الآية ٩ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٩ من سورة الأعراف

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تبارك وتعالى : ( والوزن ) أي : للأعمال يوم القيامة ) الحق ) أي : لا يظلم تعالى أحدا ، كما قال تعالى : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) [ الأنبياء : 47 ] وقال تعالى : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] وقال تعالى : ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية ) [ القارعة : 6 - 11 ] وقال تعالى : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ) [ المؤمنون : 101 - 103 ] .

فصل : والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل : الأعمال وإن كانت أعراضا ، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما .

قال البغوي : يروى هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح من أن " البقرة " و " آل عمران " يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان - أو : غيايتان - أو فرقان من طير صواف .

من ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون ، فيقول : من أنت؟

فيقول : أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك وفي حديث البراء ، في قصة سؤال القبر : " فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح ، فيقول : من أنت؟

فيقول : أنا عملك الصالح " وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق .

وقيل : يوزن كتاب الأعمال ، كما جاء في حديث البطاقة ، في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها : " لا إله إلا الله " فيقول : يا رب ، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟

فيقول الله تعالى : إنك لا تظلم .

فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فطاشت السجلات ، وثقلت البطاقة " رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه .

وقيل : يوزن صاحب العمل ، كما في الحديث : " يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين ، فلا يزن عند الله جناح بعوضة " ثم قرأ : ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) [ الكهف : 105 ] .

وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أتعجبون من دقة ساقيه ، فوالذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد " وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا ، فتارة توزن الأعمال ، وتارة توزن محالها ، وتارة يوزن فاعلها ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله، واتباع أمره ونهيه, فأولئك الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته (38) =(بما كانوا بآياتنا يظلمون)، يقول: بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون, فلا يقرّون بصحتها, ولا يوقنون بحقيقتها، (39) كالذي:- 14337- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن مجاهد: (ومن خفت موازينه)، قال: حسناته.

* * * وقيل: " فأولئك "، و " من " في لفظ الواحد, لأن معناه الجمع.

ولو جاء موحَدًا كان صوابًا فصيحًا.

(40) -------------------- الهوامش : (38) انظر تفسير (( الخسارة )) فيما سلف ص : 153 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(39) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .

(40) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 373 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ومن خفت موازينه مثله .قال ابن عباس : توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان ; فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ; فذلك قوله : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحونويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار .

وما أشار إليه ابن عباس قريب مما قيل : يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد جوهرا فيقع الوزن على تلك الجواهر .

ورده ابن فورك وغيره .

وفي الخبر إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي !

ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت ؟

فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها .

ذكره القشيري في تفسيره .

وذكر أن البطاقة " بكسر الباء " رقعة فيها رقم المتاع بلغة أهل مصر .

وقال ابن ماجه : قال محمد بن يحيى : البطاقة الرقعة ، وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة .

وقال حذيفة : صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام ، يقول الله تعالى : يا جبريل زن بينهم فرد من بعض على بعض .

قال : وليس ثم ذهب ولا فضة ; فإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فرد على المظلوم ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم ; فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم ابرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وانظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره مثقال حبة فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } بأن رجحت سيئاته، وصار الحكم لها، { فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } إذ فاتهم النعيم المقيم، وحصل لهم العذاب الأليم { بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } فلم ينقادوا لها كما يجب عليهم ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) يجحدون ، قال أبو بكر - رضي الله عنه - حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا ، وخفته عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا .

فإن قيل : قد قال : " من ثقلت موازينه " ذكر بلفظ الجمع ، والميزان واحد ؟

قيل : يجوز أن يكون لفظه جمعا ومعناه واحد كقوله : " يا أيها الرسل " وقيل : لكل عبد ميزان ، وقيل : الأصل ميزان واحد عظيم ، ولكل عبد فيه ميزان معلق به ، وقيل جمعه ؛ لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان ، ولا يتم الوزن إلا باجتماعها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن خفّت موازينه» بالسيئات «فأولئك الذين خسروا أنفسهم» بتصييرها إلى النار «بما كانوا بآياتنا يظلمون» يجحدون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن خَفَّتْ موازين أعماله -لكثرة سيئاته- فأولئك هم الذين أضاعوا حظَّهم من رضوان الله تعالى، بسبب تجاوزهم الحد بجحد آيات الله تعالى وعدم الانقياد لها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال :( والوزن يَوْمَئِذٍ الحق فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ ) .الوزن : عمل يعرف به قدر الشىء ، يقال : وزنته وزنا وزنة .

وهو مبتدأ ، ويومئذ متعلق بمحذوف خبره .

والحق صفته ، أى : والوزن الحق يوم القيامة .ومعنى الآيتين الكريمتين : والوزن الحق ثابت فى ذلك اليوم الذى يسأل الله فيه الرسل والمرسل إليهم .

ويخبرهم جميعا بما كان منهم فى الدنيا ، فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان والعلم الصالح ، فأولئك هم الفائزون بالثواب والنعيم ، ومن خفت موازين أعماله بالكفر والمعاصى فأولئك الذين خسروا أنفسهم بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب .قال تعالى : ( وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) وقد اختلف العلماء فى كيفية الوزن فقال بعضهم : إن التى توزن هى صحائف الأعمال التى كتبت فيها الحسنات والسيئات تأكيداً للحجة وإظهاراً للنصفة ، وقطعا للمعذرة .

قال ابن عمر : " توزن صحائف أعمال العباد يوم القيامة " .وقيل : إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوى ، والعدل التام فى تقدير ما يمكن به الجزاء من الأعمال ، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول : هذا الكلام فى وزن هذا وفى وزانه .

أى يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن .والذى نراه أن من الواجب علينا أن نؤمن بأن فى الآخرة وزنا للأعمال ، وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء ، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجرى فى ذلك اليوم الهائل الشديد ، أما كيفية هذا الوزن فمرده إلى الله ، لأنه شىء استأثر الله بعلمه ، وعلينا أن نعفى أنفسنا من محاولة الكشف عن أمر غيبى لم يرد فى حقيقته خبر قاطع فى كتاب الله أو سنة رسوله .قال الجمل فى حاشيته على الجلالين : فإن قلت : أليس الله - تعالى - يعلم مقادير أعمال العباد ، فما الحكمة فى وزنها؟

قلت فيه حكم : منها ، إظهار العدل وأن الله - تعالى - لا يظلم عباده ، ومنها : امتحان الخلق بالإيمان بذلك فى الدنيا وإقامة الحجة عليهم فى العقبى .

ومنها تعريف العباد بما لهم من خير أو شر وحسنة أو سيئة ، ومنها إظهار علامة السعادة والشقاوة ونظيره أنه - سبحانه - " أثبت أعمال العباد فى اللوح المحفوظ وفى صحائف الحفظة الموكلين ببنى آدم من غير جواز النسيان عليه " .وقوله - تعالى - : ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن ، وثقل الموازين المراد به رجحان الأعمال الحسنة على غيرها ، كما أن خفة الموازين المراد بها رجحان الأعمال القبيحة على ما سواها .وقوله - تعالى - : ( بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ ) متعلق بخسروا؛ أى : أن خسرانهم لأنفسهم فى الآخرة كان سببه جحودهم لآيات الله واستهزاءهم بها فى الدنيا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضاً وزن الأعمال، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ﴿ الوزن ﴾ مبتدأ و ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظرف له و ﴿ الحق ﴾ خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ الخبر و ﴿ الحق ﴾ صفة للوزن، أي والوزن الحق، أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل.

المسألة الثانية: في تفسير وزن الأعمال قولان: الأول: في الخبر أنه تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها، ثم قال ابن عباس: أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون ﴾ الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء: ﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً  ﴾ وأما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه: أحدهما: أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة، وأعمال الكافر بصورة قبيحة، فتوزن تلك الصورة: كما ذكره ابن عباس.

والثاني: أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية، وعن عبد لله بن سلام، أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة، والأخرى على جهنم، ولو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح» وعن الحسن: بينما الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها قد أغفى فسالت الدموع من عينها فقال: ما أصابك ما أبكاك؟

فقالت: ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحداً، فقال لها: «يحشرون حُفاة عُراة غرلاً» ﴿ لِكُلِّ امرئ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ  ﴾ لا يذكر أحد أحداً عند الصحف، وعند وزن الحسنات والسيئات، وعن عبيد بن عمير يؤتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة.

والقول الثاني: وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش، أن المراد من الميزان العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول، وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير إليه.

وأما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة، فلأن العدل في الأخذ والإعطاء، لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل، ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره يقال: إن فلاناً لا يقيم لفلان وزناً قال تعالى: ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً  ﴾ ويقال أيضاً فلان استخف بفلان، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة قال الشاعر: قد كنت قبل لقائكم ذا قوة *** عندي لكل مخاصم ميزانه أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلاً للعدل.

إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد من هذه الآية هذا المعنى فقط والدليل عليه أن الميزان، إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء، ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان، لأن أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت، ووزن المعدوم محال، وأيضاً فبتقدير بقائها كان وزنها محالاً، وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال.

فنقول: المكلف يوم القيامة، إما أن يكون مقراً بأنه تعالى عادل حكيم أو لا يكون مقراً بذلك فإن كان مقراً بذلك، فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب وإن لم يكن مقراً بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس حصول الرجحان لاحتمال أنه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والإنصاف فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه ألبتة، أجاب الأولون وقالوا إن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور، والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات، ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة وإن كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وخوفه وفضيحته في موقف القيامة، ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان، فبعضهم قال يظهر هناك نور في رجحان الحسنات، وظلمة في رجحان السيئات، وآخرون قالوا بل بظهور رجحان في الكفة.

المسألة الثالثة: الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد والدليل عليه قوله: ﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة  ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه ﴾ وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.

قال الزجاج: إنما جمع الله الموازين هاهنا، فقال: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه ﴾ ولم يقل ميزانه لوجهين: الأول: أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد.

فيقولون: خرج فلان إلى مكة على البغال.

والثاني: أن المراد من الموازين هاهنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة ولقائل أن يقول هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ، وذلك إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ولا مانع هاهنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة، فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ موازينه فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ ﴾ .

اعلم أن هذه الآية فيها مسائل: المسألة الأولى: أنها تدل على أن أهل القيامة فريقان منهم من يزيد حسناته على سيئاته، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته، فأما القسم الثالث وهو الذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة متساوية فإنه غير موجود.

المسألة الثانية: قال أكثر المفسرين المراد من قوله: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ موازينه ﴾ الكافر والدليل عليه القرآن والخبر والأثر.

أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ ﴾ ولا معنى لكون الإنسان ظالماً بآيات الله إلا كونه كافراً بها منكراً لها، فدل هذا على أن المراد من هذه الآية أهل الكفر، وأما الخبر فما روي أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجرته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت؟

فيقول: «أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها»، وهذا الخبر رواه الواحدي في البسيط، وأما جمهور العلماء فرووا هاهنا الخبر الذي ذكرناه من أنه تعالى يلقى في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه أتى بالشهادتين بحقهما من العبادات، لأنه لو لم يعتبر ذلك لكان من أتى بالشهادتين يعلم أن المعاصي لا تضره، وذلك إغراء بمعصية الله تعالى.

ولقائل أن يقول: العقل يدل على صحة ما دل عليه هذا الخبر، وذلك أن العمل كلما كان أشرف وأعلى درجة، وجب أن يكون أكثر ثواباً، ومعلوم أن معرفة الله تعالى ومحبته أعلى شأناً، وأعظم درجة من سائر الأعمال، فوجب أن يكون أوفى ثواباً، وأعلى درجة من سائر الأعمال.

وأما الأثر فلأن ابن عباس وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل الكفر.

وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: إن المرجئة الذين يقولون: المعصية لا تضر مع الإيمان تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنه تعالى حصر أهل موقف القيامة في قسمين: أحدهما: الذين رجحت كفة حسناتهم وحكم عليهم بالفلاح.

والثاني: الذين رجحت كفة سيئاتهم، وحكم عليهم بأنهم أهل الكفر الذين كانوا يظلمون بآيات الله، وذلك يدل على أن المؤمن لا يعاقب ألبتة.

ونحن نقول في الجواب: أقصى ما في الباب أنه تعالى لم يذكر هذا القسم الثالث في هذه الآية إلا أنه تعالى ذكره في سائر الآيات فقال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ والمنطوق راجح على المفهوم، فوجب المصير إلى إثباته، وأيضاً فقال تعالى في هذا القسم: ﴿ فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم ﴾ ونحن نسلم أن هذا لا يليق إلا بالكافر وأما العاصي المؤمن فإنه يعذب أياماً ثم يُعفى عنه، ويتخلص إلى رحمة الله تعالى، فهو في الحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال وانقطاع والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والوزن يَوْمَئِذٍ الحق ﴾ يعني وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها.

ورفعه على الابتداء.

وخبره ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ .

و ﴿ الحق ﴾ صفته أي: والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق، أي العدل.

وقرئ: ﴿ القسط ﴾ .

واختلف في كيفية الوزن فقيل: توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان، تنظر إليه الخلائق، تأكيداً للحجة، وإظهاراً للنصفة، وقطعاً للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم فيعترفون بها بألسنتهم، وتشهد بها عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم، وتشهد عليهم الأنبياء والملائكة والإشهاد، وكما تثبت في صحائفهم فيقرؤنها في موقف الحساب.

وقيل: هي عبارة عن القضاء السويّ والحكم العادل ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه ﴾ جمع ميزان أو موزون، أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات.

أو ما توزن به حسناتهم.

وعن الحسن: وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل.

وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف.

﴿ بأياتنا يَظْلِمُونَ ﴾ يكذبون بها ظلماً: كقوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ [الإسراء: 59] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والوَزْنُ ﴾ أيِ القَضاءُ، أوْ وزْنُ الأعْمالِ وهو مُقابَلَتُها بِالجَزاءِ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ صَحائِفَ الأعْمالِ تُوزَنُ بِمِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ، يَنْظُرُ إلَيْهِ الخَلائِقُ إظْهارًا لِلْمَعْدَلَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ، كَما يَسْألُهم عَنْ أعْمالِهِمْ فَتَعْتَرِفُ بِها ألْسِنَتُهم وتَشْهَدُ بِها جَوارِحُهم.

ويُؤَيِّدُهُ ما رَوِيَ: أنَّ الرَّجُلَ يُؤْتى بِهِ إلى المِيزانِ فَيَنْشَرُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ البَصَرِ، فَيَخْرُجُ لَهُ بِطاقَةٌ فِيها كَلِمَتا الشَّهادَةِ فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ.

وَقِيلَ تُوزَنُ الأشْخاصُ لِما رَوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِيَ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ» .

﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَإ الَّذِي هو الوَزْنُ.

﴿ الحَقُّ ﴾ صِفَتُهُ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ ومَعْناهُ العَدْلُ السَّوِيُّ.

﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ حَسَناتُهُ، أوْ ما يُوزَنُ بِهِ حَسَناتُهُ فَهو جَمْعُ مَوْزُونٍ أوْ مِيزانٌ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ المَوْزُوناتِ وتَعَدُّدِ الوَزْنِ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِالنَّجاةِ والثَّوابِ.

﴿ وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَضْيِيعِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فُطِرَتْ عَلَيْها، واقْتِرافِ ما عَرَّضَها لِلْعَذابِ.

بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ فَيُكَذِّبُونَ بَدَلَ التَّصْدِيقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَنْ خَفَّتْ موازينه} هم الكفار فإنه لا إيمان لهم ليعتبر معه عمل فلا يكون في ميزانهم خير فتخف موازينهم {فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ} يجحدون فالآيات الحجح والظلم بها وضعها في غير موضعها أي جحودها وترك الانقياد لها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَضْيِيعِ فِطْرَةِ الإسْلامِ الَّتِي ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلَيْها أوْ فِطْرَةِ الخَيْرِ الَّذِي هو أصْلُ الجِبِلَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ﴾ (9) مُتَعَلِّقٌ بِخَسِرُوا وما مَصْدَرِيَّةٌ و ﴿ بِآياتِنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَظْلِمُونَ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ وعُدِّيَ الظُّلْمُ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّكْذِيبِ أوِ الجُحُودِ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الظُّلْمِ في الدُّنْيا وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ الوَزْنَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُسْلِمِينَ بَلِ الكُفّارُ أيْضًا تُوزَنُ أعْمالُهُمُ الَّتِي لا تَوَقُّفَ لَها عَلى الإسْلامِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَعْضُ وادَّعى القُرْطُبِيُّ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ يُخَفَّفُ بِها عَذابُهم وإنْ لَمْ تَكُنْ راجِحَةً كَما ورَدَ في حَقِّ أبِي طالِبٍ وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ الوَزْنَ مُخْتَصٌّ بِالمُسْلِمِينَ وأمّا الكُفّارُ فَتُحْبَطُ أعْمالُهم كَيْفَما كانَتْ وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ ولا يُخَفَّفُ بِها عَنْهم مِنَ العَذابِ شَيْءٌ وما ورَدَ مِنَ التَّخْفِيفِ عَنِ أبِي طالِبٍ فَقَدْ قالَ السَّخاوِيُّ إنَّ المُعْتَمَدَ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في الآيَةِ وهي عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ساكِتَةٌ عَنْ بَيانِ حالِ مَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ وهم أهْلُ الأعْرافِ عَلى قَوْلٍ ومِن هُنا اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى عَدَمِ وُجُودِ هَذا القِسْمِ ورُدَّ بِأنَّهُ قَدْ يُدْرَجُ في القِسْمِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى تَحْقِيقٌ كَما صَرَّحُوا بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ أَيّ وزن الأعمال يومئذ بالعدل فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ أي رجحت حسناته على سيئاته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الناجون.

وتكلموا في وزن الأعمال.

قال بعضهم: توزن الصحائف التي كتبها الحفظة في الدنيا.

وقال بعضهم: يجعل للأعمال صورة وتوضع في الميزان.

وقال بعضهم: هذا على وجه المثل وهو كناية عن التعديل، وهو قول المعتزلة.

وقال بعضهم: قد ذكر الله تعالى الوزن فنؤمن به ولا نعرف كيفيته.

وروى بلال الحبشي عن حذيفة عن النبيّ  أنه قال: «إنَّ جِبْرِيلَ صَاحِبُ المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ لَهُ رَبُّهُ زِنْ بَيْنَهُمْ فَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلا دِرْهَمَ يَوْمَئذٍ، وَلا فِضَّةَ، وَلا دِينَارَ، فَيَرُدُّ الظَّالِمُ عَلَى المَظْلُومِ مَا وَجَدَ لَهُ مِنْ حَسَنَةٍ.

فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَهُ حَسَنَةٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ المَظْلُومِ فَتُرَدُّ عَلَى الظَّالِمِ فَيَرْجِعُ الظَّالِمُ وَعَلَيْهِ سَيِّئاتٌ مِثْلُ الجَبَلِ» .

وروي عن ابن عباس أنه قال: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان.

فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، وتثقل حسناته على سيئاته.

وأما الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورة، وتثقل سيئاته على حسناته.

وقال بعضهم: لا يوزن عمل الكافر، وإنما توزن الأعمال التي بإزائها الحسنات.

ثم قال تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ أي رجحت سيئاته على حسناته فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي غبنوا حظ أنفسهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ بما كانوا بآياتنا يجحدون، بأنه ليس من الله تعالى.

وقد ذكر الموازين بلفظ الجمع.

قال بعضهم: لأن المراد بها جميع الموزون.

وقال بعضهم: أراد به الميزان لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهين والخيوط.

وقد ذكر باسم الجماعة.

قال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي مكناكم في الأرض وعمرناكم، فذكر لهم التهديد، ثم ذكر لهم النعم ليستحيوا من ربهم ولا يعصوه وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ يعني: الرزق وهو ما يخرج من الأرض من الكروم والثمار والحبوب.

وروى خارجة عن نافع أنه قرأ معائش بالهمز لأنه على ميزان فعائل مثل الكبائر والصغائر.

وقرأ الباقون بغير همز، لأنّ الياء أصلية وكان على ميزان مفاعل.

ثم قال: قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يعني: إنكم لا تشكرون هذه النعمة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأما الكفار، ومن نفذ عليه الوَعِيد من العُصَاةِ، فيعقبهم جوابهم عَذَاباً وتوبيخاً.

ت: وروى أبو عمر بن عبد البر «١» في كتاب «فَضْلِ العلمِ» بِسَنَدِهِ عن مَالِك أنه قال: بلغني أن العلماء يُسْأَلُونَ يوم القيامة كما تُسْأَلُ الأنبياء يعني عن تَبْلِيغ العِلمِ/ انتهى.

وخرج أبو نُعَيْم الحافظ من حديث الأَعْمَشِ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من عَبْدٍ يخطو خطوةً إِلا يُسْأَلُ عنها ما أَرَادَ بها» «٢» .

وقد ذكرنا حَدِيثَ مسلم عن أبي برزة في غير هذا المَوْضِعِ.

وخرج الطبراني بسنده عن ابن عُمَرَ قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ دَعَا اللَّه بِعَبْدٍ من عِبَادِهِ، فيوقفه بين يَدَيْهِ، فيسأله عن جَاهِهِ، كما يسأله عن عَمَلِهِ» «٣» .

انتهى.

وروى مالك عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: بلغني أن أَوَّلَ ما ينظر فيه من عَمَلِ الْمَرْءِ، الصلاة، فإن قُبِلَتْ منه نُظِرَ في ما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم يُنْظَرْ في شَيْءٍ من عمله.

وروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أول ما يُحاسَبُ به النَّاسُ يوم القِيَامَةِ من أعمالهم الصَّلاَةُ» قال: يقول رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ للملائكة انْظُرُوا في صَلاَةِ عَبْدِي أتمَّهَا أم نَقَصَها، فإن كانت تَامَّةً كتبت تَامَّةً، وإن كان انتُقِصَ منها شيءٌ، قال الله: انظروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ؟

فإن كان له تَطَوَّع قال: أتموا لعبدي فَرِيضَتَهُ من تَطَوُّعِهِ، ثم تؤخذ الأعمال «٤» على ذلك.

انتهى.

واللفظ لأبي داود.

وقال النسائي: ثم سائر الأعمال تجري على ذلك انتهى من «التذكرة» » .

وقوله سبحانه: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فَلنسْرِدَنَّ عليهم أعمالهم قِصَّةً قصة، بِعِلْمٍ أي: بحقيقة ويقين وَما كُنَّا غائِبِينَ.

وقوله عز وجل: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ التقدير: والوزن الحق ثابت، أو ظاهر يومئذٍ، أي يوم القيامة.

قال جمهور الأمّة: إنّ الله عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الحِسَابَ والنظر يوم القِيَامَةِ هو في غَايَةِ التحرير، ونهاية العَدْلِ بأَمْرٍ قد عرفوه في الدُّنْيَا، وعهدته أفهامهم، فميزان القِيَامَةِ له عمود وَكِفَّتَانِ على هيئة مَوَازِينِ الدنيا، جَمَع لفظ «المَوَازِين» إذ في الميزان مَوْزُونَاتٌ كثيرة، فكأنه أراد التَّنْبِيه عليها.

قال الفخر «١» : والأظْهَرُ إثبات مَوَازِينَ في يوم القيامة لا ميزان واحدِ، لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزونات، أو على الميزان الواحد يوجبان العُدُولَ عن ظَاهِرِ اللفظ، وذلك إنما يُصَارُ إليه عند تَعَذُّرِ حَمْلِ الكلام على ظَاهِرِهِ، ولا مانع هاهنا منه، فوجب إِجْرَاءُ اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات مِيزانٍ له كِفَّتان، فكذلك لا يمتنع إِثْبَاتُ موازين بهذه الصِّفَةِ، وما الموجب لتَرْكِهِ، والمصير إلى التأويل.

انتهى.

قال أبو حَيَّان «٢» : موازينه جُمِعَ باعتبار المَوْزُونَاتِ «٣» ، وهذا على مذهب الجمهور في أن الميزَانَ واحد.

وقال الحسن: لكل واحدِ ميزَانٌ «٤» ، فالجمع إذن حَقِيقَةٌ انتهى.

والآيات هُنَا البَرَاهِينُ والأوامر والنواهي.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ...

الآية خطاب لجميع الناس، والمعايش: بكسر الياء دون هَمْزٍ جمع معيشة، وهي لفظة تعمُّ جَمِيعَ المأكول الذي يُعَاشُ به، والتحرف الذي يُؤَدِّي إليه، وقَلِيلًا نصب ب تَشْكُرُونَ ويحتمل أن تكون مَّا مع الفعل بتأويل المصدر، وقَلِيلًا نعت لِمَصْدَرٍ محذوف، تقديره: شكراً قليلاً شكركم، أو شكرا قليلا تشكرون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ ﴾ أيِ: العَدْلُ.

وإنَّما قالَ: ﴿ مَوازِينُهُ ﴾ لِأنَّ "مَن " في مَعْنى جَمِيعٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَأُولَئِكَ وفي مَعْنى يَظْلِمُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَجْحَدُونَ.

والثّانِي: يَكْفُرُونَ.

قالَ الفَرّاءُ: والمُرادُ بِمَوازِينِهِ: وزْنُهُ.

والعَرَبُ تَقُولُ: هَلْ لَكَ في دِرْهَمٍ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ، ووَزْنُ دِرْهَمِكَ، ويَقُولُونَ: دارِي بِمِيزانِ دارِكَ، ووَزْنُ دارِكَ؛ ويُرِيدُنَّ: حِذاءُ دارِكَ.

قالَ الشّاعِرُ: قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لَقائِكم ذا مَرَّةٍ عِنْدِي لَكم مُخاصِمُ مِيزانِهِ يَعْنِي: مِثْلَ كَلامِهِ ولَفْظِهِ.

* فَصْلٌ والقَوْلُ بِالمِيزانِ مَشْهُورٌ في الحَدِيثِ، وظاهِرُ القُرْآَنِ يَنْطِقُ بِهِ.

وأنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ، وقالُوا: الأعْمالُ أعْراضٌ، فَكَيْفَ تُوزَنُ؟

فالجَوابُ: أنَّ الوَزْنَ يَرْجِعُ إلى الصَّحائِفِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِن أُمَّتِي عَلى رُؤُوسِ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا؟

أظْلَمَتْكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ؟

فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ.

فَيَقُولُ: ألَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ؟

فَيُبْهَتُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ؛ فَيَقُولُ: بَلى، إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً واحِدَةً، لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ، والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ؛ قالَ: فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ"» أخْرَجَهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ"، والتِّرْمِذِيُّ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «يُؤْتى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأكُولِ الشَّرُوبِ، فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةٍ"، فَعَلى هَذا يُوزَنُ الإنْسانُ.» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُوزَنُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ في مِيزانٍ، لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ.

فَأمّا المُؤْمِنُ، فَيُؤْتى بِعَمَلِهِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَيُوضَعُ في كِفَّةِ المِيزانِ، فَتَثْقُلُ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ، وأمّا الكافِرُ، فَيُؤْتى بِعَمَلِهِ في أقْبَحِ صُورَةٍ، فَيُوضَعُ في كِفَّةِ المِيزانِ، فَيَخِفُّ وزْنُهُ.

وقالَ الحَسَنُ: لَلْمِيزانِ لِسانٌ وكِفَّتانِ.

وجاءَ في الحَدِيثِ: «أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ، فَأراهُ إيّاهُ؛ فَقالَ: يا إلَهِي، مَن يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَيْهِ حَسَناتٍ؟

فَقالَ: يا داوُدُ، إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي، مَلَأتُها بِتَمْرَةٍ.» وقالَ حُذَيْفَةُ: جِبْرِيلُ صاحِبُ المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: زِنْ بَيْنَهم، ورُدَّ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ فَيَرُدُّ عَلى المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ ما وجَدَ لَهُ مِن حَسَنَةٍ.

فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ، أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ، فَرُدَّ عَلى سَيِّئاتِ الظّالِمِ، فَيَرْجِعُ وعَلَيْهِ مَثَلُ الجِبالِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَقادِيرَ الأعْمالِ، فَما الحِكْمَةُ في وزْنِها؟

فالجَوابُ أنَّ فِيهِ خَمْسَةَ حِكَمٍ.

أحَدُها: امْتِحانُ الخَلْقِ بِالإيمانِ بِذَلِكَ في الدُّنْيا.

والثّانِيَةُ: إظْهارُ عَلامَةِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ في الأُخْرى.

والثّالِثَةُ: تَعْرِيفُ العِبادِ ما لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

والرّابِعَةُ: إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

والخامِسَةُ: الإعْلامُ بِأنَّ اللَّهَ عادِلٌ لا يَظْلِمُ.

ونَظِيرُ هَذا أنَّهُ أثْبَتَ الأعْمالَ في كِتابٍ، واسْتَنْسَخَها مِن غَيْرِ جَوازِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ﴾ "والوَزْنُ": مَصْدَرُ "وَزَنَ؛ يَزِنُ"؛ ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ؛ و"اَلْحَقُّ"؛ خَبَرُهُ؛ و"يَوْمَئِذٍ"؛ ظَرْفٌ مُنْتَصِبٌ بِـ "اَلْوَزْنُ"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "يَوْمَئِذٍ"؛ خَبَرَ الِابْتِداءِ؛ و"اَلْحَقُّ"؛ نَعْتٌ لِـ "اَلْوَزْنُ"؛ والتَقْدِيرُ: "اَلْوَزْنُ الحَقُّ ثابِتٌ؛ أو ظاهِرٌ يَوْمَئِذٍ"؛ و"يَوْمَئِذٍ"؛ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الوَزْنِ والمَوازِينِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُعْلِمَ عِبادَهُ أنَّ الحِسابَ والنَظَرَ؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ هو في غايَةِ التَحْرِيرِ؛ ونِهايَةِ العَدْلِ؛ فَمَثَّلَ لَهم في ذَلِكَ بِالوَزْنِ؛ والمِيزانِ؛ إذْ لا يَعْرِفُ البَشَرُ أمْرًا أكْثَرَ تَحْرِيرًا مِنهُ؛ فاسْتُعِيرَ لِلْعَدْلِ؛ وتَحْرِيرِ النَظَرِ؛ لَفْظَةُ "اَلْوَزْنُ"؛ و"اَلْمِيزانُ"؛ كَما اسْتَعارَ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ في قَوْلِهِ: بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِسُّ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ حاكِمٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مُجاهِدٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ وغَيْرِهِما؛ وكَذَلِكَ اسْتُعِيرَ عَلى قَوْلِهِمُ الثِقْلُ؛ والخِفَّةُ؛ لِكَثْرَةِ الحَسَناتِ وقِلَّتِها.

وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يَعْرِضَ لِعِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ تَحْرِيرَ النَظَرِ؛ وغايَةَ العَدْلِ؛ بِأمْرٍ قَدْ عَرَفُوهُ في الدُنْيا؛ وعَهِدَتْهُ أفْهامُهُمْ؛ فَمِيزانُ القِيامَةِ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ؛ عَلى هَيْئَةِ مَوازِينِ الدُنْيا؛ قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "صاحِبُ المَوازِينِ يَوْمَ القِيامَةِ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛ وقالُوا: هَذا الَّذِي اقْتَضاهُ القُرْآنُ؛ ولَمْ يَرُدَّهُ نَظَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ مِن جِهاتٍ؛ أوَّلُها: أنَّ ظَواهِرَ كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَقْتَضِيهِ؛ وحَدِيثَ الرَسُولِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - يَنْطِقُ بِهِ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ الصَحابَةِ - وقَدْ قالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أيْنَ أجِدُكَ في القِيامَةِ؟

- فَقالَ: "اُطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوْضِ؛ فَإنْ لَمْ تَجِدْنِي فَعِنْدَ المِيزانِ"؛» ولَوْ لَمْ يَكُنِ المِيزانُ مَرْئِيًّا مَحْسُوسًا لَما أحالَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الطَلَبِ عِنْدَهُ؛ وجِهَةٍ أُخْرى؛ أنَّ النَظَرَ في المِيزانِ؛ والوَزْنِ؛ والثِقْلِ؛ والخِفَّةِ؛ المُقْتَرِناتِ بِالحِسابِ؛ لا يَفْسَدُ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولا تَخْتَلُّ صِحَّتُهُ؛ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلِمَ نَخْرُجْ مِن حَقِيقَةِ اللَفْظِ إلى مَجازِهِ؛ دُونَ عِلَّةٍ؟

وجِهَةٍ ثالِثَةٍ؛ وهي أنَّ القَوْلَ في المِيزانِ هو مِن عَقائِدِ الشَرْعِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ إلّا سَمْعًا؛ وإنْ فَتَحْنا فِيهِ بابَ المَجازِ غَمَرَتْنا أقْوالُ المُلْحِدَةِ؛ والزَنادِقَةِ؛ في أنَّ المِيزانَ؛ والصِراطَ؛ والجَنَّةَ؛ والنارَ؛ والحَشْرَ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ إنَّما هي ألْفاظٌ يُرادُ بِها غَيْرُ الظاهِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأمّا الثِقْلُ؛ والخِفَّةُ فَإنَّ الآثارَ تَظاهَرَتْ بِأنَّ صَحائِفَ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ تُوضَعُ في كِفَّتَيِ المِيزانِ؛ فَيُحْدِثُ اللهُ تَعالى في الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُ ثِقْلًا؛ وخِفَّةً؛ عَلى نَحْوِ إحْداثِهِ ذَلِكَ في جِسْمِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ؛ فَفي الصَحِيحِ مِن حَدِيثِ «زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: "كُنْتُ أكْتُبُ حَتّى نَزَلَتْ ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ  ﴾ ؛ وفَخِذُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى فَخِذِي حَتّى كادَتْ أنْ تَرُضَّ فَخِذِي"؛» وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ؛» عَجْزًا عن حَمْلِهِ؛ لِلثِّقْلِ الحادِثِ فِيهِ؛ ولا بُدَّ لَنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ الثِقْلَ الحادِثَ مَعَ الحَسَناتِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِجِسْمٍ؛ إذِ العَرَضُ لا يَقُومُ بِعَرَضٍ؛ فَجائِزٌ أنْ يُحْدِثَ الثِقْلَ في الصَحائِفِ؛ وهو أقْرَبُها إلى الظَنِّ؛ وجائِزٌ أنْ يُحْدِثَ في ذَلِكَ؛ مِنَ الأجْسامِ المُجاوِرَةِ لِتِلْكَ الحالِ؛ وإلى حُدُوثِهِ في الصَحائِفِ ذَهَبَ أبُو المَعالِي؛ ورُوِيَتْ في خَبَرِ المِيزانِ آثارٌ عن صَحابَةٍ وتابِعِينَ؛ في هَيْئَةِ طُولِهِ؛ وأحْوالِهِ؛ لَمْ تَصِحَّ بِالإسْنادِ؛ فَلَمْ نَرَ لِلْإطالَةِ بِها وجْهًا؛ وقالَ الحَسَنُ - فِيما رُوِيَ عنهُ -: بَلَغَنِي أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ مِيزانًا عَلى حِدَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ والناسُ عَلى خِلافِهِ؛ وإنَّما لِكُلِّ أحَدٍ وزْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ؛ والمِيزانُ واحِدٌ؛ ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ ؛ أنَّ المَوازِينَ: اَلْحَسَناتُ نَفْسُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمِعَ لَفْظُ "اَلْمَوازِينَ"؛ إذْ في المِيزانِ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ؛ فَكَأنَّهُ أرادَ التَنْبِيهَ عَلَيْها بِجَمْعِهِ لَفْظَ "اَلْمِيزانُ".

و"اَلْمُفْلِحُونَ"؛ في اللُغَةِ: اَلْمُدْرِكُونَ لِبُغْيَتِهِمْ؛ الناجِحُونَ في طَلَبِهِمْ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضـْ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخَدَّعُ الأرِيبُ فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ والمُسْيُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى "اَلْبَقاءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَقاءُ: بُلُوغُ بُغْيَةٍ؛ فالمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ؛ ووَزْنُ اللهِ تَعالى أعْمالَ العِبادِ - مَعَ عِلْمِهِ بِدَقائِقِ الأشْياءِ - وجَلائِلِها - نَظِيرُ كَتْبِهِ أعْمالَهم في صَحائِفِهِمْ؛ واسْتِنْساخِهِ ذَلِكَ؛ ونَظِيرُ اسْتِنْطاقِهِ تَعالى جَوارِحَهم بِالشَهادَةِ عَلَيْهِمْ؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ؛ وإيضاحًا؛ فَقَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ أنَّ كَلِمَةَ التَوْحِيدِ تُرَجِّحُ مِيزانَ مَن وُزِنَتْ في أعْمالِهِ؛ ولا بُدَّ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ تَثْقُلُ مَوازِينُ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالتَوْحِيدِ؛ ويَصِحُّ لَهم حُكْمُ الفَلاحِ؛ ثُمَّ تَدْخُلُ طائِفَةٌ مِنهُمُ النارَ؛ وذَلِكَ شَقاءٌ؛ لا مَحالَةَ؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّهُ تُوزَنُ أعْمالُهم دُونَ التَوْحِيدِ؛ فَتَخِفُّ الحَسَناتُ؛ فَيَدْخُلُونَ النارَ؛ ثُمَّ عِنْدَ إخْراجِهِمْ يُوزَنُ التَوْحِيدُ؛ فَتَثْقُلُ الحَسَناتُ؛ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؛ وأيْضًا فَمَعْرِفَةُ العاصِي أنَّهُ غَيْرُ مُخَلَّدٍ؛ فَلاحٌ؛ وإنْ تَقَدَّمَهُ شَقاءٌ؛ عَلى جِهَةِ التَأْدِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "مَن خَفَّتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِ؛ فَشالَتْ"؛ و ﴿ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ ؛ أيْ بِالهَلاكِ؛ والخُلُودِ في النارِ؛ وتِلْكَ غايَةُ الخَسارَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "بِما كانُوا"؛ أيْ جَزاءً بِذَلِكَ؛ كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُكَ بِما أكْرَمْتَنِي"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ و"اَلْآياتُ"؛ هُنا: اَلْبَراهِينُ؛ والأوامِرُ؛ والنَواهِي؛ و"يَظْلِمُونَ"؛ أيْ يَضَعُونَها في غَيْرِ مَواضِعِها؛ بِالكُفْرِ؛ والتَكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف جملة: ﴿ والوزن يومئذٍ الحق ﴾ على جملة ﴿ فلنقصن ﴾ [الأعراف: 7]، لما تضمّنته المعطوف عليها من العلم بحسنات النّاس وسيّئاتهم، فلا جرم أشعرت بأنّ مظهرَ ذلك العلم وأثَرَه هو الثّواب والعقاب، وتفاوتُ درجات العاملين ودرَكاتهم تفاوتاً لا يُظلم العامل فيه مثقال ذرّة، ولا يفوتُ ما يستحقّه إلاّ أن يتفضّل الله على أحدٍ برفع درجة أو مغفرة زلة لأجل سلامة قلب أو شفاعة أو نحو ذلك، ممّا الله أعلم به مِن عبادِه، فلذلك عقبت جملة: ﴿ فلنقصن ﴾ [الأعراف: 7] بجملة: ﴿ والوزن يومئذٍ الحق ﴾ فكأنّه قيل: فلنقصنّ عليهم بعلم ولنُجَازِيَنَّهم على أعمالهم جزاء لا غبن فيه على أحد.

والتّنوين في قوله: ﴿ يومئذٍ ﴾ عوض عن مضاف إليه دلّ عليه: ﴿ فلنسألن الذين أرْسِلَ إليهم ﴾ [الأعراف: 6] وما عطف عليه بالواو وبالفاء، والتّقدير: يومَ إذ نسألهم ونسأل رُسلَهم ونقُص ذنوبهم عليهم.

والوزن حقيقته معادلة جسم بآخر لمعرفة ثقل أحد الجسمين أو كليهما في تعادلهما أو تفاوتهما في المقدار، وإذ قد كان تساوي الجسمين الموزونين نادر الحصول تعيَّن جُعلت أجسام أخرى يُعرف بها مقدار التّفاوت، فلا بد من آلة توضع فيها الأشياء، وتسمّى الميزان ولها أشكال مختلفة شكلاً واتساعاً.

والأجسام التي تجعل لتعيين المقادير تُسمّى مَوازين، وَاحِدُها ميزان أيضاً وتسمّى أوزاناً واحدها وَزْن، ويطلق الوزن على معرفة مقدار حال في فضل ونحوِه قال تعالى: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ [الكهف: 105] وفي حديث أبي هريرة، في «الصّحيحين»: " إنَّه ليؤتى بالعظيم السمين يومَ القيامة لا يَزن عند الله جَناح بعوضة ".

ويستعار استعارة تمثيلية للتدبير في أحوال، كقول الراعي: وَزَنَتْ أميَّةُ أمْرَها فدَعَتْ له *** من لَمْ يكن غُمِراً ولا مَجهولاً فالوزن في هذه الآية يراد به تعيين مقادير مَا تستحقّه الأعمال من الثّواب والعقاب تعييناً لا إجحاف فيه، كتعيين الميزان على حسب ما عيّن الله من ثواب أو عقاب على الأعمال، وذلك ممّا يعلمه الله تعالى: ككون العمل الصّالح لله وكونِه ريَاء، وككون الجهاد لإعلاء كلمة الله أو كونِه لمجرّد الطمع في الغنيمة، فيكون الجزاء على قدر العمل، فالوزن استعارة، ويجوز أن يراد به الحقيقة فقد قيل توضع الصحائف التي كتبتها الملائكة للأعمال في شيء خلقه الله ليجعله الله يوم القيامة، ينطق أو يتكيّف بكيفيّةٍ فيدلّ على مقادير الأعمال لأربابها، وذلك ممكن، وقد وردت أخبار في صفة هذا الميزان لم يصحّ شيء منها.

والعِبارات في مثل هذا المقام قاصرة عن وصف الواقعات، لأنّها من خوارق المتعارف، فلا تعدُو العباراتُ فيها تقريبَ الحقائق وتمثيلها بأقصى ما تعارفه أهل اللّغة، فما جاء منها بصيغة المصدر غيرَ متعلّق بفعل يقتضي آلة فحمْلُه على المجاز المشهور كقوله تعالى: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ [الكهف: 105].

وما جاء منها على صيغة الاسماء فهو محتمل مثل ما هنا لقوله: ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ إلخ ومثل قول النّبيء صلى الله عليه وسلم «كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان» وما تعلّق بفعل مقتض آلة فحمله على التمثيل أو على مخلوق من أمور الآخرة مثل قوله تعالى: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ [الأنبياء: 47].

وقد ورد في السنّة ذكر الميزان في حديث البطاقة التي فيها كلمة شهادة الإسلام، عند التّرمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث قول النّبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك: «فاطلبْني عند الميزان» خرّجه التّرمذي.

وقد اختلف السلف في وجود مخلوق يبيّن مقدار الجزاء من العمل يسمّى بالميزان توزن فيه الأعمال حقيقة، فاثبت ذلك الجمهور ونفاه جماعة منهم الضحاك ومجاهد والأعمش، وقالوا: هو القضاء السوي، وقد تبع اختلافهم المتأخرون فذهب جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة إلى تفسير الجمهور، وذهب بعض الأشاعرة المتأخرين وجمهورُ المعتزلة إلى ما ذهب إليه مجاهد والضحاك والأعمش، والأمر هين، والاستدلال ليس ببيِّن والمقصود المعنى وليس المقصود آلته.

والإخبار عن الوزن بقوله: ﴿ الحق ﴾ إن كان الوزن مجازاً عن تعيين مقادير الجزاء فالحق بمعنى العدل، أي الجزاء عادل غير جائز، لأنّه من أنواع القضاء والحكم، وإن كان الوزن تمثيلاً بهيئة الميزان، فالعدل بمعنى السوي، أي والوزن يومئذ مساوٍ للأعمال لا يرجح ولا يحجف.

وعلى الوجهين فالإخبار عنه بالمصدر مبالغة في كونه محقاً.

وتفرع على كونه الحق قوله: ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ﴾ ، فهو تفصيل للوزن ببيان أثره على قدر الموزون.

ومحل التّفريع هو قوله: ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ وقوله: فأولئك الذين خسروا أنفسهم إذ ذلك مفرّع على قوله: ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ وقوله: ومن خفت موازينه.

وثقل الميزان في المعنى الحقيقي رجحان الميزان بالشّيء الموزون، وهو هنا مستعار لاعتبار الأعمال الصّالحة غالبة ووافرة، أي من ثقلت موازينه الصّالحات، وإنّما لم يذكر ما ثقلت به الموازين لأنّه معلوم من اعتبار الوزن، لأنّ متعارف النّاس أنّهم يزنون الأشياء المرغوب في شرائِها المتنافس في ضبط مقاديرها والتي يتغابن النّاس فيها.

والثّقل مع تلك الاستعارة هو أيضاً ترشيح لاستعارة الوزن للجزاء، ثمّ الخفّة مستعارة لعدم الأعمال الصّالحة أخذاً بغاية الخفة على وزان عكس الثّقل، وهي أيضاً ترشيح ثان لاستعارة الميزان، والمراد هنا الخفّة الشّديدة وهي انعدام الأعمال الصّالحة لقوله: ﴿ بما كانوا بآياتنا يظلمون ﴾ .

والفلاَح حُصول الخير وإدراك المطلوب.

والتّعريف في ﴿ المفلحون ﴾ للجنس أو العهد وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ في سورة البقرة (5).

وما صْدَقُ (مَن) واحد لقوله: ﴿ موازينه ﴾ ، وإذ قد كان هذا الواحد غير معيّن، بل هو كلّ من تحقّق فيه مضمون جملة الشّرط، فهو عام صح اعتباره جماعة في الإشارة والضّميرين من قوله: ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ .

والاتيان بالإشارة للتّنبيه على أنّهم إنّما حصلوا الفلاَح لأجل ثقل موازينهم، واختير اسم إشارة البعد تنبيهاً على البعد المعنوي الاعتباري.

وضمير الفصل لقصد الانحصار أي هم الذين انحصر فيهم تحقّق المفلحين، أي إن علمتَ جماعة تعرف بالمفلحين فهم هُم.

والخسران حقيقته ضد الرّبح، وهو عدم تحصيل التّاجر على ما يستفضله من بيعه، ويستعار لفقدان نفع ما يرجى منه النّفع، فمعنى ﴿ خسروا أَنفُسَهُم ﴾ فقدوا فوائدها، فإن كلّ أحد يرجو من مواهبه، وهي مجموع نفْسِه، أن تجلب له النّفع وتدفع عنه الضرّ: بالرأي السَّديد، وابتكار العمل المفيد، ونفوس المشركين قد سوّلت لهم أعمالاً كانت سبب خفّة موازين أعمالهم، أي سبب فقد الأعمال الصّالحة منهم، فكانت نفوسهم كرأسسِ مال التّاجر الذي رجا منه زيادة الرّزق فأضاعه كلّه فهو خاسر له، فكذلك هؤلاء خسروا أنفسهم إذ أوقعتهم في العذاب المقيم، وانظر ما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ في سورة الأنعام (20).

وقوله تعالى: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ في سورة البقرة (16).

والباء في قوله: بما كانوا } باء السّببيّة، وما مصدرية أي بكونهم ظلموا بآياتنا في الدّنيا، فصيغة المضارع في قوله: ﴿ يظلمون ﴾ لحكاية حالهم في تجدّد الظلم فيما مضى كقوله تعالى: ﴿ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه ﴾ [فاطر: 9].

والظلم هنا ضدّ العدل: أي يظلمون الآيات فلا ينصفونها حقّها من الصدق.

وضمن ﴿ يظلمون ﴾ معنى يُكَذّبون، فلذلك عُدّي بالباء، فكأنّه قيل: بما كانوا يظلمون فيكذبون بآياتنا على حد قوله تعالى: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظُلماً وعلواً ﴾ [النمل: 14].

وإنّما جعل تكذيبهم ظلما لأنّه تكذيب ما قامت الأدلّة على صدقه فتكذيبه ظلم للأدلّة بدحضها وعدم إعمالها.

وتقديم المجرور في قوله: ﴿ بآياتنا ﴾ على عامله، وهو ﴿ يظلمون ﴾ ، للاهتمام بالآيات.

وقد ذكرت الآية حال المؤمنين الصّالحين وحال المكذّبين المشركين إذ كان النّاس يوم نزول الآية فريقين: فريق المؤمنين، وهم كلّهم عاملون بالصّالحات، مستكثرون منها، وفريق المشركين وهم أخلياء من الصّالحات، وبقي بين ذلك فريق من المؤمنين الذين يخلطون عملاً صالحاً وآخر سيّئاً وذلك لم تتعرّض له هذه الآية، إذ ليس من غرض المقام، وتعرّضت له آيات آخرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الوَزْنَ ها هُنا هو القَضاءُ بِالحَقِّ، أيْ بِالعَدْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ مُوازَنَةُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِعَلاماتٍ يَراها النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مُوازَنَةُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِمِيزانٍ لَهُ كِفَّتانِ، قالَهُ الحَسَنُ وطائِفَةٌ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في الَّذِي يُوزَنُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي يُوزَنُ هو الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ بِوَضْعِ إحْداهُما في كِفَّةٍ والأُخْرى في كِفَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي يُوزَنُ صَحائِفُ الأعْمالِ، فَأمّا الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ فَهي أعْمالٌ، والوَزْنُ إنَّما يُمْكِنُ في الأجْسامِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي يُوزَنُ هو الإنْسانُ، قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، قالَ يُؤْتى بِالرَّجُلِ العَظِيمِ الجُثَّةِ فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةٍ.

﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ فَمَن قُضِيَ لَهُ بِالطّاعَةِ.

والثّانِي: مَعْناهُ فَمَن كانَتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِ أثْقَلَ مِن كِفَّةِ سَيِّئاتِهِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ فَمَن زادَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ يَعْنِي بِما لَهم مِنَ الثَّوابِ، وبِضِدِّهِ إذا خَفَّتْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج اللالكائي في السنة والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب قال: «بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم في أناس إذ جاء رجل ليس عليه سحناء سفر، وليس من أهل البلد، يتخطى حتى ورك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ما الإِسلام؟

قال: الإِسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان، قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟

قال نعم.

قال: صدقت يا محمد قال: ما الإِيمان؟

قال: الإِيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره.

قال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟

قال: نعم.

قال: صدقت» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ قال: العدل ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ قال: حسناته ﴿ ومن خفت موازينه ﴾ قال: حسناته.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن عبد الله بن العيزار قال: إن الإِقدام يوم القيامة لمثل النبل في القرن، والسعيد من وجد لقدميه موضعاً، وعند الميزان ملك ينادي: ألا إن فلان بن فلان ثقلت موازينه وسعد سعادة لن يشقي بعدها أبداً، ألا إن فلان خَفَّتْ موازنيه وشقى شقاء لن يسعد بعده أبداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ قال: توزن الأعمال.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، فمن أراد الله به خيراً ختم له بخير عمله، ومن أراد به شراً ختم له بشر عمله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحارث الأعور قال: إن الحق ليثقل على أهل الحق كثقله في الميزان، وأن الحق ليخف على أهل الباطل كخفته في الميزان.

وأخرج ابن المنذر واللالكائي عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان.

وأخرج أبو الشيخ عن كعب قال: يوضع الميزان بين شجرتين عند بيت المقدس.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير واللالكائي عن حذيفة قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، يرد بعضهم على بعض فيؤخذ من حسنات الظالم فترد على المظلوم، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فردت على الظالم.

وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي في قوله: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ قال: أخبرني أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: له لسان وكفتان يوزن، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ومنازلهم في الجنة بما كانوا بآياتنا يظلمون.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ﴾ قال: للنبي صلى الله عليه وسلم بعض أهله: يا رسول الله هل يذكر الناس أهليهم يوم القيامة؟

قال: «أما في ثلاث مواطن فلا: عند الميزان، وعند تطاير الصحف في الأيدي، وعند الصراط» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحده دخل النار، ثم قرأ ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ الآيتين.

ثم قال.

إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الأعراف.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإِخلاص عن علي بن أبي طالب قال: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه يوم القيامة، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة.

وأخرج أبو الشيخ عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوضع الميزان يوم القيامة فيوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار» .

وأخرج البزار وابن مردويه واللالكائي والبيهقي عن أنس رفعه قال: إن ملكاً موكل بالميزان، فيؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان بن قلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفت ميزانه نادى الملك: شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والآجري في الشريعة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن عائشة.

أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالك..؟!

قالت: ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟

قال: أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحداً حيث توضع الميزان حتى يعلم اتخف ميزانه أم تثقل، وعند تطاير الكتب حين يقال: ﴿ هاؤم اقرأوا كتابيه ﴾ [ الحاقة: 19] حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أو من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثير يحبس الله بها من شاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا» .

وأخرج الحاكم وصححه عن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟

فيقول الله: لمن شئت من خلقي.

فتقول الملائكة: سبحانك...

!

ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تنحى على هذا؟

فيقول: من شئت من خلقي.

فيقولون: سبحانك...

!

ما عبدناك حق عبادتك» .

وأخرج ابن المبارك في الزهد والآجري في الشريعة واللالكائي عن سلمان قال: يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه، فتقول الملائكة: من يزن هذا؟

فيقول: من شئت من خلقي.

فتقول الملائكة: سبحانك...

!

ما عبدناك حق عباتك.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خلق الله كفتي الميزان مثل السماء والأرض.

فقالت الملائكة: يا ربنا من تزن بهذا؟

قال: أزن به من شئت.

وخلق الله الصراط كحد السيف فقالت الملائكة: يا ربنا من تجيز على هذا؟

قال: أجيز عليه من شئت» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: الميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فتثقل على السيئات فتؤخذ فتوضع في الجنة عند منازله، ثم يقال للمؤمن: الحق بعملك.

فينطلق إلى الجنة فيعرف منازله بعمله، ويؤتى بالسيئات في أقبح صوره فتوضع في كفة الميزان، فتخف والباطل خفيف فتطرح في جهنم إلى منازله فيها، ويقال له: الحق بعملك إلى النار.

فيأتي النار فيعرف منازله بعمله وما أعد الله له فيها من ألوان العذاب.

قال ابن عباس: فلهم أعرف بمنازلهم في الجنة والنار بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمعة راجعين إلى منازلهم.

وأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي في البعث عن أنس قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال «أنا فاعل» .

قلت: يا رسول الله أين أطلبك؟

قال: «أطلبني أول ما تطلبني على الصراط» .

قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟

قال: «فاطلبني عند الميزان» .

قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟

قال: «فاطلبني عند الحوض» ، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن.

وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر، فيقول: أتنكر من هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون؟

فيقول: لا يا رب.

فيقول: أفلك عذراً وحسنة؟

فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب.

فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وأنه لا أظلم عليك اليوم.

فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟

فيقال: إنك لا تظلم.

فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء» .

وأخرج أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «توضع الموازين يوم القيامة فيؤتي بالرجل فيوضع في كفه ويوضع ما أحصى عليه فتمايل به الميزان فيبعث به إلى النار فإذا أدبر به، صائح يصيح عند الرحمن: لا تعجلوا لا تعجلوا فإنه قد بقي له.

فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله.

فتوضع مع الرجل في كفة حتى تميل به الميزان» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والنميري في كتاب الأعلام عن عبد الله بن عمرو قال: «إن لآدم عليه السلام من الله عز وجل موقفاً في فسح من العرش، عليه ثوبان أخضران كأنه سحوق، ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة، وينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى النار، فبينا آدم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينطلق به إلى النار، فينادي آدم: يا أحمد.

فيقول: لبيك يا أبا البشر.

فيقول هذا رجل من أمتك ينطلق به إلى النار، فأشد المئزر وأسرع في أثر الملائكة وأقول: يا رسل ربي قفوا.

فيقولون: نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصي الله ما أمرنا ونفعل ما نؤمر.

فإذا أيس النبي صلى الله عليه وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه، فيقول: يا رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي؟

فيأتي النداء من عند العرش: أطيعوا محمداً وردوا هذا العبد إلى المقام.

فأخرج من حجزتي بطاقة بيضاء كالأنملة، فألقيها في كفة الميزان اليمنى وأنا أقول: بسم الله.

فترجح الحسنات على السيئات، فينادي سعد وسعد جده وثقلت موازينه: انطلقوا به إلى الجنة، فيقول: يا رسل ربي قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه.

فيقول: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت؟

فقد: أقلتني عثرتي.

فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي، وافتك أحوج ما تكون إليها» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر عن النبي صى الله عليه وسلم قال: «أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله» .

وأخرج البخاري ومسلم والترميذي والنسائي وابن ماجة واللالكائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرض ومن فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار وأبو يعلى والطبراني والبيهقي بسند جيد عن أنس قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: «ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟

قال: بلى يا رسول الله.

قال عليك بحسن الخُلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال: قلت لأم الدرداء: أما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً؟

قالت: نعم، دخلت عليه فسمعته يقول: «أول ما يوضع في الميزان الخُلق الحسن» .

وأخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان واللالكائي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خُلق حسن» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب قال: أعطيت ناقة في سبيل الله، فأردت أن أشتري من نسلها، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دعها تأتي يوم القيامة هي وأولادها جميعاً في ميزانك» .

وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن مغيث بن سميّ وعن مسروق قالا: تعبَّد راهب في صومعة ستين سنة، فنظر يوماً في غب سماء فقال: لو نزلت فإني لا أرى أحداً فشربت من الماء وتوضأت ثم رجعت إلى مكاني، فتعرضت له امرأة فتكشفت له، فلم يملك نفسه إن وقع عليها، فدخل بعض تلك الغدران يغتسل فيه، وأدركه الموت وهو على تلك الحال، ومر به سائل فأوما إليه أن خذ الرغيف رغيفاً كان في كسائه، فأخذ المسكين الرغيف ومات، فجيء بعمل ستين سنة فوضع في كفة، وجيء بخطيئته فوضعت في كفة، فرجحت بعمله حتى جيء بالرغيف، فوضع مع عمله فرجح بخطيئته.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ خمس ما أثقلهن في الميزان.

سبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر، وفرط صالح يفرطه المسلم» .

وأخرج أبو يعلى وابن حبان عن عمرو بن حريث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنفقت عن خادمك من عمله كان لك أجره في موازينك» .

وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ فمسح بثوب نظيف فلا بأس به ومن لم يفعل فهو أفضل، لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعمال» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب أنه كره المنديل بعد الوضوء، وقال: هو يوزن.

وأخرج الترمذي والبيهقي في شعب الإِيمان عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن كل قطره توزن.

وأخرج المرهبي في فضل العلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء» .

وأخرج الديلمي من حديث ابن عمر وابن عمرو.

مثله.

وأخرج عبد البر في فضل العلم عن إبراهيم النخعي قال: يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فيخف، فيجاء بشيء أمثال الغمام فيوضع في كفة ميزانه فترجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟

فيقول: لا.

فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس.

وأخرج ابن المبارك في الزهد عن حماد بن أبي سليمان قال: يجيء رجل يوم القيامة فيرى عمله محتقراً، فبينما هو كذلك إذ جاءه مثل السحاب حتى يقع في ميراثه، فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس من الخير فورث بعدك فأجرت فيه.

وأخرج ابن المبارك عن أبي الدرداء قال: من كان الأجوفان همه خسر ميزانه يوم القيامه.

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ليث قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: أمة محمد أثقل الناس في الميزان، ذلت ألسنتهم بكلمة ثقلت على من كان قبلهم: لا إله إلا الله.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أيوب قال: سمعت من غير واحد من أصحابنا: أن العبد يوقف على الميزان يوم القيامة فينظر في الميزان، وينظر إلى صاحب الميزان فيقول صاحب الميزان: يا عبد الله أتفقد من عملك ذلك شيئاً؟

فيقول: نعم.

فيقول: ماذا؟

فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

فيقول صاحب الميزان: هي أعظم من أن توضع في الميزان.

قال موسى بن عبيدة: سمعت أنها تأتي يوم القيامة تجادل عمن كان يقولها في الدنيا جدال الخصم.

وأخرج أبو داود والحاكم عن أبي الأزهر زهير الأنماري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه قال: «اللهمَّ أغفر لي، وأخسَّ شيطاني، وفكَّ رهاني، وثَقِّلْ ميزاتي، واجعلني في النديّ الأعلى» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ .

قال مقاتل: (يعني: الكفار) (١) قال ابن عباس: (يؤتى بعمل الكفار في أقبح سورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه حتى يقع في النار، ثم يقال للكافر: الحق بعملك، ثم قال: وحق لميزان لا يكون فيها رضوان الله أن يخف، وأما المؤمن فإذا خفت حسناته ثقلت بكتاب كالأنملة (٢) (٣) وروي أيضًا: (أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله  من حجزته (٤) (٥)  : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت؟

فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلواتك (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: صاروا إلى العذاب ﴿ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ ، قال: يريد: يجحدون بما جاء به محمد  ) (٩) (١) "تفسيرمقاتل" 2/ 30.

(٢) الأنملة -مثلثة الهمزة والميم- المفصل الأعلى الذي فيه الظفر من الإصبع والجمع أنامل وأنملات وهي رؤوس الأصابع.

انظر: "اللسان" 8/ 4550 (نمل).

(٣) سبق تخريجه.

(٤) حُجْزته، بضم الحاء وسكون الجيم: أصلها موضع شد الإزار، ثم قيل للإزار: حُجْزة للمجاورة، وحجزة الإزار جنبته ومعقد الإزار.

انظر: "النهاية" 1/ 344، و"اللسان" 2/ 786 (حجر).

(٥) البطاقة، بالكسر: الورقة ورقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما يجعل فيها إن كان عينًا فوزنه أو عدده وإن كان متاعًا فقيمته، والرقعة الصغيرة تكون في الثوب وفيها ثمنه.

انظر: "النهاية" 1/ 135، و"اللسان" 1/ 302 (بطق).

(٦) في (ب): (صلاتك).

(٧) في (ب): (وقد).

(٨) ذكره الرازي في "تفسيره" 8/ 25، وقال: (رواه الواحدي في "البسيط") اهـ.

== وذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 167.

وفي "التذكرة" ص 361، وقال: (ذكره القشيري في "تفسيره") اهـ.

وحديث البطاقة مشهور.

أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 213 - و- 221 - 223، وابن ماجه (4300) كتاب الزهد، باب: ما يرجى من رحمة الله تعالى، والترمذي حديث (2639) كتاب الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، والحاكم في "المستدرك" 1/ 6 - و- 529 - عن عبد الله بن عمرو  قال: قال رسول الله: "توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة فيوضع ما أحصى عليه فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار: قال: فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا فإنه قد بقي له فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان" اهـ.

لفظ أحمد، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) اهـ.

وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) اهـ.

ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقال السيوطي في "الدر" 8/ 131، والشوكاني في "تفسيره" 2/ 278، وصديق خان 3/ 307: (إسناده عند أحمد حسن) اهـ.

وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 43، رقم 135.

(٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 159 ولم أقف عليه عند غيره.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم ﴾ أي على الرسل والأمم ﴿ والوزن ﴾ يعني وزن الأعمال ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي يوم يسأل الرسل وأممهم وهو يوم القيامة ﴿ بِآيَOتِنَا يِظْلِمُونَ ﴾ أي يكذبون بها ظلماً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يتذكرون ﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر.

والباقون كما مر في آخر الأنعام.

الوقوف: ﴿ المص ﴾ ه كوفي ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ قائلون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ غائبين ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ معايش ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه.

التفسير: قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم.

وعن ابن عباس معنى المص أنا الله أعلم وأفصل.

وقال السدي: معناه أنا المصوّر.

وقيل: معناه ألم نشرح لك صدرك بدليل ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ كما زاد في الرعد راء لقوله بعده ﴿ رفع السموات  ﴾ ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا محل لها من الإعراب، وإن كانت اسماً للسورة جاز أن يكون ﴿ المص ﴾ مبتدأ و ﴿ كتاب ﴾ يعني به السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون ﴿ المص ﴾ خبر مبتدأ محذوف وكذا ﴿ كتاب ﴾ أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك.

والدليل على أنه منزل من الله  هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتاباً ولم يخالط أهل الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق الوحي.

القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال وهذا من سمات المحدثات.

وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة.

فإن قيل: الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟

أجيب بأنه  أحدث هذه الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش وحفظها ونزل فعلمها محمداً صلى الله عليه وآله.

ثم قال: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ أي شك.

وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى ﴿ منه ﴾ أي من شأن الكتاب أي لا تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك ههنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ذلك سبب رؤيته ومثله قوله  ﴿ وليجدوا فيكم غلظة  ﴾ ظاهره أمر للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين.

وفي متعلق قوله ﴿ لتنذر ﴾ أقوال.

قال الفراء: إنه متعلق بـ ﴿ أنزل ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج.

وفائدة التقديم والتأخير أن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر.

وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله على ربه وثقته بعصمته.

وقال صاحب النظم: اللام بمعنى "أن" كقوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ليطفؤا  ﴾ والتقدير لا يضق صدرك ولا تضعف عن أن تنذر به.

وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك وإذا علمت أنه تنزيل الله  فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظاً وناصراً لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال.

ثم قال: ﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.

وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر.

قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.

وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيراً، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف والجر للعطف على محل ﴿ أن تنذر ﴾ أي للإنذار وللذكرى.

وإنما لم نقل على محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً ولو صح ذلك لكان محله النصب لا الجر.

وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: ﴿ هدى للمتقين  ﴾ والتحقيق فيه أن النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قويّ، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله  تذكرت معدنها وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلمتحتج إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه  أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة.

ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً.

عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.

وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض.

فإن قيل: العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله: ﴿ فاعتبروا  ﴾ عمل بالقرآن أيضاً.

قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه ﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿ أولياء ﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع.

ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ من دونه ﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون دين الله أولياء.

احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله  والعمل بالقياس.

متابعة غير ما أنزل فلا يجوز.

لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله: ﴿ فاعتبروا  ﴾ لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  ﴾ وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره.

أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع.

وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر  ﴾ وبعموم قوله صلى الله عليه وآله "لا تجتمع أمتي على الضلالة" والفرع لا يكون أقوى من الأصل.

أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح.

ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية.

وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر.

ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا.

و"ما" مزيدة لتوكيد القلة.

ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: ﴿ وكم من قرية ﴾ فموضع "كم" رفع بالابتداء و"من" مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿ أهلكناها ﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل قرية لقوله ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله: ﴿ أوهم قائلون ﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم.

وإنما قال: ﴿ فجاءها ﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت.

وهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس.

والعلماء أجابوا بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا  ﴾ ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح.

فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟

فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه" فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا ههنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت.

وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً.

ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس.

ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله: عرضت الناقة على الحوض.

وقوله ﴿ بياتاً ﴾ قال الجوهري: بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات.

وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً.

وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين.

ثم قال: ﴿ أوهم قائلون ﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿ بياتاً ﴾ كأنه قيل: فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين.

وإنما حسن ترك الواو ههنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل.

فقولك: جائني زيد راجلاً أو هو فارس.

كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً.

وقال بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا.

أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة.

وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله  : ﴿ أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً  ﴾ والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع.

وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.

أيا راقد الليل مسوراً بأوّله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.

ثم قرر حالهم عند مجيء البأس فقال: ﴿ فما كان دعواهم ﴾ أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم على أنفسهم.

وقال ابن عباس: فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم بالشرك.

وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء.

حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما فرط منهم وفرطوا فيه.

ومحل ﴿ دعواهم ﴾ وعلى عكسه محل ﴿ إن قالوا ﴾ يجوز أن يكون نصباً أو رفعاً كما سبق في إعراب قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  ﴾ ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيداً آجلاً فقال: ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله: ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين  ﴾ ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بعلم ﴾ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عنهم وعما وجد منهم.

فإن قيل: ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعدما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟

فالجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير تقريعاً وتوبيخاً.

فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟

قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله  في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار.

فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: ﴿ فلنسئلن ﴾ وبين قوله: ﴿ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان  ﴾ فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها.

أو المراد نفي سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض.

وفي الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها أنه  عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك.

وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز والجهات وإلا كان غائباً من غيره.

ثم بيّن أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن الأعمال فقال: ﴿ والوزن ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ يومئذ ﴾ وقوله ﴿ الحق ﴾ صفة المبتدأ أي الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم.

وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون ﴿ الحق ﴾ خبراً و ﴿ يومئذٍ ﴾ ظرفاً للوزن ومعنى الحق أنه كائن لا محالة.

وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما جاء في الخبر "إنه  ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها" .

وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصوّر أعماله بصور حسنة وأعمال الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس.

وثانيهما أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد.

"يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف" .

وعن عبد الله بن سلام أن ميزان العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله  : "يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في الآخرة فترجح" قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات وإلا كان إغراء على المعصية.

ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله  أشرف العقائد والأعمال.

وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله  من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي  : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟

فيقول: أنا نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ قد وافتك أحوج ما تكون إليها القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا يبعد جعل الوزن مجازاً عن العدل.

ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها.

وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال فنقول: المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقراً بأنه  عادل حكيم وحينئذٍ يكفيه حكم الله  بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا يكون مقراً فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان.

أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه  منزه عن الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد الفرح والسرور للمؤمن وبالضدّ للكافر.

واختلف العلماء أيضاً في كيفية الرجحان فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات.

وقال آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة.

واختلف أيضاً في الموازين فقيل: إنها جمع موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد.

ولئن سلم أنها جمع الميزان فالعرب قد توقع لفظاً لجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الأفراس والبغال.

قاله الزجاج.

وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة  ﴾ وأيضاً لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.

ثم إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب بها وهذا لا يليق إلا بالكافر.

ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياماً ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله  فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال ولا انقطاع.

قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم.

ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ أقدرناكم على التصرف فيها ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه المنافع التي تحصل بتخليق الله  ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة.

وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيهاً بصحائف واستبعده النحويون البصريون.

ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي فقال: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ .

التأويل: ﴿ المص ﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿ كتاب أنزل على قلبك ﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح.

وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله.

﴿ وكم من قرية ﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿ قائلون ﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله  مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿ والوزن يومئذ ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.

روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة.

﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه.

والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله: " ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق" وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ ولقد مكناكم ﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿ وجعلنا لكم ﴾ خاصة ﴿ معايش ﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية.

فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾ .

قال أهل التأويل: [كان] يخوف أهل مكة بتكذيبهم الرسول بإهلاكه الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، بقوله: ﴿ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾ ؛ بتكذيبهم الرسل، فأنتم يأهل مكة تهلكون بتكذيبكم الرسول، [وإن كانوا لا يعرفون هم إهلاك الأمم الماضية أنه إنما أهلكوا بتكذيبهم الرسل، غير أنهم] وإن كانوا لا يعرفون هم ذلك بأنفسهم؛ لما ليس عندهم كتاب - لكن يصلون إلى علم ذلك بمن عندهم الكتب - وهم [أهل] الكتاب - فيلزمهم الحجة، كالعجم وإن كانوا لا يعرفون الكتاب الذي أنزل بلسان العرب، فإن الحجة تلزمهم بذلك؛ لما كان لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالعرب؛ فعلى ذلك هؤلاء، وإن لم يكن عندهم علم بإهلاك أولئك؛ فتلزمهم الحجة بإعلام أهل الكتاب إياهم.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  لأنه أخبر عن إهلاك الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، وهو لم ينظر في كتبهم، ولا اختلف إليهم ليعلموه عن ذلك، ثم أخبرهم بذلك، فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: البأس هو كل أمر معضل شديد من المرض والجرح وغيره، ويقول: روي عن عمر أنه لما طعن قيل له: لا بأس عليك، فقال: إن كان في القتل بأس كفى بذلك.

وأما غيره من أهل التأويل فقالوا: البأس: العذاب، "وبأسنا": عذابنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ .

البيات: بالليل، والقيلولة: بالنهار عند الظهيرة، وهما وقتا الغفلة أو وقتا الأمن.

أخبر أنه إنما يأتيهم عذابه في حال الغفلة، أو في حال الأمن؛ لئلا يكونوا غافلين عن أمره، ولا يكونوا آمنين عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ ﴾ .

أي: ما كان دعواهم قبل نزول العذاب إلا أنهم قالوا: نحن على الحق وإن غيرهم على الباطل، فإذا جاءهم بأسنا اعترفوا بظلمهم؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: فما كان دعواهم حين نزول العذاب ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

يذكر في هذه الآية أنه يسألهم جميعاً: الرسل والمرسلين إليهم.

وقال في آية أخرى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ  ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  ﴾ ، ولكن قوله: ﴿ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ  ﴾ ، أي لا يسأل عما فعل وعن نفس ما ارتكب؛ كم أذنبت؟

وما فعلت؟

ولكن يسأل: لماذا فعلت؟

يسأل عن الحجة: لم أذنبت؟

ولم فعلت ذا؟

أو أن يسأل في وقت، ولا يسأل في وقت آخر.

قال بعضهم: لا يسأل عن ذنبه غيره، وإنما يسأل صاحبه وفاعله، يخبر - والله أعلم - أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يؤاخذ غيره بذنب آخر وربما يسأل إحضار قريبه، وأما في الآخرة فإنه لا يؤاخذ غيره بذنب آخر كذلك كان ما ذكرنا.

أو أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يُسْأَلُ ﴾ : عما أظهر وأبدى؛ لكن يسأل عما أسرّ وأخفى؛ لأن الملائكة قد يكتبون ما أبدوه وأظهروه؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ ؛ فيقع السؤال عما أسرّوا على التقرير، ولا يسأل بعد ذلك.

وقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى الأمم، ويسأل قومهم: هل بلغ الرسل إليهم الرسالة؟

ويكون سؤالهم الرسل سؤال شهادة - كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...

 ﴾ الآية - أنه قد بلغ الرسالة.

وقال بعضهم: يسأل الملائكة عن تبليغ الرسالة إلى الأنبياء، ويسأل الأنبياء - عليهم السلام - عن تبليغ الملائكة إليهم، وأمكن أن يكون [السؤال] للرسل عما أجيبوا، وكان سؤال الأمم عما أجابوا الرسل؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

أو أن يكون سؤال القوم سؤال تقرير عندهم، وإقرار لما كانوا ينكرون التبليغ إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ .

هذا السؤال سؤال تقرير وتعيير لا غير؛ لأنه كان يعلم أنه لم يكن قال لهم ذلك، لكنه سألهم سؤال تقرير؛ ليقروا بذلك؛ لئلا يقولوا: هو قال لهم ذلك؛ لأنهم قالوا: عيسى هو الذي قال لهم ذلك؛ فعلى ذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ﴾ .

عن عملهم وصنيعهم؛ ولكن يسألون لما ذكرنا، والله أعلم.

يشبه أن يكون: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ﴾ ذكر هذا؛ لما يحتمل أن يظن به الخفاء عليه؛ لما ذكر من المسألة لهم والسؤال، وهو الاستخبار عما يسر ويضمر؛ ليظهر ذلك، هذا هو معنى السؤال في الشاهد والاستخبار؛ فأخبر - عز وجل - بقوله: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ﴾ على أن سؤاله ليس بسؤال استخبار واستظهار له؛ ولكن سؤال توبيخ وتقرير، أو سؤال شهادة؛ وعلى هذا يخرج الابتلاء منه والامتحان؛ لتقرير الأمر والنهي، لا لإظهار شيء خفي عليه، وإن كان في الشاهد يكون كذلك.

أو أن يصير ما قد خفي عليهم بادياً ظاهراً عندهم؛ فسمى ذلك الأمر منه والنهي؛ ابتلاء وامتحاناً؛ لما [هو] عند الخلق ابتلاءٌ وامتحان، وإن كان عند الله لا يحتمل ذلك؛ فسمي بالذي فيما بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ﴾ .

قال الحسن: يكون ميزاناً له كفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات؛ فمن ثقلت موازينه دخل الجنة، ومن خفت موازينه دخل النار.

وقال غيره من أهل التأويل: يريد بـ "الموازين" الحسنات والسيئات نفسها؛ فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار.

إلى هذا ذهب أكثر أهل التأويل، ولا يحتمل ما قالوا.

أما قول الحسن: ميزان له كفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات - لا يحتمل؛ لأنه قال: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

إذا ثقلت إحدى الكفتين خفت الأخرى، وإذا خفت إحداهما ثقلت الأخرى؛ فكل واحدة منهما فيمن تثقل موازينه وتخف، وقد أخبر في الآية أن من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه ﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم ﴾ .

ولا يحتمل - أيضاً - ما قال غيره من أهل التأويل: إنه أراد بـ "الموازين": الحسنات، والسيئات؛ لأن الآية في المؤمنين والكافرين؛ فلا سيئة ترجح في المؤمن مع إيمانه، ولا حسنة ترجح في الكافر مع شركه، إلا أن يقال: إن توزن حسناته وتقابل بسيئاته دون إيمان، وكذلك الكافر تقابل سيئاته بحسناته دون الشرك؛ فذهبت حسناتهم التي كانت لهم في الدنيا بما أنعم الله عليهم في الدنيا؛ فقد عجل لهم جزاء حسناتهم التي عملوا في الدنيا؛ بما أنعم عليهم في الدنيا.

وأما المؤمن فيتجاوز عن سيئاته ويتقبل عنه أحسن ما عمل؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ .

أو أن يكون ما ذكر من الميزان هو الكتاب الذي ذكر في آية أخرى؛ كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً  وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً  ﴾ الآية، [و] كما قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ  ﴾ ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ  ﴾ .

وقال بعضهم: الوزن هو العدل؛ كقوله: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ  ﴾ لم يقل: نضع الموازين بالقسط، ولكن قال: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ  ﴾ ، والقسط: هو العدل، فهو إخبار عن العدل أنه يعدل بينهم يومئذ.

وقال بعضهم: الوزن يومئذ الحق، أي: الجزاء يومئذ الحق؛ يجزي للطاعة الحسنة والثواب، وللسيئة عقاب وعذاب، فهو حق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ﴾ \[أي\]: الطاعة حق، كل مطيع يومئذ فهو حق.

ويحتمل أن يكون الوزن الحدود، والتقدير كقوله: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ  ﴾ ، أي: محدود مقدر؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: الحد يومئذ الحق، لا يزاد على السيئات، ولا ينقص من الحسنات التي عملوا في الدنيا، والله أعلم بما أراد بالوزن.

ثم قال أهل التأويل في قوله: ﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم ﴾ ، أي: غبنوا؛ وذلك أنه ما من أحد من مؤمن وكافر إلا وله في الجنة والنار منزل وأهل، فيرث المؤمن المنزل الذي كان للكافر في الجنة، ويرث الكافر المنزل الذي للمؤمن في النار؛ فذلك الخسران الذي خسروا، لكن هذا لا يحتمل أن يكون الله -  - يجعل للكافر في الجنة منزلاً وأهلاً مع علمه أنه لا يؤمن، ويختم على كفره، ويحتمل الخسران الذي ذكر هو أنهم خسروا في الدنيا والآخرة لما فات عنهم النعم التي كانت لهم في الدنيا ولم يصلوا إلى نعيم الآخرة، فذلك هو الخسران المبين في الدنيا والآخرة.

[و] قوله عز وجل: ﴿ بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ ﴾ قال الحسن: بـ "آياتنا": ديننا يكذبون، ولكن كذبوا حججنا.

"يظلمون" أي: يضعونها في غير موضعها، وهو ما ذكر من ظلمهم الآيات؛ لأن الظلم هو وضع الشيء [في] غير موضعه، ثم المسألة فيمن ارتكب كل ذنب وكبيرة في حال كفره عمره ثم آمن في آخره، صار ما كان ارتكب في حال كفره من الكبائر مغفوراً معفوّاً عنه غير مؤاخذ بها، ومن ارتكب ذلك في حال إيمانه، وختم على الإيمان لم يعمل الإيمان في تكفيره وكان مؤاخذاً به، وذلك والله أعلم؛ لوجهين: أحدهما: أن ليس على الكافر أنفس أفعال الطاعات وأعينها، إنما عليه قبول تلك الأعمال، فإذا أسلم، فقد قبلها ولم يكن عليه في ذلك الوقت إلا القبول؛ لذلك لم يؤاخذ بما كان منه من الأعمال.

وأما المؤمن فعليه أنفس أفعال تلك الطاعات، وتلك الأعمال، وقد كان منذ القبول [آخذاً بما كان] منه التفريط في تلك الأعمال.

والثاني: أن الكافر إذا أسلم بعد ما ارتكب من الكبائر؛ لم يجرح إيمانه، ولا أدخل فيه نقصاً؛ فلم يؤاخذ بما كان منه لما قدم على ربه بإيمان كامل.

وأما المؤمن إذا ارتكب كبائر فقد جرح الإيمان، وأدخل [فيه] النقصان بعمله الذي يخالف الإيمان، ولا يوافقه؛ لذلك افترقا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ على التمثيل ليس على تحقيق الميزان والخفة، ولكن على الوصف بالعظم لأعمال المؤمنين وبالخفة والتلاشي لأعمال الكافرين؛ لأن الله - عز وجل - ضرب لأعمال المؤمنين المثل بالشيء الثابت والطيب، ووصف أعمالهم بالثبات والقرار فيه، وضرب لأعمال الكافرين المثل وشبهها بالشيء التافه التالف، ووصفها بالبطلان والتلاشي كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ : وصف أعمالهم بالطيب والثبات والقرار، ووصف أعمال الكافرين بالخبث والتلاشي والبطلان كقوله: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ونحوه من الآيات: وصف أعمال المؤمنين بالثبات والقرار، وأعمال الكفرة بالذهاب والبطلان؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ وصف بالعظم والقرار [والثبات]، وقوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ  ﴾ وصف بالبطلان والتلاشي ألا يكون لهم من الخيرات: [شىء ينتفعون به] في الآخرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن رجحت عند الوزن كفّة سيئاته على كفة حسناته فأولئك الذين خسروا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك يوم القيامة، بسبب جحدهم بآيات الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.R3EY5"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل