الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٣٣ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 169 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الله تعالى : ( فأرسلنا عليهم الطوفان ) اختلفوا في معناه ، فعن ابن عباس في رواية : كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار .
وبه قال الضحاك بن مزاحم .
وقال ابن عباس في رواية أخرى : هو كثرة الموت .
وكذا قال عطاء .
وقال مجاهد : ( الطوفان ) الماء ، والطاعون على كل حال .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، حدثنا يحيى بن يمان ، حدثنا المنهال بن خليفة ، عن الحجاج ، عن الحكم بن ميناء ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الطوفان الموت " .
وكذا رواه ابن مردويه ، من حديث يحيى بن يمان ، به وهو حديث غريب .
وقال ابن عباس في رواية أخرى : هو أمر من الله طاف بهم ، ثم قرأ : ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون .
[ فأصبحت كالصريم ] ) [ القلم : 19 ، 20 ] وأما الجراد فمعروف مشهور ، وهو مأكول ; لما ثبت في الصحيحين عن أبي يعفور قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد ، فقال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد وروى الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أحلت لنا ميتتان ودمان : الحوت والجراد ، والكبد والطحال " ورواه أبو القاسم البغوي ، عن داود بن رشيد ، عن سويد بن عبد العزيز ، عن أبي تمام الأيلي ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر مرفوعا مثله وروى أبو داود ، عن محمد بن الفرج ، عن محمد بن الزبرقان الأهوازي ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال : " أكثر جنود الله ، لا آكله ، ولا أحرمه " وإنما تركه ، عليه السلام لأنه كان يعافه ، كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب ، وأذن فيه .
وقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد ، من حديث أبي سعيد الحسن بن علي العدوي ، حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد ، حدثنا يحيى بن خالد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل الجراد ، ولا الكلوتين ، ولا الضب ، من غير أن يحرمها .
أما الجراد : فرجز وعذاب .
وأما الكلوتان : فلقربهما من البول .
وأما الضب فقال : " أتخوف أن يكون مسخا " ، ثم قال : غريب ، لم أكتبه إلا من هذا الوجه وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يشتهيه ويحبه ، فروى عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن عمر سئل عن الجراد فقال : ليت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين نأكله وروى ابن ماجه : حدثنا أحمد بن منيع ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال ، سمع أنس بن مالك يقول : كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد على الأطباق وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن نمير بن يزيد القيني حدثني أبي ، عن صدي بن عجلان ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مريم بنت عمران ، عليها السلام ، سألت ربها عز وجل أن يطعمها لحما لا دم له ، فأطعمها الجراد ، فقالت : اللهم أعشه بغير رضاع ، وتابع بينه بغير شياع " وقال نمير : " الشياع " : الصوت .
وقال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك اليزني حدثنا بقية بن الوليد ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي زهير النميري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقاتلوا الجراد ، فإنه جند الله الأعظم " .
غريب جدا وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله تعالى : ( فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ) قال : كانت تأكل مسامير أبوابهم ، وتدع الخشب .
وروى ابن عساكر من حديث علي بن زيد الخرائطي ، عن محمد بن كثير ، سمعت الأوزاعي يقول : خرجت إلى الصحراء ، فإذا أنا برجل من جراد في السماء ، وإذا برجل راكب على جرادة منها ، وهو شاك في الحديد ، وكلما قال بيده هكذا ، مال الجراد مع يده ، وهو يقول : الدنيا باطل باطل ما فيها ، الدنيا باطل باطل ما فيها ، الدنيا باطل باطل ما فيها .
وروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري ، حدثنا محمد بن الحسن بن زياد ، حدثنا أحمد بن عبد الرحيم ، أخبرنا وكيع ، عن الأعمش ، أنبأنا عامر قال : سئل شريح القاضي عن الجراد ، فقال : قبح الله الجرادة .
فيها خلقة سبعة جبابرة : رأسها رأس فرس ، وعنقها عنق ثور ، وصدرها صدر أسد ، وجناحها جناح نسر ، ورجلاها رجلا جمل .
وذنبها ذنب حية ، وبطنها بطن عقرب .
و [ قد ] قدمنا عند قوله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) [ المائدة : 96 ] حديث حماد بن سلمة ، عن أبي المهزم ، عن أبي هريرة ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة ، فاستقبلنا رجل جراد ، فجعلنا نضربه بالعصي ، ونحن محرمون ، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " لا بأس بصيد البحر " وروى ابن ماجه ، عن هارون الحمال عن هاشم بن القاسم ، عن زياد بن عبد الله بن علاثة ، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أنس وجابر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أنه كان إذا دعا على الجراد قال : " اللهم أهلك كباره ، واقتل صغاره ، وأفسد بيضه ، واقطع دابره ، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا ، إنك سميع الدعاء " .
فقال له جابر : يا رسول الله ، أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره ؟
فقال : " إنما هو نثرة حوت في البحر " قال هاشم أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوت قال : من حقق ذلك إن السمك إذا باض في ساحل البحر فنضب الماء عنه وبدا للشمس ، أنه يفقس كله جرادا طيارا .
وقدمنا عند قوله : ( إلا أمم أمثالكم ) [ الأنعام : 38 ] حديث عمر ، رضي الله عنه : " إن الله خلق ألف أمة ، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، وإن أولها هلاكا الجراد " وقال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا يزيد بن المبارك ، حدثنا عبد الرحمن بن قيس ، حدثنا سالم بن سالم ، حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك ، عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا وباء مع السيف ، ولا نجاء مع الجراد " .
حديث غريب وأما ( القمل ) فعن ابن عباس : هو السوس الذي يخرج من الحنطة .
وعنه أنه الدبى - وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له .
وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة .
وعن الحسن وسعيد بن جبير : ( القمل ) دواب سود صغار .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( القمل ) البراغيث .
وقال ابن جرير ) القمل ) جمع واحدتها " قملة " ، وهي دابة تشبه القمل ، تأكلها الإبل ، فيما بلغني ، وهي التي عناها الأعشى بقوله : قوم تعالج قملا أبناؤهم وسلاسلا أجدا وبابا مؤصدا قال : وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن القمل عند العرب " الحمنان " ، واحدتها " حمنانة " ، وهي صغار القردان فوق القمقامة .
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن حميد الرازي ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : لما أتى موسى ، عليه السلام ، فرعون قال له : أرسل معي بني إسرائيل ، فأرسل الله عليهم الطوفان - وهو المطر - فصب عليهم منه شيئا ، خافوا أن يكون عذابا ، فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا المطر ، فنؤمن لك ، ونرسل معك بني إسرائيل .
فدعا ربه ، فلم يؤمنوا ، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل .
فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ فقالوا : هذا ما كنا نتمنى .
فأرسل الله عليهم الجراد ، فسلطه على الكلأ فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع ، فقالوا : يا موسى ، ادع لنا ربك ليكشف عنا الجراد فنؤمن لك ، ونرسل معك بني إسرائيل .
فدعا ربه ، فكشف عنهم الجراد ، فلم يؤمنوا ، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ، فداسوا وأحرزوا في البيوت ، فقالوا : قد أحرزنا .
فأرسل الله عليهم القمل - وهو السوس الذي يخرج منه - فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى ، فلم يرد منها إلا ثلاثة أقفزة فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا القمل ، فنؤمن لك ، ونرسل معك بني إسرائيل .
فدعا ربه ، فكشف عنهم ، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل .
فبينما هو جالس عند فرعون ، إذ سمع نقيق ضفدع ، فقال لفرعون : ما تلقى أنت وقومك من هذا .
قال وما عسى أن يكون كيد هذا ؟
فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ، ويهم أن يتكلم فتثب الضفدع في فيه .
فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع ، فنؤمن لك ، ونرسل معك بني إسرائيل ، فدعا ربه ، فكشف عنهم فلم يؤمنوا .
وأرسل الله عليهم الدم ، فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار ، وما كان في أوعيتهم ، وجدوه دما عبيطا ، فشكوا إلى فرعون ، فقالوا : إنا قد ابتلينا بالدم ، وليس لنا شراب .
فقال : إنه قد سحركم !
!
فقالوا : من أين سحرنا ، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا ؟
فأتوه وقالوا : يا موسى ، ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل .
فدعا ربه ، فكشف عنهم ، فلم يؤمنوا ، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل وقد روي نحو هذا عن ابن عباس ، والسدي ، وقتادة وغير واحد من علماء السلف وقال محمد بن إسحاق بن يسار ، رحمه الله : فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مغلولا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر ، والتمادي في الشر ، فتابع الله عليه الآيات ، وأخذه بالسنين ، فأرسل عليه الطوفان ، ثم الجراد ، ثم القمل ، ثم الضفادع ، ثم الدم ، آيات مفصلات .
فأرسل الطوفان - وهو الماء - ففاض على وجه الأرض ثم ركد ، لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا ، حتى جهدوا جوعا ، فلما بلغهم ذلك ( قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ) فدعا موسى ربه ، فكشف عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الجراد ، فأكل الشجر ، فيما بلغني ، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد ، حتى تقع دورهم ومساكنهم ، فقالوا مثل ما قالوا ، فدعا ربهفكشف عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم القمل ، فذكر لي أن موسى ، عليه السلام ، أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه ، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم ، فضربه بها ، فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرارة ، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له ، فدعا ربه ، فكشف عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا .
فأرسل الله عليهم الضفادع ، فملأت البيوت والأطعمة والآنية ، فلا يكشف أحد ثوبا ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع ، قد غلبت عليه .
فلما جهدهم ذلك ، قالوا له مثل ما قالوا ، فسأل ربه فكشف عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الدم ، فصارت مياه آل فرعون دما ، لا يستقون من بئر ولا نهر ، ولا يغترفون من إناء ، إلا عاد دما عبيطا وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور المروزي ، أنبأنا النضر ، أنبأنا إسرائيل ، أنبأنا جابر بن يزيد عن عكرمة ، قال عبد الله بن عمرو : لا تقتلوا الضفادع ، فإنها لما أرسلت على قوم فرعون انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار ، يطلب بذلك مرضات الله ، فأبدلهن الله من هذا أبرد شيء يعلمه من الماء ، وجعل نقيقهن التسبيح .
وروي من طريق عكرمة ، عن ابن عباس ، نحوه وقال زيد بن أسلم : يعني بالدم الرعاف .
رواه ابن أبي حاتم .
القول في تأويل قوله : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " الطوفان ".
فقال بعضهم: هو الماء.
* ذكر من قال ذلك: 14989 - حدثني ابن وكيع قال، حدثنا حبوية أبو يزيد, عن يعقوب القمي, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: لما جاء موسى بالآيات, كان أول الآيات الطوفان, فأرسل الله عليهم السماء.
(6) 14990 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن يمان قال، حدثنا سفيان, عن إسماعيل, عن أبي مالك قال: " الطوفان "، الماء.
14991 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: " الطوفان "، الماء.
14992 - .
.
.
قال، حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: " الطوفان "، الغرق.
14993 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " الطوفان "، الماء، " والطاعون "، على كل حال.
(7) 14994 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " الطوفان "، الموت على كل حال.
14995 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: " الطوفان "، الماء.
* * * وقال آخرون: بل هو الموت.
* ذكر من قال ذلك: 14996 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا المنهال بن خليفة, عن الحجاج, عن الحكم بن ميناء, عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطوفان الموتُ.
(8) 14997 - حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال، سألت عطاء: ما الطوفان؟
قال: الموت.
(9) 14998 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء, عن ابن جريج, عن عطاء عمن حدثه, عن مجاهد قال: " الطوفان "، الموت.
14999 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن عبد الله بن كثير: (فأرسلنا عليهم الطوفان)، قال: الموت = قال ابن جريج: وسألت عطاء عن " الطوفان ", قال: الموت = قال ابن جريج: وقال مجاهد: الموتُ على كل حال.
15000 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن المنهال بن خليفة, عن حجاج, عن رجل, عن عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطوفان الموت .
(10) وقال آخرون: بل ذلك كان أمرًا من الله طاف بهم.
* ذكر من قال ذلك: 15001 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا جرير, عن قابوس بن أبي ظبيان, عن أبيه, عن ابن عباس: (فأرسلنا عليهم الطوفان)، قال: أمرُ الله الطوفان, ثم قرأ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ، [القلم: 19].
* * * وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة, (11) يزعم أن " الطوفان " من السيل: البُعَاق والدُّباش, وهو الشديد.
(12) ومن الموت المبَالغ الذَّريع السريع.
(13) * * * وقال بعضهم: هو كثرة المطر والريح.
* * * وكان بعض نحويي الكوفيين يقول: " الطوفان " مصدر مثل " الرجحان " و " النقصان "، لا يجمع.
* * * وكان بعض نحويي البصرة يقول: هو جمع, واحدها في القياس " الطوفانة ".
(14) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي, ما قاله ابن عباس، على ما رواه عنه أبو ظبيان (15) أنه أمر من الله طاف بهم, وأنه مصدر من قول القائل: " طاف بهم أمر الله يطوف طُوفَانًا " , كما يقال: " نقص هذا الشيء ينقُص نُقْصَانًا " .
وإذا كان ذلك كذلك, جاز أن يكون الذي طاف بهم المطر الشديد = وجاز أن يكون الموتَ الذريعَ.
ومن الدلالة على أن المطر الشديد قد يسمى " طوفانًا " قول حُسَيل بن عُرْفطة (16) غَـــيَّر الجِـــدَّةُ مِــنْ آيَاتِهَــا خُــرُقُ الــرِّيحِ وَطُوفَـانُ المَطَـرْ (17) ويروى: خُرُقُ الرِّيحِ بِطُوفَان المَطَرْ وقول الراعي: تُضْحِــي إذَا العِيسُ أَدْرَكْنَـا نَكَائِثَهَـا خَرْقَـاءَ يَعْتَادُهَـا الطُّوفَـانُ والـزُّؤُدُ (18) وقول أبي النجم: قَــدْ مَــدَّ طُوفَــانٌ فَبَـثَّ مَـدَدَا شَــهْرًا شَــآبِيبَ وَشَــهْرًا بَـرَدَا (19) * * * وأما " القُمَّل ", فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه.
فقال بعضهم: هو السوس الذي يخرج من الحنطة.
* ذكر من قال ذلك: 15002 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يعقوب القمي, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: " القمّل "، هو السوس الذي يخرج من الحنطة.
15003 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بنحوه.
* * * وقال آخرون: بل هو الدَّبَى, وهو صغار الجراد الذي لا أجنحة له.
* ذكر من قال ذلك: 15004 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: " القمّل "، الدبى.
15005 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قال: الدبى، القمّل.
15006 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: " القمل "، هو الدَّبَى.
15007 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " القمل "، الدبيَ.
15008 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة قال: " القُمَّل "، هي الدَّبَى, وهي أولاد الجراد.
15009 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك , عن ابن عباس قال: " القمل "، الدبى.
15010 - .
.
.
.
قال حدثنا يحيى بن آدم, عن قيس عمن ذكره, عن عكرمة قال: " القمل "، بناتُ الجراد.
15011 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس قال: " القمل "، الدبَى.
* * * وقال آخرون: بل " القمل "، البراغيثُ.
*ذكر من قال ذلك: 15012 - حدثني يونس قال، أخبرنا أبن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل)، قال: زعم بعض الناس في القمل أنها البراغيث.
* * * وقال بعضهم: هي دوابُّ سُودٌ صغار.
* ذكر من قال ذلك: 15013 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر قال: سمعت سعيد بن جبير والحسن قالا القمّل: دوابّ سود صغار.
* * * وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم (20) أن " القمل "، عند العرب: الحَمْنان = والحمنان ضرب من القِرْدان واحدتها: " حَمْنانة "، فوق القَمقامة.
(21) و " القمَّل " جمع، واحدتها " قملة ", وهي دابة تشبه القَمْل تأكلها الإبل فيما بلغني, وهي التي عناها الأعشى في قوله: (22) قَــوْمٌ تُعَــالِجُ قُمَّــلا أَبْنَــاؤُهُمْ وَسَلاسِــلا أُجُــدًا وَبَابًـا مُؤْصَـدَا (23) وكان الفراء يقول: لم أسمع فيه شيئًا, فإن لم يكن جمعًا، فواحده " قامل ", مثل " ساجد " و " راكع ", (24) وإن يكن اسمًا على معنى جمع, (25) فواحدته: " قملة ".
* ذكر المعاني التي حدثت في قوم فرعون بحدوث هذه الآيات، والسبب الذي من أجله أحدَثها الله فيهم.
15014 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يعقوب القمي, عن جعفر بن المغيرة, عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل!
فأبى عليه, فأرسل الله عليهم الطوفان = وهو المطر = فصبّ عليهم منه شيئًا, فخافوا أن يكون عذابًا, فقالوا لموسى: ادع لنا ربّك أن يكشف عنا المطر، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل (26) ، فدعا ربه, فلم يؤمنوا, ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ.
فقالوا: هذا ما كنا نتمنَّى، فأرسل الله عليهم الجراد, فسلَّطه على الكلأ فلما رأوا أثَره في الكلأ عرفوا أنه لا يُبقى الزرع.
فقالوا: يا موسى ادْع لنا ربك فيكشف عنا الجرادَ فنؤمن لك, ونرسل معك بني إسرائيل!
فدعا ربه, فكشف عنهم الجرادَ, فلم يؤمنوا, ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فدَاسُوا وأحرزُوا في البيوت, (27) فقالوا: قد أحرزْنَا فأرسل الله عليهم القُمَّل = وهو السوس الذي يخرج منه = فكان الرجل يخرج عشرة أجرِبة ٍإلى الرحى, فلا يردّ منها ثلاثة أقفِزة.
فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا القمَّل, فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل!
فدعا ربه, فكشف عنهم, فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل .
فبينا هو جالس عند فرعون، إذ سمع نقيق ضِفْدَع, فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا!
فقال: وما عسى أن يكون كيدُ هذا!
فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذَقْنه في الضفادع, ويهمُّ أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه.
فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع, فنؤمن لك, ونرسل معك بني إسرائيل!
[فكشف عنهم فلم يؤمنوا] (28) فأرسل الله عليهم الدم, فكان ما استقوا من الأنهار والآبار, أو ما كان في أوعيتهم وجدُوه دمًا عَبِطًا, (29) فشكوا إلى فرعون فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدّم, وليس لنا شراب!
فقال: إنه قد سحركم!
فقالوا: من أين سحرنا، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئًا من الماءِ إلا وجدناه دمًا عبيطًا؟
فأتوه فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربك يكشف عنا هذا الدم, فنؤمن لك, ونرسل معك بني إسرائيل!
فدعا ربه فكشف عنهم, فلم يؤمنوا, ولم يرسلوا معه بني إسرائيل.
15015 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حبوية أبو يزيد, عن يعقوب القمي, عن جعفر, عن ابن عباس قال، لما خافوا الغرق، قال فرعون: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنّا هذا المطر، فنؤمن لك = ثم ذكر نحو حديث ابن حميد, عن يعقوب.
(30) 15016 - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: ثم إن الله أرسل عليهم = يعني على قوم فرعون = الطوفان، وهو المطر, فغرق كل شيء لهم, فقالوا: يا موسى ادع لنا ربَّك يكشف عنَّا , ونحن نؤمن لك, ونرسل معك بني إسرائيل !
فكشف الله عنهم، (31) ونبتت به زروعهم, فقالوا: ما يسرّنا أنا لم نمطر.
فبعث الله عليهم الجراد , فأكل حروثهم, فسألوا موسى أن يدعو ربّه، فيكشفه، ويؤمنوا به.
فدعا فكشفه, وقد بقي من زروعهم بقيّة فقالوا: لم تؤمنون، وقد بقي من زرعنا بقيه تكفينا؟
فبعث الله عليهم الدَّبى = وهو القمل = فلحس الأرض كلها, (32) وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضُّه, وكان لأحدهم الطعام فيمتلئ دَبًى, حتى إن أحدهم ليبني الأسطوانة بالجصّ، فيزلّقُها حتى لا يرتقي فوقها شيء, (33) يرفع فوقها الطعام, فإذا صعد إليه ليأكله وجده ملآن دَبًى, فلم يصابوا ببلاء كان أشدَّ عليهم من الدبى = وهو " الرِّجْز " الذي ذكر الله في القرآن أنه وقع عليهم = فسألوا موسى أن يدعو ربه فيكشف عنهم ويؤمنوا به، فلما كُشف عنهم، أبوا أن يؤمنوا, فأرسل الله عليهم الدَّم, فكان الإسرائيلي يأتي هو والقِبْطي يستقيان من ماء واحد, فيخرج ماءُ هذا القبطي دمًا, ويخرج للإسرائيلي ماءً.
فلما اشتدَّ ذلك عليهم، سألوا موسى أن يكشفه ويؤمنوا به, فكشف ذلك, فأبوا أن يؤمنوا, وذلك حين يقول الله: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ، [الزخرف: 50] (34) 15017 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (فأرسلنا عليهم الطوفان)، قال: أرسل الله عليهم الماءَ حتى قاموا فيه قيامًا.
ثم كشف عنهم فلم يؤمنوا, (35) وأخصبت بلادهم خصبًا لم تخصب مثله، فأرسل الله عليه الجرادَ فأكله إلا قليلا فلم يؤمنوا أيضًا.
فأرسل الله القمّل = وهي الدَّبى, وهي أولاد الجراد = فأكلت ما بقي من زروعهم , فلم يؤمنوا.
فأرسل عليهم الضفادع, فدخلت عليهم بيوتهم, ووقعت في آنيتهم وفُرشهم, فلم يؤمنوا.
ثم أرسل الله عليهم الدمَ, فكان أحدهم إذا أراد أن يشرب تحوَّل ذلك الماء دمًا، قال الله: (آيات مفصلات).
15018 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فأرسلنا عليهم الطوفان)، حتى بلغ: (مجرمين)، قال: أرسل الله عليهم الماء حتى قاموا فيه قيامًا , فدعوا موسى، فدعا ربّه فكشفه عنهم, ثم عادوا لسوء ما يحضر بهم.
ثم أنبتت أرضهم، ثم أرسل الله عليهم الجراد, فأكل عامة حُروثهم وثمارهم.
ثم دعوا موسى فدعا ربه فكشف عنهم، ثم عادوا بشرِّ ما يحضر بهم.
فأرسل الله عليهم القمل, هذا الدبى الذي رأيتم, فأكل ما أبقى الجراد من حُروثهم, فلحسه.
فدعوا موسى, فدعا ربه فكشفه عنهم, ثم عادوا بشرّ ما يحضر بهم.
ثم أرسل الله عليهم الضفادع حتى ملأت بيوتهم وأفنيتهم.
فدعوا موسى, فدعا ربه فكشف عنهم.
ثم عادوا بشرّ ما يحضر بهم, فأرسل الله عليهم الدم, فكانوا لا يغترفون من مائهم إلا دمًا أحمر, حتى لقد ذُكر أنَّ عدو الله فرعون، كان يجمع بين الرجلين على الإناء الواحد, القبطي والإسرائيلي, فيكون مما يلي الإسرائيلي ماءً, ومما يلي القبطي دمًا.
فدعوا موسى, فدعا ربه, فكشفه عنهم في تسع آياتٍ: السنين, ونقص من الثمرات, وأراهم يدَ موسى عليه السلام وعصاه.
15019 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: ( فأرسلنا عليهم الطوفان)، وهو المطر، حتى خافوا الهلاك, فأتوا موسى فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنّا المطر, [إنا نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربّه فكشف عنهم المطر]، (36) فأنبت الله به حرثهم, وأخصب به بلادهم, فقالوا: ما نحبُّ أنا لم نُمطر بترك ديننا, فلن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل!
فأرسل الله عليهم الجراد, فأسرعَ في فسادِ ثمارهم وزروعهم, فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك [أن يكشف عنا الجراد, فإنا سنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل !].
(37) فدعا ربه, فكشف عنهم الجراد.
وكان قد بقي من زروعهم ومعاشهم بقايا, فقالوا، قد بقي لنا ما هو كافينا, فلن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل.
فأرسل الله عليهم القُمَّل = وهو الدَّبى = فتتبع ما كان ترك الجراد, فجزعوا وأحسُّوا بالهلاك، قالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الدَّبى, فإنا سنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل !
فدعا ربه, فكشف عنهم الدَّبى, فقالوا: ما نحن لك بمؤمنين، ولا مرسلين معك بني إسرائيل!
فأرسل الله عليهم الضفادع, فملأ بيوتهم منها, ولقُوا منها أذًى شديدًا لم يلقوا مثله فيما كان قبله, أنها كانت تثبُ في قدورهم, فتفسد عليهم طعامهم, وتطفئ نيرانهم.
قالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الضفادع, فقد لقينا منها بلاءً وأذًى, فإنا سنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل !
فدعا ربه, فكشف عنهم الضفادع, فقالوا: لا نؤمن لك, ولا نرسل معك بني إسرائيل!
فأرسل الله عليهم الدّم, فجعلوا لا يأكلون إلا الدم, ولا يشربون إلا الدم, فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك أن يكشف عنّا الدم, فإنا سنؤمن لك, ونرسل معك بني إسرائيل !
فدعا ربه، فكشف عنهم الدم, فقالوا: يا موسى، لن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل!
فكانت آيات مفصَّلات بعضها على إثر بعض, ليكون لله عليهم الحجة, فأخذهم الله بذنوبهم, فأغرقهم في اليمّ.
15020 - حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: أرسل على قوم فرعون الآيات: الجراد, والقمّل, والضفادع, والدم، آياتٌ مفصّلات.
قال: فكان الرجل من بني إسرائيل يركبُ مع الرجل من قوم فرعون في السّفينة, فيغترف الإسرائيلي ماءً, ويغترف الفرعوني دمًا.
قال: وكان الرجل من قوم فرعون ينام في جانب, فيكثر عليه القمل والضفادع حتى لا يقدر أن ينقلب على الجانب الآخر.
فلم يزالوا كذلك حتى أوحى الله إلى موسى: أنْ أسْرِ بعبادِي إنكم متَّبعون.
15021 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: لما أتى موسى فرعون بالرسالة، أبى أن يؤمن وأن يرسل معه بني إسرائيل, فاستكبر قال: لن أرسل معك بني إسرائيل !
(38) فأرسل الله عليهم الطوفان = وهو الماء = أمطر عليهم السماء، حتى كادوا يهلكون، وامتنع منهم كل شيء, فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك بما عهد عندك، لئن كشفت عنّا هذا لنؤمننّ لك ولنرسلن معك بني إسرائيل!
فدعا الله فكشف عنهم المطر, فأنبت الله لهم حُروثهم, وأحيا بذلك المطر كل شيء من بلادهم, فقالوا: والله ما نحبَّ أنا لم نكن أمطرنا هذا المطر, ولقد كان خيرًا لنا, فلن نرسل معك بني إسرائيل, ولن نؤمن لك يا موسى!
فبعث الله عليهم الجراد, فأكل عامة حروثهم, وأسرع الجراد في فسادِها, فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا الجراد, فإنا مؤمنون لك, ومرسلون معك بني إسرائيل !
فكشف الله عنهم الجراد.
وكان الجراد قد أبقى لهم من حروثهم بقيَّة, فقالوا: قد بَقي لنا من حروثنا ما كان كافِينَا, فما نحن بتاركي ديننا, ولن نؤمن لك, ولن نرسل معك بني إسرائيل !
فأرسل الله عليهم القمّل = و " القمّل "، الدبى، وهو الجراد الذي ليست له أجنحة = فتتبع ما بقي من حروثهم وشجرهم وكل نبات كان لهم, فكان القمّل أشدّ عليهم من الجراد، فلم يستطيعوا للقمل حيلةً, وجزعوا من ذلك.
وأتوا موسى, فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا القمل, فإنه لم يبق لنا شيئًا, قد أكل ما بقي من حروثنا, ولئن كشفت عنا القمل لنؤمنن لك, ولنرسلن معك بني إسرائيل !
فكشف الله عنهم القمل، فنكثوا, وقالوا: لن نؤمن لك, ولن نرسل معك بني إسرائيل!
فأرسل الله عليهم الضفادع, فامتلأت منها البيوتُ, فلم يبق لهم طعام ولا شراب إلا وفيه الضفادع, فلقوا منها شيئًا لم يلقوه فيما مضى, فقالوا: يا موسى ادع لنا ربّك لئن كشفت عنا الرِّجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل !
قال: فكشف الله عنهم، فلم يفعلوا, فأنـزل الله: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ، إلى: وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ .
15022 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا الحسن بن واقد, عن زيد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كانت الضفادع برِّية, فلما أرسلها الله على آل فرعون، سمعت وأطاعت, فجعلت تغرق أنفسها في القُدُور وهي تغلي, وفي التنانير وهي تفور, فأثابها الله بحسن طاعتها بَرْدَ الماء.
15023 - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: فرجع عدوّ الله = يعني فرعون, حين آمنت السحرة = مغلوبًا مغلولا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر، والتماديَ في الشر, فتابع الله عليه بالآيات, وأخذه بالسنين, فأرسل عليه الطوفان, ثم الجراد, ثم القمل, ثم الضفادع , ثم الدم، آيات مفصلات، , فأرسل الطوفان = وهو الماء = ففاض على وجه الأرض, ثم ركد, لا يقدرون على أن يحرُثوا, ولا يعملوا شيئًا, حتى جُهِدوا جوعًا; فلما بلغهم ذلك، قالوا: يا موسى، ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك, ولنرسلن معك بني إسرائيل !
فدعا موسى ربه, فكشفه عنهم, فلم يفُوا له بشيء مما قالوا, فأرسل الله عليهم الجراد, فأكل الشجر، فيما بلغني, حتى إنْ كان ليأكل مساميرَ الأبواب من الحديد، حتى تقع دورهم ومساكنهم, فقالوا مثل ما قالوا, فدعا ربه فكشفه عنهم, فلم يفوا له بشيء مما قالوا.
فأرسل الله عليهم القمّل, فذكر لي أنّ موسى أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه.
فمضى إلى كثيبٍ أهيل عظيم, (39) فضربه بها, فانثَالَ عليهم قمَّلا (40) حتى غلب على البيوت والأطعمة, ومنعهم النوم والقرار.
فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا, فدعا ربه فكشفه عنهم, فلم يفوا له بشيء مما قالوا, فأرسل الله عليهم الضفادع, فملأت البيوت والأطعمة والآنية , فلا يكشف أحدٌ ثوبًا ولا طعامًا ولا إناء إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه.
فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا, فدعا ربه فكشفه عنهم, فلم يفوا له بشيء مما قالوا.
فأرسل الله عليهم الدم , فصارت مياه آل فرعون دمًا, لا يستقون من بئر ولا نهر, ولا يغترفون من إناء، إلا عاد دمًا عبيطًا.
(41) 15024 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي: أنه حُدِّث: أن المرأة من آل فرعون كانت تأتي المرأةَ من بني إسرائيل حين جَهدهم العطش, فتقول: اسقيني من مائك !
فتغرف لها من جرَّتها أو تصبّ لها من قربتها, فيعود في الإناء دمًا, حتى إن كانت لتقول لها: اجعليه في فيك ثم مُجيِّه في فيَّ !
فتأخذ في فيها ماءً, فإذا مجته في فيها صار دمًا, فمكثوا في ذلك سبعةَ أيام.
(42) 15025 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: الجراد يأكل زروعهم ونباتهم, والضفادع تسقط على فرشهم وأطعمتهم, والدم يكون في بيوتهم وثيابهم ومائهم وطعامهم.
= قال، حدثنا شبل, عن عبد الله بن كثير, عن مجاهد قال: لما سال النِّيلُ دمًا, فكان الإسرائيلي يستقي ماء طيّبًا, ويستقي الفرعوني دمًا، ويشتركان في إناء واحد, فيكون ما يلي الإسرائيلي ماءً طيّبًا وما يلي الفرعوني دمًا.
15026- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر قال، حدثني سعيد بن حبير: أن موسى لمّا عالج فرعون بالآيات الأربع: العصا, واليد, ونقص من الثمرات, والسنين = قال: يا رب، إن عبدك هذا قد علا في الأرض وَعتَا في الأرض, وبغى علي, وعلا عليك, وعالى بقومه, ربِّ خذ عبدك بعُقوبة تجعلها له ولقومه نِقْمةً, وتجعلها لقومي عظةً، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية !
فبعث الله عليهم الطوفان = وهو الماء = وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها في بعض, فامتلأت بيوت القبط ماءً, حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم, من جَلس منهم غرق, (43) ولم يدخل في بيوت بني إسرائيل قطرة.
فجعلت القبط تنادي موسى: ادع لنا ربك بما عهد عندك, لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك, ولنرسلن معك بني إسرائيل !
قال: فواثقوا موسى ميثاقًا أخذَ عليهم به عهودهم, وكان الماء أخذهم يوم السبت, فأقام عليهم سبعة أيام إلى السبت الآخر.
فدعا موسى ربه, فرفع عنهم الماء, فأعشبت بلادهم من ذلك الماء, فأقاموا شهرًا في عافية, ثم جحدوا وقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا، وخصبًا لبلادنا, ما نحب أنه لم يكن .
= قال: وقد قال قائل لابن عباس: إني سألت ابن عمر عن الطوفان, فقال: ما أدري، موتا كان أو ماء!
فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر " سورة العنكبوت " حين ذكر الله قوم نوح فقال : فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ، [العنكبوت: 14].
أرأيت لو ماتوا، إلى مَنْ جاء موسى عليه السلام بالآيات الأربع بعد الطوفان؟
= قال: فقال موسى: يا رب إن عبادك قد نقضُوا عهدك, وأخلفوا وعدي, رب خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة, ولقومي عظة, ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية !
قال: فبعث الله عليهم الجراد، فلم يدع لهم ورقةً ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكله, (44) حتى لم يُبْقِ جَنًى، (45) حتى إذا أفنى الخضر كلها، أكل الخشب, حتى أكل الأبواب وسقوف البيوت.
وابتلى الجراد بالجوع, فجعل لا يشبع, غير أنه لا يدخل بيوتَ بني إسرائيل.
فعجُّوا وصاحُوا إلى موسى, (46) فقالوا: يا موسى، هذه المرّة ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك ولنرسلنّ معك بني إسرائيل !
فأعطوه عهدَ الله وميثاقه, فدعا لهم ربّه, فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم أقاموا شهرًا في عافية, ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم, ولأعمالهم أعمال السَّوْء قال: فقال موسى: يا رب، عبادُك، قد نقضوا عهدي، وأخلفوا موعدي, فخذهم بعقوبة تجعلُها لهم نقمة, ولقومي عظة, ولمن بعدي آية في الأمم الباقية !
فأرسل الله عليهم القمَّل = قال أبو بكر: سمعت سعيد بن جبير والحسن يقولان: كان إلى جنبهم كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى " عين شمس ", (47) فمشى موسى إلى ذلك الكثيب, فضربه بعصاه ضربةً صارَ قمّلا تدب إليهم = وهي دوابّ سود صغار.
فدبَّ إليهم القمّل, فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفارَ عيونهم وحواجبهم, ولزم جلودَهم, كأنه الجدريّ عليهم, فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنا نتوب ولا نعود, فادع لنا ربك!
فدعا ربه فرفع عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت.
فأقاموا شهرًا في عافية, ثم عادوا وقالوا: ما كنّا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر مِنّا اليوم, جعل الرَّمل دوابّ!
وعزَّة فرعون لا نصدِّقه أبدًا ولا نتبعه !
فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم, فدعا موسى عليهم فقال: يا رب إن عبادك نقضوا عهدي, وأخلفوا وعدي, فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة, ولقومي عظة , ولمن بعدي آيه في الأمم الباقية !
فأرسل الله عليهم الضفادع, فكان أحدهم يضطجع, فتركبه الضفادع، فتكون عليه رُكَامًا, حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى الشق الآخر, ويفتح فاه لأكْلته, فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه, ولا يعجن عجينًا إلا تسدَّحَت فيه, (48) ولا يطبخ قِدْرًا إلا امتلأت ضفادع، فعذِّبوا بها أشد العذاب, فشكوا إلى موسى عليه السلام وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود!
فأخذَ عهدهم وميثاقهم.
ثم دعا ربه, فكشف الله عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعًا من السبت إلى السبت.
فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم وقالوا: قد تبيَّن لكم سحره, يجعل التراب دوابَّ, ويجيء بالضفادع في غير ماءٍ !
فآذوا موسى عليه السلام فقال موسى: يا رب إن عبادك نقضوا عهدي, وأخلفوا وعدي, فخذهم بعقوبة تجعلها لهم عقوبة, ولقومي عظة , ولمن بعدي آية في الأمم الباقية !
فابتلاهم الله بالدم, فأفسد عليهم معايشهم, فكان الإسرائيلي والقبطيّ يأتيان النيل فيستقيان, فيخرج للإسرائيليّ ماءً, ويخرج للقبطي دمًا, ويقومان إلى الحُبِّ فيه الماءُ, (49) فيخرج للإسرائيلي في إنائه ماءً, وللقبطي دمًا.
15027 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا, في قوله: (فأرسلنا عليهم الطوفان)، قال: الموت = " والجراد " قال: الجراد يأكل أمتعتهم وثيابهم ومسامير أبوابهم = " والقمل " هو الدّبى, سلطه الله عليهم بعد الجراد = قال: " والضفادع "، تسقط في أطعمتهم التي في بيوتهم وفي أشربتهم.
(50) * * * وقال بعضهم: " الدم " الذي أرسله الله عليهم، كان رُعافًا.
* ذكر من قال ذلك: 15028 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أحمد بن خالد قال، حدثنا يحيى بن أبي بكير قال، حدثنا زهير قال، قال زيد بن أسلم: أما " القمل " فالقمل = وأما " الدم "، فسلط الله عليهم الرُّعاف.
(51) * * * وأما قوله: (آيات مفصلات)، فإن معناه: علامات ودلالات على صحّة نبوّة موسى, (52) وحقيقة ما دعاهم إليه (53) = " مفصلات ", قد فصل بينها, فجعل بعضها يتلو بعضًا, وبعضها في إثر بعض.
(54) * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15029 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: فكانت آيات مفصلات بعضها في إثر بعض, ليكون لله الحجة عليهم, فأخذهم الله بذنُوبهم، فأغرقهم في اليمّ.
15030 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (آيات مفصلات)، قال: يتبع بعضها بعضًا، ليكون لله عليهم الحجة, فينتقم منهم بعد ذلك.
وكانت الآية تمكث فيهم من السبت إلى السبت, وترفع عنهم شهرًا، قال الله عز وجل: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ، [الأعراف: 136] ...
الآية.
15031 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: (آيات مفصلات)، : أي آية بعد آية، يتبع بعضُها بعضًا.
(55) * * * وكان مجاهد يقول فيما ذكر عنه في معنى " المفصلات ", ما: - 15032 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في "آيات مفصلات "، قال: معلومات.
* * * القول في تأويل قوله : فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فاستكبر هؤلاء الذين أرسل الله عليهم ما ذكر في هذه الآيات من الآيات والحجج، عن الإيمان بالله وتصديق رسوله موسى صلى الله عليه وسلم واتباعه على ما دعاهم إليه, وتعظموا على الله وعتَوا عليه (56) =(وكانوا قومًا مجرمين)، يقول: كانوا قومًا يعملون بما يكرهه الله من المعاصي والفسق عتوًّا وتمرّدًا.
(57) ----------------- الهوامش : (6) الأثر : 14989 - (( حبوية )) ، (( أبو يزيد )) هو (( إسحق بن إسماعيل الرازي )) ، مضى برقم : 14365 ، 14550 ، 14956 ، وكان في المطبوعة : (( حبويه الرازي )) ، وهو صواب ، إلا أنه لم يحسن قراءة المخطوطة ، فغيرها ، وكان فيها : (( حبوية أبو مزيد )) ، الصواب ما أثبت .
(7) لعل صواب العبارة (( والطاعون ، الموت على كل حال )) .
(8) الأثر : 14996 - (( المنهال بن خليفة العجلي )) ، (( أبو قدامة )) ، متكلم فيه .
ضعفه ابن معين ، والنسائي ، والحاكم .
وقال البخاري : (( صالح ، فيه نظر )) ، وقال في موضع آخر /: (( حديثه منكر )).
وقال ابن حبان : (( كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير )) .
مترجم من التهذيب ، والكبير 4/2/12 ، وابن أبي حاتم 4/1/357 ، وميزان الاعتدال 3 : 204 .
و(( الحجاج )) هو (( الحجاج بن أرطاة )) ، مضى مرارًا .
و (( الحكم بن ميناء الأنصاري )) ، تابعي ثقة .
مترجم من التهذيب ، والكبير 1/2/340 ، وابن أبي حاتم 1/2/127 .
وهذا الخبر ، رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 536 ، عن هذا الموضع ثم قال : (( وكذا ورواه ابن مردويه ، من حديث يحيى بن يمان به ، وهو حديث غريب )) .
قلت : وزاد نسبته لابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ وانظر الأثر التالي رقم 15000 (9) الأثر : 14997 - (( عباس بن محمد )) ، هو (( عباس بن محمد بن حاتم الدورى )) شيخ الطبري ، مضى برقم : 7701 .
(10) الأثر : 15000 - هذا إسناد آخر للخبر رقم : 14996 ، إلا أنه أبهم الراوي عن عائشة ، وبينه هناك ، وهو (( الحكم بن ميناء )) .
وقد مضى تخريج هذا الخبر ، وبيان ضعفه .
(11) هو أبو عبيدة ، في مجاز القرآن 1 : 226 .
(12) (( البعاق )) ( بضم الباء ) : هو المطر الكثير الغزير الذي يتبعق بالماء تبعقاً ، أي يسيل به سيلا كثيفاً .
و(( سيل دباش )) ( ضم الدال ) عظيم ، يجرف كل شيء جرفاً .
(13) في المخطوطة : (( المتابع )) ، وفي مجاز القرآن : (( المبالغ )) ، والذي في المطبوعة (( المتتابع )) فآثرت نص أبي عبيدة .
(14) هو الأخفش ، قال ابن سيدهْ : (( الأخفش ثقة ، وإذا حكى الثقة شيئاً لزم قبوله )) .
(15) يعني الخبر رقم 15001 .
(16) في المطبوعة والمخطوطة : (( الحسن بن عرفطة)) ، وهو خطأ ، وقال أبو حاتم (( حسين بن عرفطة )) ، هو خطأ .انظر نوادر أبي زيد 75 ، 77 ، وهو (( حسيل بن عرفطة الأسدى )) شاعر جاهلي .
(17) نوادر أبي زيد : 77 ، الوساطة : 329 ، اللسان ( طوف ) ، وقبله: لَــمْ يَــكُ الحًـقُّ عَـلَى أَنْ هَاجَـهُ رَسْــمُ دَارٍ قَــدْ تَعَفَّــى بِالسِّـرَرْ قال أبو حاتم (( بالسرر )) بفتح السين والراء .
و(( الخرق )) : القطع من الريح ، واحدتها (( خرقة )) .
و (( طوفان المطر )) ، كثرته .
وروى الأصمعى (( خرق )) ( يعني بضم الخاء والراء ) .
هذا نص ما في نوادر أبي زيد .
و (( خرق )) ( بضمتين ) جمع (( خريق )) ، وهي الريح الشديدة الهبوب التي تخترق المواضع.
(18) اللسان ( نكث ) ( زأد ) ، ولعلها من شعره الذي مدح به عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان ( انظر خزانة الادب 3 : 288 ) و (( النكائث )) جمع (( نكيثة )) ، وهي جهد قوة النفس .
يقال : (( فلآن شديد النكيثة )) أي النفس .
ويقال : (( بلغت نكيثته )) ( بالبناء للمجهول ) أي : جهد نفسه .
و (( بلغ فلآن نكيثة بعيره )) أي : أقصي مجهوده في السير .
و (( الزؤد )) ( بضم الهمزة وسكونها ) : الفزع والخوف .
و (( خرقاء )) من صفة الناقة .
وهي التي لا تتعهد مواضع قوائمها من نشاطها .
يصفها بالحدة كأنها مجنونة ، إذا كلت العيس ، بقيت قوتها وفضل نشاطها .
(19) لم أجده في مكان آخر .
و(( الشآيب )) .
جمع (( شؤبوب )) ، وهي الدفعة من المطر .
ويقال : (( لا يقال للمطر شآبيب ، إلا وفيه برد )) .
(20) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 226 .
(21) (( القمقامة )) ، صغار القردان ( جمع قراد ) وهو أول ما يكون صغيراً ، لا يكاد يرى من صغره ، وهو أيضاً ضرب من القمل شديد التشبث بأصول الشعر .
(22) في المطبوعة : (( الأعمش )) وهو خطأ في الطباعة .
(23) ديوانه: 154، واللسان (قمل).
من قصيدته التي قالها لكسرى حين أراد من بنى ضبيعة (رهط الأعشى) رهائن، لما أغار الحارث بن وعلة على بعض السواد، فأخذ كسرى قيس بن مسعود، ومن وجد من بكر، فجعل يحبسهم، فقال له الأعشى: مَـنْ مُبْلِـغٌ كِسْرَى، إذَا مَا جَاءَهُ رُهُنًا، عَنِّــى مــآلِكَ مُخْمِشَــاتٍ شُـرَّدَا آلَيْــتُ لا نُعْطِيــهِ مِــنْ أَبْنَائِنَـا رُهْنًــا فَيُفْسِـدُهُمْ كَـمَنْ قَـدْ أَفْسَـدَا حَــتَّى يُفِيـدُكَ مِـنْ بَنِيـهِ رَهِينَـةً نَعْشُ، وَيَــرْهَنُكَ السِّــمَاكُ الفَرْقَـدَا يقول: من يبلغ كسرى عني تغضبه، رسائل تأتيه من كل مكان: أننا آلينا أن لا نعطيه من أبنائنا رهائن، يتولى إفسادهم كما أفسد رجالا من قبل، ولن ينال منا ذلك حتى تعطيه نجوم السماء رهائن من صواحباتها.
ثم قال له: لَسْــنَا كَـمَنْ جَـعَلَتْ إيَـادُ دَارَهَـا تَكْــرِيت تَمْنَـع حَبَّهـا أَنْ يُحْـصَدا قَوْمًــا يُعَـالَجُ ..
..
..
..
..
..
..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
جَــعَلَ الإِلَـهُ طَعَامَنَـا فِـي مَالِنَـا رِزْقًــا تَضَمَّنَــهُ لَنَــا لَـنْ يَنْفَـدَا يقول: لسنا كإياد التي آتتك الرهائن فأنها نـزلت تكريت تنظر ما يحصد من الزرع من سنة إلى سنة، فهم حراثون، قد قملوا، فقام أبناؤهم يعالجون القمل، ويجرون السلاسل ليشدوها على الأجران، ويجهدون في تغليق أبوابها.
أما نحن، فالله قد جعل إبلنا رزقنا، ضمنت لنا من ألبانها طعاماً لا ينفد، ونـزعنا عن أعناقنا ربقة عبودية القرى والأمصار، إلى حرية البادية، نغدو فيها ونروح، ليس لك علينا سلطان.
وهذا من شعر أحرار العرب.
و((الأجد)) (بضمتين): القوى الموثق.
يقال: ((ناقة أجد))، قوية وثيقة التركيب.
و((ناقة مؤجدة القرى))، مثله.
ويقال: ((الحمد لله الذي آجدنى بعد ضعف))، أي: قوانى.
و((المؤصد)) من ((أوصد الباب)) أغلقه وأطبقه، فهو ((موصد)) و((مؤصد)) بالهمز، ومثله قوله تعالى ذكره: ((إنها عليهم مؤصدة)) بالهمز، أي مطبقة.
(24) في المطبوعة : (( فإن لم يكن جمعاً )) ، بزيادة (( لم )) وهي مفسدة للكلام ، والصواب من المخطوطة .
(25) لم أجد هذا في معاني القرآن للفراء ، في هذا الموضع من تفسير الآية .
انظر معاني القرآن للفراء 1 : 393 ، بل قال الفراء هنا : (( القمل ، وهو الدبى الذي لا أجنحة له )) ، ولم يزد .
(26) (3) في المطبوعة : (( ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل )) ، غير ما في المخطوطة ، ولم يكتب نص آية (( سورة الأعراف )) : 134 .
وكان في المخطوطة ما أثبته ، إلا أنه كتب : (( لئن كشف عنا المطر فتؤمن لك )) وصواب الجملة ما أثبت إن شاء الله .
(27) (( داس الناس الحب )) درسوه .
و (( أحرز الشيء )) : ضمه وحفظه ، وصانه عن الأخذ .
(28) ما بين القوسين ، ليس في المخطوطة ، وفي المخطوطة عند هذا الوضع ، حرف ( ط ) بين (( إسرائيل )) و (( فأرسل )) و ( ط ) أخرى في الهامش ، دلالة على الخطأ .
والذي في المطبوعة صواب إن شاء الله .
(29) (( الدم العبيط )) ، هو الطرى .
(30) الأثر : 15015 - (( حبويه )) ، (( أبو يزيد )) ، هو(( إسحاق بن إسماعيل الرازي )) ، مضى برقم 14365 ، 14550 ، 14956 ، 14989 ، وكان في المطبوعة هنا (( حبوبة الرازي )) ، والصواب من المخطوطة ، ومن تحقيق ذلك فيما سلف من الأرقام التي ذكرتها .
(31) ( 1) في المطبوعة : (( فكشف الله عنهم )) ، واثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(32) ( 2) (( لحس الجراد النبات )) إذا أكله ولم يبق منه شيء ، ومنه قيل لسنوات القحط الشداد " اللواحس" لأنها تلحس كل شيء .
(33) (( زلق البناء أو المكان تزليقًا )) ، إذا ملسه حتي لايثبت عليه شيء .
(34) الأثر: 15016- هو جزء من خبر طويل رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 211 ، 212 (35) في المخطوطة : 0(( ثم كشف عنهم فلم ينتفعوا )) وتركت ما في المطبوعة علي حاله ، لقوله في الأخرى : (( فلم يؤمنوا أيضاً )) .
(36) في المخطوطة ، أسقط ما بين القوسين ، وإثباته حق الكلام .
(37) ما بين القوسين ، ليس في المخطوطة .
(38) في المطبوعة : (( لن نرسل )) ، وأثبت مافي المخطوطة .
(39) (( كثيب أهيل )) ( علي وزن أفعل ) : منهال لايثبت رمله حتي يسقط (40) (( انثال التراب انثيالا )) : انصب انصبابآ من كل وجه .
(41) الأثر : 15023- هذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 215 .
(42) الأثر : 15024- هذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه مطولا 1 : 215 ، 216 .
(43) في المطبوعة والمخطوطة : (( من حبس )) ، والصواب ما أثبت.
(44) في المطبوعة : (( إلا أكلها )) ، وأثبت مافي المخطوطة ، وهو صواب .
(45) (( الجني )) الثمر كله .
(46) (( عج يعج عجا )) رفع صوته وصاح بالدعاء والاستغاثة .
(47) (( الكثيب الأعفر )) : هو هنا الأحمر .
(48) في المطبوعة : (( تشدخت )) بالشين والخاء ، ولامعني لها هنا ، وهي من المخطوطة غير منقوطة وكأن هذا صواب قراءتها .
يقال : (( سدح الشيء )) إذا بسطه علي الأرض أو أضجعه.و(( انسدح الرجل )) استلقي وفرج رجليه .
وقوله (( تسدح )) ( بتشديد الدال ) ، قياس عربي صحيح .
(49) (( الحب )) ( بضم الحاء ) : الجرة الضخمة يكون فيها الماء .
(50) الأثر : 15027- (( أبو سعد المدني )) ، وكان في المخطوطة ، والمطبوعة : (( ابن سعد )) ، وهو خطأ ، وهو إسناد مر مرارآ ، أقربه رقم : 14916 .
(51) الأثر : 15028- (( أحمد بن خالد )) ، كأنه (( أحمد بن خالد بن موسي الوهبي )) ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 49 و (( يحيى بن أبي بكير الأسدي )) ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 7544 ، و (( زهير )) ، هو : (( زهير بن محمد التميمي )) ، مضى برقم : 5230 ، 6628 .
(52) انظر تفسير (( آية )) فيما من فهارس اللغة اللغة ( أيي ) (53) في المطبوعة : (( وحقية )) مكان (( وحقيقة )) ، فعل بها كما فعل بكل أخواتها من قبل .
انظر ماسلف 12 : 244 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(54) وانظر تفسير (( التفصيل )) في م سلف 12 : 477 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .
(55) الأثر : 15031 - هو قطعة من الآثر السالف رقم : 15023 ، أسقطها أبو جعفر من صلب الكلام ، وأفردها ههنا .
وأما في التاريخ 1 : 215 ، فقد ساق الخبر متصلا ، وفيه هذه الجملة من التفسير .
(56) انظر تفسير (( الاستكبار )) فيما سلف 12 : 561 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك : (57) انظر تفسير (( الإجرام )) فيما سلف 12 : 207 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمينفيه خمس مسائل : الأولى : روى إسرائيل عن سماك عن نوف الشامي قال : مكث موسى صلى الله عليه وسلم في آل فرعون بعدما غلب السحرة أربعين عاما .
وقال محمد بن عمان بن أبي شيبة عن منجاب : عشرين سنة ، يريهم الآيات : الجراد والقمل والضفادع والدم .الثانية : قوله تعالى : الطوفان أي المطر الشديد حتى عاموا فيه .
وقال مجاهد وعطاء : الطوفان الموت قال الأخفش : واحدته طوفانة .
وقيل : هو مصدر كالرجحان والنقصان ; فلا يطلب له واحد .
قال النحاس : الطوفان في اللغة ما كان مهلكا من موت أو سيل ; أي ما يطيف بهم فيهلكهم .
وقال السدي : ولم يصب بني إسرائيل قطرة من ماء ، بل دخل بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، ودام عليهم سبعة أيام .
وقيل : أربعين يوما .
فقالوا : ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك ; فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا .
فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع .
فقالوا : كان ذلك الماء نعمة ; فبعث الله عليهم [ ص: 241 ] الجراد وهو الحيوان المعروف ، جمع جرادة في المذكر والمؤنث .
فإن أردت الفصل نعت فقلت رأيت جرادة ذكرا - فأكل زروعهم وثمارهم حتى إنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدم ديارهم .
ولم يدخل دور بني إسرائيل منها شيء .الثالثة : واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حل بأرض فأفسد ; فقيل : لا يقتل .
وقال أهل الفقه كلهم : يقتل .
احتج الأولون بأنه خلق عظيم من خلق الله يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم .
وبما روي لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم .
واحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال ، وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله ; فالجراد إذا أرادت فساد الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها .
ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه يجوز قتل الحية والعقرب ؟
لأنهما يؤذيان الناس فكذلك الجراد .
روى ابن ماجه عن جابر وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على الجراد قال : اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء .
قال رجل : يا رسول الله ، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره ؟
قال : إن الجراد نثرة الحوت في البحر .الرابعة : ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه .
ولم يختلف العلماء في أكله على الجملة ، وأنه إذا أخذ حيا وقطعت رأسه أنه حلال باتفاق .
وأن ذلك يتنزل منه منزلة الذكاة فيه .
وإنما اختلفوا هل يحتاج إلى سبب يموت به إذا صيد أم لا ; فعامتهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك ، ويؤكل كيفما [ ص: 242 ] مات .
وحكمه عندهم حكم الحيتان ، وإليه ذهب ابن نافع ومطرف ، وذهب مالك إلى أنه لا بد له من سبب يموت به ; كقطع رءوسه أو أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك ، أو يصلق أو يطرح في النار ; لأنه عنده من حيوان البر فميتته محرمة .
وكان الليث يكره أكل ميت الجراد ، إلا ما أخذ حيا ثم مات فإن أخذه ذكاة .
وإليه ذهب سعيد بن المسيب .
وروى الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحل لنا ميتتان الحوت والجراد ، ودمان : الكبد والطحال .
وقال ابن ماجه : حدثنا أحمد بن منيع حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد سمع أنس بن مالك يقول : كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد على الأطباق .
ذكره ابن المنذر أيضا .الخامسة : روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله تعالى خلق ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر وإن أول هلاك هذه الأمم الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعت الأمم مثل نظام السلك إذا انقطع .
ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وقال : وإنما صار الجراد أول هذه الأمم هلاكا لأنه خلق من الطينة التي فضلت من طينة آدم .
وإنما تهلك الأمم لهلاك الآدميين لأنها مسخرة لهم .رجعنا إلى قصة القبط .
فعاهدوا موسى أن يؤمنوا لو كشف عنهم الجراد ، فدعا فكشف وكان قد بقي من زروعهم شيء فقالوا : يكفينا ما بقي ; ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم القمل ، وهو صغار الدبى ; قاله قتادة .
والدبى : الجراد قبل أن يطير ، الواحدة دباة .
وأرض مدبية إذا أكل الدبى نباتها .
وقال ابن عباس : القمل السوس الذي في الحنطة .
وقال ابن زيد : البراغيث .
وقال الحسن : دواب سود صغار .
وقال أبو عبيدة : الحمنان ، وهو ضرب من القراد ، واحدها حمنانة .
فأكلت دوابهم وزروعهم ، ولزمت جلودهم كأنها الجدري عليهم ، ومنعهم النوم والقرار .
وقال حبيب بن أبي ثابت : القمل الجعلان .
والقمل عند أهل اللغة ضرب من القردان .
قال أبو الحسن الأعرابي العدوي : القمل دواب صغار من جنس القردان ; إلا أنها أصغر منها ، [ ص: 243 ] واحدتها قملة .
قال النحاس : وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير ; لأنه يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم ، وهي أنها كلها تجتمع في أنها تؤذيهم .
وذكر بعض المفسرين أنه كان " بعين شمس " كثيب من رمل فضربه موسى بعصاه فصار قملا .
وواحد القمل قملة .
وقيل : القمل القمل ; قاله عطاء الخراساني .
وفي قراءة الحسن ( والقمل ) بفتح القاف وإسكان الميم فتضرعوا فلما كشف عنهم لم يؤمنوا ; فأرسل الله عليهم الضفادع ، جمع ضفدع وهي المعروفة التي تكون في الماء ، وفيه مسألة واحدة هي أن النهي ورد عن قتلها ; أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح .
أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق وابن ماجه عن محمد بن يحيى النيسابوري الذهلي عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد .
وخرج النسائي عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله .
صححه أبو محمد عبد الحق .
وعن أبي هريرة قال : الصرد أول طير صام .
ولما خرج إبراهيم عليه السلام من الشأم إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة معه والصرد ; فكان الصرد دليله إلى الموضع ، والسكينة مقداره .
فلما صار إلى البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت : ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي ; فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد ; لأنه كان دليل إبراهيم على البيت ، وعن الضفدع لأنها كانت تصب الماء على نار إبراهيم .
ولما تسلطت على فرعون جاءت فأخذت الأمكنة كلها ، فلما صارت إلى التنور وثبت فيها وهي نار تسعر طاعة لله .
فجعل الله نقيقها تسبيحا .
يقال : إنها أكثر الدواب تسبيحا .
قال عبد الله بن عمرو : لا تقتلوا الضفدع فإن نقيقه الذي تسمعون تسبيح .
فروي أنها ملأت فرشهم وأوعيتهم وطعامهم وشرابهم ; فكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ، وإذا تكلم وثب الضفدع في فيه .
فشكوا إلى موسى وقالوا : نتوب ; فكشف الله عنهم ذلك فعادوا إلى كفرهم ; فأرسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم دما .
وكان الإسرائيلي يغترف منه الماء ، والقبطي الدم .
وكان الإسرائيلي يصب الماء في فم القبطي فيصير دما ، [ ص: 244 ] والقبطي يصب الدم في فم الإسرائيلي فيصير ماء زلالا .آيات مفصلات أي مبينات ظاهرات ; عن مجاهد .
قال الزجاج : آيات مفصلات نصب على الحال .
ويروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام .
وقيل : أربعون يوما .
وقيل : شهر ; فلهذا قال مفصلات .
فاستكبروا أي ترفعوا عن الإيمان بالله تعالى .
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا وَالْجَرَادَ فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم وَالْقُمَّلَ قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف وَالضَّفَادِعَ فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة وَالدَّمَ إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم.
آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق فَاسْتَكْبَرُوا لما رأوا الآيات وَكَانُوا في سابق أمرهم قَوْمًا مُجْرِمِينَ فلذلك عاقبهم اللّه تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال.
( فأرسلنا عليهم الطوفان ) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق - دخل كلام بعضهم في بعض - : لما آمنت السحرة ، ورجع فرعون مغلوبا ، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر ، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات ، فلما عالج منهم بالآيات الأربع : العصا ، واليد ، والسنين ، ونقص الثمار ، فأبوا أن يؤمنوا فدعا عليهم ، فقال : يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا عهدك ، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة ، فبعث الله عليهم الطوفان ، وهو الماء ، أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة ، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق ، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة ، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا ، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت .
وقال مجاهد وعطاء : الطوفان الموت .
وقال وهب : الطوفان الطاعون بلغة اليمن ، وقال أبو قلابة : الطوفان الجدري ، وهم أول من عذبوا به فبقي في الأرض .
وقال مقاتل : الطوفان الماء طغى فوق حروثهم .
وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال : الطوفان أمر من الله طاف بهم ، ثم قرأ ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ) ( القلم - 19 ) .
قال نحاة الكوفة : الطوفان مصدر لا يجمع ، كالرجحان والنقصان .
وقال أهل البصرة : هو جمع ، واحدها طوفانة ، فقال لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل ، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان ، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم ، فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا ، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية ، فبعث الله عليهم الجراد فأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كانت تأكل الأبواب وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ، وابتلي الجراد بالجوع ، فكان لا يشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك فعجوا وضجوا ، وقالوا : يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ، وأعطوه عهد الله وميثاقه ، فدعا موسى عليه السلام فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليه سبعة أيام من السبت إلى السبت .
وفي الخبر : " مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم " .
ويقال إن موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت ، وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية ، فقالوا : قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا ، فلم يفوا بما عاهدوا ، وعادوا لأعمالهم السوء ، فأقاموا شهرا في عافية ، ثم بعث الله عليهم القمل .
واختلفوا في القمل فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : القمل السوس الذي يخرج من الحنطة .
وقال مجاهد والسدي وقتادة والكلبي : القمل الدبى والجراد الطيارة التي لها أجنحة ، والدبى الصغار التي لا أجنحة لها .
وقال عكرمة : هي بنات الجراد .
وقال أبو عبيدة : وهو الحمنان وهو ضرب من القراد .
وقال عطاء الخراساني : هو القمل .
وبه قرأ أبو الحسن ( القمل ) بفتح القاف وسكون الميم .
قالوا : أمر الله موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر ، بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس ، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب وكان أهيل فضربه بعصاه فانثال عليهم القمل ، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله ، ولحس الأرض كلها وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه ، وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ قملا .
قال سعيد بن المسيب : القمل السوس الذي يخرج من الحبوب ، وكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها ثلاثة أقفزة ، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل ، وأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى أنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا البلاء ، فدعا موسى عليه السلام الله فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم .
وقالوا : ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم يجعل الرمل دواب .
فدعاموسى بعدما أقاموا شهرا في عافية ، فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم ، فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع ، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه ، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه ، وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفئ نيرانهم ، وكان أحدهم يضطجع فتركبه الضفادع فتكون عليه ركاما حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر ، ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ، ولا يعجن عجينا إلا تشدخت فيه ، ولا يفتح قدرا إلا امتلأت ضفادع ، فلقوا منها أذى شديدا .
روى عكرمة عن ابن عباس قال : كانت الضفادع برية ، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي ، وفي التنانير وهي تفور ، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء ، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك إلى موسى ، وقالوا : هذه المرة نتوب ولا نعود ، فأخذ عهودهم ومواثيقهم ، ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام سبعا من السبت إلى السبت ، فأقاموا شهرا في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم ، فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم الدم ، فسال النيل عليهم دما وصارت مياههم دما وما يستقون من الآبار والأنهار إلا وجدوه دما عبيطا أحمر ، فشكوا إلى فرعون وقالوا ليس لنا شراب ، فقال : إنه سحركم ، فقالوا : من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا؟
وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء والقبطي دما ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دم حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في في فتأخذ في فيها ماء فإذا مجته في فيها صار دما ، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة ، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا ، فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم .
قال زيد بن أسلم : الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف ، فأتوا موسى وقالوا يا موسى ادع ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل ، فدعا ربه - عز وجل - فكشف عنهم ، فلم يؤمنوا ، فذلك قوله - عز وجل - : ( فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ) يتبع بعضها بعضا .
وتفصيلها أن كل عذاب يمتد أسبوعا ، وبين كل عذابين شهرا ، ( فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ) .
«فأرسلنا عليهم الطُّوفان» وهو ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام «والجراد» فأكل زرعهم وثمارهم، كذلك «والقمَّل» السوس أو نوع من القراد، فتتبع ما تركه الجراد «والضفادع» فملأت بيوتهم وطعامهم «والدم» في مياههم «آياتِ مفصَّلاتِ» مبينات «فاستكبروا» عن الإيمان بها «وكانوا قوما مجرمين».
فأرسلنا عليهم سيلا جارفًا أغرق الزروع والثمار، وأرسلنا الجراد، فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم، وأرسلنا القُمَّل الذي يفسد الثمار ويقضي على الحيوان والنبات، وأرسلنا الضفادع فملأت آنيتهم وأطعمتهم ومضاجعهم، وأرسلنا أيضًا الدم فصارت أنهارهم وآبارهم دمًا، ولم يجدوا ماء صالحًا للشرب، هذه آيات من آيات الله لا يقدر عليها غيره، مفرقات بعضها عن بعض، ومع كل هذا ترفَّع قوم فرعون، فاستكبروا عن الإيمان بالله، وكانوا قومًا يعملون بما ينهى الله عنه من المعاصي والفسق عتوًّا وتمردًا.
ثم حكت السورة الكريمة ما حل بهؤلاء الفجرة من عقوبات جزاء عتوهم وعنادهم فقالت : ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ) .أى : فأرسلنا على هؤلاء الجاحدين عقوبة لهم الطوفان .قال الآلوسى : أى : ما طاف بهم ، وغشى أماكنهم وحروثهم من مطر وسيل ، فهو اسم جنس من الطواف .
وقد اشتهر فى طوفان الماء ، وجاء تفسيره هنا بذلك فى عدة روايات عن ابن عباس وجاء عن عطاء ومجاهد تفسيره بالموت ، وفسره بعضهم بالطاعون وكانوا أول من عذبوا به " .وأرسلنا عليهم ( الْجَرَادَ ) فأكل زروعهم وثمارهم وأعشابهم ، حتى ترك أرضهم سوداء قاحلة .وأرسلنا عليهم ( القمل ) وهو ضرب معروف من الحشرات المؤذية ، وقيل : هو السوس الذى أكل حبوبهم وما اشتملت عليه بيوتهم .وأرسلنا عليهم ( الضفادع ) فصعدت من الأنهار والخلجان والمنابع فغطت الأرض وضايقتهم فى معاشهم ومنامهم .وأرسلنا عليهم ( الدم ) فصارت مياه الأنهار مختلطة به ، فمات السمك فيها ، وقيل المراد بالدم الرعاف الذى كان يسيل من أنوفهم .تلك هى النقم التى أنزلها الله - تعالى - على هؤلاء المجرمين ، بسبب فسوقهم عن أمر ربهم ، وتكذيبهم لنبيهم - عليه السلام - .وقوله : ( آيَاتٍ ) حال من العقوبات الخمس المتقدمة .وقوله : ( مّفَصَّلاَتٍ ) أى : مبينات واضحات لا يشك عاقل فى كونها آيات إلهية لا مدخل فيها للسحر كما يزعمون .وقيل ( مّفَصَّلاَتٍ ) أى : مميزا بعضها عن بعض ، منفصلة بالزمان لامتحان أحوالهم .
وكان بين كل اثنين منها شهر ، وكان امتداد كل واحدة منها شهرا ، كما أخرج ذلك ابن المنذر عن ابن عباس .ثم وضحت الآية فى نهايتها موقفهم من هذا الابتلاء وتلك العقوبات فقالت :( فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ) أى فاستكبروا عن الإيمان بموسى - عليه السلام - وعما جاء به من معجزات ، وكانوا قوما طبيعتهم الاجرام ودينهم الكفر والفسوق .
اعلم أنه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، فحكى عنهم في هذه الآية نوعاً آخر من أنواع الجهالة والضلالة، وهو أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السحر، وجعلوا جملة الآيات مثل انقلاب العصا حية من باب السحر منهم.
وقالوا لموسى: إنا لا نقبل شيئاً منها ألبتة.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كلمة ﴿ مَهْمَا ﴾ قولان: الأول: أن أصلها ماما الأولى هي ما الجزاء، والثانية هي التي تزاد توكيداً للجزاء، كما تزاد في سائر حروف الجزاء، كقولهم: إما ومما وكيفما قال الله تعالى: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ ﴾ وهو كقولك: إن تثقفنهم، ثم أبدلوا من ألف ما الأولى ها كراهة لتكرار اللفظ، فصار مهما هذا قول الخليل والبصريين.
والثاني: وهو قول الكسائي الأصل مه التي بمعنى الكف، أي أكفف دخلت على ما التي للجزاء كأنهم قالوا أكفف ما تأتنا به من آية فهو كذا وكذا.
المسألة الثانية: قال ابن عباس: أن القوم لما قالوا لموسى: مهما أتيتنا بآية من ربك، فهي عندنا من باب السحر، ونحن لا نؤمن بها ألبتة، وكان موسى عليه السلام رجلاً حديداً، فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له، فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلاً ونهاراً سبتاً إلى سبت، حتى كان الرجل منهم لا يرى شمساً ولا قمراً ولا يستطيع الخروج من داره وجاءهم الغرق، فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به، فأرسل إلى موسى عليه السلام وقال: اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحراً واحداً، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك، فأزال الله عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط.
فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر.
فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل النبات وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس، ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعاً، فأكلت النبات، فصرخ أهل مصر، فدعا موسى عليه السلام فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر، فنظر أهل مصر إلى أن بقية من كلئهم وزرعهم تكفيهم.
فقالوا: هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن بك.
فأرسل الله بعد ذلك عليهم القمل، سبتاً إلى سبت، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكلته، فصاحوا وسأل موسى عليه السلام ربه، فأرسل الله عليها ريحاً حارة فأحرقتها، واحتملتها الريح فألقتها في البحر، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع بعد ذلك فخرج من البحر مثل الليل الدامس ووقع في الثياب والأطعمة، فكان الرجل منهم يسقط وعلى رأسه ذراع من الضفادع، فصرخوا إلى موسى عليه السلام، وحلفوا بإلهه لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمنن بك، فدعا الله تعالى فأمات الضفادع، وأرسل عليها المطر فاحتملها إلى البحر، ثم أظهروا الكفر والفساد، فأرسل الله عليهم الدم فجرت أنهارهم دماً فلم يقدروا على الماء العذب، وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطيب حتى بلغ منهم الجهد، فصرخوا وركب فرعون وأشراف قومه إلى أنهار بني إسرائيل فجعل يدخل الرجل منهم النهر فإذا اغترف صار في يده دماً ومكثوا سبعة أيام في ذل لا يشربون إلا الدم.
فقال فرعون: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز ﴾ إلى آخر الآية، فهذا هو القول المرضي عند أكثر المفسرين، وقد وقع في أكثرها اختلافات.
أما الطوفان، فقال الزجاج: الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً محيطاً مطبقاً بالقوم كلهم، كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة، فإنه يقال له طوفان، وكذلك القتل الذريع طوفان، والموت الجارف طوفان.
وقال الأخفش: هو فعلان من الطوف، لأنه يطوف بالشيء حتى يعم.
قال: وواحده في القياس طوفانه.
وقال المبرد: الطوفان مصدر مثل الرجحان والنقصان فلا حاجة إلى أن يطلب له واحداً.
إذا عرفت هدا فنقول: الأكثرون على أن هذا الطوفان هو المطر الكثير على ما رويناه عن ابن عباس، وقد روى عطاء عنه أنه قال: الطوفان هو الموت، وروى الواحدي رحمه الله بإسناده خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الطوفان هو الموت» وهذا القول مشكل لأنهم لو أميتوا لم يكن لإرسال سائر أنواع العذاب عليهم فائدة، بل لو صح هذا الخبر لوجب حمل لفظ الموت على حصول أسباب الموت، مثل المطر الشديد والسيل العظيم وغيرهما، وأما الجراد، فهو معروف والواحدة جرادة، ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه.
وقال اللحياني: أرض جردة ومجرودة قد لحسها الجراد، وإذا أصاب الجراد الزرع قيل جرد الزرع وأصل هذا كله من الجرد، وهو أخذك الشيء عن الشيء على سبيل النحت والسحق، ومنه يقال للثوب الذي قد ذهب وبره جرد وأرض جردة لا نبات فيها، وأما القمل، فقد اختلفوا فيه.
فقيل هو الدبى الصغار الذي لا أجنحة له، وهي بنات الجراد، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى عليه السلام بعصاه فصار قملاً.
فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم، فقالوا: قد تيقنا الآن أنك ساحر عليم.
وعزة فرعون لا نؤمن بك أبداً، وقرأ الحسن ﴿ والقمل ﴾ بفتح القاف، وسكون الميم.
يريد القمل المعروف.
وأما الدم فما ذكرناه.
ونقل صاحب الكشاف أنه قيل: سلط الله عليهم الرعاف.
وروي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.
وأما قوله تعالى: ﴿ ءايات مّفَصَّلاَتٍ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: ﴿ مّفَصَّلاَتٍ ﴾ أي مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره.
وثانيها: ﴿ مّفَصَّلاَتٍ ﴾ أي فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيقبلون الحجة؟
والدليل: أو يستمرون على الخلاف والتقليد.
قال المفسرون: كان العذاب يبقى عليهم من السبت إلى السبت، وبين العذاب إلى العذاب شهر، فهذا معنى قوله: ﴿ ءايات مّفَصَّلاَتٍ ﴾ قال الزجاج: وقوله: ﴿ ءايات ﴾ منصوبة على الحال.
وقوله: ﴿ فاستكبروا ﴾ يريد عن عبادة الله ﴿ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ مصرين على الجرم والذنب.
ونقل أيضاً أن هذه الأنواع المذكورة من العذاب كانت عند وقوعها مختصة بقوم فرعون، وكان بنو إسرائيل منها في أمان وفراغ، ولا شك أن كل واحد منها فهو في نفسه معجز، واختصاصه بالقبطي دون الإسرائيلي معجز آخر.
فإن قال قائل لما علم الله تعالى من حال أولئك الأقوام أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات، فما الفائدة في تواليها وإظهار الكثير منها؟
وأيضاً فقوم محمد صلى الله عليه وسلم طلبوا المعجزات فما أجيبوا فما الفرق.
والجواب: أما على قول أصحابنا فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، وأما على قول المعتزلة في رعاية الصلاح، فلعله علم من قوم موسى أن بعضهم كان يؤمن عند ظهور تلك المعجزات الزائدة، وعلم من قوم محمد صلى الله عليه وسلم أن أحداً منهم لا يزداد بعد ظهور تلك المعجزات الظاهرة إلا كفراً وعناداً، فظهر الفرق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَهْمَا ﴾ هي (ما) المضمنة معنى الجزاء، ضمت إليها (ما) المزيدة المؤكدة للجزاء في قولك: متى ما تخرج أخرج، ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ [النساء: 78] ، ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ﴾ [الزخرف: 41] إلاّ أنّ الألف قلبت هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصري، ومن الناس من زعم أن (مه) هي الصوت الذي يصوت به الكاف، و ﴿ مَا ﴾ للجزاء، كأنه قيل: كف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فإن قلت: ما محل مهما؟
قلت: الرفع بمعنى: أيما شيء تأتنا به.
أو النصب، بمعنى: أيما شيء تحضرنا تأتنا به.
ومن آية: تبيين لمهما.
والضميران في ﴿ بِهِ ﴾ و ﴿ بِهَا ﴾ راجعان إلى مهما، إلاّ أنّ أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أنث على المعنى، لأنه في معنى الآية.
ونحوه قول زهير: وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِيءٍ مِنْ خَلِيقَة ** وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في علم العربية، فيضعها غير موضعها، ويحسب مهما بمعنى متى ما، ويقول مهما جئتني أعطيتك، وهذا من وضعه، وليس من كلام واضع العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءايَةٍ ﴾ بمعنى الوقت، فَيُلْحِدْ في آيات الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين يدي الناظر في كتاب سيبويه.
فإن قلت: كيف سموها آية، ثم قالوا لتسحرنا بها؟
قلت: ما سموها آية لاعتقادهم أنها آية، وإنما سموها اعتباراً لتسمية موسى وقصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي ﴿ الطوفان ﴾ ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل.
قيل: طغى الماء فوق حروثهم، وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره.
وقيل: أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس غرق، ولم تدخل بيوت بني إسرائيل قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف، ودام عليهم سبعة أيام.
وعن أبي قلابة: الطوفان الجدري، وهو أوّل عذاب وقع فيهم، فبقي في الأرض.
وقيل: هو المُوتان وقيل: الطاعون، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فرفع عنهم، فما آمنوا، فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله، فأقاموا شهراً، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم، ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة، فكشف عنهم بعد سبعة أيام: خرج موسى عليه السلام إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها، فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا، فأقاموا شهراً، فسلَّط الله عليهم القمل وهو الحمنان في قول أبي عبيدة كبار القردان.
وقيل: الدبا، وهو أولاد الجراد.
وقبل نبات أجنحتها.
وقيل: البراغيث.
وعن سعيد بن جبير: السوس، فأكل ما أبقاه الجراد، ولحس الأرض، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصُّه، وكان يأكل أحدهم طعاماً فيمتلئ قملاً، وكان يخرج أحدهم عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا يسيراً.
وعن سعيد بن جبير، أنه كان إلى جنبهم كثيب أعفر، فضربه موسى بعصاه فصار قملاً، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً، فأرسل الله عليهم بعد شهر الضفادع، فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، ولا يكشف أحد شيئاً من ثوب ولا طعام ولا شراب إلاّ وجد فيه الضفادع، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدرو وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فشكوا إلى موسى وقالوا: ارحمنا هذه المرة، فما بقي إلاّ أن نتوب التبة النصوح ولا نعود، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، فشكوا إلى فرعون فقال: إنه سحركم فكان يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً، ويستقيان من ماء واحد فيخرج للقبطي الدم وللإسرائيلي الماء حتى إن المرأة القبطية تقول لجارتها الإسرائيلية إجعلي الماء في فيك ثم مجيه في فيَّ فيصير الماء في فيها دماً.
وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك، فكان يمصّ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.
وعن سعيد بن المسيب: سال عليهم النيل دماً.
وقيل: سلط الله عليهم الرعاف وروي: أنّ موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات، وروي: أنه لما أراهم اليد والعصا ونقص النفوس والثمرات قال: يا رب، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض فخذه بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية.
فحينئذ بعث الله عليهم الطوفان، ثم الجراد، ثم ما بعده من النقم.
وقرأ الحسن: ﴿ والقمل ﴾ ، بفتح القاف وسكون الميم، يريد القمل المعروف ﴿ ءايات مفصلات ﴾ نصب على الحال.
ومعنى مفصلات: مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وأنها عبرة لهم ونقمة على كفرهم.
أو فصل بين بعضها وبعض بزمان تمتحن فيه أحوالهم، وينظر أيستقيمون على ما وعدوا من أنفسهم، أم ينكثون إلزاماً للحجة عليهم؟.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالُوا مَهْما ﴾ أصْلُها ما الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما المَزِيدَةُ لِلتَّأْكِيدِ، ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفُها هاءً اسْتِثْقالًا لِلتَّكْرِيرِ.
وَقِيلَ مُرَكَّبَةٌ مِن مَهْ الَّذِي يُصَوَّتُ بِهِ الكافُ وما الجَزائِيَّةِ ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿ تَأْتِنا بِهِ ﴾ أيْ أيُّما شَيْءٍ تَحْضُرُنا تَأْتِنا بِهِ.
﴿ مِن آيَةٍ ﴾ بَيانٌ لِمَهْما، وإنَّما سَمَّوْها آيَةً عَلى زَعْمِ مُوسى لا لِاعْتِقادِهِمْ ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ لِتَسْحَرَ بِها أعْيُنَنا وتُشَبِّهَ عَلَيْنا، والضَّمِيرُ في بِهِ وبِها لِمَّهْما ذَكَرَهُ قَبْلَ التَّبْيِينِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وأنَّثَهُ بَعْدَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ﴾ ماءٌ طافَ بِهِمْ وغَشِيَ أماكِنَهم وحُرُوثَهم مِن مَطَرٍ أوْ سَيْلٍ.
وقِيلَ الجُدَرِيُّ، وقِيلَ المَوَتانُ وقِيلَ الطّاعُونُ.
﴿ والجَرادَ والقُمَّلَ ﴾ قِيلَ هو كِبارُ القِرْدانِ، وقِيلَ أوْلادُ الجَرادِ قَبْلَ نَباتِ أجْنِحَتِها.
﴿ والضَّفادِعَ والدَّمَ ﴾ رُوِيَ: أنَّهم مُطِرُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِهِ، ودَخَلَ الماءُ بُيُوتَهم حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَرِاقِيِّهِمْ، وكانَتْ بُيُوتُ بَنِي إسْرائِيلَ مُشْتَبِكَةً بِبُيُوتِهِمْ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيها قَطْرَةٌ، ورَكَدَ عَلى أراضِيهِمْ فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والتَّصَرُّفِ فِيها، ودامَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أُسْبُوعًا فَقالُوا لِمُوسى: ﴿ ادْعُ لَنا رَبَّكَ ﴾ يَكْشِفْ عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ، فَدَعا فَكَشَفَ عَنْهم ونَبَتَ لَهم مِنَ الكَلَإ والزَّرْعِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَتْ زُرُوعَهم وثِمارَهم، ثُمَّ أخَذَتْ تَأْكُلُ الأبْوابَ والسُّقُوفَ والثِّيابَ فَفَزِعُوا إلَيْهِ ثانِيًا فَدَعا وخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ، وأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَرَجَعَتْ إلى النَّواحِي الَّتِي جاءَتْ مِنها فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ فَأكَلَ ما أبْقاهُ الجَرادُ وكانَ يَقَعُ في أطْعِمَتِهِمْ ويَدْخُلُ بَيْنَ أثْوابِهِمْ وجُلُودِهِمْ فَيَمُصُّها، فَفَزِعُوا إلَيْهِ فَرَفَعَ عَنْهم فَقالُوا: قَدْ تَحَقَّقْنا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ، ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ بِحَيْثُ لا يُكْشَفُ ثَوْبٌ ولا طَعامٌ إلّا وُجِدَتْ فِيهِ، وكانَتْ تَمْتَلِئُ مِنها مَضاجِعُهم وتَثِبُ إلى قُدُورِهِمْ وهي تَغْلِي، وأفْواهِهِمْ عِنْدَ التَّكَلُّمِ فَفَزِعُوا إلَيْهِ وتَضَرَّعُوا، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ العُهُودَ ودَعا فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم ثُمَّ نَقَضُوا العُهُودَ، ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَصارَتْ مِياهُهم دَمًا حَتّى كانَ يَجْتَمِعُ القِبْطِيُّ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ عَلى إناءٍ فَيَكُونُ ما يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا وما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، ويَمُصُّ الماءَ مِن فَمِ الإسْرائِيلِيِّ فَيَصِيرُ دَمًا في فِيهِ.
وَقِيلَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.
﴿ آياتٍ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ.
﴿ مُفَصَّلاتٍ ﴾ مُبَيَّناتٍ لا تُشْكِلُ عَلى عاقِلٍ أنَّها آياتُ اللَّهِ ونِقْمَتُهُ عَلَيْهِمْ، أوْ مُفَصَّلاتٍ لِامْتِحانِ أحْوالِهِمْ إذْ كانَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنها شَهْرٌ وكانَ امْتِدادُ كُلِّ واحِدَةٍ أُسْبُوعًا، وقِيلَ إنَّ مُوسى لَبِثَ فِيهِمْ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةُ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى مَهَلٍ.
﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ عَنِ الإيمانِ.
﴿ وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان} ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل قيل طفا الماء فوق حروتهم وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً ولا يقدر أحد أن يخرج من داره وقي دخل الماء في بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمن جلس غرق ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة أو هو الجدري أو الطاعون {والجراد} فأكلت زروعهم وثمارهم وسقوف بويتهم وثيباهم ولم يدخل بيوت بنى اساريل منها شيء {والقمل} وهى الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها أو البراغيث أو كبار القردان {والضفادع} وكانت تقع فى طعامهم
الأعراف ١٢٥ ١٢٩ وشرابهم حتى إذا تكلم الرجل تقع فيه فيه {والدم} أي الرعاف وقيل مياههم انقلبت دما حتى تغن القبطي والإسرائيلي إذا اجتمعا على إناء فيكون ما يلى الإسرائيلى ماء وما يلى القبطى دما وقيل سال علهيم النيل دما {آيات} حال من الأشياء المذكورة {مّفَصَّلاَتٍ} مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله أو مفرقات بين كل آيتين شهر {فاستكبروا} عن الإيمان بموسى {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}
﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ ﴾ عُقُوبَةً لِجَرائِمِهِمْ لا سِيَّما قَوْلُهم هَذا؛ ﴿ الطُّوفانَ ﴾ أيْ: ما طافَ بِهِمْ وغَشى أماكِنَهم وحُرُوثَهم مِن مَطَرٍ أوْ سَيْلٍ فَهو اسْمُ جِنْسٍ مِنَ الطَّوافِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كَنُقْصانٍ، وهو اسْمٌ لِكُلِّ شَيْءٍ حادِثٍ يُحِيطُ بِالجِهاتِ ويَعُمُّ كالماءِ الكَثِيرِ والقَتْلِ الذَّرِيعِ والمَوْتِ الجارِفِ، وقَدِ اشْتُهِرَ في طُوفانِ الماءِ، وجاءَ تَفْسِيرُهُ هُنا بِذَلِكَ في عِدَّةِ رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجاءَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَوْتِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَرْفُوعًا، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ الطّاعُونُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وعَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ الجُدَرِيُّ، وهم أوَّلُ مَن عُذِّبُوا بِهِ، وهَذانِ القَوْلانِ يَنْجَرّانِ إلى الخَبَرِ المَرْفُوعِ، ﴿ والجَرادَ ﴾ هو المَعْرُوفُ، واحِدُهُ جَرادَةٌ سُمِّيَ بِهِ لِجَرْدِهِ ما عَلى الأرْضِ، وهو جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّطُهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ مَرْفُوعًا النَّهْيُ عَنْ مُقاتَلَتِهِ مُعَلَّلًا بِما ذُكِرَ، وذَكَرَ البَيْهَقِيُّ أنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ مُرادٌ بِهِ إذا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإفْسادِ المَزارِعِ، فَإذا تَعَرَّضَ لَهُ جازَ دَفْعُهُ بِما يَقَعُ بِهِ الدَّفْعُ مِنَ القِتالِ والقَتْلِ أوْ أُرِيدَ بِهِ الإشارَةُ إلى تَعَذُّرِ مُقاوَمَتِهِ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ ومَن مَعَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الجَرادِ فَقالَ: «أكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا آكُلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ»».
وزَعْمُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن ذُنُوبِ ابْنِ آدَمَ مُؤَوَّلٌ، ﴿ والقُمَّلَ ﴾ بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ قِيلَ: هو الدَّبى وهو الصِّغارُ مِنَ الجَرادِ، ولا يُسَمّى جَرادًا إلّا بَعْدَ نَباتِ أجْنِحَتِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: هو القِرْدانُ جَمْعُ القُرادِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: صِغارُ الذَّرِّ، وعَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ أنَّها الجُعْلانُ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّها البَراغِيثُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها السُّوسُ وهي الدّابَّةُ الَّتِي تَكُونُ في الحِنْطَةِ وغَيْرِها، ويُسَمّى قَمْلًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، ﴿ والضَّفادِعَ ﴾ جَمْعُ ضِفْدِعٍ كَزِبْرِجٍ وجَعْفَرٍ وجُنْدَبٍ ودِرْهَمٍ وهَذا أقَلُّ أوْ مَرْدُودٌ، الدّابَّةُ المائِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، ﴿ والدَّمَ ﴾ مَعْرُوفٌ وتَشْدِيدُ دالِهِ لُغَةٌ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ العِنادَ والإصْرارَ دَعا وقالَ: يا رَبِّ، إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ، وإنَّ قَوْمَهُ قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ.
رَبِّ فَخُذْهم بِعُقُوبَةٍ تَجْعَلُها عَلَيْهِمْ نِقْمَةً ولِقَوْمِي عِظَةً ولِمَن بَعْدَهم آيَةً وعِبْرَةً، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ المَطَرَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ لَها أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِهِ فَدَخَلَ الماءُ بُيُوتَهم حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَراقِيهِمْ ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ قَطْرَةٌ، وكانَتْ مُشْتَبِكَةً في بُيُوتِهِمْ وفاضَ الماءُ عَلى أرْضِهِمْ ورَكَدَ فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والتَّصَرُّفِ ودامَ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ فَقالُوا: يا مُوسى، ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنّا ذَلِكَ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهم فَنَبَتَ مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ قَبْلَهُ، فَقالُوا: ما كانَ هَذا الماءُ إلّا نِعْمَةً عَلَيْنا فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَ زُرُوعَهم وثِمارَهم وأبْوابَهم وسُقُوفَهم وثِيابَهم وأمْتِعَتَهم حَتّى أكَلَ مَسامِيرَ الحَدِيدِ الَّتِي في الأبْوابِ ولَمْ يُصِبُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَعَجُّوا وضَجُّوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالُوا لَهُ كَما قالُوا أوَّلًا، فَخَرَجَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الصَّحْراءِ فَأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَرَجَعَ إلى النَّواحِي الَّتِي جاءَ مِنها.
وقِيلَ: جاءَتْ رِيحٌ فَألْقَتْهُ في البَحْرِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ القُمَّلَ فَأكَلَ ما أبْقى الجَرادُ، وكانَ يَدْخُلُ بَيْنَ ثَوْبِ أحَدِهِمْ وجِلْدِهِمْ فَيَمُصُّهُ، وإذا أرادَ أنْ يَأْكُلَ طَعامًا امْتَلَأ قَمْلًا، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: ابْتُلُوا بِالسُّوسِ؛ فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَخْرُجُ بِعَشَرَةِ أجْرِبَةٍ إلى الرَّحى فَلا يَرِدُ إلّا بِثَلاثَةِ أقْفِزَةٍ مِنها، وأخَذَ حَواجِبَهم وأشْفارَ عُيُونِهِمْ وسائِرَ شُعُورِهِمْ، وفَعَلَ في جُلُودِهِمْ ما يَفْعَلُهُ الجُدَرِيُّ، ومَنَعَهُمُ النَّوْمَ والقَرارَ فَفَزِعُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرُفِعَ عَنْهُمْ، فَقالُوا: قَدْ تَحَقَّقْنا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ فامْتَلَأتْ بُيُوتُهم وأفْنَيْتُهم وأمْتِعَتُهم وآنِيَتُهم مِنها فَلا يَكْشِفُ أحَدٌ إناءً إلّا وجَدَها فِيهِ، وكانَ الرَّجُلُ يَجْلِسُ فِي الضَّفادِعِ فَتَبْلُغُ إلى حَلْقِهِ، فَإذا أرادَ أنْ يَتَكَلَّمَ يَشِبُّ الضِّفْدَعُ فَيَدْخُلُ في فِيهِ، وكانَتْ تَشِبُّ في قُدُورِهِمْ فَتُفْسِدُ عَلَيْهِمْ طَعامَهم وتُطْفِئُ نِيرانَهُمْ، وإذا اضْطَجَعَ أحَدُهم رَكِبَتْهُ حَتّى تَكُونَ عَلَيْهِ رُكامًا فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْقَلِبَ، وإذا أرادَ أنْ يَأْكُلَ سَبَقَتْهُ إلى فِيهِ، ولا يَعْجِنُ عَجِينًا إلّا امْتَلَأ مِنها، فَفَزِعُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَضَرَّعُوا فَأخَذَ عَلَيْهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ ودَعا فَكَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَسالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا عَبِيطًا وصارَتْ مِياهُهم دِماءً، فَكانَ فِرْعَوْنُ يَجْمَعُ بَيْنَ القِبْطِيِّ والإسْرائِيلِيِّ في إناءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً وما يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا، ويَقُومانِ إلى الجَرَّةِ فِيها الماءُ فَيَخْرُجُ لِلْقِبْطِيِّ دَمٌ ولِلْإسْرائِيلِيِّ ماءٌ حَتّى إنَّ المَرْأةَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ تَأْتِي المَرْأةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَتَقُولُ لَها: اسْقِينِي ماءً، فَتَصُبُّ لَها مِن قِرْبَتِها فَيَصِيرُ في الإناءِ دَمًا حَتّى كانَتْ تَقُولُ: اجْعَلِيهِ في فِيكِ ثُمَّ مُجِّيهِ في فِيَّ فَتَفْعَلُ ذَلِكَ فَيَصِيرُ دَمًا.
وقالَ ابْنُ أسْلَمَ: إنَّ الدَّمَ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْهِمْ كانَ الرُّعافَ.
﴿ آياتٍ ﴾ حالٌ مِنَ الأشْياءِ المُتَقَدِّمَةِ.
﴿ مُفَصَّلاتٍ ﴾ مُبَيَّناتٍ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّها آياتٌ إلَهِيَّةٌ لا سِحْرٌ كَما يَزْعُمُونَ، أوْ مُمَيَّزًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ مُنْفَصِلَةٌ بِالزَّمانِ لِامْتِحانِ أحْوالِهِمْ، وكانَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنها شَهْرٌ، وكانَ امْتِدادُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها شَهْرًا، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَتِ الآياتُ التِّسْعُ في تِسْعِ سِنِينَ في كُلِّ سَنَةٍ آيَةٌ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنْ نَوْفٍ الشّامِيِّ قالَ: مَكَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ الجَرادَ والقُمَّلَ إلَخْ ...
فَأبَوْا أنْ يُسْلِمُوا.
وفِي رِوايَةِ أبِي الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ مَكَثَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ غَلَبَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ ما ذُكِرَ، ورَأيْتُ في مُسامَراتِ الشَّيْخِ ابْنِ العَرَبِيِّ -قُدِّسَ سِرُّهُ- أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ يُنْذِرُ آلَ فِرْعَوْنَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا إلى أنْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ ﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ عَنِ الإيمانِ بِها.
﴿ وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
<div class="verse-tafsir"
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ يقول: متى ما تأتنا.
ويقال: كلما تأتينا.
وروي عن الخليل أنه قال: مهما تأتنا أصلها الشرطية أدخلت معها ما الزائدة كقوله متى ما تأتني آتك.
وما زائدة فكأنه قال: ما تأتنا به فأبدلوا الهاء من الألف، وهكذا قال الزجاج.
بِهِ مِنْ آيَةٍ يعني: بشيء من آية لِتَسْحَرَنا بِها يعني: لتأخذ أعيننا بها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدقين بأنك مبعوث رسول الله فغضب موسى عند ذلك فدعا عليهم.
قال الله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وهو المطر الدائم من السبت إلى السبت حتى خربت بنيانهم وانقطعت السبل وكادت أن تصير مصر بحراً واحداً، فخافوا الغرق، فاستغاثوا بموسى، فأرسلوا إليه اكشف عنا العذاب نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه، فكشف عنهم المطر، وأرسل الله عليهم الريح فجففت الأرض فخرج من النبات شيء لم يروا مثله بمصر قط.
قالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا ولكنا لم نشعر به.
فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فنقضوا العهد، وعصوا ربهم، فمكثوا شهراً، فدعا عليهم موسى فأرسل الله تعالى عليهم الجراد مثل الليل، فكانوا لا يرون الأرض، ولا السماء من كثرتها، فأكل كل شيء أنبتته الأرض.
فاستغاثوا بموسى وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف: 49] يعني: يا أيها العالم سل لنا ربك ليكشف عنا العذاب، ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه، فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد وألقته في البحر فلم يبق في أرض مصر جرادة واحدة.
فقال لهم فرعون: انظروا هل بقي شيء؟
فنظروا فإذا هو قد بقي لهم بقية من كلئهم وزرعهم ما يكفيهم عامهم ذلك.
قالوا: قد بقي لنا ما فيه بلغتنا هذه السنة.
فقالوا: يا موسى لا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فمكثوا شهراً ثم دعا عليهم فأرسل الله تعالى عليهم القُمَّل.
قال قتادة: القمل أولاد الجرادة التي لا تطير وهكذا قال السدي.
وذكر عن أبي عبيدة أنه قال: القمل عند العرب الحمنان وهو ضرب من القردان فلم يبق من الأرض عود أخضر إلا أكلته.
فأتاهم منه مثل السيل على وجه الأرض، فأكل كل شيء في أرض مصر من نبات الأرض أو ثمر فصاحوا إلى موسى، واستغاثوا به، وقالوا: ادع لنا ربك هذه المرة يكشف عنا العذاب ونحن نطيعك ونعطيك عهداً وموثقاً لنؤمنن بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه فأرسل الله تعالى ريحاً حارة فأحرقته فلم يبق منه شيء، وحملته الريح، فألقته في البحر، فقال لهم موسى: أرسلوا معي بني إسرائيل؟
فقالوا له: قد ذهبت الأنزال كلها فأيش تفعل بعد هذا؟
فعلى أي شيء نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل؟
اذهب فما استطعت أن تضر بنا فافعل.
فمكثوا شهراً فدعا الله تعالى عليهم موسى، فأرسل الله تعالى عليهم آية وهي الضفادع، فخرجوا من البحر، مثل الليل الدامس، فغشوا أهل مصر، ودخلوا البيوت، ووقفوا على ثيابهم، وسررهم، وفرشهم، وكان الرجل منهم يستيقظ بالليل فيجد فراشه وقد امتلأ من الضفادع، فكان الرجل يكلم صاحبه في الطريق يجعل فمه في أذنه ليسمع كلامه من كثرة نعيق الضفادع.
فضاق الأمر عليهم فصاحوا إلى موسى فقالوا يا موسى: لئن رفعت عنا هذه الضفادع لنؤمنن بك ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا لهم موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الضفادع.
فقال لهم موسى: أرسلوا معي بني إسرائيل فقالوا: نعم اخرج بهم ولا تخرج معهم بشيء من مواشيهم شيئاً.
فقالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فمكثوا شهراً، فدعا عليهم، فأرسل الله تعالى عليهم الدم، فجرت أنهارهم دماء، فلم يكونوا يقدرون على الماء العذب ولا غيره، وبنو إسرائيل في الماء العذب.
وكلما دخل رجل من آل فرعون ليستقي من أنهار بني إسرائيل.
صار الماء دماً من بين يديه، ومن خلفه.
فركب فرعون وأشراف أصحابه حتى أتوا أنهار بني إسرائيل فإذا هي عذبة صافية.
فجعل فرعون يدخل الرجل منهم، فإذا دخل واغترف صار الماء في يده دماً.
فمكثوا كذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم فمات كثير منهم في ذلك.
فاستغاثوا بموسى فقال فرعون: اقسم بإلهك يا موسى لئن كشفت عنا الرجز، لنؤمننّ بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الدم، وعذب ماؤهم وصفي.
فعادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يعني: متتابعات قال الحسن وسعيد بن جبير وغيرهما قالوا: مما كانوا يعافون بين كل آيتين شهراً فإذا جاءت الآية، قامت عليهم سبعاً من السبت إلى السبت.
وروي عن مجاهد أنه قال: الطوفان المطر الكثير وقوله آيات صارت نصباً للحال.
وقوله تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تعظموا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: أقاموا على كفرهم.
قوله تعالى: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني: وجب عليهم العذاب وحل بهم قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ يعني: سل لنا ربك بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي: بما أمرك ربك أن تدعو الله ويقال: بالعهد الذي سأل ربك لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ أي: رفعت عنا العذاب لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ يعني: لنصدقنك وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ قال الله تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ يعني: العذاب إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعني: إلى وقت الغرق.
ويقال: إلى بقية آجالهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يعني: ينقضون العهد الذي عاهدوا عليه مع موسى.
قال الله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ يعني في البحر بلسان العبرانية.
وذلك أن الله تعالى أمر موسى بأن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر ليلاً، فاستعارت نسوة بني إسرائيل من نساء آل فرعون حليهن وثيابهن، وقلن: إن لنا خروجاً فخرج موسى ببني إسرائيل في أول الليل وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبي.
فذكر ذلك لفرعون.
فتهيأ للخروج إليهم فلما كان وقت الصبح ركب فرعون ومعه ألف ألف رجل، ومائتا ألف رجل، فأدركهم حين طلعت الشمس وانتهى موسى إلى البحر فضرب البحر فانفلق له اثنا عشر طريقاً.
وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً.
فعبر كل سبط في طريق، وأقبل فرعون ومن معه حتى انتهوا إلى حيث عبر موسى، فدخلوا تلك الطريق في طلبهم فلما دخل آخرهم وهمّ أولهم أن يخرج، أمر الله تعالى أن ينطبق عليهم فغرقهم.
فذلك قوله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: الآيات التسع وهي اليد والعصا والسنون ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يعني: معرضين.
فلم يتفكروا ولم يعتبروا بها حتى رجع موسى ببني إسرائيل، فسكنوا أرض مصر فذلك قوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ يعني: بني إسرائيل الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ أي: الأرض المقدسة وَمَغارِبَهَا يعني: الأردن وفلسطين.
ويقال: مشارق الأرض يعني: الشام ومغاربها الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني بالبركة الماء والثمار الكثيرة وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى يقول: وجبت نصرة ربك بالإحسان عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ قال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض.
وقال مقاتل: يعني: بالكلمة التي ذكرها في سورة القصص وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: 5] وقال الكلبي: وتمت كلمة ربك يعني: نعمة ربك الحسنى.
يعني: أنهم يجزون الحسنى الجنة بِما صَبَرُوا ولم يدخلوا في دين فرعون.
ويقال: وتمت كلمة ربك أي: ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض.
ثم قال: وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يعني: أهلكنا ما كان يعمل فرعون، وأبطلنا كيده ومكره.
وَما كانُوا يَعْرِشُونَ يعني: أهلكنا ما كانوا يبنون من البيوت والكروم.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يَعْرِشُونَ بضم الراء.
وقرأ الباقون بالكسر ومعناهما واحد.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ معناه: حظُّهم ونصيبهم قاله ابن عباس «١» ، وهو مأخوذ من زَجْر الطَّيْرِ فسُمِّيَ ما عند اللَّه من القدر للإِنسان طائراً لما كان الإِنسان يعتقدُ أنَّ كل ما يصيبه إِنما هو بحَسَب ما يراه في الطَّائِرِ، فهي لفظةٌ مستعارةٌ، ومهما أصلها عنْدَ الخليل مَامَا/، فأبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبوَيْهِ: هي «مَهْ مَا» خُلِطَتَا، وهي حَرْفٌ واحدٌ لمعنًى واحدٍ.
وقال غيره: معناها: «مَهُ» ، أي: كُفَّ، و «ما» : جزاءٌ، ذكره الزَّجَّاجُ، وهذه الآيةُ تتضمَّن طغيانهم، وعتوهم، وقَطْعَهم على أنفسهم بالكُفْر البحت.
وقوله سبحانه: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ...
الآية: الطُّوفانُ: مصْدَر مِنْ قولكّ:
طَافَ يَطُوفُ، فهو عامٌ في كلِّ شيء يطُوفُ إِلاَّ أن استعمال العَرَب له كثيرٌ في الماءِ والمَطَر الشديد، قال ابن عبَّاس وغيره: الطُّوفَان في هذه الآية: هو المطر الشديدُ، أصابهم وتوالى عليهم حتَّى هدَّم بيوتَهُمْ وضيَّق عليهم «٢» ، وقيل: طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عليهم، ورُوي في كيفيَّته قصصٌ كثيرةٌ، وقالتْ عائشة رضي اللَّه عنها، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ الطُّوفان المراد في هذه الآية هو الموت» «٣» .
قُلْتُ: ولو صحَّ هذا النقلُ، لم يبق مجملا وروي أن الله عز وجل لما والى عليهم المطر، غَرِقَتْ أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا: يا موسى ادع لنا ربك في كَشْف هذا الغَرَقِ، ونحن نؤمنُ، فدعا، فكَشَفَه اللَّه عنْهم، فأنبتتِ الأرضُ إنباتاً حسناً، فنكَثُوا، وقالوا: ما نودُّ أنَّا لم نمطر، وما هذا إِلا إِحسانٌ مِنَ اللَّه إِلينا، فبعث اللَّه علَيْهم حينئذٍ الجَرَادَ، فأكل جميعَ ما أنبتَتِ الأرض، فروى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنه أكل حتى أبوابَهم، وأكل الحديدَ والمساميرَ، وضيَّق عليهم غايةَ التضْييق، وترك اللَّهُ مِنْ نباتهم ما يَقُومُ به الرَّمق «١» ، فقالوا لموسى: ادع لنا ربَّك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا اللَّه فكَشَفه «٢» ، ورجعوا إِلى كفرهم، فبعث اللَّه عليه القُمَّل، وهي الدبى صغارُ الجَرَادِ، الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس «٣» وغيره، وقرأ الحسن: «القَمْل» «٤» - بفتح القاف، وسكون الميم- فهي على هذا القَمْلُ المعروفُ، وروي أن موسى مشى بعصاه إِلى كثيب أَهِيلٍ «٥» ، فضربَهُ، فانتشر كُلُّه قُمَّلاً في مِصْر، ثم إِنهم قالوا: ادع في كَشْفِ هذا، فدعا فرَجَعُوا إلى طُغْيَانهم، وكُفرهم، فبعَثَ اللَّه عَلَيْهم الضَّفَادَع، فكانَتْ تدخلُ في فَرُشِهِمْ، وبَيْن ثيابهم، وإِذا هَمَّ الرجُلُ أن يتكلَّم، وَثَبَ ضفْدَعٌ في فَمِهِ.
قال ابن جُبَيْر: كان الرجُلُ يجلسُ إلى ذقنه في الضفادع «٦» .
وقال ابنُ عبَّاس: لما أُرْسِلَتِ الضفادِعُ عليهم، وكانَتْ بَرِّيَّةً، سمعتْ وأطاعت، فَجعلتْ تقذفُ أنفسها في القُدُور، وهي تغلي، فأثابها اللَّه بحُسْن طاعتها بَرْدَ «٧» الماء، فقالوا: يا موسى، ادع في كَشْف هذا فدعا، فكشفَ، فرجَعُوا إِلى كُفْرهم، فبعث اللَّه عليهم الدَّم، فرجع ماؤهم الذي يستقونه، ويَحْصُلُ عندهم دماً، فرويَ أنه كان يستقي
القبْطِيُّ والإسرائيليُّ بإِناء واحدٍ، فإِذا خرج الماء، كان الذي يلي القِبْطِيَّ دماً، والذي يلي الإِسرائيليَّ ماءً إِلى نحو هذا، وشبهه، من العذاب بالدَّمِ المنقلبِ عن الماء، هذا قول جماعة من المتأوِّلين.
وقال زيدُ بن أسْلَمَ: إِنما سلط عليهم الرُّعَاف «١» ، فهذا معنى قوله: وَالدَّمَ، وقوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ التفصيل: أصله في الأجرام: إِزالة الاتصال، فهو تفريقُ شيئَيْن، فإِذا استعمل في المعاني، فيراد به أنه فُرِقَ بينها، وأُزِيلَ اشتباكها وإِشكالها، فيجيء من ذلك بيانها.
وقالتْ فرقةٌ: مُفَصَّلاتٍ يراد بها: مفرَّقات في الزمَن.
قال الفخر: قال المفسِّرون: كان العذابُ يبقى عليهم من السَّبْت إِلى السَّبْت، وبَيْنَ العذابِ والعذابِ شَهْرٌ، وهذا معنى قوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، على هذا التأويل، أي:
فصلَ بين بعضها وبَعْضٍ بزمانٍ تمتحنُ فيه أحوالهم، ويُنْظَرُ أيقبلون الحُجَّة والدليلَ، أم يستمرُّون على الخلاف والتقليد.
انتهى.
وقوله عز وجل: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ...
الآية: «الرّجز» : العذابُ، والظاهر من الآية أنَّ المراد بالرجْزِ هنا العذابُ المتقدِّم الذكْر من الطُّوفان والجراد وغيره.
وقال قوم: [إن] الرجْزَ هنا طاعون أنزله اللَّه بهم، واللَّه أعلم، وهذا يحتاجُ إلى سندٍ، وقولهم: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لفظ يعمُّ جميع الوسائل بَيْنَ اللَّه وبَيْنَ موسى من طاعةٍ من موسى ونعمةٍ من اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يكون ذلك منهم على جهَةِ القَسَمِ على موسَى، وقولُهم: لَئِنْ كَشَفْتَ أي: بدعائك، لَنُؤْمِنَنَّ وَلَنُرْسِلَنَّ قسمٌ وجوابُه، وهذا عهدٌ من فرعونَ وَمَلَئِهِ، وروي أنه لما انكشف العذابُ، قال فرعون لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيْثُ شِئْتَ، فخالفه بعْضُ مَلَئِهِ، فرجع ونكث، و «إذا» هنا للمفاجأة، والأَجَلُ: يراد به غايةُ كُلِّ واحد منهم بما يخصُّه من الهلاكِ والموتِ كما تقول: أخَّرْتُ كذا إِلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تريد وقْتاً بعينه، فاللفظ متضمِّن توعُّداً مَّا، وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: غافلين عما تضمَّنته الآيات من النجاة والهدى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا مَهْما ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ "مَهْما" ماما، ولَكِنْ أبْدَلَ مِنَ الألِفِ الأُولى الهاءَ لَيَخْتَلِفَ اللَّفْظُ، فَ "ما" الأُولى هي "ما" الجَزاءُ، و"ما" الثّانِيَةُ هي الَّتِي تُزادُ تَأْكِيدًا لَلْجَزاءِ، ودَلِيلُ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن حُرُوفِ الجَزاءِ إلّا و"ما" تُزادُ فِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ ﴾ كَقَوْلِكَ: إنْ تُثَقِّفْنَهم، وقالَ ﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ .
وتَكُونُ "ما" الثّانِيَةُ لَلشَّرْطِ والجَزاءِ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ هو الكَلامُ، وعَلَيْهِ اسْتِعْمالُ النّاسِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى "مَهْ" الكَفُّ، يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى "مَهْ" والِاخْتِيارُ أنْ لا يُوقَفُ عَلَيْها دُونَ "ما" لِأنَّها في المُصْحَفِ حَرْفٌ واحِدٌ.
وفي الطُّوفانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الماءُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَطَرٌ دائِمُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ، ومُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والثّانِي: أنَّهُ المَوْتُ، رَوَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنَ النَّبِيِّ ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ كَثِيرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعُونُ، نَقَلَ عَنْ مُجاهِدٍ، ووَهْبٍ أيْضًا.
وفي القَمْلِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ السُّوسُ الَّذِي يَقَعُ في الحِنْطَةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ الدَّبى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ.
وقالَ قَتادَةُ: القَمْلُ: أوْلادُ الجَرادِ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الدَّبى: الجَرادُ إذا تَحَرَّكَ قَبْلَ أنْ تَنْبُتَ أجْنِحَتُهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ دَوابٌّ سُودٌ صِغارٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: هَذِهِ الدَّوابُّ هي السُّوسُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الجُعْلانُ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ القَمْلُ، ذَكَرَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والسّادِسُ: أنَّهُ البَراغِيثُ، حَكاهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُ الحَمْنانُ، واحِدَتُها: حَمْنانَةُ، وهي ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: "القَمْلُ" بِرَفْعِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ.
وَفِي الدَّمِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ماءَهم صارَ دَمًا، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ رُعافٌ أصابَهم، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الإشارَةُ إلى شَرْحِ القِصَّةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَهُمُ الطُّوفانُ، فَكانَ الرَّجُلُ لا يَقْدِرُ أنْ يَخْرُجَ إلى ضَيْعَتِهِ، حَتّى خافُوا الغَرَقَ، فَقالُوا: يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفُهُ عَنّا، ونُؤْمِنُ بِكَ، ونُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَدَعا لَهم، فَكَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وأنْبَتَ لَهم شَيْئًا لَمْ يُنْبِتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: هَذا ما كُنّا نَتَمَنّى، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ فَدَعا، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم، فَأحْرَزُوا زُرُوعَهم في البُيُوتِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَمْلَ، فَكانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ بِطَحِينِ عَشْرَةِ أجْرِبَةٍ إلى الرَّحى، فَلا يَرى مِنها ثَلاثَةَ أقْفِزَةٍ، فَسَألُوهُ، فَدَعا لَهم، فَكَشَفَ عَنْهم، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ، ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أشَدُّ مِنها، كانَتْ تَجِيءُ إلى القُدُورِ وهي تَغْلِي وتَفُورُ، فَتُلْقِي أنْفُسَها فِيها، فَتُفْسِدُ طَعامَهم وتُطْفِئُ نِيرانَهم، وكانَتِ الضَّفادِعُ بَرِّيَّةً، فَأوْرَثَها اللَّهُ تَعالى بَرْدَ الماءِ والثَّرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَسَألُوهُ، فَدَعا لَهم، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَجَرَتْ أنْهارُهم وقَلْبُهم دَمًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الماءِ العَذْبِ، وبَنُو إسْرائِيلَ في الماءِ العَذْبِ، فَإذا دَخَلَ الرَّجُلُ مِنهم يَسْتَقِي مِن أنْهارِ بِنِي إسْرائِيلَ صارَ ما دَخَلَ فِيهِ دَمًا، والماءُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ صافٍ عَذْبٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: أُقْسِمُ بِإلَهِي يا مُوسى لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنُنَّ لَكَ، ولِنُرْسِلُنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا مُوسى، فَذَهَبَ الدَّمُ وعَذَبَ ماؤُهم، فَقالُوا: واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَيْنَ الآَيَةِ والآَيَةِ فَصَلٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الآَيَةُ تَمْكُثُ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ، ثُمَّ يَبْقَوْنَ عَقِيبَ رَفْعِها شَهْرًا في عافِيَةٍ، ثُمَّ تَأْتِي الآَيَةُ الأُخْرى.
قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَيْنَ كُلِّ آَيَتَيْنِ أرْبَعُونَ يَوْمًا.
ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَكَثَ مُوسى في آَلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَما غَلَبَ السَّحَرَةُ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآَياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ.
وَفِي قَوْلِهِ: "فاسْتَكْبَرُوا" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَنِ الإيمانِ.
والثّانِي: عَنِ الِانْزِجارِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَفادِعَ والدَمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ كانَ القَصْدُ في إصابَتِهِمْ بِالقَحْطِ والنَقْصِ في الثَمَراتِ أنْ يُنِيبُوا ويَرْجِعُوا فَإذا بِهِمْ قَدْ ضَلُّوا وجَعَلُوها تَشاؤُمًا بِمُوسى، فَكانُوا إذا اتَّفَقَ لَهُمُ اتِّفاقٌ حَسَنٌ في غَلّاتٍ ونَحْوِها قالُوا: هَذا لَنا وبِسَبَبِنا وعَلى الحَقِيقَةِ لَنا، وإذا نالَهم ضُرٌّ قالُوا: هَذا بِسَبَبِ مُوسى وشُؤْمِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالياءِ وشَدِّ الطاءِ والياءِ الأخِيرَةِ "يَطَّيَّرُوا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ: "تَطَيَّرُوا"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "تَشاءَمُوا بِمُوسى" بِالتاءِ مِن فَوْقُ وبِلَفْظِ الشُؤْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّما طائِرُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: حَظُّهم ونَصِيبُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَيْرِ، فَسُمِّيَ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَقِدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطائِرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "طائِرُهُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "طَيْرُهُمْ".
وقالَ تَعالى: "أكْثَرَهُمْ" وجَمِيعُهم لا يَعْلَمُ إمّا لِأنَّ القَلِيلَ عَلِمَ كالرَجُلِ المُؤْمِنِ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنْ يُرادَ الجَمِيعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ لِأجْلِ الإمْكانِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "طائِرُهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يَعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ، وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللهُ.
و"مَهْما" أصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ "ما ما" فَبُدِّلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي "مَهْ ما" خُلِطَتا، وهي حَرْفٌ واحِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها: "مَهْ وما" جَزاءٌ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ طُغْيانَهم وعُتُوَّهم وقَطْعَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ البَحْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الأخْفَشُ: الطُوفانُ: جَمْعُ طُوفانَةٍ، وهَذِهِ عُقُوباتٌ وأنْواعٌ مِنَ العَذابِ بَعَثَها اللهُ عَلَيْهِمْ لِيَزْدَجِرُوا ويُنِيبُوا، والطُوفانُ: مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: طافَ يَطُوفُ فَهو عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ كَثُرَ في الماءِ والمَطَرِ الشَدِيدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: غَيَّرَ الجَدَّةَ مِن آياتِها ∗∗∗ خُرُقُ الرِيحِ وطُوفانُ المَطَرِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَجْمِ: قَدْ مَدَّ طُوفانٌ فَبَثَّ مَدَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: إنَّ الطُوفانَ في هَذِهِ الآيَةِ المَطَرُ الشَدِيدُ أصابَهم وتَوالى عَلَيْهِمْ حَتّى هَدَمَ بُيُوتَهم وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِيلِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ في كَيْفِيَّتِهِ قَصَصٌ كَثِيرٌ.
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها «عَنِ النَبِيِّ : "إنَّ الطُوفانَ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَوْتُ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هو مَصْدَرٌ مُعَمًّى، عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِمْ.
والجَرادُ مَعْرُوفٌ، قالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ جَرادَةٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَإنْ أرَدْتَ الفَصْلَ قُلْتَ: رَأيْتُ جَرادَةً ذِكْرًا، ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا والى عَلَيْهِمُ المَطَرَ غَرِقَتْ أرْضُهم ومُنِعُوا،الزِراعَةَ قالُوا: يا مُوسى ادْعُ في كَشْفِ هَذا عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا، فَدَفَعَهُ اللهُ عنهم فَأنْبَتَتِ الأرْضُ إنْباتًا حَسَنًا، فَطَغَوْا وقالُوا: ما نَوَدُّ أنّا لَمْ نُمْطَرْ، وما هَذا إلّا إحْسانٌ مِنَ اللهِ إلَيْنا، فَبَعَثَ اللهُ حِينَئِذٍ الجَرادَ، فَأكَلَ جَمِيعَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ أكَلَ أبْوابَهم وأكَلَ الحَدِيدَ والمَسامِيرَ، وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ غايَةَ التَضْيِيقِ، وتَرَكَ اللهُ مِن نَباتِهِمْ ما يَقُومُ بِهِ الرَمَقُ، فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ في كَشْفِ الجَرادِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ، ورَأوا أنَّ ما أقامَ رَمَقَهم قَدْ كَفاهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ وهي الدَبى صِغارُ الجَرادِ الَّذِي يَثِبُ ولا يَطِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: هو الحَمْنانُ وهو صِغارُ القِرْدانِ.
وقِيلَ: هو البَراغِيثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُمَّلُ: السُوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الحِنْطَةِ، وقِيلَ: القُمَّلُ: حَيَوانٌ صَغِيرٌ جِدًّا أسْوَدُ، وإنَّهُ بِأرْضِ مِصْرَ حَتّى الآنَ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: القُمَّلُ: الجُعْلانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "القَمْلَ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، فَهي -عَلى هَذا- بَيِّنَةٌ، إذْ هو القَمْلُ المَعْرُوفُ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى مَشى بِعَصاهُ إلى كَثِيبٍ أُهِيلَ، فَضَرَبَهُ فانْتَشَرَ كُلُّهُ قَمْلًا في مِصْرَ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا فَدَعا، ورَجَعُوا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
وبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمُ الضَفادِعَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في فُرُشِهِمْ وبَيْنَ ثِيابِهِمْ، وإذا هَمَّ الرَجُلُ أنْ يَتَكَلَّمَ وثَبَ الضِفْدَعُ في فَمِهِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَجُلُ يَجْلِسُ إلى ذَقْنِهِ في الضَفادِعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الضَفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أُرْسِلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ، فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ أنْفُسَها في القُدُورِ وهي تَغْلِي فَأثابَها اللهُ بِحُسْنِ طاعَتِها بِرَدِّ الماءِ.
فَقالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ الدَمَ فَرَجَعَ ماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَسْقُونَهُ ويَحْصُلُ عِنْدَهم دَمًا، فَرُوِيَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَسْتَقِي مِنَ البِئْرِ فَإذا ارْتَفَعَ إلَيْهِ الدَلْوُ عادَ دَمًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ بِإناءٍ واحِدٍ فَإذا خَرَجَ الماءُ كانَ الَّذِي يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا والَّذِي يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، إلى نَحْوِ هَذا وشِبْهِهِ مِنَ العَذابِ بِالدَمِ المُنْقَلِبِ عَنِ الماءِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُتَأوِّلِينَ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُعافَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "والدَمَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ﴾ التَفْصِيلُ أصْلُهُ في الأجْرامِ إزالَةُ الِاتِّصالِ، فَهو تَفْرِيقُ شَيْئَيْنِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي فَيُرادُ أنَّهُ فُرِّقَ بَيْنَها وأُزِيلَ اشْتِراكُها وإشْكالُها، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ بَيانُها وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "مُفَصَّلاتٍ" يُرادُ بِهِ مُفَرَّقاتُ بِالزَمَنِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ العَذابُ يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُدَّةً قِيلَ: شَهْرٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَرِدُ الآخَرُ، فالمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَجِئْ جُمْلَةً ولا مُتَّصِلَةً، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِكْبارِ عَنِ الآياتِ والإيمانِ، وبِأنَّهم كانَ لَهُمُ اجْتِرامٌ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَلى عِبادِهِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ وقالوا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ [الأعراف: 130] الآية، فهم قابلوا المصائب التي أصابهم الله بها ليذكّروا، بازدياد الغرور فأيسوا من التذكر بها، وعاندوا موسى حين تحداهم بها فقالوا: مَهْما تأتنا به من أعمال سحرك العجيبة فما نحن لك بمؤمنين، أي: فلا تتعب نفسك في السحر.
و ﴿ مهما ﴾ اسم مضمن معنى الشرط، لأن أصله (ما) الموصولة أو النكرة الدالة على العموم، فركبّت معها (ما) لتصييرها شرطية كما ركبت (ما) مع (أي) و(متى) و(أيْنَ) فصارت أسماء شرط، وجعلت الألف الأولى هاء اسْتثقالاً لتكرير المتجانسين، ولقرب الهاء من الألف فصارت مهما، ومعناها: شيء ما، وهي مبهمة فيؤتى بعدها بمن التبْيينية، أي: إن تأتنا بشيء من الآيات فما نحن لك بمؤمنين.
و ﴿ مهما ﴾ في محل رفع بالابتداء، والتقدير: أيّما شيء تأتينا به، وخبره الشرط وجوابه، ويجوز كونها في محل نصب لفعل محذوف يدل عليه ﴿ تأتنا به ﴾ المذكور.
والتقدير: أي شيء تُحضرنا تأتينا به.
وذُكّر ضمير ﴿ به ﴾ رعياً للفظ ﴿ مهما ﴾ الذي هو في معنى أي شيء، وأنّث ضمير ﴿ بها ﴾ رعياً لوقوعه بعد بيان ﴿ مهما ﴾ باسم مؤنث هو ﴿ آية ﴾ .
و ﴿ من آية ﴾ بيان لإبهام ﴿ مهما ﴾ .
والآية: العلامة الدالة، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتا أولئك أصحاب النار ﴾ في سورة البقرة (39)، وفي قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ في سورة الأنعام (37).
وسموا ما جاء به موسى آية باعتبار الغرض الذي تحداهم به موسى حين الإتيان بها، لأن موسى يأتيهم بها استدلالاً على صدق رسالته، وهم لا يعدونها آية ولكنهم جارَوْا موسى في التسمية بقرينة قولهم لتسحرنا بها } ، وفي ذلك استهزاء كما حكى الله عن مشركي أهل مكة وقالوا: ﴿ يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] بقرينة قولهم: إنك لمجنون.
وجملة ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ مفيدة المبالغة في القطع بانتفاء إيمانهم بموسى لأنهم جاءوا في كلامهم بما حوته الجملة الاسمية التي حَكَتْهُ من الدلالة على ثبوت هذا الانتفاء ودوامه.
وبما تفيده الباء من توكيد النفي، وما يفيده تقديم متعلق مؤمنين من اهتمامهم بموسى في تعليق الإيمان به المنفي باسمه.
والفاء في قوله: ﴿ فأرسلنا ﴾ لتفريع إصابتهم بهذه المصائب على عتوهم وعنادهم.
والإرسال: حقيقته توجيه رسول أو رسالة فيعدى إلى المفعول الثاني (بإلى) ويضمّن معنى الإرسال من فوق، فيعدى إلى المفعول الثاني (بعَلى)، قال تعالى: ﴿ وأرسل عليهم طيراً أبابيل ﴾ [الفيل: 3]، ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ﴾ [الذاريات: 41] فحرف (على) دل على أن جملة أرسلنا مفرعة تفريع العقاب لا تفريغ زيادة الآيات.
والطوفان: السَيْح الغالب من الماء الذي يغمر جهات كثيرة ويطغى على المنازل والمزارع، قيل هو مشتق من الطواف لأن الماء يطوف بالمنازل، أي: تتكرر جريته حولها، ولم يدخل الطوفان الأرض التي كان بها بنو إسرائيل وهي أرض (جاسان).
والجراد: الحشرة الطائرة من فصيلة الصرصر والخنافس له أجنحة ستة ذات ألوان صفر وحمر تنتشر عند طيرانه، يكون جنوداً كثيرة يسمى الجند منها رِجْلا.
وهو مهلك للزرع والشجر، يأكل الورق والسنبل ووَرَق الشجر وقشره، فهو من أسباب القحط.
أصاب أرض قوم فرعون ولم يصب أرض بني إسرائيل.
والقُمّلُ: بضم القاف وتشديد الميم المفتوحة في القراءات المشهورة اسم نوع من القراد عظيم يسمى الحُمْنان بضم الحاء المهملة وميم ساكنة ونونين واحدته حمنانة وهو يمتص دم الإنسان (وهو غير القَمْل بفتح القاف وسكون الميم الذي هو من الحشرات الدقيقة التي تكون في شعر الرأس وفي جلد الجسد يتكون من تعفن الجلد لوسخه ودسومته ومن تعفن جلد الرأس كثيراً)، أصاب القبط جند كثير من الحمنان عسر الاحتراز عنه ولعله أصاب مواشيَهم.
والضفادع: جمع ضَفْدَع وهو حيوان يمشي على أرجل أربع ويسحب بطنه على الأرض ويسبح في المياه، ويكون في الغدران ومناقع المياه، صوته مثل القراقر يسمى نقيقاً، أصابهم جند كثير منه يقع في طعامهم يرتمي إلى القدور، ويقع في العيون والأسقية وفي البيوت فيفسد ما يقع فيه وتطؤه أرْجُل الناس فتتقذر به البيوت، وقد سلمت منه بلاد (جاسان) منزل بني إسرائيل.
والدم معروف، قيل: أصابهم رعاف متفش فيهم، وقيل: صارت مياه القبط كالدم في اللون، كما في التوراة، ولعل ذلك من حدوث دود أحمر في الماء فشبه الماء بالدم، وسلمت مياه (جاسان) قرية بني إسرائيل.
وسمى الله هاته ﴿ آيات ﴾ لأنها دلائل على صدق موسى لاقترانها بالتحدي، ولأنها دلائل على غضب الله عليهم لتظافرها عليهم حين صمموا الكفر والعناد.
وانتصب ﴿ آيات ﴾ على الحال من الطوفان وما عطف عليه، و ﴿ مفصّلات ﴾ اسم مفعول من فصّل المضاعف الدال على قوة الفصل.
والفصل حقيقته التفرقة بين الشيئين بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر، ويستعار الفصل لإزالة اللبس والاختلاط في المعاني ف ﴿ مفصلات ﴾ وصف ل ﴿ آيات ﴾ ، فيكون مراداً منه معنى الفصل المجازي وهو إزالة اللبس، لأن ذلك هو الأنسب بالآيات والدلائل، أي: هي آيات لا شبهة في كونها كذلك لمن نَظر نَظر اعتبار.
وقيل: المراد أنها مفصول بعضها عن بعض في الزمان، أي لم تحدث كلها في وقت واحد، بل حدث بعضها بعد بعض، وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على تراخي المدة بين الواحدة والأخرى، ويجيء على هذا أن العذاب كان أشد وأطول زمناً كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وما نريهم من آية إلاّ هي أكبر من أختها ﴾ [الزخرف: 48]، قيل: كان بين الآية منها والأخرى مدة شهر أو مدة ثمانية أيام، وكانت تدوم الواحدة منها مدة ثمانية أيام وأكثر، وعلى هذا الوجه فالأنسب أن يجعل ﴿ مفصلات ﴾ حالاً ثانية من الطوفان والجراد، وأن لا يجعل صفة ﴿ آيات ﴾ .
والفاء في قوله: ﴿ فاستكبروا ﴾ للتفريع والترتب، أي: فتفرع على إرسال الطوفان وما بعده استكبارهم، كما تفرع على أخذهم بالسنين غرورُهم بأن ذلك من شؤم موسى ومن معه، فعُلم أن من طبع تفكيرهم فسادَ الوضع، وهو انتزاع المدلولات من أضداد أدلتها، وذلك دليل على انغماسهم في الضلالة والخذلان، وبعدهم عن السعادة والتوفيق، فلا يزالون مورطين في وحل الشقاوة.
فالاستكبار: شدة التكبر كما دلت عليه السين والتاء، أي: عدَ أنفسهم كبراء، أي تعاظمهم عن التصديق بموسى وإبطال دينهم إذ أعرضوا عن التصديق بتلك الآيات المفصلات.
وجملة: ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ معطوفة على جملة ﴿ فاستكبروا ﴾ ، فالمعنى: فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا، وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على ثبات وصف الإجرام فيهم، وتمكنه منهم، ورسوخه فيهم من قبل حدوث الاستكبار، وفي ذلك تنبيه على أن وصف الإجرام الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر منهم، ف (كان) دالةٌ على استمرار الخبر وهو وصف الإجرام.
والإجرام: فعل الجرم وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ في هذه السورة (40).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ ﴾ أمّا الطُّوفانُ فَفِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الغَرَقُ بِالماءِ الزّائِدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الطّاعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَرَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «الطُّوفانُ المَوْتُ» .
والرّابِعُ: أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ طافَ بِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ كَثْرَةُ المَطَرِ والرِّيحِ، واسْتَدَلَّ قائِلٌ ذَلِكَ بِقَوْلِ الحَسَنِ بْنِ عُرْفُطَةَ: غَيَّرَ الجِدَّةَ مِن عِرْفانِهِ خُرُقُ الرِّيحِ وطُوفانُ المَطَرِ والسّادِسُ: أنَّهُ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، واسْتَدَلَّ قائِلُ ذَلِكَ بِقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: ومَرَّ طُوفانٌ فَبِتُّ شَهْرًا ∗∗∗ فَرْدًا شَآبِيبَ وشَهْرًا مَدَرًا ﴿ والقُمَّلَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الدَّبى وهو صِغارُ الجَرادِ لا أجْنِحَةَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ السُّوسُ الَّذِي في الحِنْطَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: البَراغِيثُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: القِرْدانِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والخامِسُ: هو دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وشاهِدُهُ قَوْلُ الأعْشى: قَوْمًا تُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهُهم ∗∗∗ وسَلاسِلًا أُجُدًا وبابًا مُؤْصَدًا وَواحِدُ القَمْلِ قَمْلَةٌ.
وَأمّا الضَّفادِعُ فَواحِدُها ضِفْدَعٌ وهو مَشْهُورٌ.
وَقِيلَ إنَّهُ كانَ يُوجَدُ في فِراشِهِمْ وآنِيَتِهِمْ، ويَدْخُلُ في ثِيابِهِمْ فَيَشْتَدُّ أذاهُ لَهم.
وَأمّا الدَّمُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ماءَ شُرْبِهِمْ كانَ يَصِيرُ دَمًا عَبِيطًا، فَكانَ إذا غَرَفَ القِبْطِيُّ مِنَ الماءِ صارَ دَمًا وإذا غَرَفَ الإسْرائِيلِيُّ كانَ ماءً.
والثّانِي: أنَّهُ رُعافٌ كانَ يُصِيبُهم، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُبَيِّناتٌ لِنُبُوَّةِ مُوسى.
والثّانِي: مُفَصَّلٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمْ تَجْتَمِعْ في وقْتٍ واحِدٍ بَلْ كانَتْ تَأْتِي شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ فَيَكُونُ في تَفْرِقَتِها مَعَ الإنْذارِ إعْذارٌ، وكانَ بَيْنَ كُلِّ آيَتَيْنِ شَهْرٌ.
﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الِانْزِجارِ بِالآياتِ.
والثّانِي: عَنِ الإيمانِ بِمُوسى.
﴿ وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كافِرِينَ.
والثّانِي: مُتَعَدِّينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ﴾ - فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: هو الطّاعُونُ أصابَهم فَماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ سَبْعُونَ ألْفَ إنْسانٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِما تَقَدَّمَ إلَيْكَ بِهِ أنْ تَدْعُوَهُ بِهِ فَيُجِيبُكَ كَما أجابَكَ في آياتِكَ.
والثّانِي: ما هَداكَ بِهِ أنْ تَفْعَلَهُ في قَوْمِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى مَعْنى القَسَمِ كَأنَّهم أقْسَمُوا عَلَيْهِ بِما عَهِدَ عِنْدَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهم.
﴿ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ هَذا قَوْلُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنُصَدِّقَنَّكَ يا مُوسى أنَّكَ نَبِيٌّ.
والثّانِي: لَنُؤْمِنَنَّ بِكَ يا اللَّهُ أنَّكَ إلَهٌ واحِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطوفان: الموت» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال: ﴿ الطوفان ﴾ الموت.
وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال: ﴿ الطوفان ﴾ الموت على كل حال.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: ﴿ الطوفان ﴾ الغرق.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ﴿ الطوفان ﴾ أن يمطروا دائماً بالليل والنهار ثمانية أيام، والقمل الجراد الذي ليس له أجنحة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ الطوفان ﴾ أمر من آمر ربك، ثم قرأ ﴿ فطاف عليها طائف من ربك ﴾ [ القلم: 9] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أرسل الله على قوم فرعون الطوفان وهو المطر فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الزرع والكلأ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه عليهم، فلما رأوه عرفوا أنه لا يبقي الزرع قالوا مثل ذلك، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد، فداسوه وأحرزوه في البيوت فقالوا: قد أحرزنا، فأرسل الله عليهم القمل: وهو السوس الذي يخرج من الحنطة، فكان الرجل يخرج بالحنطة عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها بثلاثة أقفزة، فقالوا مثل ذلك، فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل، فبينا موسى عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع من نهر فقال: يا فرعون ما تلقى أنت وقومك من هذا الضفدع؟
فقال: وما عسى أن يكون عند هذا الضفدع؟
فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، وما منهم من أحد يتكلم إلا وثب ضفدع في فيه، وما من شيء من آنيتهم إلا وهي ممتلئة من الضفادع.
فقالوا مثل ذلك، فكشف عنهم فلم يفوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت أنهارهم دماً، وصارت آبارهم دماً، فشكوا إلى فرعون ذلك فقال: ويحكم قد سحركم؟!
فقالوا: ليس نجد من مائنا شيئاً في اناء ولا بئر ولا نهر إلا ونجده طعم الدم العبيط.
فقال فرعون: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنهم الدم فلم يفوا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ وهو المطر حتى خافوا الهلاك، فأتوا موسى فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر، فانا نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم المطر، فأنبت الله به حرثهم وأخصبت بلادهم، فقالوا: ما نحب أنا لم نمطر ولن نترك إلهنا ونؤمن بك، ولن نرسل معك بني إسرائيل.
فأرسل الله عليهم الجراد فأسرع في فساد زروعهم وثمارهم، قالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الجراد، فانا سنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا ربه فكشف عنهم الجراد، وكان قد بقي من زرعهم ومعائشهم بقايا، فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا فلن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل.
فأرسل الله عليهم القمل وهو الدبا فتتبع ما كان ترك الجراد، فجزعوا وخشوا الهلاك فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الدبا فإنا سنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الدبا فقالوا: ما نحن لك بمؤمنين، ولا مرسلين معك بني إسرائيل.
فأرسل عليهم الضفادع فملأ بيوتهم منها، ولقو منها أذى شديداً لم يلقوا مثله فيما كان قبله، كانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفئ نيرانهم، قالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الضفادع فقد لقينا منها بلاء وأذى، فانا سنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا ربه فكشف عنهم الضفادع، فقالوا: لا نؤمن لك، ولا نرسل معك بني إسرائيل.
فأرسل الله عليهم الدم فجعلوا لا يأكلون إلا الدم ولا يشربون إلا الدم، قالوا يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الدم، فانا سنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا ربه فكشف عنهم الدم، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك ولن نرسل معك بني إسرائيل.
فكانت آيات مفصلات بعضها أثر بعض لتكون لله الحجة عليهم، فأخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم في اليم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ قال: الماء والطاعون والجراد.
قال: تأكل مسامير رتجهم: يعني أبوابهم وثيابهم، والقمل الدبا، والضفادع تسقط على فرشهم وفي أطعمتهم، والدم يكون في ثيابهم ومائهم وطعامهم.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال: بلغني أن الجراد لما سلط على بني إسرائيل أكل أبوابهم حتى أكل مساميرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الجراد نترة من حوت في البحر.
وأخرج العقيلي في كتاب الضعفاء وأبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجراد؟
فقال: إن مريم سألت الله أن يطعمها لحماً لا دم فيه فاطعمها الجراد» .
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن أبي أمامة الباهلي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مريم بنت عمران سألت ربها أن يطعمها لحماً لا دم فيه فاطعمها الجراد، فقالت: اللهم اعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياع يعني الصون قال الذهبي: اسناده أنظف من الأول» .
وأخرج البيهقي في سننه عن زينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: إن نبياً من الأنبياء سأل الله لحم طير لا ذكاة له، فرزقه الله الحيتان والجراد.
وأخرج أبو داود وابن ماجة وأبو الشيخ في العظمة والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن سلمان قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد؟
فقال «أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه» .
وأخرج أبو بكر البرقي في معرفة الصحابة والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقاتلوا الجراد فإنه جند من جند الله الأعظم» قال البيهقي: هذا إن صح أراد به إذا لم يتعرض لإِفساد المزارع، فإذا تعرض له جاز دفعه بما يقع به الدفع من القتال والقتل، أو أراد تعذر مقاومته بالقتال والقتل.
وأخرج البيهقي من طريق الفضيل بن عياض عن مغيرة عن ابراهيم عن عبد الله قال: وقعت جرادة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الا نقتلها يا رسول الله؟
فقال: «من قتل جرادة فكأنما قتل غوريا» قال البيهقي: هذا ضعيف بجهالة بعض رواته، وانقطاع ما بين إبراهيم وابن مسعود.
وأخرج الحاكم في تاريخه والبيهقي بسند فيه مجهول عن ابن عمر قال: وقعت جرادة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتملها فإذا مكتوب في جناحها بالعبرانية: لا يعني جنيني ولا يشبع آكلي، نحن جند الله الأكبر لنا تسع وتسعون بيضة، ولو تمت لنا المائة لأكلنا الدنيا بما فيها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم أهلك الجراد اقتل كبارها، وأمت صغارها، وأفسد بيضها، وسدَّ أفواهها عن مزارع المسلمين وعن معايشهم إنك سميع الدعاء، فجاءه جبريل فقال: إنه قد استجيب لك في بعض» قال البيهقي: هذا حديث منكر.
وأخرج الطبراني وإسمعيل بن عبد الغافر الفارسي في الأربعين والبيهقي عن الحسين بن علي قال: كنا على مائدة أنا، وأخي محمد بن الحنفية، وبني عمي عبد الله بن عباس، وقثم، والفضل، فوقعت جرادة فأخذها عبد الله بن عباس، فقال للحسين: تعلم ما مكتوب على جناح الجرادة؟
فقال: سألت أبي فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي «على جناح الجرادة مكتوب: إني أنا لا الله لا إله إلا أنا رب الجرادة ورازقها، إذا شئت بعثتها رزقاً لقوم، وإن شئت على قوم بلاء» .
فقال ابن عباس: هذا والله من مكنون العلم.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس: مكتوب على الجرادة بالسريانية: إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، الجراد جند من جندي أسلطه على من أشاء من عبادي.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن المسيب قال: لما خلق الله آدم فضَّل من طينته شيء فخلق من الجراد.
وأخرج عن سعيد بن أبي الحسن.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: ﴿ الطوفان ﴾ المطر ﴿ والجراد ﴾ هذا الجراد.
﴿ والقمل ﴾ الدابة التي تكون في الحنطة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال: القمل: الجراد الذي لا يطير.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القمل: هو القمل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: زعم بعض الناس في القمل أنها البراغيث.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت قال: القمل: الجعلان.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ والقمل والضفادع ﴾ قال: القمل: الدبا.
والضفادع: هي هذه.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول: يبادرون النحل من أنها ** كأنهم في الشرف القمل وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: القمل: الجنادب بنات الجراد.
وأخرج أبو الشيخ عن عفيف عن رجل من أهل الشام قال: القمل: البراغيث.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف نفسها في القدر وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: لم يكن شيء أشد على آل فرعون من الضفادع، كانت تأتي القدور وهي تغلي فتلقي أنفسها فيها، فأورثها الله برد الماء والثرى إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: لا تقتلوا الضفادع فانها لما أرسلت على آل فرعون انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار، طلبت بذلك مرضاة الله فأبدلهن الله أبرد شيء نعلمه الماء، وجعل نعيقهن التسبيح.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي.
أن طبيباً ذكر ضفدعاً في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: سالت النيل دماً فكان الاسرائيلي يستقي ماء طيباً ويستقي الفرعوني دماً، ويشتركان في اناء واحد فيكون ما يلي الاسرائيلي ماء طيباً وما يلي الفرعوني دماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: أرسل الله عليهم الدم فكانوا لا يغترفون من مائهم إلا دماً أحمر، حتى لقد ذكر لنا أن فرعون كان يجمع بين الرجلين على الاناء الواحد القبطي والإِسرائيلي، فيكون ما يلي الإِسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ والدم ﴾ قال: سلط الله عليهم الرعاف.
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف الشامي قال: مكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات، الجراد والقمل والضفادع والدم فيأبون أن يسلموا.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة أربعين سنة يريهم الآيات، الجراد والقمل والضفاع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ آيات مفصلات ﴾ قال: كانت آيات مفصلات بعضها على أثر بعض ليكون لله الحجة عليهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ آيات مفصلات ﴾ قال: يتبع بعضها بعضاً، تمكث فيهم سبتاً إلى سبت ثم ترفع عنهم شهراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان بين كل آيتين من هذه الآيات ثلاثون يوماً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كانت الآيات التسع في تسع سنين، في كل سنة آية.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ ﴾ .
اختلفت الرواية عن ابن عباس في تفسير ﴿ الطُّوفَانَ ﴾ ؛ فقال في رواية عطاء: (الموت (١) (٢) (٣) (٤) وروي ذلك مرفوعاً، أخبرناه العروضي رحمه الله قراءة وسعيد بن العباس القرشي (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) : "الطوفان الموت" (١٣) وقال في رواية الضحاك (١٤) وقال في رواية أبي ظبيان (١٥) (١٦) ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾ (١٧) وروي عنه أيضاً أنه قال: (الطوفان هو الماء؛ أرسل الله عليهم السماء) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وَعمَّ طُوفَانُ الظلامِ الأثأبَا (٢٤) (٢٥) وهو فعلان (٢٦) (٢٧) (٢٨) غيَّرَ الْجِدَّةَ من آياتها ...
خُرُقُ الرِيحِ وطُوفَانُ المَطَرْ (٢٩) وقال أبو العباس: (الطوفان مصدر مثل الرجحان والنقصان، ولا حاجة به إلى أن نطلب له واحداً) (٣٠) وأكثر المفسرين على أن معناه هاهنا: المطر الكثير (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) [وقال اللحياني: (أرض جَرِدَة ومَجرُودَة قد لحسها الجراد) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) قالوا: (فأكلت الجراد عامة زروعهم (٤١) واختلفوا فيه.
فقال ابن عباس في رواية عطاء: (هو الدبى) (٤٢) (٤٣) وهو قول مجاهد (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقال عكرمة: (هي بنات الجراد) (٤٩) (٥٠) وقال (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) وقال ابن السكيت: (القُمَّل شيء يقع في الزرع ليس بجراد فيأكل السنبلة وهي غضة قبل أن تخرج، فيطول الزرع ولا سنبل له) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) قالوا: (فتتبع القُمّل ما بقي من حروثهم وأشجارهم فأكله ولحس الأرض كلها) هذا على قول من قال: إنه الدبى، ومن قال: إنه السوس، فقال سعيد بن جبير: (كان الرجل يخرج عشرة أقفزة (٥٩) وقال أبو عبيدة (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) قالوا: (وكان القمل يدخل (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) وقوله تعالى: ﴿ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ﴾ .
قال المفسرون: (كان العذاب يمكث (٧٢) ﴿ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ﴾ (٧٣) وقال مجاهد: ﴿ مُفَصَّلَاتٍ ﴾ : مبينات ظاهرات) (٧٤) قال الزجاج: (و ﴿ آيَاتٍ ﴾ منصوبة على الحال (٧٥) ﴿ فَاسْتَكْبَرُوا ﴾ .
قال ابن عباس (٧٦) (٧٧) (١) في (ب): (هو الموت).
(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وإنما ذكره أكثرهم من قول عطاء بن أبي رباح، وقد أخرجه الطبري 13/ 51 من عدة طرق جيدة عن عطاء، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 69، والثعلبي في "تفسيره" 6/ 9 ب، والماوردي 2/ 251 عن عطاء.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) "تفسير مجاهد" 1/ 244، وأخرجه الطبري 9/ 31 من عدة طرق جيدة.
(٥) لفظ: (القرشي) ساقط من (ب).
(٦) في (ب): (أخبرنا الأزهري أخبرنا المنذري).
(٧) لم أستطع معرفته بعد طول بحث.
(٨) محمد بن يزيد بن كثير العجلي أبو هشام الرفاعي الكوفي، قاضي المدائن، إمام، فقيه، مقرئ، محدث، صدوق، فيه لين.
توفي سنة 248 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 129، و"تاريخ بغداد" 3/ 375، و"سير أعلام النبلاء" 12/ 153، و"ميزان الاعتدال" 4/ 68، و"تهذيب التهذيب" 3/ 735.
(٩) يحيى بن يمان العجلي أبو زكريا الكوفي، إمام، عابد، مقرئ، محدث، == صدوق، يخطئ، وتغير بآخر عمره.
توفي سنة 189 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 14/ 120، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 356، و"ميزان الاعتدال" 4/ 416، و"تهذيب التهذيب" 4/ 401.
(١٠) المنهال بن خليفة العجلي، أبو قدامة الكوفي، ضعيف، روى عن عطاء بن أبي رباح، وحجاج بن أرطأة وغيرهما، وروى عنه وكيع وعبد الله بن المبارك وغيرهما.
انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 357، و"ميزان الاعتدال" 4/ 191، و"تهذيب التهذيب" 4/ 162، و"تقريب التهذيب" ص 547 (6917).
(١١) حجاج بن أرطأة بن ثور النخعي أبو أرطأة الكوفي، القاضي، إمام، فقيه، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، توفي سنة 145 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 153، و"تاريخ بغداد" 8/ 230، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 68، و"ميزان الاعتدال" 1/ 458، و"تهذيب التهذيب" 1/ 356.
(١٢) الحكم بن ميناء الأنصاري المدني من أولاد الصحابة، روى عن بلال وعائشة وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم، وهو إمام ثقة.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 127، و"تهذيب التهذيب" 1/ 470، و"تقريب التهذيب" ص 176 (1463).
(١٣) هذا حديث ضعيف، أخرجه الطبري 9/ 31، 32، وابن أبي حاتم 5/ 1544، والأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2154، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 268، وقال: (هو حديث غريب)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 519 وزاد نسبته (إلى أبي الشيخ وابن مردويه).
وضعفه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في "حاشية الطبري" لضعف المنهال بن خليفة العجلي.
(١٤) قوله: وقال، أي: ابن عباس ما وقد أخرجه الطبري 9/ 31، وابن أبي حاتم 5/ 1545 بسند ضعيف.
(١٥) أبو ظبيان هو حصين بن جندب بن عمرو بن الحارث الجنبي الكوفي، إمام، تابعي، ثقه، فقيه، روى عن جرير بن عبد الله، وأسامة بن زيد، وابن عباس وغيرهم، توفي سنة 90 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 224، و"الجرح والتعديل" 3/ 190، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 362، و"تهذيب التهذيب" 1/ 441.
(١٦) لفظ: (طاف) ساقط من (أ).
(١٧) أخرجه الطبري 9/ 31، وابن أبي حاتم 5/ 1544 بسند لا بأس به.
(١٨) أخرجه الطبري 9/ 32، ص 61، وابن أبي حاتم 5/ 1545 من عدة طرق جيدة.
(١٩) لفظ: (السماء) ساقط من (ب).
(٢٠) أي أسبوعًا من السبت إلى السبت.
(٢١) "معاني الفراء" 1/ 392.
(٢٢) انظر: "المنجد" لكراع ص 255، و"البارع" ص 682، و"الصحاح" 4/ 1397، و"المجمل" 2/ 589، و"مقاييس اللغة" 3/ 432، و"المفردات" ص 532، و"اللسان" 5/ 2723 (طوف).
(٢٣) النصر في "العين" 7/ 458.
(٢٤) "ملحق ديوان العجاج" 2/ 268، و"المنجد" ص 255، و"البارع" ص 682، == و"تهذيب اللغة" 3/ 2154،و"الصحاح" 4/ 1397، و"المجمل" 2/ 589، و"مقاييس اللغة" 3/ 432، و"اللسان" 5/ 2724 (طوف)، و"الدر المصون" 5/ 433، وأوله: حتَّى إذا مَا يَوْمُهَا تَصَّبْصَبَا وفي "العين" قال: (الأثأب: شجر شبه الطرفاء إلا أنه أكبر منه) اهـ.
(٢٥) "معاني الزجاج" 4/ 164، و"تهذيب اللغة" 3/ 2154.
(٢٦) وعليه يكون اسم جنس كقمح وقمحة وشعير وشعيرة، أفاده السمين في "الدر" 5/ 432.
(٢٧) في (ب): (من الطوف)، وهو تحريف.
(٢٨) "معاني الأخفش" 2/ 308 وزاد فيه: (وهي من طاف يطوف) اهـ.
(٢٩) البيت لحسيل بن عرفطة الأسدي، شاعر جاهلي، في "النوادر" لأبي زيد ص 77، و"تفسير الطبري" 9/ 32، والماوردي 2/ 252، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 3/ 2154، و"الصحاح" 4/ 1397، و"المنصف" 2/ 228، و"تفسير ابن عطية" 6/ 49، و"اللسان" 5/ 2724، و"البحر" 4/ 373، و"الدر المصون" 5/ 433.
(٣٠) "تهذيب اللغة" 3/ 2154، وجعله السمين في "الدر" 5/ 432، من قول المبرد في آخرين.
(٣١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 226، و"تفسير غريب القرآن" ص 180، و"معاني النحاس" 3/ 69، و"تفسير المشكل" ص 86.
(٣٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 34، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1550 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 234، بسند جيد عن قتادة.
(٣٣) في (ب): (لما أتى)، وهو تصحيف.
(٣٤) لفظ: (كنا) ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.
(٣٥) الذكر والأنثى فيه سواء يقال: جرادة ذكر وجرادة أنثى، كنملة وحمامة، مشتق من الجَرْد، أفاده السمين في "الدر" 5/ 434.
(٣٦) زورقه: أي: خضرته، انظر: "اللسان" 3/ 1827 (زرق).
وفي أصل (أ): (زورقها ثم صحح إلى زورقه)، ولعله ورقه، وفي (ب): (ونبت مجرود قد أكل الجراد والزرع) اهـ.
وعند الرازي 14/ 218: (ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه) اهـ.
(٣٧) "تهذيب اللغة" 1/ 573 (جرد).
(٣٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٩) الزئبر، بالكسر مهموز: ما يعلو الثوب الجديد ويظهر من درز الثوب.
انظر: "اللسان" 3/ 1799 (زأبر).
(٤٠) انظر: "العين" 6/ 75 - 77، و"المنجد" ص 165، و"الجمهرة" 1/ 446، و"الصحاح" 2/ 455، و"المجمل" 1/ 186، و"مقاييس اللغة" 1/ 452، و"المفردات" ص 191، و"اللسان" 1/ 587 (جرد).
(٤١) في (ب): (زرعهم).
(٤٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 228 من رواية عطاء عن ابن عباس.
(٤٣) أخرجه الطبري 9/ 32، 33 من عدة طرق جيدة عن علي بن أبي طلحة، وعطية العوفي، والضحاك عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1546 من طرق عن عكرمة والضحاك عن ابن عباس.
(٤٤) "تفسير مجاهد" 1/ 244.
(٤٥) أخرجه الطبري 9/ 33 من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 234 بسند جيد عن قتادة.
(٤٦) "تنوير المقباس" 2/ 121.
وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 38 - 39، والثعلبي 6/ 10 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 228، والبغوي 3/ 270.
(٤٧) الدبى: قال في "اللسان" 3/ 1325 (دبى): (الدبى الجراد قبل أن يطير، وقيل: هو أصغر ما يكون من الجراد والنمل، وقيل: هو نوع يشبه الجراد) اهـ.
(٤٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤٩) أخرجه الطبري 9/ 33 بسند ضعيف.
(٥٠) "معاني الفراء" 1/ 392، وانظر: "الزاهر" 1/ 222.
(٥١) قوله: (وقال) أي ابن عباس، وقد أخرجه الطبري 9/ 32، وابن أبي حاتم 5/ 1547 بسند جيد عنه.
(٥٢) في (ب): (قال)، وهو تحريف.
(٥٣) أخرجه الطبري 9/ 33 بسند ضعيف عن سعيد بن جبير والحسن، وأخرجه الطبري 9/ 33، عن سعيد بن جبير بسند جيد من وجه آخر.
(٥٤) "تهذيب اللغة" 3/ 3047، وانظر: "العين" 5/ 176.
(٥٥) "تهذيب اللغة" 3/ 3047.
(٥٦) لفظ: (قال) ساقط من (ب).
(٥٧) "تهذيب اللغة" 3/ 3047، وانظر: "الجمهرة" 2/ 974، و"الصحاح" 5/ 1805، و"المجمل" 3/ 734، و"مقاييس اللغة" 5/ 29، و"المفردات" ص 684، و"اللسان" 6/ 3743 (قمل).
(٥٨) ذكره ابن أبي حاتم 5/ 1547، والثعلبي 6/ 10 أ، والبغوي 3/ 270 عن عطاء الخرساني قال: (هو القَمْل) اهـ.
(٥٩) القفيز: من المكاييل معروف، وهو مكيال تتواضع الناس عليه.
انظر: "اللسان" 6/ 3701 (قفز)، والأثر أخرجه الطبري 9/ 34 بسند جيد فيه: (فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة) اهـ.
(٦٠) "مجاز القرآن" 1/ 226.
(٦١) ذكره الثعلبي 6/ 10 أعن الأخفش ولم أقف عليه في "معانيه".
(٦٢) أبو الحسن الأعرابي العدوي، لعله علي بن الحسن بن عبيد بن محمد الشيباني أبو الحسن المعروف بابن الأعرابي البغدادي، صاحب أدب ورواية للأخبار، روى عن أبي خالد يزيد بن يحيى الخزاعي وأبي العتاهية الشاعر وغيرهم، انظر: "تاريخ بغداد" 11/ 373، و"اللباب" لابن الأثير 1/ 74.
(٦٣) "معاني النحاس" 3/ 70، و"تهذيب اللغة" 3/ 3047، وقال بعده النحاس: (وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير لأنه يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم وهي كلها تجتمع في أنها تؤذيهم) اهـ.
(٦٤) ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 10 ب.
(٦٥) الميرة: الطعام يمتاره الناس ونحوه مما يجلب للبيع.
انظر: "اللسان" 7/ 4306 (مير).
(٦٦) في (ب): (دخل)، وهو تحريف.
(٦٧) في (ب): (جلدهم).
(٦٨) في (ب): (لدعا)، وهو تحريف.
(٦٩) في (أصل) (أ): (وهي) ثم صحح في الأعلى إلى (وهو) وهو الأولى.
(٧٠) لفظ: (الله) ساقط من (ب).
(٧١) سبق تخريجه.
(٧٢) في (ب): (نكث)، وهو تحريف.
(٧٣) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 39، 40، أخرجه عن ابن عباس وابن جريج وابن إسحاق من طرق جيدة، انظر: "معاني الفراء" 1/ 393 والزجاج 2/ 370، و"تفسير السمرقندي" 1/ 565، الماوردي 2/ 253.
(٧٤) ذكره الهمداني في "الفريد" 2/ 349، القرطبي 7/ 271، أخرج الطبري 9/ 40 بسند ضعيف عن مجاهد قال: (معلومات) اهـ.
وقال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 180: (أي: بين الآية والآية فصل ومدة) اهـ.
وانظر: "معاني النحاس" 3/ 71.
(٧٥) "معاني الزجاج" 2/ 370 انظر: "إعراب النحاس" 1/ 634، و"المشكل" 1/ 299، و"البيان" 1/ 371، و"التبيان" ص 388، و"الفريد" 2/ 349، و"الدر المصون" 5/ 434.
(٧٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 229، "الرازي" 14/ 218 بلا نسبة، وفي "تنوير المقباس" 2/ 122 (أي: عن الإيمان ولم يؤمنوا) اهـ.
(٧٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة ﴾ الآية: إذ جاءهم الخصب والرخاء قالوا: هذه لنا وبسعدنا، ونحن مستحقون له وإذ جاءهم الجدب والشدة تطيروا بموسى: أي قالوا هذه بشؤمه، فإن قيل: لم قال إذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة؟
فالجواب: أن وقوع الحسنة كثير، والسيئة وقوعها نادر فعرف الكثير الوقوع باللام التي للعهد، وذكره بإذا لأنها تقتضي التحقيق وذكر السيئة بإن لأنها تقتضي الشك ونكرها للتعليل ﴿ ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ﴾ أي إنما حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمي به ما يصيب الإنسان.
ومقصود الآية الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم.
مهما هي ما الشرطية ضمت إليها ما الزائدة نحو أينما، ثم قلبت الألف هاء، وقيل: هي اسم بسيط غير مركب.
والضمير في به يعود على مهما، وإنما قالوا: من آية على تسمية موسى لها آية، أو على وجه التهكم ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان ﴾ روي أنه كان مطراً شديداً دائماً مع فيض النيل حتى هدم بيوتهم، وكادوا يهلكون وامتنعوا من الزراعة وقيل هو الطاعون ﴿ والجراد ﴾ هو المعروف أكل زروعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم ﴿ والقمل ﴾ قيل هي صغار الجراد، وقيل: البراغيث، وقيل: السوس، وقرئ القمل بفتح القاف والتخفيف، فهي على القمل المعروف، وكانت تتعلق بلحومهم وشعورهم ﴿ والضفادع ﴾ هي المعروفة كثرت عندهم حتى امتلأت بها فرشهم وأوانيهم وإذا تكلم أحدهم وثبت الضفدع إلى فمه ﴿ والدم ﴾ صارت مياههم دماً فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيخرج ما يلي القبطي دماً، وما يلي الإسرائيلي ماء ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز ﴾ أي العذاب وهي الأشياء المتقدمة وكانوا مهما نزل بهم أمر منها عاهدوا موسى على أن يؤمنوا به إن كشفه عنهم، فلما كشفه عنهم نقضوا العهد وتمادوا على كفرهم ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ بدعائك إليه ووسائلك، والباء تحتمل أن تكون للقسم وجوابه لنؤمنن لك أو يتعلق بادع لنا أي توسل إليه بما عندك ﴿ فِي اليم ﴾ البحر الميت حيث وقع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.
الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.
الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.
الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.
﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.
التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.
وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.
والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.
قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.
وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.
وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.
ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.
وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.
ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.
فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.
ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.
عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.
وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.
فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.
ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .
و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.
ثم حكى ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.
فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.
قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.
والسنون من الجموع المصححة الشاذة.
عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.
وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.
قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.
قال القاضي: في الآية دلالة على أنه أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.
وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.
وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟
﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.
وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.
وكان النبي يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.
قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.
ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.
وقد تشاءمت اليهود بالنبي وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.
قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.
وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.
ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.
﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.
وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.
قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.
وقيل: هو الموتان.
وقيل: الطاعون.
والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.
فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.
وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.
فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.
وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.
وقيل: البراغيث.
وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.
وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.
وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.
فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.
فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.
وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.
وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.
وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.
ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.
ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.
وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.
أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.
ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.
وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.
ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.
وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.
وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.
قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ﴾ إلى تمام الآيتين.
ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.
وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.
وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.
وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.
ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.
ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.
وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.
وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.
وعن علي أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.
ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.
﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.
وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.
﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.
وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.
قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.
ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.
والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.
وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.
التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.
﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.
وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.
﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.
يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.
﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.
قوله - عز جل -: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
عن ابن مسعود - -: ﴿ بِٱلسِّنِينَ ﴾ قال: بالجوع، وقيل: بالقحط.
ومجاهد: ﴿ بِٱلسِّنِينَ ﴾ قال: بالجوائح ونقص من الثمرات دون ذلك.
وقال القتبي: بالسنين: بالجدب؛ يقال: أصاب الناس سنة: أي جدب.
فإن قيل: ذكر أنه أخذ آل فرعون، وكان فيهم بنو إسرائيل فما معنى التخصيص؟
قيل: يحتمل أن يكون ذلك لهم خاصّة دون بني إسرائيل، وإن كانوا فيهم؛ على ما ذكر في بعض القصّة أن القبط كانوا يشربون الدم وبنو إسرائيل الماء، أو كان الجدب والنقص من الثمرات يضر آل فرعون، ولا يضر بني إسرائيل؛ لما أنهم كانوا يأكلون للشهوة وبنو إسرائيل للحاجة، فمن يأكل للحاجة كان أقل حاجة إلى الطعام ممن يأكل للشهوة؛ فإذا لم يجدوا ما يأكلون للشهوة كان أضر بهم.
ألا ترى أنه قيل: "يأكل المؤمن في معيٍّ واحد والكافر لسبعة أمعاء" أو خرج تخصيص ذلك لهم لما أن في عقد بني إسرائيل أن [لله أن] يمتحنهم بجميع أنواع المحن: مرة بالشدة ومرة بالسعة، ومن عقد القبط لا، فأضيف إليهم ذلك لما لم يكن في عقدهم ذلك، وإن كانوا جميعاً في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .
أي: يتعظون، "ولعل" من الله واجب قد اتعظوا لكنهم عاندوا وكابروا، وإلا قد لزمهم الاتعاظ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ .
أي: الخصب والسعة ﴿ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ ، أي: هذا ما كنا نعرفه أبداً وما جرينا على اعتياده، أو أن يقولوا: لنا هذه بفرعون وبعبادتنا له.
﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ .
قيل: الضيق والقحط.
﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ ﴾ .
وقال بشؤمه، وهذا كما قال العرب لمحمد: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ كانوا يضيفون ما يصيبهم من الحسنة إلى الله؛ لأنهم كانوا يقرون بالله، والقبط لا فيقولون ذلك من فرعون أو على الاعتياد.
فقال: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فعلى ذلك قال ها هنا: ﴿ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
ثم يحتمل هذا وجوهاً: قيل: جزاء تطيرهم عند الله في الآخرة.
وقيل: طائرهم وشؤمهم الذي كانوا تطيروا بموسى كان بتكذيبهم موسى؛ أضاف ذلك إلى ما عنده من الآيات؛ لأنهم بنزول تلك الآيات وإرسالها عليهم تطيروا بموسى، [وبتجدد] تلك الآيات تجدد تطيرهم وتشاؤمهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حظهم عند الله، وكذلك قال في قوله: ﴿ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ ﴾ ، وهو كما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ لما كذبوا تلك الآيات زاد ما نزل [بهم] من الآيات من بعد رجساً إلى رجسهم، فعلى ذلك شؤمهم وطائرهم الذي كان بتكذيبهم موسى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ ﴾ : من الطيرة، وهو من التشاؤم، يقال: تشاءمت بفلان، أي: قلت: هو غير مبارك، وتطيرت بفلان - أيضاً - مثله، ويقال: تبركت به إذا قلت: هو مبارك، ويقال: تطيرت واطيرت منه وبه.
﴿ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ ﴾ ، أي: شؤمهم ذلك الذي يخافون منه هو من عند الله، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : بأنه [كان] من عند الله، كان بتكذيبهم موسى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: تأويله: كل ما تأتينا به تزعم أنه آية، تريد أن تسحرنا بها، فما نحن لك بمؤمنين.
وقال ابن عباس، والحسن: هو: أي ما تأتينا ﴿ بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا...
﴾ ، الآية.
وقوله "مه" زيادة، وهو قول القتبي، ومعناه: أي ما تأتنا.
وقال الخليل: هو في الأصل ["ما" "ما"] إحداهما زيادة، فطرحت الألف وأبدلت مكانها هاء؛ طلباً للتخفيف.
وقال سيبويه النحوي: قوله: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ ﴾ ، [أي]: مه أي كأنهم قالوا له: مه، أي: اسكت، كما يقول الرجل لآخر: مه، أي: اسكت، "ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين".
والسحر: هو التحيير، وأخذ الأبصار، ولا حقيقة له؛ كقوله: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً ﴾ أي: متحيراً، وقوله: ﴿ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
ثم دل قولهم: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أن ما قالوا: إن هذا ساحر، وإنه سحر عن علم بالآية والنبوة له قالوا ذلك، لا عن جهل وغفلة حيث قالوا: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ذلك منهم إياس من الإيمان به، وقبول الآيات لأنهم أخبروا أنهم لا يقبلون الآيات، ولا يصدقونه في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
قال أهل التأويل: [لما قالوا ذلك] أرسل الله بعد السنين ونقص الثمرات الطوفان والآيات التي ذكر، ويحتمل أن يكون هذا وإن كان مؤخراً في الذكر فهو مقدم؛ لما قال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ ﴾ إلى آخره.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ أي: يتعظون.
ثم اختلف أهل التأويل في الطوفان: قال بعضهم: [الطوفان]: الماء والمطر حتى خافوا الهلاك، وهو قول ابن عباس.
وعن عائشة، قالت: "سئل النبي عن الطوفان، فقال: الموت" ، فإن ثبت فهو هو.
وقيل: الطوفان: هو أنواع العذاب.
والجراد: هو المعروف.
والقمل، قال بعضهم: هو بنات الجراد، يقال: الدباء.
وقيل: هو الجراد الصغار التي لا أجنحة لها.
﴿ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ ﴾ .
قيل: مفصلات، أي معرفات، واحداً بعد واحد، لم يرسل آية إلا بعد ذهاب أخرى، بعضها على إثر بعض.
وقيل: مفصلات، أي: بينات واضحات، ما علم كل أحد أنه [ليس من أحد] وليس من عمل السحر، ولكن آية سماوية إذ لو كان سحراً لتكلفوا في دفعه، واشتغلوا بالسحر على ما اشتغلوا بسحر العصا والحبال، فإذ لم يتكلفوا في ذلك، [و] لم يشتغلوا بدفع ذلك، بل فزعوا إلى موسى ليكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به، وإرسال بني إسرائيل معه، دلّ فزعهم إليه في كشف ذلك عنهم على أنهم قد عرفوا أنه ليس بسحر، ولكنه آية أقرّوا بها أنّها ليست بسحر، وأنها آيات إلا أنهم فزعوا عند ذلك إلى موسى فقالوا: ﴿ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ : ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ ووعدوه الإيمان به، وبعث بني إسرائيل معه إن كشف عنهم الرجز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ ما عهد لك أنك متى دعوته أجابك.
وقيل: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ أنَّا متى آمنا بك وصدّقناك كشف عنا الرجز، فقالوا: لئن كشف عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
فأرسلنا عليهم الماء الكثير عقابًا لهم على تكذيبهم وعنادهم، فأغرق زروعهم وثمارهم، وأرسلنا عليهم الجراد فأكل محاصيلهم، وأرسلنا عليهم دويبة تسمى القمل تصيب الزرع أو تؤذي الإنسان في شعره، وأرسلنا عليهم الضفادع فملأت أوعيتهم، وأفسدت أطعمتهم، وأرّقَتْ مضاجعهم، وأرسلنا عليهم الدم فتحولت مياه آبارهم وأنهارهم دمًا، أرسلنا كل ذلك آيات مُبَيَّنَاتٍ مفرقات يتبع بعضها بعضًا، ومع كل ما أصابهم من العقوبات استعلوا عن الإيمان بالله والتصديق بما جاء به موسى ، وكانوا قومًا يرتكبون المعاصي، ولا ينزعون عن باطل، ولا يهتدون إلى حق.
<div class="verse-tafsir" id="91.DMKmp"