الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ١ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 213 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهي مدنية ، آياتها سبعون وست آيات ، كلماتها ألف كلمة ، وستمائة كلمة ، وإحدى وثلاثون كلمة ، حروفها خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفا ، والله أعلم .
قال البخاري : قال ابن عباس الأنفال : الغنائم : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا سعيد بن سليمان ، أخبرنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : سورة الأنفال ؟
قال : نزلت في بدر .
أما ما علقه عن ابن عباس ، فكذلك رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس أنه قال : " الأنفال " : الغنائم ، كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصة ، ليس لأحد منها شيء .
وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، والضحاك ، وقتادة ، وعطاء الخراساني ، ومقاتل بن حيان ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد : إنها الغنائم .
وقال الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس أنه قال : الأنفال : الغنائم ، قال فيها لبيد : إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي والعجل وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن القاسم بن محمد قال : سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن الأنفال ، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : الفرس من النفل ، والسلب من النفل .
ثم عاد لمسألته ، فقال ابن عباس ذلك أيضا .
ثم قال الرجل : الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي ؟
قال القاسم : فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه ، فقال ابن عباس : أتدرون ما مثل هذا ، مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن القاسم بن محمد قال : قال ابن عباس : كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا سئل عن شيء قال : لا آمرك ولا أنهاك .
ثم قال ابن عباس : والله ما بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلا زاجرا آمرا محلا محرما .
قال القاسم : فسلط على ابن عباس رجل يسأله عن الأنفال ، فقال ابن عباس : كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه .
فأعاد عليه الرجل ، فقال له مثل ذلك ، ثم أعاد عليه حتى أغضبه ، فقال ابن عباس : أتدرون ما مثل هذا ؟
مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب ، حتى سالت الدماء على عقبيه - أو على : رجليه فقال الرجل : أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك .
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس : أنه فسر النفل بما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه ، بعد قسم أصل المغنم ، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل ، والله أعلم .
وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إنهم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخمس بعد الأربعة الأخماس ، فنزلت : ( يسألونك عن الأنفال ) وقال ابن مسعود ومسروق : لا نفل يوم الزحف ، إنما النفل قبل التقاء الصفوف .
رواه ابن أبي حاتم عنهما .
وقال ابن المبارك وغير واحد ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء بن أبي رباح : ( يسألونك عن الأنفال ) قال : يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال ، من دابة أو عبد أو أمة أو متاع ، فهو نفل للنبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع به ما يشاء .
.
وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء ، وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال .
وقال ابن جرير : وقال آخرون : هي أنفال السرايا ، حدثني الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا علي بن صالح بن حي قال : بلغني في قوله تعالى : ( يسألونك عن الأنفال ) قال : السرايا .
ويعني هذا : ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش ، وقد صرح بذلك الشعبي ، واختار ابن جرير أنها الزيادات على القسم ، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية ، وهو ما رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا أبو إسحاق الشيباني ، عن محمد بن عبد الله الثقفي ، عن سعد بن أبي وقاص قال : لما كان يوم بدر ، وقتل أخي عمير ، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه ، وكان يسمى " ذا الكتيفة " ، فأتيت به نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : اذهب فاطرحه في القبض .
قال : فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي .
قال : فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اذهب فخذ سيفك .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا أبو بكر ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد بن مالك قال : قال : يا رسول الله ، قد شفاني الله اليوم من المشركين ، فهب لي هذا السيف .
فقال : إن هذا السيف لا لك ولا لي ، ضعه قال : فوضعته ، ثم رجعت ، قلت : عسى أن يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي !
قال : رجل يدعوني من ورائي ، قال : قلت : قد أنزل الله في شيئا ؟
قال : كنت سألتني السيف ، وليس هو لي وإنه قد وهب لي ، فهو لك قال : وأنزل الله هذه الآية : ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) ورواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من طرق ، عن أبي [ بكر ] بن عياش ، به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي : أخبرنا شعبة ، أخبرنا سماك بن حرب ، قال : سمعت مصعب بن سعد ، يحدث عن سعد قال : نزلت في أربع آيات : أصبت سيفا يوم بدر ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : نفلنيه .
فقال : ضعه من حيث أخذته مرتين ، ثم عاودته فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ضعه من حيث أخذته ، فنزلت هذه الآية : ( يسألونك عن الأنفال .
وتمام الحديث في نزول : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) [ العنكبوت : 8 ] وقوله تعالى : ( إنما الخمر والميسر ) [ المائدة : 90 ] وآية الوصية .
وقد رواه مسلم في صحيحه ، من حديث شعبة ، به .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن بعض بني ساعدة قال : سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول : أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر ، وكان السيف يدعى بالمرزبان ، فلما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل ، أقبلت به فألقيته في النفل ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع شيئا يسأله ، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ، فسأله رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فأعطاه إياه .
ورواه ابن جرير من وجه آخر .
[ سبب آخر في نزول الآية ] : وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحول ، عن أبي أمامة قال : سألت عبادة عن الأنفال ، فقال : فينا - أصحاب بدر - نزلت ، حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فانتزعه الله من أيدينا ، وجعله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين عن بواء - يقول : عن سواء .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا معاوية بن عمرو ، أخبرنا أبو إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، عن سليمان بن موسى ، عن أبي سلام ، عن أبي أمامة ، عن عبادة بن الصامت قال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهدت معه بدرا ، فالتقى الناس ، فهزم الله [ تعالى ] العدو ، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون ، وأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه .
وأحدقت طائفة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصيب العدو منه غرة ، حتى إذا كان الليل ، وفاء الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها ، فليس لأحد فيها نصيب .
وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق به منا ، نحن منعنا عنها العدو وهزمناهم .
وقال الذين أحدقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لستم بأحق منا ، نحن أحدقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخفنا أن يصيب العدو منه غرة ، فاشتغلنا به ، فنزلت : ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين ، وكان رسول الله إذا غار في أرض العدو نفل الربع ، فإذا أقبل وكل الناس راجعا ، نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال ويقول : ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم .
ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث سفيان الثوري ، عن عبد الرحمن بن الحارث به نحوه ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن .
ورواه ابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن الحارث وقال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه .
وروى أبو داود والنسائي ، وابن جرير ، وابن مردويه - واللفظ له - وابن حبان ، والحاكم من طرق ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا ، فتسارع في ذلك شبان الرجال ، وبقي الشيوخ تحت الرايات ، فلما كانت المغانم ، جاءوا يطلبون الذي جعل لهم ، فقال الشيوخ : لا تستأثروا علينا ، فإنا كنا ردءا لكم ، لو انكشفتم لفئتم إلينا .
فتنازعوا فأنزل الله تعالى : ( يسألونك عن الأنفال ) إلى قوله : ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) وقال الثوري ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا .
فجاء أبو اليسر بأسيرين ، فقال : يا رسول الله ، وعدتنا ، فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله ، إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ، ولا جبن عن العدو ، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك ، نخاف أن يأتوك من ورائك ، فتشاجروا ، ونزل القرآن : ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) قال : ونزل القرآن : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [ وللرسول ] ) إلى آخر الآية [ الأنفال : 41 ] .
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله - في كتاب " الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها " : أما الأنفال : فهي المغانم ، وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب ، فكانت الأنفال الأولى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول الله تعالى : ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) فقسمها يوم بدر على ما أراده الله من غير أن يخمسها على ما ذكرناه في حديث سعد ، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس ، فنسخت الأولى .
قلت : هكذا روى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، سواء .
وبه قال مجاهد ، وعكرمة والسدي .
وقال ابن زيد : ليست منسوخة ، بل هي محكمة .
قال أبو عبيد : وفي ذلك آثار ، والأنفال أصلها : جمع الغنائم ، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب ، وجرت به السنة .
ومعنى الأنفال في كلام العرب : كل إحسان فعله فاعل تفضلا من غير أن يجب ذلك عليه ، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم وإنما هو شيء خصه الله به تطولا منه عليهم بعد أن كانت المغانم محرمة على الأمم قبلهم ، فنفلها الله هذه الأمة فهذا أصل النفل .
قلت : شاهد هذا في الصحيحين عن جابر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي فذكر الحديث ، إلى أن قال : وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وذكر تمام الحديث .
ثم قال أبو عبيد : ولهذا سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نفلا وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم ، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإسلام والنكاية في العدو .
وفي النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع ، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى : فإحداهن : في النفل لا خمس فيه ، وذلك السلب .
والثانية : في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس ، وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب ، فتأتي بالغنائم فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس .
والثالثة : في النفل من الخمس نفسه ، وهو أن تحاز الغنيمة كلها ، ثم تخمس ، فإذا صار الخمس في يدي الإمام نفل منه على قدر ما يرى .
والرابعة : في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء ، وهو أن يعطى الأدلاء ورعاة الماشية والسواق لها ، وفي كل ذلك اختلاف .
قال الربيع : قال الشافعي : الأنفال : ألا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب .
قال أبو عبيد : والوجه الثاني من النفل هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم ، وذلك من خمس النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن له خمس الخمس من كل غنيمة ، فينبغي للإمام أن يجتهد ، فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم ، وقل من بإزائه من المسلمين ، نفل منه اتباعا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا لم يكن ذلك لم ينفل .
والوجه الثالث من النفل : إذا بعث الإمام سرية أو جيشا ، فقال لهم قبل اللقاء : من غنم شيئا فله بعد الخمس ، فذلك لهم على ما شرط الإمام ؛ لأنهم على ذلك غزوا ، وبه رضوا .
انتهى كلامه .
وفيما تقدم من كلامه وهو قوله : " إن غنائم بدر لم تخمس " ، نظر .
ويرد عليه حديث علي بن أبي طالب في شارفيه اللذين حصلا له من الخمس يوم بدر ، وقد بينت ذلك في كتاب السيرة بيانا شافيا ولله الحمد [ والمنة ] .
وقوله تعالى : ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) أي : اتقوا الله في أموركم ، وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا ؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه ، ( وأطيعوا الله ورسوله ) أي : في قسمه بينكم على ما أراده الله ، فإنه قسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف .
وقال ابن عباس : هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا [ الله ] ويصلحوا ذات بينهم .
وكذا قال مجاهد .
وقال السدي : ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) أي : لا تستبوا .
ونذكر هاهنا حديثا أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي - رحمه الله - في مسنده ، فإنه قال : حدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا عبد الله بن بكر حدثنا عباد بن شيبة الحبطي عن سعيد بن أنس ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس ، إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه ، فقال عمر : ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟
فقال : رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة ، تبارك وتعالى ، فقال أحدهما : يا رب ، خذ لي مظلمتي من أخي .
قال الله تعالى : أعط أخاك مظلمتك .
قال : يا رب ، لم يبق من حسناتي شيء .
قال : رب ، فليحمل عني من أوزاري ، قال : وفاضت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبكاء ، ثم قال : إن ذلك ليوم عظيم ، يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم ، فقال الله تعالى للطالب : ارفع بصرك فانظر في الجنان ، فرفع رأسه فقال : يا رب ، أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ ، لأي نبي هذا ؟
لأي صديق هذا ؟
لأي شهيد هذا ؟
قال : هذا لمن أعطى الثمن .
قال : يا رب ، ومن يملك ذلك ؟
قال : أنت تملكه .
قال : ماذا يا رب ؟
قال : تعفو عن أخيك .
قال : يا رب ، فإني قد عفوت عنه .
قال الله تعالى : خذ بيد أخيك فأدخله الجنة .
ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة .
يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الأنفال { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال } اختلف أهل التأويل في معنى الأنفال التي ذكرها الله في هذا الموضع , فقال بعضهم : هي الغنائم , وقالوا : معنى الكلام : يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غنمتها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي , فقل هي لله ولرسوله .
ذكر من قال ذلك .
12136 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا وكيع , قال : ثنا سويد بن عمرو , عن حماد بن زيد , عن عكرمة : { يسألونك عن الأنفال } قال : الأنفال : الغنائم .
12137 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : الأنفال : الغنائم .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : الأنفال : المغنم .
12138 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن جويبر , عن الضحاك : { يسألونك عن الأنفال } قال : الغنائم .
* - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { الأنفال } قال : يعني الغنائم .
12139 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : الأنفال : الغنائم .
* - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { يسألونك عن الأنفال } الأنفال : الغنائم .
12140 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , في قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : الأنفال : الغنائم .
12141 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : الأنفال : الغنائم .
12142 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا ابن المبارك , عن ابن جريج , عن عطاء : { يسألونك عن الأنفال } قال : الغنائم .
وقال آخرون : هي أنفال السرايا .
ذكر من قال ذلك .
12143 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا علي بن صالح بن حي , قال : بلغني في قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : السرايا .
وقال آخرون : الأنفال ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابة وما أشبه ذلك .
ذكر من قال ذلك .
12144 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا جابر بن نوح , عن عبد الملك , عن عطاء , في قوله : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } قال : هو ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال دابة أو عبد أو متاع , ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن عبد الملك , عن عطاء : { يسألونك عن الأنفال } قال : هي ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو متاع أو نفل , فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء .
12145 - قال : ثنا عبد الأعلى , عن معمر , عن الزهري , أن ابن عباس سئل عن الأنفال , فقال : السلب والفرس .
12146 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , ويقال : الأنفال : ما أخذ مما سقط من المتاع بعدما تقسم الغنائم , فهي نفل لله ولرسوله .
12147 - حدثني القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني عثمان بن أبي سليمان , عن محمد بن شهاب أن رجلا قال لابن عباس : ما الأنفال ؟
قال : الفرس والدرع والرمح .
12148 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : قال ابن جريج , قال عطاء : الأنفال : الفرس الشاذ , والدرع , والثوب .
12149 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن الزهري , عن ابن عباس , قال : كان ينفل الرجل فرس الرجل وسلبه .
12150 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني مالك بن أنس , عن ابن شهاب , عن القاسم بن محمد , قال : سمعت رجلا سأل ابن عباس عن الأنفال , فقال ابن عباس : الفرس من النفل , والسلب من النفل .
ثم عاد لمسألته , فقال ابن عباس ذلك أيضا , ثم قال الرجل : الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي ؟
قال القاسم : فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه , فقال ابن عباس : أتدرون ما مثل هذا ؟
مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن القاسم بن محمد , قال : قال ابن عباس : كان عمر رضي الله عنه إذا سئل عن شيء قال : لا آمرك ولا أنهاك .
ثم قال ابن عباس : والله ما بعث الله نبيه عليه السلام إلا زاجرا آمرا محللا محرما .
قال القاسم : فسلط على ابن عباس رجل يسأله عن الأنفال , فقال ابن عباس : كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه .
فأعاد عليه الرجل , فقال له مثل ذلك , ثم أعاد عليه حتى أغضبه , فقال ابن عباس : أتدرون ما مثل هذا ؟
مثل صبيغ الذي ضربه عمر حتى سالت الدماء على عقبيه , أو على رجليه , فقال الرجل : أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك .
* - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا ابن المبارك , عن عبد الملك , عن عطاء : { يسألونك عن الأنفال } قال : يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابة أو عبد , فهو نفل للنبي صلى الله عليه وسلم .
وقال آخرون : النفل : الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس .
ذكر من قال ذلك .
12151 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { يسألونك عن الأنفال } قال : هو الخمس .
قال المهاجرون : لم يرفع عنا هذا الخمس ؟
لم يخرج منا ؟
فقال الله : هو لله والرسول .
12152 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا عباد بن العوام , عن الحجاج , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماس , فنزلت : { يسألونك عن الأنفال } .
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال قول من قال : هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم ; إما من سلبه على حقوقهم من القسمة , وإما مما وصل إليه بالنفل , أو ببعض أسبابه , ترغيبا له وتحريضا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين , أو صلاح أحد الفريقين .
وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس من أنه الفرس والدرع ونحو ذلك , ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس ; لأن ذلك أمره إلى الإمام إذا لم يكن ما وصلوا إليه لغلبة وقهر , يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام , وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر .
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب , لأن النفل في كلام العرب إنما هو الزيادة على الشيء , يقال منه : نفلتك كذا , وأنفلتك : إذا زدتك , والأنفال : جمع نفل ; ومنه قول لبيد بن ربيعة : إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل فإذ كان معناه ما ذكرنا , فكل من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة , إن كان ذلك لبلاء أبلاه أو لغناء كان منه عن المسلمين , بتنفيل الوالي ذلك إياه , فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل , فهو منفل ما زيد من ذلك ; لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة في بعض الأحوال بحق , فليست من الغنيمة التي تقع فيها القسمة , وكذلك كل ما رضخ لمن لا سهم له في الغنيمة فهو نفل , لأنه وإن كان مغلوبا عليه فليس مما وقعت عليه القسمة .
فالفصل إذ كان الأمر على ما وصفنا بين الغنيمة والنفل , أن الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل أو لم ينفل ; والنفل : هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغناء عن الجيش على غير قسمة .
وإذ كان ذلك معنى النفل , فتأويل الكلام : يسألك أصحابك يا محمد عن الفضل من المال الذي تقع فيه القسمة من غنيمة كفار قريش الذين قتلوا ببدر لمن هو قل لهم يا محمد : هو لله ولرسوله دونكم , يجعله حيث شاء .
واختلف في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية , فقال بعضهم : نزلت في غنائم بدر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان نفل أقواما على بلاء , فأبلى أقوام وتخلف آخرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاختلفوا فيها بعد انقضاء الحرب , فأنزل الله هذه الآية على رسوله , يعلمهم أن ما فعل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فماض جائز .
ذكر من قال ذلك .
12153 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر بن سليمان , قال : سمعت داود بن أبي هند يحدث , عن عكرمة , عن ابن عباس , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى مكان كذا وكذا , فله كذا وكذا , أو فعل كذا وكذا , فله كذا وكذا " .
فتسارع إليه الشبان , وبقي الشيوخ عند الرايات .
فلما فتح الله عليهم , جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم , فقال لهم الأشياخ : لا تذهبوا به دوننا !
فأنزل الله عليه الآية : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } .
* - حدثنا المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : لما كان يوم بدر , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صنع كذا وكذا , فله كذا وكذا " قال : فتسارع في ذلك شبان الرجال , وبقيت الشيوخ تحت الرايات ; فلما كانت الغنائم , جاءوا يطلبون الذي جعل لهم , فقالت الشيوخ : لا تستأثروا علينا , فإنا كنا ردءا لكم , وكنا تحت الرايات , ولو انكشفتم لفئتم إلينا !
فتنازعوا , فأنزل الله : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } .
* - حدثني إسحاق بن شاهين , قال : ثنا خالد بن عبد الله , عن داود , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : لما كان يوم بدر , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من فعل كذا فله كذا وكذا من النفل " قال : فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات , فلم يبرحوا , فلما فتح عليهم , قالت المشيخة : كنا ردءا لكم , فلو انهزمتم انحزتم إلينا , لا تذهبوا بالمغنم دوننا !
فأبى الفتيان وقالوا : جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا فأنزل الله : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } قال : فكان ذلك خيرا لهم , وكذلك أيضا : أطيعوني فإني أعلم .
12154 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عكرمة في هذه الآية : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صنع كذا فله من النفل كذا " فخرج شبان من الرجال فجعلوا يصنعونه , فلما كان عند القسمة , قال الشيوخ : نحن أصحاب الرايات , وقد كنا ردءا لكم !
فأنزل الله في ذلك : { قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } .
12155 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا يعقوب الزبيري , قال : ثني المغيرة بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن سليمان بن موسى , عن مكحول مولى هذيل , عن أبي سلام , عن أبي أمامة الباهلي , عن عبادة بن الصامت , قال : أنزل الله حين اختلف القوم في الغنائم يوم بدر : { يسألونك عن الأنفال } إلى قوله : { إن كنتم مؤمنين } فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم عن سواء .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن محمد , قال : ثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا , عن سليمان بن موسى الأسدي , عن مكحول , عن أبي أمامة الباهلي , قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال , فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل , وساءت فيه أخلاقنا , فنزعه الله من أيدينا , فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن سواء , يقول : على السواء , فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وصلاح ذات البين .
وقال آخرون : إنما نزلت هذه الآية لأن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله من المغنم شيئا قبل قسمتها , فلم يعطه إياه , إذ كان شركا بين الجيش , فجعل الله جميع ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
ذكر من قال ذلك .
12156 - حدثني إسماعيل بن موسى السدي , قال : ثنا أبو الأحوص , عن عاصم , عن مصعب بن سعد , عن سعد , قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر بسيف , فقلت : يا رسول الله هذا السيف قد شفى الله به من المشركين !
فسألته إياه , فقال : " ليس هذا لي ولا لك " .
قال : فلما وليت , قلت : أخاف أن يعطيه من لم يبل بلائي .
فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي , قال : فقلت : أخاف أن يكون نزل في شيء !
قال : " إن السيف قد صار لي " .
قال : فأعطانيه , ونزلت : { يسألونك عن الأنفال } .
12157 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو بكر , قال : ثنا عاصم , عن مصعب بن سعد , عن سعد بن مالك , قال : لما كان يوم بدر , جئت بسيف , قال : فقلت : يا رسول الله , إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا , فهب لي هذا السيف !
فقال لي : " هذا ليس لي ولا لك " .
فرجعت فقلت : عسى أن يعطي هذا من لم يبل بلائي !
فجاءني الرسول , فقلت : حدث في حدث : فلما انتهيت , قال : " يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي , وإنه قد صار لي فهو لك " .
ونزلت : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن سماك بن حرب , عن مصعب بن سعد , عن أبيه , قال : أصبت سيفا يوم بدر , فأعجبني , فقلت : يا رسول الله هبه لي !
فأنزل الله : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } .
* - حدثنا ابن المثنى وابن وكيع , قال ابن المثنى , ثني معاوية , وقال ابن وكيع : ثنا أبو معاوية , قال : ثنا الشيباني , عن محمد بن عبيد الله , عن سعد بن أبي وقاص , قال : لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص , وأخذت سيفه , وكان يسمى ذا الكتيفة , فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اذهب فاطرحه في القبض " !
فطرحته ورجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي , قال : فما جاوزت إلا قريبا حتى نزلت عليه سورة الأنفال , فقال : " اذهب فخذ سيفك " .
ولفظ الحديث لابن المثنى .
12158 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يونس بن بكير , وحدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة جميعا , عن محمد بن إسحاق , قال : ثني عبد الله بن أبي بكر , عن قيس بن ساعدة , قال : سمعت أبا أسيد بن مالك بن ربيعة يقول : أصبت سيف ابن عائد يوم بدر , وكان السيف يدعى المرزبان ; فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردوا ما في أيديهم من النفل , أقبلت به فألقيته في النفل , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئا يسأله , فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي , فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأعطاه إياه .
12159 - حدثني يحيى بن جعفر , قال : ثنا أحمد بن أبي بكر , عن يحيى بن عمران , عن جده عثمان بن الأرقم , عن عمه , عن جده , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر : " ردوا ما كان من الأنفال !
" فوضع أبو أسيد الساعدي سيف ابن عائد المرزبان , فعرفه الأرقم فقال .
هبه لي يا رسول الله !
قال : فأعطاه إياه .
12160 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن سماك بن حرب , عن مصعب بن سعد , عن أبيه , قال : أصبت سيفا .
قال : فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله نفلنيه !
فقال : " ضعه !
" ثم قام فقال : يا رسول الله نفلنيه !
قال : " ضعه !
" قال : ثم قام فقال : يا رسول الله نفلنيه !
أجعل كمن لا غناء له ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ضعه من حيث أخذته !
" فنزلت هذه الآية { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } .
* - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن سماك , عن مصعب بن سعد , عن سعد , قال : أخذت سيفا من المغنم , فقلت : يا رسول الله هب لي هذا !
فنزلت : { يسألونك عن الأنفال } .
12161 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا إسرائيل , عن إبراهيم بن مهاجر , عن مجاهد , في قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : قال سعد : كنت أخذت سيف سعيد بن العاص بن أمية , فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلت : أعطني هذا السيف يا رسول الله !
فسكت , فنزلت : { يسألونك عن الأنفال } إلى قوله : { إن كنتم مؤمنين } قال : فأعطانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال آخرون : بل نزلت لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر فأعلمهم الله أن ذلك لله ولرسوله دونهم ليس لهم فيه شيء .
وقالوا : معنى " عن " في هذا الموضع " من " وإنما معنى الكلام : يسألونك من الأنفال , وقالوا : قد كان ابن مسعود يقرؤه : " يسألونك الأنفال " على هذا التأويل .
ذكر من قال ذلك .
12162 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , قال : كان أصحاب عبد الله يقرءونها : " يسألونك الأنفال " .
12163 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك , قال : هي في قراءة ابن مسعود " يسألونك الأنفال " .
ذكر من قال ذلك .
12164 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } قال : الأنفال : المغانم كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شيء , ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به , فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول .
فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها , قال الله : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال } لي ; جعلتها لرسولي ليس لكم فيها شيء { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } , ثم أنزل الله : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } 8 41 ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن سمي في الآية .
12165 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج : { يسألونك عن الأنفال } قال : نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا .
قال : واختلفوا فكانوا أثلاثا .
قال : فنزلت : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } وملكه الله رسوله , فقسمه كما أراه الله .
12166 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا عباد بن العوام , عن الحجاج , عن عمرو بن شعيب , عن أبيه , عن جده : أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر , فنزلت : { يسألونك عن الأنفال } .
12167 - قال : ثنا عباد بن العوام , عن جويبر , عن الضحاك : { يسألونك عن الأنفال } قال : يسألونك أن تنفلهم .
12168 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا حماد بن زيد , قال : ثنا أيوب , عن عكرمة , في قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : يسألونك الأنفال .
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى أخبر في هذه الآية عن قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنفال أن يعطيهموها , فأخبرهم الله أنها لله وأنه جعلها لرسوله .
وإذا كان ذلك معناه جاز أن يكون نزولها كان من أجل اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها , وجائز أن يكون كان من أجل مسألة من سأله السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه , وجائز أن يكون من أجل مسألة من سأله قسم ذلك بين الجيش .
واختلفوا فيها , أمنسوخة هي أم غير منسوخة ؟
فقال بعضهم : هي منسوخة , وقالوا : نسخها قوله : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } 8 41 الآية .
ذكر من قال ذلك .
12169 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن جابر , عن مجاهد وعكرمة , قالا : كانت الأنفال لله وللرسول فنسختها : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } 8 41 .
12170 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { يسألونك عن الأنفال } قال : أصاب سعد بن أبي وقاص يوم بدر سيفا , فاختصم فيه وناس معه , فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم , فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منهم , فقال الله : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } الآية , فكانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة , فنسخها الله بالخمس .
12171 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : أخبرني سليم مولى أم محمد , عن مجاهد , في قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : نسختها : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } 8 41 .
* - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا شريك , عن جابر , عن مجاهد وعكرمة , أو عكرمة وعامر , قالا : نسخت الأنفال : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } 8 41 .
وقال آخرون : هي محكمة وليست منسوخة .
وإنما معنى ذلك : قل الأنفال لله , وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة , وللرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيه .
ذكر من قال ذلك .
12172 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { يسألونك عن الأنفال } فقرأ حتى بلغ : { إن كنتم مؤمنين } فسلموا لله ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا ويضعانها حيث أرادا , فقالوا : نعم .
ثم جاء بعد الأربعين : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } 8 41 الآية , ولكم أربعة أخماس , وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : " وهذا الخمس مردود على فقرائكم يصنع الله ورسوله في ذلك الخمس ما أحبا , ويضعانه حيث أحبا , ثم أخبرنا الله الذي يجب من ذلك " ثم قرأ الآية : { لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم } 59 7 .
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله جل ثناؤه أخبر أنه جعل الأنفال لنبيه صلى الله عليه وسلم ينفل من شاء , فنفل القاتل السلب , وجعل للجيش في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث بعد الخمس , ونفل قوما بعد سهمانهم بعيرا بعيرا في بعض المغازي .
فجعل الله تعالى ذكره حكم الأنفال إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ينفل على ما يرى مما فيه صلاح المسلمين , وعلى من بعده من الأئمة أن يستنوا بسنته في ذلك , وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ لاحتمالها ما ذكرت من المعنى الذي وصفت , وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها , فقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أن لا منسوخ إلا ما أبطل حكمه حادث حكم بخلافه ينفيه من كل معانيه , أو يأتي خبر يوجب الحجة أن أحدهما ناسخ الآخر .
وقد ذكر عن سعيد بن المسيب أنه كان ينكر أن يكون التنفيل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويلا منه لقول الله تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } .
12173 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبدة بن سليمان , عن محمد بن عمرو , قال : أرسل سعيد بن المسيب غلامه إلى قوم سألوه عن شيء , فقال : إنكم أرسلتم إلي تسألوني عن الأنفال , فلا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد بينا أن للأئمة أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيهم بفعله , فينفلوا على نحو ما كان ينفل , إذا كان التنفيل صلاحا للمسلمين .فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم القول في تأويل قوله تعالى : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } .
يقول تعالى ذكره : فخافوا الله أيها القوم , واتقوه بطاعته واجتناب معاصيه , وأصلحوا الحال بينكم .
واختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله : { وأصلحوا ذات بينكم } فقال بعضهم : هو أمر من الله للذين غنموا الغنيمة يوم بدر وشهدوا الوقعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اختلفوا في الغنيمة أن يردوا ما أصابوا منها بعضهم على بعض .
ذكر من قال ذلك .
12174 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } قال : كان نبي الله ينفل الرجل من المؤمنين سلب الرجل من الكفار إذا قتله , ثم أنزل الله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } أمرهم أن يرد بعضهم على بعض .
12175 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل الرجل على قدر جده وغنائه على ما رأى , حتى إذا كان يوم بدر وملأ الناس أيديهم غنائم , قال أهل الضعف من الناس : ذهب أهل القوة بالغنائم !
فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فنزلت : { قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ليرد أهل القوة على أهل الضعف .
وقال آخرون : هذا تحريج من الله على القوم , ونهي لهم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة وغيره .
ذكر من قال ذلك .
12176 - حدثني محمد بن عمارة , قال : ثنا خالد بن يزيد , وحدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قالا : ثنا أبو إسرائيل , عن فضيل , عن مجاهد , في قول الله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } قال : حرج عليهم .
12177 - حدثني الحارث , قال : ثنا القاسم , قال : ثنا عباد بن العوام , عن سفيان بن حسين , عن مجاهد , عن ابن عباس : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } قال هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم .
قال عباد , قال سفيان : هذا حين اختلفوا في الغنائم يوم بدر .
12178 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } أي لا تستبوا .
واختلف أهل العربية في وجه تأنيث البين , فقال بعض نحويي البصرة : أضاف ذات إلى البين وجعله ذاتا , لأن بعض الأشياء يوضع عليه اسم مؤنث , وبعضا يذكر نحو الدار , والحائط أنث الدار وذكر الحائط .
وقال بعضهم : إنما أراد بقوله : { ذات بينكم } الحال التي للبين فقال : وكذلك " ذات العشاء " يريد الساعة التي فيها العشاء .
قال : ولم يضعوا مذكرا لمؤنث ولا مؤنثا لمذكر إلا لمعنى .
قال أبو جعفر : هذا القول أولى القولين بالصواب للعلة التي ذكرتها له .وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين وأما قوله : { وأطيعوا الله ورسوله } فإن معناه : وانتهوا أيها القوم الطالبون الأنفال إلى أمر الله وأمر رسوله فيما أفاء الله عليكم , فقد بين لكم وجوهه وسبله .
{ إن كنتم مؤمنين } يقول : إن كنتم مصدقين رسول الله فيما آتاكم به من عند ربكم .
كما : 12179 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } فسلموا لله ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا , ويضعانها حيث أرادا .
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنفال مدنية بدرية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء .
وقال ابن عباس : هي مدنية إلا سبع آيات ، من قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا إلى آخر السبع آيات .قوله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنينفيه سبع مسائل :الأولى : روى عبادة بن الصامت قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلقوا العدو ; فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستولت طائفة على العسكر والنهب ; فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا : لنا النفل ، نحن الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم .
وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنتم أحق به منا ، بل هو لنا ، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدو منه غرة .
وقال الذين استلووا على العسكر والنهب : ما أنتم بأحق منا ، هو لنا ، نحن حويناه واستولينا عليه ; فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .
فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فواق بينهم .
قال أبو عمر : قال أهل العلم بلسان العرب : استلووا أطافوا وأحاطوا ; يقال : الموت مستلو على [ ص: 324 ] العباد .
وقوله : فقسمه على فواق يعني عن سرعة .
قالوا : والفواق ما بين حلبتي الناقة .
يقال : انتظره فواق ناقة ، أي هذا المقدار .
ويقولونها بالضم والفتح : فواق وفواق .
وكان هذا قبل أن ينزل : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية .
وكأن المعنى عند العلماء : أي إلى الله وإلى الرسول الحكم فيها والعمل بها بما يقرب من الله تعالى .
وذكر محمد بن إسحاق قال : حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الأشدق عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول ، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بواء .
يقول : على السواء .
فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين وروي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال : اغتنم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة ، فإذا فيها سيف ، فأخذته فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : نفلني هذا السيف ، فأنا من قد علمت حاله .
قال : رده من حيث أخذته فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت : أعطنيه .
قال : فشد لي صوته رده من حيث أخذته فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت : أعطنيه ، قال : فشد لي صوته : رده من حيث أخذته فأنزل الله يسألونك عن الأنفال .
لفظ مسلم .
والروايات كثيرة ، وفيما ذكرناه كفاية ، والله الموفق للهداية .الثانية : الأنفال واحدها نفل بتحريك الفاء ; قال :إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي والعجلأي خير غنيمة .
والنفل : اليمين ; ومنه الحديث فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم .
والنفل الانتفاء ; ومنه الحديث فانتفل من ولدها .
والنفل : نبت معروف .
والنفل : الزيادة على الواجب ، وهو التطوع .
وولد الولد نافلة ; لأنه زيادة على الولد .
والغنيمة نافلة ; لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها .
قال صلى الله عليه وسلم : فضلت على الأنبياء بست - وفيها - وأحلت لي الغنائم .
والأنفال : الغنائم أنفسها .
قال عنترة : [ ص: 325 ]إنا إذا احمر الوغى نروي القنا ونعف عند مقاسم الأنفالأي الغنائم .الثالثة : واختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال : الأول : محلها فيما شذ عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب .
الثاني : محلها الخمس .
الثالث : خمس الخمس .
الرابع : رأس الغنيمة ; حسب ما يراه الإمام .
ومذهب مالك رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس ، على ما يرى من الاجتهاد ، وليس في الأربعة الأخماس نفل ، وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون وهم الموجفون ، والخمس مردود قسمه إلى اجتهاد الإمام .
وأهله غير معينين .
قال صلى الله عليه وسلم : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم .
فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد ، وإنما يكون من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخمس .
هذا هو المعروف من مذهبه وقد روي عنه أن ذلك من خمس الخمس .
وهو قول ابن المسيب والشافعي وأبي حنيفة .
وسبب الخلاف حديث ابن عمر ، رواه مالك قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة ، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ; ونفلوا بعيرا بعيرا .
هكذا رواه مالك على الشك في رواية يحيى عنه ، وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، فقال فيه : فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ، ونفلوا بعيرا بعيرا .
ولم يشك .
وذكر الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد - في رواية الوليد : أربعة آلاف - وانبعثت سرية من الجيش - في رواية الوليد : فكنت ممن خرج فيها - فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا ، اثني عشر بعيرا ; ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا ; فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا ; ذكره أبو داود .
فاحتج بهذا من يقول : إن النفل إنما يكون من جملة الخمس .
وبيانه أن هذه السرية لو نزلت على أن أهلها كانوا عشرة مثلا أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين ، أخرج منها خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون ، قسمت على عشرة وجب لكل واحد اثنا عشر بعيرا ، اثنا عشر بعيرا ، [ ص: 326 ] ثم أعطي القوم من الخمس بعيرا بعيرا ; لأن خمس الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة .
فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة والألف وأزيد .
واحتج من قال : إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال : جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير الإبل ، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من تلك العروض .
ومما يعضد هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا الحديث : فأصبنا إبلا وغنما ; الحديث .
وذكر محمد بن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفلهم قبل القسم ، وهذا يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة ، وهو خلاف قول مالك .
وقول من روى خلافه أولى لأنهم حفاظ ; قاله أبو عمر رحمه الله .
وقال مكحول والأوزاعي : لا ينفل بأكثر من الثلث ; وهو قول الجمهور من العلماء .
قال الأوزاعي : فإن زادهم فليف لهم ويجعل ذلك من الخمس .
وقال الشافعي : ليس في النفل حد لا يتجاوزه الإمام .الرابعة : ودل حديث ابن عمر على ما ذكره الوليد والحكم عن شعيب عن نافع أن السرية إذا خرجت من العسكر فغنمت أن العسكر شركاؤهم .
وهذه مسألة وحكم لم يذكره في الحديث غير شعيب عن نافع ، ولم يختلف العلماء فيه ، والحمد لله .الخامسة : واختلف العلماء في الإمام يقول قبل القتال : من هدم كذا من الحصن فله كذا ، ومن بلغ إلى موضع كذا فله كذا ، ومن جاء برأس فله كذا ، ومن جاء بأسير فله كذا ; يضريهم .
فروي عن مالك أنه كرهه .
وقال : هو قتال على الدنيا .
وكان لا يجيزه .
قال الثوري : ذلك جائز ولا بأس به .قلت : وقد جاء هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا .
الحديث بطوله .
وفي رواية عكرمة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من فعل كذا وكذا وأتى مكان كذا وكذا فله كذا " .
فتسارع الشبان وثبت الشيوخ مع الرايات ; فلما فتح لهم جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم فقال لهم الأشياخ : لا تذهبون به دوننا ، فقد كنا ردءا لكم ; فأنزل الله تعالى : وأصلحوا ذات بينكم ذكره إسماعيل بن إسحاق أيضا .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبد الله البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشأم : هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسبي ؟
.
وقال بهذا جماعة فقهاء الشأم : الأوزاعي ومكحول وابن حيوة وغيرهم .
ورأوا [ ص: 327 ] الخمس من جملة الغنيمة ، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر ; وبه قال إسحاق وأحمد وأبو عبيد .
قال أبو عبيد : والناس اليوم على أن لا نفل من جهة الغنيمة حتى تخمس .
وقال مالك : لا يجوز أن يقول الإمام لسرية : ما أخذتم فلكم ثلثه .
قال سحنون : يريد ابتداء .
فإن نزل مضى ، ولهم أنصباؤهم في الباقي .
وقال سحنون : إذا قال الإمام لسرية ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه ; فهذا لا يجوز ، فإن نزل رددته ; لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى .السادسة : واستحب مالك رحمه الله ألا ينفل الإمام إلا ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف .
ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهبا أو فضة أو لؤلؤا ونحوه .
وقال بعضهم : النفل جائز من كل شيء .
وهو الصحيح لقول عمر ومقتضى الآية ، والله أعلم .السابعة : قوله تعالى فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم أمر بالتقوى والإصلاح ، أي كونوا مجتمعين على أمر الله .
في الدعاء : اللهم أصلح ذات البين ، أي الحال التي يقع بها الاجتماع .
فدل هذا على التصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ، أو مالت النفوس إلى التشاح ; كما هو منصوص في الحديث .
وتقدم معنى التقوى ، أي اتقوا الله في أقوالكم وأفعالكم ، وأصلحوا ذات بينكم .وأطيعوا الله ورسوله في الغنائم ونحوها .
إن كنتم مؤمنين أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا .
وقيل : " إن " بمعنى " إذ " .قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم
الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نـزلت في قصة بدر أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، .فحصل بين بعض المسلمين فيها نـزاع، فسألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنها، فأنـزل اللّه يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال كيف تقسم وعلى من تقسم؟
قُلْ لهم: الأنفال لله ورسوله يضعانها حيث شاءا، فلا اعتراض لكم على حكم اللّه ورسوله،.
بل عليكم إذا حكم اللّه ورسوله أن ترضوا بحكمهما، وتسلموا الأمر لهما،.
وذلك داخل في قوله فَاتَّقُوا اللَّهَ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه..
وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ أي: أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر، بالتوادد والتحاب والتواصل..فبذلك تجتمع كلمتكم، ويزول ما يحصل - بسبب التقاطع -من التخاصم، والتشاجر والتنازع.
ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم، والعفو عن المسيئين منهم فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر،.والأمر الجامع لذلك كله قوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يدعو إلى طاعة اللّه ورسوله،.كما أن من لم يطع اللّه ورسوله فليس بمؤمن.
سورة الأنفال مدنية وهي خمس وسبعون آية قيل : إلا سبع آيات من قوله : " وإذ يمكر بك الذين كفروا " إلى آخر سبع آيات فإنها نزلت بمكة والأصح أنها نزلت بالمدينة ، وإن كانت الواقعة بمكة .
( يسألونك عن الأنفال ) الآية .
قال أهل التفسير : سبب نزول هذه الآية هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر : " من أتى مكان كذا فله من النفل كذا ومن قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا " ، فلما التقوا تسارع إليه الشبان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات ، فلما فتح الله على المسلمين جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الأشياخ : كنا ردءا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال : يا رسول الله إنك وعدت أن من قتل قتيلا فله كذا ، ومن أسر أسيرا فله كذا ، وإنا قد قتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين ، فقام سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال : والله يا رسول الله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبنا عن العدو ، ولكن كرهنا أن نعري مصافك فيعطف عليه خيل من المشركين فيصيبوك ، فأعرض عنهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال سعيد : يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك ، فإن تعط هؤلاء الذين ذكرت لا يبقى لأصحابك كبير شيء ، فنزلت : " يسألونك عن الأنفال " .
وقال ابن إسحاق : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما في العسكر فجمع فاختلف المسلمون فيه ، فقال من جمعه : هو لنا ، قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفل كل امرئ ما أصاب ، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو : لولا نحن ما أصبتموه ، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد رأينا أن نقتل العدو وأن نأخذ المتاع ولكنا خفنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرة العدو ، وقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا .
وروى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال ، قال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت ، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيننا عن بواء - يقول على السواء - وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين .
وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : لما كان يوم بدر قتل أخي عمير ، وقتلت سعيد بن العاص بن أمية ، وأخذت سيفه ، وكان يسمى ذا الكثيفة ، فأعجبني فجئت به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف .
فقال : ليس هذا لي ولا لك ، اذهب فاطرحه في القبض ، فطرحته ورجعت ، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلاحي ، وقلت : عسى أن يعطى هذا السيف من لم يبل بلائي ، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني الرسول ، وقد أنزل الله - عز وجل - : " يسألونك عن الأنفال " الآية .
فخفت أن يكون قد نزل في شيء ، فلما انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي ، وإنه قد صار لي الآن فاذهب فخذه فهو لك " .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت المغانم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ليس لأحد فيها شيء ، وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول .
قوله : ( يسألونك عن الأنفال ) أي : عن حكم الأنفال وعلمها ، وهو سؤال استخبار لا سؤال طلب ، وقيل : هو سؤال طلب .
قاله الضحاك وعكرمة .
وقوله : ( عن الأنفال ) أي : من الأنفال ، عن بمعنى من .
وقيل : عن صلة أي : يسألونك الأنفال ، وهكذا قراءة ابن مسعود بحذف عن .
والأنفال : الغنائم ، واحدها : نفل ، وأصله الزيادة .
يقال : نفلتك وأنفلتك ، أي : زدتك ، سميت الغنائم أنفالا ؛ لأنها زيادة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص .
وأكثر المفسرين على أن الآية في غنائم بدر .
وقال عطاء : هي ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة ومتاع فهو للنبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع به ما شاء .
قوله تعالى : ( قل الأنفال لله والرسول ) يقسمها كما شاء واختلفوا فيه .
فقال مجاهد وعكرمة والسدي : هذه الآية منسوخة بقوله - عز وجل - : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول " الآية .
كانت الغنائم يومئذ للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنسخها الله - عز وجل - بالخمس .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي ثابتة غير منسوخة ، ومعنى الآية : قل الأنفال لله مع الدنيا والآخرة وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى .
أي : الحكم فيها لله ولرسوله ، وقد بين الله مصارفها في قوله - عز وجل - : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " الآية .
( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) أي : اتقوا الله بطاعته وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة والمخالفة ، وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول - صلى الله عليه وسلم - .
( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين )
«يسألونك» يا محمد «عن الأنفال» الغنائم لمن هي «قل» لهم «الأنفال لله» يجعلها حيث يشاء «والرسول» يقسِّمها بأمر الله فقسَّمها صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء، رواه الحاكم في المستدرك «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم» أي حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع «وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين» حقا.
يسألك أصحابك -أيها النبي- عن الغنائم يوم "بدر" كيف تقسمها بينهم؟
قل لهم: إنَّ أمرها إلى الله ورسوله، فالرسول يتولى قسمتها بأمر ربه، فاتقوا عقاب الله ولا تُقَدموا على معصيته، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال، وأصلحوا الحال بينكم، والتزموا طاعة الله ورسوله إن كنتم مؤمنين؛ فإن الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله.
لعل من الخير قبل أن نتكلم فى تفسير هذه الآيات الكريمة أن نذكر بعض الروايات التى وردت فى سبب نزولها .
فإن معرفة سبب النزول يعين على الفهم السليم .قال الإِمام ابن كثير - ما ملخصه - روى الإِمام أحمد بن عبادة بن الصامت قال خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهدت معه بدرا فالتقى الناس .
فهزم الله - تعالى - العدو ، فانطلقت طائفة فى آثام يهزمون ويقتلون .
وأقبلت طائفة على العسكر يجوزونه ويجمعونه .
وأحدثت طائفة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكى لا يصيب العدو منه غرة .
حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها ، فليس لأحد فيها نصيب ، وقال الذين خرجوا فى طلب العدو : لستم بأحق بها منا ، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم .
وقال الذين أحدقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لستم أحق بها منا .
نحن أحدقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم مخافة أن صيب منه غرة فاشتغلنا به - فنزلت : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول ) .
.
فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين .وروى أبو داود والنسائى وابن جرير وابن مردويه - واللفظ له - عن ابن عباس قال : " لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا ، فتسارع فى ذلك شبان القوم ، وبقى الشيوخ تحت الرايات .
فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذى جعل لهم .
فقال الشيوخ : لا تسأثروا علينا فإنا كنا ردءاً لكم ، لو انكشفتم لبثتم إينا .
فتنازعوا ، فأنزل الله - تعالى - : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول ) " .وقال الثورى ، عن الكلبى ، عن أبى صالح عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " " من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا " ، فجاء أبو اليسر بأسيرين ، فقال : يا رسول الله صلى الله عليك - أنت وعدتنا .
فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله ، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شئ ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة فى الأجر ولا جبن عن العدو ، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك .
فتشاجروا ، ونزل القرآن : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول ) " .وقال الإِمام أحمد : حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبى أمامة قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا فى النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدنا وجعله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقسمه بين المسلمين عن بواء - أى : على السواء .هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات ، ومنها يتبين لنا أن نزاعاً حدث بين بعض الصحابة الذين اشتركوا فى غزوة بدر ، حول الغنائم التى ظفروا بها من هذه الغزوة ، فأنزل الله - تعالى - فى هذه الآيات بيان حكمه فيها .والضمير فى قوله ( يَسْأَلُونَكَ ) يعود إلى بعض الصحابة الذين اشتركوا فى غزوة بدر ، وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر ، لأن السورة نزلت فى هذه الغزوة ، ولأن هؤلاء الذين اشتركوا فيها هم الذين يهمهم حكمها ، ويعنيهم العلم بكيفية قسمتها .قال الإِمام الرازى - ما ملخصه - : فإن قيل من هم الذين سألوا؟
فالجواب : إن قوله ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال ) إخبار عمن لم يسبق ذكرهم ، وحسن ذلك ههنا ، لأنه فى حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوماً فانصرف اللفظ إليهم .
ولا شك أنهم كانوا أقواماً لهم تعلق بالغنائم والأنفال ، وهم أقوام من الصحابة اشتركوا فى غزوة بدر .والأنفال جمع نفل - بفتح النون والفاء - كسبب وأسباب - وهو فى أصل اللغة من النفل - بفتح فسكون - أى : الزيادة ، ولذا قيل للتطوع نافلة ، لأنه زيادة عن الأصل وهو الفرض وقيل لولد الولد نافلة ، لأنه زيادة على الولد .
قال - تعالى - : ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ) قال الآلوسى : ثم صار النفل حقيقة فى العطية ، لأنها لكونها تبرعاً غير لازم كان زيادة ، ويسمى به الغنيمة أيضا وما يشترطه الإِمام للغازى زيادة على سهمه لرأى يراه سواء أكان لشخص معين أو لغير معين ، وجعلوا من ذلك ما يزيده الإِمام لمن صدر منه اثر محمود فى الحرب كبراز وحسن إقدام ، وغيرهما .وإطلاقه على الغنيمة ، باعتبار أنها زيادة على ما شرع الجهاد له وهو إعلاء كلمة الله ، أو باعتبار أنها زيادة خص الله بها هذه الأمة ، أو باعتبار أنها منحة من الله - تعالى - من غير وجوب .ثم قال : ومن الناس من فرق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص .
فقيل : الغنيمة ما حصل مستغنماً سواء أكان بتعب أو بغير تعب ، قبل الظفر أو بعده ، والنفل ما كان قبل الظفر ، أو ما كان بغير قتال وهو " الفئ " .والمراد بالأنفال هنا الغنائم كما ورى عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وابن زيد ، وطائفة من الصحابة وغيرهم .هذا ، وجمهور العلماء على أن المقصود من سؤال بعض الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأنفال - أى الغنائم - إنما هو حكمها وعن المستحق لها ، فيكون المعنى :يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم؟
ومن المستحق لها؟
قل لهم : الأنفال يحكم فيها بحكمه - سبحانه - وللرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو الذى يقسمها على حسب حكم الله وأمره فيها .وفى هذه الإِجابة على سؤالهم تريبة حكيمة لهم - وهم فى أول لقاء لهم مع أعداءهم حتى يجعلوا جهادهم من أجل إعلاء كملة الله .
أما الغنائم والأسلوب وأعراض الدنيا التى تأتيهم من وراء جهاده فعليهم ألا يجعلوها ضمن غايتهم السامية من جهادهم ، وأن يفوضوا الأمر فيها لله ورسوله عن إذعان وتسليم .وبعض العلماء يرى أن السؤال للاستعطاء ، وأن المراد بالأنفعال ما شرط للغازى زيادة على سهمه ، وأن حرف " عن " زائدة ، أو هو بمعنى من ، فيكون المعنى : يسألك بعض أصحابك يا محمد إعطاءهم الأنفعال التى وعدتهم بها زايدة على سهامهم فيها .
قل لهم : الأنفال لله ولرسوله .والذى نراه أن الرأى الأول أرجح وذلك لأمور منها :1- بعض الروايات التى وردت فى أسباب نزول هذه الآية تؤيده تأييداً صريحاً ، ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن عبادة بن الصامت أنه قال : " فينا معشر أصحاب بدر نزلت ، حين اختلفنا فى النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا .
فجعله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين عن بواء " .2- ولأن غزوة بدر كانت أول غزوة لها شأنها وأثرها بين المسلمين والكافرين ، وكانت غنائهما الضخمة التى ظفر بها المؤمنون من المشركين ، حافزاً لسؤال بعض المؤمنين رسولهم - صلى الله عليه وسلم -عن حكمها وعن المستحق لها .3- ولأن الجواب عن السؤال بقوله - تعالى - : ( قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول ) يؤيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن مصرفها ، إذ أن هذا الجواب يفيد أن اختصاص أمرها وحكمها مرجعه إلى الله ورسوله دون تدخل أحد سواهما .ولو كان السؤال للاستعطاء لما كان هذا جواباً له ، فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالله والرسول لا ينافى إعطاءه إياهم بل يحققه ، لأنهم إنما يسألونه بموجب شطره لهم الصادر عنه بإذن الله - تعالى - لا بحكم سبق أيديهم إليهم أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور .4- ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ .
.
) إلخ يؤيد أن السؤال عن حكم الأنفال ومصرفها بعد أن تنازعوا فى شأنها ، فهو - سبحانه - ينهاهم عن هذا التنازع ، وبأمرهم بأن يصونوا أنفهسم عن كل ما يغضب الله .
.
.
ولو كان السؤال للاستعطاء - بناء على ما شرطه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض زيادة على سهامهم - لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه ، لأنهم لم يطلبوا من الرسول إلا ما وعدهم به وهذا لا محظور فيه .5- ولأن الآية الكريمة بمطوقها الواضح ، وبتركيبها البليغ ، وبتوجيهها السامى ، تفيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن المستحق لها .
.
أما القول بأن السؤال سؤال استعطاء وأن عن زائدة أو بمعنى من فهو تكلف لا ضرورة إليه .والمعنى الواضح الجلى للآية الكريمة - كما سبق أن بينا - : يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ، ومن المستحق لها؟
قل لهم : الأنفال لله يحكم فيها بحكمه ، ولرسوله يقسمها بحسب حكم الله فيها ، فهو - سبحانه - العليم بمصالح عباده ، الحكيم فى جميع أقواله وأفعاله .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وحه الجمع بين ذكر الله والرسول فى قوله : ( قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول ) ؟قلت : معناه أن حكمها مختص بالله ورسوله ، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، و يمتثل الرسول أمر الله فيها ، وليس الأمر فى قسمتها مفوضاً إلى رأى أحد ، والمراد : " أن الذى اقتضته حكمته الله وأمر به رسوله أن يواسى المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات ، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم ، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافى " .وقوله : ( فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) حض لهم على تقوى الله وامتثال أمره ، وإصلاح ذات بينهم ، وتحذير لهم من الوقوع فى المعاصى والنزاع والخلاف .وكلمة ( ذَاتَ ) بمعنى حقيقة الشئ ونفسه .
، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الظاهر ، كذات الصدور ، وذات الشوكة .وكلمة ( بِيْنِكُمْ ) ، من البين ، وهو مصدر بان يبين بيناً ، متى بعد ، ويطلق على الاتصال والفراق ، أى : على الضدين ، ومنه قول الشاعر :فوالله لولا البين لم يكن الهوى ...
ولولا الهوى ما حس للبين آلفوالمراد به فى الآية الاتصال .أى : فاتقوا الله - أيها المؤمنون - ، واصلحوا نفس ما بينكم وهى الحال والصفة التى بينكم والتى تربط بعضكم ببضع وهى رابطة الإِسلام .
وإصلاحها يكون بما يقتضيه كمال الإِيمان من الموادة والمصافاة ، وترك الاختلاف والتنازع ، والتمسك بفضيلة الإِيثار .وكلمة ( ذَاتَ ) على هذا المعنى مفعول به .ومنهم من يرى أن كلمة " ذات " بمعنى صاحبة ، وأنها صفة لمفعول محذوف ، فيكون المعنى : فاتقوا الله وأصلحوا أحوالا ذات بينكم .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " فإن قلت : ما حقيقة قوله : ( ذَاتَ بِيْنِكُمْ ) " .قلت : أحوال بينكم ، يعنى ما بينكم من الأحوال ، حتى تكون أحوال ألفة ومودة واتفاق .كقوله : ( بِذَاتِ الصدور ) وهى مضمراتها .ولما كانت أحوال ملابسة للبين قيل لها : ذات البين ، كقولهم : استقنى ذا إنائك ، يريدون ما فى الإِناء من الشراب .
.وقوله ( وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ ) معطوف على ما قبله ، وهو قوله : ( فاتقوا الله ) .أى : فاتقوا الله - أيها المؤمنون - فى كل أقوالكم وأفعالكم ، وأصلحوا ما بينكم من الأحوال التى تكون أحوال ألفة ومحبة ومودة ، وأطيعوا الله ورسوله فى حكمه الذى قضاه فى الأنفال وفى غيرها ، من كل أمر ونهى ، وقضاء وحكم .
.وقد كر - سبحانه - الاسم الجليل فى هذه الآية ثلاث مرات ، لتربية المهابة فى القلوب ، وتعليل الحكم حتى تقبله النفوس بإذعان وتسليم .وذكر - سبحانه - رسوله معه مرتين فى هذه الآية ، لتعظيم شأنه ، وإظهار شرفه ، والإِذيان بأن طاعته - صلى الله عليه وسلم - طاعة لله - تعالى - ، ومخالفته مخالفة لأمر الله - تعالى؟
قال - سبحانه - : ( مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله وَمَن تولى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) ووسَّط - سبحانه - الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة ، لإِظهار كمال العناية بالإِصلاح ، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة .وقوله : ( إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) متعلق بالأوامر الثلاثة السابقة ، وهى : التقوى ، وإصلاح ذات البين ، وطاعة الله ورسوله .وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله ، أى : إن كنتم مؤمنين إيمانا حقا فامتثلوا هذه الأوامر الثلاثة السابقة .قال الآلوسى : قوله ( إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) جوابه محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه ، أو المذكور هو الجواب على الخلاف المشهور .
وأيا ما كان فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك فى إيمانهم ، وهو يكفى التعليق بالشرط .والمراد بالإِيمان : التصديق .
ولا خفاء فى اقتضائه ما ذكر ، على معنى أنه من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة .وقد يراد بالإِيمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر ، فالمعنى : إن كنتم كاملى الإِيمان ، فإن كمال الإِيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة : الاتقاء ، والإِصلاح ، وإطاعة الله - تعالى - .ويؤيد إرادة الكمال قوله - سبحانه - بعد ذلك ( إِنَّمَا المؤمنون ) إذ المراد به قطعا الكاملون فى الإِيمان وإلا لم يصح الحصر .
.وعلى أية حال ففى هذا التذييل تنشيط للمخاطبين ، وحث لهم على الامتثال والطاعة ، ودعوة لهم إلى أن يكون إيمانهم إيمانا عميقا راسخا ، متفقا مع كل ما جاءهم به رسولهم - صلى الله عليه وسلم - من هدايات وإرشادات ، ومتساميا عن كل ما يخدش صفاءه ونقاءه من متع وشهوات .
اعلم أن قوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الانفال ﴾ يقتضي البحث عن خمسة أشياء، السائل والمسؤول وحقيقة النفل، وكون ذلك السؤال عن أي الأحكام كان، وإن المفسرين بأي شيء فسروا الأنفال.
أما البحث الأول: فهو أن السائلين من كانوا؟
فنقول إن قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال ﴾ إخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك هاهنا، لأن حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوماً معيناً فانصرف هذا اللفظ إليهم، ولا شك أنهم كانوا أقواماً لهم تعلق بالغنائم والأنفال وهم أقوام من الصحابة.
وأما البحث الثاني: وهو أن المسؤول من كان؟
فلا شك أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما البحث الثالث: وهو أن الأنفال ما هي فنقول: قال الزهري: النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل، وسميت الغنائم أنفالاً، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل.
وقال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ﴾ أي زيادة على ما سأل.
وأما البحث الرابع: وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان؟
فنقول: فيه وجهان: الأول: لفظ السؤال، وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن السؤال كان واقعاً عن ذلك المعين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض ﴾ ﴿ فِى الدنيا والاخرة ﴾ فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى، وذلك الحكم غير معين، إلا أن الجواب كان معيناً لأنه تعالى قال في المحيض: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِي المحيض ﴾ فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان سؤالاً عن مخالطة النساء في المحيض.
وقال في اليتامى: ﴿ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم ﴾ فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعاً عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة.
وأيضاً قال تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح ﴾ وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثاً أو قديماً، فكذا هاهنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها.
والقول الثاني: أن قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال ﴾ أي من الأنفال، والمراد من هذا السؤال: الاستعطاء على ما روي في الخبر، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة.
وقرأ عبد الله ﴿ يَسْأَلُونَكَ الانفال ﴾ .
والبحث الخامس: وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال.
فنقول: إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة.
وثانيها: قوله: ﴿ فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم.
وثالثها: أن قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ يدل على ذلك.
إذا عرفت هذا فنقول: يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً؛ ويحتمل أن يكون المراد غيرها.
أما الأول: ففيه وجوه: أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضاً، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة، وطلحة وسعيد بن زيد.
فإنه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام، وأما الخمسة من الأنصار، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وعاصم خلفه على العالية، والحرث بن حاطب: رده من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء، وخوات بن جبير، فهؤلاء لم يحضروا، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في تلك الغنائم بسهم، فوقه من غيرهم فيه منازعة.
فنزلت هذه الآية بسببها.
وثانيها: روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف، فقال الشبان: الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا، وقال الأشياخ: كنا ردأ لكم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، فوقعت المخاصمة بهذا السبب.
فنزلت الآية.
وثالثها: قال الزجاج: الأنفال الغنائم.
وإنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط، وقد بينا بالدليل أن هذا السؤال كان مسبوقاً بالمنازعة والمخاصمة.
وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئاً سوى الغنائم، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضاً وجوه: أحدها: قال ابن عباس في بعض الروايات: المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال، من دابة أو عبد أو متاع، فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء.
وثانيها: الأنفال الخمس الذي يجعله الله لأهل الخمس، وهو قول مجاهد، قال: فالقوم إنما سألوا عن الخمس.
فنزلت الآية.
وثالثها: أن الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائداً على سهمه من الغنم، ترغيباً له في القتال، كما إذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه، ولا يخمس النفل، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف.
فقال: ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم فطرحته وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال: يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي فخذه قال القاضي: وكل هذه الوجوه تحتمله الآية، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض.
وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به، وإلا فالكل محتمل، وكما أن كل واحد منها جائز، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها، والأقرب أن يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها، لأنه يسوغ له تحريضاً على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحداً في ابتداء المحاربة.
ليبالغ في الحرب.
أو عند الرجعة.
أو يعطيه سلب القاتل، أو يرضخ لبعض الحاضرين، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به.
وعلى هذا التقدير فيكون قوله: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقاً للمجاهدين.
أما قوله تعالى: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: المراد منه أن حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأي أحد.
البحث الثاني: قال مجاهد وعكرمة والسدي: إنها منسوخة بقوله فإن لله خمسه وللرسول، وذلك لأن قوله: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول، فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات، وأجيب عنه من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ معناه أن الحكم فيها لله وللرسول.
وهذا المعنى باق فلا يمكن أن يصير منسوخاً، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكاً للغانمين.
الثاني: أن آية الخمس.
تدل على كون الغنيمة ملكاً للغانمين، والأنفال هاهنا مفسرة لا بالغنائم، بل بالسلب.
وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح.
ثم قال تعالى: ﴿ فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال.
وارضوا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
البحث الثاني: في قوله: ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال، ولما كانت الأقوال واقعة في البين، قيل لها ذات البين، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور.
ثم قال: ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله: ﴿ فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ ثم بالغ في هذا التأكيد فقال: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة، فاحذروا الخروج عنها، واحتج من قال: ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية، وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، وهاهنا الإيمان معلق على الطاعة بكلمة ﴿ ءانٍ ﴾ فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
النفل: الغنيمة، لأنها من فضل الله تعالى وعطائه.
قال لبيد: إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ والنفل ما ينفله الغازي، أي يعطاه زائداً على سهمه من المغنم، وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب: من قتل قتيلاً فله سلبه.
أو قال لسرية: ما أصبتم فهو لكم، أو فلكم نصفه أو ربعه.
ولا يخمس النفل، ويلزم الإمام الوفاء بما وعد منه.
وعند الشافعي رحمه الله في أحد قوليه: لا يلزم.
ولقد وقع الاختلاف بين المسلمين في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم، ولمن الحكم في قسمتها؟
أللمهاجرين أم للأنصار؟
أم لهم جميعاً؟
فقيل له: قل لهم: هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحاكم فيها خاصة يحكم فيها ما يشاء، ليس لأحد غيره فيها حكم.
وقيل: شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن ينفله، فتسارع شبانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلما يسر الله لهم الفتح اختلفوا فيما بينهم وتنازعوا، فقال الشبان: نحن المقاتلون، وقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا ردءاً لكم وفئة تنحازون إليها إن انهزمتم وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: المغنم قليل والناس كثير: وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك.
فنزلت.
وعن سعد بن أبي وقاص: قتل أخي عمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت: إنّ الله قد شفى صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف فقال: ليس هذا لي ولا لك، اطرحه في القَبَضِ فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال، فقال: يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه وعن عبادة بن الصامت: نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه اخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين.
وقرأ ابن محيصن: ﴿ يسألونك علنفال ﴾ بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وإدغام نون عن في اللام: وقرأ ابن مسعود: ﴿ يسألونك الأنفال ﴾ أي يسألك الشبان ما شرطت لهم من الأنفال.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ ؟
قلت: معناه أنّ حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد، والمراد: أنّ الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يواسي المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي ﴿ فاتقوا الله ﴾ في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متحدين متآخين في الله ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ وتآسوا وتساعدوا فيما رزقكم الله وتفضل به عليكم.
وعن عطاء: كان الاصلاح بينهم أن دعاهم وقال: اقسموا غنائمكم بالعدل، فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا، فقال: ليردّ بعضكم على بعض.
فإن قلت: ما حقيقة قوله: ﴿ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ ؟
قلت: أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله: ﴿ بِذَاتِ الصدور ﴾ [آل عمران: 199] وهي مضمراتها.
لما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها: ذات البين، كقولهم: اسقني ذا إنائك، يريدون ما في الإناء من الشراب.
وقد جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أنّ كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها.
ومعنى قوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن كنتم كاملي الإيمان.
واللام في قوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون ﴾ إشارة إليهم.
أي إنما الكاملو الإيمان من صفتهم كيت وكيت والدليل عليه قوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ .
﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فزعت.
وعن أمّ الدرداء: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعرير؟
قال: بلى، قالت: فادع الله فإنّ الدعاء يذهبه.
يعني فزعت لذكره استعظاماً له، وتهيباً من جلاله وعزّة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه، وهذا الذكر خلاف الذكر في قوله: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ [الزمر: 23] لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه.
وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له: اتق الله فينزع.
وقرئ ﴿ وجلت ﴾ ، بالفتح، وهي لغة نحو (وبق) في (وبق)، وفي قراءة عبد الله: ﴿ فَرِقَتْ ﴾ ﴿ زَادَتْهُمْ إيمانا ﴾ ازدادوا بها يقيناً وطمأنينة في نفس.
لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه، وقد حمل على زيادة العمل.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (عن النبي صلى الله عليه وسلم): «الإيمان سبع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله.
وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه: إن للإيمان سنناً وفرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ﴿ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ولا يفوّضون أمورهم إلى غير ربهم، لا يخشون ولا يرجون إلا إياه.
جمع بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة ﴿ حَقّاً ﴾ صفة للمصدر المحذوف، أي أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون ﴾ كقولك: هو عبد الله حقاً، أي حق ذلك حقاً.
وعن الحسن أنّ رجلاً سأله: أمؤمن أنت؟
قال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن.
وإن كنت تسألني عن قوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا.
وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة، فقد آمن بنصف الآية.
وهذا إلزام منه، يعني كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقاً، فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً، وبهذا تعلق من يستثني في الإيمان.
وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ممن لا يستثني فيه.
وحكي عنه أنه قال لقتادة: لم تستثنى في إيمانك؟
قال: اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين ﴾ [الشعراء: 82] فقال له: هلا اقتديت به في قوله: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ﴾ [البقرة: 260] ﴿ درجات ﴾ شرف وكرامة وعلو منزلة ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ وتجاوز لسيئاتهم ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ نعيم الجنة.
يعني لهم منافع حسنة دائمة على سبيل التعظيم، وهذا معنى الثواب.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأنْفالِ مَدَنِيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ أيِ الغَنائِمِ يَعْنِي حُكْمَها، وإنَّما سُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ نَفْلًا لِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٌ كَما سُمِّيَ بِهِ ما يَشْرُطُهُ الإمامُ لِمُقْتَحِمِ خَطَرٍ عَطِيَّةً لَهُ وزِيادَةً عَلى سَهْمِهِ.
﴿ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ أيْ أمْرُها مُخْتَصٌّ بِهِما يُقَسِّمُها الرَّسُولُ عَلى ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِهِ.
وسَبَبُ نُزُولِهِ اخْتِلافُ المُسْلِمِينَ في غَنائِمِ بَدْرٍ أنَّها كَيْفَ تُقَسَّمُ ومَن يُقَسِّمُ المُهاجِرُونَ مِنهم أوِ الأنْصارُ.
وقِيلَ شَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ لِمَن كانَ لَهُ غَناءٌ أنْ يَنْفُلَهُ، فَتَسارَعَ شُبّانُهم حَتّى قَتَلُوا سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ ثُمَّ طَلَبُوا نَفْلَهم.
وكانَ المالُ قَلِيلًا.
فَقالَ الشُّيُوخُ والوُجُوهُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ الرّاياتِ: كُنّا رِدْءًا لَكم وفِئَةً تَنْحازُونَ إلَيْنا، فَنَزَلَتْ فَقَسَّمَها رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَهم عَلى السَّواءِ، ولِهَذا قِيلَ: لا يَلْزَمُ الإمامُ أنْ يَفِيَ بِما وعَدَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ فَقَتَلْتُ بِهِ سَعِيدَ بْنَ العاصِ وأخَذْتُ سَيْفَهُ، فَأتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ واسْتَوْهَبْتُهُ مِنهُ فَقالَ: لَيْسَ هَذا لِي ولا لَكَ اطْرَحْهُ في القَبْضِ فَطَرَحْتُهُ، وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي فَما جاوَزْتُ إلّا قَلِيلًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : سَألْتَنِي السَّيْفَ ولَيْسَ لِي وأنَّهُ قَدْ صارَ لِي فاذْهَبْ فَخُذْهُ» .
وَقُرِئَ « يَسْألُونَكَ الأنْفالَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ والفاءُ حَرَكَتُها عَلى اللّامِ وإدْغامُ نُونٍ عَنْ فِيها، و « يَسْألُونَكَ الأنْفالَ» أيْ يَسْألُكَ الشُّبّانُ ما شَرَطْتَ لَهم.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في الِاخْتِلافِ والمُشاجَرَةِ.
﴿ وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ الحالُ الَّتِي بَيْنَكم بِالمُواساةِ والمُساعَدَةِ فِيما رَزَقَكُمُ اللَّهُ وتَسْلِيمِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ.
﴿ وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيهِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، أوْ إنْ كُنْتُمْ كامِلِي الإيمانِ فَإنَّ كَمالَ الإيمانِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ: طاعَةُ الأوامِرِ، والِاتِّقاءُ عَنِ المَعاصِي، وإصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ.
<div class="verse-tafsir"
{يسألونك عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال لِلَّهِ والرسول} النفل الغنيمة لانها من فضل الله وعطائه والانفاق الغنائم ولقد وقع اختلاف بين المسلين في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله كيف تقسم ولمن الحم في قسمتها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعاً فقيل له قل لهم هي لرسول الله وهو الحاكم فيها خاصة يحكم فيها ماشياء ليس لأحد غيره فيها حكم ومعنى الجمع بين ذكر الله والرسول أن حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ومتثل الرسول أمر الله فيها وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأي أحد {فاتقوا الله} فى الاختلاف والتخاصم وكونوا متى خين في الله {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أحوال بينكم يعنى ما بينكم من الأحوال حتى تكون احوا لألفة ومحبة واتفاق وقال الزجاج معنى ذَاتَ بِيْنِكُمْ حقيقة وصلكم والبين الوصل أى فتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله به قال عبادة بن الصامت رضى الله عنه نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فحلعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين على غلسواء {وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ} فيما أمرتم به في الغنلائم وغيرها {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} كاملي الإيمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ جَمْعُ نَفَلٍ بِالفَتْحِ وهو الزِّيادَةُ ولِذا قِيلَ لِلتَّطَوُّعِ نافِلَةٌ، وكَذا لِوَلَدِ الوَلَدِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العَطِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفْلٍ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلْ لِأنَّها لِكَوْنِها تَبَرُّعًا غَيْرَ لازِمٍ كَأنَّها زِيادَةٌ، ويُسَمّى بِهِ الغَنِيمَةُ أيْضًا وما يَشْتَرِطُهُ الإمامُ لِلْغازِي زِيادَةً عَلى سَهْمِهِ لِرَأْيٍ يَراهُ سَواءٌ كانَ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ ما يَزِيدُهُ الإمامُ لِمَن صَدَرَ مِنهُ أثَرٌ مَحْمُودٌ في الحَرْبِ كَبِرازٍ وحُسْنِ إقْدامٍ وغَيْرِهِما، وإطْلاقُهُ عَلى الغَنِيمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّها مِنحَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ وُجُوبٍ، وقالَ الإمامُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لِأنَّ المُسْلِمِينَ فُضِّلُوا بِها عَلى سائِرِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تُحَلَّ لَهُمْ، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ.
وفِي الخَبَرِ أنَّ المَغانِمَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى الأُمَمِ فَنَفَلَها اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ.
وقِيلَ: لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى ما شُرِعَ الجِهادُ لَهُ وهو إعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَةُ حَوْزَةِ الإسْلامِ، فَإنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ ذَلِكَ مَظْفُورًا بِهِ سَمِّيَ غَنِيمَةً، ومِنَ النّاسِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الغَنِيمَةِ والنَّفْلِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، فَقِيلَ: الغَنِيمَةُ ما حُصِّلَ مُسْتَغْنِمًا سَواءٌ كانَ بِبَعْثٍ أوْ لا بِاسْتِحْقاقٍ أوْ لا قَبْلَ الظَّفَرِ أوْ بَعْدَهُ، والنَّفْلُ ما قَبْلَ الظَّفَرِ أوْ ما كانَ بِغَيْرِ قِتالٍ وهو الفَيْءُ.
وقِيلَ: ما يَفْضُلُ عَنِ القِسْمَةِ ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ كَما قالَ الطِّيبِيُّ، ونُقِلَ عَنِ الفارِسِيِّ إمّا لِاسْتِدْعاءِ مَعْرِفَةٍ أوْ ما يُؤَدِّي إلَيْها وإمّا لِاسْتِدْعاءِ جِدالٍ أوْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، وجَوابُ الأوَّلِ بِاللِّسانِ ويَنُوبُ عَنْهُ اليَدُ بِالكِتابَةِ أوِ الإشارَةِ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِعَنْ والباءِ، وجَوابُ الثّانِي بِاليَدِ ويَنُوبُ عَنْها اللِّسانُ مَوْعِدًا ورَدًّا ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ أوْ بِمَن وقَدْ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ كَ أعْطى واخْتارَ، وقَدْ يَكُونُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً نَحْوَ ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ ﴾ والمُرادُ بِالأنْفالِ هُنا الغَنائِمُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ وطائِفَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ، وبِالسُّؤالِ السُّؤالُ لِاسْتِدْعاءِ المَعْرِفَةِ كَما اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ لِتَعَدِّيهِ بِعْنَ، والأصْلُ عَدَمُ ارْتِكابِ التَّأْوِيلِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو سَبَبُ النُّزُولِ «أنَّ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا في غَنائِمِ بَدْرٍ وفي قِسْمَتِها فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْفَ تُقَسَّمُ ولِمَنِ الحُكْمُ فِيها؛ أهُوَ لِلْمُهاجِرِينَ أمْ لِلْأنْصارِ أمْ لَهم جَمِيعًا؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ السُّؤالَ اسْتِعْطاءٌ، والمُرادُ بِالنَّفْلِ ما شُرِطَ لِلْغازِي زائِدًا عَلى سَهْمِهِ، وسَبَبُ النُّزُولِ غَيْرُ ما ذُكِرَ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا، ومَن جاءَ بِأسِيرٍ فَلَهُ كَذا».
فَجاءَ أبُو اليُسْرِ بْنُ عَمْرٍو الأنْصارِيُّ بِأسِيرَيْنِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ قَدْ وعَدْتَنا.
فَقامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ إنْ أعْطَيْتَ هَؤُلاءِ لَمْ يَبْقَ لِأصْحابِكَ شَيْءٌ، وإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنا مِن هَذا زَهادَةٌ في الأجْرِ ولا جُبْنٌ عَنِ العَدُوِّ وإنَّما قُمْنا هَذا المَقامَ مُحافَظَةً عَلَيْكَ أنْ يَأْتُوكَ مِن ورائِكَ فَتَشاجَرُوا فَنَزَلَ القُرْآنُ».
وادَّعَوْا زِيادَةَ (عَنْ) واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وزَيْدٍ ومُحَمَّدٍ الباقِرِ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ (يَسْألُونَكَ الأنْفالَ) وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ ولَيْسَتْ دَعْوى زِيادَةٍ عَنْ في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ لِسُقُوطِها في القِراءَةِ الأُخْرى أوْلى مِن دَعْوى تَقْدِيرِها في تِلْكَ القِراءَةِ لِثُبُوتِها في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ بَلْ قَدِ ادَّعى بَعْضٌ أنَّهُ يَنْبَغِي حَمْلُ قِراءَةِ إسْقاطِ (عَنْ) عَلى إرادَتِها لِأنَّ حَذْفَ الحَرْفِ وهو مُرادٌ مَعْنًى أسْهَلُ مِن زِيادَتِهِ لِلتَّأْكِيدِ، عَلى أنَّهُ يَبْعُدُ القَوْلُ بِالزِّيادَةِ هُنا الجَوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ فَإنَّهُ المُرادُ بِهِ اخْتِصاصُ أمْرِها وحُكْمُها بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيُقَسِّمُها النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ رَأْيُ أحَدٍ، فَإنَّ مَبْنى ذَلِكَ القَوْلِ القَوْلُ بِأنَّ السُّؤالَ اسْتِعْطاءٌ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ هَذا جَوابًا لَهُ؛ فَإنَّ اخْتِصاصَ حُكْمِ ما شُرِطَ لَهم بِاللَّهِ تَعالى والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُنافِي إعْطاءَهُ إيّاهم بَلْ يُحَقِّقُهُ لِأنَّهم إنَّما يَسْألُونَهُ بِمُوجِبِ شَرْطِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الصّادِرِ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا بِحُكْمِ سَبْقِ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِالِاخْتِصاصِ المَذْكُورِ.
وحُمِلَ الجَوابُ عَلى مَعْنى أنَّ الأنْفالَ بِذَلِكَ المَعْنى مُخْتَصَّةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا حَقَّ فِيها لِلْمُنَفِّلِ كائِنًا مَن كانَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ قَطْعًا ضَرُورَةُ ثُبُوتِ الِاسْتِحْقاقِ بِالتَّنْفِيلِ، وادِّعاءُ أنَّ ثُبُوتَهُ بِدَلِيلٍ مُتَأخِّرٍ التُزِمَ لِتَكَرُّرِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالنّاسِخِ الأخِيرِ، ولا مَساغَ لِلْمَصِيرِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ مِن أنَّ الأنْفالَ كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها شَيْءٌ بِهَذِهِ الآيَةِ فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ﴾ لِما أنَّ المُرادَ بِالأنْفالِ فِيما قالُوا هو المَعْنى الأوَّلُ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةَ، عَلى أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا نَسْخَ حِينَئِذٍ حَسْبَما قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، بَلْ بُيِّنَ هُنا إجْمالًا أنَّ الأمْرَ مُفَوَّضٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشُرِحَ فِيما بَعْدُ مَصارِفُها وكَيْفِيَّةُ قِسْمَتِها، وادِّعاءُ اقْتِصارِ الِاخْتِصاصِ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الأنْفالِ المَشْرُوطَةِ يَوْمَ بَدْرٍ بِجَعْلِ اللّامِ لِلْعَهْدِ مَعَ بَقاءِ اسْتِحْقاقِ المُنَفِّلِ في سائِرِ الأنْفالِ المَشْرُوطَةِ يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ الأحْكامِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إظْهارُ الأنْفالِ في مَقامِ الإضْمارِ، عَلى أنَّ الجَوابَ عَنْ سُؤالِ المَوْعُودِ بِبَيانِ كَوْنِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً مِمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الكَرِيمِ أصْلًا.
وقَدْ رُوِيَ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، أنَّهُ قالَ: قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلْتُ بِهِ سَعِيدَ بْنَ العاصِ وأخَذْتُ سَيْفَهُ فَأعْجَبَنِي فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ شَفى صَدْرِي مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ.
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَيْسَ هَذا لِي ولا لَكَ، اطْرَحْهُ في القَبْضِ».
فَطَرَحْتُهُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي.
فَما جاوَزْتُ إلّا قَلِيلًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا سَعْدُ إنَّكَ سَألْتَنِي السَّيْفَ ولَيْسَ لِي وقَدْ صارَ لِي فاذْهَبْ فَخُذْهُ»».
وهَذا كَما تَرى يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ التَّنْفِيلِ يَوْمَئِذٍ وإلّا لَكانَ سُؤالُ السَّيْفِ مِن سَعْدٍ بِمُوجِبِ شَرْطِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ووَعْدِهِ لا بِطْرِيقِ الهِبَةِ المُبْتَدَأةِ، وحَمْلُ ذَلِكَ مِن سَعْدٍ عَلى مُراعاةِ الأدَبِ مَعَ كَوْنِ سُؤالِهِ بِمُوجِبِ الشَّرْطِ يَرُدُّهُ.
ورَدُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ النُّزُولِ وتَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ هَذا لِي لِاسْتِحالَةِ أنْ يَعِدَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِي ضَرُورَةَ أنَّ مَناطَ صَيْرُورَتِهِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ والفَرْضُ أنَّهُ المانِعُ مِن إعْطاءِ المَسْؤُولِ، ومِمّا هو نَصٌّ في البابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فَإنَّهُ لَوْ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلْمَشْرُوطِ لَما كانَ فِيهِ مَحْذُورٌ يَجِبُ اتِّقاؤُهُ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وحاصِلُهُ إنْكارُ وُقُوعِ التَّنْفِيلِ حِينَئِذٍ، وعَدَمُ صِحَّةِ حَمْلِ السُّؤالِ عَلى الِاسْتِعْطاءِ والأنْفالِ عَلى المَعْنى الثّانِي مِن مَعْنَيَيْها، وأنا أقُولُ: قَدْ جاءَ خَبَرُ التَّنْفِيلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ ومِن طَرِيقٍ آخَرَ أيْضًا.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا وكَذا، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا.
فَأمّا المَشْيَخَةُ فَثَبَتُوا تَحْتَ الرّاياتِ، وأمّا الشُّبّانُ فَتَسارَعُوا إلى القَتْلِ والغَنائِمِ فَقالَتِ المَشْيَخَةُ لِلشُّبّانِ: أشْرِكُونا مَعَكُمْ؛ فَإنّا كُنّا لَكم رِداءً، ولَوْ كانَ مِنكم شَيْءٌ لَلَجَأْتُمْ إلَيْنا، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ الآيَةَ فَقَسَّمَ الغَنائِمَ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ»».
ويُشِيرُ إلى وُقُوعِهِ أيْضًا ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتَ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: فِينا أصْحابَ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفْلِ فَساءَتْ فِيهِ أخْلاقُنا فانْتَزَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أيْدِينا وجَعَلَهُ إلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَسَّمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَنْ بَواءٍ».
ولَعَلَّ في البابِ غَيْرُ هَذِهِ الرِّواياتِ فَكانَ عَلى الشَّيْخِ حَيْثُ أنْكَرَ وُقُوعَ التَّنْفِيلِ أنْ يَطْعَنَ فِيها بِضَعْفٍ ونَحْوِهِ لِيَتِمَّ لَهُ الغَرَضُ.
وما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ فَقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْهُ وهو مَعَ أنَّهُ وقَعَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ العاصِ والمَحْفُوظُ كَما قالَ: أبُو عُبَيْدٍ العاصِي بْنُ سَعِيدٍ مُضْطَرِبُ المَتْنِ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ سَعْدٍ أنَّهُ قالَ: «أصابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَنِيمَةً عَظِيمَةً فَإذا فِيها سَيْفٌ فَأخَذْتُهُ فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذا السَّيْفَ فَأنا مَن عَلِمْتَ.
فَقالَ: رُدَّهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُ.
فَرَجَعْتُ بِهِ حَتّى إذا أرَدْتُ أنْ أُلْقِيَهُ في القَبْضِ لامَتْنِي نَفْسِي فَرَجَعْتُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقُلْتُ: أعْطِنِيهِ.
فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ وقالَ: رُدَّهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ »».
فَإنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ ظاهِرَةٌ في أنَّ السَّيْفَ لَمْ يَكُنْ سَلَبًا كَما هو ظاهِرُ الرِّوايَةِ الأُولى، بَلْ إنَّ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَدَهُ في الغَنِيمَةِ وطَلَبَهُ نَفْلًا عَلى سَهْمِهِ الشّائِعِ فِيها.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ سَعْدًا ورَجُلًا مِنَ الأنْصارِ خَرَجا يَتَنَفَّلانِ فَوَجَدا سَيْفًا مُلْقًى فَخَرّا عَلَيْهِ جَمِيعًا.
فَقالَ سَعْدٌ: هو لِي.
وقالَ الأنْصارِيُّ: هو لِي لا أُسَلِّمُهُ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
فَأتَياهُ فَقَصّا عَلَيْهِ القِصَّةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَيْسَ لَكَ يا سَعْدُ ولا لِلْأنْصارِيِّ، ولَكِنَّهُ لِي».
فَنَزَلَتْ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ الآيَةَ».
ومُخالَفَةُ هَذِهِ الرِّوايَةِ لِلرِّوايَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ كَما عَلِمْتَ في غايَةِ الظُّهُورِ فَلا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلى إحْداهُما إلّا بِإثْباتِ أنَّها الأصَحُّ.
ولَمْ تَقِفْ عَلى أنَّهم نَصُّوا عَلى تَصْحِيحِ الرِّوايَةِ الَّتِي ذَكَرَها الشَّيْخُ فَضْلًا عَنِ النَّصِّ عَلى الأُضْحِيَةِ.
نَعَمْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرُودِيهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ، «عَنْ سَعْدٍ المَذْكُورِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شَفانِي اللَّهُ تَعالى اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ.
قالَ: إنَّ هَذا السَّيْفَ لا لَكَ ولا لِي، ضَعْهُ.
فَوَضَعْتُهُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَقُلْتُ: عَسى يُعْطى هَذا السَّيْفُ اليَوْمَ مَن لا يُبْلِي بَلائِي، إذا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِن ورائِي فَقُلْتُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ.
قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كُنْتَ سَألْتَنِي هَذا السَّيْفَ ولَيْسَ هو لِي وإنِّي قَدْ وُهِبَ لِي فَهو لَكَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ »» إلَخْ.
فَهَذِهِ الرِّوايَةُ وإنَّ نُصَّ فِيها عَلى التَّصْحِيحِ إلّا أنَّهُ لَيْسَتْ ظاهِرَةً في أنَّ السَّيْفَ كانَ سَلَبًا لَهُ مِن عُمَيْرٍ كَما هو نَصُّ الرِّوايَةِ الأُولى، وإنْ قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُوافِقَةً لِلْأُولى حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ لَكِنَّها لَيْسَتْ مُخالِفَةً لَها، وزِيادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ سَواءٌ كانَتْ في الأوَّلِ أمْ في الآخِرِ أمْ في الوَسَطِ، فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِالنَّسْخِ كَما هو إحْدى الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِما أنَّها ظاهِرَةٌ في كَوْنِ الأنْفالِ صارَتْ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها حَقٌّ أصْلًا إلّا أنْ يَجُودَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يَجُودُ مِن سائِرِ أمْوالِهِ، والمَوْلى المَذْكُورُ ذَهَبَ إلى القَوْلِ بِعَدَمِ النَّسْخِ ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ هَذا الخَبَرَ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ في إنْكارِ وُقُوعِ التَّنْفِيلِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ، وادِّعاءُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِ: ««وقَدْ صارَ لِي»» أنَّهُ صارَ حُكْمُهُ لِي لَكِنْ عُبِّرَ بِذَلِكَ مُشاكَلَةً لِما في الآيَةِ يَرُدُّهُ ما في الرِّوايَةِ الأُخْرى المَنصُوصِ عَلى صِحَّتِها مِنَ التِّرْمِذِيِّ، والحاكِمِ: ««وإنِّي قَدْ وُهِبَ لِي»».
وحُمِلَ ذَلِكَ أيْضًا عَلى مِثْلِ ما حُمِلَ عَلَيْهِ الأوَّلُ مِمّا لا يَكادُ يَقْدُمُ عَلَيْهِ عارِفٌ بِكَلامِ العَرَبِ لا سِيَّما كَلامُ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما ذَكَرَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلِ الأنْفالُ ﴾ إلَخْ.
لا يَكُونُ جَوابًا لِسُؤالِ الِاسْتِعْطاءِ فَإنَّ اخْتِصاصَ حُكْمِ ما شُرِطَ لَهم بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُنافِي الإعْطاءَ بَلْ يُحَقِّقُهُ، وقَدْ يُجابُ عَنْهُ بِالتِزامِ الحَمْلِ الَّذِي ادَّعى أنْ لا سَبِيلَ إلَيْهِ قَطْعًا ويُقالُ بِالنَّسْخِ.
وهو مِن نَسْخِ السُّنَّةِ قَبْلَ تَقَرُّرِها بِالكِتابِ، وأنَّ المَنسُوخَ إنَّما هو ذَلِكَ التَّنْفِيلُ، والتَّنْفِيلُ الَّذِي يَقُولُ بِهِ العُلَماءُ اليَوْمَ هو أنْ يَقُولَ الإمامُ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أوْ يَقُولُ لِلسَّرِيَّةِ: جَعَلْتُ لَكُمُ الرُّبْعَ بَعْدِ الخُمْسِ أيْ: بَعْدَ ما يُرْفَعُ الخُمْسُ لِلْفُقَراءِ، وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وذُكِرَ في السِّيَرِ الكَبِيرِ أنَّهُ لَوْ قالَ: ما أصَبْتُمْ فَهو لَكم ولَمْ يَقُلْ: بَعْدَ الخُمْسِ لَمْ يَجُزْ لِأنَّ فِيهِ إبْطالَ الخُمْسِ الثّابِتِ بِالنَّصِّ، وبِعَيْنِ ذَلِكَ يَبْطُلُ ما لَوْ قالَ: مَن أصابَ شَيْئًا فَهو لَهُ لِاتِّحادِ اللّازِمِ فِيهِما بَلْ هو أوْلى بِالبُطْلانِ، وبِهِ أيْضًا يُنْتَفى ما قالُوا لَوْ نُفِّلَ بِجَمِيعِ المَأْخُوذِ جازَ إذا رَأى مَصْلَحَةً، وفِيهِ زِيادَةُ إيحاشِ الباقِينَ وإيقاعُ الفِتْنَةِ.
