الآية ١٣٨ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٣٨ من سورة الأعراف

وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍۢ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍۢ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ ١٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٨ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى ، عليه السلام ، حين جاوزوا البحر ، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا ، ( فأتوا ) أي : فمروا ( على قوم يعكفون على أصنام لهم ) قال بعض المفسرين : كانوا من الكنعانيين .

وقيل : كانوا من لخم .

قال ابن جريج : وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر ، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك ، فقالوا : ( يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ) أي : تجهلون عظمة الله وجلاله ، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعد الآيات التي أريناهموها، والعبر التي عاينوها على يدي نبيّ الله موسى, فلم تزجرهم تلك الآيات، ولم تعظهم تلك العبر والبينات!

حتى قالوا = مع معاينتهم من الحجج ما يحق أن يذكُرَ معها البهائم, إذ مرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم, يقول: يقومون على مُثُل لهم يعبدونها من دون الله (1) = " اجعل لنا " يا موسى " إلهًا ", يقول: مثالا نعبده وصنما نتخذُه إلهًا, كما لهؤلاء القوم أصنامٌ يعبدونها.

ولا تنبغي العبادة لشيء سوى الله الواحد القهار.

وقال موسى صلوات الله عليه: إنكم أيها القوم قوم تجهلون عظمة الله وواجبَ حقه عليكم, ولا تعلمون أنه لا تجوز العبادة لشيء سوى الله الذي له ملك السماوات والأرض.

* * * وذكر عن ابن جريج في ذلك ما: - 15053 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم)، قال ابن جريج: " على أصنام لهم "، قال: تماثيل بقر.

فلما كان عجل السامريّ شبِّه لهم أنه من تلك البقر, فذلك كان أوّل شأن العجل: (قالوا يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون)، * * * وقيل: إن القوم الذين كانوا عكوفًا على أصنام لهم، الذين ذكرهم الله في هذه الآية, قوم كانوا من لَخْم.

* ذكر من قال ذلك: 15054 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا بشر بن عمرو قال، حدثنا العباس بن المفضل, عن أبي العوام, عن قتادة: (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم)،قال: على لخم.

(2) * * * وقيل: إنهم كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم.

وقد:- 15055 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: أن أبا واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين, فمررنا بِسدْرة, (3) قلت: يا نبي الله، اجعل لنا هذه ذاتُ أنواط كما للكفار ذاتُ أنواط!

وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها (4) = فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر!

هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: " اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة ", إنكم ستركبون سنن الذين من قبلكم.

(5) 15056 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري, عن سنان بن أبي سنان, عن واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين, فمررنا بسدرة, فقلنا: يا نبي الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط, فذكر نحوه.

(6) 15057- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن محمد بن إسحاق, عن الزهري, عن سنان بن أبي سنان, عن أبي واقد الليثي, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, نحوه.

(7) 15058 - حدثني المثنى قال، حدثنا ابن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب قال، أخبرني سنان بن أبي سنان الديلي, عن أبي واقد الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم, يقال لها " ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط.

قال: " قلتم والذي نفسي بيده، ما قال قوم موسى: " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون "، إنها السنن، لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم.

(8) ------------------ الهوامش : (1) انظر تفسير (( العكوف )) فيما سلف 3 : 41 ، 539 ، 540 .

و (( المثل )) ( بضمتين ) جمع ((مثال)) ( بكسر الميم ) ، وهو الصورة ، مثل (( التمثال )) .

(2) الأثر : 15054 - (( بشر بن عمر الحكم بن عقبة الزهراني الأزدي )) ، روي له الجماعة .

مضى برقم 3375 .

و (( العباس بن المفضل )) ، هكذا في المخطوطة والمطبوعة ، وأرجح أنه (( العباس بن الفضل الأنصارى الواقفي )) ، مترجم في التهيب ، وابن أبي حاتم 2/1/212 ، وهو متروك الحديث .

و(( أبو العوام )) ، هو (( عمران بن داور القطان )) ، مضى برقم : 7503 .

(3) (( السدرة )) ، وواحدتها (( سدرة )) ، هو شجر النبق .

(4) (( ناط الشيء ينوطه نوطا )) ، علقه .

و (( الأنواط )) ما يعلق على الهودج أو غيره ، وهي المعاليق .

(5) الأثر : 15055 - خبر أبي واقد الليثى ، في (( ذات أنواط )) ، رواه أبو جعفر من أربع طرق ، هذا أولها ، وهو خبر مرسل ، لأن الزهري لم يسنده .

وسيأتي تخريجه في الذي يليه .

(6) الأثر : 15056 - ((سنان بن أبي سنان = الديلى أو الدؤلى =الجدرى )) ، تابعي ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/163 ، وابن أبي حاتم 2/1/252 .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 218 من طريق عبد الرازق ، عن معمر ، بنحوه .

(7) الأثر : 15057 - رواه ابن إسحق في سيرته 4 : 84 ، عن (( أبي واقد الليثى ، الحارث بن مالك قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ، ونحن حديثو عهد بكفر )) ، وفي المطبوعة الحلبية (( أن الحارث بن مالك )) ، بزيادة (( أن )) ، وهي زيادة فاسدة ، ليست في سائر النسخ .

(8) الأثر : 15058 - (( ابن صالح )) : هو (( عبد الله بن صالح الجهني المصري )) ، (( أبو صالح )) ، كاتب الليث بن سعد .

وأسقط في المطبوعة والمخطوطة [ حدثني المثنى قال ] ، وأبو جعفر لم يدرك أبا صالح ، وإنما يروى عنه عن طريق (( المثنى )) ، كما سلف في إسناده الدائر في التفسير ، وأقربه: 15050 : (( حدثنا المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح )) .

وقد رواه البخاري كما سترى عن أبي صالح مباشرة ، فلذلك ثبت أنه قد سقط من الإسناد : [حدثني المثنى] فزدتها ، وانظر مثل هذا الإسناد فيما سلف : 2350 .

والليث هو (( الليث بن سعد )) الإمام .

و(( عقيل )) هو (( عقيل بن خالد الأيلي )) ، مضى برقم : 19 ، 2350 ، ثقة ثبت حجة .

وهذا الخبر رواه أحمد من طريق حجاج ، عن ليث بن سعد ، بنحوه ، ورواه البخاري مختصراً في تاريخه 2/2/164 قال : (( وقال لنا أبو صالح حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرنى سنان بن أبي سنان الدؤلى ، ثم الجدرى ، عن أبي واقد الليثى ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم : لتركبن سنن من قبلكم )) .

وزاد أحمد طريقاً أخرى في مسنده لخبر أبي واقد ، طريق مالك بن أنس ، عن الزهرى ، عن سنان ابن أبي سنان ( المسند رقم 5 : 218 ) .

ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده : 191 من طريق إبراهيم بن سعد الزهرى ، عن [الزهرى] ، عن سنان بن أبي سنان ، نحوه .

وفي المسند إسقاط [الزهرى] .

وخرجه السيوطي في الدر المنشور 3 : 114 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردوية .

و (( السنن )) ( بفتحتين ) : نهج الطريق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلونقوله تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف ، والباقون بضمها .

يقال : عكف يعكف ويعكف بمعنى أقام على الشيء ولزمه .

والمصدر منهما على فعول .

قال قتادة : كان أولئك القوم من لخم ، وكانوا نزولا بالرقة وقيل : كانت أصنامهم تماثيل بقر ; ولهذا أخرج لهم السامري عجلا .قالوا ياموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة نظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ذات أنواط يعظمونها في كل سنة يوما : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات [ ص: 246 ] أنواط .

فقال عليه الصلاة والسلام : الله أكبر .

قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه .

وكان هذا في مخرجه إلى حنين ، على ما يأتي بيانه في " براءة " إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} بعد ما أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ينظرون.

{فَأَتَوْا} أي: مروا {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها.

فـ {قَالُوا} من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم {يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء.

فـ {قَالَ} لهم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) قال الكلبي : عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكرا لله - عز وجل - ( فأتوا ) فمروا ( على قوم يعكفون ) يقيمون قرأ حمزة والكسائي " يعكفون " بكسر الكاف وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان ، ( على أصنام ) أوثان ( لهم ) يعبدونها من دون الله .

