الآية ١٥ من سورة المزمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 73 المزمل > الآية ١٥ من سورة المزمل

إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًۭا شَـٰهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًۭا ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة المزمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة المزمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال مخاطبا لكفار قريش ، والمراد سائر الناس : ( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ) أي : بأعمالكم ، ( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ ) أيها الناس ( رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ ) بإجابة من أجاب منكم دعوتي، وامتناع من امتنع منكم من الإجابة، يوم تلقوني في القيامة ( كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا ) يقول: مثل إرسالنا من قبلكم إلى فرعون مصر رسولا بدعائه إلى الحقّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسله إلى قريش كما أرسلنا إلى فرعون رسولا وهو موسى

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: احمدوا ربكم على إرسال هذا النبي الأمي العربي البشير النذير، الشاهد على الأمة بأعمالهم، واشكروه وقوموا بهذه النعمة الجليلة، وإياكم أن تكفروها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا أرسلنا إليكم» يا أهل مكة «رسولا» هو محمد صلى الله عليه وسلم «شاهدا عليكم» يوم القيامة بما يصدر منكم من العصيان «كما أرسلنا إلى فرعون رسولا» هو موسى عليه الصلاة والسلام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا أرسلنا إليكم- يا أهل "مكة"- محمدًا رسولا شاهدًا عليكم بما صدر منكم من الكفر والعصيان، كما أرسلنا موسى رسولا إلى الطاغية فرعون، فكذَّب فرعون بموسى، ولم يؤمن برسالته، وعصى أمره، فأهلكناه إهلاكًا شديدًا.

وفي هذا تحذير من معصية الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم؛ خشية أن يصيب العاصي مثل ما أصاب فرعون وقومه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك هؤلاء المكذبين بما حل بالمكذبين من قبلهم ، فيقول : ( كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ) للتشبيه ، أى : أرسلنا إليكم - يا أهل مكة - رسولا شاهدا عليكم هو محمد صلى الله عليه وسلم كما أرسلنا من قبلكم إلى فرعون رسولا شاهدا عليه ، هو موسى - عليه السلام - .وأكد الخبر فى قوله - تعالى - : ( إِنَّآ أَرْسَلْنَآ .

.

.

) لأن المشركين كانوا ينكرون نبوة النبى صلى الله عليه وسلم .ونكر رسولا ، لأنهم كانوا يعرفونه حق المعرفة ، وللتعظيم من شأنه صلى الله عليه وسلم أى : أرسلنا إليكم رسولا عظيم الشأن ، سامى المنزلة جامعا لكل الصفات الكريمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن الخطاب لأهل مكة والمقصود تهديدهم بالأخذ الوبيل، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم نكر الرسول ثم عرف؟

الجواب: التقدير أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصاه فأخذناه أخذاً وبيلاً، فأرسلنا إليكم أيضاً رسولاً فعصيتم ذلك الرسول، فلابد وأن نأخذكم أخذاً وبيلا.

السؤال الثاني: هل يمكن التمسك بهذه الآية في إثبات أن القياس حجة؟

والجواب: نعم لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى، فإن قيل: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر الصور حجة، وحينئذ يحتاج إلى قياس سائر القياسات على هذا القياس، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس، وإنه غير جائز؟

قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم، بل وجه التمسك هو أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظناً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة، وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هاهنا فإن لقائل أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حالة العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة هاهنا، فلا يلزم حصول الأخذ الوبيل هاهنا، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم فهذا الجزم لابد وأن يقال: إنه كان مسبوقاً بتقرير أنه متى وقع الاشتراك في المناط الظاهر وجب الجزم بالاشتراك في الحكم، وإن مجرد احتمال الفرق بالأشياء التي لا يعلم كونها مناسبة للحكم لا يكون قادحاً في تلك التسوية، فلا معنى لقولنا القياس حجة إلا هذا.

السؤال الثالث: لم ذكر في هذا الموضع قصة موسى وفرعون على التعيين دون سائر الرسل والأمم؟

الجواب: لأن أهل مكة ازدروا محمداً عليه الصلاة والسلام، واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ازدرى موسى لأنه رباه وولد فيما بينهم وهو قوله: ﴿ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً  ﴾ .

السؤال الرابع: ما معنى كون الرسول شاهداً عليهم؟

الجواب: من وجهين: الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم وتكذيبهم الثاني: المراد كونه مبيناً للحق في الدنيا، ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الكفر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، فلا يمتنع أن يوصف عليه الصلاة والسلام بذلك من حيث إنه بين الحق، وهذا بعيد لأن الله تعالى قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ أي عدولاً خياراً ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ فبين أنه يكون شاهداً عليهم في المستقبل، ولأن حمله على الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز والحقيقة أولى.

السؤال الخامس: ما معنى الوبيل؟

الجواب: فيه وجهان الأول: الوبيل: الثقيل الغليظ ومنه قولهم: صار هذا وبالاً عليهم، أي أفضى به إلى غاية المكروه، ومن هذا قيل للمطر العظيم: وابل، والوبيل: العصا الضخمة الثاني: قال أبو زيد: الوبيل الذي لا يستمرأ، وماء وبيل وخيم إذا كان غير مريء وكلأ مستوبل، إذا أدت عاقبته إلى مكروه، إذا عرفت هذا فنقول قوله: ﴿ فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً ﴾ يعني الغرق، قاله الكلبي ومقاتل وقتادة.

ثم إنه تعالى عاد إلى تخويفهم بالقيامة مرة أخرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الخطاب لأهل مكة ﴿ شاهدا عَلَيْكُمْ ﴾ يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم.

فإن قلت: لم نكر الرسول ثم عرف؟

قلت: لأنه أراد: أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل، فلما أعاده، وهو معهود بالذكر أدخل لام التعريف إشارة إلى المذكور بعينه ﴿ وَبِيلاً ﴾ ثقيلاً غليظاً، من قولهم: كلأ وبيل وخم لا يستمرأ لثقله.

والوبيل: العصا الضخمة ومنه: الوابل للمطر العظيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ.

﴿ شاهِدًا عَلَيْكُمْ ﴾ يَشْهَدُ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ بِالإجابَةِ والِامْتِناعِ.

﴿ كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ يَعْنِي مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُعَيِّنْهُ لِأنَّ المَقْصُودَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ.

﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ﴾ عَرَفَهُ لِسَبْقِ ذِكْرِهِ.

﴿ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا ﴾ ثَقِيلًا مِن قَوْلِهِمْ طَعامٌ وبِيلٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقْلِهِ، ومِنهُ الوابِلُ لِلْمَطَرِ العَظِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ} يا أهل مكة {رَسُولاً} يعني محمد عليه السلام {شاهدا عَلَيْكُمْ} يشهد

عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم {كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} يعني موسى عليه السلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أُولِي النِّعْمَةِ سَواءٌ جُعِلُوا القائِلِينَ أوْ بَعْضَهم فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ وهو التِفاتٌ جَلِيلُ المَوْقِعِ أيْ إنّا أرْسَلَنا إلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿ رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكُمْ ﴾ يَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما صَدَرَ مِنكم مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ ﴿ كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَمُ تَعْيِينِهِ لِعَدَمِ دَخْلِهِ في التَّشْبِيهِ أوْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر رب المشرق بالكسر والباقون رب بالضم فمن قرأ بالكسر وتبعه قوله واذكر اسم ربك رب المشرق والمغرب ومن قرأ بالضم فهو على الابتداء ويقال: معناه: هو رب المشرق والمغرب.

ثم قال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وقد ذكرناه فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا يعني: ولياً وحافظاً وناصراً وكفيلاً ثم قال عز وجل: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ يعني: على ما يقولون من التكذيب والإذاء وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا يعني: اعتزلهم اعتزالاً حصناً بلا جزع ولا فحش ثم قال: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ هذا كلام على ما جرت به عادات الناس لأن الله تعالى لا يحول بينه وبين إرادته أحد ولكن معناه: فوض أمورهم إليَّ يعني: أمور المكذبين أُولِي النَّعْمَةِ يعني: ذا المال والغنى وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا يعني: أجلهم يسيراً لأن الدنيا كلها قليل يعني: إلى قوم القيامة ثم بين ما لهم من العقوبة يوم القيامة فقال عز وجل: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا يعني: قيوداً في الآخرة، ويقال: عقوبة من ألوان العذاب وَجَحِيماً ما عظم من النار وَطَعاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً يعني: ذا شوك مستمسك في الحلق لا يدخل ولا يخرج فيبقى في الحلق ومع ذلك لهم عذاب أليم قول الله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ يوم تتحرك وتتزلزل صار اليوم منصوباً لنزع الخافض يعني: هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا يعني: صارت الجبال رملاً سائلاً وهو كقوله: فكانت هباءً منبثاً ثم قال: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ يعني: محمدا  يشهد عليكم بتبليغ الرسالة كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا يعني: موسى بن عمران فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ يعني: كذبه ولم يقبل قوله: فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا يعني: عاقبناه عقوبة شديدة وهو الغرق فهذا تهديد لهم يعني: إنكم إن كذبتموه فهو قادر على عقوبتكم قوله عز وجل: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يعني: توجدون في الآخرة إن كفرتم في الدنيا، ويقال فيه تقديم ومعناه: إن كفرتم في الدنيا كيف تحذرون وتنجون.

يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً يعني: يوم القيامة من هيبته يشيب الصبيان وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان ولكن معناه أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبي يشيب رأسه من الهيبة ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق ثم قال عز وجل: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ يعني: انشقت السماء من هيبة الرحمن كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا يعني: كائناً في البعث ثم قال: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: هذه الصورة موعظة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني: من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك التوحيد إلى ربه مرجعاً فليفعل وقال أهل اللغة في قوله: السماء منفطر به ولم يقل منفطرة به فالتذكير على وجهين: أحدهما: أنه انصرف إلى المعنى ومعنى السماء السقف كقوله وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: 32] ، والثاني: أن معناه السماء ذات الانفطار كما يقال امرأة مرضع أي: ذات رضع على وجه النسب.

ويقال: قوله السماء منفطر به يعني: فيه شيء في يوم القيامة، ويقال: يعني: بالله تعالى يعني: من هيبته قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: إن هذه الآيات التي ذكرت موعظة بليغة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا يعني: من شاء أن يرغب فليرغب فقد أمكن له لأنه أظهر الحجج والدلائل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من الحديدِ، ويُرْوَى أَنَّها قيودٌ سُودٌ مِن النار، والطَّعَامُ ذُو الغُصَّةِ شَجَرَةُ الزَّقُومِ، قَالَه مجاهد وغيره «١» ، وقال ابن عباس: شَوْكٌ من نارِ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِم «٢» وكلُّ مَطْعُومٍ هُنَالِكَ فهو ذو غصّة، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَرَأَ هذهِ الآيةَ فَصَعِقَ «٣» ، والرَّجَفَانُ الاهْتِزَازُ والاضْطِرَابُ مِنْ فَزَعٍ وَهَوْلٍ، و «المَهِيلُ» : اللَّيِّنُ الرّخْوُ الذي يَذْهَبُ بالرِّيحِ، وقال البخاريّ: كَثِيباً مَهِيلًا رملا سائلا، انتهى.

وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ ...

الآية، خطابٌ للعالم لكن المواجهون قريش، وشاهِداً عَلَيْكُمْ نَحْوُ قولهِ: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] والوَبِيلُ:

الشَّدِيدُ الرَّدَى.

وقوله تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ معناه: كَيْفَ تَجْعَلُونَ وِقَايةً لأنفسِكم، ويَوْماً مفعولٌ ب تَتَّقُونَ، وقِيلَ: هو مفعولٌ ب كَفَرْتُمْ ويكونُ كَفَرْتُمْ بمعنى: جَحَدْتم، ف تَتَّقُونَ على هذا منَ التقوى، أي: تتقونَ عذابَ اللَّهِ، ويجوزُ أن يكونَ يَوْماً ظرفاً والمعنى: تتقونَ عِقَابَ اللَّه يوماً، وعبارةُ الثعلبي: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ أي كيف تَتَحَصَّنُونَ من عذابِ يَوْمٍ يَشِيبُ فيه الطفلُ لهولِه إنْ كفرتُم، ثم ذَكَرَ نحو ما تقدم، انتهى، وحَكَى- ص-:، عن بعضِ الناسِ جَوازَ أنْ يكونَ يَوْماً ظرفَاً أي: فكيفَ لَكُمْ بالتقوَى في يومِ القيامَةِ إنْ كفرتم في الدنيا، ت: وهَذَا هُوَ مُرَادُ ع «٤» ، قَالَ أبو حيان «٥» : وشِيباً مفعولٌ ثانٍ ل يَجْعَلُ وهُو جَمْع أشْيَب، انتهى.

السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُزَّمِّلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: سِوى آيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [المُزَّمِّلِ: ١١،١٠] .

وقالَ ابْنُ يَسارٍ، ومُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ  ﴾ .

﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ ﴿ أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ ﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ ﴿ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا ﴾ ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ ﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا ﴾ ﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ ﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا ﴾ ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ، والأعْمَشُ "المُتَزَمِّلِ" بِإظْهارِ التّاءِ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ: "المُزَمِّلُ" بِحَذْفِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ الزّايِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: "المُزَّمِّلُ" المُلْتَفُّ في ثِيابِهِ، وأصْلُهُ "المُتَزَمِّلُ" فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، فَثَقُلَتْ.

وكُلُّ مَنِ التَفَّ بِثَوْبِهِ فَقَدْ تَزَمَّلَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما أُدْغِمَتْ فِيها لِقُرْبِها مِنها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ النَّبِيُّ  يَتَزَمَّلُ في ثِيابِهِ في أوَّلِ ما جاءَ جِبْرِيلُ فَرَقًا مِنهُ حَتّى أنِسَ بِهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ قَدْ تَزَمَّلَ لِلنَّوْمِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجَ مِنَ البَيْتِ وقَدْ لَبِسَ ثِيابَهُ، فَناداهُ جِبْرِيلُ: يا أيُّها المُزَّمِّلُ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مُتَزَمِّلُ النُّبُوَّةِ.

قالَ عِكْرِمَةُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: زُمِّلْتَ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.

وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُخاطَبْ بِالنَّبِيِّ والرَّسُولِ ها هُنا، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَّغَ، وإنَّما كانَ في بَدْءِ الوَحْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُمِ اللَّيْلَ ﴾ أيْ: لِلصَّلاةِ.

وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ "إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ" هَذا بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.

فَإنَّما ذَكَرْتَ زَيْدًا لِتَوْكِيدِ الكَلامِ، لِأنَّهُ أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: ضَرَبْتَ رَأْسَ زَيْدٍ.

والمَعْنى: قُمْ مِنَ اللَّيْلِ النِّصْفَ إلّا قَلِيلًا "أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا" أيْ: مِنَ النِّصْفِ "أوْ زِدْ عَلَيْهِ" أيْ: عَلى النِّصْفِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ إلى الثُّلُثِ، أوْ زِدْ عَلَيْهِ إلى الثُّلُثَيْنِ، فَجَعَلَ لَهُ سَعَةً في مُدَّةِ قِيامِهِ، إذْ لَمْ تَكُنْ مَحْدُودَةً، فَكانَ يَقُومُ ومَعَهُ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى، وكَمْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ القَدْرَ الواجِبَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ.

.

.

﴾ الآيَةُ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالُوا: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ نَسَخَ آخِرُها أوَّلَها سِوى هَذِهِ السُّورَةِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ نُسِخَ قِيامُ اللَّيْلِ في حَقِّهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ  ﴾ ، ونُسِخَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ.

وقِيلَ: نُسِخَ عَنِ الأُمَّةِ، وبَقِيَ عَلَيْهِ فَرْضُهُ أبَدًا.

وقِيلَ: إنَّما كانَ مَفْرُوضًا عَلَيْهِ دُونَهم.

وفي مُدَّةِ فَرْضِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: سَنَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَ أوَّلِ "المُزَّمِّلِ" وآخِرِها سَنَةٌ.

والثّانِي: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَتِّلِ القُرْآنَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا التَّرْتِيلَ في [الفُرْقانِ: ٣٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ وهو القُرْآنُ.

وفي مَعْنى ثِقَلِهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ.

قالَتْ: «وَلَقَدْ رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، يَعْنِي يَتَخَلَّصُ عَنْهُ، وَإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.» والثّانِي: أنَّ العَمَلَ بِهِ ثَقِيلٌ في فُرُوضِهِ وأحْكامِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَثْقُلُ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَهِيبُ، كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ العاقِلِ: هو رَزِينٌ راجِحٌ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.

والخامِسُ: أنَّهُ لَيْسَ بِالخَفِيفِ ولا السَّفْسافِ، لِأنَّهُ كَلامُ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ قَوْلٌ لَهُ وزْنٌ في صِحَّتِهِ وبَيانِهِ ونَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: هَذا كَلامٌ رَصِينٌ، وهَذا قَوْلُ وزْنٍ: إذا اسْتَجَدْتَهُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: هي قِيامُ اللَّيْلِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.

وهَلْ هي في وقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ اللَّيْلِ، أمْ في جَمِيعِهِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها في جَمِيعِ اللَّيْلِ.

ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ.

وإلى هَذا ذَهَبَ اللُّغَوِيُّونَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ النّاشِئَةُ، مِن نَشَأتْ: إذا ابْتَدَأتْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: ساعاتُ اللَّيْلِ، كُلُّ ما نَشَأ مِنهُ، أيْ: كُلُّ ما حَدَثَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كَأنَّ المَعْنى: إنَّ صَلاةَ ناشِئَةِ، أوْ عَمَلَ ناشِئَةِ اللَّيْلِ.

والثّانِي: أنَّها في وقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ اللَّيْلِ.

ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّها القِيامُ بَعْدَ النَّوْمِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ الأعْرابِيِّ.

وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ في رِوايَةِ المَرْوَذِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها ما بَعْدَ العِشاءِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ.

والرّابِعُ: أنَّها بَدْءُ اللَّيْلِ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّها القِيامُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ، قالَهُ يَمانٌ، وابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هِيَ أشَدُّ وطْئًا ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، "وِطاءً" بِكَسْرِ الواوِ مَعَ المَدِّ، وهو مَصْدَرُ واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُواطَأةً، ووِطاءً، وأرادَ أنَّ القِراءَةَ في اللَّيْلِ يَتَواطَأُ فِيها قَلْبُ المُصَلِّي ولِسانُهُ وسَمْعُهُ عَلى التَّفَهُّمِ لِلْقُرْآنِ والإحْكامِ لِتَأْوِيلِهِ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ  ﴾ .

وقَرَأ الباقُونَ "وَطْأً" بِفَتْحِ الواوِ مَعَ القَصْرِ.

والمَعْنى: إنَّهُ أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن ساعاتِ النَّهارِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: اشْتَدَّتْ عَلى القَوْمِ وطْأةُ السُّلْطانِ: إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ما يَلْزَمُهم.

ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ" .» ذَكَرَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "أشَدُّ وطاءً" بِفَتْحِ الواوِ، والطّاءِ، وبِالمَدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْوَمُ قِيلا ﴾ أيْ: أخْلَصُ لِلْقَوْلِ وأسْمَعُ لَهُ، لِأنَّ اللَّيْلَ تَهْدَأُ فِيهِ الأصْواتُ فَتَخْلُصُ القِراءَةُ، ويَفْرُغُ القَلْبُ لِفَهْمِ التِّلاوَةِ، فَلا يَكُونُ دُونَ سَمْعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ أيْ: فَراغًا لِنَوْمِكَ وراحَتِكَ، فاجْعَلْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ لِعِبادَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "سَبَخًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها في اللُّغَةِ صَحِيحٌ.

يُقالُ: قَدْ سَبَّخْتُ القُطْنَ بِمَعْنى نَفَّشْتُهُ.

ومَعْنى، نَفَّشْتُهُ: وسَّعْتُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ لَكَ في النَّهارِ تَوَسُّعًا طَوِيلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ أيْ: بِالنَّهارِ أيْضًا ﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ.

أخْلِصْ لَهُ إخْلاصًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: انْقَطِعْ إلَيْهِ، مِن قَوْلِكَ: بَتَّلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: انْقَطِعْ إلَيْهِ في العِبادَةِ.

ومِنهُ قِيلَ لِمَرْيَمَ: البَتُولُ، لِأنَّها انْقَطَعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في العِبادَةِ.

وكَذَلِكَ صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ: مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ المُصَّدِّقِ.

والأصْلُ في مَصْدَرِ تَبَتَّلَ تَبَتُّلًا.

وإنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتِيلا ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى: تَبَتَّلْ "رَبُّ المَشْرِقِ" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "رَبُّ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الشُّعَراءِ: ٢٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ مِنَ التَّكْذِيبِ لَكَ والأذى ﴿ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ لا جَزَعَ فِيهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ: لا تَهْتَمَّ بِهِمْ، فَأنا أكْفِيكَهم ﴿ أُولِي النَّعْمَةِ ﴾ يَعْنِي: التَّنَعُّمَ.

وفِيمَن عُنِيَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُطْعِمُونَ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والثّانِي: أنَّهم بَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُسْتَهْزِئُونَ، وهم صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ قالَتْ عائِشَةُ: فَلَمْ يَكُنْ إلّا اليَسِيرُ حَتّى كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا ﴾ وهي القُيُودُ، واحِدُها: نَكْلٌ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى "الجَحِيمِ" في [البَقَرَةِ: ١١٩] ﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ ﴾ وهو الَّذِي لا يَسُوغُ في الحَلْقِ.

وفِيهِ لِلْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شَوْكٌ يَأْخُذُ الحَلْقَ فَلا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: الزَّقُّومُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الضَّرِيعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: الزَّقُّومُ والغِسْلِينُ والضَّرِيعُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا ﴾ والمَعْنى: يُنَكِّلُ الكافِرِينَ ويُعَذِّبُهم ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ ﴾ أيْ: تُزَلْزَلُ وتُحَرَّكُ أغْلَظَ حَرَكَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَتِ الجِبالُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وصارَتْ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والقُوَّةِ ﴿ كَثِيبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: "الكَثِيبُ": الرَّمْلُ.

و"المَهِيلُ": الَّذِي تَحَرَّكَ أسْفَلُهُ، فَيَنْهالُ عَلَيْكَ مِن أعْلاهُ.

والعَرَبُ تَقُولُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، ومَكِيلٌ ومَكْيُولٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الكَثِيبُ جَمْعُهُ كُثْبانٌ، وهي القِطَعُ العِظامُ مِنَ الرَّمْلِ.

والمَهِيلُ: السّائِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ رَسُولا ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا  ﴿ شاهِدًا عَلَيْكُمْ ﴾ بِالتَّبْلِيغِ وإيمانِ مَن آمَنَ، وكُفْرِ مَن كَفَرَ ﴿ كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والوَبِيلُ: الشَّدِيدُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: اسْتَوْبَلْتُ المَكانَ: [إذا اسْتَوْخَمْتَهُ] ويُقالُ: كَلَأٌ مُسْتَوْبَلٌ أيْ: لا يُسْتَمْرَأُ.

قالَ الزَّجّاجُ: الوَبِيلُ: الثَّقِيلُ الغَلِيظُ جِدًّا.

ومِنهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ العَظِيمِ: وابِلٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِهَذا الأخْذِ الوَبِيلِ: الغَرَقُ.

وهَذا تَخْوِيفٌ لِكَفّارِ مَكَّةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ لِتَكْذِيبِهِمْ، كَما نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا ﴾ أيْ: عَذابَ يَوْمٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: بِأيِّ شَيْءٍ تَتَحَصَّنُونَ مِن عَذابِ يَوْمٍ مِن هَوْلِهِ يَشِيبُ الصَّغِيرُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ "نَجْعَلُ الوِلْدانَ" بِالنُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنِّثُ.

وهي ها هُنا في وجْهِ التَّذْكِيرِ.

قالَ الشّاعِرُ: فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ قالَ الزَّجّاجُ: وتَذْكِيرُ السَّماءِ عَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: عَلى أنَّ مَعْنى السَّماءِ مَعْنى السَّقْفِ.

والثّانِي: عَلى قَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ مُرْضِعٍ عَلى جِهَةِ النَّسَبِ.

فالمَعْنى: السَّماءُ ذاتُ انْفِطارٍ، كَما أنَّ المُرْضِعَ ذاتُ الرَّضاعِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى الآيَةِ: السَّماءُ مُنْشَقٌّ بِهِ، أيْ: فِيهِ، يَعْنِي في ذَلِكَ اليَوْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ وعْدٌ بِالبَعْثِ، فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا ﴾ ﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ ﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا ﴾ ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ ﴿ السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ.

و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ  يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.

و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ.

و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ.

و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ....

خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ شاهِدًا عَلَيْكُمْ ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  ﴾ ، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ: فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ  ﴾ أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

نقل الكلام إلى مخاطبة المشركين بعد أن كان الخطاب موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمناسبة لذلك التخلصُ إلى وعيدهم بعد أن أمره بالصبر على ما يقولون وهجرهم هجراً جميلاً إذ قال له ﴿ وذرني والمكذبين ﴾ إلى قوله: ﴿ وعذاباً أليماً ﴾ [المزمل: 1113].

فالكلام استئناف ابتدائي، ولا يُعد هذا الخطاب من الالتفات لأن الكلام نقل إلى غرض غير الغرض الذي كان قبله.

فالخطاب فيه جار على مقتضى الظاهر على كلا المذهبين: مذهب الجمهور ومذهب السكاكي.

والمقصود من هذا الخبر التعريض بالتهديد أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم ممن كذبوا الرسل فهو مثَل مضروب للمشركين.

وهذا أول مثَل ضربه الله للمشركين للتهديد بمصير أمثالهم على قول الجمهور في نزول هذه السورة.

واختير لهم ضرب المثل بفرعون مع موسى عليه السلام، لأن الجامع بين حال أهل مكة وحال أهل مصر في سبب الإِعراض عن دعوة الرسول هو مجموع ما هم عليه من عبادة غير الله، وما يملأ نفوسهم من التكبر والتعاظم على الرسول المبعوث إليهم بزعمهم أن مثلهم لا يطيع مِثله كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿ فقالوا أنؤمن لبشرين مثِلنا وقومُهما لنا عابدون ﴾ [المؤمنون: 47] وقد قال أهل مكة ﴿ لولا نُزِّل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربّنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتَوْا عُتُوّاً كبيراً ﴾ [الفرقان: 21].

وقد تكرر في القرآن ضرب المثل بفرعون لأبي جهل وهو زعيم المناوين للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤلبين عليه وأشد صناديد قريش كفراً.

وأُكد الخبر ب (إنَّ) لأن المخاطبين منكرون أن الله أرسل إليهم رسولاً.

ونكر ﴿ رسولاً ﴾ لأنهم يعلمون المعنيَّ به في هذا الكلام، ولأن مناط التهديد والتنظير ليس شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو صفة الإِرسال.

وأدمج في التنظير والتهديدِ وصفُ الرسول صلى الله عليه وسلم بكونه شاهداً عليهم.

والمراد بالشهادة هنا: الشهادة بتبليغ ما أراده الله من الناس وبذلك يكون وصف ﴿ شاهداً ﴾ موافقاً لاستعمال الوصف باسم الفاعل في زمن الحال، أي هو شاهد عليكم الآن بمعاودة الدعوة والإِبلاغ.

وأما شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فهي شهادة بصدق المسلمين في شهادتهم على الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات ربّهم، وذلك قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ كما ورد تفصيل تفسيرها في الحديث الصحيح، وقد تقدم في سورة البقرة (143).

﴿ وتنكير رسولاً ﴾ المرسَل إلى فرعون لأن الاعتبار بالإِرسال لا بشخص المرسل إذ التشبيه تعلق بالإِرسال في قوله: ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون ﴾ إذ تقديره كإرسالنا إلى فرعون رسولاً.

وتفريع ﴿ فعصى فرعون الرسول ﴾ إيماء إلى أن ذلك هو الغرض من هذا الخبر وهو التهديد بأن يحلّ بالمخاطبين لمَّا عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم مِثلُ ما حلّ بفرعون.

وفي إظهار اسم فرعون في قوله: ﴿ فعصى فرعون ﴾ دون أن يؤتَى بضميره للنداء عليه بفظاعة عصيانه الرسول.

ولما جرى ذكر الرسول المرسل إلى فرعون أوّل مرة جيء به في ذكره ثاني مرة معرفاً بلام العهد وهو العهد الذكري، أي الرسول المذكور آنفاً فإن النكرة إذا أعيدت معرفة باللام كان مدلولها عينَ الأولى.

والأخذ مستعمل في الإِهلاك مجازاً لأنه لما أزالهم من الحياة أشبه فعله أخذ الآخذ شيئاً من موضعه وجعله عنده.

والوبيل: فعيل صفة مشبهة من وبُل المكان، إذا وَخِم هواؤه أو مَرعَى كَلَئِه، وقال زهير: إلى كَلإٍ مُسْتَوبِللٍ مُتَوَخِّم *** وهو هنا مستعار لسَيّئ العاقبة شديدَ السوء، وأريد به الغرق الذي أصاب فرعون وقومه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنْ يُعْرِضَ عَنْ سَفَهِهِمْ ويُرِيَهم صِغَرَ عَداوَتِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الهَجْرُ الخالِي مِن ذَمٍّ وإساءَةٍ.

وَهَذا الهَجْرُ الجَمِيلُ قَبْلَ الإذْنِ في السَّيْفِ.

﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ﴾ قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّهم بَنُو المُغِيرَةِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُخْبِرْتُ أنَّهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولِي النَّعْمَةِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ تَعْرِيفًا لَهم إنَّ المُبالِغِينَ في التَّكْذِيبِ هم أُولُو النَّعْمَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا، أيِ الَّذِينَ أطْغى هم أُولُو النَّعْمَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ تَوْبِيخًا أنَّهم كَذَّبُوا ولَمْ يَشْكُرُوا مَن أوْلاهُمُ النِّعْمَةَ.

﴿ وَمَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إلى السَّيْفِ.

﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا ﴾ في (أنْكالًا) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أغْلالًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّها القُيُودُ، قالَهُ الأخْفَشُ وقُطْرُبٌ، قالَتِ الخَنْساءُ دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكالَهُ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ.

الثّالِثُ: أنَّها أنْواعُ العَذابِ الشَّدِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ النَّكَلُ عَلى النَّكَلِ، قِيلَ: وما النَّكَلُ؟

قالَ: الرَّجُلُ القَوِيُّ المُجَرِّبُ عَلى الفَرَسِ القَوِيِّ المُجَرَّبِ» ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ القَيْدُ نَكَلًا لِقُوَّتِهِ، وكَذَلِكَ الغِلُّ، وكُلُّ عَذابٍ قَوِيَ واشْتَدَّ) .

﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَوْكٌ يَأْخُذُ الحَلْقَ فَلا يَدْخُلُ ويَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَمْلًا سائِلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ المُهِيلَ الَّذِي إذا وطِئَهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها وإذا أخَذْتَ أسْفَلَهُ انْهالَ أعْلاهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ.

﴿ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: شَدِيدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: مُتَتابِعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: ثَقِيلًا غَلِيظًا، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ العَظِيمُ وابِلٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الرّابِعُ: مُهْلِكًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أكَّلْتَ بَنِيكَ أكْلَ الضَّبِّ حَتّى ∗∗∗ وجَدْتَ مَرارَةَ [اَلْكَلَإ الوَبِيلِ] .

﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ الشِّيبُ: جَمْعُ أشْيَبَ، والأشْيَبُ والأشْمَطُ الَّذِي اخْتَلَطَ سَوادُ شَعْرِهِ بِبَياضِهِ، وهو الحِينُ الَّذِي يُقْلِعُ فِيهِ ذُو التَّصابِي عَنْ لَهْوِهِ، قالَ الشّاعِرُ طَرَبْتَ وما بِكَ ما يُطْرِبُ ∗∗∗ وهَلْ يَلْعَبُ الرَّجُلُ الأشْيَبُ وَإنَّما شابَ الوِلْدانُ في يَوْمِ القِيامَةِ مِن هَوْلِهِ.

﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُمْتَلِئَةٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُثْقَلَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مَخْزُونَةٌ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: مُنْشَقَّةٌ مِن عَظَمَتِهِ وشِدَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وعْدُهُ بِأنَّ السَّماءَ مُنْفَطِرٌ بِهِ، وكَوْنُ الجِبالِ كَثِيبًا مَهِيلًا، وأنْ يَجْعَلَ الوِلْدانَ شِيبًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: وعْدُهُ بِأنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: وعْدُهُ بِما بَشَّرَ وأنْذَرَ مِن ثَوابِهِ وعِقابِهِ.

وَفي المَعْنى المُكَنّى عَنْهُ في قَوْلِهِ (بِهِ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّماءَ مُنْفَطِرَةٌ بِاليَوْمِ الَّذِي يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا، فَيَكُونُ اليَوْمُ قَدْ جَعَلَ الوِلْدانَ شِيبًا، وجَعَلَ السَّماءَ مُنْفَطِرَةً ويَكُونُ انْفِطارُها لِلْفَناءِ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ السَّماءَ مُنْفَطِرَةٌ بِما يَنْزِلُ مِنها بِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْعَلُ الوَلَدانِ شِيبًا، ويَكُونُ انْفِطارُها بِانْفِتاحِها لِنُزُولِ هَذا القَضاءِ مِنها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: لما نزلت ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً ﴾ لم يكن إلا قليل حتى كانت وقعة بدر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ﴾ قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عاماً ويحشر أغنياؤهم جثاة على ركبهم، ويقال لهم: إنكم كنتم ملوك أهل الدنيا وحكامهم فكيف عملتم فيما أعطيتكم» وفي قوله: ﴿ ومهلهم قليلاً ﴾ قال: إلى السيف.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً ﴾ قال: إن لله فيهم طلبة وحاجة وفي قوله: ﴿ إن لدينا أنكالاً ﴾ قال: قيوداً.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿ إن لدينا أنكالاً ﴾ قال: قيوداً.

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إن لدينا أنكالاً ﴾ قال: قيوداً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عكرمة مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن حماد وطاووس مثله.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في البعث عن الحسن قال: الأنكال قيود من النار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سليمان التيمي ﴿ إن لدينا أنكالاً ﴾ قال: قيوداً والله ثقالاً لا تفك أبداً، ثم بكى.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمران الجوني قال: قيوداً والله لا تحل عنهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وعبدالله في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ وطعاماً ذا غصة ﴾ قال: له شوك، ويأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وطعاماً ذا غصة ﴾ قال: شجرة الزقوم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.

وأخرج أحمد في الزهد وهناد وعبد بن حميد ومحمد بن نصر عن حمران أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ إن لدينا أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً ﴾ فلما بلغ أليماً صعق.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن جرير وابن أبي داود في الشريعة وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق حمران بن أعين عن أبي حرب بن أبي الأسود أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقرأ ﴿ إن لدينا أنكالاً وجحيماً ﴾ فصعق.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ كثيباً مهيلاً ﴾ قال: المهيل الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك آخره.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كثيباً مهيلاً ﴾ قال: الرمل السائل، وفي قوله: ﴿ أخذاً وبيلاً ﴾ قال: شديداً.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ أخذاً وبيلاً ﴾ قال: أخذاً شديداً ليس له ملجأ قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: خزي الحياة وخزي الممات ** وكلاً أراه طعاماً وبيلاً <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ ﴾ يعني أهل مكة.

﴿ رَسُولًا ﴾ يعني محمدًا -  - ﴿ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ ﴾ بالتبليغ وإيمان من آمن وأجاب، وامتناع من امتنع وعصى.

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴾ وهو موسى  .

قال مقاتل: إنما ذكر فرعون، وموسى دونَ سائر الأمم (١) (٢)  -، واستخفوا (٣) (٤) ﴿ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا  ﴾ .

(٥) قوله تعالى: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴾ الوبيل: الثقيل الغليظ جدًّا، ومنه قولهم: صار هذا عليه وبالاً، أي أفضى به إلى غاية المكروه، ومن هذا قيل للمطر (٦) (٧) (قاله المبرد (٨) (٩) (١٠) وقال أبو زيد: الوبيل: الذي لا يُسْتَمْرأ (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) يخوف أهل مكة بالعذاب، ثم خوفهم يوم القيامة: قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ ﴾ .

(وفي الآية تقديم وتأخير (١٧) (١٨) ﴿ إِنْ كَفَرْتُمْ ﴾ قال قتادة: والله لا يتقي من كفر بالله ذلك اليوم (١٩) قوله تعالى: ﴿ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾ .

وصف لهول ذلك اليوم الشديد، وهذا كما يقال: قد حدث أمر تشيب فيه النواصي، وشيب الصغير، مَثل للشدة العظيمة (٢٠) قال المفسرون (٢١) (٢٢) وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَوُنَهَا ﴾ (٢٣) ثم وصف من هول ذلك اليوم، فقال: ﴿ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ .

أي بذلك اليوم، يعني فيه.

قاله الفراء (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال الفراء: (السماء تؤنث وتذكر، وهي -هاهنا- في وجوه التذكير، وأنشد (٢٩) فلو رَفَع السماءُ إليه قومًا ...

لَحِقْنا بالنجومِ مع السحاب (٣٠) ﴿ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ ) (٣١) (٣٢) (٣٣) وقوله: ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ﴾ قال مقاتل: يقول وعده بالبعث كائن (٣٤) (٣٥) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ ﴾ قال مقاتل: يعني آيات القرآن (٣٦) ﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾ تذكير وموعظة.

﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ ، أي: بالطاعة والتصديق (٣٧) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ﴾ (٣٨) (٣٩) (٤٠) ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ (٤١) (٤٢) قوله تعالى: ﴿ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ (عطف على قوله: (أدنى (٤٣) (٤٤) (٤٥) ومن قرأ بالجر (٤٦) ﴿ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ﴾ والمعنى: أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، وثلثه) (٤٧) (٤٨) قال ابن عباس: يريد: وتقوم نصفه وثلثه (٤٩) (وقال أبو الحسن: الذي افترض الثلث، وأكثر من الثلث (٥٠) (٥١) (٥٢) وقال صاحب النظم: الأقل الذي افترض عليهم: الربع، لم ينقصوا من الربع على قول من قرأ بالجر (٥٣) وقوله: ﴿ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ قال ابن عباس (٥٤) (٥٥) ﴿ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ (فيعلم مقدار ثلثه (٥٦) (٥٧) (٥٩) ويعلم أنكم: ﴿ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ (أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك، والقيام فيه) (¬7).

قال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر الله به من قيام ما فرض عليه، فقال الله تعالى (٦٠) ﴿ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ (٦١) (٦٢) ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ فعاد عليكم بالعفو والتخفيف.

قال ابن عباس: فعفا عنكم ما لم تحيطوا بعلمه (¬11).

وقال مقاتل: فتجاوز عنكم بالتخفيف (٦٣) ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ قال ابن عباس: يريد غير النبي -  -، فسقط عن أصحاب النبي -  - قيام الليل، وصار تطوعًا، وبقي ذلك فرضًا على رسول الله (٦٤)  ) (٦٥) وقال مقاتل: فاقرؤوا ما تيسر عليكم في الصلاة من القرآن من غير أن يوقت شيئًا (٦٦) قال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء (٦٧) وقالت عائشة (  ا) (٦٨) (٦٩) وروي عن الحسن (٧٠) (٧١) (٧٢) ﴿ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ أنه مائة آية.

ثم عذرهم، وذكر عذرهم، فقال: ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى ﴾ يعني فلا يطيقون قيام الليل.

﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ (٧٣) ﴿ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يعني المجاهدين لا يطيقون قيام الليل.

﴿ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ ﴾ (٧٤) ﴿ مِنْهُ ﴾ أي من القرآن.

وقال (عبد الله بن مسلم) (٧٥) (كذلك قال المفسرون (٧٦) (٧٧) وقوله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ .

قال مقاتل: يعني وأتموها لوقتها، فنسخ قيام الليل عن المؤمنين، وثبت على النبي (٧٨)  - خاصة (٧٩) وقال ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ يريد هذه فريضة عليكم في محلها، وفي أوقاتها (٨٠) ﴿ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف (٨١) وقال مقاتل: يعني الزكاة (٨٢) (٨٣) ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ قال (٨٤) (٨٥) ﴿ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا ﴾ قال (٨٦) (٨٧) وقال ابن عباس: تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا من الذي تؤخر إلى وصيتك عند الموت (٨٨) وقال أبو إسحاق: وما تقدموا لأنفسكم من طاعة تجدوه خيرًا عند الله لكم من متاع الدنيا (٨٩) (٩٠) قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (٩١) (٩٢) (٩٣) وقال ابن عباس: غفور رحيم لمن لم يصر على ذنب [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].

(١) بياض في (ع).

(٢) قوله: (ازدرؤوا محمدًا) بياض في (ع).

(٣) بياض في (ع).

(٤) بياض في (ع).

(٥) ورد قول مقاتل في "تفسير مقاتل" 213/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 47.

(٦) بياض في (ع).

(٧) غير مقروء في كلا النسختين.

(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 242، وعبارته: "الوبيل: الثقيل الغليظ جدًّا، ومن هذا قيل للمطر الغليظ العظيم: وابل".

(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١١) "تهذيب اللغة" 15/ 386 مادة: (وبل)، وانظر: "لسان العرب" 11/ 720.

(١٢) ما بين القوسين من قول الأزهري، نقله عنه الواحدي من "تهذيب اللغة".

(١٣) بياض في (ع).

ومن المفسرين الذين قالوا بذلك: ابن عباس، ومجاهد، والسدي، والثوري.

انظر: "جامع البيان" 29/ 37، و"النكت والعيون" 6/ 130، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 47، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 467، و"الدر المنثور" 8/ 320.

وإلى هذا القول أيضًا ذهب السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 317، والثعلبي في "الكشف والبيان" 12/ 203/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 410، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 389، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 117.

(١٤) "التفسير الكبير" 3/ 183.

(١٥) المرجع السابق، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 325، و"جامع البيان" 29/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 47، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 467.

(١٦) "تفسير مقاتل" 213 ب، و"التفسير الكبير" 3/ 183، قوله: (ومقاتل) ساقط من (أ).

(١٧) و (¬11) و (¬12) بياض في (ع).

(١٨) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج بتصرف.

انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 242.

قال ابن جرير عن معنى التقديم والتأخير: "ذكر ذلك كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود".

"جامع البيان" 29/ 127 وقال ابن كثير عند تفسير الآية: يحتمل أن يكون (يومًا) معمولًا لتتقون، كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود: فكيف تخافون أيها الناس يوم يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم، ولم تصدقوا به.

ويحتمل أن يكون معمولًا لكفرتم، فعلى الأول: كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم، إن كفرتم، وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة، وجحدتموه، وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 467.

(١٩) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 325، و"جامع البيان" 29/ 127، و"الجامع" للقرطبي 19/ 48، وبمعناه في "الدر المنثور" 8/ 320 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(٢٠) قال ابن جرير: "وقوله: ﴿ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾ يعني يوم القيامة، وإنما تشيب الولدان من شدة هوله وكربه".

"جامع البيان" 29/ 137.

إذا شيب الولدان ليس بمثل على هوله، وإنما حقيقة حكايته هول ذلك اليوم الذي يشيب له الصغير، فهو وصف حقيقة، وليس بمثل للشدة العظيمة.

والله أعلم.

(٢١) قال بذلك: ابن مسعود، وخيثمة بن عبد الرحمن، وابن عباس.

انظر: "جامع البيان" 29/ 137، و"الدر المنثور" 8/ 321 وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه.

وقال بذلك أيضا الثعلبي في "الكشف والبيان" جـ: 12: 203/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 410، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 49، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 467.

(٢٢) الحديث أخرجه البخاري 4/ 1967، ح 6530، في الرقاق، باب قوله عز وجل: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ، من طريق أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -  -: "يقول الله: يا آدم، فيقول: لبَّيْك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ...

" الحديث.

كما أخرجه البخاري: 2/ 458 ح: 3348 كتاب الأنبياء، باب: 7.

ومسلم 1/ 201 ح 379، كتاب الإيمان، باب 96.

والترمذي في "سننه" 4/ 2258 ح: 2940، كتاب الفتن: باب 23، 5/ 322 ح: 3168، كتاب التفسير، باب 23، من طريق يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال عبد الله بن عمرو.

والنسائي في "تفسيره" 2/ 474 ح: 649، من طريق الترمذي.

(٢٣) سورة الحج: 2: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾، وقد جاء في تفسيرها " ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ﴾ : ترون تلك الزلزلة، ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ ﴾ ، أي: في ذلك اليوم، ﴿ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ تنسى وتترك كل والدة ولدها، يقال: ذهل عن كذا يذهل ذهولًا إذا تركه أو شغله عنه شاغل، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، وهو قوله: ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ﴾ يعني من هول ذلك اليوم، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأن بعد البعث لا يكون حبلى، وعند شدة الفزع تلقي المرأة جنينها، ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى ﴾ من شدة الخوف، ﴿ وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ﴾ من الشراب.

هذا قول جميع المفسرين.

والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم يضطربون اضطراب السكران من الشراب، يدل على صحة هذا قراءة من قرأ "وتُرى الناس" بضم التاء، أي تظنهم، ولكن عذاب الله شديد" دليل على أن سكرهم من خوف العذاب".

نقلت المختصر من الوسيط في تفسير القرآن العزيز: 3/ 257 - 258، وما جاء فيه قد احتواه "البسيط" جـ: 4: 2/ أ - ب.

(٢٤) "معاني القرآن" 3/ 199.

(٢٥) لم أعثر على مصدر لقول أبي حاتم.

(٢٦) انظر مادة: (فطر) في "تهذيب اللغة" 13/ 325، و"الصحاح" 2/ 781، و"لسان العرب" 5/ 55، و"تاج العروس" 3/ 470.

(٢٧) ساقطة من (ع).

(٢٨) ورد قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 274 بنصه، وانظر قضايا المذكر والمؤنث في مجاز القرآن.

د.

السيد أحمد علي: 152.

(٢٩) البيت لامرأة من العرب.

انظر شرح أبيات "معاني القرآن" 57، ش: 111.

(٣٠) ورد البيت في "معاني القرآن" 3/ 199، شرح أبيات "معاني القرآن" المرجع السابق، و"المذكر والمؤنث" للفراء 102 برواية: (بالسماء) بدلاً من (بالنجوم)، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 367 رقم 383 برواية (بالسماء) بدلاً من (بالنجوم)، و"لسان العرب" 24/ 398، (سما)، و"تاج العروس" 10/ 182 (سما)، و"المذكر والمؤنث" لأبي عبيد: 153، إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم: لابن خالويه: 98، المخصص: لابن سيده: 17/ 22.

وانظر أيضًا "المحرر الوجيز" 5/ 389، و"التفسير الكبير" 30/ 185، و"الجامع لأحكام القرآن " 19/ 50، و"الدر المصون" 6/ 459، و"البحر المحيط" 8/ 365، و"روح المعاني" 29/ 110.

موضع الشاهد: "السماء" زعموا أنه أراد الجمع، فذكر، == وهو جمع: "سماءة" أو "سماوة"، وقال قوم: هي بمنزلة "العين" لا علامة تأنيث بها فجاز تذكيرها.

انظر شرح أبيات "معاني القرآن" مرجع سابق.

وأيضًا من وجوه أنها لم تؤنث الصفة: أنها على النسبة أي ذات انفطار، كمرضع وحائض.

انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 243.

وهناك أوجه أخرى، انظر: "الدر المصون" 6/ 409 للاستزادة.

وما بين القوسين من قول الفراء في "معاني القرآن" 3/ 199 بنصه.

وانظر: "المذكر والمؤنث" للفراء 102.

(٣١) (منطوبة) في كلا النسختين.

(٣٢) لم أعثر على قول الفارسي في المسائل الحلبية، ولكن وجدت نحو قوله في كتابه: "التكملة" 354، قال: "وعلى النسب تأول الخليل قول الله -عز وجل-: ﴿ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ كأنه قال: ذات انفطار، ولم يرد أن يُجريه على الفعل.

ثم قال: وهذه التاء إذا دخلت على هذه الصفات الجارية على أفعالها لم يتغير بناؤها عما كانت عليه قبل، وذلك نحو: قائم، وقائمة، وضارب، وضاربة".

وقد ورد قول أبي علي المذكور في المتن في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 50.

(٣٣) ما بين قوسين ساقط من (أ).

(٣٤) غير واضحة في (ع).

(٣٥) "تفسير مقاتل" 213/ ب.

(٣٦) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٧) بياض في (ع).

(٣٨) قوله تعالى: (أدنى من ثلثي الليل) مطموس في (ع).

(٣٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٤٠) "تفسير مقاتل" 213/ ب.

(٤١) (بالذي هو خير) ساقط من (ع).

(٤٢) قال الواحدي في تفسير "أدنى" البقرة: 90: "يحتمل أن تكون "أدنى" أفعل من الدنو، ومعناه: أتستبدلون الذي هو أقرب وأسهل متناولًا يشارككم في وجدانه كل أحد بالرفيع الجليل الذي خصكم الله، وبين الأثرة لكم به على جميع الناس".

(٤٣) بياض في (ع).

(٤٤) قرأ بالنصب في "ونصفَه وثلثَه" عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن كثير.

انظر: "السبعة" 658، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 724، و"الحجة" 6/ 336، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 354، و"التبصرة" 713، و"تحبير التيسير" 194، و"البدور الزاهرة" 328.

(٤٥) قرأ بجر "ونصفِه" أبو عمرو، ونافع، وابن عامر.

انظر المراجع السابقة.

(٤٦) ما بين القوسين من الحجة لأبي علي من غير عزو: 6/ 336 - 337 بتصرف.

(٤٧) بياض في (ع).

(٤٨) قال الفراء في قراءة النصب: وهو أشبه بالصواب.

"معاني القرآن" 3/ 199.

وقال الطبري: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

"جامع البيان" 29/ 140.

(٤٩) لم أعثر على مصدر لقوله؛ غير أن لابن عباس ما يعضد أثره الحديث: أن ابن عباس بات ليلة عند ميمونة أم المؤمنين -وهي خالته- قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله -  - وأهلُه في طولها، فنام رسول الله -  - حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله -  - فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي ...

" الحديث.

صحيح مسلم: 1/ 526 - 527 ح: 182، صلاة المسافرين: باب 25.

ورواه أبو داود في "سننه" 1/ 344، باب في صلاة الليل.

(٥٠) ومعنى قوله: الذي افترض الثلث وأكثر من الثلث تفسير لمعنى أدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه، وهو معنى من قرأ بالنصب.

(٥١) ساقط من (أ).

(٥٢) ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من "الحجة" 6/ 337 بتصرف.

(٥٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥٤) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥٥) "تفسير مقاتل" 213/ ب.

(٥٦) بياض في (ع).

(٥٧) في (أ): وثلثه.

(٥٨) بياض في (ع).

(٥٩) ورد قوله في "تفسير مقاتل" 213/ ب، 214/ أ، و "معالم التنزيل" 4/ 411 مختصرًا، و"التفسير الكبير" 30/ 186، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 51 - 52.

(٦٠) انظر: "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري 2/ 1248، و"البيان في غريب إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 472.

(٦١) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٦٢) "تفسير مقاتل" 214/ أ.

(٦٣) ورد قوله في "التفسير الكبير" 30/ 187.

(٦٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٦٥) "تفسير مقاتل" 214/ أ.

(٦٦) "الكشف والبيان" 12/ 203/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 411، و"زاد المسير" 8/ 118، و"التفسير الكبير" 30/ 187، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 52، و"لباب التأويل" 4/ 325.

(٦٧) ساقط من (أ).

(٦٨) رواية عائشة  ا مخرجة في صحيح مسلم: 1/ 513 ح: 139 (746)، كتاب صلاة المسافرين: باب 18 من حديث طويل الشاهد فيه: أنبئيني عن قيام رسول الله -  - فقالت: ألست تقرأ: يا أيها المزمل؟

قلت: بلى.

قالت: فإن الله -عز وجل- افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله -  - وأصحابه حولًا وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة" الحديث.

وأبو داود في "سننه" 1/ 337، باب في صلاة الليل.

والنسائي في "سننه" 3/ 221 - 222 ح: 1600، == كتاب الصلاة، باب 2.

وأيضًا النسائي في "تفسيره" 2/ 470 ج: 647 مختصرًا.

والحاكم في "المستدرك" 2/ 504 مختصرًا جداً وصححه، ووافقه الذهبي في التلخيص.

والبيهقي في "سننه" 2/ 703 ح: 4638، كتاب الصلاة، باب 593، و3/ 43 ح: 480 كتاب الصلاة، باب 643.

وأحمد في "المسند" 6/ 53 - 54.

(٦٩) "جامع البيان" 29/ 141، و"المحرر الوجيز" 5/ 391، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 52 بمعناه.

(٧٠) "جامع البيان" 29/ 141، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 203/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 52، و"فتح القدير" 5/ 321، وانظر: "تفسير السدي" 465.

(٧١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٧٢) قوله (من فضل الله) ساقط من (أ).

(٧٣) قوله (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) ساقط من (ع).

(٧٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٧٥) "تأويل مشكل القرآن" 264 - 265 بنصه نقله الإمام الواحدي.

وقد عني بقوله: كذلك قال المفسرون: مقاتلًا؛ لأنه هو الذي قال: إن أول السورة نسختها الصلوات الخمس، وقد ذكر الرد على ذلك في موضعه فليراجع.

(٧٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٧٧) في (ع): ثبت على المؤمنين خاصة.

ولا يستقيم الكلام بها في هذا الموضع، فلعلها سهو من الناسخ، والله أعلم.

(٧٨) "تفسير مقاتل" 214/ أ.

(٧٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨٠) "معالم التنزيل" 4/ 412، و"زاد المسير" 8/ 118، و"لباب التأويل" 4/ 325.

(٨١) بياض في (ع).

(٨٢) "تفسير مقاتل" 214/ أ.

(٨٣) يعني به مقاتلًا.

(٨٤) لم أعثر على مصدر قوله.

(٨٥) يعني به مقاتلًا.

(٨٦) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 244 نقله عنه بتصرف.

(٨٩) قلت: الآية عامة في كل ما يقدمه العبد من خير في الدنيا أنه أعظم أجرًا، وما يؤخره من وصية عند الموت، فهو من الخير الذي يقدمه لآخرته.

قال الإمام الطبري في تفسير الآية: "وما تقدموا أيها المؤمنون لأنفسكم من نفقة في وجوه الخير، أو عمل بطاعة الله من صلاة أو صيام أو حج أو غير ذلك من أعمال الخير في طلب ما عند الله تجدوه عند الله يوم القيامة في معادكم هو خيرًا لكم بما قدمتم في الدنيا، وثوابه أعظم من ذلك الذي قدمتموه لو لم تكونوا قدمتموه".

"جامع البيان" 19/ 142.

(٩٠) قوله: (إن الله غفور رحيم) ساقط من (أ).

(٩١) "تفسير مقاتل" 214/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 188.

(٩٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٩٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً ﴾ خطاب لجميع الناس، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة، وقال الزمخشري: هو خطاب لأهل مكة ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ أي يشهد على أعمالكم من الكفر والإيمان والطاعة والمعصية، وإنما يشهد على من أدركه لقوله صلى الله عليه وسلم: أقول كما قال أخي عيسى: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [المائدة: 117] ﴿ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ﴾ يعني موسى عليه السلام وهو المراد بقوله: ﴿ فعصى فِرْعَوْنُ الرسول ﴾ فاللام للعهد ﴿ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ﴾ أي عظيماً شديداً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أو انقص ﴾ بكسر الواو للساكنين: حمزة وعاصم وسهل.

الآخرون: بضمها للإتباع ﴿ ناشية ﴾ بالياء: يزيد والشموني والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون.

بالهمزة ﴿ وطأ ﴾ بكسر الواو وسكون الطاء: ابن عامر وأبو عمرو.

الآخرون: بالمد مصدر واطأت مواطأة ووطاء ﴿ رب المشرق ﴾ بالخفض على البدل ﴿ من ربك ﴾ ابن عامر ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع على المدح أي هورب.

﴿ ونصفه وثلثه ﴾ بالنصب فيهما: عاصم وحمزة وعلى وابن كثير وخلف.

الوقوف ﴿ المزمل ﴾ ه لا ﴿ إلا قليلاً ﴾ ه لا ﴿ قليلاً ﴾ ه لا ﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ قيلاً ﴾ ه ط ﴿ طويلاً ﴾ ه ط ﴿ تبتيلاً ﴾ ه ط بالخفض لا يقف ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه م ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وجحيماً ﴾ ه لا ﴿ أليماً ﴾ ه وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ترون ما ترون.

﴿ مهيلاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبيلا ﴾ ه ﴿ شيباً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة يوماً ﴿ به ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ والنهار ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ط ﴿ مرضى ﴾ لا للعطف ﴿ من فضل الله ﴾ لا لذلك ﴿ في سبيل الله ﴾ ج لطول الكلام والوصل أولى للتكرار ﴿ فاقرؤا ﴾ ه ﴿ منة ﴾ لا للعطف ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ أجرأ ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير ﴿ المزمل ﴾ أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي  بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه.

فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل  خافه فظن أن به مساً من الجن فرجع من الجبل مرتعداً وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه ﴿ يا أيها المزمل ﴾ فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن قال الكلبي: إنما تزمل النبي  بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.

ومثله عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقال: إنه  كان تزمل مرطاً سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي.

وقيل: أنه  كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر أن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة، وقال عكرمة: إشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يأيها الذي احتمل أمراً عظيماً يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل.

قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ.

وقيل: كان واجباً عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله ﴿ نصفه ﴾ بدل من الليل و ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلاً أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه.

وإن شئت جعلت ﴿ نصفه ﴾ بدلاً من ﴿ قليلاً ﴾ لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة لا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفاً فشيئاً فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييراً بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في ﴿ منه ﴾ و ﴿ عليه ﴾ راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص القليل أو أزيد منه قليلاً فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلاً، وإن شئت على تقدير إبدال النصف من ﴿ قليلاً ﴾ جعلت ﴿ قليلاً ﴾ الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلاً نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلاً نصفه وهو الثمن فيكون تخييراً بين النصف وحده والرابع والثمن معاً والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع بعض الإيضاح.

وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله ﴿ قليلاً ﴾ الثلث لقوله  في السورة ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ﴾ ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين إلا أن النبي  ربما يتفق له خطأ بالإجتهاد أو النوم فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض.

وليس هذا مما يقدح في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ فيصير تقدير الآية.

قم الثلثين ثم نصف الليل.

أو انقص من النصف، أو زد عليه.

والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة.

عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين.

ثم علم أدب القراءة فقال ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات ومنه " ثغر مرتل " إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور الأقحوان.

سئلت عائشة عن قراءة النبي  فقالت: لا كسر دكم.

هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها.

وفي قوله ﴿ ترتيلاً ﴾ زيادة تأكيد في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور.

حين أمره بقيام الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ كأنه قال: صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعداً لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر.

وقيل: ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقاً.

ومنه قيل " برحاء الوحي ".

وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم وقال الفراء: كلام له وزن وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به.

وقيل: باقٍ على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه.

وقيل: يثقل إدراك معانيه وإحضارها.

والفرق بين أقسامها من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل.

ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ فيها قولان: أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير والضحاك والكسائي وذلك أنها مباديء نشوء الليل.

والثاني أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في الليل.

وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت.

ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل.

ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟

قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد النوم.

وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية والإنفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية التي تكون بالنهار.

الوطاء والمواطأة الموافقة.

قال الحسن: يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو القيام.

ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله " اللهم أشدد وطأتك على مضر " ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ وأشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش.

قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و "أصوب قيلاً " فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي ﴿ أقوم ﴾ فقال: إنهما واحد.

قال ابن جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو الألفاظ.

قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ القرآن جائز.

ثم أكد أمر قيام الليل بقوله ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ قال المبرد: أي تصرفاً وتقلباً في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه السابح لتقلبه بيديه ورجليه.

وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.

وقيل: أن لك في النهار مجالاً للنوم والإستراحة وللتصرف في الحوائج.

ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام الليل ما هو فصله في شيئين ذكر إسم الرب والتبتل إليه وهو الإنقطاع إلى الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد.

فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلاً لأن المقصود بالذات هو التبتل فبين أولاً ما هو المقصود ثم أشار أخيراً إلى سببه تأكيداً مع رعاية الفاصلة.

ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال ﴿ رب المشرق والمغرب ﴾ لأن التكميل والأحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وهو إشارة إلى كماله  في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه مراد المحبوب الحق جل ذكره.

وقوله ﴿ فاتخذه وكيلاً ﴾ كالنتيجة لما قبله، وفيه إن من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضياً بإلهيته معترفاً بربوبيته، وفيه تسلية للنبي  أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين.

ثم أمره بالصبر عند الإختلاط بالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم.

والهجر الجميل أن يخالفهم بقلبه ويداريهم بالإغضاء وترك المكافآت ومن المفسرين من قال: إنه منسوخ بآية القتال وقد عرفت مراراً أنه لا ضرورة إلى التزام النسخ.

في أمثال هذه الآية.

ثم أمره بأن يخلي بينه وبين المكذبين أصحاب الترفه.

والنعمة بالفتح التنعم وهم صناديد قريش ولم يكن هناك منع ولكنه  أجرى الكلام على عادة المحاورات، والغرض أنه  يكفي في رفع شرور الكفرة ودفع إيذائهم ثم فصل ما سيعذب به أهل التكذيب مما يضاد تنعمهم.

والإنكال جمع نكل بالكسر أو نكل بالضم وهي القيود الثقال.

عن الشعبي: إذا ارتفعوا استلفت بهم.

والطعام ذو الغصة هو الذي ينشب في الحلق كالزقوم والضريع فلا ينساغ، وقد يمكن حمل هذه الأمور على العقوبات الروحانية فالإنكال عبارة عن بقاء النفس في قيود العلائق الحسية والملكات الوهمية، والجحيم نيران الحسرة والحيرة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.

ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق الجلال والبقاء في ظلمة الضلال والتنوين في هذه الألفاظ للتعظيم أو النوع.

ثم وصف اليوم فيه هذه الأحوال والأهوال فقال ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ الرجفة الزلزلة والكثيب الرمل المجتمع " فعلي" " بمعنى " " مفعول " من كثب الشيء جمعه.

وقال الليث: الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به.

وسمي الكثيب كثيباً لأن ترابه دقاق كأنه نثر بعضه على بعض لرخاوته، والمهيل السائل تراب مهيل ومهيول أي مصبوب وإنما لم يقل كثيبة مهيلة لأنها باسرها تجتمع فتصير واحداً، أو المراد كل واحد منها، وحين خوف المكذبين بأهوال الآخرة خوفهم بأهوال الدنيا مثل ما جرى على الأمم السابقة لا سيما فرعون وجنوده.

وإنما خصص قصة موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم الباقية ومعجزاته أبهر فكان تشبيه نبينا  بحال أنسب.

ومعنى ﴿ شاهدا عليكم ﴾ كما مر في قوله ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ إنما عرّف الرسول ثانياً لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر والأخذ الوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم.

قال أبو زيد: هو الذي لا يستمر ألو خامته ومنه كلأ مستوبل.

ثم عاد إلى توبيخهم مرة بعد أخرة قائلاً ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً ﴾ وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به ﴿ لتتقون ﴾ أي كيف تحذرون ذلك اليوم لو كفرتم أي إن جحدتم يوم الجزاء فكيف تدعون تقوى الله وخوف عقابه؟

ويجوز أن يكون ظرفاً ﴿ لتتقون ﴾ أي فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟

ثم ذكر من هول ذلك اليوم شيئين: الأول أنه يجعل الولدان شيئاً جمع أشيب نحو بيض جمع أبيض فقيل: إنه وصفه بالطول بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب.

والأكثرون على أنه مثل في الشدة كما قيل " يوم يشيب نواصي الأطفال " والأصل فيه قول الحكماء إن الهموم والأحزاب تسرع الشيب لإقتضائهما احتباس الروح إلى داخل القلب المستتبع لانطفاء الحرارة الغريزية المستعقب لفجاجة الأخلاط واستيلاء البلغم المتكرج.

وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز.

وجوزه بعضهم بناء على أن ذلك اليوم أمر غير داخل تحت التكليف وقد حكي أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية فقال: أرأيت القيامة والنار في المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك وأصبحت كما ترون.

الثاني قوله ﴿ السماء منفطر به ﴾ وإنما ذكر السماء لأن تأنيثه غير حقيقي، أو بتأويل السقف، أو بتأويل الشيء المنفطر أو ذات انفطار.

والباء في ﴿ به ﴾ بمعنى " في " عند الفراء، أو للآلة نحو فطرت العود بالقدوم أي أنها تنفطر بسبب هول ذلك اليوم، أو تثقل به إثقالاً يؤدي إلى إنفطارها كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض  ﴾ ﴿ كان وعده ﴾ أي وعد الله وقيل وعد اليوم فيكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول ﴿ إن هذه ﴾ الآيات المشتملة على التكاليف والتخاويف ﴿ تذكرة ﴾ موعظة شافية ﴿ فمن شاء إتخذ إلى ﴾ قرب ﴿ ربه سبيلاً ﴾ بالإتعاظ والإدكار والتوسل بالطاعة والتجنب عن المعصية.

قال المفسرون: إن النبي  وأصحابه شمروا بعد نزول أوائل السورة عن ساق الجد في شأن قيام الليل، وتركوا الرقاد حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فلا جرم رحمهم ربهم وخفف عنهم قائلاً ﴿ إن ربك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ أقل منهما.

قال أهل المعاني والبيان: إنما استعير الأدنى للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز ﴿ و ﴾ تقوم ﴿ نصفة وثلثه ﴾ وهذا مطابق لما مر أو لأن التخيير بين النصف والناقص منه إلى الثلث وبين الزائد على النصف إلى الثلثين.

ومن قرأ بالجر فمعناه يقوم أقل من الثلثين وهو النصف، وأقل من النصف وهو ثلثه، وأقل من الثلث وهو الربع وهو مطابق للوجه الآخر.و قوله ﴿ وطائفة ﴾ عطف على المستتر في ﴿ يقوم ﴾ وجاز من غير تأكيد للفصل ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ فلا يعرف ما مضى من كل منهما أي آن يفرض إلا هو.

وهذا الحصر ينبيء عنه بناء الكلام على الإسم دون الفعل.

ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ أي لا يصح منكم ضبط أوقات الليل كما هي إلا أن تأخذوا بالأوسع الأحوط وذلك شاق عليكم ﴿ فتاب عليكم ﴾ ما فرط منكم في مساهلة حصر الأوقات ورفع تبعته عنكم ﴿ فاقرؤا ما تيسر من القرآن ﴾ الأكثرون على أن القراءة ههنا عبارة عن الصلاة كما يعبر عنها بالقيام والركوع والسجود، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم بالليل فيكون هذا ناسخاً للأول.

ثم إنهما نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس، أو نسخ هذا وحده بهن.

وعن بعضهم أنها القراءة حقييقة.

وروي " "من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ومن قرأ مائة آية أو خمسين كتب من القانتين " ثم بيّن الحكمة في النسخ فقال ﴿ علم ﴾ وهو استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ.

و" أن " في قوله ﴿ أن سيكون ﴾ مخففة من الثقيلة اسمها الشأن و " كان " تامة أي سيوجد ﴿ منكم مرضى ﴾ هي جمع مريض ﴿ وآخرون ﴾ عطف عليه في الموضعين سوى الله  بين المسافرين للكسب الحلال والمجاهدين في سبيله فما أنصف من جانبه من العلماء مستنكفاً عنه إلى طلب ما لم يجوز أخذ الأجرة عليه كالإمامة والقضاء والتدريس يرى أنه منصب من المناصب الدينية فيضع دينه للذة خيالية لا اعتداد بها عند العقلاء.

عن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، وعن عبد الله ابن مسعود مرفوع ظناً.

أيما رجل جلب شيئاًً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء.

وظاهر أن المرضى لا يمكنهم الإشتغال بالتجهد لمرضهم.

وأما المسافرون والمجاهدون فمشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو اشتغلوا بالعبادة في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم قوله ﴿ فاقرؤا ما تيسر منه ﴾ من إعادة الأوّل تأكيداً للرخصة، عن ابن عباس: سقط عن أصحاب النبي قيام الليل وصار تطوعاً وبقي ذلك فريضاً على النبي  .ثم أمر بإقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهذا أيضاً مما يغلب على الظن أن الآية مدنية.

وقيل: هي زكاة الفطر.

ثم أشار إلى صدقة التطوع بقوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ ويحتمل أني عود هذا أيضاً إلى الزكاة أي أقرضوا الله بإيتاء الزكاة، وفيه أن إخراج الزكاة ينبغي أن يكون على أحسن وجه من مراعاة النية الخالصة والصرف إلى المستحقين وكونها من أطيب الأموال لا أقل من الوسط.

ثم حث على الإنفاق مطلقاً بقوله ﴿ وما تقدموا ﴾ الآية وقوله ﴿ هو ﴾ صيغة الفصل.

وقوله ﴿ خيراً ﴾ ثاني مفعولي ﴿ تجدوه ﴾ ثم حرض على الإستغفار في جميع الأحوال وإن كان طاعات لما عسى أن يقع فيها تفريط وإليه المرجع والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً ﴾ .

قوله: ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ قال أبو بكر الأصم: تأويله: مبينا لكم ما لله  عليكم من الحق.

وجائز أن يكون ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: لكم وعليكم جميعا؛ فيكون على الكفرة شاهدا بقوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ  ﴾ ، ويكون للمؤمنين شاهدا، وقد يذكر "عليكم" ويراد به "لكم" كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، أي: للنصب؛ لأنهم كانوا يذبحون لها، لا عليها.

وخص ذكر موسى -  - وفرعون من بين الجملة؛ ففائدة ذكر التخصيص هو - والله أعلم - أن رسول الله  كان منشَؤه بين ظهراني الذين كذبوه، ولم يكن وقفوا منه على كذبة قط؛ بل كانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وكان بمحل يرونه أهلا للشهادة؛ فكيف ينسبونه إلى الكذب، ولم يعهدوا ذلك منه، وكذلك موسى -  - كان نشأ بين ظهراني أولئك الذين أرسل إليهم، وكانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وعرفوا أنه يصلح للشهادة.

ومنهم من يقول بأنهم ازدروا برسول الله  ، واستصغروه؛ اعتبارا بما شهدوا من حاله عند الصغر؛ إذ كان نشوءه فيهم؛ وكذلك ازدروا بموسى -  - حين بعث إليهم، واستخفوا به استخفافهم به في حال الصغر، حتى قالوا: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ  ﴾ ، فنزل بهم ما نزل بأولئك من الاستئصال بتكذيبهم إياه، وازدرائهم به، فذكرهم حال مكذبي موسى -  - وما نزل بهم من مقت الله  بتكذيبهم وازدرائهم به ليعتبروا به؛ فينقلعوا عن الازدراء؛ لئلا يحل بهم ما حل بأولئك.

ولئلا يغتروا بقواهم، وكثرة عددهم وأموالهم؛ فإن مكذبي موسى -  - كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأشد بطشا؛ فلم يغنهم ذلك من الله -  - شيئا.

وجائز أن يكون خص ذكر موسى -  - وفرعون ونبأهما؛ لأن خبره كان منتشرا فيما بين أهل مكة؛ لأنهم كانوا جيرة اليهود الذين عندهم نبأ موسى -  - وفرعون، فكانوا يخبرونهم بما حل بفرعون وقومه بتكذيبهم الرسول؛ فذكرهم نبأ موسى -  - لينتهوا ما هم عليه من التكذيب.

ولأن لله  أن يحتج عليهم بآحاد الحجج، وله أن يحتج عليهم بجملتها؛ إذ في ذلك قطع الشبه، وإزاحة العذر.

أو ذكرهم نبأ موسى -  - وقومه؛ لأن العهد بهم كان أقرب؛ إذ قومه كانوا آخر قوم استؤصلوا في الدنيا.

وقوله: ﴿ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ﴾ ، أي: شديدا: ومنه: المطر الشديد يسمى الوابل.

وقال أبو بكر: اسم لكل معضلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ ، فهو يحتمل أوجها: أحدها: أي: كيف تتقون النار في الآخرة إذا سلكتم في الدنيا سبيلها - وهو الكفر - وأنتم تعلمون أن من سلك طريقا لشيء ولا منفذ لذلك الطريق إلا إلى ذلك الشيء؛ فإنه يرد عليه لا محالة.

أو كيف تتقون النار في الآخرة، وقد تركتم القيام بما عليكم من شكر النعم.

أو كيف تتقون العذاب في الآخرة وأنتم تدفعون إليها، وتضطرون بقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ، وقد مكنتم في الدنيا من الإيمان بالله  ، ومكنتم من الانتهاء عن الكفر، ثم لم تنقلعوا عنه، فأنى يتهيأ لكم المخلص من عذابه، وأنتم تدفعون إليه.

أو كيف تنتفعون بإيمانكم في الآخرة، ولم تؤمنوا في الدنيا، وقد مكنتم به.

والأصل أن دار الآخرة ليست بدار لاستحداث الأسباب، وإنما هي دار وقوع المسببات؛ فهم إذا لم يستحدثوا الأسباب التي جعلت لدفع العذاب في الدنيا، لم يمكنوا من استحداثها في الآخرة فينتفعوا بها، ولم يكونوا أهلا لوقوع المسببات؛ لما لم يستحدثوا الأسباب في الدنيا، وإنما قلنا: إنها ليست بدار محنة وابتلاء؛ لأن المحنة؛ لاستظهار الخفيات، والثواب والعقاب قد شوهد وعوين؛ فإذا قيل: إذا فعلت كذا، دخلت النار وهو يعاين النار، ويراها، فهو يمتنع عن الإقدام على ذلك الفعل، وإذا قيل له: إذا آمنت بالله  أكرمت بالجنة، وهو يشاهد الجنة، ويراها، فهو يؤمن لا محالة؛ فلا وجه للابتلاء في الآخرة؛ بل هي دار وقوع المسببات يعني: الثواب والعقاب؛ والذي يدل على هذا قوله: ﴿ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ ، فأخبر أنهم يشيبون لا بسبب المشيب، والمشيب في الدنيا لا يوجد إلا بعد وجود سببه، وهو الكبر ليعلم أن الدار الآخرة ليست بدار استحداث الأسباب؛ فما يستحدثون من الإيمان بالله  لا ينفعهم في ذلك اليوم، ولا يقيهم من عذاب الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ جائز أن يكون هذا على التحقيق، فيشيب الولدان لهول ذلك اليوم، ويصير الشيب سكارى؛ لشدة هوله؛ كما قال  : ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ  ﴾ .

وجائز أن يكون على التمثيل، لا على [تحقيق الشيب]، فمثله به؛ لعظم ذلك اليوم، وشدة هوله، وقد يجوز أن يمثل الشيء بما يبعد عن الأوهام تحقيقه؛ على تعظيم ذلك الشيء، كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ ، فذكر هذا على التمثيل؛ لعظم ما قيل فيه، لا على تحقيق الانفطار والانشقاق.

وجائز أن يكون معناه: أنه لولا أن الله -  - بعثهم للإبقاء وألا يتغيروا، ولا يتفانوا، وإلا كان هول ذلك اليوم يبلغ مبلغا يشيب به الولدان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ : أي: بما يجعل الولدان شيبا، وهو هول ذلك اليوم، وشدة فزعه.

أو منفطر بالغمام.

وقيل: منفطر بالله، أي: بقضائه وحكمه، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، ولم يقل: "منفطرة"، والسماء مؤنث؛ فذكر الزجاج: أن معنى قوله: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، أي: ذات انفطار، فعبر بها كما يعبر عن الذكور؛ كما يقال: امرأة مرضع، أي: ذات إرضاع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴾ : أي: الذي وقع به الوعد مفعول، لا أن يكون الوعد هو المفعول، وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً  ﴾ ، والوعد لا يؤتى، بل الموعود هو الذي يؤتى، ولكن نسب الموعود إلى الوعد؛ لأنه من آثاره، وهذا كما يقال: المطر رحمة الله، أي: برحمة الله ما أمطروا، لا أن يكون المطر رحمته، ويقال: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله ما تقام، لا أن تكون أمره الذي يوصف به؛ فكذلك الموعود نسب إلى الوعد؛ إذ بالوعد ما استوجبوا، لا أن يكون الوعد هو المفعول وهو المأتي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذِهِ ﴾ منصرفا إلى الأهوال التي ذكرها فيكون ذكرها تذكرة.

ويحتمل أن ينصرف إلى الرسالة، أي: رسالة محمد  تذكرة.

ويحتمل: أي: هذه السورة، أو الآيات كلها تذكرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ : قال بعضهم: من شاء اتخذ عند ربه جاهاً ومنزلة لنفسه.

أو ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ .

[أي] إلى ما دعاه إليه ربه، وذلك يكون بالإجابة فيما دعاه إليه.

أو من شاء اتخذ إلى ما وعد له ربه في الآخرة سبيلا في أن يقبل على طاعته، ويشغل نفسه بعبادته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا بعثنا إليكم رسولًا شاهدًا على أعمالكم يوم القيامة مثلما أرسلنا إلى فرعون رسولًا هو موسى  .

<div class="verse-tafsir" id="91.Klqpw"

مزيد من التفاسير لسورة المزمل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله