الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٩٤ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية ، الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء ، يعني ) بالبأساء ) ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام .
) والضراء ) ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك ، ( لعلهم يضرعون ) أي : يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم .
وتقدير الكلام : أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا ، فما فعلوا شيئا من الذي أراد الله منهم ، فقلب الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه ; ولهذا قال :
القول في تأويل قوله : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، معرِّفَه سنّته في الأمم التي قد خَلَت من قبل أمته، ومذكّرَ من كفر به من قريش ، لينـزجروا عما كانوا عليه مقيمين من الشرك بالله ، والتكذيب لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وما أرسلنا في قرية من نبي ) ، قبلك=( إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) ، وهو البؤس وشَظَف المعيشة وضِيقها= و " الضراء " ، وهي الضُّرُ وسوء الحال في أسباب دُنياهم=(لعلهم يضرعون ) ، يقول: فعلنا ذلك ليتضرّعوا إلى ربهم، ويستكينوا إليه، وينيبوا ، (32) بالإقلاع عن كفرهم، والتوبة من تكذيب أنبيائِهم.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك.
14872-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) ، يقول: بالفقر والجوع.
* * * وقد ذكرنا فيما مضى الشواهدَ على صحّة القول بما قلنا في معنى: " البأساء " ، و " الضراء " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(33) * * * وقيل: " يضرّعون "، والمعنى: يتضرعون، ولكن أدغمت " التاء " في" الضاد "، لتقارب مخرجهما.
--------------- الهوامش : (32) انظر تفسير"التضرع" فيما سلف 11: 345 ، 414/ 12: 485.
(33) انظر تفسير"البأساء" فيما سلف 3: 349- 353/ 4: 288/11: 354 = وتفسير"الضراء" فيما سلف 3: 349- 353/ 4: 288/ 7: 214/ 11: 355.
قوله تعالى وما أرسلنا في قرية من نبي فيه إضمار ، وهو فكذب أهلها إلا أخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون تقدم القول فيه
يقول تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ ْ} يدعوهم إلى عبادة اللّه، وينهاهم عن ما هم فيه من الشر، فلم ينقادوا له: إلا ابتلاهم الله { بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ْ} أي: بالفقر والمرض وأنواع البلايا { لَعَلَّهُمْ ْ} إذا أصابتهم، أخضعت نفوسهم فتضرعوا إلى الله واستكانوا للحق.
قوله تعالى : ( وما أرسلنا في قرية من نبي ) فيه إضمار ، يعني : فكذبوه ، ( إلا أخذنا ) عاقبنا ( أهلها ) حين لم يؤمنوا ، ( بالبأساء والضراء ) قال ابن مسعود : البأساء : الفقر ، والضراء : المرض ، وهذا معنى قول من قال : البأساء في المال ، والضراء في النفس ، وقيل : البأساء البؤس وضيق العيش ، والضراء والضر سوء الحال .
وقيل : البأساء في الحرب والضراء : الجدب ، ( لعلهم يضرعون ) لكي يتضرعوا فيتوبوا .
«وما أرسلنا في قرية من نبي» فكذبوا «إلا أخذنا» عاقبنا «أهلها بالبأساء» شدة الفقر «والضرَّاء» المرض «لعلهم يضَّرَّعون» يتذللون فيؤمنون.
وما أرسلنا في قرية من نبي يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عمَّا هم فيه من الشرك، فكذَّبه قومه، إلا ابتليناهم بالبأساء والضراء، فأصبناهم في أبدانهم بالأمراض والأسقام، وفي أموالهم بالفقر والحاجة؛ رجاء أن يستكينوا، وينيبوا إلى الله، ويرجعوا إلى الحق.
واستمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذه المعانى وغيرها بأسلوبها الحكيم فتقول : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ .
.
.
.
) .هذه هى الآيات التى جاءت فى السورة الكريمة بعد حديثها المتنوع عن بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وقبل حديثها المستفيض - الذى سنراه بعد قليل عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل .وقد بدئت بقوله - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) البأساء : الشدة والمشقة كلاحرب والجدب وشدة الفقر .
والضراء : ما يضر الإنسان فى بدنه أو معيشته كالمرض والمصائب .والمعنى : ذلك الذى قصصناه عليك يا محمد شأن الرسل السابقين مع أقوامهم الهالكين لهم ألوانا من الشدائد والمصائب لعلهم ينقادون لأمر الله ، ويثوبون إلى رشدهم ، ويكثرون من التضرع إليه والاستجابة لهديه .فالآية الكريمة إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم ، إثر بيان أحوال الأمم التى سبق الحديث عنها وهى أمة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليه السلام - .والمقصود منها التحذير والتخويف لكفار قريش وغيرهم ، لينزجروا عن الضلال والعناد ، ويستجيبوا لله ولرسوله .وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين بعث إليهم ، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة لأنها مجتمع الأقوام .وقوله : ( مِّن نَّبِيٍّ ) فيه حذف وإضمار والتقدير : من نبى كذبه قومه أو أهل القرية لأن قوله : ( إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا ) لا يترتب على الإرسال ، وإنما يترتب على التكذيب والعصيان .
و ( مِّن ) لتأكيد النفى .والاستثناء فى قوله : ( إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا ) مفرغ من أعم الأحوال ، و ( أَخَذْنَا ) فى موضع نصب على الحال من فاعل ( أَرْسَلْنَا ) أى : وما أرسلنا - فى قرية من القرى المهلكة بسبب ذنوبها - نبيا من الأنبياء فى حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء .
قبل إنزال العقوبة المستأصلة لهم .وجملة ( لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) تعليلية .
أى : فعلنا ما فعلنا لكى يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم .فما يأخذ الله به الغافلين من الشدائد والمحن ليس من أجل التسلية والتشفى - تعالى الله عن ذلك - وإنما من أجل أن ترق القلوب الجامدة ، وتتعظ المشاعر الخامدة ، ويتجه البشر الضعاف إلى خالقهم ، يتضرعون إليه ويستغفرونه ، عما فرط منهم من خطايا .
اعلم أنه تعالى لما عرفنا أحوال هؤلاء الأنبياء، وأحوال ما جرى على أممهم، كان من الجائز أن يظن أنه تعالى ما أنزل عذاب الاستئصال، إلا في زمن هؤلاء الأنبياء فقط، فبين في هذه الآية أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم، وبين العلة التي بها يفعل ذلك: قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء ﴾ وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين إليهم يبعث الرسل، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة، لأنها مجتمع الأقوام وقوله: ﴿ مّن نَّبِىٍّ ﴾ فيه حذف وإضمار، والتقدير: من نبي فكذب أو كذبه أهلها، إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء.
قال الزجاج: البأساء كل ما نالهم من الشدة في أحوالهم، والضراء ما نالهم من الأمراض.
وقيل على العكس، ثم بين تعالى أنه يفعل ذلك لكي يضرعوا، معناه: يتضرعوا، والتضرع هو الخضوع والانقياد لله تعالى، ولما علمت أن قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ لا يمكن حمله على الشك في حق الله تعالى، وجب حمله على أن المراد أنه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا.
قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من كل المكلفين الإيمان والطاعة.
وقال أصحابنا: لما ثبت بالدليل أن تعليل أفعال الله وأحكامه محال وجب حمل الآية على أنه تعالى فعل، ما لو فعله غيره لكان ذلك شبيهاً بالعلة والغرض، ثم بين تعالى أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد، وإنما يدبرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب فقال: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء، يدعو إلى الانقياد والاشتغال بالشكر، ومعنى الحسنة والسيئة هاهنا الشدة والرخاء.
قال أهل اللغة: (السيئة) كل ما يسوء صاحبه، و(الحسنة) ما يستحسنه الطبع والعقل، والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة، وبالرخاء أخرى.
وقوله: ﴿ حتى عَفَواْ ﴾ قال الكسائي: يقال: قد عفا الشعر وغيره، إذا كثر، يعفو فهو عاف ومنه قوله تعالى: ﴿ حتى عَفَواْ ﴾ يعني كثروا ومنه ما ورد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام، أمر أن تحف الشوارب، وتعفى اللحى يعني توفر وتكثر وقوله: ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَآءَنَا الضرآء والسراء ﴾ فالمعنى: أنهم متى نالهم شدة قالوا: ليس هذا بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله وهذه الحكاية تدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم الله عليه من رخاء بعد شدة، وأمن بعد خوف، بل عدلوا إلى أن هذه عادة الزمان في أهله، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة، فبين تعالى أنه أزال عذرهم وأزاح علتهم، فلم ينقادوا ولم ينتفعوا بذلك الإمهال، وقوله: ﴿ فأخذناهم بَغْتَةً ﴾ والمعنى: أنهم لما تمردوا على التقديرين، أخذهم الله بغتة أينما كانوا، ليكون ذلك أعظم في الحسرة.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي يرون العذاب والحكمة في حكاية هذا المعنى أن يحصل الاعتبار لمن سمع هذه القصة وعرفها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء ﴾ بالبؤس والفقر ﴿ والضراء ﴾ بالضرّ والمرض لاستبكارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة والرخاء والصحة والسعة كقوله: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ [الأعراف: 168] ﴿ حتى عَفَواْ ﴾ كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات وعفا الشحم والوبر، إذا كثرت.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «واعفوا عن اللحى» ، وقال الحطيئة: بِمُسْتَأْسِدِ القِرْيَان عَافَ نَبَاتُهُ وقال: وَلَكِنَّا نَعُضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ** بِأَسْوَقَ عَافِيَاتِ الشّحْمِ كُومِ ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضراء والسراء ﴾ يعني وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا: هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء.
وقد مسّ آباؤنا نحو ذلك، وما هو بابتلاء من الله لعباده، فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلاّ أن نأخذهم بالعذاب ﴿ فأخذناهم ﴾ أشدّ الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ بِالبُؤْسِ والضُّرِّ.
﴿ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ ﴾ حَتّى يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا.
﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ ﴾ أيْ أعْطَيْناهم بَدَلَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ والشِّدَّةِ السَّلامَةَ والسِّعَةَ ابْتِلاءً لَهم بِالأمْرَيْنِ.
﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ كَثُرُوا عَدَدًا وعُدَدًا يُقالُ عَفا النَّباتُ إذا كَثُرَ ومِنهُ إعْفاءُ اللِّحى.
﴿ وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ ﴾ كُفْرانًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ ونِسْيانًا لِذِكْرِهِ واعْتِقادًا بِأنَّهُ مِن عادَةِ الدَّهْرِ يُعاقَبُ في النّاسِ بَيْنَ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ وقَدْ مَسَّ آباءَنا مِنهُ مِثْلُ ما مَسَّنا.
﴿ فَأخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ فَجْأةً.
﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِنُزُولِ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ} يقال لكل مدينة قرية وفيه حذفى
أى فكذوبه {إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء} بالبؤس والفقر {والضراء} الضر والمرض لاستكبراهم عن ابتاع نبيهم أو هما نقصان النفس والمال {لَعَلَّهُمْ يضرعون}
الأعراف ٨٩ ٩٣ ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر
﴿ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى بَيانِ أحْوالِ سائِرِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ تَفْصِيلًا، وفِيهِ تَخْوِيفٌ لِقُرَيْشٍ وتَحْذِيرٌ، ومِن سَيْفُ خَطِيبٍ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وفي الكَلامِ حَذْفُ صِفَةِ نَبِيٍّ، أيْ: كُذِّبَ أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها.
﴿ إلا أخَذْنا أهْلَها ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، ( وأخَذْنا ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( أرْسَلْنا )، وفي الرِّضى أنَّ الماضِيَ الواقِعَ حالًا إذا كانَ بَعْدَ إلّا فاكْتِفاؤُهُ بِالضَّمِيرِ مِن دُونِ الواوِ، وقَدْ كَثُرَ نَحْوَ: ما لَقِيتُهُ إلّا وأكْرَمَنِي؛ لِأنَّ دُخُولَ إلّا في الأغْلَبِ الأكْثَرِ عَلى الِاسْمِ فَهو بِتَأْوِيلِ: إلّا مُكْرِمًا لِي، فَصارَ كالمُضارِعِ المُثْبَتِ وما في هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ، وقَدْ يَجِيءُ مَعَ الواوِ وقَدْ نَحْوَ: ما لَقِيتُهُ إلّا وقَدْ أكْرَمَنِي، ومَعَ الواوِ وحْدَها نَحْوَ: ما لَقِيتُهُ إلّا أكْرَمَنِي؛ لِأنَّ الواوَ مَعَ إلّا تَدْخُلُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ فَكَيْفَ بِالحالِ ولَمْ يُسْمَعْ فِيهِ قَدْ مِن دُونِ الواوِ، وقالَ المُرادِيُّ في شَرْحِ الألْفِيَّةِ: إنَّ الحالَ المُصَدَّرَةَ بِالماضِي المُثْبَتِ إذا كانَ تالِيًا لِ إلّا يَلْزَمُها الضَّمِيرُ والخُلُوُّ مِنَ الواوِ، ويَمْتَنِعُ دُخُولُ قَدْ.
وقَوْلُهُ: مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لَمْ تَلْفَ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها نادِرٌ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الأشْمُونِيُّ وغَيْرُهُ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ امْتِناعَ قَدْ بَعْدَ إلّا فِيما ذُكِرَ إذا كانَ الماضِي حالًا لا مُطْلَقًا، وإلّا فَقَدْ ذَكَرَ الشِّهابُ أنَّ الفِعْلَ الماضِيَ لا يَقَعُ بَعْدَ إلّا، إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ؛ إمّا تَقَدُّمُ فِعْلٍ كَما هُنا.
وإمّا مَعَ قَدْ نَحْوَ: ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، ولا يَجُوزُ: ما زَيْدٌ إلّا ضُرِبَ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ ما وقَعَ في غالِبِ نُسَخِ تَفْسِيرِ مَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ مِن أنَّ الفِعْلَ الماضِيَ لا يَقَعُ بَعْدَ إلّا، إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ إمّا تَقْدِيرُ قَدْ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ مُقارَنَةُ قَدْ كَما في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ.
لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي بَلْ هو غَلَطٌ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى، والمَعْنى فِيما نَحْنُ فِيهِ: وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِنا آخِذِينَ أهْلَها ﴿ بِالبَأْساءِ ﴾ أيْ: بِالبُؤْسِ والفَقْرِ، ﴿ والضَّرّاءِ ﴾ بِالضُّرِّ والمَرَضِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُما ابْنُ مَسْعُودٍ وهو مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: البَأْساءُ في المالِ، والضَّرّاءُ في النَّفْسِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ابْتِداءَ الإرْسالِ مُقارِنٌ لِلْأخْذِ المَذْكُورِ، بَلْ إنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهُ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْهُ، ﴿ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ ﴾ أيْ: كَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَخْضَعُوا ويَتُوبُوا مِن ذُنُوبِهِمْ ويَنْقادُوا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها ففي الآية مضمر ومعناه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ من نبي فكذبوه إلا أخذنا أهلها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ يعني: عاقبنا أهلها بالخوف والبلاء والقحط والفقر.
ويقال: البأساء ما يصيبهم من الشدة في أموالهم، والضراء ما يصيبهم في أنفسهم لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ يعني: لكي يتضرعوا، فأدغمت التاء في الضاد وأقيم التشديد مقامه.
ومعناه: لكي يدعوا ربهم ويؤمنوا بالرسل ويعرفوا ضعف معبودهم.
قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ يعني: حولنا مكان الشدة الرخاء، ومكان الجدوبة الخصب، حَتَّى عَفَوْا أي كثروا، واستغنوا، وكثرت أموالهم فلم يشكروا الله تعالى.
ويقال: حتى عفوا أي حتى سروا به وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أي مثل ما أصابنا مرة يكون الرخاء، ومرة يكون الشدة، فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: أتاهم العذاب من حيث لم يعلموا به.
ويقال: إن الشدة للعامة تكون تنبيهاً وزجراً.
والنعمة تكون استدراجاً وأما النعمة للخاصة فهي تنبيه، لأنه بعد ذلك عقوبة.
كما روي أن الله تعالى قال لموسى- - إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل مرحباً بشعار الصالحين.
وإذا رأيت الغنى مقبلاً إليك فقل ذنب عجلت عقوبته.
قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا يعني: وحدوا الله تعالى واتقوا الشرك لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: أنزلنا عليهم من السماء المطر والرزق والنبات من الأرض وَلكِنْ كَذَّبُوا الرسل فَأَخَذْناهُمْ أي عاقبناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الشرك.
ففي الآية دليل على أن الكفاية والسعة في الرزق من السعادة إذا كان المرء شاكراً.
وتكون عقوبة له إذا لم يكن شاكراً.
لأنه قال في آية أخرى: لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: 33] يعني: الغنى يكون وبالاً لمن لا يشكر الله تعالى وعقوبة له.
ثم قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً أي ينزل عليهم عذابنا ليلاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى فتحت الواو لأنها واو العطف، أدخلت عليها ألف الاستفهام.
وكذلك أفأمن لأنها فاء العطف دخلت عليها ألف الاستفهام.
قرأ نافع وابن كثير أو أمن بجزم الواو لأن أصله أو وأمن وأو حرف من حروف الشك فأدغم في حرف النسق أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى يعني: يأتيهم عذابنا نهاراً وَهُمْ يَلْعَبُونَ يعني: لاهون عنه.
ثم قال تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ يعني: عذاب الله فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ يعني: عذاب الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون بالعقوبة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
طَلَب أنْ يثير في نفسه سَبَبَ التسلِّي عنهم، فجعل يعدِّد معاصيهم وإِعراضهم، ثم قال لنفسه لمّا نظر وفكّر: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ، ونحو هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم لأَهْل قليب بَدْرٍ، وأسى معناه: أحزن.
/ قال مَكِّيٌّ: وسار شعيبٌ بمن معه حتَّى سكن مكّة إلى أن ماتوا بها «١» .
وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أخبر سبحانه أنَّه ما بعث نبيًّا في قرية، وهي المدينةُ إِلاَّ أخذ أهلها المكذِّبين له بِالْبَأْساءِ وهي المصائبُ في المال، وعوارضُ الزَّمَن وَالضَّرَّاءِ وهي المصائبُ في البدن كالأمراض ونحوها، لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي: ينقادون إلى الإِيمان، وهكذا قولهم:
الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ، وهي البأساءُ والضرَّاءُ الْحَسَنَةَ، وهي السرَّاء والنِّعمة حَتَّى عَفَوْا: معناه: حتى كَثُرُوا، يقال: عَفَا النباتُ والرِّيشُ إِذا كَثُر نباته ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأعْفُوا اللحى» «٢» ولما بدَّل اللَّه حالهم بالخَيْر لُطْفاً بهم فَنَمْوا، رأوا أن إِصابة الضَّرَّاء والسَّرَّاء إنما هي بالاتِفاق، وليستْ بقَصْد كما يخبر به النبيُّ، واعتقدوا أنَّ ما أصابهم مِنْ ذلك إِنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم، فجعلوه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لَكُلِّ مَدِينَةٍ: قَرْيَةٌ، لاجْتِماعِ النّاسِ فِيها.
وقالَ غَيْرُهُ: في الآَيَةِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهُ.
﴿ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ في (الأنْعامِ:٤٢)، وتَفْسِيرُ التَّضَرُّعِ في هَذِهِ السُّورَةِ [الأعْرافِ: ٥٥] .
ومَقْصُودُ الآَيَةِ: إعْلامُ النَّبِيِّ بِسُنَّةِ اللَّهِ في المُكَذِّبِينَ، وتَهْدِيدُ قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَرّاءُ والسَرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ ما بَعَثَ نَبِيًّا في مَدِينَةٍ -وَهِيَ القَرْيَةُ- إلّا أخَذَ أهْلَها المُكَذِّبِينَ لَهُ بِالبَأْساءِ وهي المَصائِبُ في الأمْوالِ والهُمُومِ وعَوارِضِ الزَمَنِ، والضَرّاءِ وهي المَصائِبُ في البَدَنِ كالأمْراضِ ونَحْوِها، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وحَكى عَنِ السُدِّيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ اللَفْظَتَيْنِ تَتَداخَلانِ فَتُقالُ كُلُّ واحِدَةٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ بِحَسَبِ اعْتِقادِ البَشَرِ وظُنُونِهِمْ، و"يَضَّرَّعُونَ" أيْ يَنْقادُونَ إلى الإيمانِ.
وهَكَذا قَوْلُهُمُ: "الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ".
ثُمَّ قالَ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ إنْفاذِ الحُكْمِ في الأوَّلِينَ بَدَّلَ لِلْخَلْقِ مَكانَ السَيِّئَةِ -وَهِيَ البَأْساءُ والضَرّاءُ- الحَسَنَةَ -وَهِيَ السَرّاءُ والنِعْمَةُ- وهَذا بِحَسَبِ ما عِنْدَ الناسِ، وإلّا فَقَدَ يَجِيءُ الأمْرُ كَما قالَ الشاعِرُ: قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ∗∗∗ ويَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِعَمِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إنَّما يَصِحُّ مَعَ النَظَرِ إلى الدارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ فِيها، والنِعْمَةُ المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا عُقُوبَةَ فِيها، والبَلْوى المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا ثَوابَ عَلَيْها.
و ﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ مَعْناهُ: حَتّى كَثُرُوا، يُقالُ: عَفا النَباتُ والرِيشُ، يَعْفُو إذا كَثُرَ نَباتُهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ولَكِنَّها نُعَضُّ السَيْفَ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأسْوُقِ عافِياتِ الشَحْمِ كَوْمِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ : « "أحَفُوا الشَوارِبَ وأعْفُوا اللِحى"،» وعَفا أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى دَرَسَ وبَلى، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هي مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلضِّدَّيْنِ، وأمّا قَوْلُ زُهَيْرٍ: ................................
∗∗∗ ∗∗∗ عَلى آثارِ مَن ذَهَبَ العَفاءُ فَيُحْتَمَلُ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ الدُعاءُ بِالدَرْسِ، والإخْبارُ بِهِ، والدُعاءُ بِالنُمُوِّ والنَباتِ، كَما يُقالُ: جادَتْهُ الدِيَمُ وسَقَتْهُ العِهادُ، ولِما بَدَّلَ اللهُ حالَهم بِالخَيْرِ لُطْفًا بِهِمْ فَنَمَوْا رَأى الخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ -لِلْكُفْرِ الَّذِي هم فِيهِ- أنَّ إصابَةَ الضَرّاءِ والسَرّاءِ إنَّما هي بِالِاتِّفاقِ، ولَيْسَتْ بِقَصْدٍ كَما يُخْبِرُ النَبِيُّ، واعْتَقَدُوا أنَّ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ إنَّما هو كالِاتِّفاقِ الَّذِي كانَ لِآبائِهِمْ فَجَعَلُوهُ مِثالًا، أيْ: قَدْ أصابَ هَذا آباءَنا فَلا يَنْبَغِي لَنا أنْ نُنْكِرَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ هَذِهِ الطَوائِفَ الَّتِي هَذا مُعْتَقَدُها.
وَقَوْلُهُ: ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً وأخْذَةَ أسَفٍ وبَطْشًا لِلشَّقاءِ السابِقِ لَهم في قَدِيمِ عِلْمِهِ.
والسَرّاءُ: السُرُورُ والحَبْرَةُ، ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: وهم مُكَذِّبُونَ لا يَتَحَسَّسُونَ لِشَيْءٍ مِنهُ ولا يَسْتَشْعِرُونَهُ بِاسْتِدْلالٍ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَكْتَسِبُوا الإيمانَ والطاعاتِ ويَتَّصِفُوا بِالتُقى لَتَبِعَ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ ما ذُكِرَ مِن بَرَكاتِ المَطَرِ والنَباتِ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم تَبِعَ ذَلِكَ أخْذُ اللهِ لَهم بِسُوءِ ما اجْتَرَمُوهُ، وكُلٌّ مَقْدُورٌ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ البَشَرِ، وبِسَبَبِهِ اسْتَنَدَتِ الأفْعالُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ( آمَنُوا واتَّقَوْا ) وفي ( كَذَّبُوا ).
وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ السَبْعَةِ: "لَفَتَحْنا" بِخَفِيفِ التاءِ، وهي قِراءَةُ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَفَتَّحْنا" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وفَتْحُ البَرَكاتِ: إنْزالُها عَلى الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ ﴾ ، ومِنهُ قالَتِ الصُوفِيَّةُ: الفُتُوحُ والبَرَكاتُ: النُمُوُّ والزِياداتُ، و"مِنَ السَماءِ" لِجِهَةِ المَطَرِ والرِيحِ والشَمْسِ، "والأرْضِ" لِجِهَةِ الإنْباتِ والحِفْظِ لِما يَنْبُتُ، هَذا هو الَّذِي يُدْرِكُهُ نَظَرُ البَشَرِ، ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهُمْ، وما في عِلْمِ اللهِ أكْثَرُ.
<div class="verse-tafsir"
عطفت الواو جملة ﴿ ما أرسلنا ﴾ على جملة ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً ﴾ [الأعراف: 85]، عطف الأعم على الأخص.
لأن ما ذكر من القصص ابتداء من قوله تعالى: ﴿ لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [الأعراف: 59] كله، القصد منه العبرة بالأمم الخالية موعظة لكفّار العرب فلما تلا عليهم قصص خمس أمم جاء الآن بحكم كلي يعم سائر الأمم المكذبة على طريقة قياس التمثيل، أو قياس الاستقراء الناقص، وهو أشهر قياس يسلك في المقامات الخطابية، وهذه الجمل إلى قوله: ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى ﴾ [يونس: 75] كالمعترضة بين القَصَص، للتنبيه على موقع الموعظة، وذلك هو المقصود من تلك القصص، فهو اعتراض ببيان المقصود من الكلام وهذا كثير الوقوع في اعتراض الكلام.
وعُدّيَ ﴿ أرسلنا ﴾ ب (في) دون (إلى) لأن المراد بالقرية حقيقتها، وهي لا يرسل إليها وإنما يرسل فيها إلى أهلها، فالتقدير: وما أرسلنا في قرية من نبيء إلى أهلها إلاّ أخذنا أهلها فهو كقوله تعالى: ﴿ وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً ﴾ [القصص: 59] ولا يجري في هذا من المعنى ما يجري في قوله تعالى الآتي قريباً: ﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ [الأعراف: 111] إذ لا داعي إليه هنا.
و ﴿ منْ ﴾ مزيد للتنصيص على العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، وتخصيص القرى بإرسال الرسل فيها دون البوادي كما أشارت إليه هذه الآية وغيرها من آي القرآن، وشهد به تاريخ الأديان، ينبئ أن مراد الله تعالى من إرسال الرسل هو بث الصلاح لأصحاب الحضارة التي يتطرق إليها الخلل بسبب اجتماع الأصناف المختلفة، وإن أهل البوادي لا يخلون عن الإنحياز إلى القرى والإيواء في حاجاتهم المدنية إلى القرى القريبة، فأما مجيء نبيء غير رسول لأهل البوادي فقد جاء خالد بن سنان نبياً في بني عبس، وأما حنظلة بن صفوان نبيء أهل الرسّ فالأظهر أنه رسول لأن الله ذكر أهل الرسل في عداد الأمم المكذبة، وقد قيل: إنه ظهر بقرية الرس التي تسمى أيضاً (فتح) بالمهملة أو (فتَخ) بالمعجمة أو (فيْج) بتحتية وجيم، أو فلْج (بلام وجيم) من اليمامة.
والاستثناء مفرغ من أحوال، أي ما أرسلنا نبيّاً في قرية في حال من الأحوال إلاّ في حال أنّنا أخذنا أهلها بالبأساء، وقد وقع في الكلام إيجاز حذف دل عليه قوله: ﴿ لعلهم يضرّعون ﴾ فإنه يدل على أنهم لم يضرّعُوا قبل الأخذ بالبأساء والضراء، فالتقدير: وما أرسلنا في قرية من نبيء إلاّ كذبه أهل القرية فخوفناهم لعلّهم يذلون لله ويتركون العناد الخ...
والأخذ: هنا مجاز في التناول والإصابة بالمكروه الذي لا يستطاع دفعه، وهو معنى الغلبة، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخدناهم بالبأساء والضراء ﴾ في سورة الأنعام (42).
وقوله: بالبأساء والضراء لعلهم يضرّعون } تقدم ما يُفسّرها في قوله: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلّهم يتضرعون ﴾ في سورة الأنعام (42).
ويُفسر بعضها أيضاً في قوله: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء ﴾ في سورة البقرة (177).
واستغنت جملة الحال الماضوية على الواو و(قد) بحرف الاستثناء، فلا يجتمع مع (قد) إلاَّ نادراً، أي: ابتدأناهم بالتخويف والمصائب لتَفُل من حدتهم وتصرف تأملهم إلى تطلب أسباب المصائب فيعلموا أنها من غضب الله عليهم فيتوبوا.
والتبديل: التعويض، فحقه أن يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء المفيدة معنى البدلية ويكون ذلك المفعول الثاني المدخول للباء هو المتروك، والمفعول الأول هو المأخوذ، كما في قوله تعالى: ﴿ قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ في سورة البقرة (61)، وقوله: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ في سورة النساء (2)، لذلك انتصب الحسنة } هنا لأنها المأخوذة لهم بعد السيّئة فهي المفعول الأول والسيّئة هي المتروكة، وعدل عن جر السيئة بالباء إلى لفظ يؤدي مُؤَدى باء البدلية وهو لفظ (مكان) المستعمل ظرفاً مجازاً عن الخلَفية، يقال خذ هذا مكانَ ذلك، أي: خذه خلفاً عن ذلك لأن الخلَف يحل في مكان المخلوف عنه، ومن هذا القبيل قول امرئ القيس: وبُدلْتُ قُرحاً دامياً بعد نعمة *** فجعل (بعدَ) عوضاً عن باء البدلية.
فقوله: ﴿ مكانَ ﴾ مَنصوب على الظرفية مجازاً، أي: بَدلناهم حسنة في مكان السيّئة، والحسنة اسم اعتبر مؤنثاً لتأويله بالحالة والحادثة وكذلك السيئة فهما في الأصل صفتان لموصوف محذوف، ثم كثر حذف الموصوف لقلة جدوى ذكره فصارت الصفتان كالاسمين، ولذلك عبر عن الحسنة في بعض الآيات بما يُتَلَمّح منه معنى وصفيّتها نحو قوله تعالى: ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالتي هي أحسنُ ﴾ [فصلت: 34] أي: ادفع السيّئة بالحسنة، فلما جاء بطريقة الموصولية والصلة بأفعل التفضيل تُلمح معنى الوصفية فيهما، وكذلك قوله تعالى: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيّئة ﴾ [فصلت: 34].
ومثلهما في هذا المصيبة، كما في قوله تعالى في سورة براءة (50): ﴿ إن تُصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ﴾ أي: بدّلناهم حالة حسنة بحالتهم السيّئة وهي حالة البأساء والضراء.
فالتعريف تعريف الجنس، وهو مشعر بأنهم أعطوا حالة حسنة بطيئة النفع لا تبلغ مبلغ البركة.
و ﴿ حتى ﴾ غاية لما يتضمنه ﴿ بدّلنا ﴾ من استمرار ذلك وهي ابتدائية، والجملة التي بعدها لا محل لها.
و ﴿ عَفْوا ﴾ كثُروا.
يقال: عفا النبات، إذا كثر ونما، وعطف ﴿ وقالوا ﴾ على ﴿ عفوا ﴾ فهو من بقية الغاية.
والسّرّاء: النعمة ورَخاء العيش، وهي ضد الضراء.
والمعنى أنا نأخذهم بما يغير حالهم التي كانوا فيها من رخاء وصحة عسى أن يعلموا أن سلب النعمة عنهم أمارة على غضب الله عليهم من جرّاء تكذيبهم رسولهم فلا يهتدون، ثم نردهم إلى حالتهم الأولى إمهالاً لهم واستدراجاً فيزدادون ضلالاً، فإذا رأوا ذلك تعللوا لما أصابهم من البؤس والضر بأن ذلك التغيير إنما هو عارض من عوارض الزمان وأنه قد أصاب أسلافهم من قبلهم ولم يَجئهم رسُل.
وهذه عادة الله تعالى في تنبيه عباده، فإنه يحب منهم التوسم في الأشياء والاستدلال بالعقل والنظر بالمسببات على الأسباب، كما قال تعالى: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ﴾ [التوبة: 126] لأن الله لما وهب الإنسان العقل فقد أحب منه أن يستعمله فيما يبلغ به الكمال ويقيه الضلال.
وظاهر الآية: أن هذا القول صادر بألسنتهم وهو يكون دائراً فيما بين بعضهم وبعض في مجادلتهم لرسُلهم حينما يعظونهم بما حلّ بهم ويدْعونهم إلى التوبة والإيمان ليكشف عنهم الضر.
ويجوز أن يكون هذا القول أيضاً: يجيش في نفوسهم ليدفعوا بذلك ما يخطر ببالهم من توقع أن يكون ذلك الضر عقاباً من الله تعالى، وإذ قد كان محكياً عن أمم كثيرة كانت له أحوال متعددة بتعدد ميادين النفوس والأحوال.
وحاصل ما دفعوا به دلالة الضراء على غضب الله أن مثل ذلك قد حل بآبائهم الذين لم يدْعُهم رسول إلى توحيد الله، وهذا من خطأ القياس وفساد الاستدلال، وذلك بحصر الشيء ذي الأسباب المتعددة في سبب واحد، والغفلة عن كون الأسباب يخلف بعضها بعضاً، مع الغفلة عن الفارق في قياس حالهم على حال آبائهم بأن آباءهم لم يأتهم رسُل من الله، وأما أقوام الرسل فإن الرسل تحذرهم الغضب والبأساء والضراء فتحيق بهم، أفلا يَدلُهم ذلك على أن ما حصل لهم هو من غضب الله عليهم، على أن غضب الله ليس منحصر الترتب على معصية الرسول بل يكون أيضاً عن الانغماس في الضلال المبين، مع وضوح أدلة الهدى للعقول، فإن الإشراك ضلال، وأدلة التوحيد واضحة للعقول، فإذا تأيدت الدلالة بإرسال الرسل المنذرين قويت الضلالة باستمرارها، وانقطاع أعذارها، ومثل هذا الخطأ يعرض للناس بداعي الهوى وإلف حال الضلال.
والفَاء في قوله: ﴿ فأخذناهم ﴾ للتعقيب عن قوله: ﴿ عَفَوْا ﴾ ، و ﴿ قالوا ﴾ ، باعتبار كونهما غاية لإبدال الحسنة مكان السيئة، ولا إشعار فيه بأن قولهم ذلك هو سبب أخذهم بغتة ولكنه دل على إصرارهم، أي: فحصل أخذنا إياهم عقب تحسن حالهم وبَطرهم النعمة.
والتعقيب عرفي فيصدق بالمدة التي لا تعد طولاً في العادة لحصول مثل هذه الحوادث العظيمة.
والأخذ هنا بمعنى الإهلاك كما في قوله تعالى: ﴿ أخذهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ في سورة الأنعام (44).
والبغتة: الفجْأة، وتقدمت عند قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ [الأنعام: 31]، وفي قوله: ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ﴾ في سورة الأنعام (44)، وتقدم هنالك وجه نصبها.
وجملة: وهم لا يشعرون } حال مؤكدة لمعنى ﴿ بغتة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ البَأْساءَ: القَحْطُ، والضَّرّاءَ: الأمْراضُ والشَّدائِدُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ البَأْساءَ الجُوعُ، والضَّرّاءَ: الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ البَأْساءَ: البَلاءُ، والضَّرّاءَ الزَّمانَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ البَأْساءَ: ما نالَهم مِنَ الشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ.
والضَّرّاءَ: ما نالَهم في أمْوالِهِمْ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّ البَأْساءَ الحُرُوبُ.
﴿ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَتُوبُونَ.
الثّانِي: يَدْعُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَكانُ الشِّدَّةِ الرَّخاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: مَكانُ الخَيْرِ والشَّرِّ.
﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَتّى كَثُرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، قالَ لَبِيدٌ: وأُناسٌ بَعْدَ قَتْلٍ قَدْ عَفَوْا وكَثِيرٌ زالَ عَنْهم فانْتَقَلْ والثّانِي: حَتّى أعْرَضُوا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّالِثُ: حَتّى سُرُّوا، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: حَتّى سَمَّنُوا، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: فَلَمّا أنْ عَفا وأصابَ مالًا ∗∗∗ تَسَمَّنَ مُعْرِضًا فِيهِ ازْوِرارُ ﴿ وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ ﴾ أيِ الشِّدَّةُ والرَّخاءُ يَعْنُونَ لَيْسَ البَأْساءُ والضَّرّاءُ عُقُوبَةً عَلى تَكْذِيبِكَ وإنَّما هي عادَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ أنَّ بَعْدَ كُلِّ خَصْبٍ جَدْبًا وبَعْدَ كُلِّ جَدْبٍ خِصْبًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ﴾ قال: مكان الشدة الرخاء ﴿ حتى عفوا ﴾ قال: كثروا وكثرت أموالهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة ﴾ قال: الشر ﴿ الحسنة ﴾ قال: الرخاء والعدل والولد ﴿ حتى عفوا ﴾ يقول: حتى كثرت أموالهم وأولاهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى عفوا ﴾ قال: جمعوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ﴾ قال: قالوا قد آتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيئاً ﴿ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ قال: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكوتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ ، قال ابن عباس: [(يريد] (١) (٢) (٣) ﴿ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ محذوف الصفة، والتقدير: من نبي (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: الفقر والأسقام) (٦) (٧) قال (٨) ﴿ بِالْبَأْسَاءِ ﴾ كل ما نالهم من شدة في أموالهم، ﴿ وَالضَّرَّاءِ ﴾ : ما نالهم من الأمراض، قال: وقيل: على العكس من ذلك) (٩) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: كي يستكينوا ويرجعوا) (١٠) (١) لفظ: (يريد) ساقط من (أ).
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 211.
(٣) قال الزجاج في "معانيه" 2/ 359: (يقال لكل مَدينة: قَرية، سميت قرية لاجتماع الناس فيها) اهـ.
وانظر: "الزاهر" 2/ 100 - 101.
(٤) لفظ: (نبي) ساقط من (أ).
(٥) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 556 - 557، والبغوي 3/ 259، وابن عطية 6/ 13، وابن الجوزي 3/ 233، والرازي 14/ 183.
(٦) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1525، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 7، والماوردي 2/ 242، وقد سبق له زيادة تخريج.
(٧) ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 2.
(٨) في (ب): (وقال).
(٩) "معاني الزجاج" 2/ 359، وقال ابن عطية 6/ 13: (البأساء المصائب في == الأموال والهموم وعوارض الزمن، والضراء المصائب في البدن كالأمراض ونحوها، هذا قول ابن مسعود وكثير من أهل اللغة ..) اهـ.
(١٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 2، والواحدي في "الوسيط" 1/ 211 بلا نسبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي آية ظاهرة، ولم تعين في القرآن آية شعيب ﴿ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان ﴾ كانوا ينقصون في الكيل والوزن، فبعث شعيب ينهاهم عن ذلك، والكيل هنا بمعنى المكيال الذي يكال به مناسبة للميزان، كما جاء في هود المكيال والميزان، ويجوز أن يكون الكيل والميزان مصدرين ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط تُوعِدُونَ ﴾ قيل هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم وكانوا يقعدون على الطريق يردّون الناس عن اتباع شعيب ويوعدونهم إن اتبعوه ﴿ وَتَصُدُّونَ ﴾ أي تمنعون الناس عن سبيل الله وهو الإيمان، والضمير في به للصراط أو لله ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ذكر في [آل عمران: 99] ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ أي ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجهم، أو عوجهم إلى ملة الكفر، فإن قيل: إن العود إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فعل قبل ذلك فيقتضي قولهم: لتعودن في ملتنا أن شعيباً ومن كان معه كانوا أولاً على ملة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومهم أن يعودوا إليها وذلك محال، فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها فالجواب بمن وجهين: أحدهما: قاله ابن عطية وهو إن عاد قد تكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذكل الحال الذي صار إليه، والثاني: قاله الزمخشري وهو أن المراد بذلك الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك، فغلبوا في الخطاب بالعود الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك يجاب عن قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ ﴾ ﴿ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام والإنكار، والواو للحال، تقديره: أنعود في ملتكم ويكون لنا أن نعود فيها ونحن كارهون ﴿ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ أي إن عندنا فيها فقد وقعنا في أمر عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرأ من العود فيها ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا ﴾ هذا استسلام لقضاء الله على وجه التأدب مع الله وإسناد الأمور إليه، وذلك أنه لما تبرأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عود وتركه فإن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء، فإن قلت: إن ذلك يصح في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا فإنه معصوم من الكفر؟
فالجواب: أنه قال ذلك تواضعاً وتأدباً مع الله تعالى، واستسلاماً لأمره كقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» مع أنه قد علم أنه يثبته ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ﴾ أي احكم ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ أي كأن لم يقيموا في ديارهم ﴿ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ أي كيف أحزن عليهم وقد استحقوا ما أصابهم من العذاب بكفرهم ﴿ بالبأسآء والضرآء ﴾ قد تقدم ﴿ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ أي أبدلنا البأساء والضراء بالنعيم اختباراً لهم في الحالتين ﴿ حتى عَفَوْاْ ﴾ أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء ﴾ أي قد جرى ذلك لآبائنا ولم يضرهم فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لفتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ﴿ أو أمن ﴾ بسكون الواو: أو جعفر ونافع غير ورش، وابن عامر وابن كثير غير ابن فليح، وقرأ ورش بنقل حركتها إلى الساكن قبلها ﴿ أولم نهد ﴾ النون حيث كان: زيد عن يعقوب.
الباقون: بالياء التحتانية ﴿ رسلهم ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ يضرعون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ نائمون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ أو أمن ﴾ بفتح الواو على أن الهمز للاستفهام، ومن سكن الواو فلا وقف لأن "أو" للعطف ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مكر الله ﴾ ج للفصل بين الإخبار والاستخبار مع أن الفاء للتعقيب.
﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بذنوبهم ﴾ ج للفصل بين الماضي والمستقبل والتقدير: نحن نطبع مع اتحاد القصة.
﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ من أنبائها ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بالبينات ﴾ ط لأن ضمير ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ لأهل مكة وضمير.
﴿ جاءهم ﴾ للأمم الماضية مع أن الفاء توجب الاتصال ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من عهد ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ لفاسقين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما عرّفنا أحوال هؤلاء الأنبياء وما جرى على أممهم ذكر ما يدل على أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وليس مقصوراً عليهم، وبيّن العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل.
والقرية مجتمع القوم فتشمل المدينة أيضاً وتقدير الكلام: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء.
قال الزجاج: البأساء الشدة في الأموال والضراء الأمراض في الأبدان.
وقيل بالعكس ﴿ لعلهم يضرعون ﴾ أي يتضرعون فأدغم التاء في الضاد والمعنى: ليحطوا أردية التعزز والاستكبار ويتبعوا نبيهم.
ثم بيّن أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد فقال ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة ﴾ وهي كل ما يسوء صاحبه ﴿ الحسنة ﴾ وهي ما يستحسنه الطبع والعقل أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الفقر والضر السعة والصحة ﴿ حتى عفوا ﴾ كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات والشحم والوبر ومنه قوله : "وأعفوا اللحى" ﴿ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ﴾ كما هو دأب الأشرين يقولون هذه عادة الدهر في أهله يوم محنة ويوم منحة.
والمراد أنهم لم ينتفعوا بتدبير الله فيهم من رجاء بعد شدّة وأمن بعد خوف وراحة بعد عناء ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ آمن ما كانوا عليه ليكون ذلك أعظم من الحسرة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بنزول العذاب.
والحكمة في جميع هذه الحكايات اعتبار من سمعها ووعاها وتعريف أن العصيان سبب الحرمان عن الخيرات وسد لجميع أبواب السعادات ولهذا قال ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ أي جنسها أو القرى المذكورة في قوله وما أرسلنا في قرية ﴿ آمنوا ﴾ بما يجب به الإيمان في باب المبدأ والمعاد ﴿ واتقوا ﴾ كل ما نهى الله عنه ﴿ لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ﴾ أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو أراد القطر والنبات.
والمراد بفتح البركات عليهم تيسير أسباب النجاح كقولهم: فتحت على القارىء إذا يسرت القراءة عليه بالتلقين ﴿ ولكن كذبوا الرسل فأخذناهم ﴾ بالجذب والمحل وهو ضد البركة والخير ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بشؤم كسبهم وهو الكفر والمعاصي.
ثم خوف المكلفين نزول العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار، لأنه الوقت الذي يغلب على المرء في التشاغل باللذات والمهمات فقال ﴿ أفأمن ﴾ قال في الكشاف: الهمزة للإنكار والفاء للعطف على قوله ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ والآية بينهما اعتراض والتقدير: أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى؟
فلهذا عطف الثانية بالواو.
وأما قوله ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ فتكرير لقوله ﴿ أفأمن أهل القرى ﴾ فلهذا رجع فعطف بالفاء.
قلت: يجوز أن يقدّر المعطوف عليه بعد الهمزة والمعنى: أفعلوا ما فعلوا فأمن وأما من قرأ "أو" ساكنة فمعناه إما أحد الشيئين ويرجع المعنى إلى قولنا فأمنوا إحدى هذه العقوبات، وإما للإضراب كما تقول: أنا أخرج ثم تقول أو أقيم.
على أن المراد هو الإضراب عن الخروج وإثبات للإقامة أي لا بل أقيم.
ومعنى ﴿ بياتاً ﴾ قد تقدم في أوّل السورة.
و ﴿ ضحى ﴾ نصب على الظرف قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى وهو حين تشرق الشمس مقصورة، وتذكر على أنه مفرد كصرد وتؤنث على أنها جمع ضحوة.
ثم بعده الضحاء ممدوداً مذكراً وهو عند ارتفاع النهار الأعلى.
في قوله ﴿ وهم يلعبون ﴾ يحتمل التشاغل بما لا يجدي عليهم من أمور الدنيا فهي لهو ولعب، ويحتمل خوضهم في كفرهم لأن ذلك كاللعب في أنه يضر ولا ينفع.
ومكر الله كما تقدم في آل عمران عذاب بعد الاستدراج أو سمي جزاء المكر مكراً.
وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟
قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات يعني المذكور في الآية.
اللهم اجعلنا من الخائفين العاقلين لا من الآمنين الغافلين.
ثم لما بيّن حال المهلكين مفصلاً ومحلاً ذكر أن الغرض من القصص حصول العبرة للباقين فقال ﴿ أولم يهد ﴾ من قرأ بالياء ففاعله ﴿ أن لو نشاء ﴾ والمعنى: أو لم يهد الذين يخلفون أولئك المتقدمين فيرثون أرضهم وديارهم هذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي بعقابها كما أصبنا من قبلهم.
ومن قرأ بالنون فقوله ﴿ أن لو نشاء ﴾ منصوب والهداية بمعنى التبيين على القراءتين ولهذا عُدّي فعلها باللام، والمفعول على القراءة الأولى محذوف والتقدير: أولم يكشف لهم الحال والشأن المذكور.
وأما قوله ﴿ ونطبع على قلوبهم ﴾ فإما أن يكون منقطعاً عما قبله بمعنى ونحن نطبع كما مر في الوقوف، وإما أن يكون متصلاً بما قبله.
قال الكشاف: وذلك هو يرثون أو ما دلّ عليه معنى ﴿ أولم يهد ﴾ كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع.
ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ أصبناهم ﴾ و ﴿ طبعنا ﴾ لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم فيجري مجرى تحصيل الحاصل ولقائل أن يقول: لا يلزم من المذكور وهو كونهم مذنبين أن يكونوا مطبوعين، فاقتراف الذنوب غير الطبع لأن يذنب أوّلاً أو يكفر ثم يستمر على ذلك فيصير مطبوعاً على قلبه.
وأيضاً جاز أن يراد لو شئنا لزدنا في طبعهم أو لأدمناه والله أعلم بمراده.
ثم أخبر عن الأقوام المذكورين تسلية لرسوله فقال ﴿ تلك القرى ﴾ وهي مبتدأ وخبر.
وقوله ﴿ يقص ﴾ حال والعامل معنى اسم الإشارة، أو خبر بعد خبر، أو ﴿ القرى ﴾ صفة لـ ﴿ تلك ﴾ و ﴿ نقص ﴾ خبر.
وفائدة الإخبار على هذا التقدير ظاهرة.
وأما على الأوّلين فترجع الفائدة إلى الحال أو الخبر الثاني كما ترجع إلى الصفة في قولك: هو الرجل الكريم.
الحاصل أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وأيضاً خصصنا تلك القرى بقصص بعض أنبائها لأنهم اغتروا بطول الأمهال مع كثرة النعم وكانوا أقرب الأمم إلى العرب فذكرنا أحوالهم تنبيهاً على الاحتراز عن مثل أعمالهم.
ثم عزى رسوله بقوله ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ﴾ من قبل اللام لتأكيد النفي وأن الإيمان كان منافياً لحالهم.
قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بسبب تكذيبهم يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم أقروا باللسان كرهاً وأضمروا التكذيب.
وقال الزجاج: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به من قبل رؤية تلك المعجزات.
وعن مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد الإهلاك ورددناهم إلى دار التكليف بما كذبوا من قبل كقوله ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ وقيل: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما كذبوا من قبل مجيئهم.
وقيل: ما كانوا ليؤمنوا في الزمان المستقبل بما كذبوا به في الزمان الماضي أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إلى أن ماتوا مصرين لم ينجع فيهم تكرير المواعظ وتتابع الآيات ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الطبع الشديد ﴿ يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ الذي كتب أن لا يؤمنوا أبداً.
والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد كما سلف.
وقال الجبائي: هو أن يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن صاحبها لا يؤمن.
وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ ثم شرح حال المكلفين فقال ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد ﴾ والضمير للناس على الإطلاق.
قال ابن عباس: يعني بالعهد قوله للذر ﴿ ألست بربكم ﴾ أقروا به ثم خالفوا.
عن ابن مسعود هو الإيمان كقوله ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ﴾ يعني من قال لا إله إلا الله.
وقيل: العهد عبارة عن الأدلة على التوحيد والنبوّة والمراد الوفاء بالعهد ﴿ وإن وجدنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة في قوله ﴿ لفاسقين ﴾ وقد عملت في ضمير شأن مقدر والتقدير: وإن الشأن والحديث علمنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والآية اعتراض.
ويحتمل أن يعود الضمير على الأمم المذكورين كانوا إذا عاهدوا الله في ضرر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن نكثوه بعد كشف الضر.
التأويل: ﴿ إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ الوفي يتضرع إليه عند البلاء ويتوكل عليه والعدوّ يذهل عن الحق ولا يرجع إليه ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ يعني صفات النفس ﴿ آمنوا ﴾ بما يرد إلى صفات القلب والروح من ألطاف الحق ﴿ واتقوا ﴾ مشتبهات النفس ﴿ لفتحنا عليهم ﴾ أسباب العواطف من سماء الروح وأرض القلب ﴿ فأخذناهم ﴾ عاقبناهم بعذاب البعد ﴿ بما كسبوا ﴾ من مخالفات الحق وموافقات الطبع ﴿ بياتاً ﴾ في صور القهر ﴿ ضحى ﴾ في صورة اللطف بسطوات الجذبات ﴿ وهم يلعبون ﴾ يشتغلون بالدنيا.
﴿ إلا القوم الخاسرون ﴾ من أهل القهر هم الذين خسروا سعادة الدارين من أهل اللطف هم الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى ﴿ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ .
في الآية إضمار - والله أعلم - من وجهين: أحدهما: قوله: وما أرسلنا في قرية من نبي فكذبوه إلا أخذنا أهلها المكذبين له بالبأساء، وما ذكر، وإلا لا يحتمل أن يرسل إليهم رسولاً ثم يأخذهم بما ذكر من غير أن كان منهم رد وتكذيب له.
والثاني: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ ﴾ أهلكناها ﴿ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا ﴾ قبل الهلاك ﴿ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ ثم لم يأخذ الله قوماً بالهلاك قبل أن يبعث رسولاً إليهم، وقبل: أن يغيّروا هم ما أنعم عليهم بأنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً....
﴾ الآية؛ وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ وقال: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ وغير ذلك من الآيات، أخبر أنه لا يأخذهم بالعذاب والهلاك إلا بعد قطع العذر لهم من جميع الوجوه، وإن كان له الإهلاك قبل أن يبعث إليهم الرسول لما ركب فيهم من العقول السليمة مما بها يوصل إلى فهم كل ما جعل فيهم من آثار وحدانيته وآيات ربوبيته، وما جعل لهم من السمع والنطق ما به يوصل إلى سمع كل ما غاب والنطق بكل ما يريدون، ما لم يجعل ذلك لغيرهم من البهائم، وما أنعم عليهم من تصوير الصور ما لم يتمن أحد تحويله منها إلى غيرها من الصور، لكنه لا يهلكهم إلا بعد بعث الرسل إليهم لما أن الخلق على مراتب؛ منهم من يفهم بالعقل لا يحتاج إلى معونة السمع، وهم الحكماء والعلماء الذين يدركون الأشياء بالبديهة، ومنهم من لا يدرك إلا بمعونة السمع وهم كالصبيان، إنهم لا يدركون إلا بالسمع وفضل التنبيه، ومنهم من لا يدرك بالعقل ذلك ولا بالسمع حتى تصيبهم الشدائد والعبر في أنفسهم وفيما أنعم عليهم، وهم كالبهائم الذين لا عقل لهم ولا سمع، ولكن يعرفون الشدائد وما يصيبهم من البلاء، فعلى ذلك يمتحنهم عز وجل، ويبتليهم بالشدائد والبلايا أولاً، فإن رجعوا عن ذلك وعرفوا نعمه، وإلا أهلكهم بعد ذلك فعند ذلك ينتهون ويتذكرون، وذلك قوله: ﴿ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ قد ذكرناه في صدر الكتاب.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ .
أي: لكي يكون عليهم التضرع، أو لكي يلزمهم التضرع والتذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ .
وهو ما ذكر أهل التأويل السعة والرخاء بعد الشدة والقحط، وما حل بهم من البلايا ﴿ حَتَّىٰ عَفَوْاْ ﴾ .
قبل: جمعوا وأكثروا، أي: كشف عنهم ذلك حتى كثروا فعند ذلك أهلكهم بغتة؛ لأن الهلاك في حال الشدة والبلاء لا يكون أخذاً ببغتة؛ لأن كل من حل به بلاء وشدة يخاف فيه الهلاك فإذا أهلك في تلك الحال لم يكن أخذاً بالهلاك بغتة.
ألا ترى أنه سمى الموت الذي يموت به المؤمن من غير مرض حل به بغتة، والذي [يموت بمرض] يتقدم الموت لا، وأن الموت في الوجهين جميعاً لا يعلم بحلوله، لكنه إذا لم يتقدمه مرض فهو لا يخاف منه، وإذا كان به مرض خاف منه فلم يكن فجأة، فعلى ذلك إذا أخذوا في حال الشدة لم يكن آخذاً بالبغتة لما يخافون فيه الهلاك، وإذا كانوا في سعة ورخاء لا يخافون فيؤخذون في تلك الحال، فذلك أخذ ببغتة.
وقال: ﴿ حَتَّىٰ عَفَوْاْ ﴾ .
قيل: كان أهلك بعضهم وترك بعضاً حتى عفوا، أي: كثروا من ذلك البعض، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا من البأساء والضراء والشدائد والقحط، ثم كشف ذلك عنهم فكثروا، ثم أهلكهم، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ ﴾ .
قالوا: إن آباءنا قد كان ينزل ذلك بهم وتصيبهم مرة شدة ومرة نعمة ولم يكن ذلك بعقوبة لهم، فعلى ذلك ما يصيبنا من الشدائد والبلايا ليس ذلك بعقوبة لنا، ولكن دوران الدهر وتصرفه على الشدّة والبلاء مرة، ومرة على الخصب والسّعة، ثم أخبر أنه أخذهم بغتة بعد قولهم: ﴿ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وما أرسلنا في قرية من القرى نبيًّا من أنبياء الله، فكَذَّبَ أهلها وكفروا، إلا أخذناهم بالبؤس والفقر والمرض رجاء أن يتذللوا لله فيتركوا ما هم عليه من الكفر والاستكبار.
وهذا تحذير لقريش ولكل من كفر وكذب بذكر سُنَّة الله في الأمم المكذبة.
<div class="verse-tafsir" id="91.P0nL3"