الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٤١ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يذكرهم موسى عليه السلام نعم الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره وما كانوا فيه من الهوان والذلة وما صاروا إليه من العزة والاشتفاء من عدوهم والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقة ودماره وقد تقدم تفسيرها في البقرة.
القول في تأويل قوله : وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم: واذكروا مع قيلكم هذا الذي قلتموه لموسى بعد رؤيتكم من الآيات والعبر, وبعد النعم التي سلفت مني إليكم, والأيادي التي تقدمت = فعلَكم ما فعلتم =(إذ أنجيناكم من آل فرعون)، وهم الذين كانوا على منهاجه وطريقته في الكفر بالله من قومه (13) =(يسومونكم سوء العذاب)، يقول: إذ يحملونكم أقبح العذاب وسيئه.
(14) * * * وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا ما كان العذاب الذي كان يسومهم سيئه.
(15) * * * =(يقتلون أبناءكم)، الذكورَ من أولادهم =(ويستحيون نساءكم)، يقول: يستبقون إناثهم (16) =(وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، يقول: وفي سومهم إياكم سوء العذاب, اختبار من الله لكم ونعمة عظيمة.
(17) ----------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير (( الآل )) فيما سلف 2 : 37 / 3 : 222 ، تعليق 3 / 6 : 326 / 8 : 480 .
(14) انظر تفسير (( السوم )) فيما سلف 2 : 40 .
(15) انظر ما سلف 2 : 40 ، 41 .
(16) انظر تفسير (( الاستحياء )) فيما سلف 2 : 41 - 48 / 13 : 41 .
(17) انظر تفسير (( البلاء )) فيما سلف 12 : 289 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
وكان في المطبوعة : (( وتعمد عظيم )) ، ولا معنى له ، والصواب ما أثبت ، وانظر ما سلف في تفسير نظيرة هذه الآية 2 : 48 ، 49 ، فمنه استظهرت الصواب .
قوله تعالى وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ذكرهم منته .
وقيل : هو خطاب ليهود عصر النبي صلى الله عليه وسلم .
أي واذكروا إذ أنجينا أسلافكم .
حسب ما تقدم بيانه في سورة " البقرة "
ثم ذكرهم بما امتن الله به عليهم فقال: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أي: من فرعون وآله {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ} النجاة من عذابهم {بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم
قوله - عز وجل - : ( وإذ أنجيناكم ) قرأ ابن عامر " أنجاكم " وكذلك هو في مصاحف أهل الشام ، ( من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ) قرأ نافع " يقتلون " خفيفة ، من القتل ، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير من التقتيل ، ( ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم )
«و» اذكروا «إذ أنجيناكم» وفي قراءة أنجاكم «من آل فرعون يسومونكم» يكلفونكم ويذيقونكم «سوء العذاب» أشده وهو «يقتلون أبناءكم ويستحيون» يستَبْقون «نساءكم وفي ذلكم» الإنجاء أو العذاب «بلاء» إنعام أو ابتلاء «من ربِّكم عظيم» أفلا تتعظون فتنتهوا عما قلتم.
واذكروا - يا بني إسرائيل - نِعَمنا عليكم إذ أنقذناكم من أَسْر فرعون وآله، وما كنتم فيه من الهوان والذلة من تذبيح أبنائكم واستبقاء نسائكم للخدمة، وفي حَمْلِكم على أقبح العذاب وأسوئه، ثم إنجائكم، اختبار من الله لكم ونعمة عظيمة.
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة إنجائهم من العذاب والتنكيل ، ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون ، فقال تعالى : ( وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) ." إذ " بمعنى وقت ، وهى مفعول به لفعل ملاحظ فى الكلام وهو اذكروا أى : اذكروا وقت أن أنجيناكم من آل فرعون .
والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث .وآل الرجل : أهله وخاصته وأتباعه .
ويطلق غالباً على أولى الشأن والخطر من الناس ، فلا يقال آل الحجام أو الاسكاف .و ( يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب ) يبغون لكم أشد العذاب وأفضعه من السوم وهو مطلق الذهاب ، أو الذهاب فى ابتغاء الشىء .
يقال : سامت الابل فهى سائمة ، أى ذهبت إلى المرعى .
وسام السلعة ، إذا طلبها وابتغاها .والسوء - بالضم - كل ما يحزن الإنسان ويغمه من الأمور الدنيوية أو الأخروية .
ويستحيون : أى يستبقون .
يقال : استحياه أى : استبقاه ، وأصله : طلب له الحياة والبقاء .والبلاء : الامتحان والاختبار ويكون بالخير والشر .والمعنى : واذكروا يا بنى إسرائيل لتعتبروا وتتعظوا وتشكروا الله على نعمه وقت أن أنجيناكم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه ، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم ، ويستبقون نفوس نسائكم ليستخدموهن ويستذلوهن .وفى ذلكم العذاب وفى النجاة منه امتحان لكم لتشكروا الله على نعمه ، ولتقعلوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الاذلال فى الدنيا ، والعذاب فى الأخرى .وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه ، مع أنه هو الآمر بتعذيب بنى إسرائيل ، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا له على إذاقتهم سوء العذاب ، وفى إنزال ألوان الأذلال بهم .وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لبنى إسرائيل - مع أنه فى ظاهرة نعمة لهم - لأن هذا الابقاء على النساء كان المقصود من الاعتداء على أعراضهن ، واستعمالهن فى شتى أنواع الخدمة ، وإذلالهن بالاسترقاق ، فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل؛ وعذاب أليم ، تأباه النفوس الكريمة ، والطباع الحرة الأبية .قال الامام الرازى ما ملخصه : فى قتل الذكور دون الإناث مضرة م وجوه : أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال ، وذلك يقضى انقطاع النسل ، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة فى ذلك ، وهذا يقضى فى نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعا .ثانيها : أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء فى أمر المعيشة .فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها الجرال .
لما قد تقع فيه من نكد العيش بالانفراد .ثالثها : إن قتل الولد عقب الحمل الطويل ، وتحمل الكد ، والرجاء القوى فى الانتفاع به من أعظم العذاب .
فنعمة الله فى تخليصهم من هذه المحنة كبيرة .رابعاً : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن ، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء .
وذلك نهاية الذل والهوان .وقد رجح كثير من المفسدين أن المراد بالأبناء هنا الأطفال لا البالغين ، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، ولأن قتل الرجال لا يفيدهم حيث أنهم كانوا يستعملونهم فى الأعمال الشاقة والحقيرة ، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال لما قامت أم موسى بإلقائه فى اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح .ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال ، لا الأطفال ، لأن لفظ الأبناء هنا جعل فى مقابلة النساء ، والنساء هن البالغات .والذى نرجحه هو القول الأول لما ذكرنا ، ولأنه أتم فى إظهار نعمة الانجاء ، حيث كان آل فرعون يقتلون الصغار قطعاً للنسل ، ويسترقون الأمهات استعباداً لهن ، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج ، وبقاء الرجال على هذه الحالة أشد عليهم من الموت .وبهذا تكون الآيات الكريمة قد ردت على بنى إسرائيل فيما طلبوا أبلغ رد وأحكمه ، ووصفتهم بما هم أهله من سوء تدبير ، وسفاهة تفكير .
فقد بدأت بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم ، حيث طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلهاً كما لغيرهم آلهة ، ثم ثنت بإظهار فساد ما طلبوه فى ذاته ، لأن مصيره إلى الزوال والهلاك ، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون إلهاً ، ثم بينت بعد ذلك بأن العبادة لغير الله لا تجوز بأى حال ، لأنه هو وحده صاحب الخلق والأمر ، ثم ذكرتهم فى ختامها بوجوه النعم التى أسبغها الله عليهم ، لتشعرهم بأن ما طلبوه من نبيهم ، هو من قبيل مقابلة الاحسان بالجحود والنكران ، ولتحملهم على أن يتدقبروا أمرهم ، ويراجعوا أنفسهم ، ويتوبوا إلى خالقهم توبة صادقة نصوحا .أن كانوا ممن ينتفع بالعظات ويعتبر بالمثلات .
واعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه، تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة، فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غير الله تعالى والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب ﴾ يبغونكم شدّة العذاب، من سام السلعة إذا طلبها.
فإن قلت: ما محل يسومونكم؟
قلت: هو استئناف لا محلّ له.
ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين أو من آل فرعون.
و ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى الإنجاء أو إلى العذاب.
والبلاء: النعمة أو المحنة.
وقرئ: ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ واذْكُرُوا صَنِيعَهُ مَعَكم في هَذا الوَقْتِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « أنْجاكم» .
﴿ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أنْجاهم مِنهُ، أوْ حالٌ مِنَ المُخاطِبِينَ، أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِنهُما.
﴿ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ مُبَيِّنٌ.
﴿ وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ وفي الإنْجاءِ أوِ العَذابِ نِعْمَةٌ أوْ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ.
﴿ وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ﴾ ذا القِعْدَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ « ووَعَدْنا» .
﴿ وَأتْمَمْناها بِعَشْرٍ ﴾ مِن ذِي الحِجَّةِ.
﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ بالِغًا أرْبَعِينَ.
رُوِيَ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ أنْ يَأْتِيَهم بَعْدَ مَهْلِكَ فِرْعَوْنُ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ رَبَّهُ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ، فَلَمّا أتَمَّ أنْكَرَ خَلُوفَ فِيهِ فَتَسَوَّكَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ كُنّا نَشُمُّ مِنكَ رائِحَةَ المِسْكِ فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشْرًا.
وَقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَخَلّى ثَلاثِينَ بِالصَّوْمِ والعِبادَةِ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةَ في العَشْرِ وكَلَّمَهُ فِيها.
﴿ وَقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي ﴾ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ.
﴿ وَأصْلِحْ ﴾ ما يَجِبُ أنْ يُصْلَحَ مِن أُمُورِهِمْ أوْ كُنْ مُصْلِحًا.
﴿ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ ولا تَتَّبِعْ مَن سَلَكَ الإفْسادَ ولا تُطِعْ مَن دَعاكَ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وإذ نجيناكم من آل فرعون} أنجاكم شامي {يسومونكم سوء العذاب} يبغونكم شدة العذاب من سام السلعة إذا طلبها وهو استئناف لا محل له أو حال من المخاطبين أو من آل فرعون {يقتّلون أبناءكم ويستحيون نساءكم} يعتلون نافع {وفي ذلكم} أي في الإنجاء أو في العذاب {بلآءٌ} نعمة أو محنة {مّن ربكم عظيم}
﴿ وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ وتَخْلِيصِكم مِنهُمْ، وإذْ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ لِ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَخْرُجُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، أيِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ ويَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ذِكْرِ ما فِيهِ، وإمّا ظَرْفٌ لِمَفْعُولِ اذْكُرُوا المَحْذُوفِ، أيِ اذْكُرُوا صَنِيعَنا مَعَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو تَذْكِيرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِنِعْمَتِهِ العَظِيمَةِ، وقُرِئَ (نَجَّيْناكُمْ) مِنَ التَّنْجِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (أنْجاكُمْ) فَيَكُونُ مِن مَقُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا كَذَلِكَ، عَلى أنَّ ضَمِيرَ أنْجَيْنا لِمُوسى وأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ أوْ لَهُما ولِمَن مَعَهُما، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُشِيرًا بِالتَّعْظِيمِ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الإنْجاءِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَتْمِيمًا لِكَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ فَضَّلَكُمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ﴾ أيْ: يُوَلُّونَكم ذَلِكَ ويُكَلِّفُونَكم إيّاهُ، إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فُعِلَ بِهِمْ أوْ مِمَّ أُنْجُوا؟
فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ، وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِنهُما مَعًا لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِهِما.
وقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن يَسُومُونَكم.
مُبَيِّنٌ لَهُ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ أيْضًا، ﴿ وفِي ذَلِكُمْ ﴾ الإنْجاءِ أوْ سُوءِ العَذابِ ﴿ بَلاءٌ ﴾ نِعْمَةٌ أوْ مِحْنَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُهُما.
﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِكم ﴿ عَظِيمٌ ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
وفي الآيَةِ التِفاتٌ عَلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الطَّلَبَ لَمْ يَكُنْ كَما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ عَنْ شَكٍّ مِنهم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما كانَ غَرَضُهم إلَهًا يُعَظِّمُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ بِتَعْظِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ بِالدِّيانَةِ، وكانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ كَما أذِنَتْ بِهِ الآياتُ، وقِيلَ: إنَّ غَرَضَهم عِبادَةُ الصَّنَمِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ رِدَّةً مِنهُمْ، وأيًّا ما كانَ فالقائِلُ بَعْضُهم لا كُلُّهُمْ، وقَدِ اتَّفَقَ في هَذِهِ الأُمَّةِ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْها أسْلِحَتَهم ويَعْكُفُونَ حَوْلَها يُقالُ لَها ذاتُ أنْواطٍ.
فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سُبْحانَ اللَّهِ» وفي رِوايَةٍ: «اللَّهُ أكْبَرُ»» هَذا كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةً، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: ««غَزْوَنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ الفَتْحِ ونَحْنُ ألْفٌ ونَيِّفٌ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى مَكَّةَ وحُنَيْنًا حَتّى إذا كُنّا بَيْنَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ في أرْضٍ فِيها سِدْرَةٌ عَظِيمَةٌ كانَ يُناطُ بِها السِّلاحُ فَسُمِّيَتْ ذاتَ أنْواطٍ، فَكانَتْ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرَفَ عَنْها في يَوْمٍ صائِفٍ إلى ظِلٍّ هو أدْنى مِنها.
فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّها السُّنَنُ قُلْتُمْ - والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ - كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ»».
وفِي هَذا الخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ القائِلَ رَجُلٌ واحِدٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ جَهْلٍ يُعْذَرُ بِهِ ولا يَكُونُ بِهِ كافِرًا وإلّا لَأمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَجْدِيدِ الإسْلامِ، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ، والنّاسُ اليَوْمَ قَدِ اتَّخَذُوا مِن قَبِيلِ ذاتِ الأنْواطِ شَيْئًا كَثِيرًا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الحَصْرِ، والآمِرُ بِالمَعْرُوفِ أعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، والِامْتِثالُ بِفَرْضِ الأمْرِ مَنُوطٌ بِالعَيُّوقِ، والأمْرُ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ.
<div class="verse-tafsir"
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يقول: مروا على قوم يعني: يعبدون الأصنام ويقومون على عبادتها، وكل من يلازم شيئاً ويواظب عليه يقال: عكفه.
ولهذا سمي الملازم للمسجد معتكفاً قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً قال الجهال من بني إسرائيل لموسى اجْعَلْ لَنا إِلهاً نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها قالَ لهم موسى: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ يعني: تكلمتم بغير علم وعقل، وجهلتم الأمر.
قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ يعني: مهلك مفسد ما هم فيه من عبادة الأصنام وَباطِلٌ يعني: ضلال مَا كانُوا يَعْمَلُونَ والتبار: الهلاك.
كقوله تعالى: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً [نوح: 28] أي: هلاكاً.
ثم قالَ لهم أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً يعني: أسوى الله آمركم أن تعبدوا وتتخذوا إلها وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ يعني: على عالمي زمانكم.
يعني: أنه قد أحسن إليكم فلا تعرفون إحسانه، وتطلبون عبادة غيره.
وهم الذين كانوا أجابوا السامري حين دعاهم إلى عبادة العجل بعد انطلاق موسى إلى الجبل.
ثم ذكر النعم فقال تعالى: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ من آل فرعون يعني: اذكروا حين أنجاكم الله من آل فرعون: وقرأ ابن عامر وإذْ أَنْجَاكُمْ يعني: اذكروا حين أنجاكم الله مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وقرأ الباقون وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ ومعناه مثل ذلك يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبونكم بأشد العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يعني: يستخدمون نساءكم وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي: الإنجاء نعمة من ربكم عظيمة.
ويقال: في قتل الأبناء واستخدام النساء بلية من ربكم عظيمة.
قرأ نافع يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ بنصب الياء مع التخفيف.
وقرأ الباقون بضم الياء وكسر التاء مع التشديد.
يُقَتِّلُونَ على معنى التكثير.
وقرأ حمزة والكسائي يَعْكِفُونَ بكسر الكاف وقرأ الباقون بالضم يعكفون.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ...
الآية: الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ كناية عن بني إسرائيل، ومَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا.
قال الحسنُ وغيره: هي الشامُ «١» .
وقالتْ فرقة: يريد الأرضَ كلَّها وهذا يتَّجه إِمَّا على المَجازِ لأنه ملَّكهم بلاداً كثيرة، وإِما على الحقيقة في أَنَّه ملك ذرِّيَّتهم، وهمْ سليمانُ بنُ دَاوُدٌ، ويترجَّح التأويل الأَول بوَصْف الأرض بأنها التي بَارَكَ فيها سبحانه.
وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى، أي: ما سبق لهم في علمه وكلامِهِ في الأزلِ من النَّجَاة من عدوِّهم، والظهور عليه قاله مجاهد «٢» ، ويَعْرِشُونَ قال ابن عباس «٣» ومجاهد «٤» : معناه: يبنون.
قال ع «٥» : رأيتُ للحسنِ البصريِّ رحمه اللَّه أنَّه احتجَّ بقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ...
إلى آخر الآية على أنه ينبغي أَلاَّ يخرج عن ملوك السُّوء، وإِنما ينبغي أنْ يُصْبَر عليهم فإِن اللَّه سبحانه «٦» يدمِّرهم، ورأَيْتُ لغيره أنه إذا قابل الناس البلاء بمثله، وَكَّلَهُمُ اللَّهُ إلَيْه، وإِذا قابلوه بالصبر، وانتظارِ الفَرَجِ، أتى اللَّه بالفَرَج، ورُوِي هذا أيضا عن الحسن «٧» .
وقوله سبحانه: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ: أي: بَحْرَ القُلْزُم، فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ، قيل: هم الكَنْعَانِيُّونَ.
وقيل: هم مِنْ لَخْم وجُذام، والقَوْمُ فى كلام العرب: هم الرجَالُ خاصَّة يَعْكُفُونَ، العُكُوفُ: الملازمة عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ، قيل كانت بقراً.
وقال ابن جُرَيْج: كانت تماثيلَ بقرٍ من حجارةٍ وعيدانٍ ونحوها، وذلك كان أوَّل فتنةِ العِجْل، وقولهُم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، يظهر منه استحسانهم لمَا رَأَوْه من تلك الآلهة بجهلهم فأرادوا أنْ يكون ذلك في شَرْع موسى، وفي جملة ما يُتقرَّبُ به إِلى اللَّه، وإِلاَّ فبعيدٌ أن يقولوا لموسَى: اجعل لنا صنماً نُفْرِدُهُ بالعبادة، ونَكْفُر بربِّك وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي نصّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قَوْلِ أَبي واقِدٍ اللِّيْثِّي اجعل لَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذات أنواط «١» ، فأنكره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَر!
قُلْتُمْ واللَّهَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ: لَتَّتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ ...
»
الحديث «٢» ، ولم يقصد أبو واقدٍ بمقالته فساداً، وقال بعضُ الناسَ كان ذلك من بني إسرائيل كفراً، ولفظةً «الإله» تقتضي ذلك، وهذا محتملٌ، وما ذكرتُهُ أولاً أصحُّ، واللَّه أعلم.
قلتُ: وقولهم: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [طه: ٨٨] ، وجواب موسى هنا يقوِّي الاحتمال الثاني، نعم: الَّذي يجب أن يعتقد أنَّ مِثْلَ هذه المقالاتِ إنما صدرت من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أنْجَيْناكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَإذا أنْجاكُمْ" عَلى لَفْظِ الغائِبِ المُفْرَدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ أغَيْرَ اللهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ أعْلَمَهم مُوسى عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِفَسادِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَزُولَ ما اسْتَحْسَنُوهُ مِن حالِهِمْ فَقالَ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ ﴾ إشارَةً إلى أُولَئِكَ القَوْمِ، ﴿ مُتَبَّرٌ ﴾ أيْ مَهْلَكٌ مُدَمَّرٌ رَدِيءُ العاقِبَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والتَبارُ: الهَلاكُ وسِوى العُقْبى، وإناءٌ مُتَبَّرٌ أيْ مَكْسُورٌ وكِسارَتُهُ تِبْرٌ، ومِنهُ تِبْرُ الذَهَبِ لِأنَّهُ كُسارَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما هم فِيهِ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ حالِهِمْ، ﴿ وَباطِلٌ ﴾ مَعْناهُ: فاسِدٌ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أغَيْرَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُوقِفَهم ويُقْرِرَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مِن تِلْقائِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وَ ﴿ أبْغِيكُمْ ﴾ مَعْناهُ: أطْلُبُ لَكُمْ، مِن بَغَيْتُ الشَيْءَ إذا طَلَبْتَهُ، و"غَيْرَ" مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، هَذا هو الظاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قالَ أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللهِ؟
فَهي في مَكانِ الصِفَةِ، فَلَمّا قُدِّمَتْ نُصِبَتْ عَلى الحالِ، و ﴿ العالَمِينَ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ يُرادُ بِهِ تَخْصِيصُ عالَمِ زَمانِهِمْ، لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أفْضَلُ مِنهم بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ مِنهم فَإنَّهم فُضِّلُوا في ذَلِكَ عَلى العالَمِينَ بِالإطْلاقِ.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ النِعَمَ الَّتِي يَجِبُ مِن أجْلِها ألّا يَكْفُرُوا بِهِ ولا يَرْغَبُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَجَّيْناكُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْجَيْناكُمْ" وقَدْ تَقَدَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَإذْ أنْجاكُمْ" أيْ: أنْجاكُمُ اللهُ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: يُحَمِّلُونَكم ويُكَلِّفُونَكُمْ، تَقُولُ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، ونَحْوَ هَذا، ومُساوَمَةُ البَيْعِ يَنْظُرُ إلى هَذا وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَساوِمِينَ يُكَلِّفُ صاحِبَهُ إرادَتَهُ، ثُمَّ فُسِّرَ سُوءُ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ( يُقَتِّلُونَ ويَسْتَحْيُونَ )، و"بَلاءٌ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: اخْتِبارٌ وامْتِحانٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِهِ إلى التَنْجِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وفي تَنْجِيَتِكُمُ امْتِحانٌ لَكم واخْتِبارٌ، هَلْ يَكُونُ مِنكم وفاءٌ بِحَسَبِ النِعْمَةِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآياتُ خاطَبَ بِها مُوسى مَن حَضَرَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: بَلْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ تَقْرِيعًا لَهم بِما فُعِلَ بِأوائِلِهِمْ وبِما جازَوْا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.
<div class="verse-tafsir"
من تتمة كلام موسى عليه السلام كما يقتضيه السياق، ويعضده قراءة ابن عامر: ﴿ واذ أنجاكم ﴾ والمعنى: أأبتغي لكم إلاهاً غير الله في حال أنه فضلكم على العالمين، وفي زمان أنجاكم فيه من آل فرعون بواسطتي، فابتغاء إلاه غيره كفران لنعمته، فضمير المتكلم المشارَك يعود إلى الله وموسى، ومعاده يدل عليه قوله: ﴿ أغير الله أبغيكم إلاهاً ﴾ [الأعراف: 140].
ويجوز أن يكون هذا امْتناناً من الله اعترضه بين القصة وعدَةِ موسى عليه السلام انتقالاً من الخبر والعبرة إلى النعمة والمنة، فيكون الضمير ضَمير تعظيم، وقرأ الجمهور: ﴿ أنجيناكم ﴾ بنون المتكلم المشارك، وقرأه ابن عامر: ﴿ وإذ أنجاكم ﴾ على إعادة الضمير إلى الله في قوله: ﴿ أغير الله أبغيكم إلاهاً ﴾ [الأعراف: 140]، وكذلك هو مرسوم في مصحف الشام فيكون من كلام موسى وبمجموع القراءتين يحصُل المعنيان.
و ﴿ إذ ﴾ اسم زمان، وهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: واذكروا.
واختار الطبري وجماعة أن يكون قوله: ﴿ وإذ أنجيناكم ﴾ خطاباً لليهود الموجودين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم فيكون ابتداء خطاب افتتح بكلمة (إذ)، والتعريض بتذكير المشركين من العرب قد انتهى عند قوله: ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ [الأعراف: 140] وسورة الأعراف مكية ولم يكن في المكي من القرآن هو مجادلة مع اليهود.
وقوله: ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ إلى آخر الآية تقدم تفسير مشابهتها في سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ قالَ هَذا يُذَكِّرُ بِالنِّعْمَةِ.
﴿ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ﴾ أيْ أشَدَّ العَذابِ.
﴿ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ أيْ يَقْتُلُونَ أبْناءَكم صِغارًا ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم لِلِاسْتِرْقاقِ والِاسْتِخْدامِ كِبارًا.
﴿ وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ما فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ بِكم مِن قَتْلِ الأبْناءِ واسْتِرْقاقِ النِّساءِ بَلاءٌ عَلَيْكم عَظِيمٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ ابْتِلاءٌ لَكم واخْتِبارٌ عَظِيمٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
والثّالِثُ: أنَّ في خَلاصِكم مِن ذَلِكَ بَلاءٌ عَظِيمٌ، أيْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴾ قال: على لخم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴾ قال: هم لخم وجذام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴾ قال: تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فلذلك كان أول شأن العجل لتكون لله عليهم حجة فينتقم منهم بعد ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ قال: يا سبحان الله...
!
قوم أنجاهم الله من العبودية، وأقطعهم البحر، وأهلك عدوهم، وأراهم الآيات العظام، ثم سألوا الشرك صراحية.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة فقلت: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ونحن ألف ونيف، ففتح الله له مكة وحنينا، حتى إذا كنا بين حنين والطائف مررنا بشجرةٍ دنوا عظيمة سدرة كان يناط بها السلام فسميت ذات أنواط، وكانت تُعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله صلى عليه وسلم صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها، فقال له رجل يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال رسول الله صلى عليه وسلم «إنها السنن قلتم.
والذي نفس محمد بيده كما قالت بنو إسرائيل ﴿ اجعل لنا آلهاً كما لهم آلهة ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ متبر ﴾ قال: خسران.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ متبر ﴾ قال: هالك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ﴾ قال: المتبر المخسر، وقال المتبر والباطل سواء كله واحد كهيئة غفور رحيم، والعرب تقول: إنه البائس المتبر، وإنه البائس المخسر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .
مفسر إلى آخر الآية في سورة البقرة (١) (١) انظر: "البسيط" البقرة: 49.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ ﴾ هم بنوا إسرائيل ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ الشام ومصر ﴿ باركنا فِيهَا ﴾ أي بالخصب وكثرة الأرزاق ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ ﴾ أي تمت لهم واستقرت، والكلمة هنا ما قضى لهم في الأزل، وقيل هي قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ أي يبنون، وقيل: هي الكروم وشبهها فهو على الأوّل من العرش وعلى الثاني من العريش ﴿ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها ﴾ أي اجعل لنا صنماً نبعده كما يعبد هؤلاء أصنامهم ولما تم خبر موسى مع فرعون ابتدأ خبره مع بني إسرائيل من هنا إلى قوله: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل ﴾ [الأعراف: 171] ﴿ مُتَبَّرٌ ﴾ من التبار وهو الهلاك ﴿ وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين ﴾ وما بعده مذكور في [البقرة: 47].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.
الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.
الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.
الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.
﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.
التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.
وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.
والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.
قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.
وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.
وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.
ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.
وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.
ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.
فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.
ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.
عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.
وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.
فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.
ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .
و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.
ثم حكى ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.
فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.
قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.
والسنون من الجموع المصححة الشاذة.
عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.
وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.
قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.
قال القاضي: في الآية دلالة على أنه أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.
وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.
وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟
﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.
وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.
وكان النبي يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.
قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.
ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.
وقد تشاءمت اليهود بالنبي وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.
قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.
وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.
ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.
﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.
وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.
قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.
وقيل: هو الموتان.
وقيل: الطاعون.
والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.
فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.
وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.
فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.
وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.
وقيل: البراغيث.
وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.
وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.
وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.
فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.
فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.
وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.
وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.
وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.
ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.
ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.
وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.
أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.
ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.
وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.
ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.
وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.
وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.
قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ﴾ إلى تمام الآيتين.
ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.
وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.
وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.
وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.
ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.
ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.
وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.
وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.
وعن علي أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.
ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.
﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.
وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.
﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.
وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.
قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.
ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.
والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.
وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.
التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.
﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.
وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.
﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.
يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.
﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ ﴾ .
دل هذا على أن لله في فعل العباد صنعاً وفعلاً؛ حيث أضاف ونسب المجاوزة إلى نفسه، وهم الذين جاوزوا البحر، دل أن له في فعلهم صنعاً، وهذا ينقض على المعتزلة حيث أنكروا خلق أفعال العباد، وبالله المعونة والعصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾ .
العكوف: هو المقام والدوام، وقوله: ﴿ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾ ، أي: وجدوهم عكوفاً على عبادة الأصنام مقيمين على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً ﴾ .
يشبه أن يكون سؤالهم إلهاً يعبدونه لا على الكفر بربهم والتكذيب لرسوله، ولكن لما لم يروا أنفسهم أهلاً للعبادة لله، والخدمة له؛ لما رأوا في الشاهد أنه لا يخدم الملوك إلا الخواص لهم، والمقربون إليهم، ومن بعد منهم يخدم خواصهم، فعلى ذلك هؤلاء سألوا موسى إلهاً يعبدونه؛ لما لم يروا أنفسهم أهلاً لعبادة الله، والخدمة له؛ لتقربهم عبادة تلك الأصنام إلى الله، ويخرج ذلك مخرج التعظيم لله والتبجيل، لا على الكفر وصرف العبادة عنه إلى غيره، وكذلك كان عادة العرب أنهم كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم عبادتها إلى الله زلفى، وكذلك ما ذكر في بعض القصّة أن فرعون كان يتخذ لقومه أصناماً يعبدونها؛ لتقربهم تلك الأصنام إليه زلفى، فعلى ذلك سؤال هؤلاء لموسى: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً ﴾ ، والله أعلم.
أو كان سؤالهم ذلك لما لم يروا في الشاهد أحداً يخدم إلا لحاجة تقع له إلى ذلك، فرأوا أن الله يتعالى [عن] أن يعبد ويخدم للحاجة، و [هم] يخدمون القادة والرسل ويعبدونهم لما رأوا [أنهم] ينالون من النعم، وأنواع المنافع من الرؤساء والكبراء؛ لذلك كانوا يخدمونهم، وأما أهل التوحيد فإنهم لا يرون العبادة لغير الله؛ لأنه ما من أحد وإن بعد منزلته ومحله إلا وآثار نعم الله عليه ظاهرة حتى عرف ذلك كل أحد، حتى لو بذل له جميع حطام الدنيا، أو أوعد بكل أنواع الوعيد؛ ليترك الدين الذي هو عليه، ما تركه ألبتة.
وفي أمر موسى - صلوات الله عليه - خصلتان، إحداهما: أن يعلم أن كيف يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وكيف يعامل مرتكب الفسق والمنكر يعامل على ما عامل موسى قومه باللين والشفقة، وإن استقبلوه بالعظيم من الأمر والمناكير.
والثانية: [....].
ويحتمل أن يكون سؤالهم إلهاً يعبدونه لما أن أهل الكفر قالوا لهم: إن الرسل هم الذين أمروهم بعبادة الأصنام؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ فعلى ما قالوا إن الرسل هم الذين أمروهم بذلك، سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة.
وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ ﴾ .
أي: أن عبادتهم لهؤلاء متبر، أي: مهلكهم ومفسدهم.
﴿ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: باطل ما يأملون بعبادتهم هؤلاء.
وقال القتبي: التبار: الهلاك، وقال أبو عوسجة: المتبر: المفسد، يقال: تبرت الشيء، أي أفسدته، ويقال: رجل متبر، أي مفسد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: فضلكم على العالمين بما هداكم ووفقكم للهداية بما لم يوفق ولم يهد أحداً من [العالمين] من عالمي زمانكم.
ويحتمل قوله: ﴿ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً ﴾ دونه وقد فضلكم بما استنقذكم من اسخدام فرعون وقهره إياكم وإخراجكم من يده، وأعطاكم رسولاً يبين لكم عبادة إلهكم الحق.
وقوله: ﴿ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ ﴾ يقول: أما تستحيون [من] ربكم أن تسألوا إلهاً تعبدونه دونه، وقد فضلكم بما ذكر من أنواع النعم، والله أعلم، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ ...
﴾ الآية، يذكرهم نعمه عليهم بما استنقذهم من فرعون وآله وأهلكهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ .
قيل: يعذبونكم ﴿ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ قتل الأبناء، واستحياء النساء، فذلك قوله: ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ ، قيل في ذلك: يعني فيما أنجاكم من آل فرعون بلاء من ربكم عظيم، يعني: نعمة من ربكم عظيمة، ويقال: البلاء - بالمد -: هو النعمة، وبغير المدّ مقصوراً: الشدّة.
<div class="verse-tafsir"
واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أنجيناكم بإنقاذكم من استذلال فرعون وقومه لكم، إذ كانوا يذيقونكم أنواع الهوان من تقتيل أبنائكم الذكور، واستبقاء نسائكم للخدمة، وفي إنقاذكم من فرعون وقومه اختبار عظيم من ربكم يقتضي منكم الشكر.
<div class="verse-tafsir" id="91.xDWGJ"