الآية ٥٢ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٥٢ من سورة الأعراف

وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍۢ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسول إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول ، وأنه كتاب مفصل مبين ، كما قال تعالى : ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) الآية [ هود : 1 ] .

وقوله : ( فصلناه على علم ) أي : على علم منا بما فصلناه به ، كما قال تعالى : ( أنزله بعلمه ) [ النساء : 166 ] .

قال ابن جرير : وهذه الآية مردودة على قوله : ( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ) [ الأعراف : 2 ] ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) الآية .

وهذا الذي قاله فيه نظر ، فإنه قد طال الفصل ، ولا دليل على ذلك ، وإنما لما أخبر عما صاروا إليه من الخسار في الدار الآخرة ، ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدار الدنيا ، بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، كقوله : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أقسم، يا محمد، لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب = يعني القرآن الذي أنـزله إليه.

يقول: لقد أنـزلنا إليهم هذا القرآن، مفصَّلا مبيَّنًا فيه الحق من الباطل =" على علم " ، يقول: على علم منا بحقِّ ما فُصِّل فيه، من الباطل الذي مَيَّز فيه بينه وبين الحق (1) = " هدى ورحمة " ، يقول: بيناه ليُهْدَى ويُرْحَم به قومٌ يصدقون به، وبما فيه من أمر الله ونهيه، وأخباره، ووعده ووعيده، فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى.

وهذه الآية مردودة على قوله: كِتَابٌ أُنْـزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [ سورة الأعراف 2 ] =" ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ".

* * * و " الهدى " في موضع نصب على القطع من " الهاء " التي في قوله: " فصلناه " ، (2) ولو نصب على فعل " فصلناه "، (3) فيكون المعنى: فصلنا الكتاب كذلك = كان صحيحًا.

ولو قرئ: " هدى ورحمةٍ" كان في الإعراب فصيحًا، وكان خفض ذلك بالردِّ على " الكتاب ".

(4) --------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"التفصيل" فيما سلف ص: 402 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(2) "القطع" ، الحال ، وانظر فهارس المصطلحات.

(3) نصبه على"الفعل" ، أي: هو مفعول مطلق ، من غير فعله ، كأنه قال: فصلناه تفصيلا.

(4) انظر معاني القرآن للفراء 1: 380.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنونقوله تعالى ولقد جئناهم بكتاب يعني القرآن فصلناه أي بيناه حتى يعرفه من تدبره .

وقيل : فصلناه أنزلناه متفرقا .على علم منا به ، لم يقع فيه سهو ولا غلط .هدى ورحمة قال الزجاج : أي هاديا وذا رحمة ، فجعله حالا من الهاء التي في فصلناه .

قال الزجاج : ويجوز " هدى ورحمة " بمعنى هو هدى ورحمة .

وقيل : يجوز " هدى ورحمة " بالخفض على البدل من كتاب .

وقال الكسائي والفراء : ويجوز هدى ورحمة بالخفض على النعت لكتاب .

قال الفراء : مثل وهذا كتاب أنزلناه مبارك .لقوم يؤمنون خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

بل قد { جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ } أي: بينا فيه جميع المطالب التي يحتاج إليها الخلق { عَلَى عِلْمٍ } من اللّه بأحوال العباد في كل زمان ومكان، وما يصلح لهم وما لا يصلح، ليس تفصيله تفصيل غير عالم بالأمور، فتجهله بعض الأحوال، فيحكم حكما غير مناسب، بل تفصيل من أحاط علمه بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء.

{ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي: تحصل للمؤمنين بهذا الكتاب الهداية من الضلال، وبيان الحق والباطل، والغيّ والرشد، ويحصل أيضا لهم به الرحمة، وهي: الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، فينتفى عنهم بذلك الضلال والشقاء.

وهؤلاء الذين حق عليهم العذاب، لم يؤمنوا بهذا الكتاب العظيم، ولا انقادوا لأوامره ونواهيه، فلم يبق فيهم حيلة إلا استحقاقهم أن يحل بهم ما أخبر به القرآن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد جئناهم بكتاب ) يعني : القرآن ( فصلناه ) بيناه ، ( على علم ) منا لما يصلحهم ، ( هدى ورحمة ) أي : جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة ، ( لقوم يؤمنون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد جئناهم» أي أهل مكة «بكتاب» قرآن «فصَّلناه» بيَّناه بالأخبار والوعد والوعيد «على علم» حال أي عالمين بما فصَّل فيه «هدى» حال من الهاء «ورحمة لقوم يؤمنون» به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد جئنا الكفار بقرآن أنزلناه عليك -أيها الرسول- بيَّنَّاه مشتملا على علم عظيم، هاديًا من الضلالة إلى الرشد ورحمة لقوم يؤمنون بالله ويعملون بشرعه.

وخصَّهم دون غيرهم؛ لأنهم هم المنتفعون به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - منزلة القرآن الكريم فى إثباته للرسالة المحمدية عن طريق الإخبار بأحوال الأمم السابقة وبيان سوء عاقبة من كذب به ، فقال : ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ .

.

.

) .قوله : ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ ) .

.

.

إلخ .التفصيل : عبارة عن جعل الحقائق والمسائل بيانها مفصولا بعضها عن بعض بحيث لا يبقى فيها اشتباه أو لبس .والمعنى : ولقد جئنا لهؤلاء الناس على لسانك يا محمد بكتاب عظيم الشأن ، كامل التبيان ، فصلنا آياته تفصيلا حكيما ، وبينا فيه ما هم فى حاجة إليه من أمور الدنيا والآخرة بيانا شافيا يؤدى إلى سعادتهم متى اتبعوه واهتدوا بهديه " .والضمير لأولئك الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، وقيل هو لهم وللؤمنين ، والمراد بالكتاب : القرآن الكريم .وقوله : ( على عِلْمٍ ) حال من فاعل " فصلناه " ، أى : فصلناه على أكمل وجه وأحسنه حالة كوننا عالمين بذلك أتم العلم .فالمراد بهذه الجملة الكريمة بيان أن ما فى هذا القرآن من أحكام وتفصيل وهداية ، لم يحصل عبثا ، وإنما حصل مع العلم التام بكل ما اشتمل عليه من فوائد متكاثرة ، ومنافع متزايدة .وقرأ ابن محيص " فضلناه " بالضاد المعجمة .

أى : فضلناه على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك .وقوله : ( هُدًى وَرَحْمَةً ) حال من مفعول " فصلناه " وقرىء بالجر على البديلة من " علم " وبالرفع على إضمار المبتدأ ، أى : هو هدى عظيم ورحمة واسعة .وقال : ( لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) لأنهم هم المنتفعون بهديه ، والمستجيبون لتوجيهات.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الجنة، وأهل النار، وأهل الأعراف، ثم شرح الكلمات الدائرة بين هؤلاء الفرق الثلاث على وجه يصير سماع تلك المناظرات حاملاً للمكلف على الحذر والاحتراز وداعياً له إلى النظر والاستدلال، بين شرف هذا الكتاب الكريم ونهاية منفعته فقال: ﴿ وَلَقَدْ جئناهم بكتاب ﴾ وهو القرآن ﴿ فَصَّلْنَاهُ ﴾ أي ميزنا بعضه عن بعض، تمييزاً يهدي إلى الرشد ويؤمن عن الغلط والخبط، فأما قوله: ﴿ على عِلْمٍ ﴾ فالمراد أن ذلك التفصيل والتمييز إنما حصل مع العلم التام بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد المتكاثرة، والمنافع المتزايدة، وقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ قال الزجاج: ﴿ هُدًى ﴾ في موضع نصب أي فصلناه هادياً وذا رحمة وقوله: ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين، والمراد أنهم هم الذين اهتدوا به دون غيرهم فهو كقوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ واحتج أصحابنا بقوله: ﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ على أنه تعالى عالم بالعلم، خلافاً لما يقوله المعتزلة من أنه ليس لله علم.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه، حتى جاء حكيماً قيماً غير ذي عوج قرأ ابن محيصن فضلتاه بالضاد المعجمة بمعنى فضلناه على جميع الكتب، عالمين أنه أهل للتفضيل عليها، و ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ حال من منصوب فصلناه، كما أن على علم حال من مرفوعه ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ إلاّ عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق ﴾ أي تبين وصحّ أنهم جاؤوا بالحق ﴿ نُرَدُّ ﴾ جملة معطوفة على الجملة قبلها، داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء؟

أو هل نردّ؟

ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم، كما تقول ابتداء: هل يضرب زيد؟

ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه.

فلا يقدّر: هل يشفع لنا شافع أو نردّ؟

وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿ أو نردّ ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ فيشفعوا لنا ﴾ أو تكون (أو) بمعنى (حتى أنّ) أي يشفعوا لنا حتى نردّ فنعمل وقرأ الحسن بنصب ﴿ نردّ ﴾ ورفع ﴿ فَنَعْمَلَ ﴾ بمعنى: فنحن نعمل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ ﴾ بَيَّنّا مَعانِيَهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ مُفَصَّلَةً.

﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عالِمِينَ بِوَجْهِ تَفْصِيلِهِ حَتّى جاءَ حَكِيمًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِعِلْمٍ، أوْ مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ.

وقُرِئَ « فَضَّلْناهُ» أيْ عَلى سائِرِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ.

﴿ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ.

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ يَنْتَظِرُونَ.

﴿ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ إلّا ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ بِظُهُورِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ ﴾ تَرَكُوهُ تَرْكَ النّاسِي.

﴿ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم جاءُوا بِالحَقِّ.

﴿ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا ﴾ اليَوْمَ.

﴿ أوْ نُرَدُّ ﴾ أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا.

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ فَيَشْفَعُوا ﴾ ، أوْ لِأنَّ ﴿ أوْ ﴾ بِمَعْنى إلى أنْ، فَعَلى الأوَّلِ المَسْؤُولُ أحَدُ الأمْرَيْنِ الشَّفاعَةُ أوْ رَدُّهم إلى الدُّنْيا، وعَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ لَهم شُفَعاءُ إمّا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أوْ لِأمْرٍ واحِدٍ وهو الرَّدُّ.

﴿ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ﴾ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِي وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ فَنَحْنُ نَعْمَلُ.

﴿ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِصَرْفِ أعْمارِهِمْ في الكُفْرِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ بَطَلَ عَنْهم فَلَمْ يَنْفَعْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد جئناهم بكتابٍ فصّلناه} ميزنا حلاله وحرامه ومواعظه وقصصه {على علمٍ} عالمين بكيفية تفصيل أحكامه {هدى ورحمة} حال منصوب فصلناه كما ن على علم حال من مرفوعة {لّقومٍ يؤمنون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ ﴾ بَيَّنّا مَعانِيَهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ مُفَصَّلَةً والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ قاطِبَةً وقِيلَ: لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ وقِيلَ: لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنهم ومِنَ المُؤْمِنِينَ والكِتابُ هو القُرْآنُ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهم ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأنْواعِ بِقَوْلِهِ.

حَلالٌ حَرامٌ مُحْكَمٌ مُتَشابِهٌ بَشِيرٌ نَذِيرٌ قِصَّةٌ عِظَةٌ مَثَلُ والمُرادُ مَنعُ الخُلُوِّ كَما لا يَخْفى ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ مِنّاِ بِوَجْهِ تَفْصِيلِهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( فَصَّلْناهُ ) وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ عالِمِينَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بِذَلِكَ حَتّى جاءَ حَكِيمًا مُتْقَنًا وفي هَذا كَما قِيلَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِصِفَةٍ زائِدَةٍ عَلى الذّاتِ وهي صِفَةُ العِلْمِ ولَيْسَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ عَيْنَ ذاتِهِ كَما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ ومَن ضاهاهم ولِلْمُناقَشَةِ فِيهِ مَجالٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ أيْ مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ كَثِيرٍ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( فَضَّلْناهُ ) بِالضّادِ المَعْجَمَةِ وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ ولا يُجْعَلُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ فَضَّلْناهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ عالَمِينَ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وقِيلَ: إنَّ ( عَلى ) لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِفَضَّلْناهُ أيْ فَضَّلْناهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ لِأجْلِ عِلْمٍ فِيهِ أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى عِلْمٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنها وقِيلَ: إنَّ ( عَلى ) في القِراءَتَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ﴿ جِئْناهُمْ ﴾ أيْ جِئْناهم بِذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ مِن ذَوِي العِلْمِ القابِلِينَ لِفَهْمِ ما جِئْناهم بِهِ فَتَأمَّلْ.

﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( فَصَّلْناهُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ والكَلامُ في وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ حالًا مَشْهُورٌ وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ( عِلْمٍ ) وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ أيْ هو هُدًى عَظِيمٌ ورَحْمَةٌ كَذَلِكَ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (52) لِأنَّهُمُ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ المُنْتَفِعُونَ بِنَوارِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قال: من سرعة ما انصرفوا كأنهم صرفوا، تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ يعني: أنهم إذا نظروا قِبَلَ أصحاب النار أي تلقاء أصحاب النار قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي: مع الكافرين في النار وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يعني: في النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ في الدنيا وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أي ما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الإيمان.

وقرأ بعضهم وما كنتم تستكثرون.

يعني تجمعون المال الكثير.

وهي قراءة شاذة.

أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ يعني: أنّ أهل الأعراف يقولون: يا وليد ويا أبا جهل: أهؤلاء؟

يعني: صهيباً وبلالاً والضعفة من المسلمين الذين كنتم تحلفون لا ينالهم الله برحمة.

يعني: إنَّهم لا يدخلون الجنة.

ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.

وعن أبي مجلز أنه قال: وعلى الأعراف رجال من الملائكة، نادوا أصحاب الجنة قبل أن يدخلوها سلام عليكم لم يدخلوها.

وهم يطمعون دخولها يعني: في الجنة.

وإذا نظروا إلى أصحاب النار حين مروا بهم قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من المشركين يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ يعني: لأهل الجنة.

قال مقاتل: فأقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم.

فقالت الملائكة لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟.

ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة.

ويقال: إن أهل النار يقولون لأهل الأعراف: ما أغنى عنكم جمعكم وعملكم وأنتم والله تكونون معنا في النار ولا تدخلون الجنة؟.

فيقول الملائكة لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم يعني، أصحاب الأعراف لا ينالهم الله برحمته.

ثم يقال: لأصحاب الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.

قوله عز وجل: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي اسقونا من الماء أو شيئاً من الفواكه وثمار الجنة فإنّ فينا من معارفكم.

فعلم الله تعالى أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب.

فأجابهم أهل الجنة: قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ يعني: الماء والثمار.

وروي في الخبر أنَّ أبا جهل بن هشام بعث إلى النبيّ  يستهزئ به: أطعمني من عنب جنتك أو شيئاً من الفواكه.

فقال لأبي بكر الصديق-  -: «قُلْ لَهُ: إنَّ الله حَرَّمَهُما عَلَى الكَافِرِينَ» .

ثم وصفهم عز وجل فقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً أي: اتخذوا الإسلام باطلاً ودخلوا في غير دين الإسلام.

ويقال: اتخذوا عبداً لهواً وفرحاً.

وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: غرّهم ما أصابهم من زينة الدنيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ أي نتركهم في النار كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا أي: كما تركوا العمل ليومهم هذا.

ويقال: كما تركوا الإيمان ليومهم هذا يعني: أنكروا البعث وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني: بجحدهم بآياتنا بأنها ليست من عند الله تعالى- قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ أي: أكرمناهم بالقرآن فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ يعني: بيّنا فيه الآيات، الحلال والحرام عَلى عِلْمٍ أي: بعلم منا هُدىً يعني: بياناً من الضلالة.

ويقال: جعلناه هادياً.

وَرَحْمَةً أي: نعمة ونجاة من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: لمن آمن وصدق به.

يعني: أكرمناهم بهذا الكتاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا.

وإنما أضاف إلى المؤمنين لأنهم هم الذين يهتدون به ويستوجبون به الرحمة.

ثم قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ عاقبة ما وعدهم الله.

وهو يوم القيامة.

يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ يقول: الذين تركوا العمل والإيمان مِنْ قَبْلُ يعني: في الدنيا قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وذلك أنهم حين عاينوا العذاب، وذكروا قول الرسل، وندموا على تكذيبهم إياهم.

يقولون: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ.

أي بأمر البعث فكذبناهم فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا لأنهم يرون الشفعاء يشفعون للمؤمنين، فيقال لهم: ليس لكم شفيع.

فيقولون: أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أي: هل نرد إلى الدنيا فنصدق الرسل ونعمل غير الشرك فَنَعْمَلَ صار نصباً لأنه جواب الاستفهام، وجواب الاستفهام إذا كان بالفاء فهو نصب.

وكذلك جواب الأمر والنهي.

يقول الله تعالى: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: قد غبنوا حظ أنفسهم وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يكذبون بأن الآلهة شفعاؤهم عند الله.

قوله: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ أي: أبصار أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة، وإذا نظروا إلى النار، وأهلها، قالوا: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قاله ابن عباس «١» ، وجماعة من العلماء.

وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ يريد من أهل النار.

مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ «ما» استفهام بمعنى التَقْرِيرِ، والتوبيخ، و «ما» الثانية مصدرية، و «جمعكم» لفظ يعم المال والأَجْنَادَ والخَوَلَ.

وقوله سبحانه: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أهل الأعراف هم القائلون: «أهؤلاء» إشارة إلى أهل الجنة، والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى: أهؤلاء الضُّعَفَاء في الدنيا الذين حَلَفْتُمْ أن اللَّه لا يعبؤبهم، قيل لهم: ادخلوا الجنة.

وقال النقاش: اقسم أهْلُ النَّارِ أن أصحاب الأعراف داخلون النَّارَ «٢» معهم، فنادتهم المَلاَئِكَةُ: أهؤلاء، ثم نادت أصحاب الأَعْرَافِ: ادخلوا الجنة.

وقرأ عكرمة «٣» : «دخلوا الجَنَّة» على الإخبار بفعل ماض.

وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)

وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ...

الآية: لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وَقَعَ لهم علم بأن أهل الجنّة يسمعون نداءهم،

وجائز أن يكون ذلك، وهم يرونهم بإِدراك يجعله اللَّه لهم عَلَى بُعْدِ السُّفْلِ من العلو، وجائز أن يكون ذلك، وبينهم السُّورُ والحجاب المتقدم الذِّكْر.

وروي أن ذلك النداء هو عند اطِّلاَع أهل الجنة عليهم.

وقوله سبحانه: أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ إشارة إِلى الطعام.

قاله السدي «١» .

فيقول لهم أهل الجنة: إن اللَّه حَرَّمَ طعام الجَنَّةِ وشَرَابَهَا على الكافرين، وإجابة أهل الجنة بهذا الحُكْمِ هو عن أَمْرِ اللَّه تعالى.

ومعنى قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً أي بالإِعْرَاضِ والاستهزاء.

بِمَنْ يدعوهم إلى الإسلام.

وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغَايَةُ القصوى.

وقوله: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ هو من إخبار اللَّه عز وجل عما يَفْعَلُ بهم والنسيان هنا بمعنى التَّرْكِ، أي: نتركهم في العذاب، كما تركوا النَّظَر/ للقاء هذا اليوم.

قاله ابن عباس «٢» وجماعة.

«وما كانوا» عطف على «ما» من قوله: «كما نسوا» ، ويحتمل أن تقدر «ما» الثانية زائدة، ويكون قوله: و «كانوا» عَطْفاً على قوله: «نسوا» .

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ الضمير في جِئْناهُمْ لمن تَقَدَّم ذكره، و «الكتاب» اسم جنس، واللام في «لقد» لام قَسَم.

وقال يحيى بن سلام: بل الكلام تَمَّ في يَجْحَدُونَ، وهذا الضمير لمكذبي نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٣» وهو ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن، وعَلى عِلْمٍ معناه: على بَصِيرَةٍ.

وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون إِلَّا تَأْوِيلَهُ، أي مآله وعاقبته يوم القيامة.

قاله ابن عباس «٤» وغيره.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ.

فَصَلْناهُ أيْ: بَيَّنّاهُ بَإيضاحِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.

وقِيلَ: فَصَّلْناهُ فُصُولًا مَرَّةً بِتَعْرِيفِ الحَلالِ، ومَرَّةً بِتَعْرِيفِ الحَرامِ، ومَرَّةً بِالوَعْدِ، ومَرَّةً بِالوَعِيدِ، ومَرَّةً بِحَدِيثِ الأُمَمِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلى عِلْمٍ مِنّا بِما فَصَّلْناهُ.

والثّانِي: عَلى عِلْمٍ مِنّا بِما يُصْلِحُكم مِمّا أنْزَلْناهُ فِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: "فَضَّلْناهُ" بِضادٍ مُعْجَمَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.

وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛ ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ  ﴾ ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟

قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْمَعُونَ نِداءَهُمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وهم يَرَوْنَهم بِإدْراكٍ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعالى لَهم عَلى بُعْدِ السُفْلِ مِنَ العُلُوِّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ السُورُ والحِجابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ؛ ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النِداءَ هو عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أنْ أفِيضُوا"؛ ﴾ مُفَسِّرَةٌ؛ بِمَعْنى "أيْ".

و"فاضَ الماءُ"؛ إذا سالَ؛ وانْماعَ؛ وأفاضَهُ غَيْرُهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الطَعامِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الجَنَّةِ: "إنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَ طَعامَ الجَنَّةِ وشَرابَها عَلى الكافِرِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأشْنَعُ عَلى الكافِرِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يَرى بَعْضًا؛ فَإنَّهُ أخْزى وَأنْكى لِلنَّفْسِ؛ وإجابَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذا الحُكْمِ هو عن أمْرِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أفْضَلُ الصَدَقَةِ بِالماءِ"؛» يَعْنِي: عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ إذْ هو ألَذُّ مَشْرُوبٍ وأنْعَشُها لِلنَّفْسِ؛ واسْتَسْقى الشَعْبِيُّ عِنْدَ مُصْعَبٍ؛ فَقالَ لَهُ: أيَّ الأشْرِبَةِ تُحِبُّ؟

فَقالَ: أهْوَنَها مَوْجُودًا؛ وأعَزَّها مَفْقُودًا؛ فَقالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يا غُلامُ؛ هاتِ الماءَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أُضِيفُ الدِينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ قَبُولُهم أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِهِ؛ ودِينُ جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ أمَرُوا بِهِ.

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ ويَكُونَ ابْتِداءَ كَلامِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: "فاليَوْمَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن أوَّلِهِ مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ﴾ ؛ أيْ: بِالإعْراضِ والِاسْتِهْزاءِ لِمَن يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ؛ ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهم بِزُخْرُفِها؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها الغايَةُ القُصْوى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ مِن "اَلْغَرُّ"؛ وهو مَلْءُ الفَمِ؛ أيْ: أشْبَعَتْهم وأبْطَرَتْهم.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ فاليَوْمَ نَنْساهُمْ ﴾ ؛ فَهو مِن إخْبارِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ؛ والنِسْيانُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِمَعْنى التَرْكِ؛ أيْ نَتْرُكُهم في العَذابِ؛ كَما تَرَكُوا النَظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ؛ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَرِّ؛ وإنْ قُدِّرَ النِسْيانُ بِمَعْنى الذُهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ فَهو في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَما كانُوا"؛ ﴾ عُطِفَ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "كَما نَسُوا"؛ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تُقَدَّرَ "ما"؛ اَلثّانِيَةُ زائِدَةً؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "كانُوا"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "نَسُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ الأعْذارَ إلَيْهِمْ؛ إثْرَ ذِكْرِ ما يُفْعَلُ بِهِمْ؛ واللامُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لَقَدْ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ والضَمِيرُ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: تَمَّ الكَلامُ في "يَجْحَدُونَ"؛ وهَذا الضَمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ العَزِيزُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ في جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَصَّلْناهُ"؛ ﴾ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ؛ وتَبْيِينِها؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَضَّلْناهُ"؛ بِضادٍ مَنقُوطَةٍ؛ و"عَلى عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: عن بَصِيرَةٍ واسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو في ﴿ ولقد جئناهم ﴾ عاطفة هذه الجملة على جملة ﴿ ونادى أصحاب النّار أصحابَ الجنّة ﴾ [الأعراف: 50]، عطف القصّة على القصّة، والغرضضِ على الغرض، فهو كلام أنف انتقل به من غرض الخبر عن حال المشركين في الآخرة إلى غرض وصف أحوالهم في الدّنيا، المستوجبين بها لما سيلاقونه في الآخرة، وليس هو من الكلام الذي عقب الله به كلام أصحاب الجنّة في قوله: ﴿ فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ﴾ [الأعراف: 51] لأنّ قوله هنا ﴿ هل ينظرون إلاّ تأويله ﴾ [الأعراف: 53] إلخ، يقتضي أنّه حديث عن إعراضهم عن القرآن في الدّنيا، فضمير الغائبين في قوله: ﴿ جئناهم ﴾ عائد إلى الذين كذّبوا في قوله: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ [الأعراف: 40] الآية.

والمراد بالكتاب القرآن.

والباء في قوله: ﴿ بكتاب ﴾ لتعدية فعل ﴿ جئناهم ﴾ ، مثل الباء في قوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ [البقرة: 17] فمعناه: أجأناهم كتاباً، أي جعلناه جاء يا إياهم، فيؤول إلى معنى أبلغناهم إياه وأرسلناه إليهم.

وتأكيد هذا الفعل بلام القسم و(قَدْ) إمّا باعتبار صفة (كتاب)، وهي جملة ﴿ فصّلناه على علم هدى ورحمة ﴾ فيكون التّأكيد جارياً على مقتضى الظّاهر، لأنّ المشركين ينكرون أن يكون القرآن موصوفاً بتلك الأوصاف، وإمّا تأكيد لفعل ﴿ جئناهم بكتاب ﴾ وهو بلوغ الكتاب إليهم فيكون التأكيد خارجاً على خلاف مقتضى الظاهر، بتنزيل المبلَّغ إليهم منزلة من ينكر بلوغ الكتاب إليهم، لأنّهم في إعراضهم عن النّظر والتّدبر في شأنه بمنزلة من لم يبلغه الكتاب، وقد يناسب هذا الاعتبار ظاهر قوله بعد: ﴿ يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ [الأعراف: 53].

وتنكير (كتاب)، وهو معروف، قصد به تعظيم الكتاب، أو قصد به النّوعيّة، أي ما هو إلاّ كتاب كالكتب التي أنزلت من قبل، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ كتاب أنزل إليك ﴾ في طالع هذه السّورة (2).

﴿ وفصلناه ﴾ أي بيّناه أي بيّنّا ما فيه، والتّفصيل تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ في سورة الأنعام (55).

وعلى عِلْمٍ } ظرف مستقر في موضع الحال من فاعل ﴿ فصّلناه ﴾ أي حال كوننا على علم، و(على) للاستعلاء المجازي، تدلّ على التّمكّن من مجرورها، كما في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] وقوله: ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ في سورة الأنعام (57).

ومعنى هذا التّمكننِ أن علم الله تعالى ذاتي لا يعْزُب عنه شيء من المعلومات.

وتنكير ﴿ عِلْم ﴾ للتّعظيم، أي عالمين أعظمَ العلم، والعظمة هنا راجعة إلى كمال الجنس في حقيقته، وأعظم العلم هو العلم الذي لا يحتمل الخطأ ولا الخفاء أي عالمين علماً ذاتياً لا يتخلّف عنّا ولا يخْتلف في ذَاته، أي لا يحتمل الخطأ ولا التّردّد.

و ﴿ هدى ورحمة ﴾ حال من ﴿ كتاب ﴾ .

أو من ضميره في قوله: ﴿ فصّلناه ﴾ .

ووصف الكتاب بالمصدرين ﴿ هدى ورحمة ﴾ إشارة إلى قوّة هديه النّاس وجلب الرّحمة لهم.

وجملة ﴿ هدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ إشارة إلى أنّ المؤمنين هم الذين توصّلوا للاهتداء به والرحمة.

وأن من لم يؤمنوا قد حُرموا الاهتداء والرّحمة.

وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة (2): ﴿ هدى للمتقين.

﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَيَّنّا ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ عَلى عِلْمٍ بِالمَصْلَحَةِ.

والثّانِي: مَيَّزْنا بِهِ الهُدى مِنَ الضَّلالَةِ عَلى عِلْمٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الهُدى البُرْهانُ.

والثّانِي: أنَّ الهُدى الإرْشادُ، والرَّحْمَةَ: اللُّطْفُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ أيْ هَلْ يَنْظُرُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ الِانْتِظارِ بِالنَّظَرِ، ﴿ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ أيْ تَأْوِيلَ القُرْآنِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عاقِبَتُهُ مِنَ الجَزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والحِسابِ.

﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: القَضاءُ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: عاقِبَةُ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَ الكَلْبِيُّ.

﴿ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْنى نَسُوهُ أعْرَضُوا عَنْهُ فَصارَ كالمَنسِيِّ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.

والثّانِي: تَرَكُوا العَمَلَ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْبِياءُ اللَّهِ في الدُّنْيا بِكُتُبِهِ المُنْذِرَةِ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ عِنْدَ المُعايَنَةِ بِما بَشَّرُوهم بِهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ﴾ يقول: نتركهم في النار كما تركوا لقاء يومهم هذا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ قال: نؤخِّرهم في النار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ قال: نتركهم من الرحمة ﴿ كما نسوا لقاء يومهم هذا ﴾ قال: كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك قال: إن في جهنم لآباراً، من ألقيَ فيها نسي، يتردى فيها سبعين عاماً قبل أن يبلغ القرار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ أي من كان صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخواناً أحباباً، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة كقوله: ﴿ ونادى أَصْحَابُ الجنة ﴾ ، ﴿ ونادى أَصْحَابُ الأعراف ﴾ ﴿ ونادى أَصْحَابُ النار ﴾ ، وغير ذلك ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ و ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ ، ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله ﴾ و ﴿ أَن سلام ﴾ : يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميراً أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾ حُذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ [يوسف: 70] أي أعلم معلم وهو ملك ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾ [الحديد: 13] ﴿ الأعراف ﴾ .

قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة ﴿ رِجَالٌ ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿ وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ جَمْعُكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي استكبارهم على النار أو استكبارهم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: ﴿ مَآ أغنى ﴾ استفهامية أو نافية ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطاباً لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطاباً لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ خطاباً لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطاباً لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء ﴾ دليل على أن الجنة فوق النار ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ من سائر الأطعمة والأشربة ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم ﴿ كَمَا نَسُواْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَمَا كَانُواْ ﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿ جئناهم بكتاب ﴾ يعني القرآن ﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ﴾ أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعم ﴾ بكسر العين حيث كان: علي.

الباقون بالفتح ﴿ مؤذن ﴾ بغير همز: النجاري عن روش ويزيد والشموني وحمزة في الوقف.

﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: عاصم وأبو عمرو وأبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون: مشددة وبالنصب.

الوقوف: ﴿ حقاً ﴾ ج لانتهاء الاستفهام.

﴿ نعم ﴾ ج للعطف مع الابتداء بالتأذين.

﴿ على الظالمين ﴾ ه لا لأن "الذين" صفتهم ﴿ عوجاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال ﴿ كافرون ﴾ ه لأن ما بعده لم يدخل في التأذين ولم يجزأن يكون حالاً ﴿ حجاب ﴾ ج لتناهي حال الفئتين واتفاق الجملتين ﴿ بسيماهم ﴾ ط ﴿ يطمعون ﴾ ه ﴿ أصحاب النار ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذاً" ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ برحمة ﴾ ط لتناهي الاستفهام والأقسام ﴿ تحزنون ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ج للابتداء مع فاء التعقيب ﴿ هذا ﴾ لا "وما" مصدرية كما في ﴿ كما نسوا ﴾ والتقدير ننساهم كنسيانهم وجحودهم ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إلا تأويله ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء للتعقيب ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: ولما شرح وعيد الكفار وثواب الأبرار أتبعه المناظرات التي تدور بين الفريقين فقال: ﴿ ونادى ﴾ وإنما ذكره بلفظ الماضي لأن المستقبل الذي يخبر الله  عنه من حيث تحقق وقوعه كالماضي.

والظاهر أن هذا النداء إنما يكون بعد الاستقرار في الجنة لأنه ورد بعد قوله: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ قيل: الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرض.

ومع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء؟

وأجيب بأن البعد الشديد والقرب القريب عندنا ليس من موانع الإدراك، ولو سلم المنع في الشاهد فلا يسلم في الغائب.

وهذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن أصحاب الجنة وأصحاب النار يفيد العموم لكن الجمع إذا قرن بالجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار.

و"أن" في ﴿ إن قد وجدنا ﴾ مفسرة أو مخففة من الثقيلة كما مر في قوله: ﴿ أن تلكم الجنة  ﴾ وكذا قوله: ﴿ أن لعنة الله ﴾ لأن النداء والتأذين في معنى القول: قال ابن عباس: ﴿ وجدنا ما وعدنا ربنا ﴾ في الدنيا من الثواب ﴿ حقاً ﴾ صحيحاً مطابقاً للواقع ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم ﴾ من العقاب ﴿ حقاً ﴾ والغرض من هذا الاستفهام إظهار البشاشة والاغتباط وإيقاع الحزن في قلب العدو، وفي هذه الحكاية لطف للمؤمنين وترغيب كما في سائر الأخبار.

وإنما حذف المفعول في ﴿ وعد ربكم ﴾ لدلالة المفعول في ﴿ وعدنا ﴾ عليه، ولأن كونهم مخاطبين من قبل الله  بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف وأنه لا يليق إلا بحال المؤمنين ويحتمل أن يكون الإطلاق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة ﴿ قالوا نعم ﴾ قال سيبويه: نعم عدة وتصديق أي تستعمل تارة عدة وتارة تصديقاً.

فإذا قال: أتعطيني؟

قال: نعم، فهو عدة.

وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم فقد صدقت.

والحاصل أن نعم للتصديق في الخبر والتحقيق في الاستفهام مثبتين كانا أو منفيين.

فلو قيل: قام زيد أو أقام زيد فتقول: نعم.

كان معناه نعم قام زيد مصدقاً أو محققاً ولو قيل: ما قام زيد أو ألم يقم زيد فقلت: نعم.

كان المعنى ما قام زيد مصدقاً أو محققاً.

ومن ثم قال ابن عباس: لو قالوا في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ "نعم" لكان كفراً.

هذا من حيث اللغة وقد يكون العرف على خلاف ذلك كقول الفقهاء.

لو قيل أليس لي عليك دينار فقلت: نعم التزمت بالدينار بناء على العرف الطارىء بعد الوضع.

وكنانة تكسر العين من نعم.

وروي عن عمر أنه سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر: أما النعم فالإبل وقولوا نعم وأنكر هذه الرواية أبو عبيد ﴿ فأذن مؤذن ﴾ قال ابن عباس: هو الملك صاحب الصور يأمره الله فينادي نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار.

ومعنى التأذين النداء والتصويت للإعلام ومنه الأذان لأنه إعلام بالصلاة وبوقتها.

والظالمون في الآية قيل: عام للكافر والفاسق والظاهر أنهم الكفار لأن الصد عن سبيل الله أي المنع عن قبول الدين الحق بالقهر أو بالحيلة وإلقاء الشكوك والشبهات في الدلائل وهو المراد بقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ وقد مر في آل عمران.

والكفر بالآخرة كلها من أوصاف الكفرة وإنما قدم بالآخرة تصحيحاً لفواصل الآي ولم يزد لفظة هم هنا على القياس.

وأما في سورة هود فلما تقدم ﴿ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ﴾ وقال: ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ ولم يقل "عليهم" والقياس ذلك التبس أنهم هم أم غيرهم فكرر ليعلم أنهم هم المذكرون لا غيرهم.

ثم وصف أهل الجنة والنار فقال: ﴿ وبينهما ﴾ يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين ﴿ حجاب ﴾ وهو السور المذكور في قوله  : ﴿ فضرب بينهم بسور له باب  ﴾ قيل: أي حاجة إلى ضرب هذا السور والجنة فوق السموات والجحيم في أسفل سافلين.

وأجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب.

والأعراف لغة جمع عرف بالضموهو الرمل المرتفع ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عرف لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه.

الأعراف في الآية يفسر بالمكان تارة وبغيره أخرى.

أما الذين فسروه بالمكان وهم الأكثرون فقال: إن الأعراف أعلى أعالي السور المضروب بين الجنة والنار ويروى عن ابن عباس.

وعنه أيضاً أن الأعراف شرف الصراط وعلى هذا التفسير فالذين هم على الأعراف من هم فيه قولان: أحدهما أنهم أقوام يكونون في الدرجة العليا من الثواب.

وثانيهما: أنهم في الدرجة النازلة.

وعلى الأول فيه وجوه: فقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار.

فقيل له: يقول الله  : ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ وأنت تقول: إنهم ملائكة.

فقال: الملائكة ذكور لا إناث.

ويرد عليه أن الرجل لغة يطلق على من يصلح أن يكون من نوعه أنثى بل يطلق على الذكر من بني آدم.

وقيل: إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله  على ذلك المكان العالي إظهاراً لشرفهم وليكونوا مشرفين على الفريقين مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم.

وقيل: إنهم الشهداء.

وعلى القول الثاني قيل: إنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أوقفهم الله على هذه الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار.

ثم تؤل عاقبة أمرهم إلى الجنة برحمة من الله وفضل قاله حذيفة وابن مسعود واختاره الفراء.

وخصصه بعضهم فقال: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن أمهاتهم فاستشهدوا فساوت معصيتهم طاعتهم وفي هذا التخصيص نظر.

وقال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة.

وقال قوم: هم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم الأعراف.

وأما الذين فسروه بغير المكان وهو قول الحسن والزجاج فقد قالوا: إن المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يميزون البعض من البعض إما بالإلهام أو بتعريف الملائكة.

قال الحسن: والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا.

وعلى جميع التفاسير فهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار.

قال قوم: يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة مبيضة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.

وزيف بأن هذا النوع من المعرفة عام لأهل المحشر فلا وجه لتخصيص أصحاب الأعراف بذلك.

ويمكن أن يقال: إن معرفتهم لكونهم على الأمكنة المرتفعة آمنين.

وقال المحققون: إنهم كانوا يعرفون أهل الخير والإيمان والصلاة وأهل الشر والكفر والإفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية، فهو  يجلسهم على الأعراف ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به.

ثم قال: ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ أي إنهم إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها.

ثم أخبر على سبيل الاستئناف أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ﴿ وهم يطمعون ﴾ كأن سائلاً سأل عن حالهم أو على أنه صفة أخرى لرجال.

فإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف فيكون الله  أخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه  ينقلهم إلى الدرجات العلا في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "ان أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في وسط السماء وإن أبا بكر وعمر منهم" ومعنى يطمعون على هذا يتيقنون كقول إبراهيم: ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين  ﴾ ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الأدب.

وإن قلنا أصحاب الأعراف هم الأوساط فلا إشكال لأنهم يطمعون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة ﴿ وإذا صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ قال الواحدي: التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفاً.

ولم يأت من المصادر على "تفعال" بالكسر إلا حرفان "تبيان" و "تلقاء" وإنه في الاسم كثير كتمثال وتقصار، والمعنى أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى أن لا يجعلهم من زمرتهم.

وفي بناء الفعل للمفعول وإن لم يقل وإذا أبصروا فائدة هي أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا.

ثم بين أن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أكابر أهل النار واستغنى عن التصريح بهم بوصفهم بما لا يليق إلا بهم فقال: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ المال أو كثرتكم واجتماعكم ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن الحق وعلى الناس، وفيه تبكيت للمخاطبين وشماتة بهم، ثم زادوا في التبكيت مشيرين إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما استهزؤا بهم وأنفوا من مشاركتهم في دينهم لقلة حظوظهم من الدنيا فقالوا: ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ أما قوله: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ إلى آخر الآية.

فمن قول الله  لأصحاب الأعراف، أو من قول الملائكة لهم بأمره، أو من قول بعضهم لبعض وذلك بعد أن يحبسوا ويجلسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويقولوا.

قال المفسرون: الرجال ههنا الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام والعاص بن وائل السهمي ونظراؤهم.

وكانوا يقولون إن بلالاً وسلمان وعماراً وأمثالهم يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار كلاً والله إن الله لا يفضل علينا خدمنا ورعاتنا، أقسموا أن لا يخصهم بفضل دونهم فناداهم أصحاب الأعراف.

ثم ختم المناظرت بقوله: ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ﴾ قال ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا: ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله بالجنة فزخرفت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ طلبوا الماء أوّلاً لما في بواطنهم من الاحتراق الشديد.

وفي الإفاضة نوع دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكاناً من أهل النار.

قال بعض العلماء: إنهم سألوا ذلك مع جواز الحصول.

وقال آخرون: بل مع اليأس لأنهم عرفوا دوام عقابهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل: الغريق يتعلق بالزبد.

وإن علم أنه لا يغنيه.

قوله: ﴿ أو مما رزقكم الله ﴾ قيل: أي سائر الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة.

وقيل: أي من الثمار أو الطعام.

والمراد: وألقوا علينا من الطعام والفاكهة كقوله: علفتها تبناً وماءً بارداً *** فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم.

ثم كأن سائلاً سأل فبماذا أجابهم أهل الجنة؟

فقيل: ﴿ قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ أي منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه وهذه نهاية الحسرة والخيبة أعاذنا الله منها.

ثم وصف هؤلاء الكافرين بأنهم ﴿ الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة ﴾ وقد مر تفسير الوصفين في أوسط سورة الأنعام.

وقال ابن عباس: يريد المستهزئين المقتسمين، وجملة الأمر أن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين غريقاً في بحر الدنيا ومشتهياتها.

ثم ذكر جزاءهم يوم القيامة على سبيل الحكاية فقال: ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا قاله الحسن ومجاهد والسدي والأكثرون، وقيل: أي نعاملهم معاملة من نسي بتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، فسمي جزاء النسيان نسياناً كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ والحاصل أنه لا يجيب دعائهم ولا يرحم ضعفهم وذلهم.

عن أبي الدرداء أن الله  يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون الشراب فيستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فتقول أهل الجنة ﴿ إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ ، ويقولون لمالك ليقض علينا ربك فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام إنكم ماكثون، ويقولون ربنا أخرجنا منها فيجيبهم اخسؤا فيها ولا تكلمون، فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في زفير وشهيق.

وعن ابن عباس في صفة أهل الجنة: إنهم يرون الله عز وجل في كل جمعة، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب فإذا رأوا الله  دخل من كل باب ملك معهم الهدايا الشريفة.

وقال: إن نخل الجنة خشبها الزمرد وقوائمها الذهب الأحمر وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة وثمرتها أمثال القلال أشد بياضاً من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل لا عجم فيها.

فهذه صفة الفريقين من القرآن والحديث فتأهب لأيهما شئت والله الموفق.

ولما شرح الله  حال الطائفتين والمناظرات الجارية بينهم لتكون حاملاً للمكلف على الحذر من مواجب النار وعلى الرغبة في مستتبعات الجنة بيّن شرف هذا الكتاب الكريم وغاية منافعه الجليلة فقال: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ﴾ ميزنا بعضه عن بعض تمييزاً يهدي إلى الرشاد ويؤمن من الغلط والتخليط.

وإنما فعلنا ذلك لا كيفما اتفق بل ﴿ على علم ﴾ بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد الكثيرة والمنافع الغزيرة حتى جاء بريئاً من كل خلل وقدح ومعجزاً باقياً على وجه الدهر.

وقوله: ﴿ وهدى ورحمة ﴾ حالان من منصوب ﴿ فصلناه ﴾ كما أن ﴿ على علم ﴾ حالٍ من مرفوعه.

ويحتمل أن يكونا مفعولاً لهما ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن فائدته تعود إليهم، ثم لما بيّن إزاحة العلة بسب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة بين بعده حال من كذب به فقال: ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع، وكيف ينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟

الجواب لعل فيهم أقواماً تشككوا وتوقفوا ولهذا السبب انتظروه.

وأيضاً إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة.

قال الفراء: الضمير في تأويله للكتاب أي إلا عاقبة أمره وما يؤل إليه من بيان صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، أو عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب، والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل ﴿ يوم يأتي ﴾ يريد يوم القيامة وانتصابه على أنه ظرف ﴿ يقول ﴾ ومعنى: ﴿ نسوه ﴾ تركوا العمل به والإيمان أو أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ﴿ قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ أي متلبسين بما هو الحق، أو الباء للتعدية والمراد اعترافهم بثبوت الحشر والنشر وأحوال القيامة وأهوالها إذا عاينوها ﴿ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ﴾ منصوب بإضمار "أن" بعد الفاء والتقدير: هل يثبت لنا شفيع فيشفع ﴿ أو ﴾ هل ﴿ نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ﴾ فنوحد الله  بدلاً عن الشرك ونطيعه بدلاً عن المعصية.

وفيه دليل على أن أهل الآخرة لا تكليف لهم خلافاً للنجار ومن تبعه وإلا لم يسألوا الرد إلى دار التكليف ولم يتمنوه بل كانوا يتوبون في الحال.

ثم حكم بأن ذلك التمني لا يفيدهم شيئاً وأن مطلوبهم لا يكون ألبتة فقال: ﴿ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي لا ينتفعون بالأصنام التي عبدوها في الدنيا وليس تفيدهم نصرة الأوثان التي بالغوا في نصرها.

التأويل: نادى أهل المحبة أهل القطيعة ﴿ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ﴾ يعني قوله: "ألا من طلبني وجدني" ﴿ فهل وجدتم ما وعدكم ﴾ ﴿ ربكم ﴾ حقاً وهو قوله: "ومن طلب غيري لم يجدني" ﴿ فأذن مؤذن ﴾ العزة والعظمة على الظالمين الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، الذين يصدون القلب والروح عن سبيل الله وطلبه، ويطلبون صرف وجوههم إلى الدنيا وما فيها ﴿ وبينهما حجاب ﴾ من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمةالنفسانية فلا يرى أهل النار أهل الجنة وكذا بين أهل الجنة وأهل الله - وهم أصحاب الأعراف - حجاب من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة الروحانية.

وسميت أعرافاً لأنها موطن أهل المعرفة، وسموا رجالاً لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه، فالأعراف مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن ﴿ يعرفون كلاً ﴾ من أهل الجنة وأهل النيران ﴿ بسيماهم ﴾ من آثار نور القلب وظلمته ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ يعني هنيئاً لكم ما أنتم فيه من النعيم والحور والقصور.

ثم أخبر عن همة أهل الأعراف فقال: ﴿ لم يدخلوها ﴾ أي الجنة ونعيمها ولم يلتفتوا إلى غير المولى ﴿ وهم يطمعون ﴾ في الوصول إلى الحق  .

﴿ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ ابتلاء ليعرفوا أنه  من أي دركة خلصهم وبأي كرامة خصصهم ومن هذا القبيل يكون ما يسنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية وما أتاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله في الخلوات ﴿ رجالاً يعرفونهم بسيماهم ﴾ يعني أهل الجنة وأهل النار ﴿ ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ يا أهل الجنة وأهل الله من الطاعات ويا أهل النار من الدنيا والشهوات ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن السير في حقيقة لا إله إلا الله ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم ﴾ يعني أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات من يقول لدناءة همته لأهل المحبة والمعرفة ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ الوصول ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ يعني الجنة المضافة إليه في قوله: ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ في حظائر القدس وعالم الجبروت ﴿ لا خوف عليكم ﴾ من الخروج ﴿ ولا أنتم تحزنون ﴾ على ما فاتكم من نعيم الجنة إذ فزتم بشهود جمالنا.

اعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا الجنة الحقيقية المضافة إلى الله في حظائر القدس وسرادق العزة انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقرّبين فافهم.

يحكى عن بابا جعفر الأبهري أنه دخل على بابا طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك ثمة؟

فقال بابا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص وكنت داخلاً مع الأخص فما رأيتني.

﴿ فيضوا علينا من الماء ﴾ كانوا في الدنيا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا على ما ماتوا، وإن أهل الجنة لما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات النفس والمضايقة بها ﴿ فقالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ وفي الحقيقة إنما حرمهما عليهم في الأزل فلم يوفقوا لمعاملات تورث الجنة ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ أي ما يؤل إليه عاقبته في شأنهم.

فللمؤمنين كشف الغطاء وسبوغ العطاء، ولأهل الجحود الفرقة الافتقار وعذاب النار أعاذنا الله  منها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

قال الحسن: الماء مما رزقهم الله، ولكن مكرر مثنى.

وقال أبو بكر: طلبوا الماء؛ ليدفعوا عن أنفسهم ما اشتد بهم من الظمأ والعطش، ثم تقع لهم الحاجة إلى الطعام؛ لأن الرجل إذا اشتد به العطش والظمأ لا يتهيأ له الأكل.

ولكن يشبه أن يكون طلب بعضهم الماء وبعضهم الطعام الذي رزقهم الله، وهذا جائز، وإن لم يذكر؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، لم يكن هذا القول من الفريقين؛ ولكن كان من اليهود ﴿ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً ﴾ ، ومن النصارى: ﴿ أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

قيل: هذا مقابل قولهم في الدنيا للمؤمنين: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ  ﴾ ، قال لهم المؤمنون في الآخرة مقابل ما قالوا لهم في الدنيا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

وهذا - والله أعلم - ليس على التحريم، ولكن على المنع؛ لأن الكفرة لا ينالون بعد أن نالوا ذلك حراماً كان أو حلالاً، ولكن على المنع؛ كقوله -  -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ  ﴾ ليس هو تحريم حرمة أكل، ولكن منع، ويشبه أن يكون ذلك محرماً على المؤمنين إطعام الكافرين من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ﴾ .

قال الحسن: اتخذوا دينهم الذي كلفوا به وأمروا أن يأتوا به لهواً ولعباً.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ﴾ أي: اتخذوا دينهم الملاهي التي كانوا يلهون ويلعبون؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً  ﴾ أي: اتخذوا دينهم الذي دانوا به لهواً ولعباً؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، وفي إنكارهم البعث إنكار الجزاء للحسنات والسيئات، وفي الحكمة إيجاب ذلك، فمن لم ير ذلك فهو لاه ولاعب، واللهو واللعب هو الذي لا عاقبة له، وكل من عمل عملاً لا عاقبة له فهو لعب ولهو، وكل من يعمل لعاقبة فهو ليس بلعب ولا لهو، وهم كانوا يعملون لا لعاقبة؛ لذلك كان لهواً ولعباً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم: إن الحياة الدنيا لا تغر أحداً، ولكن أضيف إليها التغرير لما كانت سبباً من أسباب الاغترار بها، فأضيف إليها؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً  ﴾ أضاف الفرار إلى الدعاء، وقد يضاف الشيء إلى سببه؛ كقوله: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، أي: يبصر به.

وقال بعضهم: أضيف ذلك إليها؛ لما كان منها من السبب من الهيئة ما لو كان ذلك من ذي العقل والتمييز كان ذلك غروراً؛ من نحو التزيين وغيره.

وجائز إضافة التغرير إليها على إرادة أهلها، أي: غرهم أهلها، وهم القادة والرؤساء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا ﴾ .

لا يجوز أن يضاف النسيان إلى الله -  - بحال، ولكن يجوز أن يقال: يجزيهم جزاء نسيانهم، فسمي الثاني باسم الأول، وإن لم يكن الثاني نسياناً؛ نحو قوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ والثانية ليست بسيئة، ولكن جزاء السيئة، لكنه سماها باسم السيئة؛ لما هي جزاء لها؛ فعلى ذلك هذا، وكقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ  ﴾ ، والثاني ليس باعتداء، ولكنه جزاء الاعتداء، فسماه باسم الاعتداء؛ لما هو جزاؤه؛ فعلى ذلك سمى الثاني نسياناً؛ لأنه جزاء النسيان، وإن كان الله لا يجوز أن ينسى، أو يسهو عن شيء، أو يغفل، ولأن في النسيان تركاً، وكل منسي متروك، فيتركهم في العذاب والهوان كما تركوا هم أمر الله ونهيه في الدنيا.

وقال الحسن: إن الله لا ينسى شيئاً ولا يسهو، ولكن الكفرة يكونون على الكرامة والرحمة والمنزلة كالشيء المنسي، وعن العذاب والهوان لا، أو كلام نحو هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانُواْ بِآيَٰتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ قال بعضهم: "ما" هاهنا صلة؛ كأنه قال: وكانوا بآياتنا.

وقال بعضهم: هو على ما ذكر، أي: اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا، [وكما كانوا] بآياتنا يجحدون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ ﴾ \[يحتمل بكتاب\].

[أي]: بيّناه؛ والتفصيل: التبيين.

ويحتمل قوله: ﴿ فَصَّلْنَاهُ ﴾ أي: فرقناه في إنزاله، لم ننزله جملة واحدة؛ كقوله: ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ أي: فرقناه في الإنزال على قدر النوازل بهم؛ ليعلموا حكم كل آية نزلت بالنوازل التي وقعت بهم، لا تقع لهم الحاجة إلى معرفة ما في كل آية نزلت عليهم على حدة، بل يعرفون ذلك بالنوازل.

أو أنزله مفرقاً.

أو أن يكون معرفة ما فيه من الأحكام إذا كان منزلا بالتفاريق أهون وأيسر على الطباع من معرفة ما فيه إذا نزل جملة.

ثم قوله: ﴿ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: فصلناه، أي: بيناه بالحجج والبراهين على علم منه أن الخلائق لا تقوم بإتيان مثله؛ ليعلم أنه من عنده نزل.

أو أنزله مفصلاً على علم منه بمن يصدقه ويتبعه، وبمن يكذبه ولا يتبعه.

أو على علم منه بمصالح الخلق إن أنزله صلح الخلق، أي: على علم منه بمعاملة القوم إياه أنزله؛ لأن المنفعة في إنزاله للمنزل عليهم، لا للمرسل والمنزِّل، فضرر الرد والمنفعة لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال أبو بكر: هو هدىً للكل: للمؤمن والكافر جميعاً، ورحمة للمؤمنين خاصة.

وأمّا عندنا: فهو هدىً للمؤمنين، وعمى على الكافرين؛ على ما ذكر: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى  ﴾ خص المؤمنين بالهدى لهم؛ لأنهم هم المخصوصون بالانتفاع به دون أولئك، وعلى أولئك عمى ورجس؛ على ما ذكر، وصار للمؤمنين حجة على أولئك، وقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ هذا للكافرين، وقال للمؤمنين: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي: ما ينظرون إلا وقوع ما وعدهم رسول الله  من نزول بأس الله بهم، أي: لا يؤمنون إلا بعد وقوع البأس بهم، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، والتأويل هو ما ينتهي إليه الأمر ويئول، وما يقع بهم من البأس الموعود لهم، وإيمانهم ما ذكر من قولهم: ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، يعني: بالحق الواقع بهم من بأس الله الذي كانت الرسل تعدهم، أي: إن ما وعدوا من وقوع البأس بنا كان حقّاً.

ويحتمل قوله: ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالتوحيد، أي: إن الذي جاءت به الرسل في الدنيا من التوحيد كان حقّاً.

أو أن الذي أخبر الرسل عن هذا اليوم كان حقّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ ﴾ .

كأنهم إذا حل بهم ووقع ما أوعد لهم الرسول من البأس، تمنوا عند ذلك الشفعاء الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

أو طلبوا الشفعاء كما كانوا يطلبون في الدنيا شفعاء إذا بدا لهم أمر عظيم، فيشفع بعضهم بعضاً، ويعين بعضهم بعضاً في هذه الدنيا، فعلى ما كان لهم في الدنيا تمنوا في الآخرة ذلك، فإذا أيسوا عن ذلك وأيقنوا أن لا شفيع يشفع لهم، فعند ذلك قالوا: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، لا أنهم قالوا ذلك مجموعاً؛ كقوله: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ .

قال بعضهم: لو ردوا في الدنيا، لعادوا إلى ما نهوا عنه.

وقال آخرون: لو ردوا إلى المحنة إلى الأمر والنهي لصاروا إلى العمل الذي كانوا يعملون.

ثم أخبر أنهم قد خسروا أنفسهم بعملهم الذي عملوا في الدنيا، وبعبادتهم غير الله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ ، أي: بطل عنهم ما كانوا يفترون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وغير ذلك من الافتراء؛ ذلك كله قد بطل عنهم، فبقوا حيارى، وانقطع رجاؤهم وأملهم الذي طمعوا.

قوله: ﴿ قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ من رحمة الله.

وقيل: مما وعدوا لو أطاعوا.

وقيل: أهلكوها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد جئناهم بهذا القرآن الذي هو كتاب منزل على محمد  ، وقد بيَّناه على علم منا بما نبينه، وهو هاد للمؤمنين إلى طريق الرشد والحق، ورحمة بهم لما فيه من الدلالة على خيري الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.LYgNV"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله