الآية ٢ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢ من سورة الأعراف

كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قوله ( كتاب أنزل إليك ) أي : هذا كتاب أنزل إليك ، أي : من ربك ، ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) قال مجاهد ، وعطاء وقتادة والسدي : شك منه .

وقيل : لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل; ولهذا قال : ( لتنذر به ) أي : أنزل إليك لتنذر به الكافرين ، ( وذكرى للمؤمنين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قول الله تعالى ذكره كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: هذا القرآن، يا محمد، كتاب أنـزله الله إليك.

* * * ورفع " الكتاب " بتأويل: هذا كتابٌ.

* * * القول في تأويل قوله : فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلا يضق صدرك، يا محمد، من الإنذار به مَنْ أرسلتك لإنذاره به, وإبلاغه مَنْ أمرتك بإبلاغه إياه, ولا تشك في أنه من عندي, واصبر للمضيّ لأمر الله واتباع طاعته فيما كلفك وحملك من عبء أثقال النبوة, (2) كما صبر أولو العزم من الرسل, فإن الله معك.

* * * و " الحرج "، هو الضيق، في كلام العرب, وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله: ضَيِّقًا حَرَجًا [سورة الأنعام: 125]، بما أغنى عن إعادته.

(3) * * * وقال أهل التأويل في ذلك ما:- 14316- حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: (فلا يكن في صدرك حرج منه)، قال: لا تكن في شك منه.

14317- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (فلا يكن في صدرك حرج منه)، قال: شك.

14318- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

14319- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: (فلا يكن في صدرك حرج منه) ، شك منه.

14320- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، مثله.

14321- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فلا يكن في صدرك حرج منه)، قال: أما " الحرج "، فشك.

14322- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا في قوله: (فلا يكن في صدرك حرج منه)، قال: شك من القرآن.

* * * قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل، هو معنى ما قلنا في" الحرج "، لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به، وقلة الاتساع لتوجيهه وجهته التي هي وجهته الصحيحة.

وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى " الضيق "، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب, كما قد بيناه قبل.

* * * القول في تأويل قوله : لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: هذا كتاب أنـزلناه إليك، يا محمد، لتنذر به من أمرتك بإنذاره,(وذكرى للمؤمنين) = وهو من المؤخر الذي معناه التقديم.

ومعناه: " كتاب أنـزل إليك لتنذر به ", و " ذكرى للمؤمنين ", فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ .

وإذا كان ذلك معناه، كان موضع قوله: (وذكرى) نصبًا، بمعنى: أنـزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به, وتذكر به المؤمنين.

* * * ولو قيل معنى ذلك: هذا كتاب أنـزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، أن تنذر به، وتذكّر به المؤمنين = كان قولا غير مدفوعة صحته.

وإذا وُجِّه معنى الكلام إلى هذا الوجه، كان في قوله: (وذكرى) من الإعراب وجهان: أحدهما: النصب بالردّ على موضع " لتنذر به ".

والآخر: الرفع، عطفًا على " الكتاب ", كأنه قيل: المص * كِتَابٌ أُنْـزِلَ إِلَيْكَ ، و " ذكرى للمؤمنين ".

(4) ------------------- الهوامش : (2) في المطبوعة : (( واصبر بالمضي لأمر الله )) ، وغير ما في المخطوطة بلا طائل .

(3) انظر ما سلف ص : 103 - 107 .

(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 370 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين قوله تعالى المص تقدم في أول " البقرة " وموضعه رفع بالابتداء .

كتاب خبره .

كأنه قال : المص حروف كتاب أنزل إليك وقال الكسائي : أي هذا كتاب .قوله تعالى فلا يكن في صدرك حرج منه فيه مسألتان :فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين الأولى قوله تعالى حرج أي ضيق ; أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ ; لأنه روي عنه عليه السلام أنه قال : إني أخاف أن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة الحديث .

خرجه مسلم .

قال إلكيا : فظاهره النهي ، ومعناه نفي الحرج عنه ; أي لا يضيق صدرك ألا يؤمنوا به ، فإنما [ ص: 146 ] عليك البلاغ ، وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم أو كفرهم ، ومثله قوله تعالى : فلعلك باخع نفسك الآية .

وقال : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين .

ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرج هنا الشك ، وليس هذا شك الكفر إنما هو شك الضيق .

وكذلك قوله تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون .

وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته .

وفيه بعد .

والهاء في منه للقرآن .

وقيل : للإنذار ; أي أنزل إليك الكتاب لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه .

فالكلام فيه تقديم وتأخير .

وقيل للتكذيب الذي يعطيه قوة الكلام .

أي فلا يكن في صدرك ضيق من تكذيب المكذبين له .الثانية : قوله تعالى وذكرى يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض .

فالرفع من وجهين ; قال البصريون : هي رفع على إضمار مبتدأ .

وقال الكسائي : عطف على كتاب والنصب من وجهين : على المصدر ; أي وذكر به ذكرى ; قاله البصريون .

وقال الكسائي : عطف على الهاء في أنزلناه والخفض حملا على موضع لتنذر به والإنذار للكافرين ، والذكرى للمؤمنين ; لأنهم المنتفعون به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا له عظمة القرآن: { كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ } أي: كتاب جليل حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكما مفصلا { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ } أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائما ومعارضا.

{ لِتُنْذِرَ بِهِ } الخلق، فتعظهم وتذكرهم، فتقوم الحجة على المعاندين.

{ و } ليكون { َذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } كما قال تعالى: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } يتذكرون به الصراط المستقيم، وأعماله الظاهرة والباطنة، وما يحول بين العبد، وبين سلوكه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( كتاب ) أي : هذا كتاب ، ( أنزل إليك ) وهو القرآن ، ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) قال مجاهد : شك ، فالخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمراد به الأمة .

وقال أبو العالية : حرج أي ضيق ، معناه لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به ، ( لتنذر به ) أي : كتاب أنزل إليك لتنذر به ، ( وذكرى للمؤمنين ) أي : عظة لهم ، وهو رفع مردود على الكتاب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

هذا «كتاب أنزل إليك» خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم «فلا يكن في صدرك حرج» ضيق «منه» أن تبلغه مخافة أن تكذب «لتنذر» متعلق بأنزل أي للإنذار «به وذكرى» تذكرة «للمؤمنين» به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا القرآن كتاب عظيم أنزله الله عليك -أيها الرسول- فلا يكن في صدرك شك منه في أنه أنزل من عند الله، ولا تتحرج في إبلاغه والإنذار به، أنزلناه إليك؛ لتخوف به الكافرين وتذكر المؤمنين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدح - سبحانه - الكتاب الذى أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) .المراد بالكتاب جملة القرآن الكريم ، وقيل : المراد به هنا السورة .

وحرج الصدر ضيقه وغمه ، مأخوذ من الحرجة التى هى مجتمع الشجر المشتبك الملتف الذى لا يجد السالك فيه طريقا يخرج منه .والمعنى ، هذا كتاب كريم أنزلناه إليك يا محمد فيه هداية الثقلين ، فبلغ تعاليمه للناس .

ولا تحزن أو تضجر إذا وجدت من بعضهم صدوداً عنه ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .ولقد حكى لنا القرآن أن المشركين وصفوا النبى صلى الله عليه وسلم بأنه صاحر .

أو مجنون ، كما وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله ، فكان صلى الله عليه وسلم يضيق صدره لذلك .قال تعالى : ( كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) تقوية قلب النبى صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت فؤاده ، وتسليته عما يتقوله المشركون من أكاذيب وأباطيل ، وإفهام الداعى إلى الله فى كل زمان ومكان أن من الواجب عليه أن يكون قوى القلب فى تحمل مهمته ، مطمئن البال على حسن عاقبته ، لا يتأثر بالمخالفة ، ولا يضيق صدره بالإنكار .وقد فسر صاحب الكشاف الحرج بالشك فقال : ( فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) أى شك منه كقوله : ( فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ) وسمى الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر حرجه ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه .

أى : لا تشك فى أنه منزل من الله ، ولا تتحرج من تبليغه ، لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم .

فكان ضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له ، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم " .وعلى أية حال فإن من فسر الحرج بالضيق راعى مدلول الكلمة الأصلى ومن فسره بالشك راعى الاستعمال المجازى ولذا قال الآلوسى :قوله تعالى - : ( فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) أى : شك .

وأصله الضيق ، واستعماله فى الشك مجاز علاقته اللزوم ، فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر ، كما أن المتيقن يعتريه انشرحه وانفساحه " .ولفظ ( كِتَابٌ ) يكون مبتدأ إذا جعلنا " ألمص " اسما للسورة ، وإلا كان خبراً لمبتدأ محذوف والتقدير : هذا كتاب .

وتنكيره للتفخيم والتعظيم وجملة ( أُنزِلَ إِلَيْكَ ) صفة له دالة على كمال تعظيم قدره وقدر من أنزل عليه .وإنما قيل : ( أُنزِلَ ) ولم يقل أنزله الله وأنزلناه ، للإيذان بأن المنزل مستغن عن التعريف لشرفه وغاية ظهوره .ثم بين - سبحانه - العلة فى إنزال الكتاب فقال : ( لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) .الإنذار : هو الإعلام المقترن بالتخويف من سوء عاقبة المخالفة .أى : أنزلنا إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس ، وتذكر به أهل الإيمان والطاعة ذكرى نافعة مؤثرة ، لأنهم هم المستعدون لذلك ، وهم المنتفعون بإرشادك .قال تعالى : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين ) وقال تعالى : ( تَبْصِرَةً وذكرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) وقال تعالى : ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ) قال صاحب الكشاف : فما محل ذكرى؟

قلت يحتمل الحركات الثلاث .

النصب بإضمار فعلها .

كأنه قيل : لتنذر به وتذكر تذكيرا ، لأن الذكرى اسم بمعنى التذكير ، والرفع عطفا على كتاب ، أو لأنه خبر مبتدأ محذوف .

والجر للعطف على محل لتنذر ، أى : للإنذار وللذكر " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الأية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: ﴿ المص ﴾ أنا الله أفصل، وعنه أيضاً: أنا الله أعلم وأفصل، قال الواحديّ: وعلى هذا التفسير فهذه الحروف واقعة في موضع جمل، والجمل إذا كانت ابتداء وخبراً فقط لا موضع لها من الإعراب، فقوله: أنا الله أعلم، لا موضع لها من الأعراب، فقوله: أنا مبتدأ وخبره قوله: الله وقوله: أعلم خبر بعد خبر، وإذا كان المعنى ﴿ المص ﴾ أنا الله أعلم كان إعرابها كإعراب الشيء الذي هو تأويل لها، وقال السُّدّيّ: ﴿ المص ﴾ على هجاء قولنا في أسماء الله تعالى أنه المصور.

قال القاضي: ليس هذا اللفظ على قولنا: أنا الله أفصل، أولى من حمله على قوله: أنا الله أصلح، أنا الله أمتحن، أنا الله الملك، لأنه إن كانت العبرة بحرف الصاد فهو موجود في قولنا أنا الله أصلح، وإن كانت العبرة بحرف الميم، فكما أنه موجود في العلم فهو أيضاً موجود في الملك والامتحان، فكان حمل قولنا: ﴿ المص ﴾ على ذلك المعنى بعينه محض التحكم، وأيضاً فإن جاء تفسير الألفاظ بناء على ما فيها من الحروف، من غير أن تكون تلك اللفظة موضوعة في اللغة لذلك المعنى، انفتحت طريقة الباطنية في تفسير سائر ألفاظ القرآن بما يشاكل هذا الطريق.

وأما قول بعضهم: إنه من أسماء الله تعالى فأبعد، لأنه ليس جعله إسماً لله تعالى، أولى من جعله اسماً لبعض رسله من الملائكة، أو الأنبياء، لأن الاسم إنما يصير اسماً للمسمى بواسطة الوضع والاصطلاح، وذلك مفقود هاهنا، بل الحق أن قوله: ﴿ المص ﴾ اسم لقب لهذه السورة، وأسماء الألقاب لا تفيد فائدة في المسميات، بل هي قائمة مقام الإشارات، ولله تعالى أن يُسَميّ هذه السورة بقوله: ﴿ المص ﴾ كما أن الواحد منا إذا حَدَثَ له ولد فإنه يسميه بمحمد.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ المص ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ خبره، وقوله: ﴿ أَنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ صفة لذلك الخبر.

أي السورة المسماة بقولنا: ﴿ المص كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

فإن قيل: الدليل الذي دل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هوأن الله تعالى خصه بإنزال هذا القرآن عليه، فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن نعرف نبوته، وما لم نعرف نبوته، لا يمكننا أن نحتج بقوله، فلو أثبتنا كون هذه السورة نازلة عليه من عند الله بقوله: لزم الدور.

قلنا: نحن بمحض العقل نعلم أن هذه السورة كتاب أنزل إليه من عند الله.

والدليل عليه أنه عليه الصلاة والسلام ما تلمذ لأستاذ، ولا تعلم من معلم، ولا طالع كتاباً ولم يخالط العلماء والشعراء وأهل الأخبار، وانقضى من عمره أربعون سنة، ولم يتفق له شيء من هذه الأحوال، ثم بعد انقضاء الأربعين ظهر عليه هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين والآخرين، وصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى.

فثبت بهذا الدليل العقلي أن ﴿ المص ﴾ كتاب أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه وإلهه.

المسألة الثانية: احتج القائلون بخلق القرآن بقوله: ﴿ كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ قالوا إنه تعالى وصفه بكونه منزلاً، والإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال، وذلك لا يليق بالقديم، فدل على أنه مُحْدَث.

وجوابه: أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف، ولا نزاعَ في كونها مُحْدَثة مخلوقة، والله أعلم.

فإن قيل: فهب أن المراد منه الحروف، إلا أن الحروف أعراض غير باقية، بدليل أنها متوالية، وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها، وإذا كان كذلك، فالعَرَض الذي لا يبقى زمانين، كيف يعقل وصفه بالنزول؟

والجواب: أنه تعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في اللوح المحفوظ، ثم إن الملك يطالع تلك النقوش، وينزل من السماء إلى الأرض، ويعلم محمداً تلك الحروف والكلمات، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة، هو أن مبلغها نزل من السماء إلى الأرض بها.

المسألة الثالثة: الذين أثبتوا لله مكاناً تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إنّ كلمة من لابتداء الغاية.

وكلمة إلى لانتهاء الغاية.

فقوله: ﴿ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يقتضي حُصول مَسافة مبدؤها هو الله تعالى وغايتها محمد، وذلك يدل على أنه- تعالى- مختص بجهة فوق، لأن النزول هو الانتقال من فوق إلى أسفل.

وجوابه: لما ثبت بالدلائل القاهرة أن المكان والجِهة على الله تعالى محال وجب حمله على التأويل الذي ذكرناه، وهو أن الملك انتقل به من العلو إلى أسفل.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ ﴾ وفي تفسير الحرج قولان: الأول: الحرج الضيق، والمعنى: لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ.

والثاني: ﴿ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ ﴾ أي شك منه، كقوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ  ﴾ وسمي الشك حرجاً، لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب.

ثم قال تعالى: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ هذه اللام بماذا تتعلق؟

فيه أقوال: الأول: قال الفراء: إنه متعلق بقوله: ﴿ أَنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ على التقديم والتأخير، والتقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه.

فإن قيل: فما فائدة هذا التقديم والتأخير؟

قلنا: لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر، ثم أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ.

الثاني: قال ابن الأنباري: اللام هاهنا بمعنى: كي.

والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك.

الثالث: قال صاحب النظم: اللام هاهنا: بمعنى: أن.

والتقدير: لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به، والعرب تضع هذه اللام في موضع أن قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم  ﴾ وفي موضع أخر ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ  ﴾ وهما بمعنى واحد.

والرابع: تقدير الكلام: أن هذا الكتاب أنزله الله عليك، وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى، فاعلم أن عناية الله معك، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج، لأن من كان الله حافظاً له وناصراً، لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب، فاشتغل بالإنذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الأبطال، ولا تبال بأحد من أهل الزيغ والضلال والإبطال.

ثم قال: ﴿ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.

قال الزجاج: وهو اسم في موضع المصدر.

قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة، وفي محل ذكرى من الإعراب وجوه قال الفراء: يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر به ولتذكر، ويجوز أن يكون رفعاً بالرد على قوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ والتقدير: كتاب حق وذكرى، ويجوز أيضاً أن يكون التقدير، وهو ذكرى، ويجوز أن يكون خفضاً، لأن معنى لتنذر به، لأن تنذر به فهو في موضع خفض، لأن المعنى للإنذار والذكرى.

فإن قيل: لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين؟

قلنا: هو نظير قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ والبحث العقلي فيه أن النفوس البشرية على قسمين: نفوس بليدة جاهلة، بعيدة عن عالم الغيب، غريقة في طلب اللذات الجِسْمانية، والشهوات الجسدانية ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة بالحوادث الروحانية، فبعثة الأنبياء والرسل في حق القسم الأول، إنذار وتخويف، فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة، احتاجوا إلى موقظ يوقظهم، وإلى منبه ينبههم.

وأما في حق القسم الثاني فتذكير وتنبيه، وذلك لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس والاتصال بالحضرة الصَّمدية، إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الجسم، فيعرض لها نوع ذهول وغفلة، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى، تذكرت مركزها وأبصرت منشأها، واشتاقت إلى ما حصل هنالك من الروح والراحة والريحان، فثبت أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة، وذكرى في حق طائفة أخرى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كِتَابٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هو كتاب.

و ﴿ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ صفة له.

والمراد بالكتاب السورة ﴿ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ ﴾ أي شك منه، كقوله: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ [يونس: 94] وسمى الشك حرجاً، لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه.

أي لا تشكّ في أنه منزل من الله، ولا تحرج من تبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له فأمّنه الله ونهاه عن المبالاة بهم.

فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ لّتُنذِرَ ﴾ ؟

قلت: بأنزل، أي أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي، لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار؛ لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه، متكل على عصمته، فإن قلت؛ فما محل ذكرى؟

قلت: يحتمل الحركات الثلات.

النصب بإضمار فعلها.

كأنه قيل: لتنذر به وتذكر تذكيراً لأن الذكرى اسم بمعنى التذكير، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف.

والجر للعطف على محل أن تنذر، أي للإنذار وللذكرى.

فإن قلت: النهي في قوله: ﴿ فَلاَ يَكُن ﴾ متوجه إلى الحرج فما وجهه؟

قلت: هو من قولهم: لا أرينك ههنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الأعْرافِ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ ثَمانِي آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ واسْألْهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ ﴾ مَحْكَمَةٌ كُلُّها.

وقِيلَ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ وآيُها مِائَتانِ وخَمْسٌ أوْ سِتُّ آياتٍ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ المص ﴾ سَبَقَ الكَلامُ في مِثْلِهِ.

﴿ كِتابٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو كِتابٌ، أوْ خَبَرُ ﴿ المص ﴾ والمُرادُ بِهِ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ.

﴿ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ صِفَتُهُ.

﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ أيْ شَكٌّ، فَإنَّ الشّاكَّ حَرِجُ الصَّدْرِ أوْ ضِيقُ قَلْبٍ مِن تَبْلِيغِهِ مَخافَةَ أنْ تُكَذَّبَ فِيهِ، أوْ تُقَصِّرَ في القِيامِ بِحَقِّهِ، وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ ها هُنا.

والفاءُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ والجَوابَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ فَلا يُحْرَجُ صَدْرُكَ.

﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ أوْ بِلا يَكُنْ لِأنَّهُ إذا أيْقَنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ جَسُرَ عَلى الإنْذارِ، وكَذا إذا لَمْ يَخَفْهم أوْ عَلِمَ أنَّهُ مُوَفَّقٌ لِلْقِيامِ بِتَبْلِيغِهِ.

﴿ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ بِإضْمارِ فِعْلِها أيْ: لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى فَإنَّها بِمَعْنى التَّذْكِيرِ، والجَرَّ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ تُنْذِرَ والرَّفْعَ عَطْفًا عَلى ﴿ كِتابٌ ﴾ أوْ خَبَرَ المَحْذُوفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كِتَابٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب {أُنزِلَ إِلَيْكَ} صفته والمراد بالكتاب السورة {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ} شك فيه وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه أي لا شك في أنه منزل من الله أو حرج منه بتبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينشط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم والنهي متوجه إلى الحرج وفيه من المبالغة ما فيه والفاء للعطف أي هذا الكتاب انزلته إليك فلا يكن بعد إنزاله حرج في صدرك واللام فى {لتنذر به} متعلق بانزل أى أنزل اليك لا لانذارك به وبالنهي لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذا إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الانذار به لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه {وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} في محل النصب بإضمار فعلها أي لتنذر به وتذكر تذكيراً فالذكرى اسم بمعنى التذكير أو الرفع بالعطف على كِتَابٌ أي هو كتاب وذكرى للمؤمنين أو بأنه خبر مبتدأ

محذوف أو الجر بالعطف على محل لّتُنذِرَ أي للإنذار وللذكرى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كِتابٌ ﴾ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ كِتابٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ أيْ مِن عِنْدِهِ تَعالى صِفَةٌ لَهُ مُشَرِّفَةٌ لِقَدْرِهِ وقَدْرِ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ  وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ الصَّرِيحِ بِالفاعِلِ لِغايَةِ ظُهُورِ تَعَيُّنِهِ وهو السِّرُّ في تَرْكِ ذِكْرِ مَبْدَأِ الإنْزالِ والتَّوْصِيفُ بِالماضِي إنْ كانَ الكِتابُ عِبارَةً عَنِ القُرْآنِ عَنِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ ظاهِرٌ وإنْ كانَ المَجْمُوعُ فَلِتَحَقُّقِهِ جُعِلَ كالماضِي واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن وافَقَهُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هُنا السُّورَةُ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى إنْ قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يُطْلَقْ عَلى البَعْضِ وإذا قُلْنا بِإطْلاقِهِ عَلى ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِمْ: ثَبَتَ هَذا الحُكْمُ بِالكِتابِ فالأمْرُ واضِحٌ ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ جَعْلَ ﴿ كِتابٌ ﴾ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَلى مَعْنى كِتابٍ أيْ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ هَذا خِلافُ الأصْلِ وحَذْفُ المُبْتَدَأِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى ﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ أيْ شَكٌّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ وأصْلُهُ الضِّيقُ واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ مَجازٌ كَما في الأساسِ عَلاقَتُهُ اللُّزُومُ فَإنَّ الشّاكَّ يَعْتَرِيهِ ضِيقُ الصَّدْرِ كَما أنَّ المُتَيَقِّنَ يَعْتَرِيهِ انْشِراحُهُ وانْفِساحُهُ والقَرِينَةُ المانِعَةُ هو امْتِناعُ حَقِيقَةِ الحَرَجِ والضِّيقُ مِنَ الكِتابِ وإنْ جَوَّزْتُها فَهي كِنايَةٌ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو قَدْ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في ذَلِكَ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لَكِنْ في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ كَخَوْفِ عَدَمِ القَبُولِ والتَّكْذِيبِ فَإنَّهُ  كانَ يَخافُ قَوْمَهُ وتَكْذِيبَهم وإعْراضَهم عَنْهُ وأذاهم لَهُ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ الآيَةَ ولِلْأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الخَوْفِ والخَوْفُ كَما يَقَعُ عَلى المَكْرُوهِ يَقَعُ عَلى سَبَبِهِ.

وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى الحَرَجِ بِمَعْنى الشِّرْكِ مَعَ أنَّ المُرادَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ قِيلَ إمّا لِلْمُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ ساحَةِ الرَّسُولِ  عَنِ الشَّكِّ فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مِمّا يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَنِ المَنهِيِّ وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ فَإنَّ وُقُوعَ الشَّكِّ في صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَبَبٌ لِاتِّصافِهِ وحاشاهُ بِهِ والنَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ نَهْيٌ عَنِ المُسَبَّبِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ لا أرَيَنَّكَ ها هُنا فَإنَّ النَّهْيَ هُناكَ وارِدٌ عَلى المُسَبَّبِ مُرادًا بِهِ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ فَيَكُونُ المَآلُ نَهْيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ تَعاطِي ما يُورِثُ الحَرَجَ فَتَأمَّلْ.

انْتَهى.

والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَرَجِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأنَّهُ مِن قَبِيلِ لا أرَيَنَّكَ ها هُنا في ذَلِكَ لِما أنَّ عَدَمَ كَوْنِ الحَرَجِ في صَدْرِهِ مِنَ لَوازِمِ عَدَمِ كَوْنِهِ مُتَعَرِّضًا لِلْحَرَجِ كَما أنَّ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ مِن لَوازِمِ عَدَمِ الكَوْنِ ها هُنا فالنّافِي لِكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ ذَلِكَ إنْ أرادَ الفَرْقَ بَيْنَهُما بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ في أحَدِهِما النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ والمُرادُ المُسَبَّبُ وفي الآخَرِ بِالعَكْسِ فَلا ضَيْرَ فِيهِ ولِهَذا عَبَّرَ البَعْضُ بِاللُّزُومِ دُونَ السَّبَبِيَّةِ وإنْ أرادَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكِنايَةِ أصْلًا فَباطِلٌ نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ المَجازِ والمَشْهُورُ أنَّ الدّاعِيَ لِهَذا التَّأْوِيلِ أنَّ الظّاهِرَ يَسْتَدْعِي نَهْيَ الحَرَجِ عَنِ الكَوْنِ في الصَّدْرِ والحَرَجُ مِمّا لا يُنْهى ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ فَلْيُفْهَمْ.

والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحَرَجِ حَقِيقَةً كَما يَفْهَمُهُ كَلامُ الكَشّافِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ المُبالاةِ بِالأعْداءِ وأيًّا ما كانَ فالتَّنْوِينُ في ﴿ حَرَجٌ ﴾ لِلتَّحْقِيرِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ حَرَجٌ كائِنٌ مِنهُ والفاءُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ إمّا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ بِلُغَةِ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ ..

إلَخْ.

وإمّا عَلى ما قَبْلَهُ بِتَأْوِيلِ الخَبَرِ بِالإنْشاءِ أوْ عَكْسِهِ أيْ تَحَقَّقَ إنْزالُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْكَ أوْ لا يَنْبَغِي لَكَ الحَرَجُ وتَحْتَمِلُ الجَوابَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ ..

إلَخْ.

وقالَ الفَرّاءُ إنَّها اعْتِراضِيَّةٌ وقالَ بَعْضُ المَشايِخِ هي لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الِانْتِهاءِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ إنْ كانَ المُرادُ لا يَكُنْ في صَدْرِكَ شَكٌّ ما في حَقِّيَّتِهِ فَإنَّهُ مِمّا يُوجِبُ انْتِفاءَ الشَّكِّ فِيما ذُكِرَ بِالكُلِّيَّةِ وحُصُولَ اليَقِينِ بِهِ قَطْعًا ولِتَرْتِيبِ ما ذُكِرَ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ لا عَلى نَفْسِهِ إنْ كانَ المُرادُ لا يَكُنْ فِيهِ شَكٌّ في كَوْنِهِ كِتابًا مُنَزَّلًا إلَيْكَ ولِلتَّرْتِيبِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ أوْ عَلى الإخْبارِ بِهِ إذا كانَ المُرادُ لا يَكُنْ فِيكَ ضِيقُ صَدْرٍ مِن تَبْلِيغِهِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ أوْ أنْ تُقَصِّرَ في القِيامِ بِحَقِّهِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما مُوجِبٌ لِلْإقْدامِ عَلى التَّبْلِيغِ وزَوالِ الخَوْفِ قَطْعًا وإنْ كانَ إيجابُ الثّانِي بِواسِطَةِ الأوَّلِ ولا يَخْفى ما في أوْسَطِ هَذِهِ الشُّقُوقِ مِنَ النَّظَرِ فَتَدَبَّرْ.

﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ ﴾ أيْ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ والفِعْلُ قِيلَ إمّا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ أنَّهُ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِإفادَةِ العُمُومِ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ حُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما سَيَأْتِي عَلَيْهِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأُنْزِلَ عِنْدَ الفَرّاءِ وجُمْلَةُ النَّهْيِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ العِلَّةِ ومَعْلُولِها وهو المَعْنى بِما نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قِيلَ: وهَذا مِمّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ فَإنَّ المُتَقَدِّمِينَ يَجْعَلُونَ الِاعْتِراضَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِتَخَلُّلِهِ بَيْنَ أجْزاءِ كَلامٍ واحِدٍ ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ في الكَلامِ قَلْبًا ووَجْهُ التَّوْسِيطِ إمّا أنَّ التَّرْتِيبَ عَلى نَفْسِ الإنْزالِ لا عَلى الإنْزالِ لِلْإنْذارِ وإمّا رِعايَةَ الِاهْتِمامِ مَعَ ما في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ مِنَ الإشارَةِ إلى كِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الإنْزالِ والإنْذارِ في نَفْيِ الحَرَجِ أمّا كِفايَةُ الثّانِي فَظاهِرَةٌ لِأنَّ المُخَوِّفَ لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ مَن يُخَوِّفُهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإنْذارِ عَلى ما يَجِبُ وأمّا كِفايَةُ الأوَّلِ فَلِأنَّ كَوْنَ الكِتابِ البالِغِ غايَةَ الكَمالِ مُنَزَّلًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً بَيْنَ سائِرِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ رَحِيبَ الصَّدْرِ غَيْرَ مُبالٍ بِالباطِلِ وأهْلِهِ وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُتَعَلِّقِ الخَبَرِ أيْ لا يَكُنِ الحَرَجُ مُسْتَقِرًّا في صَدْرِكَ لِأجَلِ الإنْذارِ وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ النَّهْيِ وهو الكَوْنُ بِناءً عَلى جَوازِ تَعَلُّقِ الجارِّ بَكانَ النّاقِصَةِ لِدَلالَتِها عَلى الحَدَثِ الصَّحِيحِ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِحَرَجٌ عَلى مَعْنى أنَّ الحَرَجَ لِلْإنْذارِ والضِّيقَ لَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّهُ مَعْمُولٌ لِلطَّلَبِ أوِ المَطْلُوبِ أعْنِي انْتِفاءَ الحَرَجِ وهَذا أظْهَرُ لا لِلْمَنهِيِّ أيِ الفِعْلُ الدّاخِلُ عَلَيْهِ النَّهْيُ كَما قِيلَ لِفَسادِ المَعْنى وأطْلَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِالنَّهْيِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْحَرَجِ لِأنَّ تَعْلِيلَ النَّهْيِ عَنِ الشَّكِّ بِما ذُكِرَ مِنَ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ مَعَ إيهامِهِ لِإمْكانِ صُدُورِهِ عَنْهُ  مُشْعِرٌ بِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ لَيْسَ بِمَحْذُورٍ لِذاتِهِ بَلْ لِإفْضائِهِ إلى فَواتِ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ لا أقَلَّ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مُعْظَمُ غائِلَتِهِ ولا رَيْبَ في فَسادِهِ وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي فَإنَّما يَتَأتّى التَّعْلِيلُ بِالإنْذارِ لا بِتَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ خَوْفٍ حَتّى يُجْعَلَ غايَةً لِانْتِفائِهِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ كَوْنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَحْذُورًا لِذاتِهِ ظاهِرٌ ظُهُورَ نارِ القِرى لَيْلًا عَلى عَلَمٍ فَلا يَكادُ يُتَوَهَّمُ نَقِيضُهُ والقَوْلُ بِأنَّهُ لا أقَلَّ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مُعْظَمُ غائِلَتِهِ لا فَسادَ فِيهِ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإنْ كانَ بَعْضُ غَوائِلِهِ في نَفْسِ الأمْرِ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ وأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِالإنْذارِ والتَّذْكِيرِ كَما سَيَتَّضِحُ لَكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَتَأتّى الِاعْتِراضُ نَظَرًا لِلتَّفْسِيرِ الثّانِي سَلَّمْنا أنَّها نَصٌّ لَكِنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ الآيَةَ ﴿ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ (2) نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلِهِ عَطْفًا عَلى ( تُنْذِرَ ) أيْ وتُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرًا ومَنعَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما نُقِلَ عَنْهُ العَطْفَ بِالنَّصْبِ عَلى مَحَلِّ ﴿ لِتُنْذِرَ ﴾ مُعَلَّلًا بِأنَّ المَفْعُولَ لَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ وفاعِلُ المُعَلَّلِ واحِدًا حَتّى يَجُوزَ حَذْفُ اللّامِ مِنهُ.

ويُمْكِنُ كَما في الكَشْفِ أنْ يُقالَ لا مَنعَ مِن أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ فِعْلَ المُنْزِلِ الحَقِّ تَعالى إلّا أنَّهُ يَفُوتُ التَّقابُلُ بَيْنَ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ نَعَمْ يُحْتَمَلُ الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى المَحَلِّ أيْ لِلْإنْذارِ والتَّذْكِيرِ ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ كِتابٌ ﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو ذِكْرى والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الأوَّلَ مَعْناهُ أنَّ هَذا جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ كَوْنُهُ كِتابًا كامِلًا في شَأْنِهِ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ في حُسْنِ بَيانِهِ وكَوْنِهِ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ يُذَكِّرُهُمُ المَبْدَأ والمَعادَ والثّانِي يُفِيدُ أنَّ هَذا المُقَيَّدَ بِكَوْنِهِ كِتابًا مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ هو ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ويَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ فَيُفِيدُ اسْتِقْلالَهُ بِكُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ وهَذا أوْلى لَفْظًا ومَعْنًى وتَخْصِيصُ التَّذْكِيرِ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ أوْ لِلْإيذانِ بِاخْتِصاصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ.

وتَقْدِيمُ الإنْذارِ لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ المَقامِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي مائتان وست آيات مكية قوله تعالى: المص قال ابن عباس يعني: أنا الله أعلم وأفصل معناه: أعلم بأمور الخلق وأفصل الأحكام والأمور والمقادير، وليس لي شريك في تدبير الخلق: ويقال: معناه أنا الله المصور.

ويقال: أنا الله الناصر.

ويقال: أنا الله الصادق.

وروى معمر بن قتادة قال: إنه اسم من أسماء القرآن ويقال هو قسم كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: أن هذا الكتاب أُنزل إليك يا محمد فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي: فلا يقعن في قلبك شك منه من القرآن أنه من الله عز وجل.

فالخطاب للنبي  والمراد به غيره.

كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] .

ويقال: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي فلا يضيقنّ صدرك بتكذيبهم إياك.

كقوله عز وجل: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 30] والحرج في اللغة هو الضيق.

ثم قال: لِتُنْذِرَ بِهِ على معنى التقديم يعني: كتاب أنزلناه إليك لتنذر به أي لتخوف بالقرآن أهل مكة وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي.

وعظة للمؤمنين الذين يتبعونك.

ثم قال: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي صدقوا، واعملُوا بما أنزل على نبيكم محمد  من القرآن ويقرءوه عليكم وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي: ولا تتّخذوا من دون الله أرباباً، ولا تعبدوا غيره.

ثم أخبر عنهم فقال: قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ما: صلة في الكلام ومعناه: قليلاً تتعظون.

يعني: إنهم لا يتعظون به شَيْئاً.

قرأ ابن عامر يَتَذَكَّرُونَ على لفظ المغايبة بالياء.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة بتشديد الذال والكاف لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تذكرون بتخفيف الذال، فأسقط التشديد للتخفيف.

ثم خوفهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها معناه: وكم من أهل قرية وعظناهم فلم يتعظوا فأهلكناهم فَجاءَها بَأْسُنا أي جاءها عذابنا بعد التكذيب بَياتاً أي ليلاً.

سمي الليل بياتاً لأنه يبات فيه أَوْ هُمْ قائِلُونَ عند القيلولة.

فإن لم تتّعظوا أنتم يأتيكم العذاب ليلاً أو نهاراً كما أتاهم.

ثم أخبر عن حال من أتاهم العذاب فقال: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا أي لم يكن قولهم حين جاءهم العذاب ولم تكن لهم حيلة إلا أنهم تضرعوا قَالُواْ: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي ظلمنا أنفسنا بترك طاعة ربنا من التوحيد يعني: إن قولهم بعد ما جاءهم العذاب يعني: الهلاك لم ينفعهم فاعتبروا بهم.

فإنكم إذا جاءكم العذاب لا ينفعكم التضرع.

ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني: الأمم لنسألنهم هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم وماذا أجبتم الرسل؟

وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عن تبليغ الرسالة.

وهذا كقوله عز وجل: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب: 8] ثم قال تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فلنخبرنّهم بما عملوا في الدنيا ببيان وعلم منا وَما كُنَّا غائِبِينَ عَمّا بلغت الرسل وعما ردَّ عليهم قومهم.

ومعناه: وما كنا نسألهم لنعلم ذلك ولكن نسألهم حجةً عليهم.

قوله: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)

وقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ قالت فرقة: المراد وكم من أَهْلِ قرية.

وقالت فرقة: اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم العُقُوبَةِ، و «الفاء» في قوله سُبْحَانَهُ: فَجاءَها بَأْسُنا لترتيب القَوْلِ فقط.

وقيل: المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ وبَياتاً، نصب على المصدر في موضع الحال، وقائِلُونَ من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ «١» والسكون لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ.

قال أبو «٢» حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نهارا «٣» انتهى.

وقوله عز وجل: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى «٤» في كلام العَرَبِ تأتي لمعنين:

أحدهما: الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ [الأنبياء: ١٥] .

والثاني: الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار «٥» ، والاعتراف، أي: هذا كان بدل الدعاء،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: رُفِعَ الكِتابُ بِالِابْتِداءِ.

ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنَّ اللَّهَ اكْتَفى في مُفْتَتَحِ السُّوَرِ بِبَعْضِ حُرُوفِ المُعْجَمِ عَنْ جَمِيعِها، كَما يَقُولُ القائِلُ: "ا ب ت ث" ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ حَرْفًا؛ فالمَعْنى: حُرُوفُ المُعْجَمِ: كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ الكِتابُ بِإضْمارِ: هَذا الكِتابُ.

وفي الحَرَجِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الضِّيقُ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.

وفي هاءِ "مِنهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكِتابِ؛ فَعَلى هَذا، في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ بِالإبْلاغِ، ولا تَخافَنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: لا تَشُكَّنَّ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُضْمَرٍ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الإنْذارُ، وهو التَّكْذِيبُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الفَرّاءُ: فَمَعْنى الآَيَةِ: لا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ إنْ كَذَّبُوكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ ﴾ مُقَدَّمٌ؛ والمَعْنى: أنْزَلَ إلَيْكَ لَتُنْذِر بِهِ وذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ، فَلا يَكُنْ في صَدْرِك حَرَج مِنهُ.

"وَذِكْرى" يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وخَفْضٍ؛ فَأمّا النَّصْبُ، فَعَلى قَوْلِهِ: أُنْزِلَ إلَيْكَ لَتُنْذِرَ بِهِ، وذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: ولِتُذَكِّرَ بِهِ ذِكْرى، لِأنَّ في الإنْذارِ مَعْنى التَّذْكِيرِ.

ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ: وهو ذِكْرى، كَقَوْلِكَ: وهو ذِكْرى لَلْمُؤْمِنِينَ.

فَأمّا الخَفْضُ، فَعَلى مَعْنى: لَتُنْذِرَ، لِأنَّ مَعْنى لَتُنْذِر لِأنْ تُنْذِرَ؛ المَعْنى: لِلإنْذارِ والذِّكْرى، وهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأعْرافِ" وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها؛ قالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ  ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  ﴾ ؛ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الـمـص ﴾ ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ؛ وذِكْرُ اخْتِلافِ المُتَأوِّلِينَ فِيها؛ ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ - زائِدًا عَلى تِلْكَ الأقْوالِ - بِما قالَهُ السُدِّيُّ: إنَّ "الـمـص"؛ هِجاءُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ هُوَ: "اَلْمُصَوِّرُ"؛ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: إنَّ مَعْناهُ: "أنا اللهُ الفاصِلُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لِلْحُرُوفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ بِما لا طائِلَ فِيهِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "هَذا كِتابٌ"؛ و ﴿ "أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كِتابٌ".

ثُمَّ نُهِيَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبْرِمَ؛ أو يَسْتَصْحِبَ مِن هَذا الكِتابِ؛ أو بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ حَرَجًا؛ ولَفْظُ النَهْيِ هو لِلْحَرَجِ؛ ومَعْناهُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأصْلُ "اَلْحَرَجُ": اَلضَّيْقُ؛ ومِنهُ "اَلْحَرَجَةُ": اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ الَّذِي قَدْ تَضايَقَ؛ والحَرَجُ - هَهُنا - يَعُمُّ الشَكَّ؛ والخَوْفَ؛ والهَمَّ؛ وَكُلَّ ما يُضَيِّقُ الصَدْرَ؛ وبِحَسَبِ سَبَبِ الحَرَجِ يُفَسَّرُ الحَرَجُ هَهُنا؛ وتَفْسِيرُهُ بِالشَكِّ قَلِقٌ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ عائِدٌ عَلى الكِتابِ؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ و"مِن"؛ هَهُنا؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَبْلِيغِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الآيَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الإنْذارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ إذِ اللَفْظُ يَعُمُّ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ؛ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَبْلِيغَ؛ والإنْذارَ؛ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ؛ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ ؛ اِعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ اَللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أُنْزِلَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَذِكْرى"؛ مَعْناهُ: تَذْكِرَةٌ؛ وإرْشادٌ؛ و"ذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "كِتابٌ"؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ وذِكْرى"؛ وقِيلَ: رَفْعُهُ عَلى جِهَةِ العَطْفِ عَلى صِفَةِ الكِتابِ؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ إلَيْكَ وذِكْرى"؛ فَهي عَطْفٌ عَلى "مُنَزَّلٌ"؛ داخِلَةٌ في صِفَةِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ"؛ وقِيلَ: نَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعٍ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ أيْ: "لِإنْذارِكَ وذِكْرى".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وحَكاهُ: اَلتَّقْدِيرُ: "قُلِ اتَّبِعُوا"؛ فَحُذِفَ القَوْلُ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ عَلَيْهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "اِتَّبِعُوا"؛ أمْرٌ يَعُمُّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأُمَّتَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِجَمِيعِ الناسِ؛ أيْ: "اِتَّبِعُوا مِلَّةَ الإسْلامِ؛ والقُرْآنَ".

وَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "اِبْتَغُوا ما أُنْزِلَ"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"وَلا تَبْتَغُوا"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أولِياءَ"؛ يُرِيدُ كُلَّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ كالأصْنامِ؛ والأحْبارِ؛ والكُهّانِ؛ والنارِ؛ والكَواكِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مِن دُونِهِ"؛ ﴾ راجِعٌ إلى "رَبِّكُمْ"؛ هَذا أظْهَرُ وُجُوهِهِ؛ وأبْيَنُها؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "اتَّبِعُوا ما"؛ ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ؛ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ قالَ الفارِسِيَّ: و"ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما تَذَكَّرُونَ"؛ ﴾ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ؛ وهي مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ وتَشْدِيدِ الكافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يَتَذَكَّرُونَ"؛ بِالياءِ؛ كِنايَةً عن غَيْبٍ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "تَتَذَكَّرُونَ"؛ بِتاءَيْنِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ذكرنا في طالعة سورة البقرة أنّ الحروف المقطّعة في أوائل السّور أعقبت بذكر القرآن أو الوحي أو ما في معنى ذلك، وذلك يرجح أن المقصود من هذه الحروف التّهجي، إبلاغاً في التّحدي للعرب بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن وتخفيفاً للعبء عن النّبيء صلى الله عليه وسلم فتلك جملة مستقلّة وهي هنا معدودة آية ولم تعدّ في بعض السّور.

فقوله: ﴿ كتب ﴾ مبتدأ ووقع الابتداء، بالنّكرة إمّا لأنّها أريد بها النّوع لا الفرد فلم يكن في الحكم عليها إبهام وذلك كقولهم: رجلٌ جاءني، أي لا امرأة، وتمرة خيرٌ من جرادة، وفائدة إرادة النّوع الردّ على المشركين إنكارهم أن يكون القرآن من عند الله، واستبعادهم ذلك، فذكّرهم الله بأنّه كتاب من نوع الكُتب المنزّلة على الأنبياء، فكما نزلت صحف إبراهيم وكتاب موسى كذلك نَزَل هذا القرآن، فيكون تنكير النّوعية لدفع الاستبعاد، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قالوا لا تخف خَصْمَان بغى بعضنا على بعض ﴾ [ص: 22] فالتّنكير للنّوعيّة.

وإما لأن التّنكير أريد به التّعظيم كقولهم: «شرّ أهَرّ ذَا نَاب» أي شرٌ عظيم.

وقول عُوَيْف القوافي: خَبَرٌ أتَانِي عن عُيَيْنَةَ موجِع *** كادَت عليه تَصَدعّ الأكْبَادُ أي هو كتاب عظيم تنويهاً بشأنه فصار التنكير في معنى التوصيف.

وإمّا لأنّه أريد بالتّنكير التعجيب من شأن هذا الكتاب في جميع ما حفّ به من البلاغة والفصاحة والإعجاز والإرشاد، وكونه نازلاً على رجل أمّيّ.

وقوله: ﴿ أنزل إليك ﴾ يجوز أن يكون صفة ل ﴿ كتاب ﴾ فيكون مسوغاً ثانياً للابتداء بالنّكرة ويجوز أن يكون هو الخبر فيجُوز أن يكون المقصود من الأخبار تذكير المنكرين والمكابرين، لأنّ النّبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يعلمون أنّه أنزل من عند الله، فلا يحتاجون إلى الإخبار به، فالخبر مستعمل في التّعريض بتغليط المشركين والمكابرين والقاصدين إغاظة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بالإعراض، ويجوز أن يكون المقصود من الخبر الامتنان والتّذكير بالنّعمة، فيكون الخبر مستعملاً في الامتنان على طريقة المجاز المرسل المركب.

ويجوز أن يجعل الخبر هو قوله: ﴿ أنزل إليك ﴾ مع ما انضمّ إليه من التّفريع والتّعليل، أي هو كتاب أنزل إليك فكن منشرح الصّدر به، فإنّه أنزل إليك لتنذر به الكافرين وتذكِّر المؤمنين، والمقصود: تسكين نفس النّبي صلى الله عليه وسلم وإغاظة الكافرين، وتأنيس المؤمنين، أي: هو كتاب أنزل لفائدة، وقد حصلت الفائدة فلا يكن في صرك حرج إن كذّبوا.

وبهذه الاعتبارات وبعدم منافاة بعضها لبعض يحمل الكلام على إرادة جميعها وذلك من مطالع السّور العجيبة البيان.

ومن المفسّرين من قدّروا مبتدأ محذوفاً، وجعلوا ﴿ كتب ﴾ خبراً عنه، أي هذا كتاب، أي أنّ المشار إليه القرآن الحاضر في الذّهن، أو المشار إليه السّورة أطلق عليها كتاب، ومنهم من جعل ﴿ كتاب ﴾ خبراً عن كلمة ﴿ آلمص ﴾ [الأعراف: 1] وكلّ ذلك بمعزل عن متانة المعنى.

وصِيغ فعل: ﴿ أنزل ﴾ بصيغة النائب عن الفاعل اختصاراً، للعِلم بفاعل الإنزال، لأنّ الذي يُنزل الكتب على الرّسل هو الله تعالى، ولما في مادة الإنزال من الإشعار بأنّه من الوحي لملائكة العوالم السّماوية.

والفاء في قوله: ﴿ فلا يكن في صدرك ﴾ اعتراضية إذ الجملة معترضة بين فعل ﴿ أنزل ﴾ ومتعلّقة وهو ﴿ لتنذر به ﴾ ، فإنّ الاعتراض يكون مقترناً بالفاء كما يكون مقترناً بالواو كما في قوله تعالى: ﴿ هذا فليذوقوه حميم وغساف ﴾ [ص: 57] وقوله: ﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى ﴾ [النساء: 135].

وقول الشّاعر وهو من الشّواهد: اعْلَمْ فعِلْمُ المرء يَنْفَعُه *** أنْ سَوف يأتي كُلّ ما قُدّرا وقول بشّار بن برد: كقائلة إنّ الحمار فَنَحِّه *** عن القتّ أهلُ السّمسم المُتهذّبِ وليست الفاء زائدة للاعتراض ولكنّها ترجع إلى معنى التّسبّب، وإنّما الاعتراض حصل بتقديم جملتها بين شيئين متّصلين مبادرة من المتكلّم بإفادته لأهمّيته، وأصل ترتيب الكلام هنا: كتاب أنزل إليك لتنذر به وذِكْرَى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه، وقد ذكَر في «مغني اللّبيب» دخول الفاء في الجملة المعترضة ولم يذكر ذلك في معاني الفاء فتوهّم متوهّمون أنّ الفاء لا تقع في الجملة المعترضة.

والمعنى أنّ الله أنزله إليك لا ليكون في صدرك حرج، بل لينشرح صدرك به.

ولذلك جاء في نفي الحرج بصيغة نَهْي الحرج عن أن يحصل في صدر النّبيء صلى الله عليه وسلم ليكون النّهي نهي تكوين، بمعنى تكوين النّفي، عكس أمر التّكوين الذي هو بمعنى تكوين الإثبات.

مُثِّلَ تكوين نفي الحرج عن صدره بحالة نهي العاقل المدرِك للخطاب، عن الحصول في المكان.

وجَعَل صاحب «الكشاف» النّهي متوجّهاً في الحقيقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي نهيه عن المبالاة بالمكذّبين بالقرآن، والغمّ من صنيعهم، وجعل النّهي في ظاهر اللّفظ متوجّهاً إلى الحرج للمبالغة في التّكليف، باقتلاعه من أصله على طريقة قول العرب: «لاَ أرَيَنَّكَ ههنا» أي لا تحضر فأراك، وقولهم: «لا أعْرِفَنَّك تفعل كذا» أي لا تفعلْه فأعرّفَك به، نهياً بطريق الكناية، وأيّاً ما كان فالتّفريع مناسب لمعاني التّنكير المفروض في قوله: ﴿ كتاب ﴾ ، أي فلا يكن في صدرك حرج منه من جهة ما جَرّه نزوله إليك من تكذيب قومك وإنكارهم نزوله، فلا يكن في صدرك حرج منه من عظم أمره وجلالتِه، ولا يكن في صدرك حرج منه فإنّه سبب شرح صدرك بمعانيه وبلاغته.

و (مِنْ) ابتدائيّة، أي حرج ينشأ ويسري من جرّاء المذكور، أي من تكذيب المكذّبين به، فلمّا كان التّكذيب به من جملة شؤونه، وهو سبب الحرج، صح أن يجعل الحرج مسبّباً عن الكتاب بواسطة.

والمعنى على تقدير مضاف أي حرج من إنكاره أي إنكار إنزاله من الله.

والحرج حقيقته المكان الضيّق من الغَابات الكثيرة الأشجار، بحيث يعسر السلوك فيه، ويستعار لِحالة النّفس عند الحزن والغضب والأسف، لأنّهم تخيّلوا للغاضب والآسِف ضيقاً في صدره لما وجدوه يعسر منه التّنفّس من انقباض أعْصاب مجاري النفَس، وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير ﴾ [هود: 12].

و ﴿ لتنذر ﴾ متعلّق ب ﴿ أنزل ﴾ على معنى المفعول لأجله، واقترانه بلام التعليل دون الإتيان بمصدر منصوب لاختلاف فاعل العامل وفاعِل الإنذار.

وجعل الإنذار به مقدّماً في التّعليل لأنّه الغرض الأهم لإبطال ما عليه المشركون من الباطل وما يخلفونه في النّاس من العوائد الباطلة التي تُعاني أزالتها من النّاس بعدَ إسلامهم.

﴿ ذكرى ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ لتنذر به ﴾ ، باعتبار انسباكه بمصدر فيكون في محلّ جرّ، ويجوز أن يكون العطف عطف جملة، ويكون ﴿ ذكرى ﴾ مصدراً بدلاً من فعله، والتّقدير: وذَكِّرْ ذكرى للمؤمنين، فيكون في محلّ نصب فيكون اعتراضاً.

وحذف متعلّق ﴿ تنذر ﴾ ، وصرح بمتعلّق ﴿ ذكرى ﴾ لظهور تقدير المحذوف من ذكر مقابله المذكور، والتّقدير: لتنذر به الكافرين، وصرح بمتعلّق الذّكرى دون متعلّق ﴿ تنذر ﴾ تنويها بشأن المؤمنين وتعريضاً بتحقِير الكافرين تجاه ذكر المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الأعْرافِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ  ﴾ إلى آخِرِ الخَمْسِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ المص ﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ تِسْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أُفَضِّلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ [حَرْفُ] هِجاءٍ [مِنَ] المُصَوِّرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ مِفْتاحٌ لَها، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّهُ اخْتِصارٌ مِن كَلامٍ يَفْهَمُهُ النَّبِيُّ  ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والسّادِسُ: هي حُرُوفُ هِجاءٍ مُقَطَّعَةٌ نَبَّهَ بِها عَلى إعْجازِ القُرْآنِ.

والسّابِعُ: هي مِن حِسابِ الجُمَلِ المَعْدُودِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.

والثّامِنُ: هي حُرُوفٌ تَحْوِي مَعانِيَ كَثِيرَةً دَلَّ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ بِها عَلى مُرادِهِ مِن كُلِّ ذَلِكَ.

والتّاسِعُ: هي حُرُوفُ اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلًا عاشِرًا: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ: المَصِيرَ إلى كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، فَحَذَفَ باقِيَ الكَلِمَةِ تَرْخِيمًا وعَبَّرَ عَنْهُ بِحُرُوفِ الهِجاءِ لِأنَّها تَذْهَبُ بِالسّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ولِلْعَرَبِ في الِاقْتِصارِ عَلى الحُرُوفِ مَذْهَبٌ كَما قالَ الشّاعِرُ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافِ.

..

...

...

أيْ وقَفْتُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ وفي الحَرَجِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الضِّيقُ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو أصْلُهُ.

قالَ الشَّمّاخُ بْنُ ضِرارٍ: ولَوْ رَدَّتِ المَعْرُوفَ عِنْدِي رَدَدْتُها ∗∗∗ لِحاجَةٍ لا العالِي ولا المُتَحَرِّجِ وَيَكُونُ مَعْناهُ: فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ خَوْفًا ألّا تَقُومَ بِحَقِّهِ.

والثّانِي: أنَّ الحَرَجَ هُنا الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قالَ الرّاجِزُ: آلَيْتُ لَوْلا حَرَجٌ يَعْرُونِي ∗∗∗ ما جِئْتُ أغْزُوكَ ولا تَغْزُونِي وَمَعْناهُ: فَلا تَشْكُ فِيما يَلْزَمُكَ فِيهِ فَإنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ.

والثّالِثُ: فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِأنْ يُكَذِّبُوكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فَجَعَلَهُ إنْذارًا لِلْكافِرِينَ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَعُودَ نَفْعُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ قال: الشك.

وقال لأعرابي: ما الحرج فيكم؟

قال: الشك اللنهس.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ قال: شك.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ قال: ضيق.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ أي هذا القرآن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ، أجمع النحويون: على أن الكتاب مرفوع بمضمر قبله، المعنى: هذا ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ (١) وأجاز الفراء أن يكون موضع هذه الحروف المعجمة رفعًا بما بعدها، و ﴿ كِتَابٌ ﴾ مرتفع بها كالمبتدأ والخبر، والمعنى: ﴿ المص ﴾ حروف ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ، وأطال الكلام في بيان هذا (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ  ﴾ .

قال ابن عباس (٤) (٥) قال أبو إسحاق: (معناه: لا يضيق صدرك بالإبلاغ ولا تخافن؛ وذلك أنه يروى عن النبي  أنه قال: "أي رب إني أخاف أن يثلغوا (٦) (٧) ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾ أي: فلا يضيقن صدرك من تأدية ما أرسلت به) (٨) وقال الفراء: (لا يضيق صدرك بالقرآن بأن يكذبوك) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: (وتأويل هذا، وقوله: ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ﴾ الآية [يونس: 94] أن ما خوطب به النبي  فهو خطاب لأمته فكأنه بمنزلة: فلا تشكوا ولا ترتابوا) (١٣) قال ابن قتيبة: (وأصل الحرج الضيق، والشك في الشيء يضيق صدره؛ لأنه لا يعلم حقيقته فسمي الشك حرجا) (١٤) وقوله: ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ ﴾ .

قال الفراء: (اللام في ﴿ لِتُنْذِرَ ﴾ متعلق بقوله ﴿ أُنْزِلَ ﴾ على التقديم والتأخير، على تقدير ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ لتنذر به ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾ ) (١٥) وقال ابن الأنباري: (ويجوز أن تكون اللام صلة للكون (١٦) ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ﴾ شيء (١٧) ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ ﴾ ، كما يقول الرجل من العرب للرجل: لا تكن ظالما ليقضي (١٨) (١٩) (٢٠) قال صاحب النظم (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ لِيُطْفِئُوا  ﴾ ، وهما جميعا بمعنى واحد) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: ومواعظ للمصدقين) (٢٥) (٢٦) وقال الليث: (الذكرى اسم للتذكرة) (٢٧) ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى  ﴾ .

وأما محل ﴿ ذِكْرَى ﴾ من الإعراب، فقال الفراء: (يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ ﴾ وتذكر، قال: ويجوز أن يكون رفعًا بالرد على الكتاب كأنك قلت: كتاب حق وذكرى (٢٨) وقال الزجاج: (ويجوز على أن يكون وهو ﴿ ذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، قآل: ويجوز أن يكون خفضًا؛ لأن معنى ﴿ لِتُنْذِرَ ﴾ : لأن تنذر فهو في موضع خفض؛ لأن المعنى للإنذار والذكرى) (٢٩) (١) هذا نص كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 314، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 293 "إعراب النحاس" 1/ 98 ، "المشكل" 1/ 281.

(٢) انظر: "معاني الفراء" 1/ 369 - 370.

(٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 213 - 214 "إعراب النحاس" 1/ 598.

(٤) "تنوير المقباس" 2/ 80، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 156، وأخرج ابن حسنون في "اللغات" ص 23 - 25، والوزان 3 ب عن ابن عباس قال: (حرج: ضيق بلغة قيس عيلان، وشك بلغة قريش).

(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف" 187 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 213.

(٦) في (ب): (تبلغوا)، وهو تحريف - والثلغ: الشدخ وضرب الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ.

انظر "النهاية" 1/ 220.

(٧) هذا طرف من حديث طويل أخرجه أحمد في "المسند" 4/ 162، ومسلم في "صحيحه" رقم (2865) عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله (قال == ذات يوم في خطبته: "إن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ..

".

الحديث.

ومعنى يثلغوا رأسي، أي: يشدخوه ويشجوه كما يشدخ الخبز أي: يكسر.

أفاده الإِمام النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" 17/ 289.

(٨) "معاني الزجاج" 2/ 315، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 7 - 8 (٩) "معاني الفراء" 1/ 370.

(١٠) "تفسير مجاهد" 1/ 231، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 116، وابن أبي حاتم 5/ 1438 بسند جيد.

(١١) "تفسير مقاتل" 2/ 29.

(١٢) في (أ): (شيء)، وهو تحريف.

(١٣) "معاني الزجاج" 2/ 315، ومثله في "معاني النحاس" 2/ 7 - 8 والراجح أن المراد بالحرج في الآية الضيق لأن ذلك هو الغالب من معناه في كلام العرب وهو اختيار أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 210، والطبري في "تفسيره" 8/ 116، وابن عطية 5/ 423، وأبي حيان في "البحر" 4/ 266.

(١٤) "تفسير غريب القرآن" ص 176.

(١٥) "معاني الفراء" 1/ 370، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 315، و"تفسير الطبري" 8/ 117، و"معاني النحاس" 3/ 8.

(١٦) في (ب): (ليكون).

(١٧) في (ب): (شك).

(١٨) في (أ): (لتقضى) بالتاء.

(١٩) في (أ): (فيحمل) بالياء.

(٢٠) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 16، وأبو حيان في "البحر" 4/ 266، ونقله السمين في "الدر" 5/ 242 - 243 عن الواحدي عن ابن الأنباري، وانظر: كلام ابن الأنباري على مادة حرج في "الزاهر" 1/ 236، و"المذكر والمؤنث" 1/ 258، و"شرح القصائد" ص 321، ص 580، و"إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 650.

(٢١) صاحب "النظم"، أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني.

تقدمت ترجمته، وكتابه "نظم القرآن" مفقود.

(٢٢) في (أ): (يكون) بالباء.

(٢٣) في (ب): (فالمعنى).

(٢٤) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 16، وأبو حيان في "البحر" 4/ 266، ونقله السمين في "الدر" 5/ 242 - 244، وقال: (هذا قول ساقط جدًّا؛ كيف يكون حرف يختص بالأفعال يقع موقع آخر مختص بالأسماء.

ونقل الشيخ أبو حيان في "البحر" عن ابن الأنباري وصاحب النظم: أن اللام متعلقة بما تعلق به خبر الكون إذ التقدير: فلا يكن حرج مستقرًا في صدرك لأجل الإنذار، والذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ذلك أن اللام متعلقة بالكون وعن صاحب النظم أن اللام بمعنى أن، فيجوز أن يكون لهما كلامان) اهـ.

ملخصًا.

وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 599، و"البيان" 1/ 353، و"التبيان" ص 367، و"الفريد" 2/ 266.

(٢٥) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 17، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 156 بدون نسبة.

وفي "تنوير المقباس" 2/ 80 نحوه.

(٢٦) "معاني الزجاج" 2/ 316.

(٢٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1286، وانظر: "العين" 5/ 346، وأصل الذكر بالكسر حفظ الشيء وجرى الشيء على اللسان، والذكر والذكرى بالكسر ضد النسيان، انظر: "الجمهرة" 2/ 694، و"الصحاح" 2/ 664، و"المجمل" 2/ 360، و"المفردات" ص 328، و"اللسان" 3/ 1507.

(ذكر).

(٢٨) انظر: "معاني الفراء" 1/ 370.

(٢٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 315 - 316، وعلى هذا فيه ثلاثة أوجه: الرفع: عطفًا على كتاب أو على إضمار مبتدأ، والنصب: على المصدر أي وتذكر ذكرى أو على العطف على موضع التنذر).

والجر على العطف على المصدر المنسبك في أن المقدرة بعد لام كي أي: للإنذار والتذكير أو على الضمير في (به) وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 599، و"المشكل" 1/ 281، و"البيان" 1/ 353، و"التبيان" ص 367، و"الفريد" 2/ 266، و"الدر المصون" 5/ 244.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ المص ﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة ﴿ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ أي ضيق من تبليغه مع تكذيب قومك، وقيل: الحرج هنا الشك، فتأويله كقوله: ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين ﴾ [آل عمران: 60] ﴿ لِتُنذِرَ ﴾ متعلق بأنزل ﴿ وذكرى ﴾ منصوب على المصدرية بفعل مضمر تقديره لتنذر وتذكر ذكرى، لأن الذكر بمعنى التذكير، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو مخفوض عطفاً على موضع لتنذر أي للأنذار والذكرى ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ انتصب قليلاً بتذكرون أي تذكرون تذكراً قليلاً، وما زائدة للتوكيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يتذكرون ﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر.

والباقون كما مر في آخر الأنعام.

الوقوف: ﴿ المص ﴾ ه كوفي ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ قائلون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ غائبين ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ معايش ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه.

التفسير: قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم.

وعن ابن عباس معنى المص أنا الله أعلم وأفصل.

وقال السدي: معناه أنا المصوّر.

وقيل: معناه ألم نشرح لك صدرك بدليل ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ كما زاد في الرعد راء لقوله بعده ﴿ رفع السموات  ﴾ ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا محل لها من الإعراب، وإن كانت اسماً للسورة جاز أن يكون ﴿ المص ﴾ مبتدأ و ﴿ كتاب ﴾ يعني به السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون ﴿ المص ﴾ خبر مبتدأ محذوف وكذا ﴿ كتاب ﴾ أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك.

والدليل على أنه منزل من الله  هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتاباً ولم يخالط أهل الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق الوحي.

القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال وهذا من سمات المحدثات.

وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة.

فإن قيل: الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟

أجيب بأنه  أحدث هذه الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش وحفظها ونزل فعلمها محمداً صلى الله عليه وآله.

ثم قال: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ أي شك.

وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى ﴿ منه ﴾ أي من شأن الكتاب أي لا تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك ههنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ذلك سبب رؤيته ومثله قوله  ﴿ وليجدوا فيكم غلظة  ﴾ ظاهره أمر للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين.

وفي متعلق قوله ﴿ لتنذر ﴾ أقوال.

قال الفراء: إنه متعلق بـ ﴿ أنزل ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج.

وفائدة التقديم والتأخير أن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر.

وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله على ربه وثقته بعصمته.

وقال صاحب النظم: اللام بمعنى "أن" كقوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ليطفؤا  ﴾ والتقدير لا يضق صدرك ولا تضعف عن أن تنذر به.

وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك وإذا علمت أنه تنزيل الله  فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظاً وناصراً لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال.

ثم قال: ﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.

وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر.

قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.

وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيراً، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف والجر للعطف على محل ﴿ أن تنذر ﴾ أي للإنذار وللذكرى.

وإنما لم نقل على محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً ولو صح ذلك لكان محله النصب لا الجر.

وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: ﴿ هدى للمتقين  ﴾ والتحقيق فيه أن النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قويّ، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله  تذكرت معدنها وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلمتحتج إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه  أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة.

ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً.

عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.

وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض.

فإن قيل: العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله: ﴿ فاعتبروا  ﴾ عمل بالقرآن أيضاً.

قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه ﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿ أولياء ﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع.

ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ من دونه ﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون دين الله أولياء.

احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله  والعمل بالقياس.

متابعة غير ما أنزل فلا يجوز.

لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله: ﴿ فاعتبروا  ﴾ لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  ﴾ وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره.

أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع.

وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر  ﴾ وبعموم قوله صلى الله عليه وآله "لا تجتمع أمتي على الضلالة" والفرع لا يكون أقوى من الأصل.

أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح.

ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية.

وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر.

ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا.

و"ما" مزيدة لتوكيد القلة.

ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: ﴿ وكم من قرية ﴾ فموضع "كم" رفع بالابتداء و"من" مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿ أهلكناها ﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل قرية لقوله ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله: ﴿ أوهم قائلون ﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم.

وإنما قال: ﴿ فجاءها ﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت.

وهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس.

والعلماء أجابوا بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا  ﴾ ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح.

فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟

فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه" فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا ههنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت.

وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً.

ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس.

ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله: عرضت الناقة على الحوض.

وقوله ﴿ بياتاً ﴾ قال الجوهري: بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات.

وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً.

وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين.

ثم قال: ﴿ أوهم قائلون ﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿ بياتاً ﴾ كأنه قيل: فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين.

وإنما حسن ترك الواو ههنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل.

فقولك: جائني زيد راجلاً أو هو فارس.

كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً.

وقال بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا.

أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة.

وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله  : ﴿ أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً  ﴾ والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع.

وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.

أيا راقد الليل مسوراً بأوّله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.

ثم قرر حالهم عند مجيء البأس فقال: ﴿ فما كان دعواهم ﴾ أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم على أنفسهم.

وقال ابن عباس: فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم بالشرك.

وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء.

حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما فرط منهم وفرطوا فيه.

ومحل ﴿ دعواهم ﴾ وعلى عكسه محل ﴿ إن قالوا ﴾ يجوز أن يكون نصباً أو رفعاً كما سبق في إعراب قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  ﴾ ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيداً آجلاً فقال: ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله: ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين  ﴾ ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بعلم ﴾ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عنهم وعما وجد منهم.

فإن قيل: ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعدما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟

فالجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير تقريعاً وتوبيخاً.

فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟

قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله  في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار.

فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: ﴿ فلنسئلن ﴾ وبين قوله: ﴿ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان  ﴾ فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها.

أو المراد نفي سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض.

وفي الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها أنه  عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك.

وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز والجهات وإلا كان غائباً من غيره.

ثم بيّن أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن الأعمال فقال: ﴿ والوزن ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ يومئذ ﴾ وقوله ﴿ الحق ﴾ صفة المبتدأ أي الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم.

وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون ﴿ الحق ﴾ خبراً و ﴿ يومئذٍ ﴾ ظرفاً للوزن ومعنى الحق أنه كائن لا محالة.

وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما جاء في الخبر "إنه  ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها" .

وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصوّر أعماله بصور حسنة وأعمال الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس.

وثانيهما أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد.

"يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف" .

وعن عبد الله بن سلام أن ميزان العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله  : "يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في الآخرة فترجح" قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات وإلا كان إغراء على المعصية.

ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله  أشرف العقائد والأعمال.

وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله  من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي  : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟

فيقول: أنا نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ قد وافتك أحوج ما تكون إليها القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا يبعد جعل الوزن مجازاً عن العدل.

ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها.

وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال فنقول: المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقراً بأنه  عادل حكيم وحينئذٍ يكفيه حكم الله  بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا يكون مقراً فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان.

أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه  منزه عن الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد الفرح والسرور للمؤمن وبالضدّ للكافر.

واختلف العلماء أيضاً في كيفية الرجحان فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات.

وقال آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة.

واختلف أيضاً في الموازين فقيل: إنها جمع موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد.

ولئن سلم أنها جمع الميزان فالعرب قد توقع لفظاً لجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الأفراس والبغال.

قاله الزجاج.

وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة  ﴾ وأيضاً لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.

ثم إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب بها وهذا لا يليق إلا بالكافر.

ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياماً ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله  فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال ولا انقطاع.

قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم.

ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ أقدرناكم على التصرف فيها ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه المنافع التي تحصل بتخليق الله  ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة.

وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيهاً بصحائف واستبعده النحويون البصريون.

ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي فقال: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ .

التأويل: ﴿ المص ﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿ كتاب أنزل على قلبك ﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح.

وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله.

﴿ وكم من قرية ﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿ قائلون ﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله  مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿ والوزن يومئذ ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.

روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة.

﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه.

والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله: " ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق" وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ ولقد مكناكم ﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿ وجعلنا لكم ﴾ خاصة ﴿ معايش ﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية.

فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

الحمد لله العليم بخلقه، اللطيف لرشد عباده، ضرب لهم الآيات والبيان؛ لينقلهم بحكمته وتدبيره من الجهالة إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى، ووصى رسوله أن يدعو عباده إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، فبعث محمداً  إلى الناس كافة، وأنزل إليه الكتاب تلا فيه ما في الكتب الأولى؛ ليبين لأهل الكتاب والمشركين أن النبي الأمي العربي لم يعلم ما في الكتب الأعجمية إلا من عند الله؛ ليكون ذلك أوضح لهم في الحجة.

وكان رسول الله  قبل الرسالة معروفاً عند الفريقين أنه لم يتل كتاباً، ولا خطه بيمينه، ولا كان عندهم من شعرائهم، ولا المعروف بأنسابهم وعلم أنبيائهم؛ وذلك أبلغ في البرهان، فأنبأ فيه علم الغيوب، وفرض الفرائض، وحكم فيه الأحكام، وأنزل فيه الحجج بتأليف يعجز عنه من دون الله؛ ليبين لهم أنه من عند الله، فأنف قومه، وأبوا أن يستمعوه واستكبروا عليه، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ وقالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ  ﴾ ؛ فأتاهم العليم الخبير من قبل أنفسهم وكبرهم؛ فأنزل في الكتاب كلاماً افتتح به السورة لم يكن من كلام قومه؛ فلما سمعوه ظنوا أنه بديع ابتدعه محمد  كإبداعهم البلاغات والأوابد، وأنفوا أن يكون محمد يقدر من ذلك على ما لا يقدرون، فتدبروا الكتاب ليعلموا صدوره بما بعده من الكلام، فسمعوا كلاماً مجيداً [حكيماً]، ونبأ عظيما، وحججاً نيرة، ومواعظ شافية؛ فدخل أكثرهم في الإسلام، وقعد عنه رجلان: معاندٌ متعمد، وجاهل مقلد لا ينظر، وفيما أنزل مما وصف قوله: ﴿ كۤهيعۤصۤ  ﴾ ، و ﴿ طسۤمۤ ﴾ \[الشعراء، القصص: 1\]، و [ ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ ] و ﴿ الۤر ﴾ \[يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر: 1\] وما أشبهها.

فقال: ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ .

ليعطف بها على النظر فيما بعدها.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يقول: كتاب من ربك؛ لتنذر به عباده.

﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ .

يقول: فلا يضيقن صدرك عن الذي فرض الله عليك فيه من البلاغ إلى قومك، وبما فرض عليك من البراءة منهم، وممّا يعبدون من دون الله؛ فكأن الرسول  يخاف ما خافت الرسل من بين يديه، فقال موسى: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ وقد كان يعرف قومه بالتسرع إلى القتل فيما ليس مثل ما يأتيهم به، فأمنه الله منهم بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ، وقال في آخر هذه السورة: ﴿ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ  ﴾ : يفهمونها عن الله -  - فإنها من أعظم آيات الله لرسوله  أعلمه أنهم لا يصلون إلى ما يخاف منهم.

وفي الأثر "أن الله -  - لما أرسله إلى قومه، فقال: أي رب إذا يثلغوا رأسي فيذروه مثل خُبزَة فأمنه الله -  - من ذلك" ، فقال: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ من البلاغ، ولا يضيقن صدرك بما فرض الله عليك من العبادة والحكم الذي تخالف فيه قومك.

ثم وصف الكتاب فقال: ﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يقول: يتذكرون بما فيه ويتدبرونه فيعلمون به الحق من الباطل، ويذكرون به ما فرض عليهم.

ويحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة خطاباً خاطب الله بها رسله يفهمونها لا يفهمها غيرهم، [على ما يكون لملوك الأرض بينهم وبين خواصّهم إشارات يفهمها خواصهم ولا يفهمها غيرهم]، هذا متعارف فيما بين الخلق أن يكون لهم فيما بينهم وبين خواصهم ما ذكرنا؛ فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة خطابات من الله خاطب بها رسله - وهم خواصه - يفهمونها ولا يفهمها غيرهم، ثم وجهُ فهمهم يكون لوجهين: يخبرهم فيقول: إني إذا أنزلت إليكم كذا فمرادي من ذلك كذا، أو كان البيان والمراد منها مقروناً بها وقت إنزالها ففهموا المراد منها بما أفهمهم الله وأراهم ما لم ير ذلك غيرهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ  ﴾ ، أرى رسله شيئاً لم ير ذلك غيرهم، ولا أطلعهم على ذلك، فهو من المتشابه على غيرهم؛ وأما على الرسل فليس من المتشابه.

وقال الفراء: يحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة المتفرقة التي أنزلها من أ ب ت ث إلى آخرها كأنه قال: إني جمعت هذه الحروف المقطعة فجعلتها كتاباً، فأنزلتها؛ من نحو: ﴿ الۤمۤصۤ  ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ  ٱللَّهُ  ﴾ ، و ﴿ الۤـمۤ  ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ ، و ﴿ الۤمۤر  ﴾ ونحوه، والله أعلم بما أراد به ذلك.

وقد ذكرنا هذا في صدر الكتاب مقدار ما حفظنا وفهمنا من أقاويل أهل العلم في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ .

قيل: الحرج: هو الضيق في الصدر، ثم يحتمل ضيق الصدر وجوهاً: يحتمل ضيق الصدر ما يحل عليه في ذلك من الشدائد والخطورات بتبليغه إلى الكفرة الذين نشئوا على الكفر والشرك، وخاصة الفراعنة والملوك الذين همتهم القتل والإهلاك لمن استقبلهم بالخلاف.

أو أن يوسوس في صدره الشيطان أنه ليس من عند الله، أو أن يقول له: إنه من أساطير الأولين؛ على ما قال أولئك الكفرة: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ على النهي، أي: لا يكن في صدرك منه حرج، أي: لا يضق صدرك مما حمل عليك.

وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ﴾ ، أي: شك أنه من عند الله نزل.

وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي؛ لأنه بالنهي ما يكون عصمه.

ويحتمل: ليس على النهي، ولكن على ألا تحمل على نفسك ما فيه هلاكك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ : ليس على النهي؛ ولكن على ألا تحمل على نفسك ما فيه هلاكك؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم إن الله - عز وجل - أمنه عما كان يخاف من أولئك بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ، وأمنه من وساوس الشيطان؛ على ما روي في الخبر أنه قيل: "ألك شيطان؟

فقال: كان، ولكن أعنت عليه؛ فأسلم" أمّن - عز وجل - رسوله عن ذلك كله؛ لما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ .

يحتمل أنه أمره أن ينذر به الكفرة، ويبشر به المؤمنين؛ كقوله: ﴿ لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ الكفرة.

﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: بشرى على ما ذكرنا، ويكون في الإنذار بشرى؛ لأنه إذا أنذر فقبل الإنذار، فهو له بشرى.

ويحتمل قوله: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ ، أي: الكل الموافق والمخالف جميعاً؛ كقوله: ﴿ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ ، ﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: الذي ينتفع به المؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعُواْ ﴾ .

لا تتبعوا أولئك في التحليل والتحريم وفي الأمر والنهي؛ لأنه ليس إلى الخلق التحليل والتحريم.

وقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أمر المؤمنين أن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، على ما أمر رسوله  أن يتبع ما أنزل إليه من ربه؛ كقوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴾ ؛ ليعلم أن ما أنزل إلى رسول الله  هو منزل إلى المؤمنين [جميعاً].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

فيما ذكر، وما يحل وما يحرم، وما يأمر وينهى.

﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .

قيل: أرباباً، أي لا تتبعوا من دونه أولياء فيما يحلون ويحرمون، ويأمرون وينهون، أي: إنما عليهم اتباع ما حرم عليهم، واستحلال ما أحل لهم.

وأما إنشاء التحليل والتحريم فلا.

وقال بعض أهل التأويل: أولياء الأصنام، والأوثان.

ولكن لا يحتمل هاهنا، ولكن قد ذكرنا أنهم كانوا يتبعون عظماءهم في التحليل والتحريم؛ كقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكانوا لا يتخذون أولئك الأحبار أرباباً في الحقيقة، ولكن كانوا يتبعونهم فيما يحلون ويحرمون ويصدرون عن آرائهم؛ فسموا بذلك لشدة اتباعهم أولئك في التحليل والتحريم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

قال أهل التأويل: يعني بالقليل: المؤمنين، ولكن يحتمل قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: لا تتذكرون رأساً؛ لأن الخطاب جرى فيه لأولئك الكفرة، وفيهم نزلت الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

القرآن الكريم كتابٌ أنزله الله عليك -أيها الرسول- فلا يكن في صدرك منه ضيق ولا شك، أنزله إليك لتخوِّف به الناس، وتقيم به الحجة، ولتذكِّر به المؤمنين، فهم الذين ينتفعون بالذكرى.

<div class="verse-tafsir" id="91.xpamj"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله