الإسلام > القرآن > سور > سورة 72 الجن > الآية ٢٢ من سورة الجن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة الجن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبر عن نفسه أيضا أنه لا يجيره من الله أحد ، أي : لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه ، ( ولن أجد من دونه ملتحدا ) قال مجاهد وقتادة والسدي : لا ملجأ .
وقال قتادة أيضا : ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) أي : لا نصير ولا ملجأ .
وفي رواية : لا ولي ولا موئل .
وقوله: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ) من خلقه إن أرادني أمرا، ولا ينصرني منه ناصر.
وذُكر أن هذه الآية أُنـزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعض الجنّ قال: أنا أجيره.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرميّ أنه ذكر له أن جنيا من الجنّ من أشرافهم ذا تَبَع، قال: إنما يريد محمد أن نجيره وأنا أجيره فأنـزل الله: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ).
وقوله: (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) يقول: ولن أجد من دون الله ملجئا ألجأ إليه.
كما حدثنا مهران، عن سفيان (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) يقول: ولن أجد من دون الله ملجئا ألجأ إليه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) : أي ملجئا ونصيرا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (مُلْتَحَدًا ) قال: ملجئا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) يقول: ناصرا.
قوله تعالى : قل إني لن يجيرني من الله أحد أي لا يدفع عذابه عني أحد إن استحفظته ; وهذا لأنهم قالوا اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك .
وروى أبو الجوزاء عن ابن مسعود قال : انطلقت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط علي خطا ، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه ، فقال سيد لهم يقال له وردان : أنا أزحلهم عنك ; فقال : " إني لن يجيرني من الله أحد " ذكره الماوردي .
قال : ويحتمل معنيين : أحدهما : لن يجيرني مع إجارة الله لي أحد .
الثاني : لن يجيرني مما قدره الله تعالى علي أحد .ولن أجد من دونه ملتحدا أي ملتجأ ألجأ إليه ; قاله قتادة .
وعنه : نصيرا ومولى .
السدي : حرزا .
الكلبي : مدخلا في الأرض مثل السرب .
وقيل : وليا ولا مولى .
وقيل : مذهبا ولا مسلكا .
حكاه ابن شجرة ، والمعنى واحد ; ومنه قول الشاعر :يا لهف نفسي ولهفي غير مجدية عني وما من قضاء الله ملتحد
{ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ } أي: لا أحد أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسول الذي هو أكمل الخلق، لا يملك ضرا ولا رشدا، ولا يمنع نفسه من الله [شيئا] إن أراده بسوء، فغيره من الخلق من باب أولى وأحرى.{ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا } أي: ملجأ ومنتصرا.
( قل إني لن يجيرني من الله أحد ) لن يمنعني من أحد إن عصيته ( ولن أجد من دونه ملتحدا ) ملجأ أميل إليه .
ومعنى " الملتحد " أي : المائل .
قال السدي : حرزا .
وقال الكلبي : مدخلا في الأرض مثل السرب .
«قل إني لن يجيرني من الله» من عذابه إن عصيته «أحد ولن أجد من دونه» أي غيره «ملتحدا» ملتجأ.
قل- أيها الرسول- لهم: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضرًا، ولا أجلب لكم نفعًا، قل: إني لن ينقذني من عذاب الله أحد إن عصيته، ولن أجد من دونه ملجأ أفرُّ إليه مِن عذابه، لكن أملك أن أبلغكم عن الله ما أمرني بتبليغه لكم، ورسالتَه التي أرسلني بها إليكم.
ومَن يعص الله ورسوله، ويُعرض عن دين الله، فإن جزاءه نار جهنم لا يخرج منها أبدًا.
وقل لهم للمرة الثالثة : ( إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ ) أى : إنىلن يمنعنى أحد من الله - تعالى - إن أرادنى بسوء .( وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ) أى : ولن أجد من دونه ملجأ أركن إليه .
يقال : التحد فلان إلى كذا ، أى : مال إليه .فالآية الكريمة بيان لعجزه صلى الله عليه وسلم عن شئون نفسه أمام قدرة خالقه - عز وجل - بعد بيان عجزه عن شئون غيره .
قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ الله أَحَد ﴾ قال مقاتل: إنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك، فقال الله له: ﴿ قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ الله أَحَدٌ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ أي ملجأ وحرزاً، قال المبرد: ﴿ مُلْتَحَدًا ﴾ مثل قولك منعرجاً، والتحد معناه في اللغة مال، فالملتحد المدخل من الأرض مثل السرب الذاهب في الأرض.
<div class="verse-tafsir"
(قال) للمتظاهرين عليه ﴿ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّى ﴾ يريد: ما أتيتكم بأمر منكر، إنما أعبد ربي وحده ﴿ وَلآ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾ وليس ذاك مما يوجب إطباقكم على مقتى وعداوتي.
أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين: ليس ما ترون من عبادتي الله ورفضي الإشراك به بأمر يتعجب منه، إنما يتعجب ممن يدعو غير الله ويجعل له شريكاً.
أو قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلاَ رَشَداً ﴾ ولا نفعاً أو أراد بالضر: الغيّ، ويدل عليه قراءة أبيّ ﴿ غياً ولا رشداً ﴾ والمعنى لا أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم، إنما الضارّ والنافع الله.
أو لا أستطيع أن أقسركم على الغيّ والرشد، إنما القادر على ذلك الله عز وجل: و ﴿ إِلاَّ بلاغا ﴾ استثناء منه.
أي لا أملك إلا بلاغاً من الله و ﴿ قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى ﴾ جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه، على معنى أنّ الله إن أراد به سوءاً من مرض أو موت أو غيرهما: لم يصح أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه: والملتحد: الملتجأ، وأصله المدَّخل، من اللحد.
وقيل: محيصاً ومعدلاً وقرئ ﴿ قال لا أملك ﴾ أي قال عبد الله للمشركين أو للجن.
ويجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم.
وقيل: (بلاغاً) بدل من ﴿ مُلْتَحَدًا ﴾ أي: لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.
وقيل: ﴿ إِلاَّ ﴾ هي ﴿ أن لا ﴾ ومعناه: أن لا أبلغ بلاغاً كقولك: إن لا قياماً فقعوداً ﴿ ورسالاته ﴾ عطف على بلاغاً، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات.
والمعنى: إلا أن أبلغ عن الله فأقول: قال الله كذا، ناسباً لقوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان.
فإن قلت: ألا يقال: بلغ عنه ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني بلغوا عني» ؟
قلت: من ليست بصلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله ﴾ [التوبة: 1] بمعنى بلاعاً كائناً من الله.
وقرئ ﴿ فأن له نار جهنم ﴾ على: فجزاؤه أنّ له نار جهنم كقوله: ﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [الأنفال: 41] أي: فحكمه أنّ لله خمسه.
وقال: ﴿ خالدين ﴾ حملا على معنى الجمع في من.
فإن قلت: بم تعلق (حتى)، وجعل ما بعده غاية له؟
قلت: بقوله: ﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ [الجن: 19] على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم ﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ من يوم بدر وإظهار الله له عليهم.
أو من يوم القيامة ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ حينئذ أنهم ﴿ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾ ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال: من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده، كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه ﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ قال المشركون: متى يكون هذا الموعود؟
إنكاراً له، فقيل ﴿ قُلْ ﴾ إنه كائن لا ريب فيه، فلا تنكروه؛ فإن الله قد وعد ذلك وهو لا يخلف الميعاد.
وأما وقته فما أدري متى يكون؛ لأنّ الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربى أَمَداً ﴾ والأمد يكون قريباً وبعيداً ألا ترى إلى قوله: ﴿ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30] ؟
قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقرب الموعد، فكأنه قال: ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية أي: هو ﴿ عالم الغيب فَلاَ يُظْهِرُ ﴾ فلا يطلع و ﴿ مِن رَّسُولٍ ﴾ تبيين لمن ارتضى، يعني: أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى.
وفي هذا إبطال للكرامات؛ لأنّ الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل.
وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم، لأنّ أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ يدي من ارتضى للرسالة ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين يطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم، حتى يبلغ ما أوحى به إليه.
وعن الضحاك: ما بعث نبيّ إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك ﴿ لِّيَعْلَمَ ﴾ الله ﴿ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رسالات رَبِّهِمْ ﴾ يعني الأنبياء: وحد أولا على اللفظ في قوله: (من بين يديه ومن خلفه) ثم جمع على المعنى، كقوله: ﴿ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين ﴾ [الجن: 23] ، والمعنى: ليبلغوا رسالات ربهم كما هي، محروسة من الزيادة والنقصان؛ وذكر العلم كذكره في قوله تعالى: ﴿ حتى نَعْلَمَ المجاهدين ﴾ [محمد: 31] ، وقرئ: ﴿ ليعلم ﴾ على البناء للمفعول ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ بما عند الرسل من الحكم والشرائع، لا يفوته منها شيء ولا ينسى منها حرفاً، فهو مهيمن عليها حافظ لها ﴿ وأحصى كُلَّ شَيْء عَدَداً ﴾ من القطر والرمل وورق الأشجار، وزبد البحار، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه وعدداً: حال، أي: وضبط كل شيء معدوداً محصوراً.
أو مصدر في معنى إحصاء.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جنيّ صدق محمداً صلى الله عليه وسلم وكذب به عتق رقبة» .
﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ إنْ أرادَ بِي سُوءًا.
﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ مُنْحَرِفًا أوْ مُلْتَجَأً وأصْلُهُ المَدْخَلُ مِنَ اللَّحْدِ.
﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ لا أمْلِكُ فَإنَّ التَّبْلِيغَ إرْشادٌ وإنْفاعٌ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِنَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ، أوْ مِن مُلْتَحَدًا أوْ مَعْناهُ أنْ لا أُبَلِّغَ بَلاغًا وما قَبْلَهُ دَلِيلُ الجَوابِ.
﴿ وَرِسالاتِهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى بَلاغًا ومِنَ اللَّهِ صِفَتُهُ فَإنَّ صِلَتَهُ عَنْ كَقَوْلِهِ : «بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً».» ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ إذِ الكَلامُ فِيهِ.
﴿ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ﴾ وقُرِئَ «فَإنَّ» عَلى فَجَزاؤُهُ أنَّ.
﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ جَمَعَهُ لِلْمَعْنى.
﴿ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ ﴾ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ والغايَةُ لِقَوْلِهِ: يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا بِالمَعْنى الثّانِي، أوْ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الحالُ مِنِ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ وعِصْيانِهِمْ لَهُ.
﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا ﴾ هو أمْ هم.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ الله أَحَدٌ} لن يدفع عني عذابه أحد أن عصصيته كقول صالح عليه السلام فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله ان عصيته {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} ملتجأ
﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ إنْ أرادَنِي سُبْحانَهُ بِسُوءٍ ﴿ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ أيْ مُعَدَّلًا ومُنْحَرَفًا وقالَ الكَلْبِيُّ مُدْخَلًا في الأرْضِ وقالَ السُّدِّيُّ حِرْزًا وأصْلُهُ المُدْخَلُ مِنَ اللَّحْدِ والمُرادُ مَلْجَأٌ يَرْكَنُ إلَيْهِ وأنْشَدُوا: يا لَهْفَ نَفْسِي ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وجَوَّزَ فِيهِ الرّاغِبُ كَوْنَهُ اسْمَ مَكانٍ وكَوْنَهُ مَصْدَرًا وهَذا عَلى ما قِيلَ بَيانٌ لِعَجْزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شُؤُونِ نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِ عَنْ شُؤُونِ غَيْرِهِ وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو قالُوا اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ فَقِيلَ لَهُ ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي ﴾ إلَخِ وقِيلَ هو جَوابٌ لِقَوْلٍ ورَدَ أنَّ سَيِّدَ الجِنِّ وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ فَقالَ ﴿ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي ﴾ إلَخِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ والقَوْلانِ لَيْسا بِشَيْءٍ وقَوْلُهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ.
قال الحسن: يعني: الصلاة لله تعالى وقال قتادة: كانت اليهود والنصارى يدخلون كنائسهم، ويشركون بالله تعالى.
فأمر الله تعالى نبيه أن يخلص الدعوة له إذا دخل المسجد.
وقال القتبي: قوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ يعني: السجود لله.
ويقال: هي المساجد بعينها يعني: بنيت المساجد، ليعبدوا الله تعالى فيها.
فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً يعني: لا تعبدوا أحداً غير الله تعالى.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم يَسْلُكْهُ بالياء، والباقون بالنون، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.
يقال: سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته، إذا أدخلته.
قوله عز وجل: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يعني: محمدا لما قام إلى الصلاة ببطن نخلة.
يَدْعُوهُ يعني: يصلي لله تعالى، ويقرأ كتابه.
كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً يعني: يركب بعضهم بعضاً، ويقع بعضهم على بعض.
ثم قال عز وجل: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي.
قرأ حمزة، وعاصم: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي على معنى الأمر، يعني: قل يا محمد إنما أدعوا ربي، يعني: أعبده.
وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً.
قرأ الباقون على معنى الخبر عنهم.
قرأ ابن عامر في رواية هشام عَلَيْهِ لِبَداً بضم اللام، والباقون بكسرها ومعناهما واحد.
وقال القتبي: يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً أي: يتلبدون به رغبة في استماع القرآن.
يقال: لبدت به، أي: لصقت به، ومعناه: كادوا أن يلصقوا به.
قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً يعني: لا أقدر لكم خذلاناً ولا هداية.
قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ يعني: لن يمنعني من عذاب الله أحد إن عصيته، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً يعني: ملجأ ولا مفراً.
إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ يعني: فذلك الذي يجيرني من عذاب الله ويقال في الآية تقديم، ومعناه قل: لا أملك لكم ضرا إلا أن أبلغكم رسالات ربي، يعني: ليس بيدي شيء من الضر والنفع والهداية، إلا بتبليغ الرسالة.
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في التوحيد، ولم يؤمن به، فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي: مقيمين في النار أبداً، يعني: دائماً.
وقد تم الكلام.
ثم قال عز وجل: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ من العذاب يعني: لما رأوا العذاب، ويقال: معناه أمهلهم حتى إذا رأوا ما يوعدون في الدنيا وفي الآخرة، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً يعني: مانعاً من العذاب.
وَأَقَلُّ عَدَداً يعني: رجالاً.
فقالوا: متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمد؟
فنزل: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ يعني: ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب، أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً؟
يعني: أجلاً ينتهي إليه.
قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ يعني: هو عالم الغيب، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً يعني: هو الذي يعلم وقت نزول العذاب، ولا يطلع على غيبه أحداً من خلقه.
قوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يعني: إلا من اختار لرسالته، فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب، ليكون دلالة لنبوته.
فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً يعني: من الملائكة بين يدي رسول الله ومن خلفه، ليحفظوه من الشياطين لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ يعني: ليعلموا الرسول أن الذي أنزل إليه من رسالات الله وذلك أن الملائكة لو لم يرصدوهم، لما يستمعوا حين يقرأ جبريل، ثم يفشون ذلك قبل أن يخبرهم الرسول، فلا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق، ولا يكون للأنبياء دلالة، ثم لا يقبل قولهم.
وروى أسباط، عن السدي في قوله: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً إذا بعث إليه تعالى نبياً، جعل معه حفظة من الملائكة.
فإذا جاء الوحي من الله تعالى، قالت الملائكة: هذا من الله.
فإذا جاءه الشيطان، قالت الحفظة: هذا من الشيطان.
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ يعني: ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا الرسالة لأنهم تمازحوا من استراق السمع.
وقال سعيد بن جبير: لم يجيء جبريل قط بالقرآن، إلا ومعه أربعة من الحفظة.
ثم قال عز وجل: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ يعني: الله تعالى عالم بما عند الأنبياء ويقال: عالم بهم.
وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً يعني: عدد الملائكة، وعلم نزول العذاب ووقته وغير ذلك والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يحتملُ: أنْ يكونَ خِطَاباً مِنَ اللَّهِ تعالى، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ إخباراً عَنِ الجِنِّ، وَعَبْدُ الله هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والضميرُ في كادُوا يحتملُ: أنْ يكونَ لكفارِ قريشٍ، وغيرِهم في اجتماعهم على رَدِّ أمرِهِ صلّى الله عليه وسلّم، وقيلَ: الضميرُ للجِنِّ، والمعنى أنهم كادوا يَتَقَصَّفُونَ عليه «١» لاسْتِماعِ القرآن، وقال ابن جبير: معنى الآيةِ أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لقومِهم يحكُون لَهُم، والعبد محمّد ع «٢» ، والضميرُ في كادُوا لأَصْحَابهِ الذينَ يُطِيعُونَ له ويَقْتَدُونَ بهِ في الصلاةِ فَهُمْ عليه لِبَدٌ، واللِبَدُ:
الجماعاتُ شُبِّهَتْ بالشَّيءِ المُتَلبِّدِ، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: لِبَداً أعوانا «٣» ، انتهى، ويَدْعُوهُ معناه: يَعْبُدُه، وقيل: عبدُ اللَّهِ في الآيةِ المرادُ به نوحٌ، وقرأ جمهور السبعة: «قَالَ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي» وقرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عمرو بخلافٍ عنه «٤» : «قُلْ» ، ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى محمّدا ع بالتَّبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّه لاَ يَمْلِكُ لأَحَدٍ ضَرًّا ولا نفعاً، والملتَحَدُ: المَلْجَأُ «٥» الذي يُمَال إليه، ومنه الإلحاد وهو الميل.
وقوله: إِلَّا بَلاغاً قال قتادة: التقدير: لا أمْلِكُ إلاَّ بَلاَغاً إلَيْكُمْ، فأمَّا الإيمانُ وَالكُفْرُ، فَلاَ أَمْلِكُهُ «٦» ، وقال الحسن: ما معناه أَنَّه استثناء منقطع، والمعنى: لن يجيرني من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ الَّتِي هي بُيُوتُ الصَّلَواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبِيَعَهم أشْرَكُوا، فَأمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْلِمِينَ أنْ يُخْلِصُوا لَهُ إذا دَخَلُوا مَساجِدَهم.
والثّانِي: الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها العَبْدُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وذَكَرَهُ الفَرّاءُ.
فَيَكُونُ المَعْنى، لا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالمَساجِدِ ها هُنا: البِقاعُ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ.
فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الأرْضَ كُلَّها مَواضِعُ لِلسُّجُودِ، فَلا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِ خالِقِها.
والرّابِعُ: أنَّ المَساجِدَ: السُّجُودُ، فَإنَّهُ جَمْعُ مَسْجِدٍ.
يُقالُ: سَجَدْتُ سُجُودًا، ومَسْجِدًا، كَما يُقالُ: ضَرَبْتُ في الأرْضِ ضَرْبًا، ومَضْرِبًا، ثُمَّ يُجْمَعُ، فَيُقالُ: المَساجِدُ، والمَضارِبُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ واحِدُها: مَسْجَدًا: بِفَتْحِ الجِيمِ.
والمَعْنى: أخْلِصُوا لَهُ، ولا تَسْجُدُوا لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ الجِنِّ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا "يَدْعُوهُ" أيْ: يَعْبُدُهُ.
وكانَ يُصَلِّي بِبَطْنِ نَخْلَةَ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ في [الأحْقافِ: ٢٩] ﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "لِبَدًا" بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ.
وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ "لُبَدًا" بِضَمِّ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مَعَ تَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
يُقالُ: لِبَدَةٌ، ولُبَدَةٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: كادَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا.
ومِنهُ اشْتِقاقُ اللِّبَدِ الَّذِي يُفْتَرَشُ.
وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى شَيْءٍ فَقَدْ لَبَّدْتَهُ.
وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللّامِ مَعَ تَشْدِيدِ الباءِ.
قالَ الفَرّاءُ: فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ صِفَةً لِلرِّجالِ، كَقَوْلِكَ: رُكَّعًا ورُكُوعًا، وسُجَّدًا وسُجُودًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ لابِدٍ، مِثْلُ راكِعٍ، ورُكَّعٍ.
وفي مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجِنِّ يَحْكِي حالَهم.
والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا قامَ يُصَلِّي كادَ الجِنُّ لِازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، حِرْصًا عَلى سَماعِ القُرْآنِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، فَوَصَفُوا لَهم طاعَةَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وائْتِمامَهم بِهِ في الرُّكُوعِ، والسُّجُودِ فَكَأنَّهم قالُوا: لَمّا قامَ يُصَلِّي كادَ أصْحابُهُ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.
وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَمّا قامَ رَسُولُ اللَّهِ بِالدَّعْوَةِ تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ، وتَظاهَرُوا عَلَيْهِ، لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ "قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي" بِغَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الباقُونَ "قالَ" عَلى الخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ .
قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلنَّبِيِّ : إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فارْجِعْ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ﴾ أيْ: لا أدْفَعُهُ عَنْكم "وَلا" أسُوقُ إلَيْكم "رَشَدًا" أيْ: خَيْرًا، أيْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْلِكُ ذَلِكَ، لا أنا ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ أيْ: إنْ عَصَيْتُهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنهُ أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ ﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ وقَدْ بَيَّنّاهُ في [الكَهْفِ ٢٧] ﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ إلّا أنْ أُبَلِّغَكم.
والثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ إنْ لَمْ أُبْلِغْ رِسالَتَهُ.
وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.
وَبِالثّانِي قالَ مُقاتِلٌ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَنْ يُجِيرَنِي مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما أُرْسِلْتُ، فَذَلِكَ البَلاغُ هو الَّذِي يُجِيرُنِي ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ﴾ يَعْنِي: الكَفّارَ ﴿ ما يُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، وهو القَتْلُ، وفي الآخِرَةِ ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا ﴾ أيْ: جُنْدًا ونَصْرًا، أهُمْ، أمِ المُؤْمِنُونَ؟
﴿ قُلْ إنْ أدْرِي ﴾ أيْ: ما أدْرِي ﴿ أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا ﴾ أيْ: غايَةً وبُعْدًا.
وذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لِلَّهِ وحْدَهُ ﴿ فَلا يُظْهِرُ ﴾ أيْ: فَلا يُطْلِعُ عَلى غَيْبِهِ الَّذِي يَعْلَمُهُ أحَدًا مِنَ النّاسِ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ لِأنَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ إخْبارَهم بِالغَيْبِ.
والمَعْنى: أنَّ مَنِ ارْتَضاهُ لِلرِّسالَةِ أطْلَعَهُ عَلى ما شاءَ مِن غَيْبِهِ.
وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن زَعَمَ أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى الغَيْبِ فَهو كافِرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْفَظُ ذَلِكَ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ الرَّسُولَ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ ﴿ وَمِن خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ أيْ: يَجْعَلُ لَهُ حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ الوَحْيَ مِن أنْ تَسْتَرِقَهُ الشَّياطِينُ، فَتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ، فَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ النّاسَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ المَلَكِ ومِن خَلْفِهِ رَصْدًا.
وقِيلَ: يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ الوَحْيِ.
فالرَّصَدُ مِنَ المَلائِكَةِ يَدْفَعُونَ الشَّياطِينَ عَنْ أنْ تَسْتَمِعَ ما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ جِبْرائِيلَ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ "قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ" وأنَّ اللَّهَ قَدْ حَفِظَها فَدَفَعَ عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: لِيَعْلَمَ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مَوْجُودًا ظاهِرًا يَجِبُ بِهِ الثَّوابُ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والخامِسُ: لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهُ، ولَمْ تَصِلْ إلى غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "لِيُعْلَمَ" بِضَمِّ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقْرَأُ "لِتَعْلَمَ" بِالتّاءَ، يُرِيدُ: لِتَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ عَنْ إلِاهِهِمْ بِما رَجَوْا مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ "وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ" أيْ: عَلِمَ اللَّهُ ما عِنْدَ الرُّسُلِ "وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا" فَلَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ حَتّى الذَّرُّ والخَرْدَلُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ ﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِنَ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "اسْتَقامُوا".
قالَ أبُو مِجْلَزٍ، والفَرّاءُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ -بِخِلافٍ عنهُ-: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مَن أسْلَمَ"، "الطَرِيقَةُ" طَرِيقَةُ الكُفْرِ، لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ الناسِ لَأسْقَيْناهم ماءً إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "القاسِطِينَ"، والمَعْنى: عَلى طَرِيقَةِ الإسْلامِ والحَقِّ، وهَذا المَعْنى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عنهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ أبْيَنُ، لِأنَّ اسْتِعارَةَ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا" بِضَمِّ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا تَشْبِيهٌ بِواوِ الجَماعَةِ ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى ﴾ ، والماءُ الغَدَقُ هو الماءُ الكَثِيرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَدَقًا" بِفَتْحِ الدالِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ الأعْمَشِ عنهُ- بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَفْتِنَهم فِيهِ" إنْ كانَ المُسْلِمُونَ فَمَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وإنْ كانَ القاسِطُونَ فَمَعْناهُ: لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهُمْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَيْثُ يَكُونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ"، ونَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: كانَتِ الصَحابَةُ مُطِيعِينَ سامِعِينَ، فَلَمّا فَتُحِتْ كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ وثَبَ بِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَتَلَ وثارَتِ الفِتَنُ.
و"يَسْلُكْهُ" مَعْناهُ: يَدْخُلْهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَسْلُكْهُ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ: يَسْلُكُهُ اللهُ، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "يُسْلِكُهُ" بِضَمِّ الياءِ، مِن أسْلَكَ، وهُما بِمَعْنًى، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ، و"صَعَدًا" مَعْناهُ: شاقًّا، تَقُولُ: "فُلانٌ في صَعَدٍ مِن أمْرِهِ" أيْ في مَشَقَّةٍ، و"هَذا أمْرٌ يَتَصَعَّدُنِي"، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءُ كَما تَتَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِكاحِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: صَعِدَ: جَبَلٌ في النارِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "صُعُدًا" بِضَمِّ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بِضَمِّ الصادِ وفَتْحِ العَيْنِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: لا راحَةَ فِيهِ.
ومَن فَتَحَ الألِفَ مِن "وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ" جَعَلَها عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ ﴾ ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، و"المَساجِدَ" قِيلَ: أرادَ بِها البُيُوتَ الَّتِي هي لِلْعِبادَةِ والصَلاةِ في كُلِّ مِلَّةٍ، وقالَ الحَسَنُ: أرادَ كُلَّ مَوْضِعِ سَجَدَ فِيهِ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أو لَمْ يَكُنْ؛ إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَغَلُّبِ قُرَيْشٍ عَلى الكَعْبَةِ حِينَئِذٍ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ : المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى فاعْبُدْهُ حَيْثُ كانَ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: المَساجِدُ: الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ -بِفَتْحِ الجِيمِ-، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عنكَ؟
فَنَزَلَتِ الآيَةُ يُخاطِبُهم بِها عَلى مَعْنى: أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: مَعْنى الآيَةِ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا -أيْ لِهَذا السَبَبِ-، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ "لِإيلافِ قُرَيْشٍ...
فَلْيَعْبُدُوا"، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ والمَساجِدُ المَخْصُوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُّنِ في كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى فَيَصِحُّ أنَّ تُفْرَدَ لِلصَّلاةِ والدُعاءِ وقِراءَةِ العِلْمِ وكُلِّ ما هو خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى، وألّا يَتَحَدَّثَ فِيها في أُمُورِ الدُنْيا، ولا يَتَّجِرُ، وتُتَّخَذُ طُرُقًا، ولا يُجْعَلُ فِيها لِغَيْرِ اللهِ نَصِيبٌ، ولَقَدْ قَعَدْتُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالمِرْيَةِ ثُمَّ رَأيْتُ فِيهِ مِن سُوءِ خُلُقِ المُتَخاصِمِينَ وصِياحِهِمْ وأيْمانِهِمْ وفُجُورِ الخِصامِ وغائِلَتِهِ ودُخُولِ النِسْوانِ ما رَأيْتُ تَنْزِيهَ البَيْتِ عنهُ فَقَطَعَتِ القُعُودُ لِلْأحْكامِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللهِ تَعالى ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الجِنِّ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ -عَلى ما تَقَدَّمَ-: "وَأنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، و"العَبْدُ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، قالَ قَوْمٌ: هو نُوحٌ والضَمِيرُ في "كادُوا" لِلْجِنِّ، والمَعْنى أنَّهم كادُوا يَتَقَصَّفُونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، وقَرَأ آخَرُونَ: "وَإنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، و"العَبْدُ" مُحَمَّدٌ ، والضَمِيرُ في "كادُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنِّ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِكُفّارِ قَوْمِهِ ولِلْعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ، ولا يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "العَبْدُ" نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ إلّا عَلى تَحامُلٍ في تَأْوِيلِ نَسَّقَ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ إنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، و"العَبْد" مُحَمَّد ، والضَمِيرُ في "كادُوا" لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يُطَوِّعُونَ لَهُ وَيَقْتَدُونَ بِهِ في الصَلاةِ، فَهم عَلَيْهِ لِبَدُ، واللُبَدُ الجَماعاتُ، شُبِّهَتْ بِالشَيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ بْنِ مَنافِ بْنِ رُبْعٍ: صابُوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ....
حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِيًا لَبَدا يُرِيدُ الجَرادَ، سَمّاهُ جانِيًا لِأنَّهُ يَجْنِي كُلَّ الأشْياءِ بِأكْمَلِهِ، [وَيُرْوى جابِيًا بِالباءِ لِأنَّهُ يَجْبِي الأشْياءَ بِأكْلِهِ].
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لَبَدا" بِكَسْرِ اللامِ، جَمْعُ لُبْدَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَبَدا" بِضَمِّ اللامِ وتَخْفِيفِ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وهو جَمْعٌ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ الجَحْدَرِيِّ "لُبُدًا" بِضَمِّ اللامِ والباءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِبَّدا" بِكَسْرِ اللامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُما-: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وشَدِّ الباءِ، وهو جَمْعُ "لابُدَ"، فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَبِتَقَصُّفِهِمْ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَحّاكِ، وإنْ قَدَّرْناهُ لِلْكَفّارِ فَبِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ وإقْبالِهِمْ عَلى أمْرِهِ بِالتَكْذِيبِ والرَدِّ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
و"يَدْعُوهُ" مَعْناهُ: يَعْبُدُهُ.
وقَرَأ عَلِيُّ بِنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قالَ إنَّما أدْعُوا رَبِّي"، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ السَبْعَةِ، هو جَمْعٌ لا بُدَّ فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَتَقْصِفُهم عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأدْعُوا مَعْناهُ أعْبُدُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيِّدُ أنَّ "العَبْدَ" هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأيُّوبُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "قالَ إنَّما أدْعُوا"، وهَذِهِ تُؤَيِّدُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ باقِيًا مِن كِلَيْهِما، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الياءِ مِن "رَبِّي" وفي سُكُونِها.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى مُحَمَّدًا بِالتَبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأحَدٍ ضَرًّا ولا رَشَدًا، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الأعْرَجُ "رُشُدا" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رُشْدًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ سِواهُ.
و"المُلْتَحَدُ": المَلْجَأُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ ويَرْكَنُ، ومِنهُ الإلْحادُ والمَيْلُ، ومِنهُ اللَحْدُ الَّذِي يُمالُ بِهِ إلى أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا استئناف ابتدائي.
وهو انتقال من ذكر ما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى توجيه خطاب مستأنف إليه، فبعد أن حكي في هذه السورة ما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مما خفي عليه من الشؤون المتعلقة به من اتِّباع متابعين وإعراض معرضين، انتقل إلى تلقينه ما يُرد على الذين أظهروا له العناد والتورك.
ويجوز أن يكون ﴿ قل إني لا أملك ﴾ الخ، تكريراً لجملة ﴿ قل إنما أدعو ربي ﴾ [الجن: 20] على قراءة حمزة وعاصم وأبي جعفر.
والضر: إشارة إلى ما يتوركون به من طلب إنجاز ما يتوعدهم به من النصر عليهم.
وقوله: ﴿ ولا رشداً ﴾ تتميم.
وفي الكلام احتباك لأن الضر يقابله النفع، والرشد يقابله الضلال، فالتقدير: لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ولا ضلالاً ولا رشداً.
والرَّشَد بفتحتين: مصدر رشد، والرُّشْد، بضم فسكون: الاسم، وهو معرفة الصواب، وقد تقدم قريباً في قوله: ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ [الجن: 2].
وتركيب ﴿ لا أملك لكم ﴾ معناه لا أقدر قدرة لأجلكم على ضرّ ولا نفع، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ في سورة الممتحنة (4) وتقدم أيضاً في سورة الأعراف.
وجملتا قل إني لن يجيرني } إلى ﴿ ملتحداً ﴾ معترضتان بين المستثنى منه والمستثنى، وهو اعتراضُ ردَ لما يحاولونه منه أن يترك ما يؤذيهم فلا يذكر القرآنُ إبطال معتقدهم وتحقير أصنامهم، قال تعالى: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتتِ بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلاّ ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ [يونس: 15].
والملتحد: اسم مكان الالتحاد، والالتحاد: المبالغة في اللحد، وهو العدول إلى مكان غير الذي هو فيه، والأكثر أن يطلق ذلك على اللجأ، أي العياذ بمكان يعصمه.
والمعنى: لَن أجد مكاناً يعصمني.
و ﴿ من دونه ﴾ حال من ﴿ ملتحداً ﴾ ، أي ملتحداً كائناً من دون الله أي بعيداً عن الله غير داخل من ملكوته، فإن الملتحد مكان فلما وصف بأنه من دون الله كان المعنى أنه مكان من غير الأمكنة التي في ملك الله، وذلك متعذر، ولهذا جاء لنفي وجدانه حرف ﴿ لن ﴾ الدال على تأييد النفي.
و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِن دونه ﴾ مزيدة جارة للظرف وهو (دون).
وقوله: ﴿ إلاّ بلاغاً من الله ورسالاته ﴾ استثناء منقطع من ﴿ ضرَّاً ﴾ و ﴿ رشداً ﴾ ، وليس متصلاً لأن الضر والرشد المنفيين في قوله: ﴿ لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴾ هما الضر والرشد الواقعان في النفس بالإلجاء.
ويجوز أن يكون مع ذلك استثناء من ﴿ ملتحداً ﴾ ، أي بتأويل ﴿ ملتحداً ﴾ بمعنى مخلص أو مأمن.
وهذا الاستثناء من أسلوب تأكيد الشيء بما يشبه ضده.
والبلاغ: اسم مصدر بلغ، أي أوصل الحديث أو الكلام، ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول مثل ﴿ هذا خلق الله ﴾ [لقمان: 11].
و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية صفة (بلاغ)، أي بلاغاً كائناً من جانب الله، أي إلاّ كلاماً أبلغه من القرآن الموحى من الله.
و ﴿ رسالاته ﴾ : جمع رسالة، وهي ما يرسل من كلام أو كتاب فالرسالات بلاغ خاص بألفاظ مخصوصة، فالمراد منها هنا تبليغ القرآن.
لما كان قوله: ﴿ قال إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً ﴾ [الجن: 20] إلى هنا كلاماً متضمناً أنهم أشركوا وعاندوا الرسول صلى الله عليه وسلم حينَ دعاهم إلى التوحيد واقترحوا عليه ما توهموه تعجيزاً له من ضروب الاقتراح، أعقب ذلك بتهديدهم ووعيدهم بأنهم إن داموا على عصيان الله ورسوله سيلقون نار جهنم لأن كل من يعصي الله ورسوله كانت له نار جهنم.
و ﴿ مَن ﴾ شرطية وجواب الشرط قوله: <div class="verse-tafsir"
﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي الصَّلَواتِ لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: أنَّها الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها لِلَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّالِثُ: أنَّها المَساجِدُ الَّتِي هي بُيُوتُ اللَّهِ لِلصَّلَواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ مَوْضِعٍ صَلّى فِيهِ الإنْسانُ، فَإنَّهُ لِأجْلِ السُّجُودِ فِيهِ يُسَمّى مَسْجِدًا.
﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ أيْ فَلا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، وفي سَبَبِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ الأعْمَشُ أنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنا نَشْهَدْ مَعَكَ الصَّلاةَ في مَسْجِدِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّانِي: ما حَكاهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أنَّ الحُمْسَ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وهم كِنانَةُ وعامِرٌ وقُرَيْشٌ كانُوا يُلَبُّونَ حَوْلَ البَيْتِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ نَهْيًا أنْ يَجْعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ كانَ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُمْنى وقالَ: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ اللَّهُمَّ أنا عَبْدُكَ وزائِرُكَ، وعَلى كُلِّ مَزُورٍ حَقٌّ وأنْتَ خَيْرُ مَزُورٍ فَأسْألُكَ بِرَحْمَتِكَ أنْ تَفُكَّ رَقَبَتِي مِنَ النّارِ وإذا خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرى وقالَ: اللَّهُمَّ صُبَّ الخَيْرَ صَبًّا ولا تَنْزِعْ عَنِّي صالِحَ ما أعْطَيْتَنِي أبَدًا ولا تَجْعَلْ مَعِيشَتِي كَدًّا واجْعَلْ لِيَ في الخَيْرِ جِدًّا» ( .
﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قامَ إلى الصَّلاةِ يَدْعُو رَبَّهُ فِيها، وقامَ أصْحابُهُ خَلْفَهُ مُؤْتَمِّينَ، فَعَجِبَتِ الجِنُّ مِن طَواعِيَةِ أصْحابِهِ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ قامَ إلى اليَهُودِ داعِيًا لَهم إلى اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أعْوانًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: جَماعاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ، ومِنهُ اللَّبَدُ لِاجْتِماعِ الصُّوفِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقالَ ذُو الرُّمَّةِ ومَنهَلٍ آجِنٍ قَفْرٍ مَوارِدُهُ خُضْرٍ كَواكِبُهُ مِن عَرْمَصٍ لَبِدِ.
وَفِي كَوْنِهِمْ عَلَيْهِ لِبَدًا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الجِنُّ حِينَ اسْتَمَعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ قِراءَتَهُ، قالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ الجِنُّ والإنْسُ في تَعاوُنِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في الشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ يَعْنِي ضَرًّا لِمَن آمَنَ ولا رَشَدًا لِمَن كَفَرَ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَذابًا ولا نَعِيمًا.
الثّانِي: مَوْتًا ولا حَياةً.
الثّالِثُ: ضَلالًا ولا هُدًى.
﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ رَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْطَلَقْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْلَةَ الجِنِّ حَتّى أتى الحَجُونَ فَخَطَّ خَطًّا ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَقالَ سَيِّدٌ لَهم يُقالُ لَهُ ورْدانُ: أنا أزْجُلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ)» ويَحْتَمِلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنْ يُجِيرَنِي مَعَ إجارَةِ اللَّهِ لِي أحَدٌ.
الثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أحَدٌ.
﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَلْجَأً ولا حِرْزًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ولِيًّا ولا مَوْلًى، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ.
الثّالِثُ: مَذْهَبًا ولا مَسْلَكًا، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يا لَهَفَ نَفْسِي ولَهْفِي غَيْرَ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ.
﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا أمْلِكُ ضَرًّا ولا رَشَدًا إلّا أنْ أُبْلِغَكم رِسالاتِ اللَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ إنْ لَمْ أُبْلِغْ رِسالاتِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
رَوى مَكْحُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ الجِنَّ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وكانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، وفَرَغُوا مِن بَيْعَتِهِ عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط لي خطاً وقال: لا تحدثن شيئاً حتى آتيك» ، ثم قال: «لا يهولنك شيء تراه» .
فتقدم شيئاً ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزطّ، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿ كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قدم عبد الله كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلوا القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه ﴿ قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الزبير بن العوام مثله.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما أتى الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه له، فقالوا لقومهم: ﴿ لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾ أي يدعو إليه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم تلبدت الإِنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾ قال: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: أعواناً.
وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر عن أبي عاصم أنه قرأ ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ بكسر اللام ونصب الباء وفي ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ ﴿ مالاً لبداً ﴾ [ البلد: 6] برفع اللام ونصب الباء، وفسرها أبو بكر فقال: ﴿ لبداً ﴾ كثيراً و ﴿ لبداً ﴾ بعضها على بعض.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ قل إنما أدعو ربي ﴾ بغير ألف.
وأخرج ابن جرير عن حضرمي.
قال: ذكر لنا أن جنياً من الجن من أشرافهم ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن نجيره وأنا أجيره فأنزل الله: ﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط علي خطاً ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيدهم، يقال له وردان: الا أرجلهم عنك يا رسول الله؟
قال: ﴿ إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ ولن أجد من دونه ملتحداً ﴾ قال: ملجأ.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ولن أجد من دونه ملتحداً ﴾ قال: ملجأ ولا نصيراً إلا بلاغاً من الله ورسالاته.
قال: هذا الذي يملك بلاغاً من الله ورسالاته، وفي قوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: فإنه إذا ارتضى الرسول اصطفاه، وأطلعه على ما شاء من غيبه وانتخبه.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: أعلم الله الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه فيما أوحي إليهم من غيبه وما يحكم الله فإنه لا يعلم ذلك غيره.
وأخرج ابن حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: هي معقبات من الملائكة يحفظونه من الشيطان حتى يبين الذي أرسل إليهم به، وذلك حين يقول أهل الشرك قد أبلغوا رسالات ربهم.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: جبريل.
وأخرج ابن مردويه عن عباس قال: ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الأملاك يحفظونها حتى يؤدوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ يعني الملائكة الأربعة ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقى الشيطان في أمنيته يدنون منه فلما ألقى الشيطان في أمنيته أمرهم أن يتنحوا عنه قليلاً ليعلم أن الوحي إذا نزل من عند الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل ليعلم محمد ﴿ أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ قال: وما جاء جبريل إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: الملائكة يحفظونه من الجن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه نفراً من الملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبه الشيطان على صورة الملك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: يظهره من الغيب على ما شاء إذا ارتضاه وفي قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: من الملائكة وفي قوله: ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله وأن الله حفظها ودفع عنها.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ليعلم ﴾ قال: ليعلم ذلك من كذب الرسل ﴿ أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ .
(قوله تعالى) (١) ﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد: إن عصيته لم يمنعني منه أحد (٢) (٣) (قال مقاتل (٤) (٥) (٦) وقوله: ﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ قال ابن عباس: يريد أحد ألجأ إليه (٧) (٨) وقال الكلبي: الملتحد: المدخل في الأرض مثل السرب (٩) (١٠) قال أبو إسحاق: اشتقاق الملتحد من اللحد، والملتحد من جنس (الأرض) (١١) (١٢) (١٣) وقال ابن قتيبة: أي معدلاً ومميلاً (١٤) وقال المبرد: ملتحداً: مثل قولك: منعرجاً، والتحد معناه في اللغة: مال (١٥) (١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(٤) ورد بمثله من غير عزو في "الوسيط" 4/ 368.
(٥) ساقط من: (أ).
(٦) "تفسير مقاتل" 212/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 164.
(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٨) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 323، و"جامع البيان" 29/ 120 بمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 121، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 461 بنحوه.
(٩) السَّرَب -بفتحتين-: بيت في الأرض لا منفذ له، وهو الوكر.
انظر: مادة: (سرب) في: مختار "الصحاح" 193، و"المصباح المنير" 1/ 322.
(١٠) "الكشف والبيان" 12/ 197/ أ، وعبارة: (الذاهب في الأرض) لعلها من تفسير الواحدي لمعنى السرب، و"معالم التنزيل" 4/ 405، و"التفسير الكبير" 30/ 164، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 24، و"فتح القدير" 5/ 310.
(١١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 237 بتصرف.
(١٣) "معاني القرآن" 3/ 195 مختصرًا.
(١٤) "تفسير غريب القرآن" 492، وقد ورد عنه: (موئلاً) بدلاً من: (حميلاً).
(١٥) جاء بهذا المعنى عن المبرد في حاشية كتابه: "الكامل" 3/ 1224 رقم: 6 نقلاً عن نسخة: أ، والعبارة عنه: ابن شاذان: ألحَدَ الرجل إلْحادًا: إذا مال، فهو مُلْحِدٌ: إذا مال عن القصد.
وانظر قوله أيضًا في "التفسير الكبير" 30/ 164.
ومعنى "ملتحدًا" لغة: الملجأ؛ لأن اللاجئ يميل إليه.
انظر: مادة (لحد) في "الصحاح" 2/ 535، و"القاموس المحيط" 1/ 335.
وقال ابن عاشور: الملتحد: اسم مكان الالتحاد، والالتحاد: المبالغة في اللحد، وهو العدول إلى مكان غير الذي هو فيه، والأكثر أن يطلق ذلك اللجأ، أي العياذ بمكان يعصمه.
"تفسير التحرير والتنوير" 29/ 244.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُلْتَحَداً ﴾ أي ملجأ ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً ﴾ بدل من ملتحداً أي لا أحد ملجأ إلا بلاغ الرسالة، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعاً ﴿ مِّنَ الله ﴾ قال الزمخشري: هذا الجار والمجرور ليس بصلة البلاغ إنما هو بمعنى بلاغاً كائناً من الله، ويحتمل عندي أن يكون متعلقاً ببلاغاً والمعنى بلاغ من الله ﴿ وَرِسَالاَتِهِ ﴾ قال الزمخشري: إنه معطوف على بلاغاً كأنه قال: إلا التبليغ والرسالة، ويحتمل أن يكون ورسالاته معطوفاً على اسم الله.
﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ جمع خالدين على معنى من يعص لأنه في معنى الجمع، والآية في الكفار، وحملها المعتزلة على عصاة المؤمنين لأن مذهبهم خلودهم في النار.
والدليل على أنها في الكفار وجهان: أحدهما أنها مكية والسورة المكية إنما الكلام فيها مع الكفار.
والآخر دلالة ما قبلها وما بعدها على أن المراد بها الكفار ﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ تعلقت حتى بقوله يكونون عليه لبدا وجعلت غاية لذلك.
والمعنى: أنهم يكفرون ويتظاهرون عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون، قال ذلك الزمخشري، وقال أيضاً: يجوز أن يتعلق بمحذوف يدل على المعنى، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه من الكفر حتى إذا رأوا ما يوعدون، وهذا أظهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات {وأنه } إلى قوله ﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ بالفتح: يزيد وابن عامر وحمزة وعلي وخلف وحفص.
والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع ﴿ أنه ﴾ ﴿ وأنه ﴾ في خمسة مواضع، واثنين في قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ وهما بالفتح لا غير بالإتفاق.
﴿ تقول الإنس ﴾ بالتشديد من التفعل: يعقوب ﴿ يسلكه ﴾ على الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب الباقون: بالنون ﴿ وإنه لما قام ﴾ بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ لبداً ﴾ بالضم: هشام.
﴿ قل إنما أدعو ﴾ على الأمر: عاصم وحمزة ويزيد الآخرون ﴿ قال ﴾ على صيغة الماضي والضمير لعبد الله ﴿ ربي أمداً ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ليعلم ﴾ مبنياً للمفعول: يعقوب.
الوقوف: ﴿ عجباً ﴾ ه لا ﴿ فآمنا به ﴾ ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما.
ثم الوقف على الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ولا ولداً ﴾ ه ﴿ شططاً ﴾ ه لا ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ وشهباً ﴾ ه ﴿ للسمع ﴾ ط ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ قدداً ﴾ ه ﴿ هرباً ﴾ ه ﴿ آمنا به ﴾ ط ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ ومنا القاسطون ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ حطباً ﴾ ه لا ﴿ غدقاً ﴾ ه لا ﴿ فيه ﴾ ج ﴿ صعداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وأنه ﴾ بالفتح ﴿ لبداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ ورسالاته ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ه لا لأن حتى للابتداء بما بعدها ﴿ عدداً ﴾ ه لا ﴿ أمداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لا ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ عدداً ﴾ ه.
التفسير: روى يونس وهارون عن أبي عمرو ﴿ وحي ﴾ بضم الواو من غير ألف.
والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مراراً.
وقرىء ﴿ أحي ﴾ بقلب الواو همزة.
والكلام في الجنِّ اسماً وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة " حم الأحقاف ".
والذي أزيده ههنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن أرواحاً مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيوني في القلب، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت بالضد.
أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ليست شرطاً في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كان أجزاؤهم صغاراً أو كباراً.
ثم الأمر بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم.
والله أوحى في هذه السورة.
ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة.
ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضراً والشرائط حاصلة والموانع مرتفعة، ثم أنا لا نراه.
وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس أنه ما رأة الجن.
وعن ابن مسعود أنه رآهم.
فالجمع بين القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولاً فأوحى الله إليه في هذه السورة أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية ﴿ أنا سمعنا قرآناً عجباً ﴾ إلى آخره كقوله في " الأحقاف " ﴿ فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ أوحى الله إلى نبيه محمد ما جري بينهم وبين قومهم.
والفائدة فيه أن يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان.
وأجمع القراء على فتح ﴿ أنه استمع ﴾ لأنه فاعل ﴿ أوحي ﴾ وكذا على فتح ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على ﴿ أنه استمع ﴾ وأجمعوا على كسر ﴿ إنا ﴾ في قوله ﴿ إنا سمعنا ﴾ لأنه وقع بعد القول.
وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل ﴿ أوحى ﴾ ولا بد من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه جد ربنا إلى آخره إلا في قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ فإنه كاللذين تقدماه يصح وقوعه فاعل ﴿ أوحي ﴾ من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في قوله {وأنه جد ربنا} ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ وكذلك البواقي أن يكون معنا صدقنا.
قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به.
وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله.قوله ﴿ عجباً ﴾ مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآناً عجباً بديعاً خارجاً عن حد أشكاله بحسن مبانيه وصحة معانية ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ أي الصواب أو التوحيد والإيمان ﴿ فآمنا به ﴾ لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز أن يكون الضمير لله لأن قوله ﴿ ولن نشرك بربنا ﴾ يدل عليه بعد دلالة الحال ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك.
ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوساً ومشركين.
قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله {وأنه جد ربنا} أي عظمته مكن قولهم " جد فلان في عيني " أي عظم.
وفي حديث عمر كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا.
ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء المجودون.
وفي الحديث " "لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ " قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه.
وفي حديث آخر " قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون " يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم.
فقوله ﴿ ما اتخذ ﴾ بيان للأول.
وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير.
النوع الثالث مما ذكره الجن قوله ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً ﴾ السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولاً هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة.
والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد.
الرابع ﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً ﴾ أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون.
وقال جار الله ﴿ كذباً ﴾ صفة أي قولاً مكذوباً فيه، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول.
ومن قرأ بالتشديد وضع ﴿ كذباً ﴾ موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذباً.
قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر.
الخامس ﴿ وأنه كان رجال من الإنس ﴾ الآية.
قال جمهور المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.
وقال آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا.
وقيل: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً لكن من شر الجن كأن يقول مثلاً: أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادي.
وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظناً منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وضعف بأنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً.
أما قوله ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ فمعناه أن الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثماً وجراءة وطغياناً وكبراً لأنهم إذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس.
وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفاً وغشيان شر بإغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استولوا واجترؤا عليهم.
السادس ﴿ وأنهم ﴾ أي الإنس ﴿ ظنوا كما ظننتم ﴾ أيها الجن قاله بعضهم لبعض.
وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير الحكاية.
والضمير في ﴿ وأنهم ﴾ للجن، والخطاب في ﴿ ظننتم ﴾ لأهل مكة.
والأولى أن يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين.
السابع ﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها.
والحرس إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد.
الثامن ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ شهاباً رصداً ﴾ وجوه: قال مقاتل: يعني رمياً بالشهب ورصداً من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس.
فقوله ﴿ رصداً ﴾ كالخبر بعد الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهاباً قد رصد ليرجم به.
وقيل: بمعنى فاعل أي شهاباً راصداً لأجله.
واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا وقد جاء ذكرها في الجاهلية وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة.
وفي قوله ﴿ كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إشارة إلى أن الجنّ كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد كلها.
التاسع ﴿ وأنا لا ندري ﴾ الآية.
وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود من منع الإستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح.
وثانيهما لا نعلم أن المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الإستراق لأجله هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق.
العاشر ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ أي قوم أدون حالاً في الصلاح من المذكورين حذف الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله ﴿ وما منا الإله مقام معلوم ﴾ وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين.
وقوله ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ بيان للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أوعلى حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة.
الحادي عشر ﴿ وأنا ظننا ﴾ أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ إن أراد بنا أمر ﴿ ولن نعجزه هرباً ﴾ أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء.
الثاني عشر ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ الآية.
عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به.
وقوله ﴿ فلا يخاف ﴾ في تقدير مبتدأ أو خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف.
وقوله ﴿ بخساً ولا رهقاً ﴾ على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالماً.
ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ترهقه ذلة.
الثالث عشر ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ أي الجائرون عن طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحاً وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب.
قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك أحرى وأحق وأقرب.
وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا.
وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مراراً أن المجاز أبلغ من الحقيقة.
قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ معطوف على ﴿ إنه استمع ﴾ كما مر ومعناه أوحى إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريق المثلى.
وجوز جمع من المفسرين أن يعود الضمير في ﴿ استقاموا ﴾ إلى الأنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين.
وزعم القاضي أن الثقلين.
يدخلون في الآية لأنه أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم العلة.
وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم.
وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم ﴾ وثانيهما لو استقام الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الإستماع ولو ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم في الحياة الفانية ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ﴾ إلى آخره.
وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه بعينهما.
وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الجنة.
واحتجاج الأشاعرة بقوله ﴿ لنفتنهم ﴾ على أنه هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن.
والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله ﴿ ليبلوكم ﴾ ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه.
وانتصب ﴿ عذاباً صعداً ﴾ على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ أو على تضمين معنى الإدخال.
الصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن ﴿ صعداً ﴾ جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسلفها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبداً ومن جملة الوحي قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ ذهب الخليل أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة ﴿ فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي مسجداً وهو مناسب لمدح النبي في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر.
وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضاً.
قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد وعن الحسن أيضاً أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدراً بمعنى السجود.
وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان.
وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها.
قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول " لا إله إلا الله " لأن قوله ﴿ لا تدعوا مع الله أحداً ﴾ في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه.
قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ هو النبي باتفاق المفسرين.
ثم قال الواحدي: هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة.
ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الإفتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات.
يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال " فعلت كذا ".
وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه.
فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ أيضاً من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن.
ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا اعتراض على هذا الاعتراض.
وفي قوله ﴿ كادوا ﴾ ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه.
والثاني بأن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه.
والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره.
و ﴿ لبداً ﴾ جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد.
والتركيب يدور على الإجتماع ومنه اللبد.
ومن قرأ ﴿ قل إنما أدعو ﴾ فظاهر وهو أمر من الله لنبيه بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله .
ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح.
والرشد بمعنى النفع، والضر بمعن الغي، وكل منها إمارة على ضده.
ثم من ههنا إلى قوله ﴿ إلا بلاغاً ﴾ اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذاً ينحرف إليه.
والمقصود أني لا أملك شيئاً إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى بـ " عن " قال " بلغوا عني ولو آية " قال الزجاج: انتصب ﴿ بلاغاً ﴾ على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.
قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعاً.
وقيل: أن لا أبلغ بلاغاً لم أجد ملتحداً كقولك " أن لا قياماً فقعوداً ".
استدل جمهور المعتزلة بقوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ الآية.
على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله ﴿ أبداً ﴾ وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟
أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ ﴿ أبداً ﴾ فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبيلغ أعظم الذنوب.
وقد يجاب أيضاً بأن قوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي.
فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصاً بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص اله بالكفر.
وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع.
قال جار الله: ﴿ حتى إذا ﴾ متعلق بقوله ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقيناً أن الكافر أضعف الفريقين.
وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا.
ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب ﴿ ومن رسول ﴾ بيان ﴿ لمن ارتضى ﴾ وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علوم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس.
وههنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ فإنه يسلكه ﴾ الأكثرون على أن الضمير لله .
وسلك بمعنى أسلك.
﴿ رصداً ﴾ مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى ووزائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك.
وفي الكلام إضمار التقدير.
إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك.
وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة ﴿ ورصداً ﴾ حال.
قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال ﴿ ليعلم ﴾ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مراراً.
قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير.
وقوله ﴿ من بين يديه ﴾ مع قوله ﴿ أن قد أبلغوا ﴾ كقوله ﴿ فإن له نار جهنم خالدين ﴾ من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى.
ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به.
ثم عمم العلم فقال ﴿ وأحصى كل شيء ﴾ من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار.
و ﴿ عدداً ﴾ مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدوداً محصوراً أو تمييز والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾ ، فيه إخبار عن دينه: أن دينه التوحيد، لا الإشراك بالله ، وإخبار عما يدعو الخلق إليه، وذلك توحيد الله والقيام بطاعته.
وجائز أن يكون هذا على أثر سؤال منهم، ودعوتهم إلى عبادة الأصنام؛ على ما ذكر في الأخبار أنهم قالوا: إنا نعبد إلهك يوما، وتعبد آلهتنا يوما، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [غافر: 41-42].
وجائز أن يكون كلاما مبتدأ يؤيسهم، ويقنطهم، ويقطع طمعهم عن عوده إلى ما هم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً ﴾ : أي: ضرّاً في الدين، ورشدا في الدين، والأصل في الأسماء المشتركة أن ينظر إلى مقابلها، فيظهر مرادها بما يقابلها؛ قال الله : ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ ﴾ ، والقاسط: الجائر، وقد يكون غير الكافر جائرا، ثم صرف الجور إلى الكفر؛ فظهر مراده بمقابله، وهو قوله ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ ﴾ .
والضر قد يكون في الدين والمال والنفس، ولكنه لما ذكر قوله: ﴿ رَشَداً ﴾ ، والرشد يتكلم به في الدين، علم أن قوله: ﴿ ضَرّاً ﴾ راجع إليه أيضا، فكأنه يقول: لا أملك إضلالكم، ولا رشدكم؛ إنما ذلك إلى الله ، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء.
والمعتزلة [تزعم أن] الله لا يملك رشد أحد ولا غيه، بل رسول الله أكثر ملكا منه؛ لأنه يملك أن يدعو الخلق إلى الهدى بنفسه، والله لا يملك ذلك إلا برسوله.
وقال - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، ولو كان المراد من الهداية المضافة إلى الله الدعوة والبيان، لكان رسول الله يهديهم؛ لأنه داع ومبين؛ فثبت أن في الهداية من الله لطفا لا يبلغه تدبير البشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ .
فكأنهم طلبوا منه ترك تبليغ الرسالة إلى قوم، أو كتمان شيء ما أمر بإظهاره، أو محاباة أحد من الأجلة، فأمر أن يخبرهم أنه لا يجيره أحد من الله ، ولا يجد لنفسه ملجأ إن فعل ذلك، سوى أن [يبلغ رسالات ربه]؛ فيجيره من عذابه؛ ويكون له عنده ملجأ؛ إن فعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾ : فمنهم من جعل قوله: ﴿ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ﴾ استثناء من قوله: قل إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشدا إلا بلاغا من الله أي: إني لا أملك لكم هدايتكم ولا إضلالكم إلا ما كلفت لأجلكم من تبليغ الرسالة.
ومنهم من جعل هذا استثناء من قوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ ﴾ إن عدلت عن أمره، ولم أبلغ الرسالة؛ لا يجيرني من عذابه إلا أن أبلغ الرسالة؛ قال الله : ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
ولأنه [لا] يجوز أن تقع له الحاجة إلى الإجارة من عذاب الله ، ولم يوجد منه تقصير ولا تضييع يستوجب به العقاب؛ فلا بد من أن يُمْكِن فيه ما ذكرنا من التقصير في التبليغ والعدول عما كلف؛ حتى يستقيم ذكر الإجارة [فيه].
وذكر أبو معاذ - صاحب التفسير -: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَدا ﴾ ، ليس إلى قوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ ﴾ ، واستدل على ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود - - أنه كان يقرأ: ﴿ قل إني لا أملك لكم غيّاً ولا رشدا إلا بلاغا من الله ﴾ ، وليس فيما ذكرنا قطع الاستثناء على قوله: قل إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشدا إلا بلاغا من الله؛ للوجه الذي ذكرنا.
ولأن أكثر أهل التأويل أجمعوا على صرف الاستثناء إلى قوله: ﴿ قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ ﴾ ؛ فلا يجوز أن يحمل قولهم على الخطأ بما ذكره أبو معاذ، وما ذهبوا إليه وجه الصحة والسداد.
وجائز أن يكون البلاغ والرسالة واحداً؛ فيكون قوله الذي يبلغ بلاغا من الله ورسالاته، ويكون ذلك على التكرار؛ وهو كقوله ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ قيل: إنهما واحد.
وجائز أن تكون الرسالة نفس ما أنزل، وهو الكتاب، والبلاغ ما أودع فيه من الحكمة والمعاني؛ وكذلك قيل في قوله : ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : إن الكتاب هو المنزل نفسه، والحكمة: ما تضمن فيه من المعاني.
وجائز أن يكون البلاغ من الله منصرفا إلى حكمه، ورسالاته إلى غيره.
أو تكون رسالاته حكمه، والبلاغ خبره؛ وهو كقوله : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ : [صدقا] [أخباره، وعدلا] أحكامه، أو بلاغا من الله حق الله عليهم ورسالاته بما به مصالحهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ قالوا: لا ملجأ وممالاً، أي: موضعا يمال إليه، والالتحاد والإمالة، سمي اللحد: لحدا من هذا؛ لأنه يمال عن سننه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ ، وقال في موضع آخر ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً ﴾ ، وكل من ارتكب المآثم، فقد دخل في [حد العصيان] وإيذاء الرسول، ولكن المراد هاهنا من يعتقد عصيان الرسول وأذاه؛ لأن الله أضاف الأذى والعصيان إلى نفسه، ولا أحد يقصد قصد أذى الله ، والله - عز وجل - لا يؤذى، ولكن أضاف أذى الرسول وعصيانه إلى نفسه، وقد كانوا يعتقدون عصيانه وأذاه؛ فجعل عصيانهم وأذاهم لرسوله أذى منهم لله وعصيانا له؛ فثبت أن هذا في الاعتقاد، وقال - عز وجل -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ ، وقال: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، فجعل طاعة الرسول طاعة له، وعصيان رسوله عصيانا له.
ولأنه ذكر العصيان على أثر تبليغ الرسالة؛ فثبت أن العصيان هاهنا في ترك القبول لما أنزل على الرسول، وفي اعتقاد العصيان له.
وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: من آمن بالله ، ولم يؤمن برسوله، فهو ليس بمؤمن؛ لأن جهله بالله هو الذي حمله على تكذيب الرسول؛ لأن الرسول ليس يدعوه إلا إلى ما يقربه إلى الله ، وإلى ما ينجيه من عذابه؛ فلو كان يحب الله ، ويؤمن به، لكان يدعوه ذلك إلى حب الرسول، وإلى طاعته؛ فثبت أن المكذب للرسول جاهل بربه، والمطيع له مطيع لله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ .
ويحتمل أن يكون هذا في الدنيا والآخرة جميعا، ويكون ذلك راجعا إلى يوم بدر، كما ذكره أهل التأويل؛ إذ قد ظهر في ذلك اليوم أنهم شر مكانا، وأضعف جندا، وأضعف ناصرا.
ويشبه أن يكون هذا في الآخرة؛ فإنهم يعلمون أنهم أقل عددا في الآخرة؛ لأن كل واحد منهم يتبرأ عن صاحبه وناصره ومعينه في الدنيا، ويصير عدوّاً له؛ فيقل عددهم، وأما في يوم بدر، فقد كانوا أكثر عددا من المسلمين؛ فلم يتبين لهم أنهم أقل في العدد.
ويجوز أن يوم بدر يكون المسلمون أكثر عددا؛ لأن الله أمد المسلمين بملائكته؛ فصار عددهم أكثر في التحقيق، وإن كانت الكفرة في رأي العين أكثر منهم عددا.
ثم يشبه أن تكون هذه الآية نزلت على أثر تخويف الكفرة رسول الله بكثرة عددهم وقوتهم في أنفسهم، وقلة عدد المسلمين، فوعد الله نبيه بالنصر وكثرة العدد عند وقوع الحاجة إليها، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً ﴾ : فهذا ذكره عند ذكر الوعيد، وهو قوله: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ ، فكأنهم سألوه: متى وقت هذا الوعيد؟
فأمر أن يقول: ﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم من الآيات: أن ليس في بيان وقت الوعيد فضل يقع في الوعيد؛ بل إذا لم يبين وقت الوعيد، كان فيه فضل تخويف وتحذير لا يوجد فيما يبين؛ لأنه إذا بين، فإن كان فيه أمد سَوَّفَ الناس وأخروا التوبة؛ لما أمنوا حلول النقمة بهم إلى مجيء ذلك اليوم، وإذا لم يمهلوا صاروا إلى الإياس؛ فيرتفع الخوف والرجاء، وفيه ارتفاع المحنة؛ لأن المحنة في الأصل بالعمل على الرجاء والخوف.
ولأنه إذا لم يبين، كانوا على الحذر والخوف؛ فيحملهم ذلك على التسارع في الخيرات والإقلاع عن المساوئ؛ فأمر أن يقول هذا، وإلا فالذي أمره بأن يقول هذا عالم بالوقت الذي يقع فيه الوعيد.
وقوله عز وجل: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ﴾ الأصل فيما غيب الله عن الخلق أنه على منازل ثلاثة: أحدها: ما قد أعجز الخلق عن احتمال الوقوف عليه بالخلقة، نحو الكيانات التي هي أصول الأشياء، لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي به صلح أن يكون كيانا، لم يقف عليه، ونحو الماء جعل حياة لكل شيء، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي به صلح أن يجعل حياة، لم يقف عليه، وكذلك هذا في كل ما جعل كيانا موجودا.
والثاني: ما أمكن الخلق معرفته وبلوغه إليه بالتأمل والنظر، بدون معرفة السمع والأثر، نحو معرفة الصانع ومعرفة وحدانيته.
والثالث: هو الذي لم يعجزهم عن إدراكه، ولا مكنهم من الوقوف عليه دون خبر يرد، بقوله: ﴿ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ﴾ في هذا، وهو الذي مكنوا منه، لكنهم لا يبلغونه إلا بمعونة الخبر، وذلك نحو الأشياء التي ترجع إلى مصالح الخلق والتي توصل إلى مصالح الأغذية فيما ظهر بين الخلق، ولكنها لا تعرف إلا بالسماع، ممن له علم من الخلق وانتشاره فيهم، وهو بحيث لا يحتمل إدراكه بالنظر؛ فبين أن ذلك بالرسول، ومتى وجد ذلك من شخص مشار إليه دل ذلك على الاختصاص له بالرسالة.
ثم ذكر بعضهم: أن في هذه الآية دلالة تكذيب المنجمة، وليس كذلك؛ لأن فيهم من يصدق خبره، ويعرف المطالع، والمغارب، والمشارق، والكواكب التي بها يتوالد الخلق، والتي يقع عندها التغير والتبدل، وذلك مما لا يقف على علمه بالتأمل والتدبر.
وكذلك المتطبعة: منهم من يعرف طبائع النبات أنها تصلح لكذا، وهذا يصلح لكذا، فيقع به المصالح للخلق، ومعلوم أن هذا من نوع ما لا يدرك بالتأمل والنظر؛ فعلم أنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ﴾ ، أي: اختاره واصطفاه، والأصل أن الرسالة تلزم الخلق الشهادة له بالصدق في كل خبر وبالعدل في كل حكم؛ لقوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، وبالإصابة في كل أمر فيما لم يبلغ مبلغا يوجب الأمر؛ فهو لا يختصه للرسالة، وفي الاختصاص نعمة عظيمة على الخلق؛ إذ به وصل الخلق إلى تعرف ما يبلغهم إليه الحاجة في أمر معاشهم ومعادهم [ودينهم ودنياهم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ .
قيل: رصدا من بين يدي الرسول، ومن خلفه من الملائكة؛ ليمنع الإنس عن الرسل في منعهم الرسل عن التبليغ؛ حتى يبلغوا، ذكر هذا عن الحسن البصري رحمه الله .
وكذلك قال في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ : إن إحاطته هي أن يعصمه من الناس من أن يصل إليه منع الناس إياه عن تبليغ الرسالة.
ويحتمل أن يكون الملائكة جعلوا رصدا عن الجن عن استراق ما يوحى إلى الرسول وعن تلقيه؛ حتى يكون الرسول هو الذي يبلغ إلى الخلق، ويشتهر ذلك فيما بين الخلق أن الرسول هو الذي قام بتبليغه إلى الخلق؛ لأنهم إذا لم يجعلوا رصداً؛ أمكن الجن أن يسترقوه ويبلغوه؛ فيأتوا بلدة لم ينتشر عندهم علم ذلك من جهة الرسول؛ فيعرفوا ذلك من عند الجن قبل أن يبلغهم الرسول، فإذا بلغ الرسول من بعد، التبس الأمر على الذين ظهر فيهم العلم من جهة الجن؛ فجعل عليهم رصدا؛ [حتى] ينتشر علم ذلك من جهة الرسول؛ فترتفع الشبه.
أو يكون الرصد لمنع الجن الذين سمعوا من رسول الله أن يبلغوا قومهم من الجن؛ حتى ينتهي الخبر إليهم من جهة الرسول .
وقال بعضهم: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ : إن الملائكة كانوا يرصدون النبي ، فإذا جاءه الملك، قالوا: هذا وحي من الله ، وإذا جاءه الشيطان أخبروه به.
ولكن هذا بعيد؛ لا يحتمل أن يخفى عليه وحي الشيطان من وحي جبريل .
وقال بعضهم: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ ، أي: من بين يدي من يبلغ الرسالة إلى الرسول، وهو الملك الذي ينزل بالوحي، جعل بين يديه ومن خلفه ملائكة يرصدونه؛ كي لا يستلب الشيطان عنه، ويحدِثُ فيه حدثا من التغيير والتبديل؛ ليعلم رسول الله أنه إنما يبلغ إليه رسالات ربه.
وهذا بعيد أيضاً؛ لأن للمبلغ [من القوة] ما يدفع أذى الجن عن نفسه، وهو أمين لا يخاف منه التغيير والتبديل حتى يجعل عليه الرصد؛ فيؤمن من تبديله؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ ، فوصفه الله بالقوة والأمانة جميعا.
لكنه جائز أن يكون المبلغ ممتحنا بالتبليغ، والذين معه من الرصد امتحنوا بأمور أخر، لا أن جعلوا رصدا من الجن.
وجائز أن يكونوا أرسلوا معه؛ لمكان تعظيم الوحي، وتشريف الرسالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ ﴾ : قال قائلون: ليعلم محمد بالرصد: أن قد بلغ سائر الرسل رسالات ربه على الوجه الذي أمروا كما بلغ هو.
والثاني: أن يعلم كل في نفسه: أن قد أبلغ رسالات ربه.
أو ليعلم الأعداء أن قد أبلغ محمد - - رسالات ربه على الوجه الذي أمر، لم يقع فيه تغيير من شيطان، ولا جني، ولا عدو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ .
أي: بما عند [الرسول، أو] بما عند الملائكة، أو بما عند الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ أي: أحاط العلم بالذي هو معدود، لا بالعد، وهو كقوله: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ ، أي: ما يوزن عند الخلق.
أو أحاط العلم بما لدى الكفرة لا بالرصد، وأن في نصب الرصد محنة وتكليفا على الرصد، لا أن يقع بهم الحفظ، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ، فبين أن النصر من عنده، وأن الملائكة إنما أرسلت؛ لتطمئن بها قلوب المؤمنين، وتركن إليها طباعهم.
﴿ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ ، أي: كل شيء عنده [معدود ومحصى]، لا يغفل - عن معرفة عدده، ولا يعتريه أحوال يعزب عنه فيها علم ذلك، خلافا لما عليه أمر الخلق، والله الموفق، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين].
قل لهم: لن ينجيني من الله أحد إن عصيته، ولن أجد من دونه مُلْتَجأً ألجأ إليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.0m30x"