الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٤٥ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم وصفهم بقوله : ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ) أي : يصدون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء ، ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة ، حتى لا يتبعها أحد .
( وهم بالآخرة كافرون ) أي : وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون ، أي : جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به .
فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل; لأنهم لا يخافون حسابا عليه ، ولا عقابا ، فهم شر الناس أعمالا وأقوالا .
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: إن المؤذن بين أهل الجنة والنار يقول: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، الذين كفروا بالله وصدّوا عن سبيله (5) =(ويبغونها عوجًا)، يقول: حاولوا سبيل الله = وهو دينه (6) =" أن يغيروه ويبدِّلوه عما جعله الله له من استقامته " (7) =(وهم بالآخرة كافرون)، يقول: وهم لقيام الساعة والبعث في الآخرة والثواب والعقاب فيها جاحدون.
* * * والعرب تقول للميل في الدِّين والطريق: " عِوَج " بكسر " العين ", وفي ميل الرجل على الشيء والعطف عليه: " عاجَ إليه يَعُوج عِيَاجًا وعَوَجًا وعِوَجًا ", بالكسر من " العين " والفتح, (8) كما قال الشاعر: (9) قِفَــا نَسْــأَلْ مَنَــازِلَ آلِ لَيْــلى عَــلَى عِــوَجٍ إلَيْهَــا وَانْثِنَــاءِ (10) ذكر الفراء أن أبا الجرّاح أنشده إياه بكسر العين من " عوج "، فأما ما كان خلقة في الإنسان, فإنه يقال فيه: " عَوَج ساقه ", بفتح العين.
-------------------- الهوامش : (5) انظر تفسير (( الصد )) فيما سلف 10 : 565 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(6) انظر تفسير (( سبيل الله )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(7) انظر تفسير (( بغى )) فيما سلف ص : 286 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(8) انظر تفسير (( العوج )) فيما سلف 7 : 53 ، 54 ، ومجاز القرآن أبي عبيدة 1 : 98 .
(9) لم أعرف قائله .
(10) اللسان ( عوج ) ، وروايته : * مَتَــى عِــوَجٌ إلَيْهَـا وَانْثنَـاءُ * وفي المطبوعة : (( قفا نبكي )) ، وهو من سوء قراءة الناشر للمخطوطة ، وصوابه ما أثبت كما في رواية اللسان أيضًا .
قوله تعالى الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرونقوله تعالى الذين يصدون عن سبيل الله في موضع خفض ل " الظالمين " على النعت .
ويجوز الرفع والنصب على إضمار هم أو أعني .
أي الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام .
فهو من الصد الذي هو المنع .
أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون .
وهذا من الصدود .ويبغونها عوجا يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها .
وقد مضى هذا المعنىوهم بالآخرة كافرون أي وكانوا بها كافرين ، فحذف وهو كثير في الكلام .
{ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ } أي: بُعْدُه وإقصاؤه عن كل خير { عَلَى الظَّالِمِينَ } إذ فتح اللّه لهم أبواب رحمته، فصدفوا أنفسهم عنها ظلما، وصدوا عن سبيل اللّه بأنفسهم، وصدوا غيرهم، فضلوا وأضلوا.
واللّه تعالى يريد أن تكون مستقيمة، ويعتدل سير السالكين إليه، { و } هؤلاء يريدونها { عِوَجًا } منحرفة صادة عن سواء السبيل، { وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ } وهذا الذي أوجب لهم الانحراف عن الصراط، والإقبال على شهوات النفوس المحرمة، عدم إيمانهم بالبعث، وعدم خوفهم من العقاب ورجائهم للثواب، ومفهوم هذا النداء أن رحمة اللّه على المؤمنين، وبرَّه شامل لهم، وإحسانَه متواتر عليهم.
( الذين يصدون ) أي : يصرفون الناس ، ( عن سبيل الله ) طاعة الله ، ( ويبغونها عوجا ) أي : يطلبونها زيغا وميلا أي : يطلبون سبيل الله جائرين عن القصد .
قال ابن عباس : يصلون لغير الله ، ويعظمون ما لم يعظمه الله .
والعوج - بكسر العين - في الدين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائما ، وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط والرمح ونحوهما .
( وهم بالآخرة كافرون )
«الذين يصدون» الناس «عن سبيل الله» دينه «ويبغونها» أي يطلبون السبيل «عوجا» معوجة «وهم بالآخرة كافرون».
هؤلاء الكافرون هم الذين كانوا يُعْرِضون عن طريق الله المستقيم، ويمنعون الناس من سلوكه، ويطلبون أن تكون السبيل معوجة حتى لا يتبينها أحد، وهم بالآخرة -وما فيها- جاحدون.
ثم بين - سبحانه - ما جرى بعد ذلك فقال : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ) .التأذن : رفع الصوت بالإعلام بالشىء .
واللعنة : الطرد والإبعاد مع الخزى والإهانة .والمعنى : بعد أن قامت الحجة على الكافرين وثبت الفوز للمؤمنين .
نادى مناد بين الفريقين بقوله : لعنة الله على الظالمين لأنفسهم ، ولغيرهم ، الذين من صفاتهم أنهم يمنعون الناس عن اتباع شريعة الله ، ويريدون لها أن تكون معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها الناس ، وهم بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب جاحدون مكذبون .وفى قوله : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) .
نكر المؤذن؛ لأن معرفته غير مقصودة بل المقصود بالإعلام بما يكون هناك من الأحكام ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شىء ، فهو من أمور الغيب التى لا تعلم علما صحيحا إلا بالتوقيف المستند إلى الوحى ، وما ورد فى ذلك فهو من الآثار التى لا يعتمد عليها .قال بعض العلماء : " وفى هاتين الآيتين تعرض السورة لمرحلة أخرى من مراحل العذاب ، وهى نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار نداء يسجل عليهم الخزى والنكال ، ويشعرهم بالحسرة والندامة ، إذ كذبوا بما يرونه الأن واقعا فى مقابلة النعيم الذى صار إليه أهل الإيمان ، وأحسوا به كذلك واقعا .وفى هذا نرى صورة من الحديث الذى يمثل الرضا والاطمئنان واللذة من جانب .
ويمثل الحسرة والذلة والقلق من جانب آخر .
ويصور الحكم النافذ الذى لا مرد له ولا محيص عنه يؤذن به مؤذن لا يدرك كنهه ولا يعلم من هو ولا ما صوته ولا كيف يلقى أذانه ، ولا كيف يكون أثر هذا الأذن فى نفوس سامعه .وإنه لتصوير قوى بارع ، يحرك إليه النفوس ، ويهز المشاعر ، ويبين أن النهاية الأليمة المتوقعة لهؤلاء المكذبين ، إنما هى تسجيل اللعنة عليهم ، والطرد والحرمان من رحمة الله ، مشيرا إلى أسباب ذلك الحرمان الماثلة فى ظلمهم الذى كونه صدهم عن سبيل الله ، وبغيهم إياها عوجا وانحرافا وكفرهم بدار الجزاء .
اعلم أنه تعالى لما شرح وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان والطاعات أتبعه بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين وهي الأحوال التي ذكرها في هذه الآية.
واعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله: ﴿ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا ﴾ دل ذلك على أنهم استقروا في الجنة في وقت هذا النداء فلما قال بعده: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار ﴾ دل ذلك على أن هذا النداء إنما حصل بعد الاستقرار، قال ابن عباس: وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقاً؟
والغرض من هذا السؤال إظهار أنه وصل إلى السعادات الكاملة وإيقاع الحزن في قلب العدو وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: إذا كانت الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرضين فمع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء؟
والجواب: هذا يصح على قولنا: لأنا عندنا البعد الشديد والقرب الشديد ليس من موانع الإدراك، والتزم القاضي ذلك وقال: إن في العلماء من يقول في الصوت خاصية إن البعد فيه وحده لا يكون مانعاً من السماع.
السؤال الثاني: هذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض؟
والجواب: أن قوله: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار ﴾ يفيد العموم والجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد، وكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في الدنيا.
السؤال الثالث: ما معنى ﴿ أَن ﴾ في قوله: ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ .
والجواب: إنه يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وأن تكون مفسرة كالتي سبقت في قوله: ﴿ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ وكذلك في قوله: ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ .
السؤال الرابع: هلا قيل: (مَا وَعَدَكُمُ رَبُّكُمْ حَقّا) كما قيل: ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا ﴾ .
والجواب: قوله: ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا ﴾ يدل على أنه تعالى خاطبهم بهذا الوعد، وكونهم مخاطبين من قبل الله تعالى بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف.
ومزيد التشريف لائق بحال المؤمنين، أما الكافر فهو ليس أهلاً لأن يخاطبه الله تعالى، فلهذا السبب لم يذكر الله تعالى أنه خاطبهم بهذا الخطاب بل ذكر تعالى أنه بين هذا الحكم.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ نَعَمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الآية تدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة بأن وعد الله ووعيده حق وصدق ولا يمكن ذلك إلا إذا كانوا عارفين يوم القيامة بذات الله وصفاته.
فإن قيل: لما كانوا عارفين بذاته وصفاته، وثبت أن من صفاته أنه يقبل التوبة عن عباده، وعلموا بالضرورة أن عند قبول التوبة يتخلصون من العذاب، فلم لا يتوبون ليخلصوا أنفسهم من العذاب؟
وليس لقائل أن يقول إنه تعالى إنما يقبل التوبة في الدنيا لأن قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ عام في الأحوال كلها، وأيضاً فالتوبة اعتراف بالذنب وإقرار بالذلة والمسكنة واللائق بالرحيم الحكيم التجاوز عن هذه الحالة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة.
أجاب المتكلمون: بأن شدة اشتغالهم بتلك الآلام الشديدة يمنعهم عن الإقدام على التوبة ولقائل أن يقول: إذا كانت تلك الآلام لا تمنعهم عن هذه المناظرات، فكيف تمنعهم عن التوبة التي بها يتخلصون عن تلك الآلام الشديدة؟
واعلم أن المعتزلة الذين يقولون يجب على الله قبول التوبة لا خلاص لهم عن هذا السؤال.
أما أصحابنا لما قالوا إن ذلك غير واجب عقلاً قالوا لله تعالى أن يقبل التوبة في الدنيا، وأن لا يقبلها في الآخرة، فزال السؤال.
والله أعلم.
المسألة الثانية: قال سيبويه: ﴿ نَعَمْ ﴾ عدة وتصديق، وقال الذين شرحوا كلامه معناه: إنه يستعمل تارة عدة، وتارة تصديقاً، وليس معناه: أنه عدة وتصديق معاً ألا ترى أنه إذا قال: أتعطيني؟
وقال نعم كان عدة ولا تصديق فيه، وإذا قال: قد كان كذا وكذا.
فقلت: نعم فقد صدقت ولا عدة فيه، وأيضاً إذا استفهمت عن موجب كما يقال: أيقوم زيد؟
قلت: نعم ولو كان مكان الإيجاب نفياً لقلت: بلى ولم تقل نعم فلفظة نعم مختصة بالجواب عن الإيجاب، ولفظة بلى مختصة بالنفي كما في قوله تعالى: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ .
المسألة الثالثة: قرأ الكسائي ﴿ نِعْمَ ﴾ بكسر العين في كل القرآن.
قال أبو الحسن: هما لغتان قال أبو حاتم: الكسر ليس بمعروف، واحتج الكسائي بأنه روى عن عمر أنه سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم.
فقال عمر: أما النعم فالإبل.
قال أبو عبيدة: هذه الرواية عن عمر غير مشهورة.
أما قوله تعالى: ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى التأذين في اللغة النداء والتصويت بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها، وقالوا في: ﴿ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ ﴾ نادى مناد أسمع الفريقين.
قال ابن عباس: وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل أن يكون ظرفاً لقوله: (أذّن) والتقدير: أن المؤذن أوقع ذلك الأذان بينهم، وفي وسطهم، ويحتمل أن يكون صفة لقوله: ﴿ مُؤَذّنٌ ﴾ والتقدير: أن مؤذناً من بينهم أذن بذلك الأذان، والأول أولى والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم ﴿ أَن ﴾ مخففة ﴿ لَّعْنَةُ ﴾ بالرفع والباقون مشددة ﴿ لَّعْنَةُ ﴾ بالنصب.
قال الواحدي رحمه الله: من شدد فهو الأصل، ومن خفف ﴿ أَن ﴾ فهي مخففة من الشديدة على إرادة إضمار القصة والحديث تقديره أنه لعنه الله، ومثله قوله تعالى: ﴿ وآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الحمد للهِ رَبِ العالمينَ ﴾ التقدير: أنه، ولا تخفف أن إلا ويكون معها إضمار الحديث والشأن.
ويجوز أيضاً أن تكون المخففة هي التي للتفسير كأنها تفسير لما أذنوا به كما ذكرناه في قوله: ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ وروى صاحب الكشاف أن الأعمش قرأ ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله ﴾ بكسر ﴿ إِن ﴾ على إرادة القول، أو على إجراء ﴿ أذَّنَ ﴾ مجرى قال.
المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على أن ذلك المؤذن، أوقع لعنة الله على من كان موصوفاً بصفات أربعة.
الصفة الأولى: كونهم ظالمين.
لأنه قال: ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ قال أصحابنا المراد منه المشركون، وذلك لأن المناظرة المتقدمة إنما وقعت بين أهل الجنة وبين الكفار، بدليل أن قول أهل الجنة هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟
لا يليق ذكره إلا مع الكفار.
وإذا ثبت هذا فقول المؤذن بعده ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ يجب أن يكون منصرفاً إليهم، فثبت أن المراد بالظالمين هاهنا، المشركون، وأيضاً أنه وصف هؤلاء الظالمين بصفات ثلاثة.
هي مختصة بالكفار وذلك يقوي ما ذكرناه، وقال القاضي المراد منه، كل من كان ظالماً سواء كان كافراً أو كان فاسقاً تمسكاً بعموم اللفظ.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ ومعناه: أنهم يمنعون الناس من قبول الدين الحق، تارة بالزجر والقهر، وأخرى بسائر الحيل.
والصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ والمراد منه إلقاء الشكوك والشبهات في دلائل الدين الحق.
والصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَهُم بالأخرة كافرون ﴾ واعلم أنه تعالى لما بين أن تلك اللعنة إنما أوقعها ذلك المؤذن على الظالمين الموصوفين بهذه الصفات الثلاثة، كان ذلك تصريحاً بأن تلك اللعنة ما وقعت إلا على الكافرين، وذلك يدل على فساد ما ذكره القاضي من أن ذلك اللعن يعم الفاسق والكافر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
(إن) في ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وأن تكون مفسرة كالتي سبقت آنفاً، وكذلك ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطاً بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وزيادة في غمهم، لتكون حكايته لطفاً لمن سمعها، وكذلك قول المؤذن بينهم: لعنة الله على الظالمين.
وهو ملك يأمره الله فينادي بينهم نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار.
وقرئ: ﴿ أن لعنة الله ﴾ بالتشديد والنصب.
وقرأ الأعمش: ﴿ إن لعنة الله ﴾ بكسر إن على إرادة القول، أو على إجراء ﴿ أَذِنَ ﴾ مجرى قال.
فإن قلت: هلا قيل: ما وعدكم ربكم، كما قيل: ما وعدنا ربنا؟
قلت: حذف ذلك تخفيفاً لدلالة وعدنا عليه.
ولقائل أن يقول: أطلق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة؛ لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع، ولأن الموعود كله مما ساءهم وما نعيم أهل الجنة إلاّ عذاب لهم فأطلق لذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ﴾ إنَّما قالُوهُ تَبَجُّحًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأصْحابِ النّارِ وتَحْسِيرًا لَهم، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ما وعَدَكم كَما قالَ ﴿ ما وعَدَنا ﴾ لِأنَّ ما ساءَهم مِنَ المَوْعُودِ لَمْ يَكُنْ بِأسْرِهِ مَخْصُوصًا وعْدَهُ بِهِمْ، كالبَعْثِ والحِسابِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ.
﴿ قالُوا نَعَمْ ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ.
﴿ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ قِيلَ هو صاحِبُ الصُّوَرِ.
﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ لِلْبَزِّيِّ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ﴿ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ.
وقُرِئَ « إنَّ» بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ.
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِلظّالِمِينَ مُقَرِّرَةٌ، أوْ ذَمٌّ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ.
﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ زَيْغًا ومَيْلًا عَمّا هو عَلَيْهِ، والعِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي والأعْيانِ ما لَمْ تَكُنْ مُنْتَصِبَةً، وبِالفَتْحِ ما كانَ في المُنْتَصِبَةِ، كالحائِطِ والرُّمْحِ.
﴿ وَهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{الّذين يصدّون} يمنعون {عن سبيل الله} دينه {ويبغونها عوجا} مفعول ثان ليغون أي ويطلبون لها الاعوجاج والتناقض {وهم بالآخرة} بالدار الآخرة بالدار الآخرة {كافرون}
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ يَصُدُّونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْ دِينِهِ سُبْحانَهُ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ فالمَوْصُولُ صِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلظّالِمِينَ لِأنَّ هَذا الإعْراضَ لازِمٌ لِكُلِّ ظالِمٍ وجُوِّزَ القَطْعُ بِالرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ وكِلاهُما عَلى الذَّمِّ وأمْرُ الوَقْفِ ظاهِرٌ وفَسَّرَ الإمامُ النَّسَفِيُّ الصَّدَّ هُنا بِمَنعِ الغَيْرِ وعَلَيْهِ فَلا تَقْرِيرَ والمَعْنى يَمْنَعُونَ النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّهْيِ عَنْهُ وإدْخالِ الشُّبَهِ في دَلائِلِهِ ﴿ ويَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ اعْوِجاجَها ويَذُمُّونَها فَلا يُؤْمِنُونَ بِها أوْ يَطْلُبُونَ لَها تَأْوِيلًا وإمالَةً إلى الباطِلِ فالعِوَجُ إمّا عَلى أصْلِهِ وهو المَيْلُ وإمّا بِمَعْنى التَّعْوِيجِ والإمالَةِ ونَصْبُهُ قِيلَ عَلى الحالِيَّةِ وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِيَّةِ وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ كَرَجَعَ القَهْقَرى واشْتَمَلَ الصَّمّاءَ وذَكَرَ أنَّ العِوَجَ بِالكَسْرِ يَكُونُ في الدِّينِ والطَّرِيقِ وبِالفَتْحِ في الخِلْقَةِ فَيُقالُ في ساقِهِ عَوَجٌ بِالفَتْحِ وفي دِينِهِ عِوَجٌ بِالكَسْرِ وقالَ الرّاغِبُ: العِوَجُ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ كالخَشَبِ المُنْتَصِبِ ونَحْوِهِ والعَوَجُ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِفِكْرَةٍ وبَصِيرَةٍ كَما يَكُونُ في أرْضٍ بَسِيطٍ وكالدِّينِ والمَعاشِ وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿ وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ ﴾ (45) أيْ غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ بِالقِيامَةِ وما فِيها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ والعُدُولُ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ إشارَةً إلى رُسُوخِ الكُفْرِ فِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا أي: ما وعدنا يعني: في الدنيا من الثواب وجدناه صدقاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ من العذاب حَقًّا أي صدقاً قالُوا نَعَمْ فاعترفوا على أنفسهم في وقت لا ينفعهم الاعتراف.
قرأ الكسائي قالوا: نَعِمْ بكسر العين في جميع القرآن.
وقرأ الباقون بالنصب.
وروي عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: نَعَمْ بالنصب فقال له عمر: النَّعَم المال، وقل: نَعِمْ يعني: بكسر العين وروى الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال: ما كانت أشياخ قريش إلا يقولون: نَعِمْ فماتت يعني: اللغة فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وذلك أنه ينادي منادٍ بين الجنة والنار تسمعه الخلائق كلهم إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المحسنين ولعنة الله على الظالمين أي: كرامة الله وفضله وإحسانه على المؤمنين وعذاب الله مع عقابه على الكافرين.
ثم قال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الناس عن دين الله، وهو الإسلام وهم الرؤساء منهم منعوا أتباعهم عن الإيمان وَيَبْغُونَها عِوَجاً يقول يريدون بملة الإسلام غيراً وزيفاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ يعني: أنهم كانوا جاحدون بالبعث.
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي أنَّ لَعْنَةَ الله بالتشديد ونصب الهاء.
وقرأ الباقون أنَّ لَعْنَةُ بتخفيف أَنْ وضم الهاء.
قوله: وَبَيْنَهُما حِجابٌ أي بين أهل الجنة وأهل النار سور وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور كعرف الديك.
وقال القتبي: الأعراف سور بين الجنة والنار، وسمي بذلك لارتفاعه، وكل مرتفع عند العرب أعراف.
وقال السدي: إنما سمّي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس.
روي عن رسول الله أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: «هُمْ قَوْمٌ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله فِي مَعْصِيةِ آبائِهِمْ فَمَنَعَهُمْ مِنَ النَّارِ قَتْلُهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَنَعَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ مَعْصِيَتُهُمْ آبَاءَهُمْ» .
وعن حذيفة بن اليمان أنه قال: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم يكن لهم حسنات فاضلة يدخلون بها الجنة ولا سيئات فاضلة يدخلون بها النار.
وهذا القول أيضاً روي عن ابن عباس مثل هذا.
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: هم أولاد الزنى.
وروي عن أبي مجلز أنه قال: هم الملائكة.
فبلغ ذلك مجاهداً فقال: كذب أبو مجلز يقول الله تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ فقال أبو مجلز: لأن الملائكة ليسوا بإناث ولكنهم عباد الرحمن.
قال الله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: 19] .
يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ يعني: أن أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة إذا مروا بهم ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم والسيما هي العلامة وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: فإذا مرّ بهم زمرة من أهل الجنة قالوا: أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: إن أهل الأعراف يسلّمون على أهل الجنة لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ يعني: أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون أنْ يَدخلوها.
وقال الحسن: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدهم بها.
ويقال: لم يدخلوها يعني: أهل الجنة لم يدخلوها حتى يسلم عليهم أهل الأعراف وهم يطمعون في دخولها.
ويقال: أهل النار لم يدخلوها أبداً وهم يطمعون وطمعهم أن أفيضوا علينا من الماء.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أي: قيل لهم بِصِيَاحٍ، وهذا النداء من قِبَلِ اللَّه، «وأن» مفسرة لمعنى النداء، بمعنى: أي.
وقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لا على طَرِيق وجوب ذلك على اللَّه تعالى لكن بقرينة رحمته، وتغمده، والأعمال أمارة من اللَّه سبحانه وطريق إلى قوة الرَّجَاء، ودخولُ الجَنَّة إنما هو بِمُجَرَّدِ رحمته، والقَسْمُ فيها على قدر الأعمال.
«وأورثتم» مشيرة إلى الأقسام.
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)
وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ...
الآية.
هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تَقْرِيعٌ، وتوبيخ، وزيادة في الكَرْبِ، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والإبصار.
وقوله سبحانه: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أي: أعلم معلم، والظالمون هنا هم الكافرون.
ت: حكي عن غير وَاحِدٍ أن طاوس دخل على هشام بن عبد الملِكِ «١» فقال له: اتّق الله، واحْذَرْ يوم الأذان، فقال: وما يوم الأذان؟
فقال قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذُلُّ الوَصْفِ، فكيف ذل المُعَايَنَةِ انتهى.
وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي: يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في يَبْغُونَها عائد على السَّبيل.
وقوله سبحانه: وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.
وَبَيْنَهُما: أي: بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجَمْعَيْنِ، والحِجَابُ هو السور الذي ذكره الله عز وجل في قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ [الحديد: ١٣] .
قال ابن عباس، وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار «١» .
وقال ابن عباس أيضاً: هو تَلٌّ بين الجنة والنار» .
وذكر الزّهراويّ حديثا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن أُحُداً جَبَلٌ يحبنا ونحبُّه، وإِنَّه يَوْمَ القِيَامَةِ يمثلُ بينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَحْتَبِسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ، يعرفون كُلاًّ بِسِيماهُمْ، هُمْ إِن شَاءَ اللَّه من أَهْلِ الجَنَّةِ» «٣» .
والأعراف جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عُرْفُ الفرس، وعرف الديك لعلوِّهُمَا.
وقال بعض الناس: سُمِّيَ الأعراف أَعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس.
قال ع «٤» : وهذه عُجْمَةٌ، وإنما المراد على أعراف ذلك الحِجَاب، أي أعاليه.
وقوله: رِجالٌ قال الجمهور: إنهم رِجَالٌ من البَشَرِ، ثم اختلفوا في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سَعْدٍ: هم المستشهدون في سَبِيلِ اللَّه الذين خَرَجُوا عُصَاةً لآبائِهِم «٥» .
وذكر الطَّبَرِيُّ في ذلك/ حَدِيثاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأنه تعادل عُقُوقُهم، واستشهادهم «٦» .
وقال ابن عباس، وغيره: هم قوم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وسيئاتهم «٧» ، ووقع في «مسند
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ؟
وهَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ وتَعْيِيرٍ.
﴿ قالُوا نَعَمْ ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ العَيْنِ في سائِرِ القُرْآَنِ، وكانَ الكِسائِيُّ يَكْسِرُها.
قالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ.
﴿ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، "أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ" خَفِيفَةَ النُّونِ ساكِنَةً.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنْ" بِالتَّشْدِيدِ، "لَعْنَةَ اللَّهِ" بِالنَّصْبِ.
قالَ الأخْفَشُ: "وَأنْ" في قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: أنْ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ، و: ﴿ أنْ قَدْ وجَدْنا ﴾ ، هي أنَّ الثَّقِيلَةَ خُفِّفَتْ.
قالَ الشّاعِرُ: فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ وَأنْشَدَ أيْضًا: أكاشِرَةٌ وأعْلَمُ أنَّ كِلانا ∗∗∗ عَلى ما ساءَ صاحِبُهُ حَرِيصُ وَمَعْناهُ: أنَّهُ كِلانا؛ وتَكُونُ ﴿ أنْ قَدْ وجَدْنا ﴾ في مَعْنى: أيْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والظّالِمُونَ هاهُنا: الكافِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: أذَّنَ المُؤَذِّنُ أنْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو الإسْلامُ.
﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ مُفَسَّرٌ في [آَلِ عِمْرانَ:٩٩] .
﴿ وَهم بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ: وهم بِكَوْنِ الآَخِرَةِ كافِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يَكُونُ مِنهُمْ؛ وعَبَّرَ عن مَعانٍ مُسْتَقْبَلَةٍ بِصِيغَةٍ ماضِيَةٍ؛ وهَذا حَسَنٌ فِيما تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ؛ وهَذا النِداءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِأهْلِ النارِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وزِيادَةٌ في الكَرْبِ؛ وهو بِأنْ يُشْرِفُوا عَلَيْهِمْ؛ ويُخْلَقُ الإدْراكَ في الأسْماعِ؛ والأبْصارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَعَمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وقَرَأ الكِسائِيُّ: "نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ ورُوِيَتْ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وعَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَرَأها ابْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ قالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ؛ ولَمْ يَحْكِ سِيبَوَيْهِ الكَسْرَ؛ وقالَ: "نَعَمْ": عِدَةٌ؛ وتَصْدِيقٌ؛ أيْ: مَرَّةً هَذا؛ ومَرَّةً هَذا؛ وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ عَنِ الكِسائِيِّ ؛ عن شَيْخٍ مِن ولَدِ الزُبَيْرِ قالَ: ما كُنْتُ أسْمَعُ أشْياخَ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ إلّا "نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ ثُمَّ فَقَدْتُها بَعْدَهُ؛ وفِيهِ عن قَتادَةَ ؛ «عن رَجُلٍ مِن خَثْعَمٍ قالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ؟
قالَ: "نَعِمْ"؛» بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وفِيهِ عن أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ قالَ: سَألَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن شَيْءٍ فَقالُوا: "نَعَمْ"؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلنَّعَمُ: اَلْإبِلُ؛ والشاءُ؛ قُولُوا: نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ اللُغَةُ لا تُعْرَفُ اليَوْمَ بِالحَرَمَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُما: ﴿ "أذَّنَ مُؤَذِّنٌ"؛ ﴾ بِمَعْنى: "أعْلَمُ مُعْلِمٌ"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: "أذَّنْتُ": إعْلامٌ بِتَصْوِيتٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ ﴿ "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"؛ ﴾ بِتَخْفِيفِ "أنْ"؛ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ ورَفْعِ "لَعْنَةُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ في رِوايَةِ البِزِّيِّ ؛ وشِبْلٍ: "أنَّ لَعْنَةَ"؛ بِتَثْقِيلِ "أنَّ"؛ ونَصْبِ "لَعْنَةَ"؛ وكُلُّهم قَرَأ الَّتِي في النُورِ: "أنَّ لَعْنَةَ اللهِ"؛ و"أنَّ غَضَبَ اللهِ"؛ بِتَشْدِيدِ النُونِ؛ غَيْرَ نافِعٍ ؛ فَإنَّهُ قَرَأهُما: "أنْ لَعْنَةُ"؛ و"أنْ غَضَبُ"؛ مُخَفَّفَتَيْنِ؛ ورَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ: "مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم إنَّ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ عَلى إضْمارِ قالَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِما كانَ الأذانُ قَوْلًا؛ والظالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْكافِرُونَ.
ثُمَّ ابْتَدَأ صِفَتَهم بِأفْعالِهِمْ في الدُنْيا لِيَكُونَ عَلامَةً أنَّ أهْلِ هَذِهِ الصِفَةِ هُمُ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ ﴾ ؛ و ﴿ "يَصُدُّونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ و"اَلسَّبِيلُ": اَلطَّرِيقُ؛ والمَنهَجُ؛ ويُذَكَّرُ؛ ويُؤَنَّثُ؛ وتَأْنِيثُها أكْثَرُ؛ و ﴿ "وَيَبْغُونَها"؛ ﴾ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَها؛ أو يَطْلُبُونَ لَها؛ فَإنْ قَدَّرْتَ يَطْلُبُونَها؛ فَـ ﴿ "عِوَجًا"؛ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَمِيرِ العائِدِ عَلى "اَلسَّبِيلِ"؛ أيْ: "مُعْوَجَّةً"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في ﴿ "وَيَبْغُونَها"؛ ﴾ أيْ: مُعْوَجِّينَ؛ وإنْ قُدِّرَتْ "يَبْغُونَها": يَطْلُبُونَ لَها؛ وهو ظاهِرُ تَأْوِيلِ الطَبَرِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ فَـ "عِوَجًا"؛ مَفْعُولُ "يَبْغُونَ"؛ و"اَلْعِوَجُ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ في الأُمُورِ والمَعانِي؛ و"اَلْعَوَجُ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ في الأجْرامِ؛ والمُتَنَصِّباتِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ ونادى أصحاب الجنّة ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ [الأعراف: 43] إلخ، عطفَ القول على القول، إذْ حكي قولهم المنبيءُ عن بهجتهم بما هم فيه من النّعيم، ثمّ حكي ما يقولونه لأهل النّار حينما يشاهدونهم.
ويجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ [الأعراف: 43] عطف القصّة على القصّة بمناسبة الانتقال من ذكر نداء من قبل الله إلى ذكر مناداة أهل الآخرة بعضِهم بعضاً، فعلى الوجهين يكون التعبير عنهم بأصحاب الجنّة دون ضميرهم توطئة لذكر نداء أصحاب الأعراف ونداء أصحاب النّار، ليعبَّر عن كلّ فريق بعنوانه وليكون منه محسن الطباق في مقابلته بقوله: ﴿ أصحاب النار ﴾ .
وهذا النّداء خطاب من أصحاب الجنّة، عبّر عنه بالنّداء كناية عن بلوغه إلى أسماع أصحاب النّار من مسافة سحيقة البُعد، فإن سعة الجنّة وسعة النّار تقتضيان ذلك لا سيما قوله: ﴿ وبينهما حجاب ﴾ [الأعراف: 46]، ووسيلة بلوغ هذا الخطاب من الجنّة إلى أصحاب النّار وسيلة عجيبة غير متعارفة.
وعلم الله وقدرتُه لا حدّ لمتعلّقاتهما.
و (أنّ) في قوله: ﴿ أن قد وجدنا ﴾ تفسيرية للنّداء.
والخبر الذي هو قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } مستعمل في لازم معناه وهو الاغتباط بحالهم، وتنغيص أعدائهم بعلمهم برفاهيّة حالهم، والتوركُ على الأعداء إذ كانوا يحسبونهم قد ضلّوا حين فارقوا دين آبائهم، وأنّهم حَرموا أنفسهم طيّبات الدّنيا بالانكفاف عن المعاصي، وهذه معاننٍ متعدّدة كلّها من لوازم الإخبار، والمعاني الكنائيّة لا يمتنع تعدّدها لأنّها تبع للّوازممِ العقليّة، وهذه الكناية جمع فيها بين المعنى الصّريح والمعاني الكنائيّة، ولكنّ المعاني الكنائيّة هي المقصودة إذ ليس القصد أن يَعلم أهل النّار بما حصل لأهل الجنّة ولكن القصد ما يلزم عن ذلك.
وأمّا المعاني الصّريحة فمدلولة بالأصالة عند عدم القرينة المانعة.
والاستفهام في جملة: ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ﴾ مستعمل مجازاً مرسلاً بعلاقة اللّزوم في توقيف المخاطبين على غلطهم، واثارة ندامتهم وغمّهم على ما فرط منهم، والشّماتة بهم في عواقب عنادهم.
والمعاني المجازيّة التي علاقتها اللّزوم يجوز تعدّدها مثل الكناية، وقرينة المجاز هي: ظهور أنّ أصحاب الجنّة يعلمون أنّ أصحاب النّار وجدوا وعده حقاً.
والوجدان: إلفاء الشّيء ولقيّه، قال تعالى: ﴿ فوجد فيها رجلين يقتتلان ﴾ [القصص: 15] وفِعله يتعدّى إلى مفعول واحد، قال تعالى: ﴿ ووجد الله عنده ﴾ [النور: 39] ويغلب أن يذكر مع المفعول حالُه، فقوله: ﴿ وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ﴾ معناه ألفيناه حالَ كونه حقاً لا تخلّف في شيء منه، فلا يدلّ قوله: ﴿ وجدنا ﴾ على سبق بحث أو تطلب للمطابقة كما قد يتوهّم، وقد يستعمل الوجدان في الإدراك والظنّ مجازاً، وهو مجاز شائع.
و (ما) موصولة في قوله: ﴿ مَا وعدنا ربّنا ﴾ و ﴿ مَا وعد ربّكم ﴾ ودَلت على أنّ الصّلة معلومة عند المخاطبين، على تفاوت في الإجمال والتّفصيل، فقد كانوا يعلمون أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وعد المؤمنين بنعيم عظيم، وتوعّد الكافرين بعذاب أليم، سمع بعضهم تفاصيل ذلك كلَّها أو بعضها، وسمع بعضهم إجمالها: مباشرة أو بالتّناقل عن إخوانهم، فكان للموصولية في قوله: ﴿ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ﴾ إيجازٌ بديع، والجواب بنَعَم تحقيق للمسؤول عنه بهل: لأنّ السؤال بهَل يتضمّن ترجيح السّائل وقوع المسؤول عنه، فهو جوابُ المقرّ المتحسّر المعترف، وقد جاء الجواب صالحاً لظاهر السّؤال وخفيِّه، فالمقصود من الجواب بها تحقيق ما أريد بالسؤال من المعاني حقيقة أو مجازاً، إذ ليست نعَم خاصة بتحقيق المعاني الحقيقيّة.
وحذف مفعول (وعَدَ) الثّاني في قوله: ﴿ ما وعد ربكم ﴾ لمجرّد الإيجاز لدلالة مقابله عليه في قوله: ﴿ ما وعدنا ربنا ﴾ لأنّ المقصود من السّؤال سؤالهم عمّا يخصّهم.
فالتّقدير: فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم، أي من العذاب لأنّ الوعد يستعمل في الخير والشرّ.
ودلّت الفاء في قوله: ﴿ فأذّن مؤذن ﴾ على أنّ التّأذين مسبّب على المحاورة تحقيقاً لمقصد أهل الجنّة من سؤال أهل النّار من إظهار غلطهم وفساد معتقدهم.
والتّأذينُ: رفع الصّوت بالكلام رفعاً يُسمع البعيد بقدر الإمكان وهو مشتقّ من الأذن بضمّ الهمزة جارحةِ السمع المعروفة، وهذا التّأذين إخبار باللّعن وهو الإبعاد عن الخير، أي إعلام بأنّ أهل النّار مبعدون عن رحمة الله، زيادة في التّأييس لهم، أو دعاء عليهم بِزيادة البعد عن الرّحمة، بتضعيف العذاب أو تحقيق الخلود، ووقُوع هذا التأذين عقب المحاورة يعلَم منه أنّ المراد بالظّالمين، وما تبعه من الصّفات والأفعال، هم أصحاب النّار، والمقصود من تلك الصّفات تفظيع حالهم، والنّداء على خبْثثِ نفوسهم، وفساد معتقدهم.
وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وقُنبل عن ابن كثير: ﴿ أنْ لعنة الله ﴾ بتخفيف نون (أن) على أنّها تفسيريّة لفعل (أذّنَ) ورفععِ (لعنة) على الابتداء والجملة تفسيرية، وقرأه الباقون بتشديد النّون وبنصب (لعنة) على (أنّ) الجملة مفعول (أذّن) لتضمنه معنى القَول، والتّقدير: قائلاً أنّ لعنة الله على الظّالمين.
والتّعبير عنهم بالظّالمين تعريف لهم بوصف جرى مجرى اللّقب تعرف به جماعتهم، كما يقال: المؤمنين، لأهل الإسلام، فلا ينافي أنّهم حين وُصِفوا به لم يكونوا ظالمين، لأنّهم قد علّموا بطلان الشّرك حقّ العلم وشأن اسم الفاعل أن يكون حقيقة في الحال مجازاً في الاستقبال، ولا يكون للماضي، وأمّا إجراء الصّلة عليهم بالفعلين المضارعين في قوله: ﴿ يَصدّون ﴾ وقوله: ﴿ ويَبغونها ﴾ وشأنُ المضارع الدّلالة على حدث حاصل في زمن الحال، وهم في زمن التّأذين لم يكونوا متّصفين بالصدّ عن سبيل الله، ولا ببغي عوج السّبيل، فذلك لقصد ما يفيده المضارع من تكرّر حصول الفعل تبعاً لمعنى التّجدّد، والمعنى وصفهم بتكرّر ذلك منهم في الزّمن الماضي، وهو معنى قول علماء المعاني استحضار الحالة، كقوله تعالى في الحكاية عن نوح: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [هود: 38] مع أنّ زمن صنع الفلك مضى، وإنّما قصد استحضار حالة التّجدّد، وكذلك وصفهم باسم الفاعل في قوله: ﴿ وهم بالآخرة كافرون ﴾ فإن حقه الدلالة على زمن الحال، وقد استعمل هنا في الماضي: أي كافرون بالآخرة فيما مضى من حياتهم الدّنيا، وكلّ ذلك اعتماد على قرينة حال السّامعين المانعة من إرادة المعنى الحقيقي من صيغة المضارع وصيغة اسم الفاعل، إذ قد عَلِم كلّ سامع أنّ المقصودين صاروا غير متلبّسين بتلك الأحداث في وقت التّأذين، بل تلبّسوا بنقائضها، فإنّهم حينئذ قد علموا الحقّ وشاهدوه كما دلّ عليه قولهم: ﴿ نَعَم ﴾ .
وإنَّما عُرّفوا بتلك الأحوال الماضية لأنّ النّفوس البشريّة تعرّف بالأحوال التي كانت متلبسة بها في مدّة الحياة الأولى.
فبالموت تنتهي أحوال الإنسان فيستقر اتّصاف نفسه بما عاشت عليه، وفي الحديث: " يبعث كلّ عبد على ما مات عليه " رواه مسلم، ويجوز أن تكون هذه اللّعنة كانت الملائكة يَلعنونهم بها في الدّنيا.
فجهروا بها في الآخرة، لأنّها صارت كالشّعار للكفرة ينادَون بها، وهذا كما جاء في الحديث: " يؤتى بالمؤذّنين يوم القيامة يصرخون بالأذان " مع أنّ في ألفاظ الأذان ما لا يقصد معناه يومئذ وهو: «حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح».
وفي حكاية ذلك هنا إعلام لأصحاب هذه الصّفات في الدّنيا بأنّهم محقوقون بلعنة الله تعالى.
والمراد بالظّالمين: المشركون، وبالصدّ عن سبيل الله: إمّا تعرّض المشركين للراغبين في الإسلام بالأذى والصّرف عن الدّخول في الدّين بوجوه مختلفة، وسبيل الله ما به الوصول إلى مرضاته وهو الإسلام، فيكون الصدّ مراداً به المتعدي إلى المفعول.
وإما إعراضهم عن سماع دعوة الإسلام وسماع القرآن، فيكون الصدّ مراداً به القاصر، الذي قيل: إنّ مضارعه بكسر الصّاد، أو إن حق مضارعه كسر الصّاد، إذ قيل لم يسمع مكسور الصّاد، وإن كان القياس كَسْر الصّاد في اللاّزم وضمَها في المتعدي.
والضّمير المؤنّث في قوله: ﴿ ويبغونها ﴾ عائد إلى ﴿ سبيل الله ﴾ .
لأنّ السّبيل يذكّر ويؤنّث قال تعالى: ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ [يوسف: 108] وقال: ﴿ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً ﴾ [الأعراف: 146].
والعِوَج: ضدّ الاستقامة، وهو بفتح العين في الأجسام: وبكسر العين في المعاني.
وأصله أن يجوز فيه الفتح والكسر.
ولكن الاستعمال خصّص الحقيقة بأحد الوجهين والمجازَ بالوجه الآخر، وذلك من محاسن الاستعمال، فالإخبار عن السبيل (عِوج) إخبار بالمصدر للمبالغة، أي ويرومون ويحاولون إظهار هذه السّبيل عوجاء، أي يختلقون لها نقائص يموّهونها على النّاس تنفيراً عن الإسلام كقولهم: ﴿ هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل مُمَزّق إنّكم لفي خَلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة ﴾ [سبأ: 7، 8]، وتقدّم تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً ﴾ في سورة آل عمران (99).
وورد وصفهم بالكفر بطريق الجملة الاسميّة في قوله: وهم بالآخرة كافرون } للدّلالة على ثبات الكفر فيهم وتمكّنه منهم، لأنّ الكفر من الاعتقادات العقليّة التي لا يناسبها التّكرّر، فلذلك خولف بينه وبين وصفهم بالصدّ عن سبيل الله وبغي إظهار العِوَج فيها، لأنّ ذَيْنك من الأفعال القابلة للتّكرير، بخلاف الكفر فإنّه ليس من الأفعال، ولكنّه من الانفعالات، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ﴾ [الشورى: 19].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ ﴾ أمّا الأعْرافُ فَسُورٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وهو جَمْعٌ واحِدُهُ عُرْفٌ وهو ما ارْتَفَعَ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنهُ عُرْفُ الدِّيكِ وعُرْفُ الفَرَسِ، قالَ الرّاجِزُ: كُلُّ كِتابٍ لِجَمْعِهِ مُوافِي كالعِلْمِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ.
وَفِي الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا ∗∗∗ بِجَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخُضَرُ وَهَذا وإنْ كانَ شِعْرًا جاهِلِيًّا وحالُ الأعْرافِ مَنقُولٌ عَنْ خَبَرٍ يُرْوى فَيَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ أُمَيَّةُ قَدْ وصَلَ إلى عِلْمِهِ مِنَ الصُّحُفِ الشَّرْعِيَّةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أنْطَقَ بِهِ أُمَيَّةَ إلْهامًا لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ.
والثّانِي: أنَّهم مَلائِكَةٌ يُرَوْنَ في صُوَرِ الرِّجالِ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ بَطَّأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم فَجُعِلُوا هُنالِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ مِن أمْرِهِمْ ما يَشاءُ ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وكانُوا عُصاةً لِآبائِهِمْ، قِيلَ إنَّهم غَزَوْا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقالَ: (هم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ، فَمَنَعَهم قَتْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ عَنِ النّارِ ومَنَعَهم مَعْصِيَةُ آبائِهِمْ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ).» ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ ﴾ يَعْنِي يَعْرِفُونَ أهْلَ النّارِ وأهْلَ الجَنَّةِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يَتَمَيَّزُونَ بِها، وعَلامَتُهم في وُجُوهِهِمْ وأعْيُنِهِمْ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: عَلامَةُ أهْلِ النّارِ سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، وعَلامَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُ العُيُونِ.
فَإنْ قِيلَ في أصْحابِ الأعْرافِ: إنَّهم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ زِيادَةً في ثَوابِهِمْ ومُبالَغَةً في كَرامَتِهِمْ لِأنَّهم يَرَوْنَ مَنازِلَهم في الجَنَّةِ فَيَسْتَمْتِعُونَ بِها، ويَرَوْنَ عَذابَ النّارِ فَيَفْرَحُونَ بِالخَلاصِ مِنها.
وَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ المُفَضَّلُونَ وأصْحابُ الصَّغائِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ لِنَقْصِ ثَوابِهِمْ عَنِ اسْتِحْقاقِ الدُّخُولِ لِلْجَنَّةِ.
وَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ المَلائِكَةُ، احْتَمَلَ أمْرُهم ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ حَمْدًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وذَمًّا لِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في الثَّوابِ والعِقابِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونُوا حَفَظَةَ الأعْمالِ في الدُّنْيا الشّاهِدِينَ بِها عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ أُمِرُوا بِذَلِكَ، ما أدَّوْهُ مِنَ الشَّهادَةِ تَبْشِيرًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وتَوْبِيخًا لِأهْلِ النّارِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونُوا خَزَنَةَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَإنَّ مِنَ المَلائِكَةِ مَن أُفْرِدَ لِخَزَنَةِ الجَنَّةِ، ومِنهم مَن أُفْرِدَ لِخَزَنَةِ النّارِ، ويَكُونُ هَؤُلاءِ قَدْ جُمِعَ لَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِغَيْبِ ذَلِكَ.
وَحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ ﴾ مَعْناهُ عَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ مِن قَوْلِ أصْحابِ الأعْرافِ، وهو مُخالِفٌ لِقَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ﴾ قال: من النعيم والكرامة ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ﴾ قال: من الخزي والهوان والعذاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: وجد أهل الجنة ما وُعِدُوا من ثواب، ووجد أهل النار ما وُعِدوا من عذاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف قليب بدر من المشركين فقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتهم ما وعد ربكم حقاً؟
فقال له الناس: أليسوا أمواتاً؟!
فقال: إنهم يسمعون كما تسمعون» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وبينهما حجاب ﴾ قال: هو السور وهو الأعراف، وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس.
أما قوله تعالى: ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ .
أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حذيفة قال: الأعراف سور بين الجنة والنار.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: الأعراف هو الشيء المشرف.
وأخرج الفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الأعراف حجاب بين الجنة والنار، سور له باب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: الأعراف جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها يقول: على ذرها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: الأعراف في كتاب الله عُمقاناً سقطاناً.
قال ابن لهيعة: واد عميق خلف جبل مرتفع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: زعموا أنه الصراط.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الأعراف تل بين الجنة والنار، جلس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الأعراف سور بين الجنة والنار.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: يعني بالأعراف السور الذي ذكر الله في القرآن، وهو بين الجنة والنار.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ [ الأعراف: 49] ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح.
قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط ثم عرض أهل الجنة وأهل، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم رأوا أصحاب النار ﴿ قالوا: ربنا لا تجعلنا من القوم الظالمين ﴾ فتعوّذوا بالله من منازلهم، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون ناراً يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد مؤمن نوراً وكل أمة نوراً، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ربنا أتمم لنا نورنا.
وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ فكان الطمع دخولاً.
قال ابن مسعود: إن العبد إذا عمل حسنة كتبه له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول: هلك من غلب وحدانه أعشاره.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله من النار، وهم آخر من يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة قال: «إن أصحاب الأعراف: تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم فقالوا: يا آدم أنت أبونا اشفع لنا عند ربك.
فقال: هل تعلمون أحداً خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمة الله إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟
فيقولون: لا.
فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم.
فيأتون إبراهيم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه، فيقول: هل تعلمون أحداً اتخذه الله خليلاً؟
هل تعلمون أحداً أحرقه قومه في الله غيري؟
فيقولون: لا.
فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى.
فيأتون موسى فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليماً وقرَّبه نجيا غيري؟
فيقولون: لا.
فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى.
فيأتونه فيقولون: اشفع لنا عند ربك: فيقول هل تعلمون أحداً خلقه الله من غير آب غيري؟
فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟
فيقولون: لا.
فيقول: أنا حجيج نفسي، ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى عليه وسلم: فيأتونني فاضرب بيدي على صدري، ثم أقول أنا لها، ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فأثني على ربي، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم اسجد فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع، فارفع رأسي فأقول: يا رب أمتي فيقول: هم لك، فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني يومئذ بذلك المقام وهو المقام المحمود، فآتي بهم باب الجنة، فاستفتح فيفتح لي ولهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة، حافتاه قُضب من ذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، ويصيرون كأنهم الكواكب الدرية، وتبقى في صدروهم شامات بيض يعرفون بها يقال لهم: مساكين أهل الجنة» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، غدرت بهم سيئاتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، جعلوا على سور بين الجنة والنار حتى يقضي بين الناس، فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم ربهم، فقال لهم: قوموا فادخلوا الجنة فإني غفرت لكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلى الأعراف ﴾ قال: هو السور الذي بين الجنة والنار، وأصحابه رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، يقومون على الأعراف يعرفون أهل النار بسواد الوجوه وأهل الجنة ببياض الوجوه، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها، وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها فأدخلهم الله الجنة، فذلك قوله: ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ [ الأعراف: 49] يعني أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ﴾ [ الأعراف: 49] .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «توضع الميزان يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار، قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟
قال أصحاب الأعراف ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمرو بن حرير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟
فقال: «هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم» .
وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الناس يوم القيامة، فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة ويؤمر بأهل النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟
قالوا: ننتظر أمرك.
فيقال لهم: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فدخلوا الجنة بمغفرتي ورحمتي» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ قال: الأعراف حائط بين الجنة والنار، وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تفضّل حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم فحبسوا هنالك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فوقفوا هنالك على السور، فإذا رأوا أصحاب الجنة عرفوهم ببياض وجوههم، وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد وجهوهم ثم قال: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ في دخولها، ثم قال: إن الله أدخل أصحاب الأعراف الجنة.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبدالله بن الحرث بن نوفل قال: أصحاب الأعراف أناس تستوي حسناتهم وسيئاتهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له الحياة، تربته ورس وزعفران وحافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون منه فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يغتسلون ويزدادون بياضاً، ثم يقال لهم: تمنوا ما شئتم.
فيتمنون ما شاؤوا فيقال: لكم مثل ما تمنيتم سبعين مرة.
فأولئك مساكين الجنة.
وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبدالله بن الحارث عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار وهو الحجاب، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، فإذا أراد الله أن يعفو عنهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة، حافتاه قصب ذهب مكلل باللؤلؤ تربته مسك، فيكونون فيه ما شاء الله حتى تصفو ألوانهم، ثم يخرجون في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، فيقول الله لهم: سلوا فيسألون حتى تبلغ أمنيتهم، ثم يقال لهم: لكم ما سألتم ومثله سبعون ضعفاً، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ويسمون مساكين أهل الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن منيع والحارث بن أبي أسامه في مسنديهما وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والخرائطي في مساوي الأخلاق والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الرحمن المزني قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟
فقال: هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم، فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله، ومنعهم من الجنة معصية آبائهم» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟
فقال «هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنة، وهم على سور بين الجنة والنار حتى تذبل لحومهم وشحومهم حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم، تغمَّدهم منه برحمة فأدخلهم الجنة برحمته» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال «هم قوم قتلوا في سبيل الله وهم لآبائهم عاصون، فمنعوا الجنة بمعصيتهم آبائهم ومنعوا النار بقتلهم في سبيل الله» .
وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن جرير وابن مردويه عن عبدالله بن مالك الهلالي عن أبيه قال قائل: يا رسول الله ما أصحاب الأعراف؟
قال «هم قوم خرجوا في سبيل الله بغير إذن آبائهم فاستشهدوا، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة، فهم آخر من يدخل الجنة» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أصحاب الأعراف قوم خرجوا غزاة في سبيل الله وآبائهم وأمهاتهم ساخطون عليهم، وخرجوا من عندهم بغير إذنهم، فأوقفوا عن النار بشهادتهم وعن الجنة بمعصيتهم آباءهم» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أصحاب الأعراف؟
فقال إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم، فقتلوا في سبيل الله» .
وأخرج البيهقي في البعث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم فقال: على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد، فسألناه وما الأعراف؟
قال: حائط الجنة، تجري في الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الأضداد وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن أبي مجلز قال: الأعراف مكان مرتفع عليه رجال من الملائكة، يعرفون أهل الجنة بسيماهم وأهل النار بسيماهم، وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ﴿ ونادوا أصحاب الجنة ﴾ قال: أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنة ﴿ أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ في دخولها.
قيل: يا أبا مجلز، الله يقول ﴿ رجال ﴾ وأنت تقول: الملائكة؟
قال: إنهم ذكور ليسوا بإناث.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة عن الحسن قال: أصحاب الأعراف قوم كان فيهم عجب قال قتادة: وقال مسلم بن يسار: هم قوم كان عليهم دين.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ﴾ الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنة مبيضة وجوههم.
وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: أخبرت أن ربك أتاهم بعدما أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال: ما حبسكم محبسكم هذا؟
قالوا: أنت ربنا، وأنت خلقتنا، وأنت أعلم بنا!
فيقول: علام فارقتم الدنيا؟
فيقولون: على شهادة أن لا إله إلا الله.
قال لهم ربهم: لا أوليكم غيري، إن حسناتكم جوزت بكم النار وقصرت بكم خطاياكم عن الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: من استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: من استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن مجاهد في أصحاب الأعراف قال: هم قوم قد استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم على سور بين الجنة والنار، وهم على طمع من دخول الجنة، وهم داخلون.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار أنه سئل عن قوله: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ قال: سلمت عليهم الملائكة وهم لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها حين سلمت.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال: أصحاب الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، وأهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم، فإذا مروا بزمرة يذهب بهم إلى الجنة قالوا: سلام عليكم، وإذا مروا بزمرة يذهب بها إلى النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.
وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال سالم مولى أبي حذيفة: وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، هذه الآية من نعت (١) ﴿ على الظالمين ﴾ ، ومعنى ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ يجوز أن يكون من (الصدّ) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: عن دين الله وطاعة الله) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: يصلون لغير الله، ويعظمون ما لم يعظم الله) (٧) ومعنى هذا: أنهم طلبوا سبيل الله بالصلاة لغيره، وتعظيم ما لم يعظمه الله، فأخطأوا الطريق وطلبوه ضالين معوجّين عن الطريق (٨) ﴿ عِوَجًا ﴾ على هذا المعنى مصدر (٩) ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ مستقصى في سورة آل عمران (١٠) (١) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 613، و"التبيان" ص 377، و"الفريد" 2/ 304.
(٢) الصد: الإعراض، يقال: صَد يَصُد وصددته عن الأمر إذا عدلته عنه، وصد يَصِد -بكسر الصاد- إذا ضج.
انظر: "العين" 7/ 80، و"الجمهرة" 1/ 111، و"تهذيب اللغة" 2/ 1985 و"المجمل" 2/ 532، و"مقاييس اللغة" 3/ 282، و"المفردات" ص 477، و"اللسان" 4/ 2409 (صدد).
(٣) في (أ): (والذي هو) بالواو.
(٤) "تنوير المقباس" 2/ 96، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1482 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (عن دين الله) اهـ.
(٥) في (ب): (الذي دل إليه).
(٦) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 187، والسمرقندي 1/ 542.
(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 184، والبغوي 3/ 231.
(٨) انظر: "تفسير الخازن" 2/ 232 فقد ذكر مثله.
(٩) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 511.
(١٠) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 200/ ب <div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ أي من كان صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخواناً أحباباً، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة كقوله: ﴿ ونادى أَصْحَابُ الجنة ﴾ ، ﴿ ونادى أَصْحَابُ الأعراف ﴾ ﴿ ونادى أَصْحَابُ النار ﴾ ، وغير ذلك ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ و ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ ، ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله ﴾ و ﴿ أَن سلام ﴾ : يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميراً أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾ حُذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ [يوسف: 70] أي أعلم معلم وهو ملك ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾ [الحديد: 13] ﴿ الأعراف ﴾ .
قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة ﴿ رِجَالٌ ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿ وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ جَمْعُكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي استكبارهم على النار أو استكبارهم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: ﴿ مَآ أغنى ﴾ استفهامية أو نافية ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطاباً لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطاباً لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ خطاباً لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطاباً لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء ﴾ دليل على أن الجنة فوق النار ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ من سائر الأطعمة والأشربة ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم ﴿ كَمَا نَسُواْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَمَا كَانُواْ ﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿ جئناهم بكتاب ﴾ يعني القرآن ﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ﴾ أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ نعم ﴾ بكسر العين حيث كان: علي.
الباقون بالفتح ﴿ مؤذن ﴾ بغير همز: النجاري عن روش ويزيد والشموني وحمزة في الوقف.
﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: عاصم وأبو عمرو وأبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون: مشددة وبالنصب.
الوقوف: ﴿ حقاً ﴾ ج لانتهاء الاستفهام.
﴿ نعم ﴾ ج للعطف مع الابتداء بالتأذين.
﴿ على الظالمين ﴾ ه لا لأن "الذين" صفتهم ﴿ عوجاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال ﴿ كافرون ﴾ ه لأن ما بعده لم يدخل في التأذين ولم يجزأن يكون حالاً ﴿ حجاب ﴾ ج لتناهي حال الفئتين واتفاق الجملتين ﴿ بسيماهم ﴾ ط ﴿ يطمعون ﴾ ه ﴿ أصحاب النار ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذاً" ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ برحمة ﴾ ط لتناهي الاستفهام والأقسام ﴿ تحزنون ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ج للابتداء مع فاء التعقيب ﴿ هذا ﴾ لا "وما" مصدرية كما في ﴿ كما نسوا ﴾ والتقدير ننساهم كنسيانهم وجحودهم ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إلا تأويله ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء للتعقيب ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: ولما شرح وعيد الكفار وثواب الأبرار أتبعه المناظرات التي تدور بين الفريقين فقال: ﴿ ونادى ﴾ وإنما ذكره بلفظ الماضي لأن المستقبل الذي يخبر الله عنه من حيث تحقق وقوعه كالماضي.
والظاهر أن هذا النداء إنما يكون بعد الاستقرار في الجنة لأنه ورد بعد قوله: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ قيل: الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرض.
ومع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء؟
وأجيب بأن البعد الشديد والقرب القريب عندنا ليس من موانع الإدراك، ولو سلم المنع في الشاهد فلا يسلم في الغائب.
وهذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن أصحاب الجنة وأصحاب النار يفيد العموم لكن الجمع إذا قرن بالجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار.
و"أن" في ﴿ إن قد وجدنا ﴾ مفسرة أو مخففة من الثقيلة كما مر في قوله: ﴿ أن تلكم الجنة ﴾ وكذا قوله: ﴿ أن لعنة الله ﴾ لأن النداء والتأذين في معنى القول: قال ابن عباس: ﴿ وجدنا ما وعدنا ربنا ﴾ في الدنيا من الثواب ﴿ حقاً ﴾ صحيحاً مطابقاً للواقع ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم ﴾ من العقاب ﴿ حقاً ﴾ والغرض من هذا الاستفهام إظهار البشاشة والاغتباط وإيقاع الحزن في قلب العدو، وفي هذه الحكاية لطف للمؤمنين وترغيب كما في سائر الأخبار.
وإنما حذف المفعول في ﴿ وعد ربكم ﴾ لدلالة المفعول في ﴿ وعدنا ﴾ عليه، ولأن كونهم مخاطبين من قبل الله بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف وأنه لا يليق إلا بحال المؤمنين ويحتمل أن يكون الإطلاق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة ﴿ قالوا نعم ﴾ قال سيبويه: نعم عدة وتصديق أي تستعمل تارة عدة وتارة تصديقاً.
فإذا قال: أتعطيني؟
قال: نعم، فهو عدة.
وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم فقد صدقت.
والحاصل أن نعم للتصديق في الخبر والتحقيق في الاستفهام مثبتين كانا أو منفيين.
فلو قيل: قام زيد أو أقام زيد فتقول: نعم.
كان معناه نعم قام زيد مصدقاً أو محققاً ولو قيل: ما قام زيد أو ألم يقم زيد فقلت: نعم.
كان المعنى ما قام زيد مصدقاً أو محققاً.
ومن ثم قال ابن عباس: لو قالوا في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ "نعم" لكان كفراً.
هذا من حيث اللغة وقد يكون العرف على خلاف ذلك كقول الفقهاء.
لو قيل أليس لي عليك دينار فقلت: نعم التزمت بالدينار بناء على العرف الطارىء بعد الوضع.
وكنانة تكسر العين من نعم.
وروي عن عمر أنه سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر: أما النعم فالإبل وقولوا نعم وأنكر هذه الرواية أبو عبيد ﴿ فأذن مؤذن ﴾ قال ابن عباس: هو الملك صاحب الصور يأمره الله فينادي نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار.
ومعنى التأذين النداء والتصويت للإعلام ومنه الأذان لأنه إعلام بالصلاة وبوقتها.
والظالمون في الآية قيل: عام للكافر والفاسق والظاهر أنهم الكفار لأن الصد عن سبيل الله أي المنع عن قبول الدين الحق بالقهر أو بالحيلة وإلقاء الشكوك والشبهات في الدلائل وهو المراد بقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ وقد مر في آل عمران.
والكفر بالآخرة كلها من أوصاف الكفرة وإنما قدم بالآخرة تصحيحاً لفواصل الآي ولم يزد لفظة هم هنا على القياس.
وأما في سورة هود فلما تقدم ﴿ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ﴾ وقال: ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ ولم يقل "عليهم" والقياس ذلك التبس أنهم هم أم غيرهم فكرر ليعلم أنهم هم المذكرون لا غيرهم.
ثم وصف أهل الجنة والنار فقال: ﴿ وبينهما ﴾ يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين ﴿ حجاب ﴾ وهو السور المذكور في قوله : ﴿ فضرب بينهم بسور له باب ﴾ قيل: أي حاجة إلى ضرب هذا السور والجنة فوق السموات والجحيم في أسفل سافلين.
وأجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب.
والأعراف لغة جمع عرف بالضموهو الرمل المرتفع ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عرف لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه.
الأعراف في الآية يفسر بالمكان تارة وبغيره أخرى.
أما الذين فسروه بالمكان وهم الأكثرون فقال: إن الأعراف أعلى أعالي السور المضروب بين الجنة والنار ويروى عن ابن عباس.
وعنه أيضاً أن الأعراف شرف الصراط وعلى هذا التفسير فالذين هم على الأعراف من هم فيه قولان: أحدهما أنهم أقوام يكونون في الدرجة العليا من الثواب.
وثانيهما: أنهم في الدرجة النازلة.
وعلى الأول فيه وجوه: فقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار.
فقيل له: يقول الله : ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ وأنت تقول: إنهم ملائكة.
فقال: الملائكة ذكور لا إناث.
ويرد عليه أن الرجل لغة يطلق على من يصلح أن يكون من نوعه أنثى بل يطلق على الذكر من بني آدم.
وقيل: إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله على ذلك المكان العالي إظهاراً لشرفهم وليكونوا مشرفين على الفريقين مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم.
وقيل: إنهم الشهداء.
وعلى القول الثاني قيل: إنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أوقفهم الله على هذه الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار.
ثم تؤل عاقبة أمرهم إلى الجنة برحمة من الله وفضل قاله حذيفة وابن مسعود واختاره الفراء.
وخصصه بعضهم فقال: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن أمهاتهم فاستشهدوا فساوت معصيتهم طاعتهم وفي هذا التخصيص نظر.
وقال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة.
وقال قوم: هم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم الأعراف.
وأما الذين فسروه بغير المكان وهو قول الحسن والزجاج فقد قالوا: إن المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يميزون البعض من البعض إما بالإلهام أو بتعريف الملائكة.
قال الحسن: والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا.
وعلى جميع التفاسير فهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار.
قال قوم: يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة مبيضة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.
وزيف بأن هذا النوع من المعرفة عام لأهل المحشر فلا وجه لتخصيص أصحاب الأعراف بذلك.
ويمكن أن يقال: إن معرفتهم لكونهم على الأمكنة المرتفعة آمنين.
وقال المحققون: إنهم كانوا يعرفون أهل الخير والإيمان والصلاة وأهل الشر والكفر والإفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية، فهو يجلسهم على الأعراف ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به.
ثم قال: ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ أي إنهم إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها.
ثم أخبر على سبيل الاستئناف أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ﴿ وهم يطمعون ﴾ كأن سائلاً سأل عن حالهم أو على أنه صفة أخرى لرجال.
فإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف فيكون الله أخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه ينقلهم إلى الدرجات العلا في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "ان أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في وسط السماء وإن أبا بكر وعمر منهم" ومعنى يطمعون على هذا يتيقنون كقول إبراهيم: ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الأدب.
وإن قلنا أصحاب الأعراف هم الأوساط فلا إشكال لأنهم يطمعون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة ﴿ وإذا صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ قال الواحدي: التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفاً.
ولم يأت من المصادر على "تفعال" بالكسر إلا حرفان "تبيان" و "تلقاء" وإنه في الاسم كثير كتمثال وتقصار، والمعنى أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى أن لا يجعلهم من زمرتهم.
وفي بناء الفعل للمفعول وإن لم يقل وإذا أبصروا فائدة هي أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا.
ثم بين أن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أكابر أهل النار واستغنى عن التصريح بهم بوصفهم بما لا يليق إلا بهم فقال: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ المال أو كثرتكم واجتماعكم ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن الحق وعلى الناس، وفيه تبكيت للمخاطبين وشماتة بهم، ثم زادوا في التبكيت مشيرين إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما استهزؤا بهم وأنفوا من مشاركتهم في دينهم لقلة حظوظهم من الدنيا فقالوا: ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ أما قوله: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ إلى آخر الآية.
فمن قول الله لأصحاب الأعراف، أو من قول الملائكة لهم بأمره، أو من قول بعضهم لبعض وذلك بعد أن يحبسوا ويجلسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويقولوا.
قال المفسرون: الرجال ههنا الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام والعاص بن وائل السهمي ونظراؤهم.
وكانوا يقولون إن بلالاً وسلمان وعماراً وأمثالهم يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار كلاً والله إن الله لا يفضل علينا خدمنا ورعاتنا، أقسموا أن لا يخصهم بفضل دونهم فناداهم أصحاب الأعراف.
ثم ختم المناظرت بقوله: ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ﴾ قال ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا: ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله بالجنة فزخرفت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ طلبوا الماء أوّلاً لما في بواطنهم من الاحتراق الشديد.
وفي الإفاضة نوع دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكاناً من أهل النار.
قال بعض العلماء: إنهم سألوا ذلك مع جواز الحصول.
وقال آخرون: بل مع اليأس لأنهم عرفوا دوام عقابهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل: الغريق يتعلق بالزبد.
وإن علم أنه لا يغنيه.
قوله: ﴿ أو مما رزقكم الله ﴾ قيل: أي سائر الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة.
وقيل: أي من الثمار أو الطعام.
والمراد: وألقوا علينا من الطعام والفاكهة كقوله: علفتها تبناً وماءً بارداً *** فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم.
ثم كأن سائلاً سأل فبماذا أجابهم أهل الجنة؟
فقيل: ﴿ قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ أي منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه وهذه نهاية الحسرة والخيبة أعاذنا الله منها.
ثم وصف هؤلاء الكافرين بأنهم ﴿ الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة ﴾ وقد مر تفسير الوصفين في أوسط سورة الأنعام.
وقال ابن عباس: يريد المستهزئين المقتسمين، وجملة الأمر أن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين غريقاً في بحر الدنيا ومشتهياتها.
ثم ذكر جزاءهم يوم القيامة على سبيل الحكاية فقال: ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا قاله الحسن ومجاهد والسدي والأكثرون، وقيل: أي نعاملهم معاملة من نسي بتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، فسمي جزاء النسيان نسياناً كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة ﴾ والحاصل أنه لا يجيب دعائهم ولا يرحم ضعفهم وذلهم.
عن أبي الدرداء أن الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون الشراب فيستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فتقول أهل الجنة ﴿ إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ ، ويقولون لمالك ليقض علينا ربك فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام إنكم ماكثون، ويقولون ربنا أخرجنا منها فيجيبهم اخسؤا فيها ولا تكلمون، فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في زفير وشهيق.
وعن ابن عباس في صفة أهل الجنة: إنهم يرون الله عز وجل في كل جمعة، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب فإذا رأوا الله دخل من كل باب ملك معهم الهدايا الشريفة.
وقال: إن نخل الجنة خشبها الزمرد وقوائمها الذهب الأحمر وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة وثمرتها أمثال القلال أشد بياضاً من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل لا عجم فيها.
فهذه صفة الفريقين من القرآن والحديث فتأهب لأيهما شئت والله الموفق.
ولما شرح الله حال الطائفتين والمناظرات الجارية بينهم لتكون حاملاً للمكلف على الحذر من مواجب النار وعلى الرغبة في مستتبعات الجنة بيّن شرف هذا الكتاب الكريم وغاية منافعه الجليلة فقال: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ﴾ ميزنا بعضه عن بعض تمييزاً يهدي إلى الرشاد ويؤمن من الغلط والتخليط.
وإنما فعلنا ذلك لا كيفما اتفق بل ﴿ على علم ﴾ بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد الكثيرة والمنافع الغزيرة حتى جاء بريئاً من كل خلل وقدح ومعجزاً باقياً على وجه الدهر.
وقوله: ﴿ وهدى ورحمة ﴾ حالان من منصوب ﴿ فصلناه ﴾ كما أن ﴿ على علم ﴾ حالٍ من مرفوعه.
ويحتمل أن يكونا مفعولاً لهما ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن فائدته تعود إليهم، ثم لما بيّن إزاحة العلة بسب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة بين بعده حال من كذب به فقال: ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع، وكيف ينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟
الجواب لعل فيهم أقواماً تشككوا وتوقفوا ولهذا السبب انتظروه.
وأيضاً إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة.
قال الفراء: الضمير في تأويله للكتاب أي إلا عاقبة أمره وما يؤل إليه من بيان صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، أو عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب، والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل ﴿ يوم يأتي ﴾ يريد يوم القيامة وانتصابه على أنه ظرف ﴿ يقول ﴾ ومعنى: ﴿ نسوه ﴾ تركوا العمل به والإيمان أو أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ﴿ قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ أي متلبسين بما هو الحق، أو الباء للتعدية والمراد اعترافهم بثبوت الحشر والنشر وأحوال القيامة وأهوالها إذا عاينوها ﴿ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ﴾ منصوب بإضمار "أن" بعد الفاء والتقدير: هل يثبت لنا شفيع فيشفع ﴿ أو ﴾ هل ﴿ نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ﴾ فنوحد الله بدلاً عن الشرك ونطيعه بدلاً عن المعصية.
وفيه دليل على أن أهل الآخرة لا تكليف لهم خلافاً للنجار ومن تبعه وإلا لم يسألوا الرد إلى دار التكليف ولم يتمنوه بل كانوا يتوبون في الحال.
ثم حكم بأن ذلك التمني لا يفيدهم شيئاً وأن مطلوبهم لا يكون ألبتة فقال: ﴿ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي لا ينتفعون بالأصنام التي عبدوها في الدنيا وليس تفيدهم نصرة الأوثان التي بالغوا في نصرها.
التأويل: نادى أهل المحبة أهل القطيعة ﴿ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ﴾ يعني قوله: "ألا من طلبني وجدني" ﴿ فهل وجدتم ما وعدكم ﴾ ﴿ ربكم ﴾ حقاً وهو قوله: "ومن طلب غيري لم يجدني" ﴿ فأذن مؤذن ﴾ العزة والعظمة على الظالمين الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، الذين يصدون القلب والروح عن سبيل الله وطلبه، ويطلبون صرف وجوههم إلى الدنيا وما فيها ﴿ وبينهما حجاب ﴾ من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمةالنفسانية فلا يرى أهل النار أهل الجنة وكذا بين أهل الجنة وأهل الله - وهم أصحاب الأعراف - حجاب من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة الروحانية.
وسميت أعرافاً لأنها موطن أهل المعرفة، وسموا رجالاً لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه، فالأعراف مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن ﴿ يعرفون كلاً ﴾ من أهل الجنة وأهل النيران ﴿ بسيماهم ﴾ من آثار نور القلب وظلمته ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ يعني هنيئاً لكم ما أنتم فيه من النعيم والحور والقصور.
ثم أخبر عن همة أهل الأعراف فقال: ﴿ لم يدخلوها ﴾ أي الجنة ونعيمها ولم يلتفتوا إلى غير المولى ﴿ وهم يطمعون ﴾ في الوصول إلى الحق .
﴿ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ ابتلاء ليعرفوا أنه من أي دركة خلصهم وبأي كرامة خصصهم ومن هذا القبيل يكون ما يسنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية وما أتاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله في الخلوات ﴿ رجالاً يعرفونهم بسيماهم ﴾ يعني أهل الجنة وأهل النار ﴿ ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ يا أهل الجنة وأهل الله من الطاعات ويا أهل النار من الدنيا والشهوات ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن السير في حقيقة لا إله إلا الله ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم ﴾ يعني أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات من يقول لدناءة همته لأهل المحبة والمعرفة ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ الوصول ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ يعني الجنة المضافة إليه في قوله: ﴿ ادخلي جنتي ﴾ في حظائر القدس وعالم الجبروت ﴿ لا خوف عليكم ﴾ من الخروج ﴿ ولا أنتم تحزنون ﴾ على ما فاتكم من نعيم الجنة إذ فزتم بشهود جمالنا.
اعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا الجنة الحقيقية المضافة إلى الله في حظائر القدس وسرادق العزة انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقرّبين فافهم.
يحكى عن بابا جعفر الأبهري أنه دخل على بابا طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك ثمة؟
فقال بابا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص وكنت داخلاً مع الأخص فما رأيتني.
﴿ فيضوا علينا من الماء ﴾ كانوا في الدنيا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا على ما ماتوا، وإن أهل الجنة لما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات النفس والمضايقة بها ﴿ فقالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ وفي الحقيقة إنما حرمهما عليهم في الأزل فلم يوفقوا لمعاملات تورث الجنة ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ أي ما يؤل إليه عاقبته في شأنهم.
فللمؤمنين كشف الغطاء وسبوغ العطاء، ولأهل الجحود الفرقة الافتقار وعذاب النار أعاذنا الله منها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ ﴾ : ليس من جنس ما ذكر من قوله: ﴿ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ لكنه صلة قوله: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ ﴾ ، يقول فيما تقدم ذكره: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
وأما عندنا: فإنه يستقيم أن يجعل صلة ما تقدم، أي: لا نكلف نفساً من الأعمال الصالحات إلا وسعها، بل نكلفها دون وسعها ودون طاقتها ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً ﴾ : إلا ما يسع ويحتمل، وهو صلة قوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا ﴾ ، يقول: لا يكلف نفساً إلا ما يسع ويحتمل، لا ما لا يسع ولا يحتمل.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ .
قال القتبي: الغل: الحسد والعداوة.
وقيل: الغل والغش واحد، وهو ما يضمر بعضهم لبعض من العداوة والحقد.
وقيل: الغل: الحقد.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ : في الدنيا، ينزع الله - عز وجل - من قلوبهم الغل، يعني: [من] قلوب المؤمنين، ويجعلهم إخواناً بالإيمان؛ كقوله: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ الآية، أخبر أنهم كانوا أعداء فألف بين قلوبهم بالإيمان الذي أكرمهم به؛ حتى صاروا إخواناً بعد ما كانوا أعداء.
قال الحسن: ليس في قلوب أهل الجنة الغل والحسد؛ إذ هما يهمان ويحزنان؛ إنما فيها الحب.
[و] قال بعضهم: هذا في الآخرة، ينزع الله - - من قلوبهم الغل الذي كان فيما بينهم في الدنيا، ويصيرون جميعاً إخواناً؛ كقوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴾ .
وروي عن علي - - قال: [إني] لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله - -: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴾ .
وعن ابن عباس - - قال: نزلت في علي وأبي بكر [وعمر] وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود وعمار وسلمان وأبي ذر - رضوان الله عليهم أجمعين - فينزع في الآخرة ما كان في قلوبهم من غش بعضهم لبعض في الدنيا من العداوة والقتل الذي كان بعد رسول الله والأمر الذي اختلفوا فيه، فيدخلون الجنة؛ هذا - والله أعلم - لأن الذي كان بينهم من الاختلاف والقتال كان دنيويّاً لم يكن؛ بسبب الدين، فذلك يرتفع في الآخرة ويزول، وأما العداوة التي هي بيننا وبين الكفرة: فهي لا تزول أبداً في الدنيا والآخرة؛ لأنها عداوة الدين والمذهب، فذلك لا يرتفع أبداً.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا ﴾ على ابتداء النزع، لا على أن كانوا فيه؛ كقوله - -: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ على ابتداء: المنع، أي: لولا إخراجه إياهم من ذلك، وإلا كانوا فيه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا ﴾ أي: لم نجعل في قلوبهم الغل رأساً، ولو تركهم على ما هم عليه لكان فيهم ذلك.
وفيه دلالة أن لله في فعل العباد صنعاً؛ لأن الغش [والغل] من فعل العباد يذمون على ذلك.
ثم أخبر أنه نزع ذلك من قلوبهم، واستأدى منهم الشكر بذلك بقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا...
﴾ الآية.
وقد ذمّ من طلب الحمد على ما [لم] يفعل؛ فدل طلب الحمد منهم على أن له فيه صنعاً؛ بذلك طلب منهم الحمد، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ .
ذكر هذا - والله أعلم - لما علم عز وجل من طباع الخلق الرغبة في هذه الأنهار الجارية في الدنيا، فيما يقع عليها الأبصار، فرغبهم في الآخرة بما كانت طباعهم وأنفسهم تميل إلى ذلك في الدنيا؛ ليرغبوا فيما أمر وينتهوا عما نهى، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القصور والخيام والجواري والغلمان والأكواب والأباريق، وغير ذلك مما ترغب طباع الخلق في ذلك في الدنيا وتميل أنفسهم إلى ذلك؛ وأعدها لهم في الآخرة ترغيباً منه لهم في ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ ﴾ ، قال الحسن وغيره: هدانا: دلنا لهذا.
﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .
وأما عندنا: ليس هو هداية الدلالة والبيان؛ ولكن الهداية التي أكرمهم الله بها بفضله ولطفه، وهي توفيقه إياهم إلى الهدى؛ لأنه خرج مخرج الامتنان والفضل، ولو كان دلالة وبياناً لكان لا معنى لتلك المنة وذلك الفضل؛ لأن عليه الدلالة والبيان.
والثاني: [أنه] لو كان على الدلالة والبيان لكان ذلك على كل أحد: على الرسل وغيرهم؛ لأن عليهم البيان والدلالة، فدل أنه ليس على الدلالة والبيان، ولكن غيره.
والثالث: أنه لا أحد عند نفسه أنه يزيغ ويضل وقت ما هداه الله ووفقه.
وقد يجوز أن يكون ذلك في الدلالة والبيان؛ دلّ أنه لم يحتمل ما قال أولئك من الدلالة والبيان، والله الموفق.
وقال بعض الناس: إن المعتزلة خالفوا الله عما أخبر، وخالفوا الرسل عما أخبروا عن الله ، وخالفوا أهل الجنة والنار، وخالفوا إبليس: أما مخالفتهم الله فقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ ونحوه.
أما مخالفتهم الرسل فقوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ ﴾ الآية، وقول أهل النار قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ وقول إبليس: ﴿ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : هو أعلم بالله من المعتزلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل جاءوا بالحق، أي: بالدين الذي هو حق، أو جاءوا بالأعمال التي من عمل بها كان صواباً ورشداً، وكل حق هو صواب ورشد، ويحتمل جاءت رسل ربنا بالحق، أي: بالصدق ونحوه.
﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : له وجهان: أحدهما: بالحق الذي استحقه الله على عباده.
والثاني: أنهم جاءوا بالذي هو حق في العقول وصواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ ﴾ .
قوله: ﴿ تِلْكُمُ ﴾ : إنما يتكلم عن غائب، وهم فيها، لكن تأويله - والله أعلم - أن تلكم الجنة التي كنتم وعدتم في الدنيا وأخبرتم عنها هذه.
﴿ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: أورثكم [أعمالكم].
وفيه دلالة أن الإيمان من جملة أعمالهم؛ حيث قال: أورثتموها بما كنتم تعملون، وإنما يورث ذلك بالإيمان وسائر الأعمال [بل] إنما يصح بالإيمان، ذكر أنهم أورثوا الجنة بما عملوا، وإن كانوا ينالونها بفضل الله جزاء وشكراً؛ لقولهم الذي قالوا: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ ﴾ .
ما وعد المؤمنين - عز وجل - [الجنة و] ما فيها من النعيم واللذات والشهوات، بقوله: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ : هذا الذي وعد للمؤمنين، ووعد الكفار النار، وما فيها من الشدائد وأنواع العذاب، فأقروا أنهم قد وجدوا ما وعدهم ربهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً ﴾ : إن المراد بالحق الذي ذكر: الوعد الذي وعدهم وتفسير الحق الصدق، وإن كان الموعود فتأويله: وجدتموه كائناً حاضراً، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
أي: وجبت لعنة الله على الظالمين الذين وعدوا في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل الملك، ويحتمل غيره، وليس يعرف ذلك إلا بالخبر، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
فإن قيل: يذكر في الآية نداء أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، ونداء بعضهم بعضاً لا يكون إلا بحيث يكون بعضهم قريباً من بعض، وقد جاء في الأخبار من وصف الجنة وسعتها ما روي أن أقل ما يكون لواحد من الجنة مثل عرض الدنيا، وما ذكر أن الحور العين لو نظرت نظرة إلى الدنيا لامتلأت الدنيا من ضوئها ونورها، وكذلك من ريحها وعطرها، وقد جاء في وصف النار أن شرارة منها لو وقعت في الدنيا لأحرقتها أو كلام نحو هذا؛ فإذا كان بعضهم من بعض بحيث يسمعون بعضهم نداء بعض، ألا يتأذى أهل الجنة بالنار، وألا ينتفع أهل النار بنعيم الجنة، وكيف يعرف ذلك؟
قيل - والله أعلم [وذلك أن الله] قادر -: أن يوقع نداء هؤلاء بمسامع أولئك ونداء أولئك بمسامع هؤلاء، مع بعد ما بينهما؛ فيسمع كل فريق نداء الفريق الآخر.
أو أن يكون الله - - ينقض بنية هذا الخلق، وينشئهم في الآخرة على غير هذه البنية، مع ارتفاع الآفاق [والحجب فيسمع بعضهم من بعض من بعد الذي ذكر، وينظر بعضهم بعضاً لأن في الدنيا الآفات]، والحجب هي التي تمنع ذلك، فإذا ارتفع ذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
أو يقرب الجنة من النار والنار من الجنة؛ بحيث يسمع بعضهم من بعض ما ذكر من النداء.
أو يجعل ذلك في مسامعهم بما شاء وكيف شاء؛ كتسبيح الجبال وخطاب النمل وجوابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
الصد: [يكون] [منع] الغير، ويكون منع نفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، قيل: دين الله.
قال الحسن: سبيل الله: دين الله الذي ارتضى لعباده، وأمرهم بذلك، وإلى ذلك دعاهم رسله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .
أي: يبغون الدين الذي فيه عوج، وهو دين الشيطان؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ ، فالعوج هو التفرق الذي ذكر في تلك الآية، وأمكن أن يكون قوله: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ، أي: طعناً في دين الله، وقد كانوا يبغون طعناً في دين الله.
<div class="verse-tafsir"
هؤلاء الظالمون هم الذين كانوا يعرضون عن سبيل الله بأنفسهم، ويحملون غيرهم على معْوَجه حتى لا يسلكها الناس، وهم بالآخرة كافرون غير مستعدين لها.
<div class="verse-tafsir" id="91.j0Emj"