قال ابن جريج : كانت تماثيل بقر ، وذلك أول شأن العجل .

قال قتادة : كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولا بالرقة ، فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك : ( قالوا يا موسى اجعل لنا إلها ) أي : مثالا نعبده ( كما لهم آلهة ) ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله ، وإنما معناه : اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله - عز وجل - وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم .

( قال ) موسى ( إنكم قوم تجهلون ) عظمة الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجاوزنا» عبرنا «ببني إسرائيل البحر فأتوا» فمروا «على قوم يعكُِفون» بضم الكاف وكسرها «على أصنام لهم» على عبادتها «قالوا يا موسى لنا اجعل إلها» صنما نعبده «كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون» حيث قابلتم نعمة الله عليكم بما قلتموه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقطعنا ببني إسرائيل البحر، فمرُّوا على قوم يقيمون ويواظبون على عبادة أصنام لهم، قال بنو إسرائيل: اجعل لنا يا موسى صنمًا نعبده ونتخذه إلهًا، كما لهؤلاء القوم أصنام يعبدونها، قال موسى لهم: إنكم أيها القوم تجهلون عظمة الله، ولا تعلمون أن العبادة لا تنبغي إلا لله الواحد القهار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بدأت السورة بعد ذلك مباشرة حديثاً طويلا عن هؤلاء المستضعفين من بنى إسرائيل بينت فيه ألوانا من جحودهم لنعم الله ، ونسيانهم لما كانوا فيه من ذل واستعباد ، وتفضيلهم عبادة الأصنام على عبادة الخالق - عز وجل - وغير ذلك من أنواع كفرهم ومعاصيهم ، واستمع إلى القرآن وهو يحكى لونا من رذائلهم فيقول : ( وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَآئِيلَ .

.

) .إن هذه الآيات تحكى قصة عجيبة لبنى إسرائيل ملخصها : أنهم بعد أن خرجوا من مصر بقيادة موسى - عليه السلام تبعهم فرعون وجنوده ليعيدوهم إليها ، إلا أن الله - تعالى - انتقم لهم من فرعون وجنده فأغرقهم أمام أعينهم وسار بنو إسرائيل نحو المشرق متجهين إلى الأرض المقدسة بعد أن عبروا البحر ، ولكنهم ما إن جاوزوا البحر الذى غرق فيه عدوهم والذى ما زالت رماله رطبة عالقة بنعالهم ، حتى وقعت أبصارهم على قوم يعبدون الأصنام ، فماذا كان من بنى إسرائيل؟كان منهم أن عاودتهم طبيعتهم الوثنية ، فطلبوا من نبيهم موسى - عليه السلام - الذى جاء لهدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من ظلم أن يصنع لهم آلهة من جنس الآلهة التى يعبدها أولئك القوم .وهنا غضب عليهم موسى غضباً شديداً .

ووصفهم بأنهم قوم يجهلون الحق ، وبين لهم فساد ما عليه المشركون ، وذكرهم بما حباهم الله - تعالى - به من نعم جزيلة ، يوجب عليهم إفراده بالخضوع والعبادة والطاعة والشكر .وقوله - تعالى - ( وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَآئِيلَ البحر ) بيان للمنة العظيمة التى منحهم الله إياها ، وهى عبورهم البحر بعد أن ضربه موسى بعصاه ، فأصبح طريقا يابسا يسيرون فيه بأمان واطمئنان حتى عبروه إلى الناحية الأخرى ، يصحبهم لطف الله ، وتحدوهم عنايته ورعايته .وجاوز بمعنى أصل الفعل الذى هو جاز ، أى : قطعنا بهم البحر .

يقال : جاز الوادى وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره .والمراد بالبحر : بحر القلزم وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر .وقوله تعالى ( فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ) بيان لما شاهدوه من أحوال بعض المشركين عقب عبورهم البحر ونجاتهم من عدوهم ، فماذا كانت نتيجة هذه المشاهدة؟

لقد كان المتوقع منهم أن يحتقروا ما شاهدوه ، وأن ينفروا مما أبصروه ، لأن العهد لم يطل بهم منذ أن كانوا يسامون سوء العذاب فى ظل عبادة الأصنام عند فرعون وقومه ، ولأن نجاتهم مما كانوا فيه من ذل وهوان ، قد تمت على يد نبيهم الذى دعاهم إلى توحيد الله - تعالى - لكى يزيدهم من فضله .ولكن طبيعة بنى إسرائيل المعوجة لم تفارقهم ، فهاهم أولاء ما إن وقعت أبصارهم على قوم يعكفون ويداومون على عبادة أصنام لهم ، حتى انجذبوا إليها وطلبوا من نبيهم الذى جاء لهدايتهم ، أن يجعل لهم وثناً كغيرهم لكى يعدبوه من جديد .

لقد حكى القرآن عنهم أنهم عندما شاهدوا هذا المنظر ، ما لبثوا أن قالوا لنبيهم ( ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) .

قالوا ذلك لأن الإيمان لم يستقر فى قلوبهم ، ولأن ما ألفوه من عبادة الأصنام أيام استعباد فرعون لهم ، ما زال متمكناً من نفوسهم ، ومسيطراً على عقولهم ، وهكذا عدوى الأمراض تصيب النفوس كما تصيب الأبدان ، وهكذا طبيعة بنى إسرائيل ما تكاد تهتدى حتى تضل ، وما تكاد ترتفع حتى تنحط؛ وما تكاد تسير فى طريق الاستاقمة حتى ترتكس وتنتكس .وفى قولهم لنبيهم ( اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) بصيغة الأمر؛ أكبر دليل على غباء عقولهم ، وسوء أدبهم؛ لأنهم لو استأذنوه - مثلا - فى اتخاذ صنم يعبدونه كغيرهم لكان شأنهم أقل غرابة؛ ولكن الذى حصل منهم أنهم طلبوا منه - وهو نبيهم الداعى لهم إلى توحيد الله تعالى؛ والمنقذ لهم من عدوهم الوثنى الجبال - أن يقوم هو بنفسه بصناعة صنم لكى يعبدوه كغيرهم!!

.قال القرطبى : ونظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ذات أنواط - لأنهم كانوا ينوطون بها سلاحهم أى يعلقونه - وكان الكفار يعظمون هذه الشجرة فى كل سنة يوماً ، قال الأعراب : " يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الله أكبر .

قلتم والذى نفسى بيده كما قال قوم موسى ( اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه " وكان هذا فى مخرجه إلى حنين .ولقد غضب موسى - عليه السلام - من طلبهم هذا - وهو الغضوب بطبيعته لربه ودينه - فرد عليهم رداً قوياً فيه توبيخ لهم وتعجب من قولهم بعد أن رأوا من المعجزات ما رأوا فقال : ( إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) أى : إنكم يا بنى إسرائيل بطلبكم هذا برهنتم على أنكم قوم قد ملأ الجهل قلوبكم ، وغطى على عقولكم ، فصرتم لا تفرقون بين ما عليه هؤلاء من ضلال مبين ، وبين ما تستحقه الألوهية من صفات وتعظيم ولم يقيد ما يجهلونه ليفيد أنه جهل كامل شامل يتناول فقد العالم ، وسفه النفس ، وفساد العقل .

وسوء التقدير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أنواع نعمه على بني إسرائيل بأن أهلك عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم أتبع ذلك بالنعمة العظمى، وهي أن جاوز بهم البحر مع السلامة، ولما بين تعالى في سائر السور كيف سيرهم في البحر مع السلامة، وذلك بأن فلق البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا وجعله يبساً بين أن بني إسرائيل لما شاهدوا قوماً يعكفون على عبادة أصنامهم، جهلوا وارتدوا وقالوا: لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، ولا شك أن القوم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده، وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف.

أما قوله تعالى: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر ﴾ يقال: جاوز الوادي.

إذا قطعه وخلفه وراءه وجاوز بغيره، عبر به وقرئ ﴿ جوزنا ﴾ بمعنى: أجزنا.

يقال: أجاز المكان وجوزه بمعنى: جازه ﴿ فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾ قال الزجاج: يواظبون عليها ويلازمونها.

يقال: لكل من لزم شيئاً وواظب عليه، عكف يعكف ويعكف، ومن هذا قيل لملازم المسجد متعكف.

وقال قتادة: كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولاً بالريف.

قال ابن جريج: كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل.

ثم حكى تعالى عنهم أنهم ﴿ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ واعلم أن من المستحيل أن يقول العاقل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة وخالقاً ومدبراً، لأن الذي يحصل بجعل موسى وتقديره: لا يمكن أن يكون خالقاً للعالم ومدبراً له، ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى  ﴾ .

إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول: لم كان هذا القول كفراً؟

فنقول: أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهاً للعالم، أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى لأن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام.

فإن قيل: فهذا القول صدر من كل بني إسرائيل أو من بعضهم؟

قلنا: بل من بعضهم، لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل.

ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه أجابهم فقال: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ وتقرير هذا الجهل ما ذكر أن العبادة غاية التعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل، وخلق الأشياء المنتفع بها، والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به.

فإن قالوا: إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى تعظيم الله تعالى، فما الوجه في قبح هذه العبادة؟

قلنا: فعلى هذا التقدير: لم يتخذوها آلهة أصلاً وإنما جعلوها كالقبلة، وذلك ينافي قولهم: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ واعلم أن ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ يجوز أن تكون مصدرية أي كما ثبت لهم آلهة، ويجوز أن تكون موصولة، وفي قولهم: ﴿ لَهُمْ ﴾ ضمير يعود إليه، و ﴿ ءالِهَةً ﴾ بدل من ذلك الضمير تقديره: كالذي هو لهم آلهة.

ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال: ﴿ إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ ﴾ قال الليث: التبار الهلاك.

يقال: تبر الشيء يتبر تباراً والتتبير الإهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً ﴾ ويقال للذهب المنكسر المتفتت: التبر فقوله: ﴿ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ ﴾ أي مهلك مدمر، وقوله: ﴿ وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ قيل: البطلان عدم الشيء، إما بعدم ذاته أو بعدم فائدته ومقصوده، والمراد من بطلان عملهم: أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر، وتحقيق القول في هذا الباب أن المقصود من العبادة أن تصير المواظبة على تلك الأعمال سبباً لاستحكام ذكر الله تعالى في القلب حتى تصير تلك الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها.

فإذا اشتغل الإنسان بعبادة غير الله تعالى، تعلق قلبه بغير الله ويصير ذلك التعلق سبباً لإعراض القلب عن ذكر الله تعالى؛ وإذا ظهر هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله متبر وباطل، وضائع وسعى في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه، لأنا بينا أن المقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب، والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله عن القلب، فكان هذا ضداً للغرض ونقيضاً للمطلوب والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وهذا آخر ما اقتص الله من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه- بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر- من عبادة البقر وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ليعلم حال الإنسان وأنه كما وصفهم ظلوم كفار جهول كنود، إلاّ من عصمة الله ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور ﴾ [سبأ: 13] وليسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة.

وروي: أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله تعالى فرعون وقومه، فصاموه شكراً لله تعالى: ﴿ فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ ﴾ فمرّوا عليهم ﴿ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾ يواظبون على عبادتها ويلازمونها.

قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر.

وذلك أوّل شأن العجل وقيل: كانوا قوماً من لخم.

وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم وقرئ: ﴿ وجوّزنا ﴾ بمعنى أجزنا.

يقال: أجاز المكان وجوزه وجاوزه بمعنى جازه، كقولك: أعلاه وعلاه وعالاه.

وقرئ: ﴿ يعكفون ﴾ بضم الكاف وكسرها ﴿ اجعل لَّنَا إلها ﴾ صنماً نعكف عليه ﴿ كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ أصنام يعكفون عليها.

(وما) كافة للكاف، ولذلك وقعت الجملة بعدها وعن علي رضي الله عنه أنّ يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجفّ ماؤه.

فقال: قلتم اجعل لنا إلها قبل أن تجفّ أقدامكم ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى فوصفهم بالجهل المطلق وأكده، لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع ﴿ إِنَّ هَؤُلآء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ ﴾ مدمّر مكسر ما هم فيه، من قولهم إناء متبر، إذا كان فضاضاً.

ويقال لكسار الذهب: التبر، أي يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه على يديّ، ويحطم أصنامهم هذه ويتركها رضاضاً ﴿ وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي ما عملوا شيئاً من عبادتها فيما سلف إلاّ وهو باطل مضمحل لا ينتفعون به وإن كان زعمهم تقرباً إلى الله كما قال تعالى ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ [الفرقان: 23] وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لإن، وتقديم خبر المبتدإ من الجملة الواقعة خبراً لها وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار، وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا ﴿ أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها ﴾ أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبوداً، وهو فعل بكم ما فعل دون غيره، من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحد غيركم، لتختصوه بالعبادة ولا تشركوا به غيره.

ومعنى الهمزة: الإنكار والتعجب من طلبتهم- مع كونهم مغمورين في نعمة الله- عبادة غير الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ ﴾ وما بَعْدَهُ ذِكْرُ ما أحْدَثَهُ بَنُو إسْرائِيلَ مِنَ الأُمُورِ الشَّنِيعَةِ بَعْدَ أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ الجِسامِ، وأراهم مِنَ الآياتِ العِظامِ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ  مِمّا رَأى مِنهم، وإيقاظًا لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يَغْفُلُوا عَنْ مُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ ومُراقَبَةِ أحْوالِهِمْ.

رُوِيَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَرَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَ مَهْلِكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَصامُوهُ شُكْرًا.

﴿ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ ﴾ فَمَرُّوا عَلَيْهِمْ.

﴿ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ ﴾ يُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها، قِيلَ كانَتْ تَماثِيلَ بَقَرٍ وذَلِكَ أوَّلُ شَأْنِ العِجْلِ، والقَوْمُ كانُوا مِنَ العَمالِقَةِ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى بِقِتالِهِمْ.

وقِيلَ مِن لَخْمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ يَعْكُفُونَ ﴾ بِالكَسْرِ.

﴿ قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا ﴾ مِثالًا نَعْبُدُهُ.

﴿ كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ يَعْبُدُونَها، وما كافَّةٌ لِلْكافِ.

﴿ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ وصَفَهم بِالجَهْلِ المُطْلَقِ وأكَّدَهُ لِبُعْدِ ما صَدَرَ عَنْهم بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ الكُبْرى عَنِ العَقْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} روي أنهم عبر بهم موسى يوم عاوراء بعدما اهلك الله فرعون وقومه فصامواه شكر الله فأوا على قَوْمٍ فمروا عليهم {يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ} يواظبون على عبادتها وكانت تماثيل بقر وبكسر الكاف حمزة وعلي {قَالُواْ يا موسى اجعل لَّنَا إلها} صنماً نعكف عليه {كَمَا لهم آلهة} أصنام يعكفون عليها وما كافة للكاف ولذلك وقعت الجملة بعدها قال يهودى لعلى رضى لله عنه اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه فقال قلتم اجعل لَّنَا إلها ولم تجف أقدامكم {قال إنكم قوم تجهلون} نعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى فوصفهم بالجهل المطلق وأكده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ ﴾ شُرُوعٌ بَعْدَ انْتِهاءِ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وشَرْحِ ما أحْدَثُوهُ بَعْدَ أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما مَنَّ وأراهم مِنَ الآياتِ ما أراهم تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا رَآهُ مِنَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ؛ فَإنَّهم جَرَوْا مَعَهُ عَلى دَأْبِ أسْلافِهِمْ مَعَ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيقاظًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ لا يَغْفُلُوا عَنْ مُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ ومُراقَبَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ وقَعُوا فِيما وقَعُوا لِغَفْلَتِهِمْ عَمّا مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ، وجاوَزَ بِمَعْنى جازَ وقُرِئَ: (جَوَّزْنا) بِالتَّشْدِيدِ وهو أيْضًا بِمَعْنى جازَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: قَطَعْنا البَحْرَ بِهِمْ، والمُرادُ بِالبَحْرِ بَحْرُ القُلْزُمِ.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ: أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ وهو كَما في البَحْرِ خَطَأٌ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَرَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَصامُوهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ﴿ فَأتَوْا ﴾ أيْ: مَرُّوا بَعْدَ المُجاوَزَةِ.

﴿ عَلى قَوْمٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانُوا مِن لَخْمٍ اسْمِ قَبِيلَةٍ يُنْسَبُونَ كَما صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ إلى لَخْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَبَأٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ العَمالِقَةِ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِتالِهِمْ.

﴿ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ ﴾ أيْ: يُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِها ويُلازِمُونَها، وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، وهو أوَّلُ شَأْنِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ: كانَتْ بَقَرًا حَقِيقَةً.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَعْكِفُونَ) بِكَسْرِ الكافِ، قالُوا عِنْدَ ما شاهَدُوا ذَلِكَ: ﴿ يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا ﴾ مِثالًا نَعْبُدُهُ ﴿ كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ ، الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَ (إلَهًا) و(ما) مَوْصُولَةٌ، و(لَهُمْ) صِلَتُها، و(آلِهَةٌ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كائِنًا كالَّذِي اسْتَقَرَّ هو لَهم.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ما كافَّةً لِلْكافِ، ولِذا وقَعَ بَعْدَها الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ، أيْ: كَما ثَبَتَ لَهم.

﴿ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ هَذا بَعْدَ ما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى والبَيِّنَةِ العُظْمى، فَوَصَفَهم بِالجَهْلِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُتَعَلِّقًا ومَفْعُولًا لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ لِأنَّ حَذْفَهُ يَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ.

أيْ: تَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الجَهْلُ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ، وتَوْسِيطِ قَوْمٍ وجَعْلِ ما هو المَقْصُودُ بِالأخْبارِ وصْفًا لَهُ لِيَكُونَ كَما قالَ العَلّامَةُ كالمُتَحَقِّقِ المَعْلُومِ، وهَذِهِ كَما ذَكَرَ الشِّهابُ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ في الخَبَرِ المُوَطِّئِ لِادِّعاءِ أنَّ الخَبَرَ لِظُهُورِ أمْرِهِ وقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ مَعْلُومٌ مُتَحَقِّقٌ فَيُفِيدُ تَأْكِيدَهُ وتَقْرِيرَهُ، ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِتَوْسِيطِ المَوْصُوفِ وجْهٌ مِنَ البَلاغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يقول: مروا على قوم يعني: يعبدون الأصنام ويقومون على عبادتها، وكل من يلازم شيئاً ويواظب عليه يقال: عكفه.

ولهذا سمي الملازم للمسجد معتكفاً قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً قال الجهال من بني إسرائيل لموسى اجْعَلْ لَنا إِلهاً نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها قالَ لهم موسى: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ يعني: تكلمتم بغير علم وعقل، وجهلتم الأمر.

قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ يعني: مهلك مفسد ما هم فيه من عبادة الأصنام وَباطِلٌ يعني: ضلال مَا كانُوا يَعْمَلُونَ والتبار: الهلاك.

كقوله تعالى: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً [نوح: 28] أي: هلاكاً.

ثم قالَ لهم أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً يعني: أسوى الله آمركم أن تعبدوا وتتخذوا إلها وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ يعني: على عالمي زمانكم.

يعني: أنه قد أحسن إليكم فلا تعرفون إحسانه، وتطلبون عبادة غيره.

وهم الذين كانوا أجابوا السامري حين دعاهم إلى عبادة العجل بعد انطلاق موسى إلى الجبل.

ثم ذكر النعم فقال تعالى: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ من آل فرعون يعني: اذكروا حين أنجاكم الله من آل فرعون: وقرأ ابن عامر وإذْ أَنْجَاكُمْ يعني: اذكروا حين أنجاكم الله مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وقرأ الباقون وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ ومعناه مثل ذلك يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبونكم بأشد العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يعني: يستخدمون نساءكم وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي: الإنجاء نعمة من ربكم عظيمة.

ويقال: في قتل الأبناء واستخدام النساء بلية من ربكم عظيمة.

قرأ نافع يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ بنصب الياء مع التخفيف.

وقرأ الباقون بضم الياء وكسر التاء مع التشديد.

يُقَتِّلُونَ على معنى التكثير.

وقرأ حمزة والكسائي يَعْكِفُونَ بكسر الكاف وقرأ الباقون بالضم يعكفون.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ...

الآية: الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ كناية عن بني إسرائيل، ومَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا.

قال الحسنُ وغيره: هي الشامُ «١» .

وقالتْ فرقة: يريد الأرضَ كلَّها وهذا يتَّجه إِمَّا على المَجازِ لأنه ملَّكهم بلاداً كثيرة، وإِما على الحقيقة في أَنَّه ملك ذرِّيَّتهم، وهمْ سليمانُ بنُ دَاوُدٌ، ويترجَّح التأويل الأَول بوَصْف الأرض بأنها التي بَارَكَ فيها سبحانه.

وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى، أي: ما سبق لهم في علمه وكلامِهِ في الأزلِ من النَّجَاة من عدوِّهم، والظهور عليه قاله مجاهد «٢» ، ويَعْرِشُونَ قال ابن عباس «٣» ومجاهد «٤» : معناه: يبنون.

قال ع «٥» : رأيتُ للحسنِ البصريِّ رحمه اللَّه أنَّه احتجَّ بقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ...

إلى آخر الآية على أنه ينبغي أَلاَّ يخرج عن ملوك السُّوء، وإِنما ينبغي أنْ يُصْبَر عليهم فإِن اللَّه سبحانه «٦» يدمِّرهم، ورأَيْتُ لغيره أنه إذا قابل الناس البلاء بمثله، وَكَّلَهُمُ اللَّهُ إلَيْه، وإِذا قابلوه بالصبر، وانتظارِ الفَرَجِ، أتى اللَّه بالفَرَج، ورُوِي هذا أيضا عن الحسن «٧» .

وقوله سبحانه: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ: أي: بَحْرَ القُلْزُم، فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ، قيل: هم الكَنْعَانِيُّونَ.

وقيل: هم مِنْ لَخْم وجُذام، والقَوْمُ فى كلام العرب: هم الرجَالُ خاصَّة يَعْكُفُونَ، العُكُوفُ: الملازمة عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ، قيل كانت بقراً.

وقال ابن جُرَيْج: كانت تماثيلَ بقرٍ من حجارةٍ وعيدانٍ ونحوها، وذلك كان أوَّل فتنةِ العِجْل، وقولهُم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، يظهر منه استحسانهم لمَا رَأَوْه من تلك الآلهة بجهلهم فأرادوا أنْ يكون ذلك في شَرْع موسى، وفي جملة ما يُتقرَّبُ به إِلى اللَّه، وإِلاَّ فبعيدٌ أن يقولوا لموسَى: اجعل لنا صنماً نُفْرِدُهُ بالعبادة، ونَكْفُر بربِّك وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي نصّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قَوْلِ أَبي واقِدٍ اللِّيْثِّي اجعل لَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذات أنواط «١» ، فأنكره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَر!

قُلْتُمْ واللَّهَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ: لَتَّتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ ...

»

الحديث «٢» ، ولم يقصد أبو واقدٍ بمقالته فساداً، وقال بعضُ الناسَ كان ذلك من بني إسرائيل كفراً، ولفظةً «الإله» تقتضي ذلك، وهذا محتملٌ، وما ذكرتُهُ أولاً أصحُّ، واللَّه أعلم.

قلتُ: وقولهم: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [طه: ٨٨] ، وجواب موسى هنا يقوِّي الاحتمال الثاني، نعم: الَّذي يجب أن يعتقد أنَّ مِثْلَ هذه المقالاتِ إنما صدرت من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُها: مَشارِقُ الشّامِ ومَغارِبُها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مَشارِقُ أرْضِ الشّامِ ومِصْرَ، والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالماءِ والشَّجَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى ﴾ وهي وعْدُ اللَّهِ لَبَنِي إسْرائِيلَ بَإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ  ﴾ ، وقَدْ بَيَّنّا عِلَّةَ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ في (آَلِ عِمْرانَ:١٤٦) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي عَلى أذى فِرْعَوْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَمَّرْنا ﴾ أيْ: (أهْلَكْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ) مِنَ العِماراتِ والمَزارِعِ، والدَّمارِ: الهَلاكُ.

﴿ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ أيْ: يَبْنُونَ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يُعَرِّشُونَ" بِكَسْرِ الرّاءِ هاهُنا وفي (النَّحْلِ:٦٨) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ فِيهِما.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُعَرِّشُونَ" بِالتَّشْدِيدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَرَّشَ يَعْرِشُ ويُعْرُشُ: إذا بَنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْكُفُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الكافِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ: بِكَسْرِ الكافِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الكافِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ ﴾ : يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها، يُقالُ لَكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ.

قالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ نُزُولًا بِالرِّقَّةِ، وكانُوا مِن لَخْمٍ.

وقالَ غَيْرُهُ: كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ البَقَرِ.

وهَذا إخْبارٌ عَنْ عَظِيمِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ تَوَهَّمُوا جَوازَ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بَعْدَما رَأوُا الآَياتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأورَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ ﴿ وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٍ تَجْهَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ كِنايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ لِاسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، وغَلَبَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: يُرِيدُ أرْضَ الشامِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَحّاسُ: "وَقِيلَ: يُرادُ أرْضُ مِصْرَ وهو قَوْلُ الحَسَنِ في كِتابِ النَقّاشِ "، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الأرْضَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَتَّجِهُ إمّا عَلى المَجازِ لِأنَّهُ مَلَّكَهم بِلادًا كَثِيرَةً، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ في أنَّهُ مَلَكَ ذُرِّيَّتَهُمْ، وهو سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما السَلامُ، ولَكِنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ ورُوِيَ فِيها هو أنَّهُ مَلَّكَ أبْناءَ المُسْتَضْعَفِينَ بِأعْيانِهِمْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لا سِيَّما بِوَصْفِهِ الأرْضَ بِأنَّها الَّتِي بارَكَ فِيها، ولا يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ ويَنْفَرِدُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها إلّا أرْضُ الشامِ لَما بِها مِنَ الماءِ والشَجَرِ والنِعَمِ والفَوائِدِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن قائِلٍ لَمْ يُسَمِّهِ -وَذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ الفَرّاءُ - أنَّ ﴿ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: يُسْتَضْعَفُونَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ مَعْمُولٌ لِـ "أورَثْنا" وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو قَوْلٌ غَيْرُ مُتَّجِهٍ.

و"الَّتِي" في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتٌ لِلْأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِـ"مَشارِقَ" و"مَغارِبَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى ﴾ أيْ ما سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ وكَلامِهِ في الأزَلِ مِنَ النَجاةِ مِن عَدُوِّهِمْ والظُهُورِ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ  ﴾ ، وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ  ﴾ الآيَةُ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "كَلِماتُ".

و"يَعْرِشُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَبْنُونَ، وعَرَشَ البَيْتَ: سَقَفَهُ، والعَرْشُ: البِناءُ والتَنْضِيدُ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الكُرُومِ وما أشْبَهَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الباقُونَ " ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ فِيما رُوِيَ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ ": بِضَمِّها، وكَذَلِكَ في سُورَةِ النَحْلِ.

وهُما لُغَتانِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُعَرِّشُونَ" و"يُعَكِّفُونَ" بِضَمِّ الياءِ فِيهِما وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الراءِ والكافِ مَكْسُورَتَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأيْتُ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْرَجَ عَلى مُلُوكِ السُوءِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُصْبَرَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُدَمِّرُهُمْ، ورَأيْتُ لِغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إذا قابَلَ الناسُ البَلاءَ بِمِثْلِهِ وكَلَهُمُ اللهُ إلَيْهِ، وإذا قابَلُوهُ بِالصَبْرِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، أتى اللهُ بِالفَرَجِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَجاوَزْنا"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَوَّزْنا"، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ والمَهْدَوِيُّ، والمَعْنى: قَطَّعْناهُ بِهِمْ وجَزَّعْناهُ، وهَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءُ خَبَرٍ عنهُمْ، قالَ النَقّاشُ: جاوَزُوا البَحْرَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وأُعْطِيَ مُوسى التَوْراةَ يَوْمَ النَحْرِ القابِلَ، فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ أنَّ قَطْعَهم كانَ مِن ضَفَّةِ البَحْرِ إلى الضَفَّةِ المُناوِحَةِ لِلْأُولى، ورُوِيَ أنَّهُ قَطْعٌ مِنَ الضَفَّةِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ وأمْرٍ لِيَنْفُذَ أمْرُهُ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهَذا هو الظاهِرُ، وإمّا بِحَسَبِ اجْتِهادِ مُوسى في التَخَلُّصِ بِأنْ يَكُونَ بَيْنَ وضْعَيْنِ أوَعارٍ وحايِلاتٍ، ووَقَعَ في كِتابِ النَقّاشِ أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ لا تُساعِدُهُ رِوايَةٌ، ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظٌ إلّا عَلى تَحامُلٍ، وإنَّما هو بَحْرُ القُلْزُمِ.

والقَوْمُ المُشارُ إلَيْهِمْ في الآيَةِ العَرَبُ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم قَوْمٌ مِن لَخْمٍ وجُذامٍ.

والقَوْمُ في الكَلامِ: الرِجالُ خاصَّةً، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ولا أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ  ﴾ ، ﴿ وَلا نِساءٌ مِن نِساءٌ  ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ عنهُ: "يَعْكِفُونَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.

والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِالشَخْصِ لِأمْرٍ ما، والإكْبابُ عَلَيْهِ، ومِنهُ الِاعْتِكافُ في المَساجِدِ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ........................

∗∗∗ ∗∗∗ عَكْفَ النَبِيطِ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا والأصْنامُ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: كانَتْ بَقَرًا عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تَماثِيلَ بَقْرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن مَقالَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوهُ مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا صَنَمًا نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ ونَكْفُرُ بِرَبِّكَ.

فَعَرَّفَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم إذْ سَألُوا أمْرًا حَرامًا فِيهِ الإشْراكُ في العِبادَةِ، ومِنهُ يَتَطَرَّقُ إلى إفْرادِ الأصْنامِ بِالعِبادَةِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وعَلى هَذا الَّذِي قُلْتُ يَقَعُ التَشابُهُ الَّذِي قَصَّهُ النَبِيُّ  في «قَوْلِ أبِي واقِدٍ اللَيْثِيِّ لَهُ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ إذْ مَرُّوا عَلى دَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ: اجْعَلْ لَنا يا رَسُولَ اللهِ ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ، وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهُمْ، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها فِيهِ، فَأرادَ أبُو واقِدٍ وغَيْرُهُ أنْ يُشَرِّعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  في الإسْلامِ، فَرَأى رَسُولُ اللهِ  أنَّها ذَرِيعَةٌ إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَرْحَةِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: "اللهُ أكْبَرُ، قُلْتُمْ واللهِ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مِن قَبْلِكُمْ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَقْصِدْ أبُو واقِدٍ بِمَقالَتِهِ فَسادًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ ذَلِكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كُفْرًا، ولَفْظَةُ "الإلَهِ" تَقْتَضِي ذَلِكَ، وهَذا مُحْتَمَلٌ، وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا أصَحُّ عِنْدِي، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما تمت العبرة بقصة بعث موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه، وكيف نصره الله على عدوه، ونصر قومه بني إسرائيل، وأهلك عدوهم كشأن سنة الله في نصر الحق على الباطل، استرسل الكلام إلى وصف تكوين أمة بني إسرائيل وما يحق أن يعتبرَ به من الأحوال العارضة لهم في خلال ذلك مما فيه طمأنينةُ نفوس المؤمنين الصالحين في صالح أعمالهم، وتحذيرهم مما يرمي بهم إلى غضب الله فيما يحقرون من المخالفات، لما في ذلك كله من التشابه في تدبير الله تعالى أمور عبيده، وسنته في تأييد رسله وأتباعهم، وإيقاظ نفوس الأمة إلى مراقبة خواطرهم ومحاسبة نفوسهم في شكر النعمة ودحض الكفران.

والمجاوزة: البعد عن المكان عقب المرور فيه، يقال: جَاوز بمعنى جاز، كما يقال: عَالى بمعنى علا، وفعله متعد إلى واحد بنفسه وإلى المفعول الثاني بالباء فإذا قلت: جُزتُ به، فأصل معناه أنك جزته مصاحباً في الجواز به للمجرور بالباء، ثم استعيرت الباء للتعدية يقال: جُزت به الطريق إذا سهلت له ذلك وإن لم تسر معه، فهو بمعنى أجزته، كما قالوا: ذَهبت به بمعنى أذهبته، فمعنى قوله هنا: ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قدرنا لهم جَوازه ويسرّناه لهم.

والبحر هو بحر القُلْزُم المعروف اليوم بالبحر الأحمر وهو المراد باليمّ في الآية السابقة، فالتعريف للعهد الحضوري، أي البحر المذكور كما هو شأن المعرفة إذا أعيدت معرفة، واختلاف اللفظ تفنن، وتجنباً للإعادة، والمعنى: أنهم قطعوا البحر وخرجوا على شاطئه الشرقي.

و ﴿ أتوا على قوم ﴾ معناه أتَوْا قوماً، ولما ضمن ﴿ أتَوْا ﴾ معنى مروا عدي بعلى، لأنهم لم يقصدوا الإقامة في القوم، ولكنهم ألْفَوهم في طريقهم.

والقوم هم الكنعانيون ويقال لهم عند العرب العمالقةُ ويعرفون عند متأخري المؤرخين بالفنيقيين.

والأصنام كانت صُورَ البقر، وقد كان البقر يعبد عند الكنعانيين، أي الفنيقيين باسم (بَعل)، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده ﴾ في سورة البقرة (51).

والعُكوف: الملازمة بنية العبادة، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ في سورة البقرة (187)، وتعدية العكوف بحرف (على) لما فيه من معنى النزول وتمكنه كقوله: ﴿ قالوا لن نبرح عليه عاكفين ﴾ [طه: 91].

وقريء ﴿ يعكفون ﴾ بضم الكاف للجمهور، وبكسرها لحمزة والكسائي، وخَلف، وهما لغتان في مضارع عَكف.

واختير طريق التنكير في أصنام ووصفُه بأنها لهم، أي القوم دون طريق الإضافة ليتوسل بالتنكير إلى إرادة تحقير الأصنام وأنها مجهولة، لأن التنكير يستلزم خفاء المعرفة.

وإنما وصفت الأصنام بأنها لهم ولم يُقتصر على قوله: ﴿ أصنام ﴾ قال ابن عرفة التونسي: «عادتهم يجيبون بأنه زيادة تشنيع بهم وتنبيه على جهلهم وغوايتهم في أنهم يعبدون ما هو ملك لهم فيجعلون مملوكهم إلاههم».

وفُصلت جملة ﴿ قالوا ﴾ ، فلم تعطف بالفاء: لأنها لما كانت افتتاح محاور، وكان شأن المحاورة أن تكون جملها مفصولة شاع فصلها، ولو عطفت بالفاء لجاز أيضاً.

ونداؤهم موسى وهو معهم مستعمل في طلب الإصغاء لما يقولونه، إظهاراً لرغبتهم فيما سيطلبون، وسموا الصنم إلاهاً لجهلهم فهم يحْسبون أن اتخاذ الصنم يُجدي صاحبه، كما لو كان إلاهُه معَه، وهذا يدل على أن بني إسرائيل قد انخلعوا في مدة إقامتهم بمصر عن عقيدة التوحيد وحنيفية إبراهيم ويعقوب التي وصى بها في قوله: ﴿ فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون ﴾ [البقرة: 132] لأنهم لما كانوا في حال ذل واستعباد ذهب علمهم وتاريخ مجدهم واندمجوا في ديانة الغالبين لهم فلم تبق لهم ميزة تميزهم إلاّ أنهم خدمة وعبيد.

والتشبيه في قوله: ﴿ كما لَهم آلهة ﴾ أرادوا به حَض موسى على إجابة سؤالهم، وابتهاجاً بما رأوا من حال القوم الذين حَلّوا بين ظهرانيهم وكفَى بالأمة خسّةَ عقول أن تعُد القبيح حسناً، وأن تتخذ المظاهر المزيّنة قدوة لها، وأن تنخلع عن كمالها في اتباع نقائص غيرها.

و ﴿ ما ﴾ يجوز أن تكون صلة وتوكيداً كافة عمل حرف التشبيه، ولذلك صار كاف التشبيه داخلاً على جملة لا على مفرد، وهي جملة من خبر ومبتدأ، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية غير زمانية، والجملة بعدها في تأويل مصدر، والتقدير كوجود آلهة لهم، وإن كان الغالب أن (ما) المصدرية لا تدخل إلاّ على الفعل نحو قوله تعالى: ﴿ ودوا ما عنَتّم ﴾ [آل عمران: 118] فيتعين تقدير فعل يتعلق به المجرور في قوله: ﴿ لهم ﴾ أو يكتفَى بالاستقرار الذي يقتضيه وقوع الخبر جازا ومجروراً، كقول نهْشَل بن جرير التميمي: كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه وفصلت جملة ﴿ قال إنكم قوم تجهلون ﴾ لوقوعها في جواب المحاورة، أي: أجاب موسى كلامهم، وكان جوابه بعنف وغلظة بقوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ لأن ذلك هو المناسب لحالهم.

والجهل: انتفاء العلم أو تصور الشيء على خلاف حقيقته، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ في سورة النساء (17)، والمراد جهلهم بمفاسد عبادة الأصنام، وكانَ وصف موسى إياهم بالجهالة مؤكداً لما دلت عليه الجملة الاسمية من كون الجهالة صفة ثابتة فيهم وراسخة من نفوسهم، ولولا ذلك لكان لهم في باديء النظر زاجر عن مثل هذا السؤال، فالخبر مستعمل في معنييه: الصريح والكناية، مكنى به عن التعجب من فداحة جهلهم.

وفي الإتيان بلفظ قوم} وجعل ما هو مقصود بالإخبار وصفاً لقوم، تنبيه على أن وصفهم بالجهالة كالمتحقق المعلوم الداخل في تقويم قوميتهم، وفي الحكم بالجهالة على القوم كلهم تأكيد للتعجب من حال جهالتهم وعمومها فيهم بحيث لا يوجد فيهم من يشذ عن هذا الوصف مع كثرتهم، ولأجل هذه الغرابة أكد الحكم (بإن) لأن شأنه أن يتردد في ثبوته السامعُ.

وجملة ﴿ إن هؤلاء متّبرٌ ما همُ فيه ﴾ بمعنى التعليل لمضمون جملة ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ فلذلك فصلت عنها وقد أكدت وجعلت اسمية لمثل الأغراض التي ذكرت في أختها، وقد عُرّف المسند إليه بالإشارة لتمييزهم بتلك الحالة التي هم متلبسون بها أكمل تمييز، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يَرِد بعد اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم متّبرا أمرهم وباطلاً عملهم، وقُدم المسند وهو ﴿ متَبّر ﴾ على المسند إليه وهو ﴿ ما هم فيه ﴾ ليفيد تخصيصه بالمسند إليه أي: هم المعرضون للتّبار وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب، ولا يصح أن يجعل ﴿ متَبر ﴾ مسنداً إليه لأن المقصود بالإخبار هو ما هم فيه.

والمتَبّر: المدمّر، والتّبَار بفتح التاء الهلاك ﴿ ولا تزد الظالمين إلاّ تباراً ﴾ [نوح: 28].

يقال نَبَر الشيء كضرب وتعب وقتل وتَبّره تضعيف للتعدية، أي أهلكه والتتبير مستعار هنا لفساد الحال، فيبقى اسم المفعول على حقيقته في أنه وصف للموصوف به في زمن الحال.

ويجوز أن يكون التتبير مستعاراً لسوء العاقبة، شبه حالهم المزخرفُ ظاهرهُ بحال الشيء البهيج الآيل إلى الدمار والكَسْر فيكون اسم المفعول مجازاً في الاستقبال، أي صائِر إلى السوء.

و ﴿ ما هم فيه ﴾ هو حالهم، وهو عبادة الأصنام وما تقتضيه من الضلالات والسيئات ولذلك اختير في تعريفها طريق الموصولية لأن الصلة تحيط بأحوالهم التي لا يحيط بها المتكلم ولا المخاطبون.

والظرفية مجازية مستعارة للملابسة، تشبيهاً للتلبس باحتواء الظرف على المظروف.

والباطل اسم لضد الحق فالإخبار به كالإخبار بالمصدر يفيد مبالغة في بطلانه لأن المقام مقام التوبيخ والمبالغة في الإنكار، وقد تقدم آنفاً معنى الباطل عند قوله تعالى: ﴿ فوقع الحَقُّ وبَطَل ما كانوا يعملون ﴾ [الأعراف: 118].

وفي تقديم المسند، وهو ﴿ باطل ﴾ على المسند إليه وهو ﴿ ما كانوا يعملون ﴾ ما في نظيره من قوله: ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ .

وإعادة لفظ ﴿ قال ﴾ مستأنفاً في حكاية تكملة جواب موسى بقوله تعالى: ﴿ قال أغير الله أبغيكم ﴾ تقدم توجيه نظيره عند قوله تعالى: ﴿ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ إلى قوله ﴿ قال فيها تحيون ﴾ من هذه السورة (24، 25).

والذي يظهر أنه يعاد في حكاية الأقوال إذا طال المقول، أو لأنه انتقال من غرض التوبيخ على سؤالهم إلى غرض التذكير بنعمة الله عليهم، وأن شكر النعمة يقتضي زجرهم عن محاولة عبادة غير المنعم، وهو من الارتقاء في الاستدلال على طريقة التسليم الجدَلي، أي: لو لم تكن تلك الآلهة باطلاً لكان في اشتغالكم بعبادتها والإعراض عن الإله الذي أنعم عليكم كفران للنعمة ونداء على الحماقة وتنزه عن أن يُشاركهم في حماقتهم.

والاستفهام بقوله: ﴿ أغير الله أبغيكم إلاهاً ﴾ للإنكار والتعجب من طلبهم أن يجعل لهم إلاهاً غير الله، وقد أوليَ المستفهم عنه الهمزة للدلالة على أن محل الإنكار هو اتخاذ غير الله إلاهاً، فتقديم المفعول الثاني للاختصاص، للمبالغة في الإنكار أي: اختصاص الإنكار ببغي غير الله إلاهاً.

وهمزة ﴿ أبغيكم ﴾ همزة المتكلم للفعل المضارع، وهو مضارع بغَى بمعنى طلب، ومصدره البَغاء بضم الباء.

وفعله يتعدى إلى مفعول واحد، ومفعوله هو ﴿ غيرَ الله ﴾ لأنه هو الذي ينكر موسى أن يكون يبغيه لقومه.

وتعديته إلى ضمير المخاطبين على طريقة الحذف والإيصال، وأصل الكلام: أبغي لكم و ﴿ إلاهاً ﴾ تمييز ل ﴿ غير ﴾ .

وجملة: ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ في موضع الحال، وحين كان عاملها محَل إنكار باعتبار معموله، كانت الحال أيضاً داخلة في حيز الإنكار، ومقررة لجهته.

وظاهر صوغ الكلام على هذا الأسلوب أن تفضيلهم على العالمين كان معلوماً عندهم لأن ذلك هو المناسب للإنكار، ويحتمل أنه أراد إعلامهم بذلك وأنه أمر محقق.

ومجيء المسند فعلياً: ليفيد تقديم المسند إليه عليه تخصيصه بذلك الخبر الفعلي أي: وهو فضلكم، لم تفضلكم الأصنام، فكان الإنكار عليهم تحميقاً لهم في أنهم مغمورون في نعمة الله ويطلبون عبادة ما لا يُنعم.

والمرادُ بالعالمين: أممُ عصرهم، وتفضيلهم عليهم بأنهم ذرية رسول وأنبياءَ، وبأن منهم رسلاً وأنبياء، وبأن الله هداهم إلى التوحيد والخلاص من دين فرعون بعد أن تخبطوا فيه، وبأنه جعلهم أحراراً بعد أن كانوا عبيداً، وساقهم إلى امتلاك أرض مباركة وأيدهم بنصره وآياته، وبعث فيهم رسولاً ليقيم لهم الشريعة.

وهذه الفضائِل لم تجتمع لأمة غيرهم يومئذٍ، ومن جملة العالمين هؤلاء القوم الذين أتوا عليهم، وذلك كناية عن إنكار طلبهم اتخاذَ أصنام مثلهم، لأن شأن الفاضل أن لا يقلد المفضول، لأن اقتباس أحوال الغير يتضمن اعترافاً بأنه أرجح رأياً وأحسن حالاً، في تلك الناحية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ ﴾ في ﴿ مُتَبَّرٌ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: باطِلٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: ضَلالٌ، حَكاهُ أبُو اليَسَعِ.

والثّالِثُ: مُهْلِكٌ، ومِنهُ التِّبْرُ، الذَّهَبُ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ مُوسى يُهْلِكُهُ.

والثّانِي: لِكَسْرِهِ، وكُلُّ إناءٍ مَكْسُورٍ مُتَبَّرٌ قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ هي كَلِمَةٌ نَبَطِيَّةٌ لِما ذَكَرْنا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴾ قال: على لخم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴾ قال: هم لخم وجذام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴾ قال: تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فلذلك كان أول شأن العجل لتكون لله عليهم حجة فينتقم منهم بعد ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ قال: يا سبحان الله...

!

قوم أنجاهم الله من العبودية، وأقطعهم البحر، وأهلك عدوهم، وأراهم الآيات العظام، ثم سألوا الشرك صراحية.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة فقلت: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ونحن ألف ونيف، ففتح الله له مكة وحنينا، حتى إذا كنا بين حنين والطائف مررنا بشجرةٍ دنوا عظيمة سدرة كان يناط بها السلام فسميت ذات أنواط، وكانت تُعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله صلى عليه وسلم صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها، فقال له رجل يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.

فقال رسول الله صلى عليه وسلم «إنها السنن قلتم.

والذي نفس محمد بيده كما قالت بنو إسرائيل ﴿ اجعل لنا آلهاً كما لهم آلهة ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ متبر ﴾ قال: خسران.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ متبر ﴾ قال: هالك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ﴾ قال: المتبر المخسر، وقال المتبر والباطل سواء كله واحد كهيئة غفور رحيم، والعرب تقول: إنه البائس المتبر، وإنه البائس المخسر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ﴾ ، يقال: جاوز الوادي إذا قطعه وخلفه وراءه، وجاوز بغيره عبر به (١) ﴿ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يعبدونها مقيمين عليها) (٢) قال الزجاج: (يواظبون عليها و (٣) (٤) (٥) (٦) قال قتادة؛ (٧) (٨) (٩) وقال ابن جريج: (كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ، قال عطاء: (يريد: من دون الله.

﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ يريد: جهلتم نعمة ربكم وما صنع بكم) (١١) قال أهل المعاني: (هذه الآية تخبر عن جهل عظيم من بني إسرائيل؛ حيث توهموا أنه يجوز عبادة غير الله بعد ما رأوا الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى غرّقهم الله في البحر بكفرهم وعبادتهم غيره، فلم يردعهم ذلك عن أن قالوا لنبيهم: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ (١٢) (١) الجوز: قطع الشيء يقال: جُزْت الموضع سلكته وسرت فيه وأَجَزتْه خلفته وقطعته وأجزْته نَفذتُه، وجَاوَزْت الشيء إلى غيره وَتَجاوَزته بمعنى جزته.

انظر: "العين" 6/ 165، و"تهذيب اللغة" 1/ 519، و"الصحاح" 3/ 870، و"المجمل" 1/ 203، و"مقاييس اللغة" 1/ 494، و"المفردات" ص 211، و"اللسان" 2/ 724 (جوز).

(٢) "تنوير المقباس" 2/ 123، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 231.

(٣) (الواو) ساقطة من (ب).

(٤) في (ب): (عليها)، وهو تحريف (٥) "معاني الزجاج" 2/ 371، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 73، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 227، و"تفسير غريب القرآن" ص 180.

(٦) هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 74 - 75 والضم والكسر في ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ و ﴿ يَعْكُفُونَ ﴾ لغة وقراءة سبعية، قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ بضم الراء، وقرأ الباقون بكسرها، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ يَعْكُفُونَ ﴾ بكسر الكاف، والباقون بضمها.

انظر: "السبعة" ص 292، و"المبسوط" ص 184، و"التذكرة" 2/ 424، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 271، وانظر توجيه القراءة في "معاني القراءات" 1/ 421، و"إعراب القراءات" 1/ 204، و"الحجة" لابن خالويه ص 162، ولابن زنجلة ص 294، و"الكشف" 1/ 475.

(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 232، والبغوي 3/ 273، وابن الجوزي 3/ 254، وأخرج الطبري 9/ 45، وابن أبي حاتم 5/ 1553 بسند ضعيف عن قتادة قال: (على أصنام لهم على لخم).

(٨) لَخْم: قبيلة من كهلان، ولخم أخو جُذام عم كندة وهم حي من اليمن ومنهم كانت ملوك العرب في الجاهلية، ونزلوا الحيرة وهم آل عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وقيل هم آل المنذر.

انظر: "اللسان" 7/ 4018 (لخم)، و"نهاية الأرب" ص 367.

(٩) الرَّقَّة، بالفتح: مدينة مشهورة على الفرات من بلاد الجزيرة بينها وبين حَران ثلاثة أيام، ويقال لها: الرقة البيضاء.

انظر: "معجم البلدان" 3/ 59.

(١٠) أخرجه الطبري 9/ 45 بسند جيد.

(١١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 232، عن ابن عباس قال: (جهلتم نعمة ربكم فيما صنع بكم).

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 45، والسمرقندي 1/ 566، وابن الجوزي 3/ 254.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ هم بنوا إسرائيل ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ الشام ومصر ﴿ باركنا فِيهَا ﴾ أي بالخصب وكثرة الأرزاق ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ ﴾ أي تمت لهم واستقرت، والكلمة هنا ما قضى لهم في الأزل، وقيل هي قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ أي يبنون، وقيل: هي الكروم وشبهها فهو على الأوّل من العرش وعلى الثاني من العريش ﴿ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها ﴾ أي اجعل لنا صنماً نبعده كما يعبد هؤلاء أصنامهم ولما تم خبر موسى مع فرعون ابتدأ خبره مع بني إسرائيل من هنا إلى قوله: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل ﴾ [الأعراف: 171] ﴿ مُتَبَّرٌ ﴾ من التبار وهو الهلاك ﴿ وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين ﴾ وما بعده مذكور في [البقرة: 47].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.

الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.

الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.

الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.

﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.

التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.

وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.

والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.

قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.

وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.

وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.

ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله  انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.

وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.

ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.

فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.

ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله  لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.

عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.

وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.

فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.

ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .

و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.

ثم حكى  ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.

فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.

قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.

والسنون من الجموع المصححة الشاذة.

عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.

وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.

قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.

قال القاضي: في الآية دلالة على أنه  أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.

وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.

وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟

﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.

وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.

وكان النبي  يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.

قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.

ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.

وقد تشاءمت اليهود بالنبي  وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.

وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.

ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.

﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.

وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.

قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.

وقيل: هو الموتان.

وقيل: الطاعون.

والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.

فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله  ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.

وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.

فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.

وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.

وقيل: البراغيث.

وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.

وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.

وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.

فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.

فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.

وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.

وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.

وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى  مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.

ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.

ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.

وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.

أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.

ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.

وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.

ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.

وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.

وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.

قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة  ﴾ إلى تمام الآيتين.

ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.

وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.

وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.

وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.

ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات  ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.

ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.

وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.

وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله  كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.

وعن علي  أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.

ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.

﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.

وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.

﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.

وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.

قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال  ﴿ يبغونكم الفتنة  ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.

ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.

والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.

وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.

﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.

وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.

﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.

يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.

﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ ﴾ .

دل هذا على أن لله في فعل العباد صنعاً وفعلاً؛ حيث أضاف ونسب المجاوزة إلى نفسه، وهم الذين جاوزوا البحر، دل أن له في فعلهم صنعاً، وهذا ينقض على المعتزلة حيث أنكروا خلق أفعال العباد، وبالله المعونة والعصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾ .

العكوف: هو المقام والدوام، وقوله: ﴿ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾ ، أي: وجدوهم عكوفاً على عبادة الأصنام مقيمين على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً ﴾ .

يشبه أن يكون سؤالهم إلهاً يعبدونه لا على الكفر بربهم والتكذيب لرسوله، ولكن لما لم يروا أنفسهم أهلاً للعبادة لله، والخدمة له؛ لما رأوا في الشاهد أنه لا يخدم الملوك إلا الخواص لهم، والمقربون إليهم، ومن بعد منهم يخدم خواصهم، فعلى ذلك هؤلاء سألوا موسى إلهاً يعبدونه؛ لما لم يروا أنفسهم أهلاً لعبادة الله، والخدمة له؛ لتقربهم عبادة تلك الأصنام إلى الله، ويخرج ذلك مخرج التعظيم لله والتبجيل، لا على الكفر وصرف العبادة عنه إلى غيره، وكذلك كان عادة العرب أنهم كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم عبادتها إلى الله زلفى، وكذلك ما ذكر في بعض القصّة أن فرعون كان يتخذ لقومه أصناماً يعبدونها؛ لتقربهم تلك الأصنام إليه زلفى، فعلى ذلك سؤال هؤلاء لموسى: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً ﴾ ، والله أعلم.

أو كان سؤالهم ذلك لما لم يروا في الشاهد أحداً يخدم إلا لحاجة تقع له إلى ذلك، فرأوا أن الله يتعالى [عن] أن يعبد ويخدم للحاجة، و [هم] يخدمون القادة والرسل ويعبدونهم لما رأوا [أنهم] ينالون من النعم، وأنواع المنافع من الرؤساء والكبراء؛ لذلك كانوا يخدمونهم، وأما أهل التوحيد فإنهم لا يرون العبادة لغير الله؛ لأنه ما من أحد وإن بعد منزلته ومحله إلا وآثار نعم الله عليه ظاهرة حتى عرف ذلك كل أحد، حتى لو بذل له جميع حطام الدنيا، أو أوعد بكل أنواع الوعيد؛ ليترك الدين الذي هو عليه، ما تركه ألبتة.

وفي أمر موسى - صلوات الله عليه - خصلتان، إحداهما: أن يعلم أن كيف يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وكيف يعامل مرتكب الفسق والمنكر يعامل على ما عامل موسى قومه باللين والشفقة، وإن استقبلوه بالعظيم من الأمر والمناكير.

والثانية: [....].

ويحتمل أن يكون سؤالهم إلهاً يعبدونه لما أن أهل الكفر قالوا لهم: إن الرسل هم الذين أمروهم بعبادة الأصنام؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ فعلى ما قالوا إن الرسل هم الذين أمروهم بذلك، سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة.

وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ ﴾ .

أي: أن عبادتهم لهؤلاء متبر، أي: مهلكهم ومفسدهم.

﴿ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: باطل ما يأملون بعبادتهم هؤلاء.

وقال القتبي: التبار: الهلاك، وقال أبو عوسجة: المتبر: المفسد، يقال: تبرت الشيء، أي أفسدته، ويقال: رجل متبر، أي مفسد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: فضلكم على العالمين بما هداكم ووفقكم للهداية بما لم يوفق ولم يهد أحداً من [العالمين] من عالمي زمانكم.

ويحتمل قوله: ﴿ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً ﴾ دونه وقد فضلكم بما استنقذكم من اسخدام فرعون وقهره إياكم وإخراجكم من يده، وأعطاكم رسولاً يبين لكم عبادة إلهكم الحق.

وقوله: ﴿ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ ﴾ يقول: أما تستحيون [من] ربكم أن تسألوا إلهاً تعبدونه دونه، وقد فضلكم بما ذكر من أنواع النعم، والله أعلم، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ ...

﴾ الآية، يذكرهم نعمه عليهم بما استنقذهم من فرعون وآله وأهلكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ .

قيل: يعذبونكم ﴿ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ قتل الأبناء، واستحياء النساء، فذلك قوله: ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ ، قيل في ذلك: يعني فيما أنجاكم من آل فرعون بلاء من ربكم عظيم، يعني: نعمة من ربكم عظيمة، ويقال: البلاء - بالمد -: هو النعمة، وبغير المدّ مقصوراً: الشدّة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وَعَبَرنا ببني إسرائيل البحر لَمَّا ضربه موسى بعصاه فانفلق، فمرّوا على قوم يقيمون على عبادة أصنام لهم يعبدونها من دون الله، فقال بنو إسرائيل لموسى  : يا موسى، اجعل لنا صنمًا نعبده كما لهؤلاء أصنام يعبدونها من دون الله، قال لهم موسى: يا قوم، إنكم قوم تجهلون ما يجب لله من تعظيم وتوحيد، وما يليق به من شرك وعبادة لغيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.V3Ozk"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله