الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٥١ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فعند ذلك قال موسى : ( رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يرحم الله موسى ، ليس المعاين كالمخبر ; أخبره ربه ، عز وجل ، أن قومه فتنوا بعده ، فلم يلق الألواح ، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح "
القول في تأويل قوله : قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال موسى، لما تبين له عذر أخيه, وعلم أنه لم يفرط في الواجب الذي كان عليه من أمر الله، في ارتكاب ما فعله الجهلة من عبدة العجل: " رب اغفر لي"، مستغفرًا من فعله بأخيه, ولأخيه من سالفٍ سلف له بينه وبين الله: (24) تغمد ذنوبنا بستر منك تسترها به (25) = " وأدخلنا في رحمتك "، يقول: وارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين, فإنك أنت أرحم بعبادك من كل من رحم شيئًا.
------------------ الهوامش : (24) (1) في المطبوعة : (( من سالف له )) ، أسقط (( سلف )) ، وهي من المخطوطة .
(25) (2) انظر تفسير (( المغفرة )) فيما سف من فهارس اللغة ( غفر ) .
لا يوجد تفسير لهذه الأية
فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير.
و قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي هارون وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين، من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور.
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
( قال ) موسى لما تبين له عذر أخيه ، ( رب اغفر لي ) ما صنعت إلى أخي ، ( ولأخي ) إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل ، ( وأدخلنا ) جميعا ( في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) .
«قال رب اغفر لي» ما صنعت بأخي «ولأخي» أشركه في الدعاء إرضاءً له ودفعا للشماتة به «وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين» قال تعالى.
قال موسى لما تبين له عذر أخيه، وعلم أنه لم يُفَرِّط فيما كان عليه من أمر الله: ربِّ اغفر لي غضبي، واغفر لأخي ما سبق بينه وبين بني إسرائيل، وأدخلنا في رحمتك الواسعة، فإنك أرحم بنا من كل راحم.
وهنا اقتنع موسى - عليه السلام - ببراءة هارون من مغبة التقصيرفقال :( رَبِّ اغفر لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين ) أى : قال موسى ليرضى أخاه ، وليظهر لأهل الشماتة رضاه عنه بعد أن ثبتت براءته : رب اغفر لى ما فرط منى من قول أو فعل فيه غلظة على أخى .واغفر له كذلك ما عسى أن يكون قد قصر فيه مما أنت أعلم به منى ، وأدخلنا فى رحمتك التى وسعت كل شىء فأنت أرحم بعبادك من كل راحم .وبهذا يكون القرآن الكريم قد برأ ساحة هارون من التقصير ، وأثبت أنه قد عرض نفسه للأذى فى سبيل أن يصرف عابدى العجل عن عبادته وفى ذلك تصحيح لما جاء فى التوراة ( الفصل الثانى والثلاثين من سفر الخروج ) من أن هارون - عليه السلام - هو الذى صنع العجل لبنى إسرائيل ليعبدوه فى غيبة موسى - عليه السلام - .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا ﴾ لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل، ولا يوجب ذلك لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك، فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم: إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك.
وقال أبو مسلم: بل كان عارفاً بذلك من قبل، وهذا أقرب، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا ﴾ يدل على أنه حال ما كان راجعاً كان غضبان أسفاً، وهو إنما كان راجعاً إلى قومه قبل وصوله إليهم، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالماً بهذه الحالة.
الثاني: أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات.
المسألة الثانية: في الأسف قولان: الأول: أن الأسف الشديد الغضب، وهو قول أبي الدرداء وعطاء، عن ابن عباس واختيار الزجاج.
واحتجوا بقوله: ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ ﴾ أي أغضبونا.
والثاني: وهو أيضاً قول ابن عباس والحسن والسدي، إن الآسف هو الحزين.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن أبا بكر رجل أسيف أي حزين.
قال الواحدي: والقولان متقاربان، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت.
فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل، أسفاً حزيناً، لأن الله تعالى فتنهم.
وقد كان تعالى قال له: ﴿ إِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ .
أما قوله: ﴿ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى ﴾ فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل، وهم: هارون عليه السلام والمؤمنون معه، ويدل عليه قوله: ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى ﴾ وعلى التقدير الأول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، وعلى هذا التقدير الثاني، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أين ما يقتضيه بئس من الفاعل، والمخصوص بالذم.
والجواب: الفاعل مضمر يفسره قوله: ﴿ مَا خَلَفْتُمُونِى ﴾ والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.
السؤال الثاني: أي معنى لقوله: ﴿ مِن بَعْدِى ﴾ بعد قوله: ﴿ خَلَفْتُمُونِى ﴾ .
والجواب: معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله تعالى، ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين.
وأما قوله: ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ ﴾ فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة، لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته.
هكذا قاله الواحدي.
ولقائل أن يقول: لو كانت العجلة مذمومة، فلم قال موسى عليه السلام: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى ﴾ قال ابن عباس: المعنى ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ ﴾ يعني ميعاد ربكم فلم تصبروا له؟
وقال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة، فقد مات.
وقال عطاء: يريد أعجلتم سخط ربكم؟
وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم، ولما ذكر تعالى أن موسى رجع غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجباً له، وهو أمران: الأول: أنه قال: ﴿ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ ﴾ يريد التي فيها التوراة، ولما كانت تلك الألواح أعظم معاجزه، ثم أنه ألقاها دل ذلك على شدة الغضب، لأن المرء لا يقدم على مثل هذا العمل إلا عند حصول الغضب المدهش.
روي أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد.
وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله أخي موسى ليس الخبر كالمعاينة لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه على ذلك متمسك بما في يده».
ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فأما أنه ألقاها بحيث تكسرت، فهذا ليس في القرآن وأنه لجراءة عظيمة على كتاب الله، ومثله لا يليق بالأنبياء عليهم السلام.
والأمر الثاني: من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب.
قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَى الألواح وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ وفي هذا الموضع سؤال لمن يقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ذكرناه في سورة طه مع الجواب الصحيح، وبالجملة فالطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه على سبيل الإهانة والاستخفاف، والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا إنه جر رأس أخيه إلى نفسه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة.
فإن قيل: فلماذا قال: ﴿ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفونى ﴾ .
قلنا: الجواب عنه أن هرون عليه السلام خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى عليه السلام غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة العجل، فقال له ﴿ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفونى ﴾ وما أطاعوني في ترك عبادة العجل، وقد نهيتهم ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم بهم عن هذا العمل، فلا تفعل بي ما تشمت أعدائي به فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام.
وأما قوله تعالى: ﴿ ابن أُمَّ ﴾ فاعلم أنه قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ ابن أُمَّ ﴾ بكسر الميم، وفي طه مثله على تقدير (أمي) فحذف ياء الإضافة لأن مبنى النداء على الحذف وبقي الكسر على الميم ليدل على الإضافة، كقوله: ﴿ ياعِبَادِ ﴾ والباقون بفتح الميم في السورتين، وفيه قولان: أحدهما: أنهما جعلا اسماً واحداً وبنى لكثرة أصطحاب هذين الحرفين فصار بمنزلة اسم واحد نحو حضرموت وخمسة عشر.
وثانيهما: أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الإضافة، وأصله يا ابن أما كما قال الشاعر: يا ابنة عما لا تلومي واهجعي *** وقوله: ﴿ إِنَّ القوم استضعفونى ﴾ أي لم يلتفتوا إلى كلامي وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء يعني أصحاب العجل ولا تجعلني مع القوم الظالمين، الذين عبدوا العجل أي لا تجعلني شريكاً لهم في عقوبتك لهم على فعلهم، فعند هذا قال موسى عليه السلام: ﴿ رَبّ اغفر لِي ﴾ أي فيما أقدمت عليه من هذا الغضب والحدة ﴿ وَلأَخِي ﴾ في تركه التشديد العظيم على عبدة العجل ﴿ وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين ﴾ .
واعلم أن تمام هذه السؤالات والجوابات في هذه القصة مذكور في سورة طه.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الأسِف: الشديد الغضب ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ ﴾ [الزخرف: 55] وقيل: هو الحزين ﴿ خَلَفْتُمُونِى ﴾ قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي.
وهذا الخطاب إما أن يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل وهم هارون عليه السلام والمؤمنون معه.
ويدلّ عليه قوله: ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى ﴾ [الأعراف: 142] والمعنى: بئس ما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، أو حيث لم تكفوا من عبد غير الله.
فإن قلت: أين ما تقتضيه بئس من الفاعل والمخصوص بالذم؟
قلت: الفاعل مضمر يفسره ما خلفتموني.
والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خلافتكم.
فإن قلت: أي معنى لقوله: ﴿ مِن بَعْدِى ﴾ بعد قوله: ﴿ خلفتموني ﴾ ؟
قلت: معناه من بعد ما رأيتم مني، من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، وإخلاص العبادة له.
أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد.
وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر، حين قالوا: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ [الأعراف: 128] ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه.
ونحوه: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ [الأعراف: 169] أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة يقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام، ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره، ويضمن معنى سبق فيتعدّى تعديته، فيقال عجلت الأمر، والمعنى أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولن أرجع إليكم فحدَّثتم أنفسكم بموتي، فغيّرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم.
وروي: أنّ السامري قال لهم- حين أخرج لهم العجل وقال هذا إلهكم وإله موسى-: إنَّ موسى لن يرجع، وإنه قد مات وروي: أنهم عدّوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين، ثم أحدثوا ما أحدثوا ﴿ وَأَلْقَى الالواح ﴾ وطرحها لما لحقه من فرط الدهش وشدّة الضجر عند استماعه حديث العجل، غضباً لله وحمية لدينه، وكان في نفسه حديداً شديد الغضب، وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.
وروي: أنّ التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي منها سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ أي بشعر رأسه ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ بذؤابته وذلك لشدّة ما ورد عليه من الأمر الذي استفزه وذهب بفطنته، وظناً بأخيه أنه فرط في الكف ﴿ ابن أُمَّ ﴾ قرئ بالفتح تشبيهاً بخمسة عشر، وبالكسر على طرح ياء الإضافة.
﴿ وابن أمي ﴾ ، وبالياء.
﴿ وابن إمِّ ﴾ ، بكسر الهمزة والميم.
وقيل: كان أخاه لأبيه وأمّه، فإن صحّ فإنما أضافه إلى الأم، إشارة إلى أنهما من بطن واحد.
وذلك أدعى إلى العطف والرقة، وأعظم للحق الواجب، ولأنها كانت مؤمنة فاعتدّ بنسبها، ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها ﴿ إِنَّ القوم استضعفوني ﴾ يعني أنه لم يأل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار.
وبما بلغته طاقته من بذل القوة في مضادّتهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلاّ أن يقتلوه ﴿ يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الاعداء ﴾ فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إليّ، وقرئ: ﴿ فلا يشمت بي الأعداء ﴾ ، على نهي الأعداء عن الشماتة.
والمراد أن لا يحل به ما يشمتون به لأجله ﴿ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين ﴾ ولا تجعلني في موجدتك عليّ وعقوبتك لي قريناً لهم وصاحباً.
أو ولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم.
لما اعتذر إليه أخوه وذكر له شماتة الأعداء ﴿ قَالَ رَبّ اغفر لِى وَلاخِى ﴾ ليرضي أخاه ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه فلا تتم لهم شماتتهم، واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة.
وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ شَدِيدَ الغَضَبِ وقِيلَ حَزِينًا.
﴿ قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ فَعَلْتُمْ بَعْدِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ، والخِطابُ لِلْعَبَدَةِ أوْ أقَمْتُمْ مَقامِي فَلَمْ تَكُفُّوا العَبَدَةَ والخِطابُ لِهارُونَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، وما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ تُفَسِّرُ المُسْتِكِنَّ في بِئْسَ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكم، ومَعْنى مِن بَعْدِي مِن بَعْدِ انْطِلاقِي، أوْ مِن بَعْدِ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والحَمْلِ عَلَيْهِ والكَفِّ عَمّا يُنافِيهِ.
﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ أتَرَكْتُمُوهُ غَيْرَ تامٍّ، كَأنَّهُ ضِمْنُ عِجْلٍ مَعْنى سَبَقَ فَعَدّى تَعْدِيَتَهُ، أوْ أعْجَلْتُمْ وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَنِيهِ مِنَ الأرْبَعِينَ وقَدَّرْتُمْ مَوْتِي وغَيَّرْتُمْ بَعْدِي كَما غَيَّرَتِ الأُمَمُ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ.
﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ طَرَحَها مِن شِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجَرِ حَمِيَّةً لِلدِّينِ.
رُوِيَ: أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ سَبْعَةَ أسْباعٍ في سَبْعَةِ ألْواحٍ فَلَمّا ألْقاها انْكَسَرَتْ فَرَفَعَ سِتَّةَ أسِباعِها وكانَ فِيها تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ وبَقِيَ سُبُعٌ كانَ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ.
﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ﴾ بِشَعْرِ رَأْسِهِ.
﴿ يَجُرُّهُ إلَيْهِ ﴾ تَوَهُّمًا بِأنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ، وهارُونُ كانَ أكْبَرَ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ وكانَ حَمُولًا لَيِّنًا ولِذَلِكَ كانَ أحَبَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ قالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ ذَكَرَ الأُمَّ لِيُرَقِّقَهُ عَلَيْهِ وكانا مِن أبٍ وأُمٍّ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا وفي « طَهَ» « يا ابْنَ أُمِّ» بِالكَسْرِ وأصْلُهُ يا ابْنَ أُمِّي فَحُذِفَتِ الياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ تَخْفِيفًا كالمُنادى المُضافِ إلى الياءِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ لِطُولِهِ أوْ تَشْبِيهًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ.
﴿ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي ﴾ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ التَّقْصِيرِ في حَقِّهِ، والمَعْنى بَذَلْتُ وُسْعِي في كَفِّهِمْ حَتّى قَهَرُونِي واسْتَضْعَفُونِي وقارَبُوا قَتْلِي.
﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ فَلا تَفْعَلْ بِي ما يَشْمَتُونَ بِي لِأجْلِهِ.
﴿ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ بِالمُؤاخَذَةِ أوْ نِسْبَةِ التَّقْصِيرِ.
﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ بِما صَنَعْتُ بِأخِي.
﴿ وَلأخِي ﴾ إنْ فَرَّطَ في كَفِّهِمْ ضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ في الِاسْتِغْفارِ تَرْضِيَةً لَهُ ودَفْعًا لِلشَّماتَةِ عَنْهُ.
﴿ وَأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ ﴾ بِمَزِيدِ الإنْعامِ عَلَيْنا.
﴿ وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ فَأنْتَ أرْحَمُ بِنا مِنّا عَلى أنْفُسِنا.
<div class="verse-tafsir"
فلما اتضح له عذر أخيه {قال ربّ اغفر لي ولأخي} ليرضي أخاه وينفي الشماتة عنه باشراكه معه فى الدعاء والمعنى لاغفر لي ما فرط مني في حق أخي وأخى إن كان فرط فى حسن الخفلاة {وأدخلنا في رحمتك} عصمتك في الدنيا وجنتك فى الارخرة {وأنت أرحم الراحمين}
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ الِاعْتِذارِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اعْتِذارِ أخِيهِ؟
فَقِيلَ: قالَ: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ ما فَعَلْتُ بِأخِي قَبْلَ جَلِيَّةِ الحالِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.
﴿ ولأخِي ﴾ إنْ كانَ اتَّصَفَ بِما يُعَدُّ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ في أمْرِ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ، وفي هَذا الضَّمِّ تَرْضِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفْعٌ لِلشَّماتَةِ عَنْهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ لِيُرْضِيَ أخاهُ ويُظْهِرَ لِلشّامِتِينَ رِضاهُ لِئَلّا تَتِمَّ شَماتَتُهم بِهِ ولِأخِيهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى الِاسْتِغْفارِ حَيْثُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُقاتِلَهم لِي فِيهِ تَوَقُّفٌ لا يَخْفى وجْهُهُ.
﴿ وأدْخِلْنا ﴾ جَمِيعًا.
﴿ فِي رَحْمَتِكَ ﴾ الواسِعَةِ بِمَزِيدِ الإنْعامِ عَلَيْنا، وهَذا ما يَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِالمَغْفِرَةِ، والعُدُولُ عَنِ ارْحَمْنا إلى ما ذُكِرَ ﴿ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ فَلا غَرْوَ في انْتِظامِنا في سِلْكِ رَحْمَتِكَ الواسِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَجابَ دُعاءَهُ وفِيهِ خَفاءٌ.
<div class="verse-tafsir"
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ يعني: من بعد انطلاقه إلى الجبل، وذلك أن موسى- - لما وعد لقومه ثلاثين يوماً فتأخر عن ذلك، قال السامري لقوم موسى: إنكم أخذتم الحلي من آل فرعون، فعاقبكم الله تعالى بتلك الخيانة، ومنع الله عنا موسى.
فاجمعوا الحلي الذي أخذتم من آل فرعون حتى نحرقها، فلعل الله تعالى يرد علينا موسى فجمعوا الحلي وكان السامري صائغاً، فجعل الحلي في النار واتخذ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ وقد كان رأى جبريل على فرس الحياة، فكلما وضع الفرس حافره ظهر النبات في موضع حافره.
فأخذ كفاً من أثر حافره من التراب وألقى ذلك التراب في العجل.
فصار العجل من حليهم عجلا جسدا.
قال الزجاج: الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط.
وروي عن ابن عباس قال صار عجلاً له لحم ودم وله خوار يعني: صوت مثل صوت العجل ولم يسمع منه إلا صوت واحد.
وقال بعضهم: سمع منه صوت ولم يسمع منه إلا مثل صوت العجل.
وقال بعضهم: جعله مشتبكاً فدخل فيه الريح فسمع منه صوت مثل صوت العجل.
فقال لقومه: هذا إلهكم وإله موسى، فاغترّ به الجهال من بني إسرائيل وعبدوه.
قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ يعني: لا يقدر على أن يكلمهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا يعني: لا يرشدهم طريقاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ يعني: كافرين بعبادتهم.
وقرأ حمزة والكسائي مِنْ حُلِيِّهِمْ بكسر الحاء.
وقرأ الباقون مِنْ حُلِيِّهِمْ بضم الحاء.
فمن قرأ بالكسر فهو اسم لما يحسن به من الذهب والفضة.
ومن قرأ بالضم، فهو جمع الحَلْي ويقال: كلاهما جمع الحَلْي وأصله الضم إلا أن من كسر فلاتباع الكسرة بالكسرة.
قوله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ يعني: ندموا على ما صنعوا.
يقال: سقط في يده إذا ندم.
وأصله أن الإنسان إذا ندم جعل يده على رأسه.
وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا أي علموا أنهم قد ضلوا عن الهدى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا قرأ حمزة والكسائي لَئِن لَّمْ ترحمنا بالتاء على معنى المخاطبة رَبَّنَا بالنصب يعني: يا ربنا.
وقرأ الباقون لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا بالياء وضم الياء على معنى الخبر.
وَيَغْفِرْ لَنا بعد التوبة عطف على قوله لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني: من المغبونين.
قوله تعالى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ يعني: من الجبل غَضْبانَ أَسِفاً يعني: حزيناً.
ويقال: الأسف في اللغة شدة الغضب.
ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: 55] ويقال: أشد الحزن كقوله: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84] قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي يعني: بعبادة العجل يعني: بئسما فعلتم في غيبتي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يعني: استعجلتم ميعاد ربكم.
ويقال: أعصيتم أمر ربكم.
ويقال: معناه أَعَجِلْتُمْ بالفعل الذي استوجبتم به عقوبة ربكم وَأَلْقَى الْأَلْواحَ من يده.
قال الكلبي: انكسرت الألواح وصعد عامة الكلام الذي كان فيها من كلام الله تعالى إلى السماء.
وقال بعضهم: هذا الكلام في ظاهره غير سديد.
لأن الكلام صفة والصفة لا تفارق الموصوف.
فلا يجوز أن يقال: الكلام يصعد ويذهب.
ولكن تأويله أن الألواح لما انكسرت ذهب أثر المكتوب منها وهذا إذا كان غير الأحكام.
وأما الأحكام أيضاً فلا يجوز أن تذهب عنه وإنما أراد بذلك حجة عليهم.
وروي في الخبر: أن الله تعالى أخبر موسى أن قومه عبدوا العجل.
قال موسى: يا رب من اتخذ لهم العجل؟
قال: السامري.
قال: ومن جعل فيه الروح؟
قال: أنا.
قال: فأنت فتنت قومي؟.
قال له ربه: تركتهم لمرادهم.
وروي عن رسول الله أنه قال: «لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ» .
لما أخبر الله تعالى بأن قومه قد عبدوا العجل لم يلق الألواح.
فلما عاين ألقى الألواح.
ثم قال: وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يعني: أخذ بشعر رأسه ولحيته يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ يعني: قال له هارون: يا ابن أمي لا تأخذ بلحيتي.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: يا ابْنَ أُمَّ بنصب الميم.
وقرأ الباقون بالكسر.
وهكذا في سورة طه فمن قرأ بالنصب جعله كاسم واحد كأنه يقول يا ابن أماه.
كما يقال: يا ويلتاه ويا حسرتاه.
ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.
وكان موسى أخاه لأبيه وأمه.
ولكن ذكر الأم ليرفعه عليه.
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي يعني: قهروني واستذلوني وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي يعني: هموا بقتلي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ يعني: لا تفرح عليّ أعدائي يعني: الشياطين ويقال: أصحاب العجل وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: لا تظنن أني رضيت بما فعلوا.
قال موسى: رَبِّ اغْفِرْ لِي بما فعلت بأخي هارون ويقال: لإلقاء الألواح وَاغفر لِأَخِي ما كان منه من التقصير في تركهم على عبادة العجل وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ يعني: جنتك وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يعني: أنت أرحم بنا منا بأنفسنا.
وقال الحسن: يعني أنت أرحم بنا من الأبوين.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
المعنى مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنى في هذه الآية: سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَلاَّ يؤمنوا، وقوله: ذلِكَ: إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ...
الآية: هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديد.
وقوله سبحانه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ:
الخُوَارُ: صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة: «لَهُ جُؤَارٌ» - بالجيم-، أيْ: صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد اعتقادهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ...
الآية: وقوله:
وَكانُوا ظالِمِينَ: إِخبارٌ عن جميع أحوالهم ماضياً، وحالاً، ومستقبلاً، وقد مَرَّ في «البقرة» قصَّة العِجْلِ فأغنى عن إِعادته.
قال أبو عُبَيْدة: يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه: سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسى، وتَغَيُّرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر.
وقوله سبحانه: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، يريد: رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ: قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا.
وعبارةُ ص: غَضْبانَ: صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غليان القلب بسبب ما يؤلم وأَسِفاً: مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل: آسِف على وزن فَاعِل، والأَسَفُ: الحزنُ.
انتهى.
وقوله تعالى: أَعَجِلْتُمْ، معناه: أسابقتم قضاء رَبِّكُم، واستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ- غضبه على
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ: نَدِمُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لَلرَّجُلِ النّادِمِ عَلى ما فَعَلَ، المُتَحَسِّرِ عَلى ما فَرَّطَ: قَدْ سَقَطَ في يَدِهِ، وأُسْقِطَ في يَدِهِ.
وَقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِّينِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ولَمّا سَقَطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، يُشَبِّهُ ما يَحْصُلُ في القَلْبِ وفي النَّفْسِ بِما يُرى بِالعَيْنِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا النَّدَمُ مِنهم إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ﴿ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ ﴿ وَيَغْفِرْ لَنا ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَرْحَمُنا" " وتَغْفِرُ لَنا " بِالتّاءِ "رَبَّنا" بِالنَّصْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ في الأسَفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: الجَزَعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: الأسَفُ: مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: قالَ أيْ: لَقَوْمِهِ ﴿ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ فَتَحَ ياءَ "بَعْدِي" أهْلُ الحِجازِ، وأبُو عَمْرٍو؛ والمَعْنى: بِئْسَ ما عَمِلْتُمْ بَعْدَ فِراقِي مِن عِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عَجِلْتُ الأمْرَ والشَّيْءَ: سَبَقْتُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ.
وأعْجَلْتُهُ: اسْتَحْثَثْتُهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْجَلْتُمْ مِيعادَ رَبِّكم فَلَمْ تَصْبِرُوا لَهُ؟!
قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي وعْدَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ.
وفي سَبَبِ إلْقائِهِ إيّاها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الغَضَبُ حِينَ رَآَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فَضائِلَ غَيْرِ أُمَّتِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَألْقاها، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ بُعْدٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَمى بِالألْواحِ فَتَحَطَّمَتْ، رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعٍ، وبَقِيَ سُبْعٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ﴾ في ما أخَذَ بِهِ مِن رَأْسِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِحْيَتُهُ وذُؤابَتُهُ.
والثّانِي: شَعْرُ رَأْسِهِ.
والثّالِثُ: أُذُنُهُ.
وقِيلَ: إنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ عَصى اللَّهَ بِمَقامِهِ بَيْنَهم وتَرَكَ اللُّحُوقَ بِهِ، وتَعْرِيفُهُ ما أحْدَثُوا بَعْدَهُ لَيَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَيَتَلافاهم ويَرُدُّهم إلى الحَقِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ ﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قالَ ابْنَ أمَّ" نَصْبًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ المِيمِ، وكَذَلِكَ في [طه:٩٤] .
قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ المِيمَ، فَلِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ هَذا الِاسْمِ، ومَن كَسَرَ، أضافَهُ إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اسْمًا واحِدًا، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "يا ابْنَ أُمِّيَ" بِإثْباتِ الياءِ.
قالَ الشّاعِرُ: يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي أنْتَ خَلِيفَتِي لِدَهْرٍ شَدِيدٍ وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِن فَتْحِ: "يا ابْنَ أُمِّ" أمّا، ويَحْذِفُ الألِفَ، ومَن كَسَرَ: "ابْنِ أُمِّي" فَيَحْذِفُ الياءَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ "يا ابْنَ أُمَّ" ولَمْ يَقُلْ: "يا ابْنَ أبِ"؟
فالجَوابُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وإنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ لَيُرْفِقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والإنْسانُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَةِ أرَقُّ مِنهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدِ.
وقِيلَ: كانَ لَأُمِّهِ دُونَ أبِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ القَوْمَ ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ العِجْلِ.
﴿ اسْتَضْعَفُونِي ﴾ أيِ: اسْتَذَلُّونِي.
﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ عاصِمٍ: " فَلا تُشْمِتْ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ فَتْحِ المِيمِ، "الأعْداءُ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ: "فَلا تَشْمِتْ" بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ، "الأعْداءَ" بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُما رَفَعا "الأعْداءُ" .
ويَعْنِي بِالأعْداءِ: عَبَدَةُ العِجْلِ.
﴿ وَلا تَجْعَلْنِي ﴾ في مَوْجِدَتِكَ وعُقُوبَتِكَ لِي ﴿ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ وهم عَبَدَةُ العِجْلِ.
فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ عُذْرُ أخِيهِ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الجِزْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي ما أمَرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ في حَقِّ أوْلادِهِمْ، لِأنَّ أُولَئِكَ قُتِلُوا ولَمْ يُؤَدُّوا جِزْيَةً.
قالَ عَطِيَّةُ: وهَذِهِ الآَيَةُ فِيما أصابَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ لَتَوَلِّيهِمْ مُتَّخِذِي العِجْلَ ورِضاهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَلِكَ أُعاقِبُ مَنِ اتَّخَذَ إلَهًا دُونِي.
وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا وهو يَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، وقَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ.
وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَيْسَ في الأرْضِ صاحِبُ بِدْعَةٍ إلّا وهو يَجِدُ ذِلَّةً تَغْشاهُ قالَ: وهي في كِتابِ اللَّهِ تَعالى.
قالُوا: وأيْنَ هِيَ؟
قالَ: أوَما سَمِعْتُمْ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قالُوا: يا أبا مُحَمَّدٍ، هَذِهِ لِأصْحابِ العِجْلِ خاصَّةً، قالَ كُلًّا، اتْلُ ما بَعْدَها.
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ فَهي لَكُلِّ مُفْتَرٍ ومُبْتَدِعٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الراحِمِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ اسْتَغْفَرَ مُوسى مِن فِعْلِهِ مَعَ أخِيهِ، ومِن عَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتَغْفَرَ لِأخِيهِ مِن فِعْلِهِ في الصَبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ويُمْكِنُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ كانَ لِغَيْرِ هَذا مِمّا لا نَعْلَمُهُ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ الآيَةُ، مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَيَنالُهُمْ ﴾ ، ووَقَعَ ذَلِكَ النَيْلُ في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والغَضَبُ والذِلَّةُ هو أمْرُهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، هَذا هو الظاهِرُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الذِلَّةُ: الجِزْيَةُ، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ أنَّ الغَضَبَ والذِلَّةَ بَقِيَتْ في عَقِبِ هَؤُلاءِ المَقْصُودِينَ بِها أوَّلًا، وكَأنَّ المُرادَ: سَيَنالُ أعْقابَهم.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإشارَةُ في قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" إلى مَن ماتَ مِن عَبَدَةِ العِجْلِ قَبْلَ التَوْبَةِ بِقَتْلِ النَفْسِ، وإلى مَن فَرَّ فَلَمْ يَكُنْ حاضِرًا وقْتَ القَتْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَضَبُ -عَلى هَذا- والذِلَّةُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، والغَضَبُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ أُخِذَ بِمَعْنى العُقُوبَةِ وإحْلالِ النِقْمَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ المُرادُ أوَّلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ في عِبادَةِ العِجْلِ، وتَكُونُ قُوَّةُ اللَفْظِ تَعُمُّ كُلَّ مُفْتَرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وأبُو قُلابَةَ وغَيْرُهُما: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أو فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ ﴾ الآيَةُ، تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الوَعْدَ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَغْفِرُ لِلتّائِبِينَ، والإشارَةُ إلى مَن تابَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وفي الآيَةِ تَرْتِيبُ الإيمانِ بَعْدَ التَوْبَةِ، والمَعْنى في ذَلِكَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أنَّ التَوْبَةَ نافِعَةٌ لَهم مُنْجِيَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها، فَهَذا إيمانٌ خاصٌّ بَعْدَ الإيمانِ عَلى الإطْلاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أيْ وعَمِلُوا عَمَلَ المُؤْمِنِينَ حَتّى وافَوْا عَلى ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَأْكِيدَ فَذَكَرَ التَوْبَةَ والإيمانَ إذْ هُما مُتَلازِمانِ، إلّا أنَّ التَوْبَةَ -عَلى هَذا- تَكُونُ مِن كُفْرٍ ولا بُدَّ فَيَجِيءُ "تابُوا - وآمَنُوا" بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا لا يَتَرَتَّبُ في تَوْبَةِ المَعاصِي، فَإنَّ الإيمانَ مُتَقَدِّمٌ لِتِلْكَ ولا بُدَّ، وهو وتَوْبَةُ الكُفْرِ مُتَلازِمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ إيجابٌ ووَعْدٌ مُرَجٍّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "تابُوا - وآمَنُوا" أنْ يَكُونَ لَمْ تُقْصَدْ رُتْبَةُ الفِعْلَيْنِ عَلى عُرْفِ الواوِ في أنَّها لا تُوجِبُ رُتْبَةً، ويَكُونُ "وَآمَنُوا" بِمَعْنى: وهم مُؤْمِنُونَ قَبْلُ وبَعْدُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِن صِفَتِهِمْ أنْ آمَنُوا.
<div class="verse-tafsir"
جُعل رجوع موسى إلى قومه غضبان كالأمر الذي وقع الإخبار عنه من قبلُ على الأسلوب المبين في قوله: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ [الأعراف: 143] وقوله: ﴿ ولما سُقط في أيديهم ﴾ [الأعراف: 149].
فرجوع موسى معلوم من تَحقق انقضاء المدة الموعود بها، وكونُه رجع في حالة غضب مشعر بأن الله أوحى إليه فأعلمه بما صنع قومُه في مغيبه، وقد صرح بذلك في سورة طه (85) ﴿ قال فإنّا قد فتنّا قومك من بَعدِك وأضلهم السامري ﴾ ف ﴿ غضبان أسِفاً حَالان من موسى، فهما قيداننِ لرجع ﴾ فعلم أن الغضب والأسف مقارنان للرجوع.
والغْضب تقدم في قوله: ﴿ قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ في هذه السورة (71).
والأَسِف بدون مد، صيغة مبالغة للآسف بالمد الذي هو اسم فاعل للذي حل به الأسف وهو الحزن الشديد، أي رجع غضْبان من عصْيان قومه حزيناً على فساد أحوالهم، وبئسما ضد نِعمّا، وقد مضى القول عليه في قوله تعالى: ﴿ قل بئسما يأمركم به إيمانكم ﴾ في سورة البقرة (93)، والمعنى بئست خلافة خلفتمونيها خِلاَفتُكم.
وتقدم الكلام على فعل خَلف في قوله: ﴿ اخلُفْني في قومي ﴾ [الأعراف: 142] قريباً.
وهذا خطاب لهارون ووجوه القوم، لأنهم خلفاء موسى في قومهم فيكون ﴿ خلفتموني ﴾ مستعملاً في حقيقته، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع القوم، فأما هارون فلأنه لم يُحسن الخلافة بسياسة الأمة كما كان يسوسها موسى، وأما القوم فلأنهم عبدوا العجل بعد غيبة موسى، ومن لوازم الخلافة فعل ما كان يفعله المخلُوف عنه، فهم لما تركوا ما كان يفعله موسى من عبادة الله وصاروا إلى عبادة العجل فقد انحرفوا عن سيرته فلم يخلفوه في سيرته، وإطلاق الخلافة على هذا المعنى مجاز فيكون فعل ﴿ خلفتموني ﴾ مستعملاً في حقيقته ومجازه.
وزيادة ﴿ مِن بعدي ﴾ عقب ﴿ خلفتموني ﴾ للتذكير بالبَون الشاسع بين حال الخلف وحال المخلوفَ عنه تصوير لفظاعة ما خلفوه به أي بعدما سمعتم مني التحذير من الإشراك وزجركم عن تقليد المشركين حين قلتم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، فيكون قيد ﴿ من بعدي ﴾ للكشف وتصوير الحالة كقوله تعالى: ﴿ فخَر عليهم السقُف من فوقِهم ﴾ [النحل: 26]، ومعلوم أن السقف لا يكون إلاّ من فوق، ولكنه ذكر لتصوير حالة الخرور وتهويلها، ونظيره قوله تعالى، بعد ذكر نفر من الأنبياء وصفاتهم، ﴿ فخلف من بعدهم خَلْف ﴾ [الأعراف: 169] أي من بعد أولئك الموصوفين بتلك الصفات.
و«عَجلَ» أكثرَ ما يستعمل قاصراً، بمعنى فعل العجلة أي السرعة، وقد يتعدى إلى المعمول «بعن» فيقال: عجلَ عن كذا بمعنى لم يتمّه بعد أن شَرع فيه، وضده تَم على الأمر إذا شرع فيه فأتمّه، ويستعمل عَجِل مضمناً معنى سَبَق فعّدَيَ بنفسه على اعتبار هذا المعنى، وهو استعمال كثير.
ومعنى «عَجِل» هنا يَجوز أن يكون بمعنى لم يُتّمَ، وتكون تعديته إلى المفعول على نزع الخافض.
والأمرُ يكون بمعنى التكليف وهو ما أمرهم الله به: من المحافظة على الشريعة، وانتظار رجوعه، فلم يتموا ذلك واستعجلوا فبدلوا وغيروا، ويجوز أن يكون بمعنى سَبق أي بادرتم فيكون الأمر بمعنى الشأن أي الغضب والسخط كقوله: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [النحل: 1] وقوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ﴾ [هود: 40] فالأمر هو الوعيد، فإن الله حذرهم من عبادة الأصنام وتوعدهم، فكان الظن بهم إن وقع منهم ذلك إن يقع بعد طول المدة، فلما فعلوا ما نُهوا عنه بحدثان عهد النهي، جُعلوا سابقين له على طريقة الاستعارة: شبهوا في مبادرتهم إلى أسباب الغضب والسخط بسبق السابق المسبوقَ، وهذا هو المعنى الأوضح، ويوضحه قوله، في نظير هذه القصة في سورة طه (86)، حكاية عن موسى: ﴿ قال يا قوم ألم يَعدْكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ﴾ وقد تعرضت التوراة إلى شيء من هذا المعنى في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج «وقال الله لموسى رأيتُ هذا الشّعْب فإذا هو شعب صلْب الرقبة فالآن اتركني ليحميَ غَضبي عليهم فأفنيهم».
وإلقاء الألواح رَميُها من يده إلى الأرض، وقد تقدم بيان الإلقاء آنفاً.
وذلك يؤذن بأنه لما نزل من المناجاة كانت الألواح في يده كما صرح به في التوراة.
ثم إن إلقاءه إياها إنما كان إظهاراً للغضب، أو أثراً من آثار فوران الغضب لما شاهدهم على تلك الحالة، وما ذكر القرآن ذلك الإلقاءَ إلاّ للدلالة على هذا المعنى إذ ليس فيه من فوائد العبرة في القصة إلاّ ذلك، فلا يستقيم قول من فسرها بأن الإلقاء لأجل إشغال يده بجرّ رأس أخيه، لأن ذكر ذلك لا جرور فيه، ولأنه لو كان كذلك لعطف، وأخذ برأس أخيه بالفاء.
وروي أن موسى عليه السلام كان في خلقه ضيق، وكان شديداً عند الغضب، ولذلك وكزَ القبطي فقضى عليه، ولذلك أخذ برأس أخيه يجره إليه، فهو دليل على فظاعة الفعل الذي شاهده من قومه، وذلك علامة على الفظاعة، وتشنيع عليهم، وليس تأديباً لهم، لأنه لا يكون تأديبهم بإلقاء ألواح كُتب فيها ما يصلحهم، لأن ذلك لا يناسب تصرف النبوءة (ولذلك جزمنا بأن إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابة الكتاب الذي هَمَّ بكتابته قبيل وفاته لم يكن تأديباً للقوم على اختلافهم عنده، كما هو ظاهر قول ابن عباس، بل إنما كان ذلك لِما رأى من اختلافهم في ذلك، فرأى أن الأوْلى ترك كتابته، إذ لم يكن الدين محتاجاً إليه) ووقع في التوراة أن الألواح تكسرت حين ألقاها، وليس في القرآن ما يدل على ذلك سوى أن التعبير بالإلقاء الذي هو الرمي، ومَا روي من أن الألواح كانت من حجر، يقتضي أنها اعتراها انكسار، ولكن ذلك الانكسار لا يُذهب ما احتوت عليه من الكتابة، وأما ما روي أنها لما تكسرت ذهب ستة أسباعها، أو ذهب تفصيلها وبقيت موعظتها، فهو من وضع القصّاصين والله تعالى يقول: ﴿ ولما سكت عن موسى الغضبْ أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ﴾ [الأعراف: 154].
وأما أخذه برأس أخيه هارون يجره إليه، أي إمساكه بشعر رأسه، وذلك يولمه، فذلك تأنيب لهارون على عدم أخذه بالشدة على عَبدَة العجل، واقتصاره على تغيير ذلك عليهم بالقول، وذلك دليل على أنه غير معذور في اجتهاده الذي أفصح عنه بقوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقْت بين بني إسرائيل ولم تَرْقُب قولي ﴾ [طه: 94] لأن ضعف مستنده جعله بحيث يستحق التأديب، ولم يكن له عذراً، وكان موسى هو الرسول لبني إسرائيل، وما هارون إلاّ من جملة قومه بهذا الاعتبار، وإنما كان هارون رسولاً مع موسى لفرعون خاصة، ولذلك لم يسَعْ هارونَ إلاّ الاعتذارُ والاستصفاح منه.
وفي هذا دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة غير معذور فيه صاحبه في إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البَعيد ولا يظن بأن موسى عاقب هارون قبل تحقق التقصير.
وفصلت جملةٌ: ﴿ قال ابن أم ﴾ لوقوعها جوابها لحوار مقدر دل عليه قوله ﴿ وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴾ لأن الشأن أن ذلك لا يقع إلاّ مع كلام توبيخ، وهو ما حكي في سورة طه (92، 93) بقوله: ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضَلوا ألاَّ تتبعننِ أفعصيت أمري ﴾ على عادة القرآن في توزيع القصة، واقتصاراً على موقع العبرة؛ ليخالف أسلوبُ قصَصه الذي قصد منه الموعظة أساليبَ القصّاصين الذين يقصدون الخبر بكل ما حدث.
و ﴿ ابنَ أم ﴾ منادى بحذف حرف النداء، والنداء بهذا الوصف للترقيق والاستشفاع، وحذف حرف النداء لإظهار ما صاحب هارون من الرعب والاضطراب، أو لأن كلامه هذا وقع بعد كلام سبقه فيه حرف النداء وهو المحكي في سورة طه (94) ﴿ قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ﴾ ثم قال، بعد ذلك ﴿ ابنَ أم إن القوم استضعفوني ﴾ فهما كلامان متعاقبان، ويظهر أن المحكي هنا هو القول الثاني، وأن ما في سورة طه هو الذي ابتدأ به هارون، لأنه كان جواباً عن قول موسى: ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضَلوا أن لا تتبعن ﴾ [طه: 92، 93].
واختيار التعريف بالإضافة؛ لتضمن المضاف إليه معنى التذكير بصلة الرحم، لأن إخوة الأم أشد أواصر القرابة؛ لاشتراك الأخوين في الألف من وقت الصبا والرضاع.
وفتح الميم في ﴿ ابن أم ﴾ قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عَمرو، وحفص عن عاصم، وهي لغة مشهورة في المنادى المضاف إلى أم أو عَم، وذلك بحذف ياء المتكلم وتعويض ألف عنها في آخر المنادى، ثم يحذف ذلك الألف تخفيفاً، ويجوز بقاء كسرة الميم على الأصل، وهي لغة مشهورة أيضاً، وبها قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلفٌ.
وتقدم الكلام على الأم عند قوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ في سورة النساء (23).
وتأكيد الخبر ب ﴿ إن ﴾ لتحقيقه لدى موسى، لأنه بحيث يتردد فيه قبل إخبار المخبر به، والتأكيدُ يستدعيه قبولُ الخبر للتردد من قِبَل إخبار المخبر به، وإن كان المخبر لا يُظن به الكذب، أو لئلا يظن به أنه تَوهم ذلك من حال قومه، وكانت حالهم دون ذلك.
والسين والتاء في ﴿ استضعفوني ﴾ للحسبان أي حسبوني ضعيفاً لا ناصر لي، لأنهم تمالؤوا على عبادة العجل ولم يخالفهم إلا هارون في شرذمة قليلة.
وقوله: ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ يدل على أنه عارضهم معارضة شديدة ثم سلّم خشيةَ القتل.
والتفريع في قوله: ﴿ فَلا تُشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ تفريع على تبين عذره في إقرارهم على ذلك، فطلب من أخيه الكف عن عقابه الذي يَشْمت به الأعداء لأجله، ويجعله مع عداد الظالمين فطلبُ ذلك كنايةٌ عن طلب الإعراض عن العقاب.
والشماتة: سُرور النفس بما يصيب غيرها من الإضرار، وإنما تحصل من العداوة والحسد.
وفعلَها قاصر كفرح، ومصدرها مخالف للقياس، ويتعدى الفعل إلى المفعول بالباء يقال: شَمتَ به: أي: كان شامتاً بسببه، وأشمته به جعله شامتاً به، وأراد بالأعداء الذين دعوا إلى عبادة العجل، لأن هارون أنكره عليهم فكرهوه لذلك، ويجوز أن تكون شماتةُ الأعداء كلمة جرت مجرى المثل في الشيء الذي يُلحق بالمرءِ سوءاً شديداً، سواء كان للمرء أعداء أو لم يكونوا، جرياً على غالب العرْف.
ومعنى ﴿ ولا تجعلْني مع القوم الظالمين ﴾ لا تحسبني واحداً منهم، ف (جعل) بمعنى ظن كقوله تعالى: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمان إناثاً ﴾ [الزخرف: 19].
والقوم الظالمون هم الذين أشركوا بالله عبادة العجل، ويجوز أن يكون المعنى: ولا تجعلني في العقوبة معهم، لأن مُوسى قد أمر بقتل الذين عَبدوا العجل، ف (جعل) على أصلها.
وجملة: ﴿ قال رب اغفر لي ﴾ جواب عن كلام هارون، فلذلك فصلت.
وابتدأ موسى دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدباً مع الله فيما ظهر عليه من الغضب، ثم طلب المغفرة لأخيه فيما عسى أن يكون قد ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع عبدة العجل عن ذلك.
وذكر وصف الأُخوة هناك زيادة في الاستعطاف عسى الله أن يُكرم رسوله بالمغفرة لأخيه كقول نوح: ﴿ رب إن ابني من أهلي ﴾ [هود: 45].
والإدخال في الرحمة استعارة لشمول الرحمة لهما في سائر أحوالهما، بحيث يكونان منها، كالمستقر في بيت أو نحوه مما يحوي، فالإدخال استعارة أصلية وحرف (في) استعارة تبعية، أوقع حرفه الظرفية موقع باء الملابسة.
وجملة: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ تذييل، والواوُ للحال أو اعتراضية، و ﴿ أرحم الراحمين ﴾ الأشد رحمة من كل راحم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ في الأسَفِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَأسِّفُ عَلى فَوْتِ ما سَلَفَ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
والثّانِي: أنَّهُ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: هو الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
والرّابِعُ: المُغْتاظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: النّادِمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفي غَضَبِهِ وأسَفِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَضْبانُ مِن قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ؟
أسِفًا عَلى ما فاتَهُ مِن مُناجاةِ رَبِّهِ.
والثّانِي: غَضْبانُ عَلى نَفْسِهِ في تَرْكِ قَوْمِهِ حَتّى ضَلُّوا، أسِفًا عَلى ما رَأى في قَوْمِهِ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
وَقالَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ إنَّ غَضَبَهُ لِلرُّجُوعِ عَنْ مُناجاةِ الحَقِّ إلى مُخاطَبَةِ الخَلْقِ.
﴿ قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ يَعْنِي بِعِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَنِي بِهِ مِنَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ أنَّهم قَدَّرُوا أنَّهُ قَدْ ماتَ لَمّا لَمْ يَأْتِ عَلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ لَيْلَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: وعْدُ رَبِّكم بِالثَّوابِ عَلى عِبادَتِهِ حَتّى عَدَلْتُمْ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والفَرْقُ بَيْنَ العَجَلَةِ والسُّرْعَةِ أنَّ العَجَلَةَ: التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، والسُّرْعَةُ: عَمَلُهُ في أقَلِّ أوْقاتِهِ.
﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ وفي سَبَبِ إلْقائِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَضَبًا حِينَ رَأى عِبادَةَ العِجْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ ألْقاها لَمّا رَأى فِيها فَضائِلَ غَيْرِ قَوْمِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، قالَ: رَبِّ فاجْعَلْهم أُمَّتِي قالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أحْمَدَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَألْقاها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَكانَتِ التَّوْراةُ سَبْعَةَ أسْباعٍ فَلَمّا ألْقى مُوسى الألْواحَ فَتَكَسَّرَتْ رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعِها وكانَ فِيما رُفِعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وبَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ في السُّبْعِ الباقِي، وهو الَّذِي قالَهُ اللَّهُ: ﴿ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْقى مُوسى الألْواحَ فَتَكَسَّرَتْ ورُفِعَتْ إلّا سُدُسُها.
﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ بِأُذُنِهِ.
والثّانِي: أخَذَ بِجُمْلَةِ رَأْسِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قَصَدَهُ بِمِثْلِ هَذا الهُوانِ ولا ذَنْبَ لَهُ؟
فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا قَدْ يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِالعادَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الهُوانِ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ كَقَبْضِ الرَّجُلِ مِنّا الآنَ عَلى لِحْيَتِهِ وعَضِّهِ عَلى شَفَتِهِ ﴿ قالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى عادَةِ العَرَبِ اسْتِعْطافًا بِالرَّحِمِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي أنْتَ خَلَّيْتَنِي لِأمْرٍ شَدِيدِ ﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ يَعْنِي مَن خالَفَهُ في عِبادَةِ العِجْلِ لِأنَّهم قَدْ صارُوا لِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ أعْداءً.
﴿ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ لا تَغْضَبْ عَلَيَّ كَغَضَبِكَ عَلَيْهِمْ ولَسْتُ مِنهم فَأدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ: ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق ابن عباس في قوله: ﴿ أسفاً ﴾ قال: حزيناً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ قال: حزيناً على ما صنع قومه من بعده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ غضبان اسفاً ﴾ قال: حزيناً وفي الزخرف ﴿ فلما آسفونا ﴾ [ الزخرف: 55] يقول: اغضبونا.
والأسف على وجهين: الغضب والحزن.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أسفاً ﴾ قال: جزعاً.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: الأسف: منزلة وراء الغضب أشد من ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب قال: الأسف: الغضب الشديد.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ايزحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر ما تكسر» .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: كان موسى عليه السلام إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: لما ألقى موسى الألواح تكسرت، فرفعت إلا سدسها.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: كتب الله لموسى في الألواح فيها ﴿ موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ [ الأعراف: 145] فلما ألقاها رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع، يقول الله: ﴿ وفي نسختها هدى ورحمة ﴾ [ الأعراف: 154] يقول: فيما بقي منها.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله صلى عليه وسلم السبع المثاني وهي الطوال وأوتي موسى ستاً، فلما ألقى الألواح رفعت أثنتان وبقيت أربع.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله: ﴿ وألقى الألواح ﴾ قال: ذكر أنه رفع من الألواح خمسة أشياء، وكان لا ينبغي أن يعلمه الناس ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ [ لقمان: 34] إلى آخر الآية.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد وسعيد بن جبير قال: كانت الألواح من زمرد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: اخبرت أن الواح موسى كانت تسعة، فرفع منها لوحان وبقي سبعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ قال: مع أصحاب العجل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ﴾ .
قال الكلبي: (رب اغفر لي ذنبي أي: ما صنعت إلى أخي) (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلِأَخِي ﴾ .
إنما استغفر لأخيه لأنه ظنه مقصرًا في الإنكار على عبدة العجل، وإن لم يقع ذلك التقصير منه، [و] (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ﴾ .
قال عطاء عن ابن عباس (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ .
إخبار عن موسى أن الله تعالى بهذه الصفة، وهو يدل على قوة طمع الداعي في نجاح طلبته لأن من هو ﴿ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ يُؤمل منه الرحمة.
(١) "تنوير المقباس" 2/ 129.
(٢) في (أ): (إذا بلغ الأمر به لاهموا) وهو تحريف.
(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٤) في (ب): (لذلك)، وهو تحريف.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69، و"معاني النحاس" 3/ 83، والسمرقندي 1/ 571.
(٦) لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 129: (قال: في جنتك)، وذكر الواحدي في "الوسيط" 2/ 246 عن عطاء قال: (أي: في جنتك) اهـ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِقَآءِ الآخرة ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به أي: ولقاؤهم الآخرة، أو من إضافة المصدر إلى الظرف ﴿ واتخذ قَوْمُ موسى ﴾ هم بنو إسرائيل ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد غيبته في الطور ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ بضم الحال والتشديد جمع حلى نحو ثدي وثدي، وقرئ بكسر الحاء للإتباع وقرئ بفتح الحاء وإسكان اللام، والحلي هو اسم ما يتزين به من الذهب والفضة ﴿ جَسَداً ﴾ أي جسماً دون روح، وانتصابه على البدل ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ الخوار هو: صوت البقر، وكان السامري قد قبض قبضة من تراب أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذفه في العجل فصار له خوار، وقيل: كان إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه فيسمع له خوار ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ ردّ عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته ﴿ اتخذوه ﴾ أي اتخذوه إلهاً، فحذف لمفعول الثاني للعلم به، وكذلك حذف من قوله: واتخذ قوم موسى ﴿ سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ ﴾ أي ندموا يقال: سقط في يد فلان إذا عجز عما يريد أو وقع فيما يكره ﴿ أَسِفاً ﴾ شديد الحزن على ما فعلوه، وقيل: شديد الغضب كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ا ﴾ [الزخرف: 55] ﴿ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي ﴾ أي قمتم مقامي، وفاعل بئس مضمر يفسره ما واسم المذموم محذوف، والمخاطب بذلك أما القوم الذين عبدوا العجل مع السامري حيث عبدوا غير الله في غيبة موسى عنهم، أو رؤساء بني إسرائيل كهارون عليه السلام، حيث لم يكفوا الذين عبدوا العجل ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ معناه: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور، فإنهم لما رأوا أنّ الأمر قد تم ظنوا أن موسى عليه السلام قد مات فعبدوا العجل ﴿ وَأَلْقَى الألواح ﴾ طرحها لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله من عبادة العجل ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ أي شعر رأسه ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ لأنه ظن أنه فرَّط في كف الذين عبدوا العجل ﴿ ابن أُمَّ ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأمّه، لأنه أدعى إلى العطف والحنوّ، وقرئ ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء بالفتح تشبيهاً بخمسة عشر جعَل الاسمان اسما واحداً فبنى ﴿ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين ﴾ أي لا تظن أني منهم أو لا تجد عليَّ في نفسك ما تجدُ عليهم يعني أصحاب العجل ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ ﴾ أي: غضب في الآخرة وذلة في الدنيا ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ أي سكن، وكذلك قرأ بعضهم، وقال الزمخشري: قوله: سكت مثل كأن الغضب كان يقول له ألق الألواح وجُرّ برأس أخيك، ثم سكت عن ذلك ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ أي فيما ينسخ منها، والنسخة فعلة بمعنى مفعول ﴿ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أي يخافون، ودخلت اللام لتقدّم المفعول كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43]، وقال المبرِّد: تتعلق بمصدر تقديره رهبتهم لربهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.
الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.
﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.
﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بضم الراء وسكون الشين.
﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.
الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.
﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم ﴾ في طه.
الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.
﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.
﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.
التفسير: لما أهلك الله أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟
فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.
وقيل: فائدة التفصيل أنه أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.
وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ فلما أعلمه الله خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.
وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.
ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.
والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.
وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.
﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.
وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.
وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.
﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.
وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.
وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.
وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.
واختلف العلماء أيضاً في أن الله كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.
عن ابن عباس: أن موسى جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.
فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.
قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله .
فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.
قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.
وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.
وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.
وردّ بأنه أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟
ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله عن ذلك؟
ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله ولا يلزم منه المنع في الآخرة.
ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.
وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.
ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.
وفي الآية سؤال وهو أنه لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.
وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.
ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".
والدك والدق أخوان.
ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.
والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.
والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.
وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.
وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟
قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.
وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.
روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.
وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.
وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.
ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.
والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.
قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.
وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى.
والغرض أنه خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.
وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.
وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.
والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.
ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.
وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.
وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.
وقيل: طولها كان عشرة أذرع.
والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.
وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.
وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.
قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.
وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.
﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.
وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.
وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.
وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.
ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.
وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.
وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.
وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .
وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ .
ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.
فاحتجت الأشاعرة بها على أنه قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.
وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.
وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.
وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله .
وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله عنها.
وبوجه آخر إن الله إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.
وعن رسول : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.
والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله ﴿ مما علمت رشداً ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.
ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.
ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.
ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.
قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.
أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.
ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.
قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.
والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.
ومن كسر الحاء فللإتباع.
فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.
واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.
قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.
وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.
وإنما قال ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.
قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.
وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.
واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.
ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.
وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.
قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.
قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.
والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.
واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.
وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.
وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.
وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.
وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.
وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.
ثم قال الله ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.
قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.
ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.
ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.
﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.
وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.
والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.
وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.
وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.
وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.
ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.
قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.
وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.
وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.
وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.
وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.
وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.
وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.
عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.
وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.
قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.
وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.
واعلم أن موسى كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.
وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.
وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.
بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.
ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.
فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.
واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.
وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.
قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.
ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.
قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.
وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.
ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.
وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.
وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.
﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.
التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.
وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.
قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.
﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.
﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.
اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.
وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.
﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.
﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً ﴾ .
قوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ ﴾ كيفية وصف اتخاذ العجل ما ذكر في سورة طه بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ...
﴾ الآية، وصف الله - - قوم موسى بعضهم بالهداية، والعدالة، واتباع الحق، بقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ، وبعضهم وصفهم بالسفاهة، وقلة الفهم والضعف في الدين بقولهم: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ، وقال: ههنا: اتخذوا العجل إلهاً عبدوه، يذكر هذا - والله أعلم - لما لم يعرفوا نعم الله ولم يتفكروا في آياته وحججه، يذكر هذا لنا لننظر في آياته وحججه والتفكر في نعمه، فنؤدي شكرها، ونتدبر في آياته وحججه لنتبعها ولا نضيعها على ما ضيع قوم موسى.
وقوله: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي: من بعد مفارقة موسى قومه.
وقوله: ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ وكانت تلك الحلي عارية عندهم من قوم فرعون، بقوله: ﴿ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ أضاف إلى فرعون، وأضاف هاهنا إلى قوم موسى، بقوله: ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ دل أن العارية يجوز أن تنسب إلى المستعير.
وفيه دلالة أن من حلف: لا يدخل دار فلان، فدخل داراً له عارية عنده يحنث.
وقوله: ﴿ عِجْلاً جَسَداً ﴾ .
قال بعضهم: صورته كانت صورة عجل، ولم يكن عجلاً في جوهره.
وقيل: الجسد هو الذي لا تدبير له، ولا تمييز، ولا بيان؛ لكنه ذكر فيه هنا ما لا يحتاج إلى هذا، وهو قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ لكنه كأنه قال: عجلاً له جسد يذكر سفههم أنهم عبدوا من لا تدبير له ولا كلام ولا سبب للذي يغتر به أو دعاء، واختاروا، الهيئة من وصفه ما ذكر.
وقوله: ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ قيل: إن السامري قد أخذ قبضة من أثر الرسول، فألقى تلك القبضة في الحلي الذي ألقوه في النار؛ فصار شبه عجل له خوار.
وقال بعضهم: صاغ من حليهم عجلاً؛ فنفخ فيه من تلك القبضة فخار خواراً.
وقال بعضهم: إن السامري كان هيأ ذلك العجل الذي اتخذه بحال حتى إذا مسه وحركه: خار.
وقال بعضهم: كان وضع في مهب الريح فيدخل الريح في دبره، ويخرج من فيه، فعند ذلك يخور.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ .
[ذكر أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا]، وفي سورة طه: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ليس فيه أنه إن كان يكلمهم أو يملك لهم ضرّاً ونفعاً يجوز أن يعبد؛ ليعلم أن ذكر حظر الحكم في حالٍ لا يوجب إباحة ذلك في حالٍ أخرى.
وفيه: أن امتناع العلة عن اطرادها يوجب نقضها، وإن كان اطرادها في الابتداء في معلولاتها لم يدل على صحتها.
وفي قوله: ﴿ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ذكر سفههم لعبادتهم شيئاً لا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً.
وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوهُ ﴾ \[أي: اتخذوه\] إلهاً عبدوه، ﴿ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ﴾ في عبادتهم العجل؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، والألوهية في غير موضعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ ﴾ هذا حرف تستعمله العرب عند وقوع الندامة وحلولها، وتأويله: لما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم، أي: ندموا على ما كان منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ أي: لئن لم يرحمنا ربنا، ويوفقنا للهداية والعبادة له، ويغفر لنا لما كان منا من العبادة للعجل، والتفريط في العصيان ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ ابتداء طلب الرحمة والمغفرة؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ...
﴾ الآية [هود: 90].
ويحتمل التجاوز لما كان منهم والعفو.
وفي قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ دلالة أن الكلام هو ما يفهم منه المراد ليست الحروف نفسها؛ لأنه أخبر أن له خواراً، ثم أخبر أنه كان لا يكلمهم، دل أن الصوت وإن كان ذا هجاء وحروف ليس بكلام، وذلك يدل لأصحابنا في مسألة: إذا حلف ألا يكلم فلاناً، ثم خاطبه بشيء لا يفهم مراده أن ذلك ليس بكلام، ولا يحنث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ والأسف: هو النهاية في الحزن والغضب؛ كقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ هو النهاية في الحزن والأسف في موضع الغضب، وكقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ أي: أغضبونا، لكن الغضب يكون على من دونه، والأسف والحزن على من فوقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ غَضْبَٰنَ ﴾ أي: لله على قومه لعبادتهم العجل، وتركهم عبادة الله حزناً على قومه لما يلحقهم بعبادتهم العجل من العقوبة، وهكذا الواجب على من رأى المنكر أنه يغضب لله على مرتكب ذلك المنكر لمعاينته المنكر، ويأسف عليه لما يلحقه من العقوبة والهلاك؛ رحمة منه له ورأفة، ويلزم الشكر لربه؛ لما عصمه عن مثله، وكذلك وصف رسوله - - بالأسف والحزن لتكذيبهم إياه حتى كادت نفسه تهلك حزناً عليهم؛ حيث قال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ذكر هذه القصة لنا؛ لنعرف: أن كيف نعامل أهل المناكير وقت ارتكابهم المنكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ ﴾ .
يخرج هذا على وجهين: أحدهما: بئسما خلفتموني: بئس ما اخترتم من عبادتكم العجل على عبادة الله.
والثاني: بئسما خلفتموني باتباعكم السامري إلى ما دعاكم إليه بعد اتباعكم إياي وأخي رسول الله وما أمركم به ودعاكم إلى عبادة الله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أعجلتم ميعاد ربكم؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ ، أي: أعجلتم الوعد الحسن الذي وعد لكم ربكم، وهو قوله: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً ﴾ .
وقال آخرون: [قوله]: ﴿ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ أي: عذاب ربكم وغضبه بعبادتكم العجل واتخاذكم له إلهاً، وقد سمى الله العذاب في غير موضع من القرآن: أمراً؛ كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ .
قال أكثر أهل التأويل: ألقى الألواح، أي: طرحها على الأرض غضباً منه، فوقع منها كذا وكذا، وبقي كذا، لكن لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ طرحها لا غير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ ليس يفهم منه الطرح والإلقاء، ولكن إنما فهم منه الوضع، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ أي: وضع؛ لأنه أخذ رأسه ولحيته، أعني: رأس أخيه هارون، ولا سبيل له إلى أن يأخذ رأسه ولحيته والألواح في يديه، فوضعها على الأرض، وثم أخذ رأسه ولحيته يجرُّه إليه، على ما ذكر في سورة طه؛ حيث قال: ﴿ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ ، دل هذا أنه كان أخذ رأسه ولحيته جميعاً لشدة غضبه لله على صنيع قومه.
وفي الآية دلالة العمل بالاجتهاد؛ لأنه قال: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ ، ولا يحتمل أن يكون موسى يأخذ رأسه بالوحي لأمر من الله، ثم يقول له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولا تفعل كذا.
وفيه أيضاً: أن هارون لما قال له: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ ﴾ إنما قال ذلك بالاجتهاد؛ حيث قال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ ﴾ ؛ لأنه لو كان يقول له بالوحي أو بالأمر، لم يكن ليعتذر إليه بقوله فلا تشمت بي الأعداء.
وقوله: ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ .
فيه دلالة أنه إنما أخذ شعر رأسه؛ لأنه لو كان أخذ رأسه، لكان لا يحتاج إلى أن يجره إليه؛ دل أنه كان أخذ بشعر رأسه.
وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ فيه دلالة لأصحابنا أن من مسح رأسه ثم أزال شعره، لم يسقط عنه حكم المسح، وإذا مسح على لحيته ثم سقطت زال عنه حكمه، ولزم غسل ذقنه؛ لما سمى الشعر رأساً، وسمى اللحية لحية، وسقوطها يسقط حكم المسح، وسقوط شعر الرأس لا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي ﴾ .
خرج هذا صلة قول موسى لهارون لما قال له: ﴿ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي ﴾ .
قال بعضهم: إنما خصَّ أخاه بسؤال المغفرة؛ لأنهم جميعاً قد عبدوا العجل سوى أخيه هارون؛ لذلك خصّه بسؤال المغفرة.
وقال بعضهم: إنما قال ذلك جواباً عما قال هارون: ﴿ فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون تخصيص السؤال له بالمغفرة لما سأل ربه أن يجعل هارون له وزيراً بقوله: ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي ﴾ ، لما سأل ربه أن يشركه في أمره، ويشد به أزره، فعلى ذلك خصَّه بسؤال المغفرة.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .
لأن كل من يرحم دونه إنما يرحم برحمته.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ ﴾ .
أي: عبدوا العجل.
﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قال بعضهم: غضب من ربهم: عذاب في الآخرة لمن مات منهم على ذلك، ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ القتل والهلاك في الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ : القتل، والهلاك، ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الجزية والسبي والقهر.
ويحتمل قوله : ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ذكر الذم بصنيعهم وثناء الشر، على ما كان بصنيع الخيرِ المحمدةُ في الدنيا وثناءُ الخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: احدهما: أي: قد نالهم غضب من ربهم؛ لما ذكر.
والثاني: أن يكون هذا مذكوراً في كتبهم أن من اتخذ العجل معبوداً سينالهم غضب من ربهم، فإن كان هذا خبراً عما في كتبهم، فسينالهم على الوعد الصحيح، وإلا على الخبر، أي: قد نالهم.
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ ﴾ .
أي: كذلك نجزي كل مفتر على الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ ﴾ .
قال أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ يعني: الذين عبدوا العجل.
﴿ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهو: في كل من عمل السيئات - أي سيئة كانت - إذا تاب عنها، وندم عليها، وطلب من الله المغفرة، غفر له.
<div class="verse-tafsir"
فدعا موسى ربه: يا رب اغفر لي، ولأخي هارون، وأدخلنا في رحمتك واجعلها تحيط بنا من كل جانب، وأنت -يا ربنا- أرحم بنا من كل راحم.
<div class="verse-tafsir" id="91.5mqjg"