياني: أرض جردة ومجرودة قد لحسها الجراد، وإذا أصاب الجراد الزرع قيل جرد الزرع وأصل هذا كله من الجرد، وهو أخذك الشيء عن الشيء على سبيل النحت والسحق، ومنه يقال للثوب الذي قد ذهب وبره جرد وأرض جردة لا نبات فيها، وأما القمل، فقد اختلفوا فيه.
فقيل هو الدبى الصغار الذي لا أجنحة له، وهي بنات الجراد، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى عليه السلام بعصاه فصار قملاً.
فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم، فقالوا: قد تيقنا الآن أنك ساحر عليم.
وعزة فرعون لا نؤمن بك أبداً، وقرأ الحسن ﴿ والقمل ﴾ بفتح القاف، وسكون الميم.
يريد القمل المعروف.
وأما الدم فما ذكرناه.
ونقل صاحب الكشاف أنه قيل: سلط الله عليهم الرعاف.
وروي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.
وأما قوله تعالى: ﴿ ءايات مّفَصَّلاَتٍ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: ﴿ مّفَصَّلاَتٍ ﴾ أي مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره.
وثانيها: ﴿ مّفَصَّلاَتٍ ﴾ أي فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيقبلون الحجة؟
والدليل: أو يستمرون على الخلاف والتقليد.
قال المفسرون: كان العذاب يبقى عليهم من السبت إلى السبت، وبين العذاب إلى العذاب شهر، فهذا معنى قوله: ﴿ ءايات مّفَصَّلاَتٍ ﴾ قال الزجاج: وقوله: ﴿ ءايات ﴾ منصوبة على الحال.
وقوله: ﴿ فاستكبروا ﴾ يريد عن عبادة الله ﴿ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ مصرين على الجرم والذنب.
ونقل أيضاً أن هذه الأنواع المذكورة من العذاب كانت عند وقوعها مختصة بقوم فرعون، وكان بنو إسرائيل منها في أمان وفراغ، ولا شك أن كل واحد منها فهو في نفسه معجز، واختصاصه بالقبطي دون الإسرائيلي معجز آخر.
فإن قال قائل لما علم الله تعالى من حال أولئك الأقوام أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات، فما الفائدة في تواليها وإظهار الكثير منها؟
وأيضاً فقوم محمد صلى الله عليه وسلم طلبوا المعجزات فما أجيبوا فما الفرق.
والجواب: أما على قول أصحابنا فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، وأما على قول المعتزلة في رعاية الصلاح، فلعله علم من قوم موسى أن بعضهم كان يؤمن عند ظهور تلك المعجزات الزائدة، وعلم من قوم محمد صلى الله عليه وسلم أن أحداً منهم لا يزداد بعد ظهور تلك المعجزات الظاهرة إلا كفراً وعناداً، فظهر الفرق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَهْمَا ﴾ هي (ما) المضمنة معنى الجزاء، ضمت إليها (ما) المزيدة المؤكدة للجزاء في قولك: متى ما تخرج أخرج، ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ [النساء: 78] ، ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ﴾ [الزخرف: 41] إلاّ أنّ الألف قلبت هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصري، ومن الناس من زعم أن (مه) هي الصوت الذي يصوت به الكاف، و ﴿ مَا ﴾ للجزاء، كأنه قيل: كف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فإن قلت: ما محل مهما؟
قلت: الرفع بمعنى: أيما شيء تأتنا به.
أو النصب، بمعنى: أيما شيء تحضرنا تأتنا به.
ومن آية: تبيين لمهما.
والضميران في ﴿ بِهِ ﴾ و ﴿ بِهَا ﴾ راجعان إلى مهما، إلاّ أنّ أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أنث على المعنى، لأنه في معنى الآية.
ونحوه قول زهير: وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِيءٍ مِنْ خَلِيقَة ** وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في علم العربية، فيضعها غير موضعها، ويحسب مهما بمعنى متى ما، ويقول مهما جئتني أعطيتك، وهذا من وضعه، وليس من كلام واضع العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءايَةٍ ﴾ بمعنى الوقت، فَيُلْحِدْ في آيات الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين يدي الناظر في كتاب سيبويه.
فإن قلت: كيف سموها آية، ثم قالوا لتسحرنا بها؟
قلت: ما سموها آية لاعتقادهم أنها آية، وإنما سموها اعتباراً لتسمية موسى وقصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي ﴿ الطوفان ﴾ ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل.
قيل: طغى الماء فوق حروثهم، وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره.
وقيل: أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس غرق، ولم تدخل بيوت بني إسرائيل قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف، ودام عليهم سبعة أيام.
وعن أبي قلابة: الطوفان الجدري، وهو أوّل عذاب وقع فيهم، فبقي في الأرض.
وقيل: هو المُوتان وقيل: الطاعون، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فرفع عنهم، فما آمنوا، فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله، فأقاموا شهراً، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم، ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة، فكشف عنهم بعد سبعة أيام: خرج موسى عليه السلام إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها، فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا، فأقاموا شهراً، فسلَّط الله عليهم القمل وهو الحمنان في قول أبي عبيدة كبار القردان.
وقيل: الدبا، وهو أولاد الجراد.
وقبل نبات أجنحتها.
وقيل: البراغيث.
وعن سعيد بن جبير: السوس، فأكل ما أبقاه الجراد، ولحس الأرض، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصُّه، وكان يأكل أحدهم طعاماً فيمتلئ قملاً، وكان يخرج أحدهم عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا يسيراً.
وعن سعيد بن جبير، أنه كان إلى جنبهم كثيب أعفر، فضربه موسى بعصاه فصار قملاً، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً، فأرسل الله عليهم بعد شهر الضفادع، فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، ولا يكشف أحد شيئاً من ثوب ولا طعام ولا شراب إلاّ وجد فيه الضفادع، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدرو وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فشكوا إلى موسى وقالوا: ارحمنا هذه المرة، فما بقي إلاّ أن نتوب التبة النصوح ولا نعود، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، فشكوا إلى فرعون فقال: إنه سحركم فكان يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً، ويستقيان من ماء واحد فيخرج للقبطي الدم وللإسرائيلي الماء حتى إن المرأة القبطية تقول لجارتها الإسرائيلية إجعلي الماء في فيك ثم مجيه في فيَّ فيصير الماء في فيها دماً.
وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك، فكان يمصّ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.
وعن سعيد بن المسيب: سال عليهم النيل دماً.
وقيل: سلط الله عليهم الرعاف وروي: أنّ موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات، وروي: أنه لما أراهم اليد والعصا ونقص النفوس والثمرات قال: يا رب، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض فخذه بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية.
فحينئذ بعث الله عليهم الطوفان، ثم الجراد، ثم ما بعده من النقم.
وقرأ الحسن: ﴿ والقمل ﴾ ، بفتح القاف وسكون الميم، يريد القمل المعروف ﴿ ءايات مفصلات ﴾ نصب على الحال.
ومعنى مفصلات: مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وأنها عبرة لهم ونقمة على كفرهم.
أو فصل بين بعضها وبعض بزمان تمتحن فيه أحوالهم، وينظر أيستقيمون على ما وعدوا من أنفسهم، أم ينكثون إلزاماً للحجة عليهم؟.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالُوا مَهْما ﴾ أصْلُها ما الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما المَزِيدَةُ لِلتَّأْكِيدِ، ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفُها هاءً اسْتِثْقالًا لِلتَّكْرِيرِ.
وَقِيلَ مُرَكَّبَةٌ مِن مَهْ الَّذِي يُصَوَّتُ بِهِ الكافُ وما الجَزائِيَّةِ ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿ تَأْتِنا بِهِ ﴾ أيْ أيُّما شَيْءٍ تَحْضُرُنا تَأْتِنا بِهِ.
﴿ مِن آيَةٍ ﴾ بَيانٌ لِمَهْما، وإنَّما سَمَّوْها آيَةً عَلى زَعْمِ مُوسى لا لِاعْتِقادِهِمْ ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ لِتَسْحَرَ بِها أعْيُنَنا وتُشَبِّهَ عَلَيْنا، والضَّمِيرُ في بِهِ وبِها لِمَّهْما ذَكَرَهُ قَبْلَ التَّبْيِينِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وأنَّثَهُ بَعْدَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ﴾ ماءٌ طافَ بِهِمْ وغَشِيَ أماكِنَهم وحُرُوثَهم مِن مَطَرٍ أوْ سَيْلٍ.
وقِيلَ الجُدَرِيُّ، وقِيلَ المَوَتانُ وقِيلَ الطّاعُونُ.
﴿ والجَرادَ والقُمَّلَ ﴾ قِيلَ هو كِبارُ القِرْدانِ، وقِيلَ أوْلادُ الجَرادِ قَبْلَ نَباتِ أجْنِحَتِها.
﴿ والضَّفادِعَ والدَّمَ ﴾ رُوِيَ: أنَّهم مُطِرُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِهِ، ودَخَلَ الماءُ بُيُوتَهم حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَرِاقِيِّهِمْ، وكانَتْ بُيُوتُ بَنِي إسْرائِيلَ مُشْتَبِكَةً بِبُيُوتِهِمْ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيها قَطْرَةٌ، ورَكَدَ عَلى أراضِيهِمْ فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والتَّصَرُّفِ فِيها، ودامَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أُسْبُوعًا فَقالُوا لِمُوسى: ﴿ ادْعُ لَنا رَبَّكَ ﴾ يَكْشِفْ عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ، فَدَعا فَكَشَفَ عَنْهم ونَبَتَ لَهم مِنَ الكَلَإ والزَّرْعِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَتْ زُرُوعَهم وثِمارَهم، ثُمَّ أخَذَتْ تَأْكُلُ الأبْوابَ والسُّقُوفَ والثِّيابَ فَفَزِعُوا إلَيْهِ ثانِيًا فَدَعا وخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ، وأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَرَجَعَتْ إلى النَّواحِي الَّتِي جاءَتْ مِنها فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ فَأكَلَ ما أبْقاهُ الجَرادُ وكانَ يَقَعُ في أطْعِمَتِهِمْ ويَدْخُلُ بَيْنَ أثْوابِهِمْ وجُلُودِهِمْ فَيَمُصُّها، فَفَزِعُوا إلَيْهِ فَرَفَعَ عَنْهم فَقالُوا: قَدْ تَحَقَّقْنا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ، ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ بِحَيْثُ لا يُكْشَفُ ثَوْبٌ ولا طَعامٌ إلّا وُجِدَتْ فِيهِ، وكانَتْ تَمْتَلِئُ مِنها مَضاجِعُهم وتَثِبُ إلى قُدُورِهِمْ وهي تَغْلِي، وأفْواهِهِمْ عِنْدَ التَّكَلُّمِ فَفَزِعُوا إلَيْهِ وتَضَرَّعُوا، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ العُهُودَ ودَعا فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم ثُمَّ نَقَضُوا العُهُودَ، ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَصارَتْ مِياهُهم دَمًا حَتّى كانَ يَجْتَمِعُ القِبْطِيُّ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ عَلى إناءٍ فَيَكُونُ ما يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا وما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، ويَمُصُّ الماءَ مِن فَمِ الإسْرائِيلِيِّ فَيَصِيرُ دَمًا في فِيهِ.
وَقِيلَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.
﴿ آياتٍ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ.
﴿ مُفَصَّلاتٍ ﴾ مُبَيَّناتٍ لا تُشْكِلُ عَلى عاقِلٍ أنَّها آياتُ اللَّهِ ونِقْمَتُهُ عَلَيْهِمْ، أوْ مُفَصَّلاتٍ لِامْتِحانِ أحْوالِهِمْ إذْ كانَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنها شَهْرٌ وكانَ امْتِدادُ كُلِّ واحِدَةٍ أُسْبُوعًا، وقِيلَ إنَّ مُوسى لَبِثَ فِيهِمْ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةُ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى مَهَلٍ.
﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ عَنِ الإيمانِ.
﴿ وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{وقالوا مهما تأتنا به من آية لّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أصل مهما ماما فما الأولى للجزاء ضمت إليها ما المزيدة المؤكدة للجزاء فى قولك متى ما تخرج اخرج أينما تكونوا فاما تذهبن بك إلا أن الألف قلبت هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصرة وهو فى موضع النصب بتأتنا
أى ايماشئ وتحضرنا تأتنا به ومن آية تبيين لهما والضمير فى به وبها راجع إلى مَهْمَا إلا أن الأول ذكر على اللفظ والثاني أنث على المعنى لأنها فى معنى الآية وإنما سموها آية اعتبار التسمية موسى أو قصدوا بذلك الاستهزاء
﴿ وقالُوا ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِمّا أُخِذُوا بِهِ مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي هي في أنْفُسِها آياتٌ بَيِّناتٌ، وعَدَمُ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ، أيْ: قالُوا بَعْدَ ما رَأوْا ما رَأوْا مِنَ العَصا والسِّنِينَ ونَقْصِ الثَّمَراتِ.
﴿ مَهْما تَأْتِنا بِهِ ﴾ كَلِمَةُ مَهْما مِمّا اخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ هي كَلِمَةٌ بِرَأْسِها مَوْضُوعَةٌ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ.
وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن مَهْ اسْمِ فِعْلٍ لِلْكَفِّ، إمّا باقٍ عَلى مَعْناهُ أوْ مُجَرَّدٌ عَنْهُ وما الشَّرْطِيَّةِ.
وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُها ما ما عَلى أنَّ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةَ إبْهامِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِها لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ فَقُلِبَتْ ألْفُ ما الأُولى هاءً فِرارًا مِن بَشاعَةِ التَّكْرارِ، وأسْلَمُ الأقْوالِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ القَوْلُ بِالبَساطَةِ.
وفي حاشِيَةِ التَّسْهِيلِ لِابْنِ هِشامٍ يَنْبَغِي لِمَن قالَ بِالبَساطَةِ أنْ يَكْتُبَ مَهْما بِالياءِ، ولِمَن قالَ: أصْلُها ما ما أنْ يَكْتُبَها بِالألْفِ، وفي الشَّرْحِ: وكَذا إذا قِيلَ أصْلُها مَهْ ما.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشُّمُنِّيُّ بِأنَّ القائِلِينَ بِالأصْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ مَهْما أصْلٌ آخَرُ، فَما يَنْبَغِي في كَتْبِ آخِرِها عَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَنْبَغِي عَلى القَوْلِ الثّانِي، وفِيهِ نَظَرٌ.
وهِيَ اسْمُ شَرْطٍ لا حَرْفٌ عَلى الصَّحِيحِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ هُنا عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُها إمّا الشَّرْطُ أوِ الجَزاءُ أوْ هُما عَلى الخِلافِ أوِ النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَ أيٍّ، أيُّ شَيْءٍ تُحْضِرُهُ لَدَيْنا تَأْتِنا بِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ مَجِيئَها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وشَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإنْكارَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّهُ غَرَّ القائِلَ بِظَرْفِيَّتِها كَلامُ الخَلِيلِ أوْ شَبَهُها بِمَتى ما، وخالَفَ ابْنُ مالِكٍ في ذَلِكَ وقالَ: إنَّهُ مَسْمُوعٌ عَنِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ: وإنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أجْمَعا ويُوافِقُهُ كَما قالَ الشِّهابُ اسْتِعْمالُ المَنطِقِيِّينَ لَها بِمَعْنى كُلَّما وجَعْلُها سُورَ الكُلِّيَّةِ فَإنَّها تُفِيدُ العُمُومَ كَما صَرَّحُوا بِهِ ولَيْسَ مِن مُخْتَرَعاتِهِمْ كَما تُوُهِّمَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَها هُنا ظَرْفًا مِمّا لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ لِإباءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن آيَةٍ ﴾ عَنْهُ لِأنَّهُ بَيانٌ لِمَهْما ولَيْسَ بِزَمانٍ، وتَسْمِيَتُهم إيّاها آيَةً مِن بابِ المُجاراةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءِ بِها مَعَ الإشْعارِ بِأنَّ هَذا العُنْوانَ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ وإلّا فَهم يُنْكِرُونَ كَوْنَها آيَةً في نَفْسِ الأمْرِ ويَزْعُمُونَ أنَّها سِحْرٌ كَما يُنْبِئُ قَوْلُهُمْ: ﴿ لِتَسْحَرَنا بِها ﴾ والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ راجِعانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ لِإبْهامِهِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي لِلْمُحافَظَةِ عَلى جانِبِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إنَّما رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ ما بُيِّنَ بِآيَةٍ، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ الأوْلى عَوْدُ الضَّمِيرِ الثّانِي إلى آيَةٍ، ولَعَلَّهُ راعى القُرْبَ، والذّاهِبُ إلى الأوَّلِ راعى أنَّ (آيَةً) مَسُوقَةٌ لِلْبَيانِ فالأوْلى رُجُوعُ الضَّمِيرِ عَلى المُفَسِّرِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ، وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا؛ أيْ: لِتَسْحَرَ بِتِلْكَ الآيَةِ أعْيُنَنا وتُشَبِّهَ عَلَيْنا: ﴿ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقِينَ لَكَ ومُؤْمِنِينَ بِنُبُوَّتِكَ أصْلًا، <div class="verse-tafsir"
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ يقول: متى ما تأتنا.
ويقال: كلما تأتينا.
وروي عن الخليل أنه قال: مهما تأتنا أصلها الشرطية أدخلت معها ما الزائدة كقوله متى ما تأتني آتك.
وما زائدة فكأنه قال: ما تأتنا به فأبدلوا الهاء من الألف، وهكذا قال الزجاج.
بِهِ مِنْ آيَةٍ يعني: بشيء من آية لِتَسْحَرَنا بِها يعني: لتأخذ أعيننا بها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدقين بأنك مبعوث رسول الله فغضب موسى عند ذلك فدعا عليهم.
قال الله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وهو المطر الدائم من السبت إلى السبت حتى خربت بنيانهم وانقطعت السبل وكادت أن تصير مصر بحراً واحداً، فخافوا الغرق، فاستغاثوا بموسى، فأرسلوا إليه اكشف عنا العذاب نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه، فكشف عنهم المطر، وأرسل الله عليهم الريح فجففت الأرض فخرج من النبات شيء لم يروا مثله بمصر قط.
قالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا ولكنا لم نشعر به.
فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فنقضوا العهد، وعصوا ربهم، فمكثوا شهراً، فدعا عليهم موسى فأرسل الله تعالى عليهم الجراد مثل الليل، فكانوا لا يرون الأرض، ولا السماء من كثرتها، فأكل كل شيء أنبتته الأرض.
فاستغاثوا بموسى وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف: 49] يعني: يا أيها العالم سل لنا ربك ليكشف عنا العذاب، ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه، فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد وألقته في البحر فلم يبق في أرض مصر جرادة واحدة.
فقال لهم فرعون: انظروا هل بقي شيء؟
فنظروا فإذا هو قد بقي لهم بقية من كلئهم وزرعهم ما يكفيهم عامهم ذلك.
قالوا: قد بقي لنا ما فيه بلغتنا هذه السنة.
فقالوا: يا موسى لا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فمكثوا شهراً ثم دعا عليهم فأرسل الله تعالى عليهم القُمَّل.
قال قتادة: القمل أولاد الجرادة التي لا تطير وهكذا قال السدي.
وذكر عن أبي عبيدة أنه قال: القمل عند العرب الحمنان وهو ضرب من القردان فلم يبق من الأرض عود أخضر إلا أكلته.
فأتاهم منه مثل السيل على وجه الأرض، فأكل كل شيء في أرض مصر من نبات الأرض أو ثمر فصاحوا إلى موسى، واستغاثوا به، وقالوا: ادع لنا ربك هذه المرة يكشف عنا العذاب ونحن نطيعك ونعطيك عهداً وموثقاً لنؤمنن بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه فأرسل الله تعالى ريحاً حارة فأحرقته فلم يبق منه شيء، وحملته الريح، فألقته في البحر، فقال لهم موسى: أرسلوا معي بني إسرائيل؟
فقالوا له: قد ذهبت الأنزال كلها فأيش تفعل بعد هذا؟
فعلى أي شيء نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل؟
اذهب فما استطعت أن تضر بنا فافعل.
فمكثوا شهراً فدعا الله تعالى عليهم موسى، فأرسل الله تعالى عليهم آية وهي الضفادع، فخرجوا من البحر، مثل الليل الدامس، فغشوا أهل مصر، ودخلوا البيوت، ووقفوا على ثيابهم، وسررهم، وفرشهم، وكان الرجل منهم يستيقظ بالليل فيجد فراشه وقد امتلأ من الضفادع، فكان الرجل يكلم صاحبه في الطريق يجعل فمه في أذنه ليسمع كلامه من كثرة نعيق الضفادع.
فضاق الأمر عليهم فصاحوا إلى موسى فقالوا يا موسى: لئن رفعت عنا هذه الضفادع لنؤمنن بك ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا لهم موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الضفادع.
فقال لهم موسى: أرسلوا معي بني إسرائيل فقالوا: نعم اخرج بهم ولا تخرج معهم بشيء من مواشيهم شيئاً.
فقالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فمكثوا شهراً، فدعا عليهم، فأرسل الله تعالى عليهم الدم، فجرت أنهارهم دماء، فلم يكونوا يقدرون على الماء العذب ولا غيره، وبنو إسرائيل في الماء العذب.
وكلما دخل رجل من آل فرعون ليستقي من أنهار بني إسرائيل.
صار الماء دماً من بين يديه، ومن خلفه.
فركب فرعون وأشراف أصحابه حتى أتوا أنهار بني إسرائيل فإذا هي عذبة صافية.
فجعل فرعون يدخل الرجل منهم، فإذا دخل واغترف صار الماء في يده دماً.
فمكثوا كذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم فمات كثير منهم في ذلك.
فاستغاثوا بموسى فقال فرعون: اقسم بإلهك يا موسى لئن كشفت عنا الرجز، لنؤمننّ بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الدم، وعذب ماؤهم وصفي.
فعادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يعني: متتابعات قال الحسن وسعيد بن جبير وغيرهما قالوا: مما كانوا يعافون بين كل آيتين شهراً فإذا جاءت الآية، قامت عليهم سبعاً من السبت إلى السبت.
وروي عن مجاهد أنه قال: الطوفان المطر الكثير وقوله آيات صارت نصباً للحال.
وقوله تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تعظموا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: أقاموا على كفرهم.
قوله تعالى: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني: وجب عليهم العذاب وحل بهم قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ يعني: سل لنا ربك بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي: بما أمرك ربك أن تدعو الله ويقال: بالعهد الذي سأل ربك لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ أي: رفعت عنا العذاب لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ يعني: لنصدقنك وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ قال الله تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ يعني: العذاب إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعني: إلى وقت الغرق.
ويقال: إلى بقية آجالهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يعني: ينقضون العهد الذي عاهدوا عليه مع موسى.
قال الله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ يعني في البحر بلسان العبرانية.
وذلك أن الله تعالى أمر موسى بأن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر ليلاً، فاستعارت نسوة بني إسرائيل من نساء آل فرعون حليهن وثيابهن، وقلن: إن لنا خروجاً فخرج موسى ببني إسرائيل في أول الليل وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبي.
فذكر ذلك لفرعون.
فتهيأ للخروج إليهم فلما كان وقت الصبح ركب فرعون ومعه ألف ألف رجل، ومائتا ألف رجل، فأدركهم حين طلعت الشمس وانتهى موسى إلى البحر فضرب البحر فانفلق له اثنا عشر طريقاً.
وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً.
فعبر كل سبط في طريق، وأقبل فرعون ومن معه حتى انتهوا إلى حيث عبر موسى، فدخلوا تلك الطريق في طلبهم فلما دخل آخرهم وهمّ أولهم أن يخرج، أمر الله تعالى أن ينطبق عليهم فغرقهم.
فذلك قوله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: الآيات التسع وهي اليد والعصا والسنون ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يعني: معرضين.
فلم يتفكروا ولم يعتبروا بها حتى رجع موسى ببني إسرائيل، فسكنوا أرض مصر فذلك قوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ يعني: بني إسرائيل الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ أي: الأرض المقدسة وَمَغارِبَهَا يعني: الأردن وفلسطين.
ويقال: مشارق الأرض يعني: الشام ومغاربها الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني بالبركة الماء والثمار الكثيرة وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى يقول: وجبت نصرة ربك بالإحسان عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ قال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض.
وقال مقاتل: يعني: بالكلمة التي ذكرها في سورة القصص وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: 5] وقال الكلبي: وتمت كلمة ربك يعني: نعمة ربك الحسنى.
يعني: أنهم يجزون الحسنى الجنة بِما صَبَرُوا ولم يدخلوا في دين فرعون.
ويقال: وتمت كلمة ربك أي: ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض.
ثم قال: وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يعني: أهلكنا ما كان يعمل فرعون، وأبطلنا كيده ومكره.
وَما كانُوا يَعْرِشُونَ يعني: أهلكنا ما كانوا يبنون من البيوت والكروم.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يَعْرِشُونَ بضم الراء.
وقرأ الباقون بالكسر ومعناهما واحد.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ ...
الآية: مقالةٌ تتضمَّن إِغراء فرعون وتحريضَهُ، وقولُهم: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ، رُويَ أن فرعون كان في زمنه للناس آلهةٌ مِنْ بقرٍ، وأصنامٍ، وغير ذلك، وكان فرعونُ قَدْ شَرَع ذلك، وَجَعل نَفْسَه الإله الأَعلَى فقوله على هذا أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] إنما يريدُ: بالنَّسْبة إِلى تلك المعبودات.
وقيل: إِن فرعون كان يعبد حَجَراً يعلِّقه في صَدْره.
كأنه/ ياقوتَةٌ أو نحوها، وعن الحسنِ نحوه، وقوله: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، المعنى: سنستمرُّ عَلى ما كنا عليه مِنْ تعذيبهم، وقوله: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ، يريد: في المنزلة، والتمكّن من الدنيا، وقاهِرُونَ: يقتضي تحقير أمرهم، أي: هم أقلُّ من أن يُهتمَّ بهم.
قلت: وهذا من عَدُوِّ الله تجلُّدٌ، وإِلاَّ فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ [الشعراء: ٥٤، ٥٥، ٥٦] .
وقوله سبحانه: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ...
الآية: لما قال فرعونُ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، وتوعدهم، قال موسى لبني إسرائيل، يثبتهم، ويعدهم عن اللَّه تعالى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، والأرض هنا: أرضُ الدنيا، وهو الأظهرُ.
وقيل: المراد هنا أرضُ الجَنَّة، وأما في الثانية، فأرض الدنيا لا غير، والصَّبْرُ في هذه الآية: يعمُّ الانتظارَ الذي هو عبادةٌ، والصَّبْرَ في المناجزاتِ، والبأْسَ، وقولهم: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا، يعنون به الذَّبْحَ الذي كان في المُدَّة التي كانَ فِرْعَون يتخوَّف فيها أنْ يولَدَ المولودُ الذي يُخَرِّبُ ملكه، وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا، يعنون به وعيدَ فِرْعَونَ، وسائِرَ ما كان خلالَ تلك المدَّة، من الإخافة لهم.
وقال ابنُ عباس «١» والسدّيُّ «٢» : إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة، حين اتّبعهم
فرعون، واضْطَرَّهم إِلى البحر.
قال ع «١» : وبالجملة فهو كلامٌ يجري مع المعهودِ مِنْ بني إِسرائيل مِن اضطرابهم على أنبيائهم، وقلَّةِ يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ، ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض، يدُلَّ على أنه يستدعي نفوساً نافرةً ويقوِّي هذا الظنَّ في جهة بني إِسرائيل سلوكُهم هذا السبيلَ في غَيْر مَا قصَّةٍ، وقوله:
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ تنبيهٌ وحضٌّ على الاستقامة، ولقد استخلفوا في مِصْرَ في زمن دَاوُدَ وسليمانَ، وقد فتحوا بَيْتَ المَقْدِسِ مع يُوشَعَ.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، أي: بالجُدُوب والقُحُوطِ، وهذه سِيرَةُ اللَّه في الأممِ، وقوله: وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ، أي: حتى رُوِيَ أن النخلة مِنْ نخلهم لا تَحْمَلُ إِلا ثمرةً واحدةً، وقال نحوه رجاءُ بْنُ حَيْوَة «٢» وفعل اللَّه تعالى بهم هذا لينيبوا ويَزْدَجِرُوا عَمَّا هم عليه من الكُفْرِ إِذ أحوالُ الشدَّة ترقُّ معها القلوبُ، وترغبُ فيما عند اللَّه سبحانه.
وقوله عزَّ وجلَّ: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ...
الآية: كان القَصْدُ في إِصابتهم بِالقَحْط والنقْصِ في الثمراتِ أن ينيبوا ويرجعوا، فإذا هم قد ضَلُّوا، وجعلوها تشاؤماً بموسى، فكانوا إِذَا اتفق لهم اتفاق حسنٌ في غَلاَّت ونحوها، قالوا: هذه لنا، وبسببنا، وإذا نالهم ضُرٌّ، قالوا: هذا بسبب موسى وشُؤْمِهِ قاله مجاهد «٣» وغيره، وقرأ الجمهور «٤» «يَطَّيَّرُوا» - بالياء وشدِّ الطاء والياءِ الأخيرة-، وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ «٥» وغيره: «تَطِيرُوا» - بالتاء وتخفيف الطاء-، وقرأ «٦» مجاهدٌ: «تَشَاءَمُوا بمُوسَى» - بالتاء من فوق- وبلفظ الشؤم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا مَهْما ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ "مَهْما" ماما، ولَكِنْ أبْدَلَ مِنَ الألِفِ الأُولى الهاءَ لَيَخْتَلِفَ اللَّفْظُ، فَ "ما" الأُولى هي "ما" الجَزاءُ، و"ما" الثّانِيَةُ هي الَّتِي تُزادُ تَأْكِيدًا لَلْجَزاءِ، ودَلِيلُ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن حُرُوفِ الجَزاءِ إلّا و"ما" تُزادُ فِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ ﴾ كَقَوْلِكَ: إنْ تُثَقِّفْنَهم، وقالَ ﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ .
وتَكُونُ "ما" الثّانِيَةُ لَلشَّرْطِ والجَزاءِ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ هو الكَلامُ، وعَلَيْهِ اسْتِعْمالُ النّاسِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى "مَهْ" الكَفُّ، يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى "مَهْ" والِاخْتِيارُ أنْ لا يُوقَفُ عَلَيْها دُونَ "ما" لِأنَّها في المُصْحَفِ حَرْفٌ واحِدٌ.
وفي الطُّوفانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الماءُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَطَرٌ دائِمُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ، ومُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والثّانِي: أنَّهُ المَوْتُ، رَوَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنَ النَّبِيِّ ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ كَثِيرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعُونُ، نَقَلَ عَنْ مُجاهِدٍ، ووَهْبٍ أيْضًا.
وفي القَمْلِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ السُّوسُ الَّذِي يَقَعُ في الحِنْطَةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ الدَّبى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ.
وقالَ قَتادَةُ: القَمْلُ: أوْلادُ الجَرادِ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الدَّبى: الجَرادُ إذا تَحَرَّكَ قَبْلَ أنْ تَنْبُتَ أجْنِحَتُهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ دَوابٌّ سُودٌ صِغارٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: هَذِهِ الدَّوابُّ هي السُّوسُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الجُعْلانُ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ القَمْلُ، ذَكَرَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والسّادِسُ: أنَّهُ البَراغِيثُ، حَكاهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُ الحَمْنانُ، واحِدَتُها: حَمْنانَةُ، وهي ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: "القَمْلُ" بِرَفْعِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ.
وَفِي الدَّمِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ماءَهم صارَ دَمًا، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ رُعافٌ أصابَهم، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الإشارَةُ إلى شَرْحِ القِصَّةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَهُمُ الطُّوفانُ، فَكانَ الرَّجُلُ لا يَقْدِرُ أنْ يَخْرُجَ إلى ضَيْعَتِهِ، حَتّى خافُوا الغَرَقَ، فَقالُوا: يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفُهُ عَنّا، ونُؤْمِنُ بِكَ، ونُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَدَعا لَهم، فَكَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وأنْبَتَ لَهم شَيْئًا لَمْ يُنْبِتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: هَذا ما كُنّا نَتَمَنّى، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ فَدَعا، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم، فَأحْرَزُوا زُرُوعَهم في البُيُوتِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَمْلَ، فَكانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ بِطَحِينِ عَشْرَةِ أجْرِبَةٍ إلى الرَّحى، فَلا يَرى مِنها ثَلاثَةَ أقْفِزَةٍ، فَسَألُوهُ، فَدَعا لَهم، فَكَشَفَ عَنْهم، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ، ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أشَدُّ مِنها، كانَتْ تَجِيءُ إلى القُدُورِ وهي تَغْلِي وتَفُورُ، فَتُلْقِي أنْفُسَها فِيها، فَتُفْسِدُ طَعامَهم وتُطْفِئُ نِيرانَهم، وكانَتِ الضَّفادِعُ بَرِّيَّةً، فَأوْرَثَها اللَّهُ تَعالى بَرْدَ الماءِ والثَّرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَسَألُوهُ، فَدَعا لَهم، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَجَرَتْ أنْهارُهم وقَلْبُهم دَمًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الماءِ العَذْبِ، وبَنُو إسْرائِيلَ في الماءِ العَذْبِ، فَإذا دَخَلَ الرَّجُلُ مِنهم يَسْتَقِي مِن أنْهارِ بِنِي إسْرائِيلَ صارَ ما دَخَلَ فِيهِ دَمًا، والماءُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ صافٍ عَذْبٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: أُقْسِمُ بِإلَهِي يا مُوسى لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنُنَّ لَكَ، ولِنُرْسِلُنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا مُوسى، فَذَهَبَ الدَّمُ وعَذَبَ ماؤُهم، فَقالُوا: واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَيْنَ الآَيَةِ والآَيَةِ فَصَلٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الآَيَةُ تَمْكُثُ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ، ثُمَّ يَبْقَوْنَ عَقِيبَ رَفْعِها شَهْرًا في عافِيَةٍ، ثُمَّ تَأْتِي الآَيَةُ الأُخْرى.
قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَيْنَ كُلِّ آَيَتَيْنِ أرْبَعُونَ يَوْمًا.
ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَكَثَ مُوسى في آَلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَما غَلَبَ السَّحَرَةُ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآَياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ.
وَفِي قَوْلِهِ: "فاسْتَكْبَرُوا" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَنِ الإيمانِ.
والثّانِي: عَنِ الِانْزِجارِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَفادِعَ والدَمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ كانَ القَصْدُ في إصابَتِهِمْ بِالقَحْطِ والنَقْصِ في الثَمَراتِ أنْ يُنِيبُوا ويَرْجِعُوا فَإذا بِهِمْ قَدْ ضَلُّوا وجَعَلُوها تَشاؤُمًا بِمُوسى، فَكانُوا إذا اتَّفَقَ لَهُمُ اتِّفاقٌ حَسَنٌ في غَلّاتٍ ونَحْوِها قالُوا: هَذا لَنا وبِسَبَبِنا وعَلى الحَقِيقَةِ لَنا، وإذا نالَهم ضُرٌّ قالُوا: هَذا بِسَبَبِ مُوسى وشُؤْمِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالياءِ وشَدِّ الطاءِ والياءِ الأخِيرَةِ "يَطَّيَّرُوا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ: "تَطَيَّرُوا"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "تَشاءَمُوا بِمُوسى" بِالتاءِ مِن فَوْقُ وبِلَفْظِ الشُؤْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّما طائِرُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: حَظُّهم ونَصِيبُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَيْرِ، فَسُمِّيَ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَقِدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطائِرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "طائِرُهُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "طَيْرُهُمْ".
وقالَ تَعالى: "أكْثَرَهُمْ" وجَمِيعُهم لا يَعْلَمُ إمّا لِأنَّ القَلِيلَ عَلِمَ كالرَجُلِ المُؤْمِنِ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنْ يُرادَ الجَمِيعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ لِأجْلِ الإمْكانِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "طائِرُهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يَعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ، وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللهُ.
و"مَهْما" أصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ "ما ما" فَبُدِّلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي "مَهْ ما" خُلِطَتا، وهي حَرْفٌ واحِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها: "مَهْ وما" جَزاءٌ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ طُغْيانَهم وعُتُوَّهم وقَطْعَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ البَحْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الأخْفَشُ: الطُوفانُ: جَمْعُ طُوفانَةٍ، وهَذِهِ عُقُوباتٌ وأنْواعٌ مِنَ العَذابِ بَعَثَها اللهُ عَلَيْهِمْ لِيَزْدَجِرُوا ويُنِيبُوا، والطُوفانُ: مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: طافَ يَطُوفُ فَهو عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ كَثُرَ في الماءِ والمَطَرِ الشَدِيدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: غَيَّرَ الجَدَّةَ مِن آياتِها ∗∗∗ خُرُقُ الرِيحِ وطُوفانُ المَطَرِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَجْمِ: قَدْ مَدَّ طُوفانٌ فَبَثَّ مَدَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: إنَّ الطُوفانَ في هَذِهِ الآيَةِ المَطَرُ الشَدِيدُ أصابَهم وتَوالى عَلَيْهِمْ حَتّى هَدَمَ بُيُوتَهم وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِيلِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ في كَيْفِيَّتِهِ قَصَصٌ كَثِيرٌ.
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها «عَنِ النَبِيِّ : "إنَّ الطُوفانَ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَوْتُ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هو مَصْدَرٌ مُعَمًّى، عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِمْ.
والجَرادُ مَعْرُوفٌ، قالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ جَرادَةٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَإنْ أرَدْتَ الفَصْلَ قُلْتَ: رَأيْتُ جَرادَةً ذِكْرًا، ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا والى عَلَيْهِمُ المَطَرَ غَرِقَتْ أرْضُهم ومُنِعُوا،الزِراعَةَ قالُوا: يا مُوسى ادْعُ في كَشْفِ هَذا عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا، فَدَفَعَهُ اللهُ عنهم فَأنْبَتَتِ الأرْضُ إنْباتًا حَسَنًا، فَطَغَوْا وقالُوا: ما نَوَدُّ أنّا لَمْ نُمْطَرْ، وما هَذا إلّا إحْسانٌ مِنَ اللهِ إلَيْنا، فَبَعَثَ اللهُ حِينَئِذٍ الجَرادَ، فَأكَلَ جَمِيعَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ أكَلَ أبْوابَهم وأكَلَ الحَدِيدَ والمَسامِيرَ، وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ غايَةَ التَضْيِيقِ، وتَرَكَ اللهُ مِن نَباتِهِمْ ما يَقُومُ بِهِ الرَمَقُ، فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ في كَشْفِ الجَرادِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ، ورَأوا أنَّ ما أقامَ رَمَقَهم قَدْ كَفاهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ وهي الدَبى صِغارُ الجَرادِ الَّذِي يَثِبُ ولا يَطِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: هو الحَمْنانُ وهو صِغارُ القِرْدانِ.
وقِيلَ: هو البَراغِيثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُمَّلُ: السُوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الحِنْطَةِ، وقِيلَ: القُمَّلُ: حَيَوانٌ صَغِيرٌ جِدًّا أسْوَدُ، وإنَّهُ بِأرْضِ مِصْرَ حَتّى الآنَ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: القُمَّلُ: الجُعْلانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "القَمْلَ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، فَهي -عَلى هَذا- بَيِّنَةٌ، إذْ هو القَمْلُ المَعْرُوفُ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى مَشى بِعَصاهُ إلى كَثِيبٍ أُهِيلَ، فَضَرَبَهُ فانْتَشَرَ كُلُّهُ قَمْلًا في مِصْرَ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا فَدَعا، ورَجَعُوا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
وبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمُ الضَفادِعَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في فُرُشِهِمْ وبَيْنَ ثِيابِهِمْ، وإذا هَمَّ الرَجُلُ أنْ يَتَكَلَّمَ وثَبَ الضِفْدَعُ في فَمِهِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَجُلُ يَجْلِسُ إلى ذَقْنِهِ في الضَفادِعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الضَفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أُرْسِلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ، فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ أنْفُسَها في القُدُورِ وهي تَغْلِي فَأثابَها اللهُ بِحُسْنِ طاعَتِها بِرَدِّ الماءِ.
فَقالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ الدَمَ فَرَجَعَ ماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَسْقُونَهُ ويَحْصُلُ عِنْدَهم دَمًا، فَرُوِيَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَسْتَقِي مِنَ البِئْرِ فَإذا ارْتَفَعَ إلَيْهِ الدَلْوُ عادَ دَمًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ بِإناءٍ واحِدٍ فَإذا خَرَجَ الماءُ كانَ الَّذِي يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا والَّذِي يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، إلى نَحْوِ هَذا وشِبْهِهِ مِنَ العَذابِ بِالدَمِ المُنْقَلِبِ عَنِ الماءِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُتَأوِّلِينَ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُعافَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "والدَمَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ﴾ التَفْصِيلُ أصْلُهُ في الأجْرامِ إزالَةُ الِاتِّصالِ، فَهو تَفْرِيقُ شَيْئَيْنِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي فَيُرادُ أنَّهُ فُرِّقَ بَيْنَها وأُزِيلَ اشْتِراكُها وإشْكالُها، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ بَيانُها وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "مُفَصَّلاتٍ" يُرادُ بِهِ مُفَرَّقاتُ بِالزَمَنِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ العَذابُ يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُدَّةً قِيلَ: شَهْرٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَرِدُ الآخَرُ، فالمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَجِئْ جُمْلَةً ولا مُتَّصِلَةً، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِكْبارِ عَنِ الآياتِ والإيمانِ، وبِأنَّهم كانَ لَهُمُ اجْتِرامٌ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَلى عِبادِهِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ وقالوا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ [الأعراف: 130] الآية، فهم قابلوا المصائب التي أصابهم الله بها ليذكّروا، بازدياد الغرور فأيسوا من التذكر بها، وعاندوا موسى حين تحداهم بها فقالوا: مَهْما تأتنا به من أعمال سحرك العجيبة فما نحن لك بمؤمنين، أي: فلا تتعب نفسك في السحر.
و ﴿ مهما ﴾ اسم مضمن معنى الشرط، لأن أصله (ما) الموصولة أو النكرة الدالة على العموم، فركبّت معها (ما) لتصييرها شرطية كما ركبت (ما) مع (أي) و(متى) و(أيْنَ) فصارت أسماء شرط، وجعلت الألف الأولى هاء اسْتثقالاً لتكرير المتجانسين، ولقرب الهاء من الألف فصارت مهما، ومعناها: شيء ما، وهي مبهمة فيؤتى بعدها بمن التبْيينية، أي: إن تأتنا بشيء من الآيات فما نحن لك بمؤمنين.
و ﴿ مهما ﴾ في محل رفع بالابتداء، والتقدير: أيّما شيء تأتينا به، وخبره الشرط وجوابه، ويجوز كونها في محل نصب لفعل محذوف يدل عليه ﴿ تأتنا به ﴾ المذكور.
والتقدير: أي شيء تُحضرنا تأتينا به.
وذُكّر ضمير ﴿ به ﴾ رعياً للفظ ﴿ مهما ﴾ الذي هو في معنى أي شيء، وأنّث ضمير ﴿ بها ﴾ رعياً لوقوعه بعد بيان ﴿ مهما ﴾ باسم مؤنث هو ﴿ آية ﴾ .
و ﴿ من آية ﴾ بيان لإبهام ﴿ مهما ﴾ .
والآية: العلامة الدالة، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتا أولئك أصحاب النار ﴾ في سورة البقرة (39)، وفي قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ في سورة الأنعام (37).
وسموا ما جاء به موسى آية باعتبار الغرض الذي تحداهم به موسى حين الإتيان بها، لأن موسى يأتيهم بها استدلالاً على صدق رسالته، وهم لا يعدونها آية ولكنهم جارَوْا موسى في التسمية بقرينة قولهم لتسحرنا بها } ، وفي ذلك استهزاء كما حكى الله عن مشركي أهل مكة وقالوا: ﴿ يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] بقرينة قولهم: إنك لمجنون.
وجملة ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ مفيدة المبالغة في القطع بانتفاء إيمانهم بموسى لأنهم جاءوا في كلامهم بما حوته الجملة الاسمية التي حَكَتْهُ من الدلالة على ثبوت هذا الانتفاء ودوامه.
وبما تفيده الباء من توكيد النفي، وما يفيده تقديم متعلق مؤمنين من اهتمامهم بموسى في تعليق الإيمان به المنفي باسمه.
والفاء في قوله: ﴿ فأرسلنا ﴾ لتفريع إصابتهم بهذه المصائب على عتوهم وعنادهم.
والإرسال: حقيقته توجيه رسول أو رسالة فيعدى إلى المفعول الثاني (بإلى) ويضمّن معنى الإرسال من فوق، فيعدى إلى المفعول الثاني (بعَلى)، قال تعالى: ﴿ وأرسل عليهم طيراً أبابيل ﴾ [الفيل: 3]، ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ﴾ [الذاريات: 41] فحرف (على) دل على أن جملة أرسلنا مفرعة تفريع العقاب لا تفريغ زيادة الآيات.
والطوفان: السَيْح الغالب من الماء الذي يغمر جهات كثيرة ويطغى على المنازل والمزارع، قيل هو مشتق من الطواف لأن الماء يطوف بالمنازل، أي: تتكرر جريته حولها، ولم يدخل الطوفان الأرض التي كان بها بنو إسرائيل وهي أرض (جاسان).
والجراد: الحشرة الطائرة من فصيلة الصرصر والخنافس له أجنحة ستة ذات ألوان صفر وحمر تنتشر عند طيرانه، يكون جنوداً كثيرة يسمى الجند منها رِجْلا.
وهو مهلك للزرع والشجر، يأكل الورق والسنبل ووَرَق الشجر وقشره، فهو من أسباب القحط.
أصاب أرض قوم فرعون ولم يصب أرض بني إسرائيل.
والقُمّلُ: بضم القاف وتشديد الميم المفتوحة في القراءات المشهورة اسم نوع من القراد عظيم يسمى الحُمْنان بضم الحاء المهملة وميم ساكنة ونونين واحدته حمنانة وهو يمتص دم الإنسان (وهو غير القَمْل بفتح القاف وسكون الميم الذي هو من الحشرات الدقيقة التي تكون في شعر الرأس وفي جلد الجسد يتكون من تعفن الجلد لوسخه ودسومته ومن تعفن جلد الرأس كثيراً)، أصاب القبط جند كثير من الحمنان عسر الاحتراز عنه ولعله أصاب مواشيَهم.
والضفادع: جمع ضَفْدَع وهو حيوان يمشي على أرجل أربع ويسحب بطنه على الأرض ويسبح في المياه، ويكون في الغدران ومناقع المياه، صوته مثل القراقر يسمى نقيقاً، أصابهم جند كثير منه يقع في طعامهم يرتمي إلى القدور، ويقع في العيون والأسقية وفي البيوت فيفسد ما يقع فيه وتطؤه أرْجُل الناس فتتقذر به البيوت، وقد سلمت منه بلاد (جاسان) منزل بني إسرائيل.
والدم معروف، قيل: أصابهم رعاف متفش فيهم، وقيل: صارت مياه القبط كالدم في اللون، كما في التوراة، ولعل ذلك من حدوث دود أحمر في الماء فشبه الماء بالدم، وسلمت مياه (جاسان) قرية بني إسرائيل.
وسمى الله هاته ﴿ آيات ﴾ لأنها دلائل على صدق موسى لاقترانها بالتحدي، ولأنها دلائل على غضب الله عليهم لتظافرها عليهم حين صمموا الكفر والعناد.
وانتصب ﴿ آيات ﴾ على الحال من الطوفان وما عطف عليه، و ﴿ مفصّلات ﴾ اسم مفعول من فصّل المضاعف الدال على قوة الفصل.
والفصل حقيقته التفرقة بين الشيئين بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر، ويستعار الفصل لإزالة اللبس والاختلاط في المعاني ف ﴿ مفصلات ﴾ وصف ل ﴿ آيات ﴾ ، فيكون مراداً منه معنى الفصل المجازي وهو إزالة اللبس، لأن ذلك هو الأنسب بالآيات والدلائل، أي: هي آيات لا شبهة في كونها كذلك لمن نَظر نَظر اعتبار.
وقيل: المراد أنها مفصول بعضها عن بعض في الزمان، أي لم تحدث كلها في وقت واحد، بل حدث بعضها بعد بعض، وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على تراخي المدة بين الواحدة والأخرى، ويجيء على هذا أن العذاب كان أشد وأطول زمناً كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وما نريهم من آية إلاّ هي أكبر من أختها ﴾ [الزخرف: 48]، قيل: كان بين الآية منها والأخرى مدة شهر أو مدة ثمانية أيام، وكانت تدوم الواحدة منها مدة ثمانية أيام وأكثر، وعلى هذا الوجه فالأنسب أن يجعل ﴿ مفصلات ﴾ حالاً ثانية من الطوفان والجراد، وأن لا يجعل صفة ﴿ آيات ﴾ .
والفاء في قوله: ﴿ فاستكبروا ﴾ للتفريع والترتب، أي: فتفرع على إرسال الطوفان وما بعده استكبارهم، كما تفرع على أخذهم بالسنين غرورُهم بأن ذلك من شؤم موسى ومن معه، فعُلم أن من طبع تفكيرهم فسادَ الوضع، وهو انتزاع المدلولات من أضداد أدلتها، وذلك دليل على انغماسهم في الضلالة والخذلان، وبعدهم عن السعادة والتوفيق، فلا يزالون مورطين في وحل الشقاوة.
فالاستكبار: شدة التكبر كما دلت عليه السين والتاء، أي: عدَ أنفسهم كبراء، أي تعاظمهم عن التصديق بموسى وإبطال دينهم إذ أعرضوا عن التصديق بتلك الآيات المفصلات.
وجملة: ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ معطوفة على جملة ﴿ فاستكبروا ﴾ ، فالمعنى: فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا، وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على ثبات وصف الإجرام فيهم، وتمكنه منهم، ورسوخه فيهم من قبل حدوث الاستكبار، وفي ذلك تنبيه على أن وصف الإجرام الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر منهم، ف (كان) دالةٌ على استمرار الخبر وهو وصف الإجرام.
والإجرام: فعل الجرم وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ في هذه السورة (40).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ ﴾ أمّا الطُّوفانُ فَفِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الغَرَقُ بِالماءِ الزّائِدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الطّاعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَرَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «الطُّوفانُ المَوْتُ» .
والرّابِعُ: أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ طافَ بِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ كَثْرَةُ المَطَرِ والرِّيحِ، واسْتَدَلَّ قائِلٌ ذَلِكَ بِقَوْلِ الحَسَنِ بْنِ عُرْفُطَةَ: غَيَّرَ الجِدَّةَ مِن عِرْفانِهِ خُرُقُ الرِّيحِ وطُوفانُ المَطَرِ والسّادِسُ: أنَّهُ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، واسْتَدَلَّ قائِلُ ذَلِكَ بِقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: ومَرَّ طُوفانٌ فَبِتُّ شَهْرًا ∗∗∗ فَرْدًا شَآبِيبَ وشَهْرًا مَدَرًا ﴿ والقُمَّلَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الدَّبى وهو صِغارُ الجَرادِ لا أجْنِحَةَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ السُّوسُ الَّذِي في الحِنْطَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: البَراغِيثُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: القِرْدانِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والخامِسُ: هو دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وشاهِدُهُ قَوْلُ الأعْشى: قَوْمًا تُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهُهم ∗∗∗ وسَلاسِلًا أُجُدًا وبابًا مُؤْصَدًا وَواحِدُ القَمْلِ قَمْلَةٌ.
وَأمّا الضَّفادِعُ فَواحِدُها ضِفْدَعٌ وهو مَشْهُورٌ.
وَقِيلَ إنَّهُ كانَ يُوجَدُ في فِراشِهِمْ وآنِيَتِهِمْ، ويَدْخُلُ في ثِيابِهِمْ فَيَشْتَدُّ أذاهُ لَهم.
وَأمّا الدَّمُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ماءَ شُرْبِهِمْ كانَ يَصِيرُ دَمًا عَبِيطًا، فَكانَ إذا غَرَفَ القِبْطِيُّ مِنَ الماءِ صارَ دَمًا وإذا غَرَفَ الإسْرائِيلِيُّ كانَ ماءً.
والثّانِي: أنَّهُ رُعافٌ كانَ يُصِيبُهم، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُبَيِّناتٌ لِنُبُوَّةِ مُوسى.
والثّانِي: مُفَصَّلٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمْ تَجْتَمِعْ في وقْتٍ واحِدٍ بَلْ كانَتْ تَأْتِي شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ فَيَكُونُ في تَفْرِقَتِها مَعَ الإنْذارِ إعْذارٌ، وكانَ بَيْنَ كُلِّ آيَتَيْنِ شَهْرٌ.
﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الِانْزِجارِ بِالآياتِ.
والثّانِي: عَنِ الإيمانِ بِمُوسى.
﴿ وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كافِرِينَ.
والثّانِي: مُتَعَدِّينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ﴾ - فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: هو الطّاعُونُ أصابَهم فَماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ سَبْعُونَ ألْفَ إنْسانٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِما تَقَدَّمَ إلَيْكَ بِهِ أنْ تَدْعُوَهُ بِهِ فَيُجِيبُكَ كَما أجابَكَ في آياتِكَ.
والثّانِي: ما هَداكَ بِهِ أنْ تَفْعَلَهُ في قَوْمِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى مَعْنى القَسَمِ كَأنَّهم أقْسَمُوا عَلَيْهِ بِما عَهِدَ عِنْدَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهم.
﴿ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ هَذا قَوْلُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنُصَدِّقَنَّكَ يا مُوسى أنَّكَ نَبِيٌّ.
والثّانِي: لَنُؤْمِنَنَّ بِكَ يا اللَّهُ أنَّكَ إلَهٌ واحِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وقالوا مهما تأتنا به من آية ﴾ قال: إن ما تأتنا به من آية قال: وهذه فيها زيادة ما.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا ﴾ يعني: آل فرعون لموسى ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا ﴾ ؛ اختلف النحويون (١) ﴿ مَهْمَا ﴾ على قولين: أحدهما: أن أصلها (ما ما) الأولى هي (ما) الجزاء، والثانية: هي التي (٢) (٣) ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ ﴾ وهو كقولك: إن تثقفنهم، ثم أبدلوا من ألف (ما) الأولى هاء (٤) (٥) وقال الكسائي: (الأصل مه (٦) (٧) قال الزجاج: (والتفسير الأول هو الكلام، وعليه استعمال الناس) (٨) (٩) (١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 532، و"الأصول" لابن السراج 2/ 159 و220، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 20، و"الصاحبي" ص 275، و"مغني اللبيب" 1/ 330.
(٢) لفظ: (التي) ساقط من (ب).
(٣) في النسخ: (كقولهم: أما، ومتى ما وكيفما).
وأصل النص في "تهذيب اللغة" 4/ 3460 وفيه: (مثل إنما ومتى وكيفما).
(٤) في (ب): (ما)، وهو تحريف.
(٥) انظر: "الكتاب" 3/ 59 - 60، و"العين" 3/ 358.
(٦) في (ب): (الأصل فيه التي بمعنى الكف)، وهو تحريف.
(٧) ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 9 ب عن الكسائي، وقال سيبويه في "الكتاب" 3/ 60 بعد ذكر قول الخليل السابق: (وقد يجوز أن يكون مَهْ كإذ ضم إليها ما) اهـ.
(٨) "معاني الزجاج" 2/ 369، ونحوه قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3460 قال: (والقول الأول أقيس) اهـ.
وانظر: "البيان" 1/ 371، و"التبيان" ص 387.
(٩) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 633، و"المشكل" 1/ 299، و"غرائب الكرماني" 1/ 419، و"الدر المصون" 5/ 431.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة ﴾ الآية: إذ جاءهم الخصب والرخاء قالوا: هذه لنا وبسعدنا، ونحن مستحقون له وإذ جاءهم الجدب والشدة تطيروا بموسى: أي قالوا هذه بشؤمه، فإن قيل: لم قال إذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة؟
فالجواب: أن وقوع الحسنة كثير، والسيئة وقوعها نادر فعرف الكثير الوقوع باللام التي للعهد، وذكره بإذا لأنها تقتضي التحقيق وذكر السيئة بإن لأنها تقتضي الشك ونكرها للتعليل ﴿ ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ أي إنما حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمي به ما يصيب الإنسان.
ومقصود الآية الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم.
مهما هي ما الشرطية ضمت إليها ما الزائدة نحو أينما، ثم قلبت الألف هاء، وقيل: هي اسم بسيط غير مركب.
والضمير في به يعود على مهما، وإنما قالوا: من آية على تسمية موسى لها آية، أو على وجه التهكم ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان ﴾ روي أنه كان مطراً شديداً دائماً مع فيض النيل حتى هدم بيوتهم، وكادوا يهلكون وامتنعوا من الزراعة وقيل هو الطاعون ﴿ والجراد ﴾ هو المعروف أكل زروعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم ﴿ والقمل ﴾ قيل هي صغار الجراد، وقيل: البراغيث، وقيل: السوس، وقرئ القمل بفتح القاف والتخفيف، فهي على القمل المعروف، وكانت تتعلق بلحومهم وشعورهم ﴿ والضفادع ﴾ هي المعروفة كثرت عندهم حتى امتلأت بها فرشهم وأوانيهم وإذا تكلم أحدهم وثبت الضفدع إلى فمه ﴿ والدم ﴾ صارت مياههم دماً فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيخرج ما يلي القبطي دماً، وما يلي الإسرائيلي ماء ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز ﴾ أي العذاب وهي الأشياء المتقدمة وكانوا مهما نزل بهم أمر منها عاهدوا موسى على أن يؤمنوا به إن كشفه عنهم، فلما كشفه عنهم نقضوا العهد وتمادوا على كفرهم ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ بدعائك إليه ووسائلك، والباء تحتمل أن تكون للقسم وجوابه لنؤمنن لك أو يتعلق بادع لنا أي توسل إليه بما عندك ﴿ فِي اليم ﴾ البحر الميت حيث وقع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.
الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.
الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.
الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.
﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.
التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.
وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.
والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.
قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.
وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.
وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.
ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.
وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.
ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.
فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.
ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.
عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.
وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.
فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.
ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .
و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.
ثم حكى ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.
فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.
قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.
والسنون من الجموع المصححة الشاذة.
عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.
وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.
قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.
قال القاضي: في الآية دلالة على أنه أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.
وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.
وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟
﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.
وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.
وكان النبي يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.
قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.
ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.
وقد تشاءمت اليهود بالنبي وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.
قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.
وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.
ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.
﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.
وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.
قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.
وقيل: هو الموتان.
وقيل: الطاعون.
والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.
فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.
وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.
فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.
وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.
وقيل: البراغيث.
وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.
وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.
وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.
فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.
فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.
وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.
وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.
وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.
ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.
ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.
وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.
أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.
ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.
وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.
ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.
وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.
وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.
قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ﴾ إلى تمام الآيتين.
ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.
وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.
وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.
وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.
ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.
ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.
وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.
وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.
وعن علي أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.
ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.
﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.
وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.
﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.
وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.
قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.
ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.
والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.
وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.
التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.
﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.
وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.
﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.
يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.
﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.
قوله - عز جل -: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
عن ابن مسعود - -: ﴿ بِٱلسِّنِينَ ﴾ قال: بالجوع، وقيل: بالقحط.
ومجاهد: ﴿ بِٱلسِّنِينَ ﴾ قال: بالجوائح ونقص من الثمرات دون ذلك.
وقال القتبي: بالسنين: بالجدب؛ يقال: أصاب الناس سنة: أي جدب.
فإن قيل: ذكر أنه أخذ آل فرعون، وكان فيهم بنو إسرائيل فما معنى التخصيص؟
قيل: يحتمل أن يكون ذلك لهم خاصّة دون بني إسرائيل، وإن كانوا فيهم؛ على ما ذكر في بعض القصّة أن القبط كانوا يشربون الدم وبنو إسرائيل الماء، أو كان الجدب والنقص من الثمرات يضر آل فرعون، ولا يضر بني إسرائيل؛ لما أنهم كانوا يأكلون للشهوة وبنو إسرائيل للحاجة، فمن يأكل للحاجة كان أقل حاجة إلى الطعام ممن يأكل للشهوة؛ فإذا لم يجدوا ما يأكلون للشهوة كان أضر بهم.
ألا ترى أنه قيل: "يأكل المؤمن في معيٍّ واحد والكافر لسبعة أمعاء" أو خرج تخصيص ذلك لهم لما أن في عقد بني إسرائيل أن [لله أن] يمتحنهم بجميع أنواع المحن: مرة بالشدة ومرة بالسعة، ومن عقد القبط لا، فأضيف إليهم ذلك لما لم يكن في عقدهم ذلك، وإن كانوا جميعاً في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .
أي: يتعظون، "ولعل" من الله واجب قد اتعظوا لكنهم عاندوا وكابروا، وإلا قد لزمهم الاتعاظ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ .
أي: الخصب والسعة ﴿ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ ، أي: هذا ما كنا نعرفه أبداً وما جرينا على اعتياده، أو أن يقولوا: لنا هذه بفرعون وبعبادتنا له.
﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ .
قيل: الضيق والقحط.
﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ ﴾ .
وقال بشؤمه، وهذا كما قال العرب لمحمد: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ كانوا يضيفون ما يصيبهم من الحسنة إلى الله؛ لأنهم كانوا يقرون بالله، والقبط لا فيقولون ذلك من فرعون أو على الاعتياد.
فقال: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فعلى ذلك قال ها هنا: ﴿ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
ثم يحتمل هذا وجوهاً: قيل: جزاء تطيرهم عند الله في الآخرة.
وقيل: طائرهم وشؤمهم الذي كانوا تطيروا بموسى كان بتكذيبهم موسى؛ أضاف ذلك إلى ما عنده من الآيات؛ لأنهم بنزول تلك الآيات وإرسالها عليهم تطيروا بموسى، [وبتجدد] تلك الآيات تجدد تطيرهم وتشاؤمهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حظهم عند الله، وكذلك قال في قوله: ﴿ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ ﴾ ، وهو كما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ لما كذبوا تلك الآيات زاد ما نزل [بهم] من الآيات من بعد رجساً إلى رجسهم، فعلى ذلك شؤمهم وطائرهم الذي كان بتكذيبهم موسى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ ﴾ : من الطيرة، وهو من التشاؤم، يقال: تشاءمت بفلان، أي: قلت: هو غير مبارك، وتطيرت بفلان - أيضاً - مثله، ويقال: تبركت به إذا قلت: هو مبارك، ويقال: تطيرت واطيرت منه وبه.
﴿ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ ﴾ ، أي: شؤمهم ذلك الذي يخافون منه هو من عند الله، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : بأنه [كان] من عند الله، كان بتكذيبهم موسى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: تأويله: كل ما تأتينا به تزعم أنه آية، تريد أن تسحرنا بها، فما نحن لك بمؤمنين.
وقال ابن عباس، والحسن: هو: أي ما تأتينا ﴿ بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا...
﴾ ، الآية.
وقوله "مه" زيادة، وهو قول القتبي، ومعناه: أي ما تأتنا.
وقال الخليل: هو في الأصل ["ما" "ما"] إحداهما زيادة، فطرحت الألف وأبدلت مكانها هاء؛ طلباً للتخفيف.
وقال سيبويه النحوي: قوله: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ ﴾ ، [أي]: مه أي كأنهم قالوا له: مه، أي: اسكت، كما يقول الرجل لآخر: مه، أي: اسكت، "ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين".
والسحر: هو التحيير، وأخذ الأبصار، ولا حقيقة له؛ كقوله: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً ﴾ أي: متحيراً، وقوله: ﴿ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
ثم دل قولهم: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أن ما قالوا: إن هذا ساحر، وإنه سحر عن علم بالآية والنبوة له قالوا ذلك، لا عن جهل وغفلة حيث قالوا: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ذلك منهم إياس من الإيمان به، وقبول الآيات لأنهم أخبروا أنهم لا يقبلون الآيات، ولا يصدقونه في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
قال أهل التأويل: [لما قالوا ذلك] أرسل الله بعد السنين ونقص الثمرات الطوفان والآيات التي ذكر، ويحتمل أن يكون هذا وإن كان مؤخراً في الذكر فهو مقدم؛ لما قال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ ﴾ إلى آخره.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ أي: يتعظون.
ثم اختلف أهل التأويل في الطوفان: قال بعضهم: [الطوفان]: الماء والمطر حتى خافوا الهلاك، وهو قول ابن عباس.
وعن عائشة، قالت: "سئل النبي عن الطوفان، فقال: الموت" ، فإن ثبت فهو هو.
وقيل: الطوفان: هو أنواع العذاب.
والجراد: هو المعروف.
والقمل، قال بعضهم: هو بنات الجراد، يقال: الدباء.
وقيل: هو الجراد الصغار التي لا أجنحة لها.
﴿ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ ﴾ .
قيل: مفصلات، أي معرفات، واحداً بعد واحد، لم يرسل آية إلا بعد ذهاب أخرى، بعضها على إثر بعض.
وقيل: مفصلات، أي: بينات واضحات، ما علم كل أحد أنه [ليس من أحد] وليس من عمل السحر، ولكن آية سماوية إذ لو كان سحراً لتكلفوا في دفعه، واشتغلوا بالسحر على ما اشتغلوا بسحر العصا والحبال، فإذ لم يتكلفوا في ذلك، [و] لم يشتغلوا بدفع ذلك، بل فزعوا إلى موسى ليكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به، وإرسال بني إسرائيل معه، دلّ فزعهم إليه في كشف ذلك عنهم على أنهم قد عرفوا أنه ليس بسحر، ولكنه آية أقرّوا بها أنّها ليست بسحر، وأنها آيات إلا أنهم فزعوا عند ذلك إلى موسى فقالوا: ﴿ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ : ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ ووعدوه الإيمان به، وبعث بني إسرائيل معه إن كشف عنهم الرجز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ ما عهد لك أنك متى دعوته أجابك.
وقيل: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ أنَّا متى آمنا بك وصدّقناك كشف عنا الرجز، فقالوا: لئن كشف عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
وقال قوم فرعون لموسى عنادًا للحق: أي آية ودلالة جئتنا بها، وأي حجة أقمتها على بطلان ما عندنا لتصرفنا عنه، وعلى صدق ما جئت به؛ فلن نُصَدِّقَ بك.
<div class="verse-tafsir" id="91.mlgQe"