وذَكَرَ السّادَةُ الشّافِعِيَّةُ أنَّ الأصَحَّ أنَّ النَّفْلَ يَكُونُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ المُرْصَدُ لِلْمَصالِحِ أنَّ نَفْلَ مِمّا سَيُغْنَمُ في هَذا القِتالِ لِأنَّهُ المَأْثُورُ عِنْدَهم كَما جاءَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ.
ويُحْتَمَلُ أنَّ التَّنْفِيلَ المَنسُوخَ الواقِعَ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ القائِلِ بِهِ لَمْ يَكُنْ كَهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْ أئِمَّتِنا وكَذا عَنِ الشّافِعِيَّةِ الثّابِتِ عِنْدَهم بِالأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ في كُتُبِ الفَرِيقَيْنِ.
والأخْبارُ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها في ذَلِكَ التَّنْفِيلِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ في اتِّحادِهِ مَعَ هَذا التَّنْفِيلِ.
وحِينَئِذٍ فَما نُسِخَ لَمْ يَثْبُتْ وإنَّما ثَبَتَ غَيْرُهُ، ورُبَّما يُقالُ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّ ما ثَبَتَ هو ما نُسِخَ أنَّ دَلِيلَ ثُبُوتِهِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ ﴾ فَإنَّ في ذَلِكَ مِنَ التَّحْرِيضِ ما لا يَخْفى، ودَعْوى أنَّ حَمْلَ ألْ في الأنْفالِ عَلى العَهْدِ يَأْباهُ المَقامُ في حَيِّزِ المَنعِ، ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِلْعَهْدِ أنَّهُ يُقالُ لِسُورَةِ الأنْفالِ سُورَةَ بَدْرٍ، فَلا بِدْعَ أنْ يُرادَ مِنَ الأنْفالِ أنْفالُ بَدْرٍ، وإنْباءُ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى ما ادَّعاهُ في غايَةِ الخَفاءِ، وكَوْنُ الجَوابِ عَنْ سُؤالِ المَوْعُودِ بِبَيانِ اخْتِصاصِهِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الكَرِيمِ أصْلًا مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، كَيْفَ والحُكْمُ إلَهِيٌّ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورٌ بِالإبْلاغِ، وقَدْ يُقالُ: حاصِلُ الجَوابِ: يا قَوْمِ إنَّ ما وعَدْتُكم بِهِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَدْ مَلَّكَنِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى دُونَكم وهو أعْلَمُ بِالحِكْمَةِ فِيما فَعَلَ أوَّلًا وآخِرًا، فاتَّقُوا اللَّهَ مِن سُوءِ الظَّنِّ أوْ عَدَمِ الرِّضا بِذَلِكَ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ حُسْنُ الأمْرِ بِالتَّقْوى بَعْدَ ذَلِكَ الجَوابِ وبُطْلانِ ما ادَّعاهُ المَوْلى المُدَقِّقُ مِن أنَّ هَذا الأمْرَ نَصٌّ في البابِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: لا مانِعَ مِن أنْ يُحْمَلَ السُّؤالُ عَلى الِاسْتِعْلامِ، والِاخْتِصاصُ عَلى اخْتِصاصِ الحُكْمِ مَعَ كَوْنِ المُرادِ بِالأنْفالِ المَعْنى الثّانِي، والمَعْنى يَسْألُونَكَ عَنْ حالِ ما وعَدْتَهم إيّاهُ هَلْ يَسْتَحِقُّونَهُ وإنْ حَرَمَ غَيْرَهَمْ مِمَّنْ كانَ رَدًّا ومَلْجَأً حَيْثُ إنَّكَ وعَدْتَهم وأطْلَقْتَ لَهُمُ الأمْرَ قُلْ: إنَّ ذَلِكَ المَوْعُودَ قَدْ نُسِخَ اسْتِحْقاقُكم لَهُ بِالوَعْدِ المَأْذُونِ فِيهِ مِن قَبْلُ وفُوِّضَ أمْرُهُ إلَيَّ ولَمْ يُحْجَزْ عَلَيَّ بِإعْطائِهِ لَكم دُونَ غَيْرِكم بَلْ رَخَّصْتُ أنْ أُساوِيَ أصْحابَكُمُ الَّذِينَ كانُوا رَدًّا لَكم مَعَكم لِئَلّا يَرْجِعُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ ويَسْتَوْحِشُوا مِن ذَلِكَ وتَفْسُدَ ذاتُ البَيْنِ، فاتَّقُوا اللَّهَ تَعالى مِنَ الِاسْتِقْلالِ بِما أخَذْتُمُوهُ أوْ إخْفاءِ شَيْءٍ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّكم كُنْتُمْ مَوْعُودِينَ بِهِ ﴿ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ بِالرَّدِّ والمُواساةِ فِيما حَلَّ بِأيْدِيكم ﴿ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ، فَإنَّ في ذَلِكَ مَصالِحَ لا تَعْلَمُونَها وإنَّما يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَقْرِيرُ السُّؤالِ والجَوابِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِالبَعِيدِ جِدًّا، ثُمَّ ما ذَكَرَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِن أنَّ حَدِيثَ النَّسْخِ الواقِعَ في كَلامِ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ إنَّما هُوَ: لِلْأنْفالِ بِالمَعْنى الأوَّلِ لِدَلالَةِ النّاسِخِ عَلى ذَلِكَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ جاءَ في آخِرِ رِوايَةِ النَّحّاسِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ السّابِقَةِ في قِصَّةِ سَعْدٍ وصاحِبِهِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما يُوهِمُ كَوْنَ النَّسْخِ لِلْآيَةِ مَعَ حَمْلِ الأنْفالِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ المَعْنى ولَيْسَ كَذَلِكَ، هَذا ثُمَّ إنِّي أعُودُ فَأقُولُ: إنَّ هَذا التَّكَلُّفَ الَّذِي تَكَلَّفْناهُ إنَّما هو لِصِيانَةِ الرِّواياتِ النّاطِقَةِ بِكَوْنِ سَبَبِ النُّزُولِ ما اسْتَنَدَ إلَيْهِ القائِلُ بِأنَّ الأنْفالَ بِالمَعْنى الثّانِي عَنِ الإلْغاءِ قَبْلَ الوُقُوفِ عَلى ضَعْفِها، ومُجَرَّدُ ما ذَكَرَهُ المَوْلى قُدِّسَ سِرُّهُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ألا تَراهم كَيْفَ يَعْدِلُونَ عَنْ ظَواهِرِ الآياتِ إذا صَحَّ حَدِيثٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإلّا فَأنا لا أُنْكِرُ أنَّ كَوْنَ حَمْلِ الأنْفالِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ والذَّهابَ إلى أنَّ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ والسُّؤالُ لِلِاسْتِعْلامِ أقَلُّ مُؤْنَةٍ مِن غَيْرِهِ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ إلَخْ عَلى هَذا أنَّهُ إذا كانَ أمْرُ الغَنائِمِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاتَّقُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واجْتَنِبُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ المُشاجَرَةِ فِيها والِاخْتِلافِ المُوجِبِ لِشَقِّ العَصا وسُخْطِهِ تَعالى، أوْ فاتَّقُوهُ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ فَيَدْخُلُ ما هم فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلِحُوا ما بَيْنَكم مِنَ الأحْوالِ بِتَرْكِ الغُلُولِ ونَحْوِهِ، وعَنِ السُّدِّيِّ بِعَدَمِ التَّسابِّ.
وعَنْ عَطاءٍ كانَ الإصْلاحُ بَيْنَهُمْ: ««أنْ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: اقْسِمُوا غَنائِمَكم بِالعَدْلِ.
فَقالُوا: قَدْ أكَلْنا وأنْفَقْنا.
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لِيَرُدَّ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ»».
و(ذاتُ) كَما قِيلَ بِمَعْنى صاحِبَةٍ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ.
و(بَيْنَ) إمّا بِمَعْنى الفِراقِ أوِ الوَصْلِ أوْ ظَرْفٌ أيْ: أحْوالًا ذاتَ افْتِراقِكم أوْ ذاتَ وصْلِكم أوْ ذاتَ الكَمالِ المُتَّصِلِ بِكم.
وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّ (ذاتَ) هُنا بِمَنزِلَةِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ كَما بَيَّنَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وعَلَيْهِ اسْتِعْمالُ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمّا كانَتِ الأحْوالُ مُلابِسَةً لِلْبَيْنِ أُضِيفَتْ إلَيْهِ كَما تَقُولُ: اسْقِنِي ذا إنائِكَ أيْ: ما فِيهِ، جُعِلَ كَأنَّهُ صاحِبُهُ، وذُكِرَ الِاسْمُ الجَلِيلُ في الأمْرَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ.
وذُكِرَ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ اللَّهِ تَعالى أوَّلًا وآخِرًا لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وإظْهارِ شَرَفِهِ والإيذانِ بِأنَّ طاعَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ الجَمْعَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلًا لِأنَّ اخْتِصاصَ اللَّهِ تَعالى بِالأمْرِ والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِامْتِثالِ، وتَوْسِيطَ الأمْرِ بِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ بَيْنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى والأمْرِ بِالطّاعَةِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالإصْلاحِ بِحَسْبِ المَقامِ ولِيَنْدَرِجَ الأمْرُ بِهِ بِعَيْنِهِ تَحْتَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (يَسْألُونَكَ عَلَنْفالِ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وإدْغامِ نُونِ عَنْ فِيها ولا اعْتِدادَ بِالحَرَكَةِ العارِضَةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأوامِرِ الثَّلاثَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أوْ هو الجَوابُ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بَيانُ تَرَتُّبِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ لا التَّشْكِيكُ في إيمانِهِمْ، وهو يَكْفِي في التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، والمُرادُ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ، ولا خَفاءَ في اقْتِضائِهِ ما ذُكِرَ عَلى مَعْنى أنَّهُ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ لا أنَّهُ لازِمٌ لَهُ حَقِيقَةً.
وقَدْ يُرادُ بِالإيمانِ الكامِلِ والأعْمالِ شَرْطٌ فِيهِ أوْ شَطْرٌ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ كامِلِي الإيمانِ فَإنَّ كَمالَ الإيمانِ يَدُورُ عَلى تِلْكَ الخِصالِ الثَّلاثَةِ: الِاتِّقاءُ والإصْلاحُ وإطاعَةُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
مدنية وهي سبعون وخمس آيات قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، يعني: الغنائم، واحدها نفل غنيمة، وكذلك قال لبيد: إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَل ...
وبإذن الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ...
ناعم البال ومن شاء أضل (١) قال ابن عباس: عَنِ صلة في الكلام، وإنّما هو: يسألونك الأنفال يعني: الغنائم، ويقال: فيه تقديم ومعناه: يسألون عنك الأنفال، ويقال: معناه، يسألونك لمن الأنفال؟
يقال: إنما هم سألوا عنها لأنها كانت محرمة من قبل، فسألوا عنها رسول الله فنزل يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ يعني الغنائم.
قال الفقيه: حدّثنا: أبو الفضل بن أبي حفص قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله إلى بدر فلقي العدو، فلما هزمهم الله تعالى، أتبعهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله ، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فقال الذين طلبوهم: نحن طلبنا إحاطة العدو، وبنا نفاهم الله تعالى وهزمهم، فلنا النفل.
وقال الذين أحدقوا برسول الله : نحن أحدقنا برسول الله لئلا ينال العدو منه غرة، فهو لنا.
وقال الذين استولوا على العسكر والنّهب: والله ما أنتم بأحق منا، بل هو لنا، نحن حويناه واستولينا عليه (٢) بينهم عن فواق أي: عن سواء- وروى أسباط، عن السدي قال: كانت الأنفال لله ورسوله، فنسخ بقوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال: 41] .
وعن عكرمة ومجاهد مثله (٣) قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ، يعني: اخشوا الله وأطيعوه في أمر الغنيمة وأصلحوا ما بينكم من الاختلاف في الغنيمة.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: في أمر الصلح والغنيمة.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، يعني: إن كنتم مصدّقين.
ويقال: معناه، اتركوا المراء في أمر الغنيمة إن كنتم مصدِّقين.
ثم نعت المؤمنين المصدّقين، فقال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ويقال: إنما المصدقون الذين إذا أُمروا بأمر في أمر الغنيمة وغيرها من قبل الله تعالى، خافت قلوبهم.
ويقال: إنما المصدقون الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ أي ذكر عندهم أمر الله.
ويقال: الذين إذا أُمروا بأمر من الله، وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: قبلت قلوبهم، فسمى قبول القلوب وجلاً، لأن بالوجل يثبت القبول، لأنهم وجلوا عقوبة الله تعالى فقبلوه.
ثم قال: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ، يعني: إذا قرئت عليهم آياته بالأمر والنهي في أمر الصلح وغيره، زادَتْهُمْ إِيماناً، يعني: تصديقاً ويقيناً.
وقال الضحاك: يعني زادتهم تصديقا بحكم الناسخ، مع تصديقهم بالمنسوخ.
وقال الزجاج: تأويل الإيمان التصديق، فكل ما تلي عليهم من عند الله تصديقا صدَّقوا به فزادهم تصديقاً، فذلك زيادة إيمانهم.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «زادتهم تصديقاً بالفرائض مع تصديقهم بالله» .
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، يعني: يفوضون أمرهم إلى الله، ويثقون به، ولا يثقون بما في أيديهم من الغنائم، ويعلمون أن الله رازقهم.
ثم قال الله تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، يعني: يتمونها في مواقيتها بركوعها وسجودها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، يعني: يتصدَّقون مما أعطيناهم من الأموال، وينفقونها في طاعة الله.
قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، يعني: أهل هذه الصفة هم المؤمنون الموحدون حَقًّا صدقاً، وهم المصدِّقون.
لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يعني: فضائل عند ربهم في الآخرة.
ويقال: لهم منازل في الرفعة على قدر أعمالهم وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يعني: مغفرة لذنوبهم، وثواب حسن في الجنة.
ويقال: الفتوح والغنيمة.
قال ابن عباس: في قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا قال: المؤمن مؤمن حقاً، والكافر كافر حقا.
(١) البيت الثاني ساقط من النسخة «ب» .
(٢) عزاه السيوطي 4/ 5 إلى سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر وأبي حبان وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه.
(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .
<div class="verse-tafsir"
قال بعضُ أهل التأويل عكرمة، ومجاهد: كان هذا الحُكْمُ من اللَّه سبحانه لِرَفْعِ الشَّغَبِ ثم نُسِخَ بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ...
[الأنفال: ٤١] الآية.
وهذا أولَى الأقوال وأصحُّها.
وقوله سبحانه: وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ: تصريحٌ بأنه شَجَرَ بينهم اخْتِلاَفٌ، ومالت النفوس إلى التّشاحّ، وذاتَ في هذا المَوْضِعِ يُرَادُ بها نَفْسُ الشيء وحقيقته، والذي يُفْهَمُ من بَيْنِكُمْ هو معنى يعم جَمِيعَ الوُصَلِ، والالْتِحَامَات، والمَوَدَّات، وذات ذلك هو المَأْمُور بإِصلاحها، أي: نفسه وعينه، وباقي الآية بيّن.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
وقوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...
الآية، إِنَّمَا لفظ لا تُفَارِقُهُ المُبَالَغَةُ والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك لِلْحَصْرِ، بحسب القرينة، فقوله هنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ظاهرها أنَّها للمبالغة والتأكيد فقط، أي الكاملون.
قال الشَّيْخُ أبو عَبْدُ اللَّه محمد بن محمد بن أحمد الأَنْصَارِيّ الساحلي المالقي في كتابه الذي ألَّفَهُ في «السلوك» : واعلم أن الإنْسَانَ مطلوب بطَهَارَة نفسه، وتزكيتها، وطُرُقُ التزكية وإن كَثُرَتْ، فطريق الذِّكْرِ أسرع نفعاً، وأقرب مَرَاماً، وعليه دَرَجَ أكثر مشائخ التربية، ثم قال: والذِّكْرُ ضد النسيان، والمطلوب منه عِمَارَةُ الباطن باللَّهِ تعالى في كل زمان، ومع كل حال لأن الذِّكْرَ يَدُلُّ على المذكور لا محالة، فذكره ديدنا يوجب المَحَبَّةَ له، والمعرفة به، والذكر وإن اختلف ألفاظه ومعانيه، فلكل معنًى [من] معانيه اختصاص بنوعٍ من التَّحْلِيَةِ والتخلية، والتزكية، ثم قال: والذِّكْرُ على/ قسمين: ذكر العامة، وذِكْرُ الخاصة.
أما ذِكْرُ العامة، وهو ذِكْرُ الأجور، فهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بما شاء من ذِكْرِهِ لا يقصد غير الأجور والثواب، وأما ذكر الخَاصَّة، فهو ذِكْرُ الحضور، وهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بأذكار مَعْلُومَةٍ، على صفة مَخْصُوصَةٍ لِينال بذلك المَعْرِفَةَ باللَّهِ سبحانه بطهارة نَفْسِهِ من كل خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وتحليتها بكل خُلُق كريم.
انتهى.
ووَجِلَتْ: معناه: فَزِعَتْ، وَرَقَّتْ، وخافت، وبهذه المعاني فسرتها العلماء.
وتُلِيَتْ معناه: سُرِدَتْ، وقرئت، والآيات هنا: القرآن المَتْلُوُّ.
ومن كلام صاحب «الكلم الفارقية» : إن تَيَقَّظْتَ يقظة قلبية، وانْتَبَهْتَ انتباهة حقيقية لم تر في وَقْتِكَ سَعَةً لغير ذِكْرِ ربك، واستشعار عظمته، ومهابته، والإِقبال على طاعته، ما في
سُورَةُ الأنْفالِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ فِيها سَبْعَ آَياتٍ مَكِّيّاتٍ، أوَّلُها: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .
﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا وكَذا، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا"، فَأمّا المَشْيَخَةُ، فَثَبَتُوا تَحْتَ الرّاياتِ، وأمّا الشُّبّانُ، فَسارَعُوا إلى القَتْلِ والغَنائِمِ، فَقالَ المَشْيَخَةُ لَلشُّبّانِ: أشْرِكُونا مَعَكم، فَإنّا كُنّا لَكم رِدَءًا؛ فَأبَوْا، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ سُورَةُ [الأنْفال]» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ أصابَ سَيْفًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْهُ لِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ.
وفي رِوايَةٍ أُخْرى «عَنْ سَعْدٍ قالَ: قَتَلْتُ سَعْدَ بْنَ العاصِ، وأخَذْتُ سَيْفَهُ فَأتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: "اذْهَبْ فاطْرَحْهُ في القَبْضِ" فَرَجَعْتُ، وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ فَما جاوَزْتُ إلّا قَرِيبًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ (الأنْفال)، فَقالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ" .» وَقالَ السُّدِّيُّ: «اخْتَصَمَ سَعْدٌ وناسٌ آَخَرُونَ في ذَلِكَ السَّيْفِ، فَسَألُوا النَّبِيَّ ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ مِنهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» والثّالِثُ: أنَّ الأنْفالَ كانَتْ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ، فَسَألُوهُ أنْ يُعْطِيَهم مِنها شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وفي المُرادِ بِالأنْفالِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الغَنائِمُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ.
وواحِدُ الأنْفالِ: نَفْلٌ، قالَ لَبِيدٌ: إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفْلٍ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلِ والثّانِي: أنَّها ما نَفَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ القاتِلُ مَن سَلَبَ قَتِيلَهُ.
والثّالِثُ: أنَّها ما شَذَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ مِن عَبْدٍ أوْ دابَّةٍ بِغَيْرِ قِتالٍ، قالَهُ عَطاءٌ.
وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والرّابِعُ: أنَّهُ الخَمْسُ الَّذِي أخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الغَنائِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهُ أنْفالُ السَّرايا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ صالِحِ بْنِ حَيٍّ.
وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هي السَّرايا الَّتِي تَتَقَدَّمُ أمامَ الجُيُوشِ.
والسّادِسُ: أنَّها زِياداتٌ يُؤْثِرُ بِها الإمامُ بَعْضَ الجَيْشِ لِما يَراهُ مِنَ المَصْلَحَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وفي "عَنْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ الأنْفالَ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ: "يَسْألُونَكَ الأنْفالَ" بِحَذْفِ "عَنْ" والثّانِي: أنَّها أصْلٌ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ لِمَن هِيَ؟
أوْ عَنْ حُكْمِ الأنْفالِ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِها ما يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلَيْنِ.
وذَكَرَ أنَّهم إنَّما سَألُوا عَنْ حُكْمِها لِأنَّها كانَتْ حَرامًا عَلى الأُمَمِ قَبْلَهم.
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها ناسِخَةٌ مِن وجْهٍ، مَنسُوخَةٌ مِن وجْهٍ، وذَلِكَ أنَّ الغَنائِمَ كانَتْ حَرامًا في شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآَيَةِ، وجَعَلَ الأمْرَ في الغَنائِمِ إلى ما يَراهُ الرَّسُولُ ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ .
وقالَ آَخَرُونَ: المُرادُ بِالأنْفالِ شَيْئانِ.
أحَدُهُما: ما يَجْعَلُهُ الرَّسُولُ لَطائِفَةٍ مِن شُجْعانِ العَسْكَرِ ومُتَقَدِّمِيهِ، يَسْتَخْرِجُ بِهِ نُصْحَهم، ويُحَرِّضُهم عَلى القِتالِ.
والثّانِي: ما يُفْضُلُ مِنَ الغَنائِمِ بَعْدَ قِسْمَتِها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ في سَرِيَّةٍ، فَغَنِمْنا إبِلًا، فَأصابَ كُلُّ واحِدٍ مِنّا اثْنا عَشَرَ بَعِيرًا، ونَفَلْنا بَعِيرًا بَعِيرًا؛ فَعَلى هَذا هي مَحْكَمَةٌ، لِأنَّ هَذا الحُكْمَ باقٍ إلى وقْتِنا هَذا.» * فَصْلٌ وَيَجُوزُ النَّفْلُ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، وهو أنْ يَقُولَ الإمامُ: مَن أصابَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
فَأمّا بَعْدَ إحْرازِها، فَفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.
وهَلْ يَسْتَحِقُّ القاتِلُ سَلْبَ المَقْتُولِ إذا لَمْ يَشْرُطْهُ لَهُ الإمامُ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَسْتَحِقُّهُ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ، والشّافِعِيُّ.
والثّانِي: لا يَسْتَحِقُّهُ، ويَكُونُ غَنِيمَةً لَلْجَيْشِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ؛ وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ كالقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ يَحْكُمانِ فِيها ما أرادا، ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بِتَرْكِ مُخالَفَتِهِ ﴿ وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "ذاتَ بَيْنِكُمْ" حَقِيقَةُ وصْلِكم.
والبَيْنُ: الوَصْلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ .
ثُمَّ في المُرادِ بِالكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَرُدَّ القَوِيُّ عَلى الضَّعِيفِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّانِي: تَرَكَ المُنازَعَةَ تَسْلِيمًا لَلَّهِ ورَسُولِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ أيِ: اقْبَلُوا ما أمَرْتُمْ بِهِ في الغَنائِمِ وغَيْرِها.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنْفالِ هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، كَذا قالَ أكْثَرُ الناسِ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ واحِدَةٍ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ كُلُّها، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قِصَّةٍ وقَعَتْ بِمَكَّةَ، ويُمْكِنُ أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ في ذَلِكَ بِالمَدِينَةِ، ولا خِلافَ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ وأمْرِ غَنائِمِهِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَسُولِ فاتَّقُوا اللهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ النَفْلُ والنَفَلُ والنافِلَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الزِيادَةُ عَلى الواجِبِ، وسُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ نَفْلًا لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى القِيامِ بِالجِهادِ وحِمايَةِ الدِينِ والدُعاءِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفْلِ ∗∗∗.................
أيْ خَيْرُ غَنِيمَةٍ، وقَوْلُ عنتَرَةَ: إنّا إذا احْمَرَّ الوَغى نَرْوِي القَنا ∗∗∗ ∗∗∗ ونَعِفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ والسُؤالُ في كَلامِ العَرَبِ يَجِيءُ لِاقْتِضاءِ مَعْنًى في نَفْسِ المَسْؤُولِ، وقَدْ يَجِيءُ لِاقْتِضاءِ مالٍ أو نَحْوِهِ، والأكْثَرُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ السُؤالَ إنَّما هو عن حُكْمِ الأنْفالِ فَهو مِنَ الضَرْبِ الأوَّلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَألُوهُ الأنْفالَ نَفْسَها أنْ يُعْطِيَهم إيّاها، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِقِراءَةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَحّاكِ، وعَطاءٍ: ( يَسْألُونَك الأنْفال )، وقالُوا في قِراءَةِ مَن قَرَأ "عن" أنَّها بِمَعْنى (مِن)، فَهَذا الضَرْبُ الثانِي مِنَ السُؤالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالأنْفالِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الغَنائِمُ مُجْمَلَةً، قالُوا وذَلِكَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ ما جَرى يَوْمَ بَدْرٍ، وهو أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ افْتَرَقُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةً أقامَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ في العَرِيشِ الَّذِي صُنِعَ لَهُ وحَمَتْهُ وآنَسَتْهُ، وفِرْقَةً أحاطَتْ بِعَسْكَرِ العَدُوِّ وأسْلابِهِمْ لَمّا انْكَشَفُوا، وفِرْقَةً اتَّبَعُوا العَدُوَّ فَقَتَلُوا وأسَرُوا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: وكانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ حَرَّضَ الناسَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقالَ: « "مَن قَتَلَ قَتِيلًا أو أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا ولَهُ كَذا"،» فَسارَعَ الشُبّانُ وبَقِيَ الشُيُوخُ عِنْدَ الراياتِ، فَلَمّا انْجَلَتِ الحَرْبُ واجْتَمَعَ الناسُ رَأتْ كُلُّ فِرْقَةٍ الفَضْلَ لِنَفْسِها، وقالَتْ: نَحْنُ أولى بِالمَغْنَمِ، وساءَتْ أخْلاقُهم في ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنَّ الغَنائِمَ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ فَكَفُّوا، فَقَسَّمَهُ حِينَئِذٍ رَسُولُ اللهِ عَلى السَواءِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ «عن أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصامِتِ عَنِ الأنْفالِ، فَقالَ: فِينا - أهْلَ بَدْرٍ - نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنا وساءَتْ أخْلاقُنا، فَنَزَعَهُ اللهُ مِن أيْدِينا فَجَعَلَهُ إلى رَسُولِ اللهِ ، وقَسَّمَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ السَلامُ عن بَواءٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ عن سَواءٍ، فَكانَ في ذَلِكَ تَقْوى اللهِ وطاعَةُ رَسُولِهِ وصَلاحُ ذاتِ البَيْنِ.
مِمّا جَرى أيْضًا يَوْمَ بَدْرٍ فَقِيلَ إنَّهُ سَبَبٌ ما أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ «عن سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ، وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ وأخَذْتُ سَيْفَهُ، وكانَ يُسَمّى ذا الكَثِيفَةِ، فَجِئْتُ بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، هَذا السَيْفُ قَدْ شَفى اللهُ بِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَأعْطِنِيهِ، فَقالَ: "لَيْسَ هَذا لِي ولا لَكَ فاطْرَحْهُ في القَبَضِ" فَطَرَحْتُهُ، فَرَجَعْتُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، قالَ: فَما جاوَزْتُ إلّا قَلِيلًا حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ فَإنَّكَ سَألْتَنِي السَيْفَ ولَيْسَ لِي، وإنَّهُ قَدْ صارَ لِي فَهو لَكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذا الحَدِيثِ، «قالَ سَعْدٌ: فَقُلْتُ لَمّا قالَ لِي: "فَضَعْهُ في القَبَضِ": إنِّي أخافُ أنْ تُعْطِيَهُ مَن لَمْ يَبْلُ بَلائِي، قالَ: فَإذا رَسُولُ اللهِ خَلْفِي، قالَ: فَقُلْتُ: أخافُ أنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، فَقالَ: "إنَّ السَيْفَ قَدْ صارَ لِي" فَأعْطانِيهِ، ونَزَلَتْ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ ».
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أيْضًا «عن أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: أصَبْتُ سَيْفَ ابْنِ عائِدٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَ يُسَمّى المَرْزَبانَ، فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ أنْ يَرُدُّوا ما في أيْدِيهِمْ مِنَ النَفْلِ أقْبَلْتُ بِهِ، فَألْقَيْتُهُ في النَفْلِ، وكانَ رَسُولُ اللهِ لا يَمْنَعُ شَيْئًا يَسْألُهُ، فَرَآهُ الأرْقَمُ المَخْزُومِيُّ فَسَألَهُ رَسُولَ اللهِ فَأعْطاهُ إيّاهُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الآثارِ أنَّ نُفُوسَ أهْلِ بَدْرٍ تَنافَرَتْ، ووَقَعَ فِيها ما يَقَعُ في نُفُوسِ البَشَرِ مِن إرادَةِ الأثْرَةِ، لا سِيَّما مَن أبْلى، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ الآيَةَ فَرَضِيَ المُسْلِمُونَ وسَلَّمُوا، فَأصْلَحَ اللهُ ذاتَ بَيْنِهِمْ ورَدَّ عَلَيْهِمْ غَنائِمَهُمْ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذا التَأْوِيلِ " عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ ": كانَ هَذا الحُكْمُ مِنَ اللهِ لِرَفْعِ الشَغَبِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَقَعْ في الآيَةِ نَسْخٌ، وإنَّما أُخْبِرَ أنَّ الغَنائِمَ لِلَّهِ مِن حَيْثُ هي مِلْكُهُ ورِزْقُهُ، ولِلرَّسُولِ مِن حَيْثُ هو مُبَيِّنٌ بِها أحْكامَ اللهِ والصادِعُ بِها لِيَقَعَ التَسْلِيمُ فِيها مِنَ الناسِ، وحُكْمُ القِسْمَةِ نازِلٌ خِلالَ ذَلِكَ، ولا شَكَّ في أنَّ الغَنائِمَ وغَيْرَها والدُنْيا بِأسْرِها هي لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ: ما يُعْطِيهِ الإمامُ لِمَن رَآهُ مِن سَيْفٍ أو فَرَسٍ أو نَحْوِهِ، وهَذا أيْضًا يَحْسُنُ مَعَ الآيَةِ ومَعَ ما ذَكَرْناهُ مِن آثارِ يَوْمِ بَدْرٍ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ صالِحِ بْنِ حَيٍّ، والحَسَنُ فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ: الأنْفالُ في الآيَةِ: ما تَجِيءُ بِهِ السَرايا خاصَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ بَعِيدٌ عَنِ الآيَةِ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ مَعَ الأسْبابِ المَذْكُورَةِ، بَلْ يَجِيءُ خارِجًا عن يَوْمِ بَدْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الأنْفالُ في الآيَةِ: الخُمُسُ، قالَ المُهاجِرُونَ: لَمْ يَخْرُجْ مِنّا هَذا الخُمُسُ، فَقالَ اللهُ تَعالى: هو لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ قَلِيلُ التَناسُبِ مَعَ الآيَةِ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ: ما شَدَّ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ كالفَرَسِ العائِرِ والعَبْدِ الآبِقِ، وهو لِلنَّبِيِّ يَصْنَعُ فِيهِ ما شاءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ: ما أُصِيبَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ هو لِلَّهِ ورَسُولِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ لا تَخْرُجُ بِهِما الآيَةُ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي رُوِيَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ، ولا تَخْتَصُّ الآيَةُ بِيَوْمِ بَدْرٍ عَلى هَذا، وكَأنَّ هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ إنَّما هي فِيما نالَهُ الجَيْشُ دُونَ قِتالٍ وبَعْدَ تَمامِ الحَرْبِ وارْتِفاعِ الخَوْفِ، وأولى هَذِهِ الأقْوالِ وأوضَحُها القَوْلُ الأوَّلُ الَّذِي تَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأسْبابِهِ، وناسَبَهُ الوَقْتُ الَّذِي نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: الأنْفالُ: الأسارى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ فَيَعْنِي كُلَّ ما يُغْنَمُ.
ويَحْسُنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِنِ اخْتِلافِ العُلَماءِ في تَنْفِيلِ الإمامِ لِمَن رَآهُ مِن أهْلِ النَجْدَةِ والغِناءِ، وما يَجُوزُ مِن ذَلِكَ وما يَمْتَنِعُ، وما لَهم في السَلَبِ مِنَ الِاخْتِلافِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لا نَفْلَ بَعْدَ النَبِيِّ ، وقالَ الجُمْهُورُ: النَفْلُ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يُنَفِّلُ إمامُ الجَيْشِ ما رَآهُ لِمَن رَآهُ لَكِنْ بِحَسَبِ الِاجْتِهادِ والمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَحُضَّ الناسَ عَلى النَجْدَةِ، ويُنَشِّطَهم إلى مُكافَحَةِ العَدُوِّ والِاجْتِهادِ في الحَرْبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ ابْنُ القاسِمِ عن مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ": إنَّما يُنَفِّلُ الإمامُ مِنَ الخُمُسِ لا مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ، ويُنَفِّلُ في أوَّلِ المَغْنَمِ وفي آخِرِهِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما يُنَفِّلُ الإمامُ قَبْلَ القِتالِ، وأمّا إذا جُمَعَتِ الغَنائِمُ فَلا نَفْلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إنَّما يَكُونُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِأنْ يَقُولَ الإمامُ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا وكَذا، أو يَقُولُ لِسِرِّيَّةٍ: إنْ وصَلْتُمْ إلى مَوْضِعِ كَذا فَلَكم كَذا، وقالَ الشافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ: لا نَفْلَ إلّا بَعْدَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ التَخْمِيسِ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: يُنَفِّلُ الإمامُ مَتّى شاءَ قَبْلَ التَخْمِيسِ.
وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَجاءُ بْنُ حَيَوَةَ، ومَكْحُولٌ، والقاسِمُ، وجَماعَةٌ مِنهُمُ الأوزاعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وعَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ: لا نَفْلَ إلّا بَعْدَ إخْراجِ الخُمُسِ، ثُمَّ يُنَفِّلُ الإمامُ مِن أرْبَعَةِ الأخْماسِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الباقِي بَيْنَ الناسِ.
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: إنَّما يُنَفِّلُ الإمامُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الأمِيرُ: مَن هَدَمَ كَذا مِنَ الحِصْنِ فَلَهُ كَذا، ومَن بَلَغَ إلى كَذا فَلَهُ كَذا، ولا أُحِبُّ لِأحَدٍ أنْ يَسْفِكَ دَمًا عَلى مِثْلِ هَذا.
قالَ سِحْنُونٌ: فَإنْ نَزَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ فَإنَّهُ مُبايَعَةٌ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الإمامُ لِسَرِيَّةٍ: ما أخَذْتُمْ فَلَكم ثُلُثُهُ، قالَ سِحْنُونٌ: يُرِيدُ ابْتِداءً، فَإنْ نَزَلَ مَضى ولَهم أنْصِباؤُهم في الباقِي.
وقالَ سِحْنُونٌ: إذا قالَ الإمامُ لِسَرِيَّةٍ: ما أخَذْتُمْ فَلا خُمْسَ عَلَيْكم فِيهِ، فَهَذا لا يَجُوزُ، فَإنْ نَزَلَ رَدَدْتُهُ لِأنَّ هَذا حُكْمٌ شاذٌّ لا يَجُوزُ ولا يُمْضى، ويُسْتَحَبُّ -عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ - إنْ نَفَّلَ الإمامُ أنْ يُنَفِّلَ ما يَظْهَرُ كالعِمامَةِ والفَرَسِ والسَيْفِ، وقَدْ مَنَعَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ يُنَفِّلَ الإمامُ ذَهَبًا أو فِضَّةً أو لُؤْلُؤًا أو نَحْوَ هَذا.
وقالَ بَعْضُهُمُ:النَفْلُ جائِزٌ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
وأمّا السَلَبُ فَقالَ مالِكُ رَحِمَهُ اللهُ: الأسْلابُ مِنَ المَغْنَمِ تُقَسَّمُ عَلى جَمِيعِ الجَيْشِ إلّا أنْ يَشْرُطَ الإمامُ، وقالَهُ غَيْرُهُ.
وقالَ اللَيْثُ، والأوزاعِيُّ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: السَلَبُ حَقٌّ لِلْقاتِلِ بِحُكْمِ النَبِيِّ ، قالَ الشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: قالَهُ الإمامُ أو لَمْ يَقُلْهُ، وقالَ مالِكٌ: إذا قالَ الإمامُ: "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" فَذَلِكَ لازِمٌ، ولَكِنَّهُ عَلى قَدْرِ اجْتِهادِ الإمامِ وبِسَبَبِ الأحْوالِ والضِيقاتِ واسْتِصْراخِ الأنْجادِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وابْنُ حَنْبَلٍ: تَخْرُجُ الأسْلابُ مِنَ الغَنِيمَةِ ثُمَّ تُخَمَّسُ بَعْدَ ذَلِكَ وتُعْطى الأسْلابُ لِلْقَتَلَةِ، وقالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: إنْ كانَ السَلَبُ يَسِيرًا فَهو لِلْقاتِلِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا خُمِّسَ، وفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَعَ البَراءِ بْنِ مالِكٍ حِينَ بارَزَ المَرْزَبانَ فَقَتَلَهُ فَكانَتْ قِيمَةُ مِنطَقَتِهِ وسَوارِيهِ ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَمَّسَ ذَلِكَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ هو حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ، وقالَ مَكْحُولٌ: السَلَبُ مَغْنَمٌ وفِيهِ الخُمْسُ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ: يُخَمَّسُ عَلى القاتِلِ وحْدَهُ.
وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: لا يُعْطى القاتِلُ السَلَبَ إلّا أنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ عَلى قَتْلِهِ، قالَ أكْثَرُهُمْ: ويُجْزِئُ شاهِدٌ واحِدٌ بِحُكْمِ حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ، وقالَ الأوزاعِيُّ: يُعْطاهُ بِمُجَرَّدِ دَعْواهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقالَ الشافِعِيُّ: لا يُعْطى القاتِلُ إلّا إذا كانَ قَتِيلُهُ مُقْبِلًا مُبارِزًا مُضَحِّيًا، وأمّا مَن قَتَلَ مُنْهَزِمًا فَلا، وقالَ أبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ صاحِبُ "الأشْرافِ": لِلْقاتِلِ السَلَبُ مُنْهَزِمًا كانَ القَتِيلُ أو غَيْرَ مُنْهَزِمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أصَحُّ لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ في اتِّباعِهِ رَبِيئَةَ الكُفّارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وأخْذِهِ بِخِطامِ بِعِيرِهِ وقَتْلِهِ إيّاهُ وهو هارِبٌ، فَأعْطاهُ رَسُولُ اللهِ سَلَبَهُ، وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لا يَكُونُ السَلَبُ لِلْقاتِلِ إلّا في المُبارَزَةِ فَقَطْ.
واخْتَلَفُوا في السَلَبِ.
فَأمّا السِلاحُ وكُلُّ ما يُحْتاجُ لِلْقِتالِ فَلا أحْفَظُ فِيهِ خِلافًا أنَّهُ مِن السَلَبِ، وفَرَسُهُ إنْ قاتَلَ عَلَيْهِ وصُرِعَ عنهُ.
وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في الفَرَسِ: لَيْسَ مِنَ السَلَبِ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ في هِمْيانِهِ أو مَنطَقَتِهِ دَنانِيرُ أو جَوْهَرٌ أو نَحْوُ هَذا مِمّا يُعِدُّهُ فَلا أحْفَظُ خِلافًا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السَلَبِ.
واخْتُلِفَ فِيما يُتَزَيَّنُ بِهِ لِلْحَرْبِ ويُهَوَّلُ فِيها كالتاجِ والسُوارَيْنِ والأقْراطِ والمَناطِقِ المُثْقَلَةِ بِالذَهَبِ والأحْجارِ، فَقالَ الأوزاعِيُّ: ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ السَلَبِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَ مِنَ السَلَبِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عن سِحْنُونٍ رَحِمَهُ اللهُ إلّا المَنطَقَةَ فَإنَّها عِنْدَهُ مِنَ السَلَبِ.
قالَ ابْنُ حَبِيبٍ في "الواضِحَةِ": والسُوارَيْنِ مِنَ السَلَبِ، وتَرَدَّدَ الشافِعِيُّ هَلْ هَذِهِ كُلُّها مِنَ السَلَبِ أو لا؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا قالَ الإمامُ: "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" فَقَتَلَ ذِمِّيٌّ قَتِيلًا فالمَشْهُورُ أنْ لا شَيْءَ لَهُ، وعَلى قَوْلِ أشْهَبَ: "يَرْضَخُ أهْلُ الذِمَّةِ مِنَ الغَنِيمَةِ" يَلْزَمُ أنْ يُعْطى السَلَبَ.
وإنْ قَتَلَ الإمامُ بِيَدِهِ بَعْدَ هَذِهِ المَقالَةِ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا الصَفِيُّ فَكانَ خالِصًا لِرَسُولِ اللهِ .
وقوله عزّ وجلّ: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ ﴾ مَعْناها في الكَلامِ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَ المَحْذُورِ وِقايَةً، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ شَجَرَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ، ومالَتِ النُفُوسُ إلى التَشاحِّ، و( ذاتَ ) -فِي هَذا المَوْضِعِ- يُرادُ بِها نَفْسُ الشَيْءِ وحَقِيقَتُهُ.
والَّذِي يُفْهَمُ مِن ( بَيْنِكم ) هو مَعْنًى يَعُمُّ جَمِيعَ الوَصْلِ والِالتِحاماتِ والمُوَدّاتِ، وذاتُ ذَلِكَ هي المَأْمُورُ بِإصْلاحِها، أيْ: نَفْسُهُ وعَيْنُهُ، فَحَضَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى إصْلاحِ تِلْكَ الأجْزاءِ، فَإذا صَلَحَتْ تِلْكَ حَصَلَ إصْلاحُ ما يَعُمُّها وهو البَيْنُ الَّذِي لَهُمْ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لَفْظَةُ "الذاتِ" عَلى أنَّها لَزِيمَةُ ما تُضافُ إلَيْهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنَهُ ونَفْسَهُ، وَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ )، و( ذاتِ الشَوْكَةِ ) فَإنَّها هاهُنا مُؤَنَّثَةُ قَوْلِهِمُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وقَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنِ بِنْتِ خارِجَةَ ".
ويُحْتَمَلُ "ذاتُ البَيْنِ" أنْ تَكُونَ هَذِهِ، وقَدْ تُقالُ "الذاتُ" أيْضًا بِمَعْنًى آخَرَ وإنْ كانَ يَقْرُبُ مِن هَذا، وهو قَوْلُهُمْ: "فَعَلْتُ كَذا ذاتَ يَوْمٍ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا يَنْبَحُ الكَلْبُ فِيها غَيْرَ واحِدَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ذاتَ العَشاءِ ولا تَسْرِي أفاعِيها وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: ﴿ ذاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ الحالَ الَّتِي لِبَيْنِكُمْ، كَما "ذاتَ العِشاءِ" الساعَةَ الَّتِي فِيها العِشاءُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ بَيِّنُ الِانْتِقاضِ.
وقالَ الزَجّاجُ: البَيْنُ هاهُنا الوَصْلُ، ومْثْلُهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ، وسَبَبُهُ الأمْرُ بِالوُقُوفِ عِنْدَما يُنَفِّذُهُ رَسُولُ اللهِ في الغَنائِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: كامِلِي الإيمانِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: "إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا" أيْ: إنْ كُنْتَ كامِلَ الرُجُولَةِ، وجَوابُ الشَرْطِ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ( وأطِيعُوا )، ومَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ مُتَأخِّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أطِيعُوا، ومَذْهَبُهُ في هَذا ألّا يَتَقَدَّمَ الجَوابُ الشَرْطَ.
<div class="verse-tafsir"
افتتاح السورة ب ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ مؤذن بأن المسلمين لم يعلموا ماذا يكون في شأن المسمى عندهم ﴿ الأنفال ﴾ وكان ذلك يومَ بدر، وأنهم حاوروا رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك، فمنهم من يتكلم بصريح السؤال، ومنهم من يخاصم أو يجادل غيره بما يؤذن حاله بأنه يتطلب فهْماً في هذا الشأن، وقد تكررت الحوادث يومئذ: ففي «صحيح مسلم»، و«جامع الترمذي» عن سعد بن أبي وقاص قال: «لما كان يوم بدر أصبت سيفاً لسعيد بن العاصي فأتيتُ به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت نفلْنيهِ، فقال: ضعه (في القَبَض)، ثم قلت: نفلنيه فقال ضعْه حيثُ أخذته، ثم قلت: نفلنيه فقال: ضعه من حيث أخذته، فنزلت ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ » وفي «أسباب النزول» للواحدي، و«سيرة ابن إسحاق» عن عبادة بن الصامت، أنه سئل عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلتْ حين اختلفنا في النفل يوم بدر فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقُنا فرده على رسوله فقسمه بيننا على بواء يقول على السواء، وروى أبو داود، عن ابن عباس، قال: «لما كان يومُ بدر ذهب الشبان للقتال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت الغنيمة جاء الشبان يطلبون نفلهم فقال الشيوخ: لا تستأثرون علينا فانا كنا تحت الرايات ولو أنهزمتم لكنا ردءاً لكم، واختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ .
والسؤال حقيقته الطلب، فإذا عدّي ب (عن) فهو طلب معرفة المجرور ب (عن) وإذا عدّي بنفسه فهو طلب إعطاء الشيء، فالمعنى، هنا: يسألونك معرفة الأنفال، أي معرفة حقها فهو من تعليق الفعل باسم ذات، والمراد حالها بحسب القرينة مثل ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] وإنما سألوا عن حكمها صراحة وضمناً في ضمن سؤالهم الأثرة ببعضها.
ومجيء الفعل بصيغة المضارع دال على تكرر السؤال، إما بإعادته المرة بعد الأخرى من سائلين متعددين، وإما بكثرة السائلين عن ذلك حين المحاورة في موقف واحد.
ولذلك كان قوله ﴿ يسألونك ﴾ موذناً بتنازع بين الجيش في استحقاق الأنفال، وقد كانت لهم عوائد متبعة في الجاهلية في الغنائم والأنفال أرادوا العمل بها وتخالفوا في شأنها فسألوا، وضمير جمع الغائب إلى معروف عند النبي وبين السامعين حين نزول الآية.
و (الأنفال) جمع نفل بالتحريك والنفل مشتق من النافلة وهي الزيادة في العطاء، وقد أطلق العرب في القديم الأنفال على الغنائم في الحرب كأنهم اعتبروها زيادة على المقصود من الحرب لأن المقصود الأهممِ من الحرب هو إبادة الأعداء، ولذلك ربما كان صناديدهم يأبون أخذ الغنائم كما قال عنترة: يخبرك من شَهد الوقيعة أنني *** أغشى الوغى وأعف عند المغنم وأقوالهم في هذا كثيرة، فإطلاق الأنفال في كلامهم على الغنائِم مشهور قال عنترة: إنا إذا احمرا الوغى نُرْوي القنا *** ونعف عند مقاسم الأنفال وقد قال في القصيدة الأخرى: وأعف عند المغنم *** فعلمنا أنه يريد من الأنفال المغانم وقال أوس بن حَجر الأسدي وهو جاهلي: نكصتم على أعقابكم ثم جئتمو *** تُرجون أنفال الخميس العرمرم ويقولون نفلني كذا يريدون أغنمني، حتى صار النفل يطلق على ما يعطاه المقاتل من المغنم زيادة على قسطه من المغنم لمزية له في البلاء والغِناء أو على ما يعثر عليه من غير قتيله، وهذا صنف من المغانم.
فالمغانم، إذن، تنقسم إلى: ما قصد المقاتل أخذه من مال العدو مثل نعمهم، ومثل ما على القتلى من لباس وسلاح بالنسبة إلى القاتل، وفيما ما لم يقصده المقاتلون مما عثروا عليه مثل لباس قتيل لم يُعرف قاتله، فاحتملت الأنفال في هذه الآية أن تكون بمعنى المغانم مطلقاً، وأن تكون بمعنى ما يُزاد للمقاتل على حقه من المغنم، فحديث سعد بن أبي وقاص كان سؤالاً عن تنفيل بمعنى زيادة، وحديث ابن عباس حكى وقوع اختلاف في قسمة المغنم بين من قاتل ومن لم يقاتل، على أن طلب من لم يقاتلوا المشاركة في المغنم يرجع إلى طلب تنفيل، فيبقى النفل في معنى الزيادة.
ولأجل التوسع في ألفاظ أموال الغنائم تردد السلف في المعنى من الأنفال في هذه الآية، وسئل ابن عباس عن الأنفال فلم يزد على أن قال «الفرس من النفل والدرع من النفل» كما في «الموطأ»، وروي عنه أنه قال: «والسلب من النفل» كما في «كتاب أبي عبيد» وغيره.
وقد أطلقوا النفل أيضاً على ما صار في أيدي المسلمين من أموال المشركين بدون انتزاع ولا افتكاك كما يوجد الشيء لا يُعرف من غنمه، وكما يوجد القتيل عليه ثيابه لا يعرف قاتله، فيدخل بهذا الإطلاق تحت جنس الفيء كما سماه الله تعالى في سورة [الحشر: 6، 7] بقوله: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيللٍ ولا ركاببٍ ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ﴾ إلى قوله وبهذا تتحصل في أسماء الأموال المأخوذة من العدو في القتال ثلاثة أسماء: المغنم، والفيء، وهما نوعان، والنفل.
وهو صورة من صور القسمة وكانت متداخلة، فلما استقرّ أمر الغزو في المسلمين خص كل اسم بصنف خاص قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ [الأنفال: 41] الآية، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص أي تخصيص اسم الغنيمة بمال الكفار إذا أخذه المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولكن عُرفَ الشرع قيد اللفظ بهذا النوع فسمى الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين (أي لمعنيين مختلفين) غنيمة وفيئاً يعني وأما النفل فهو اسم لنوع من مقسوم الغنيمة لا لنوع من المغنم.
والذي استقر عليه مذهب مالك أن النفل ما يعطيه الإمام من الخُمس لمن يرى إعطاءه إياه، ممن لم يغنم ذلك بقتال.
فالأنفال في هذه الآية قال الجمهور: المراد بها ما كان زائداً على المغنم.
فيكون النظر فيه لأمير الجيش يصرفه لمصلحة المسلمين، أو يعطيه لبعض أهل الجيش لإظهار مزية البطل، أو لخصلة عظيمة يأتي بها، أو للتحريض على النكاية في العدو.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: " من قتل قتيلاً فله سَلَبُه " وقد جعلها القرآن لله وللرسول، أي لما يأمر به الله رسوله أو لما يراه الرسول صلى الله عليه وسلم قال مالك في «الموطأ» «ولم يبلغنا أن رسول الله قال: من قتل قتيلاً فله سَلَبه إلا يومَ حنين، ولا بلغنا عن الخلفاء من بعده» (يعني مع تكرر ما يقتضيه فأراد ذلك أن تلك قضية خاصة بيوم حنين).
فالآية محكمة غير منسوخة بقوله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ﴾ [الأنفال: 41] فيكون لكل آية منهما حكمها إذ لا تداخل بينهما، قال القرطبي: وهو ما حكاه المازري عن كثير من أصحابنا.
وعن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة وعطاء: أن المراد بالأنفال في هذه الآية الغنائِم مطلقاً.
وجعلوا حكمها هنا أنها جُعلت لله وللرسول أي أن يقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب ما يراه، بلا تحديد ولا اطراد، وأن ذلك كان في أول قسمة وقعت ببدر كما في حديث ابن عباس، ثم نسخ ذلك بآية ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ﴾ [الأنفال: 41] الآية إذ كان قد عين أربعة الأخماس للجيش، فجعل لله وللرسول الخمس، وجعل أربعة الأخماس حقاً للمجاهدين.
يعني وبقي حكم الفيء المذكور في سورة الحشر غير منسوخ ولا ناسخ، فلذلك قال مالك والجمهور: لا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام وقال مالك: «إعطاء السَلَب من التنفيل»، وقال مجاهد: الأنفال هي خمس المغانم وهو المجعول لله والرسول ولذي القربى.
واللام في قوله ﴿ للَّه ﴾ على القول الأول في معنى الأنفال: لام الملك، لأن النفل لا يحسب من الغنائِم، وليس هو من حق الغزاة فهو بمنزله مال لا يعرف مستحقه، فيقال هو ملك لله ولرسوله، فيعطيه الرسول لمن شاء بأمر الله أو باجتهاده، وهذا ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص في «الترمذي» إذ قال له رسول الله عليه الصلاة والسلام سألتني هذا السيف معنى السيف الذي تقدم ذكره في حديث مسلم ولم يكن لي وقد صار لي فهو لك».
وأما على القول الثاني، الجامع لجميع المغانم، فاللام للاختصاص، أي: الأنفال تختص بالله والرسول، أي حكمُها وصرفها، فهي بمنزلة (إلى).
تقول: هذا لك أي: إلى حكمك مردود، وأن أصحاب ذلك القول رأوا أن المغانم لم تكن في أول الأمر مخمسة بل كانت تقسم باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ثم خُمّست بآية ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ﴾ [الأنفال: 41] الآية.
وعطف «وللرسول» على اسم الله لأن المقصود: الأنفالُ للرسول صلى الله عليه وسلم يقسمها فذكر اسم الله قبل ذلك للدلالة على أنها ليس حقاً للغزاة وإنما هي لمن يعينه الله بوحيه فذكر اسم الله لفائدتين: أولاهما: أن الرسول إنما يتصرف في الأنفال بإذن الله توقيفاً أو تفويضاً.
والثانية: لتشمل الآية تصرف أمراء الجيوش في غيبة الرسول أو بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لأن ما كان حقاً لله كان التصرف فيه لخلفائه.
واختلف الفقهاء في حكم الأنفال اختلافاً ناشئاً عن اختلاف اجتهادهم في المراد من الآية، وهو اختلاف يعذرون عليه لسعة الاطلاق في أسماء الأموال الحاصلة للغزاة، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وسعيد بن المسيب: النفل إعطاء بعض الجيش أو جميعه زيادة على قسمة أخماسهم الأربعة من المغنم، فإنما يكون ذلك من خمس المغنم المجعول للرسول صلى الله عليه وسلم ولخلفائه وأمرائه جمعاً بين هذه الآية وبين قوله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ﴾ [الأنفال: 41] الآية فلا نفل إلا من الخمس المجعول لاجتهاد أمير الجيش وعلة ذلك تجنب إعطاء حق أحد لغيره ولأنه يفضي إلى إيقاد الإحَنْ في نفوس الجيش، وقد يبعث الجيش على عصيان الأمير، ولكن إذا رأى الإمام مصلحة في تنفيل بعض الجيش ساغ له ذلك من الخمس الذي هو موكول إليه، كما سيأتي في آية المغانم، لذلك قال مالك: لا يكون التنفيل قبل قسمة المغنم وجعل ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين من قوله: " من قتل قتيلاً فله سَلَبه " خصوصيه للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر، لأن طاعة الناس للرسول أشد من طاعتهم لمن سواه لأنهم يؤمنون بأنه معصوم عن الجور وبأنه لا يتصرف إلا بإذن الله، قال مالك في «الموطأ»: ولم يبلغنا أن رسول الله فعل ذلك غير يوم حنين ولا أن أبا بكر وعمر فعلاه في فتوحهما.
وإنما اختلفت الفقهاء: في أن النفل هل يبلغ جميع الخمس أو يخرج من خمس الخمس، فقال مالك من الخمس كله ولو استغرقه، وقال سعيد بن المسيب، وأبو حنيفة والشافعي: النفل من خمس الخمس.
والخلاف مبني على اختلافهم في أن خمس المغنم أهو مقسم على من سمّاه القرآن أم مختلط، وسيجيء ذلك في آية المغانم.
والحجة لمالك حديث ابن عمر في «الموطأ» أنهم غزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة فكانت سهمانهم اثني عشر بعيراً ونُفلوا بعيراً بعيراً فأعطي النفلُ جميع أهل الجيش وذلك أكثر من خمس الخمس، وقال جماعة يجوز التنفيل من جميع المغنم وهؤلاء يخصصون عموم آية ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ [الأنفال: 41] بآية ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي فالمغانم المخمسة ما كان دون النفل، والقول الأول أسد وأجرى على الأصول وأوفق بالسنة، والمسألة تبسط في الفقه وليس من غرض المفسر إلا الإلمام بمعاقدها من الآية.
وتفريع ﴿ فاتقوا الله ﴾ على جملة ﴿ الأنفال لله والرسول ﴾ لأن في تلك الجملة رفعاً للنزاع بينهم في استحقاق الأنفال، أو في طلب التنفيل، فلما حكم بأنها ملك لله ورسوله أو بأن أمر قسمتها موكول لله، فقد وقع ذلك على كراهة كثير منهم ممن كانوا يحسبون أنهم أحق بتلك الأنفال ممن أعطيها، تبعاً لعوائِدهم السالفة في الجاهلية فذكرهم الله بأن قد وجب الرضى بما يقسمه الرسول منها، وهذا كله من المقول.
وقدم الأمر بالتقوى، لأنها جامع الطاعات.
وعُطف الأمر بإصلاح ذات البين، لأنهم اختصموا واشتجروا في شأنها كما قال عبادة بن الصامت: «اختلفْنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا» فأمرهم الله بالتصافح، وختم بالأمر بالطاعة، والمراد بها هنا الرضى بما قسم الله ورسوله أي الطاعة التامة كما قال تعالى ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ [النساء: 65].
والإصلاح: جعل الشيء صالحاً، وهو مؤذن بأنه كان غير صالح، فالأمر بالإصلاح دل على فساد ذات بينهم، وهو فساد التنازع والتظالم.
و ﴿ ذات ﴾ يجوز أن تكون مؤنث (ذو) الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو.
ووقع في كلامهم مضافاً إلى الجهات وإلى الأزمان وإلى غيرهما، يجرونه مُجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق كقوله تعالى: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ في سورة [الكهف: 18]، على تأويل جهة، وتقول: لقيته ذات ليلة، ولقيته ذات صباح، على تأويل المقدر ساعة أو وقت، وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال، ويجوز أن تكون (ذات) أصلية الألف كما يقال: أنا أعرف ذات فلان، فالمعنى حقيقة الشيء وماهيته، كذا فسرها الزجاج والزمخشري، فهو كقول ابن رواحة: وذلك في ذاتتِ الإله وإن يَشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع فتكون كلمةً مقحمةً لتحقيق الحقيقة، جُعلت مُقدمة، وحقها التأخير لأنها للتأكيد مثل المعنى في قولهم: جاءني بذاته، ومنه يقولون: ذات اليمين وذات الشمال، قال تعالى ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ .
فالمعنى: أصلحوا بينكم، ولذا ف (ذات) مفعول به على أن (بَين) في الأصل ظرف فخرج عن الظرفية، وجعل اسماً منتصرفاً، كما قُرئ ﴿ لقد تقطع بينُكم ﴾ [الأنعام: 94] برفع بينُكم في قراءة جماعة.
فأضيفت إليه (ذات) فصار المعنى: أصلحوا حقيقة بينكم أي اجعلوا الأمر الذي يجمعكم صالحاً غير فاسد، ويجوز مع هذا أن ينزل فعل ﴿ أصلحوا ﴾ منزلة الفعل اللازم فلا يقدر له مفعول قصداً للأمر بإيجاد الصلاح لا بإصلاح شيء فاسد، وتنصب ذات على الظرفية لإضافتها إلى ظرف المكان والتقدير: وأوجدوا الصلاح بينكم، كما قرأنا ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ [الأنعام: 94] بنصب بينكم أي لقد وقع التقطيع بينكم.
وأعلم أني لم أقف على استعمال (ذاتَ بين) في كلام العرب فأحسب أنها من مبتكرات القرآن.
وجواب شرط ﴿ إنْ كنتم مؤمنين ﴾ دلت عليه الجمل المتقدمة من قوله: ﴿ فاتقوا الله ﴾ إلى آخرها، لأن الشرط لما وقع عقب تلك الجمل كان راجعاً إلى جميعها على ما هو المقرر في الاستعمال، فمعنى الشرط بعد تلك الجمل الإنشائية: إنا أمرناكم بما ذكر إنْ كنتم مؤمنين، لأنا لا نأمر بذلك غير المؤمنين، وهذا إلهاب لنفوسهم على الامتثال، لظهور أن ليس المراد: فإن لم تكونوا مؤمنين فلا تتقوا الله ورسوله، ولا تصلحوا ذات بينكم، ولا تطيعوا الله ورسوله، فإن هذا معنى لا يخطر ببال أهل اللسان ولا يسمح بمثله الاستعمال.
وليس الإتيان في الشرط ب ﴿ بأنْ ﴾ تعريضاً بضُعف إيمانهم ولا بأنه مما يشك فيه من لا يعلم ما تخفي صدورُهم، بناء على أن شأن (إنْ) عدمُ الجرم بوقوع الشرط بخلاف (إذا) على ما تقرر في المعاني، ولكن اجتلاب (إنْ) في هذا الشرط للتحريض على إظهار الخصال التي يتطلبها الإيمان وهي: التقوى الجامعة لخصال الدين، وإصلاح ذات بينهم، والرضى بما فعله الرسول، فالمقصود التحريض على أن يكون إيمانهم في أحسن صُوره ومظاهره، ولذلك عُقب هذا الشرط بجملة القصر في قوله: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وَجِلتْ قلوبهم ﴾ [الأنفال: 2] كما سيأتي.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأنْفالِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ وعَطاءٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى آخِرِ سَبْعِ آياتٍ.
﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ وهَذا الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سَألَهُ أصْحابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ عَنِ الأنْفالِ.
وَفي هَذِهِ الأنْفالِ الَّتِي سَألُوهُ عَنْها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الغَنائِمُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.
الثّانِي: أنَّها السَّرايا الَّتِي تَتَقَدَّمُ الجَيْشَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
الثّالِثُ: الأنْفالُ ما نَدَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ مِن دابَّةٍ أوْ عَبْدٍ، وهَذا أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّ الأنْفالَ الخُمُسُ مِنَ الفَيْءِ والغَنائِمِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الخُمُسِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الخامِسُ: أنَّها زِياداتٌ يَزِيدُها الإمامُ بَعْضَ الجَيْشِ لِما قَدْ يَراهُ مِنَ الصَّلاحِ.
والأنْفالُ جَمْعُ نَفَلٍ، وفي النَّفَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَطِيَّةُ، ومِنهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ الكَثِيرِ العَطاءِ: نَوْفَلٌ، قالَ الشّاعِرُ: يَأْتِي الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ فالنَّوْفَلُ: الكَثِيرُ العَطاءِ.
والزُّفَرُ: الحَمّالُ لِلْأنْفالِ، ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ زُفَرَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ النَّفَلَ الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ ومِنهُ صَلاةُ النّافِلَةِ.
قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيُرُ نَفَلٍ ∗∗∗ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلُ واخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَن كَذا وكَذا فَلَهُ كَذا وكَذا فَسارَعَ إلَيْهِ الشُّبّانُ وبَقِيَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرّاياتِ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ جاءُوا يَطْلُبُونَ ما جَعَلَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ الشُّيُوخُ: لا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنا فَإنّا كُنّا رِدْءًا لَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ الآيَةَ.
» الثّانِي: «ما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ بْنِ أُمَيَّةَ وأخَذْتُ سَيْفَهُ وكانَ يُسَمّى ذا الكَتِيفَةِ فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: هَبْهُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (اطْرَحْهُ في القَبْضِ فَطَرَحْتُهُ ورَجَعْتُ وبِي مِنَ الغَمِّ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، قالَ: فَما تَجاوَزْتُ إلّا قَرِيبًا حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الأنْفالِ فَقالَ: (اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ) .» الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فاخْتَلَفُوا وكانُوا أثْلاثًا فَنَزَلَتْ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ الآيَةَ.
فَمَلَّكَهُ اللَّهُ رَسُولَهُ فَقَسَّمَهُ كَما أراهُ اللَّهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا حُكْمَها وشَكُّوا في إحْلالِها لَهم مَعَ تَحْرِيمِها عَلى مَن كانَ قَبْلَهم فَسَألُوا عَنْها لِيَعْلَمُوا حُكْمَها مِن تَحْلِيلٍ أوْ تَحْرِيمٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ﴾ .
الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ ومَعْنى ذَلِكَ; قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ، وهي لا شَكَّ لِلَّهِ مَعَ الدُّنْيا بِما فِيها والآخِرَةِ، والرَّسُولُ يَضَعُها في مَواضِعِها الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ بِوَضْعِها فِيها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَرُدَّ أهْلَ القُوَّةِ عَلى أهْلِ الضَّعْفِ.
الثّانِي: أنْ يُسَلِّمُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ لِيَحْكُما في الغَنِيمَةِ بِما شاءَ اللَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاصي وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيعة، فأتيت به النبي فقال «اذهب فاطرحه في القبض.
فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال.
فقال لي رسول الله: اذهب فخذ سيفك» .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه «عن سعد قال: قلت: يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين فهل لي هذا السيف؟
قال: إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه.
فوضعته ثم رجعت قلت: عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي، إذا رجل يدعوني من ورائي قلت: قد أنزل الله في شيء؟
قال: كنت سألتني هذا السيف وليس هو لي وإني قد وهب لي فهو لك» ، وأنزل الله هذه الآية ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت في أربع آيات.
بر الوالدين، والنفل، والثلث، وتحريم الخمر.
وأخرج الطيالسي والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت في أربع آيات من كتاب الله، كانت أمي حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمداً صلى الله عليه وسلم: فأنزل الله: ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ [ لقمان: 15] ، والثانية أني كنت أخذت سيفاً أعجبني فقلت: يا رسول الله هب لي هذا، فنزلت ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ ، والثالثة إني مرضت فأتاني رسول الله فقلت: يا رسول الله إني أريد أن أقسم مالي أفأوصي بالنصف؟
قال: «لا.
فقلت: الثلث...؟
فسكت فكان الثلث بعده جائزاً، والرابعة اني شربت الخمر مع قوم من الأنصار فضرب رجل منهم أنفي بلحيي جمل، فأتيت النبي، فأنزل الله تحريم الخمر» .
وأخرج عبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد قال: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلني هذا السيف فأنا من علمت.
فقال «رده من حيث أخذته فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لأمتني نفسي، فرجعت إليه فقلت: اعطنيه.
فشدَّ لي صوته وقال: رده من حيث أخذته.
فأنزل الله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن سعد قال: نفلني النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر سيفا، ونزل في النفل.
وأخرج الطيالسي وأبو نعيم في المعرفة من طريق مصعب بن سعد عن سعد قال: أصبت سيفاً يوم بدر، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله نفلنيه، فقال: «ضعه من حيث أخذته، فنزلت ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ وهي قراءة عبد الله هكذا الأنفال» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟
فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن براءة، يقول: عن سواء.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس فهزم الله العدوّ، فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون، واكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدوّ منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب.
وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم.
وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرة واشتغلنا به، فنزلت ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ﴾ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدوّ ونفل الربع، وإذا أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول: ليرد قويُّ المسلمين على ضعيفهم» .
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فنصرها الله وفتح عليها، فكان من أتاه بشيء نفله من الخمس، فرجع رجال كانوا يستقدمون ويقتلون ويأسرون ويقتلون وتركوا الغنائم خلفهم فلم ينالوا من الغنائم شيئاً.
فقالوا: يا رسول الله ما بال رجال منا يستقدمون ويأسرون، وتخلف رجال لم يصلوا بالقتال فنفلتهم من الغنيمة؟
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ الآية.
فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ردوا ما أخذتم واقتسموه بالعدل والسوية فإن الله يأمركم بذلك.
قالوا: قد احتسبنا وأكلنا؟
قال: احتسبوا ذلك» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر فنزلت ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن أبيه عن جده قال: لم ينفل النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذ أنزلت عليه ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ إلا من الخمس، فإنه نفل يوم خيبر من الخمس.
وأخرج ابن مردويه عن حبيب بن مسلمة الفهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل الثلث بعد الخمس.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم «من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا.
فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردأً ولو كان منكم شيء لَلَجَأْتم إلينا، فاختصموا إلى النبي، فنزلت ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ﴾ فقسم الغنائم بينهم بالسوية» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قتل قتيلاً فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا.
فجاء أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بأسيرين، فقال: يا رسول الله إنك قد وعدتنا.
فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا فنزل القرآن ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ وكان أصحاب عبد الله يقرأونها ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فيما تشاجرتم به ﴾ فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ﴾ [ الأنفال: 41] إلى آخر الآية» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فمكث ضعفاء الناس في العسكر، فأصاب أهل السرية غنائم، فقسمها رسول الله بينهم كلهم، فقال أهل السرية: يقاسمنا هؤلاء الضعفاء وكانوا في العسكر لم يشخصوا معنا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟
«فأنزل الله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف من بدر وقدم المدينة، أنزل الله عليه سورة الأنفال، فعاتبه في إحلال غنيمة بدر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمها بين أصحابه لما كان بهم من الحاجة إليها واختلافهم في النفل، يقول الله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾ فردها الله على رسوله فقسمها بينهم على السواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعته، وطاعة رسوله وصلاح ذات البين» .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد «إنهم سألوا النبي عن الخمس بعد الأربعة الأخماس؟
فنزلت ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ قال: كان هذا يوم بدر.
وأخرج النحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير.
ان سعداً ورجلاً من الأنصار خرجاً يتنفلان، فوجدا سيفاً ملقى فخرّا عليه جميعاً، فقال سعد: هو لي.
وقال الأنصاري: هو لي.
قال: لا أسلمه حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتياه فقصا عليه القصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس لك يا سعد ولا للأنصاري ولكنه لي، فنزلت ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله ﴾ يقول: سلما السيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نسخت هذه الآية فقال: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [ الأنفال: 41] » .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنحاس في ناسخه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد، فغنموا ابلاً كثيراً فصارت سهمانهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً.
وأخرج ابن عساكر من طريق مكحول عن الحجاج بن سهيل النصري وقيل إن له صحبة قال: لما كان يوم بدر قاتلت طائفة من المسلمين وثبتت طائفة عند رسول الله، فجاءت الطائفة التي قاتلت بالاسلاب وأشياء أصابوها، فقسمت الغنيمة بينهم ولم يقسم للطائفة التي لم تقاتل.
فقالت الطائفة التي لم تقاتل: اقسموا لنا.
فأبت وكان بينهم في ذلك كلام، فأنزل الله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ﴾ فكان صلاح ذات بينهم إن ردوا الذي كانوا أعطوا ما كانوا أخذوا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ﴾ قال: الأنفال: المغانم، كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شيء، ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكاً فهو غلول.
فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها شيئاً.
فأنزل الله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال ﴾ لي جعلتها لرسولي ليس لكم منه شيء ﴿ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ﴾ إلى قوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ثم أنزل الله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ [ الأنفال: 41] الآية.
ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، والمهاجرين في سبيل الله، وجعل أربعة أخماس الناس فيه سواء.
للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ قال: هي الغنائم، ثم نسخها ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ [ الأنفال: 41] الآية.
وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن الأنفال؟
فقال: الفرس من النفل، والسلب من النفل، فأعاد المسئلة فقال ابن عباس: ذلك أيضاً، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟
فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر.
وفي لفظ: فقال: ما أحوجك إلى من يضربك كما فعل عمر بصبيغ العراقي، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: الأنفال: المغانم، أمروا أن يصلحوا ذات بينهم فيها، فيرد القوي على الضعيف.
وأخرج عبد بن حميد والنحاس وابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ هو ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو دابة أو متاع فذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن محمد بن عمرو قال: أرسلنا إلى سعيد بن المسيب نسأله عن الأنفال؟
فقال: تسألوني عن الأنفال وإنه لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن المسيب «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينفل إلا من الخمس» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن المسيب قال: ما كانوا ينفلون إلا الخمس.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب قال: لا نفل في غنائم المسلمين إلا في خمس الخمس.
وأخرج عبد الرزاق عن أنس.
أن أميراً من الأمراء أراد أن ينفله قبل أن يخمسه، فأبى أنس أن يقبله حتى يخمسه.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: هي في قراءة ابن مسعود ﴿ يسئلونك الأنفال ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق شقيق عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ قال: الفيء، ما أصيب من أموال المشركين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: ﴿ يسئلونك عن الأنفال ﴾ قال: ما أصابت السرايا.
وأخرج ابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن مجاهد وعكرمة قالا: كانت الأنفال لله والرسول حتى نسخها آية الخمس ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ [ الأنفال: 41] الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقرؤنها ﴿ يسئلونك الأنفال ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ﴾ قال: هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله، وأن يصلحوا ذات بينهم حيث اختلفوا في الأنفال.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ قال: لا تستبوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: كان صلاح ذات بينهم إن ردت الغنائم، فقسمت بين من ثبت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من قاتل وغنم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ قال: طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة.
وأخرج أبو يعلى وأبو الشيخ والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أنس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله؟
قال: رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي.
قال الله: أعط أخاك مظلمته.
قال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء.
قال: يا رب يحمل عني من أوزاري.
وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى أن يتحمل عنهم من أوزارهم.
فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا لأي صديق هذا لأي شهيد هذا؟!
قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب من يملك ثمنه؟
قال: أنت.
قال: بماذا؟
قال: بعفوك عن أخيك.
قال: يا رب قد عفوت عنه.
قال: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله وأصلحوا ذاتْ بينكم، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم «أخبرك أن الله تبارك وتعالى وتقدس يجمع الأوّلين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أي الطرفين؟
فقالت: الله ورسوله أعلم...
!
ثم ينادي مناد من تحت العرش يا أهل التوحيد.
فيشرئبون، ثم ينادي: يا أهل التوحيد.
ثم ينادي الثالثة إن الله قد عفا عنكم، فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا، ثم ينادي: يا أهل التوحيد يعفو بعضكم عن بعض وعلى الله الثواب» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: يا أهل التوحيد إن الله قد عفا عنكم، فليعف بعضكم عن بعض وعلي الثواب» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت الآية حين اختلف أهل بدر في الغنائم، وكان الشبان في ذلك اليوم قتلوا وأسروا، والأشياخ وقفوا مع رسول الله في المصاف، فقال الشبان: لنا الغنائم؛ لأنا أبلينا، وقال الأشياخ: كنا ردءًا لكم، ولو انهزمتم لانحزتم (١) (٢) وقال عبادة بن الصامت (٣) فقسمه بيننا على السواء (٤) والنفل: الغنيمة (٥) (٦) (٧) (٨) ونذكر استقصاء النافلة عند قوله تعالى: ﴿ نَافِلَةً لَكَ ﴾ إن شاء الله (٩) وأما معنى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ فقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ إخبار عمن لم يسبق ذكره إيجازًا واختصارًا؛ لأن حالة النزول كانت تدل على من سأل وتنبيء عنه، ومثله في القرآن كثير.
وأكثر أهل العلم قالوا: معنى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ أي: عن حكمها وعلمها سؤال استفتاء (١٠) (١١) قال الزجاج: وإنما سألوا عنها لأنها كانت حرامًا على من كان قبلهم (١٢) وقيل: (عن) معناه (من) أي: يسألونك من الأنفال أن تعطيهم، فهذا سؤال استعطاء، يدل على هذا المعنى ما روي عن الخليل أنه كان يقول: (عن) هاهنا زيادة صلة، معناه: (يسألونك الأنفال) (١٣) (١٤) وقال صاحب النظم (١٥) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ ليس في هذا بيان أنهم [عن أَيشِ (١٦) (١٧) ﴿ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ دل ذلك على أن السؤال وقع عن الأنفال لمن هي (١٨) وقوله تعالى: ﴿ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ أي: أنها لله لا شك في ذلك، وللرسول يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها ، ولا مشاجرة فيما يراه منها (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ قال رسول الله : "يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإن قد صار لي فاذهب فخذه" (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ .
قال المفسرون (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال الزجاج: معنى ذات بينكم: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل (٢٧) ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ ﴾ .
وقال صاحب النظم: (ذات) كناية عن الخصومة والمنازعة هاهنا، وهي الواقعة بينهم.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ قال ابن زيد: أسلموا لله ولرسوله [في الأنفال (٢٨) (٢٩) وقال أبو إسحاق (٣٠) (٣١) هذا الذي ذكرنا معنى الآية وتفسيرها، فأما حكمها فقال مجاهد وعكرمة والسدي (٣٢) (٣٣) ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ ، فكانت الغنائم يومئذ للنبي خاصة، فنسخها الله بالخمس، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي عنه.
وقال ابن زيد: الآية ليست بمنسوخة؛ لأن الأنفال لله -لا شك مع الدنيا بما فيها والآخرة-، وللرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله عز وجل بوضعها فيها (٣٤) ﴿ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ تمليك له إياها وذلك التمليك نسخ بالخمس (٣٥) .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
(١) في (ح): (للجوتم)، ومعناهما متقارب.
(٢) هذا معنى أثر عن ابن عباس رواه بلفظ مقارب أبو داود (2737)، كتاب الجهاد، باب في النفل، وسنده صحيح.
ورواه أيضًا النسائي في "تفسيره" 1/ 515 (217)، والطبري في "تفسيره" 9/ 172، والحاكم في "مستدركه" 2/ 132، وصححه ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقال: على شرط البخاري، وانظر الأثر أيضاً في: "تفسير الثعلبي" 6/ 37 ب، وهو مخطوط في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة وله سورة في مكتبة جامعة الإِمام بالرياض (332 - 340)، و"تفسير البغوي" 3/ 323، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 234 - 235.
(٣) هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري من سادات الأنصار، وكان أحد النقباء في بيعة العقبة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ، توفي عام 34 هـ وقيل غير ذلك.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 2/ 5، و"الإصابة في تمييز الصحابة" 4/ 27.
(٤) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 322، وفيه: فقسمه رسول الله فينا عن براء.
يقول: على السواء.
وروى نحوه مطولًا الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير، سورة الأنفال 2/ 326.
ورواه أيضًا بلفظ مقارب ابن جرير في "تفسيره" 9/ 172 - 173.
(٥) هذا باعتبار اللغة؛ قال عنترة كما في "ديوانه" ص 193: إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ...
ونعف عند مقاسم الأنفال وقال أوس بن حجر كما في "ديوانه" ص 124: نكصتم على أعقابكم يوم جئتمو ...
تزجون أنفال الخميس العرمرم وروى البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة الأنفال 8/ 306 عن ابن عباس قال: الأنفال: الغنائم اهـ.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أن للشارع استعمالا آخر للنفل وهو ما يعطاه المقاتل من الغنيمة زيادة على قسطه منها لنكايته في العدو، أو شجاعته أو اشتراكه في سرية، ونحو ذلك، وقد جاء هذا في أحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر - ما- أن رسول الله بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلًا كثيراً فكانت سهامهم اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا.
رواه البخاري في "صحيحه" (3134) كتاب الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، وعن معن بن يزيد أن رسول الله قال: "لا نفل إلا بعد الخمس".
رواه أحمد في "المسند" 3/ 470 وسنده صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" 2/ 1254 (7552).
وهذا هو اصطلاح الفقهاء في النفل، انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد 1/ 395، و"المغني" لابن قدامة 13/ 53، كما رجّح عدد من المفسرين أن هذا المعنى هو المراد في الآية، وسيأتي بيان ذلك عند الرد على من قال إن الآية منسوخة.
(٦) في "تهذيب اللغة" وسميت صلاة التطوع ...
إلخ.
(٧) في "تهذيب اللغة" لأنها زيادة أجر لهم على ما كتب من ثواب ما فرض عليهم.
(٨) "تهذيب اللغة" للأزهري (نفل) 4/ 3636.
(٩) قال في هذا الموضع: ﴿ نَافِلَةً لَكَ ﴾ معنى النافلة في اللغة: ما كان زيادة على الأصل، ذكرنا هذا في قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ ومعناها أيضاً في هذه الآية الزيادة، قال مجاهد: النافلة للنبي خالصة؛ من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهي نافلة له، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له خاصة وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم ..
وذهب قوم إلى أن معنى النافلة: التطوع الذي يتبرع به الإنسان، وقالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه، ثم نسخت عنه فصارت نافلة، أي: تطوعًا وزيادة على الفرائض ..
(١٠) في (ح): (استقصاء)، وهو خطأ.
(١١) ذكر هذا القول وجهًا في تفسير الآية أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" 3/ 325، والثعلبي في "الكشف والبيان" 6/ 37 ب؛ واختاره السمين الحلبي كما في "الفتوحات الإلهية" 2/ 225، ولم أجد من ذكره عن مفسري الصحابة والتابعين، == وهو قول فيه نظر من عدة أوجه: أولاً: أن الجواب يحدد السؤال، فقوله تعالى: ﴿ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ دليل على أنهم سألوا لمن الأنفال؟، ومن المستحق لها؟
أو أنهم سألوا أن يعطوا منها.
ثانيًا: أن أسباب النزول تعين على فهم المراد، وما ورد في أسباب النزول الآية يدور حول ثلاثة أمور: أ- أن بعض الصحابة سألوا شيئًا من الغنيمة، وهذا ما رجحه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 168.
ب- أن بعض الصحابة أراد أن يستأثر بما حازه من غنيمة فنزلت الآية تأنيبًا لهم، وهذا معنى سبب النزول الذي ذكره المؤلف في مطلع السورة، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 291 - 295.
ثالثًا: أن رسول الله وعد قومًا شيئاً من الغنيمة فاختلف أصحابه - م- في ذلك بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية لنزع الغنيمة من أيديهم وتسليمها لرسول الله يصنع فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله بينهم بالعدل.
انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 171، وابن أبي حاتم 5/ 1649 - 1653.
وبهذا يتبين أن ما ورد من أسباب نزول للآية لا يدل على أن السائل سأل عن حكم الأنفال -كما يقول المؤلف- وإنما سأل عن الأنفال، أو سأل أن يعطى منها.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" لأبي إسحاق الزجاج 2/ 399.
(١٣) انظر: "البحر المحيط" 5/ 269، و"الدر المصون" 5/ 555، دون تعيين القائل.
(١٤) رواه عنهما ابن جرير في "تفسيره" 9/ 175.
(١٥) هو: أبو علي الجرجاني، وقد سبق التعريف به وبكتابه.
(١٦) بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الشين المعجمة، ومعناها: أي شيء، قال الفيومي في "المصباح المنير" 1/ 311: وقالوا: أي شيء، ثم خففت الياء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وجعلا كلمة واحدة فقيل: أيش، قاله الفارابي اهـ.
وفي "المعجم الوسيط" 1/ 34: أيش: منحوت من (أي شيء) بمعناه، وقد تكلمت به العرب اهـ.
وقال العلامة السهانفوري في "بذل المجهود" 1/ 324: أيش هذا: مخفف أي شيء، قال في "مرقاة الصعود": حكى أبو علي الفارسي في تذكرته: حكى أبو الحسن والفراء أنهم يقولون: أيش لك، والقول فيه عندنا إنه أي شيء لك؟
حذف همزهُ فألقى حركته على الياء فتحرك بالكسر فكره به فسكن فلحقه تنوين فحذف لالتقاء الساكنين، قال: فإن قلت: بقي الاسم على حرف واحد، قيل: حسنه الإضافة اللازمة، فصار لزوم الإضافة مشبهًا له بما في نفس الكلمة، حتى حذف منها كما قيل: فيم، وبم، كذلك أيش اهـ.
وقال محمود خطاب في "المنهل المورود" 1/ 65: أيش هذا: بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، وكسر الشين المعجمة، أصلها: أي شيء هذا، فخففت الياء وحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال وجعلا كلمة واحدة، وهو استفهام إنكاري.
(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(١٨) سبق التنبيه إلى أن كتاب "نظم القرآن" للجرجاني مفقود.
(١٩) هكذا في جميع النسخ.
(٢٠) ساقط من (م).
(٢١) القبض بفتح الباء بمعنى: المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم.
انظر: "النهاية في غريب الحديث" 4/ 6.
(٢٢) روى الحديث بألفاظ مقاربة الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 178، وأبو داود (2740) كتاب الجهاد، باب: في النفل، والترمذي (3274) أبواب تفسير القرآن، سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح، والحاكم في "المستدرك" كتاب قسم الفيء 2/ 132، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه عليه الذهبي.
وأصل الحديث في "صحيح مسلم" (1748) كتاب "فضائل الصحابة" باب: في فضل سعد بن أبي وقاص.
(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 400، و"تفسير السمرقندي" 2/ 4، والبغوي 3/ 326.
(٢٤) هو: أحمد بن يحيى الشيباني، أبو العباس، الملقب بـ (ثعلب).
(٢٥) انظر: كلام أبي العباس ثعلب في "تهذيب اللغة" 2/ 1299 (ذات)، وفي "لسان العرب" 3/ 1476 (ذات).
(٢٦) ذهب الكوفيون إلى أن الاسم في (ذا) الذال وحدها وما عداها تكثير لها، وذهب البصريون إلى أن الذال ليست هي الاسم فيها بل هي بكمالها الاسم.
انظر "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 535 ، و"تفسير ابن جرير" 9/ 177.
(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه"، له 2/ 400.
(٢٨) ساقط من (م).
(٢٩) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 178 باختلاف يسير.
(٣٠) إذا أطلق المؤلف هذه الكنية فمراده الزجاج.
(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 400.
(٣٢) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير الكوفي المفسر، اختلف علماء "الجرح والعديل" في توثيقه، فقال ابن أبي حاتم: لا يحتج به، وقال الذهبي: حسن الحديث، وقال ابن حجر: صدوق يهم، وقد أخرج له الجماعة إلا البخاري، توفي سنة 127 هـ.
انظر.
"الكاشف" أ 1/ 75 ، و"تقريب التهذيب" ص 520 (6481)، و"طقبات المفسرين" للداودي 1/ 110.
(٣٣) أخرج آثارهم ابن جرير في "تفسيره" 9/ 175.
(٣٤) رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 176.
(٣٥) هذا القول فيه نظر، والراجح أن الآية محكمة غير منسوخة، وبيان ذلك من وجوه: أولاً: لا يصح القول بنسخ الآية اعتمادًا على قول السلف بأن هذه الآية منسوخة حتى نتحقق من وجود التعارض، وعدم إمكانية الجمع، ومعرفة التاريخ؛ لأن عادة السلف التوسع في إطلاق لفظ النسخ، فيطلقونه على بيان المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، ونحو ذلك، كما يطلقونه على المعنى المعروف عند الأصوليين وهو رفع الحكم الكلي للآية.
انظر: "الموافقات في أصول الأحكام" للشاطبي 3/ 73.
ثانيًا: أن الراجح من أقوال المفسرين أن المراد بالأنفال في الآية: ما يعطى المقاتل زيادة على نصيبه من الغنيمة لسبب من الأسباب، وقد رجح ذلك ابن جرير 9/ 175 - 176، وابن كثير 2/ 313 - 316، والكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 3/ 149.
ويشهد لهذا الترجيح "أسباب النزول" فهي وإن كانت متعددة لكنها تعود في الجملة إلى قضية واحدة وهي تنفيل بعض المقاتلين شيئًا من الغنيمة، ومن أصرح ذلك ما رواه أبو أمامة عن عبادة بن الصامت - - قال: سألته عن الأنفال، قال: فينا يوم بدر نزلت، كان الناس على ثلاث منازل: ثلث يقاتل العدو، وثلث يجمع المتاع ويأخذ الأسارى، وثلث عند الخيمة يحرس رسول الله ، فلما جمع المتاع اختلفوا فيه، فقال الذين جمعوه وأخذوه قد نفل رسول الله كل امرئ ما أصاب فهو لنا دونكم.
الحديث رواه الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال 2/ 326، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله يوم بدر: "من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا" قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله == عليهم قال المشيخة: كنا ردءًا لكم، لو انهزمتم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله لنا فأنزل الله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ ﴾ الحديث.
رواه أبو داود في "سننه" كتاب الجهاد، باب: النفل 3/ 77، وسنده صحيح، ورواه الحاكم في "المستدرك" كتاب قسم الفيء 2/ 131، وصححه ووافقه عليه الذهبي وقال: هو على شرط البخاري.
وقد ثبت في "صحيح البخاري" 6/ 246 كتاب الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سلبه أن النبي نفل -يوم بدر- القاتل سلب قتيله.
فإن قيل: قد ثبت عن ابن عباس أنه فسر الأنفال بالغنائم، كما في "صحيح البخاري" 8/ 306 كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...
﴾ .
فالجواب: أن تفسيره هذا معارض بما ثبت عنه أيضًا أنه فسرها بالتنفيل فقد روى الإمام مالك عن القاسم بن محمد أنه قال: سمعت رجلاً يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال: فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، قال: ثم عاد الرجل لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضاً.
انظر: "الموطأ" كتاب الجهاد، ما جاء في السلب في النفل ص 301.
وقد روى الأثر نفسه الإِمام عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/249 عن معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد، ورجال سنده كلهم أئمة.
وبما سبق يتبين لنا القول الراجح في المراد بالأنفال، وأنها الزيادة فيما يعطى المقاتل على نصيبه من الغنيمة، وعلى ضوء ذلك تكون الآيتان المدعى فيهما ناسخ ومنسوخ تبينان موضوعين مختلفين فكيف يكون بينهما تعارض؟
ثالثا: القول بأن غنيمة بدر كانت خالصة لرسول الله، وقد قسمها بين المسلمين ولم يخمسها؛ لأن آية الخمس متأخرة في النزول عن آية الأنفال.
انظر: "كتاب الأموال" لأبي عبيد ص 426، قول فيه نظر من وجهين: أ- أن تخميس غيمة بدر ثابت في حديث علي حيث قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي أعطاني شارفًا من الخمس.
رواه البخاري (3091) كتاب الخمس، باب فرض الخمس 4/ 176.
والشارف: المسنة من النوق.
وروى الدارقطني في "سننه" كتاب السير 4/ 110 (26) عن الزبير بن العوام = <div class="verse-tafsir"
نزلت هذه السورة في غزوة بدر وغنائمها ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم واسائلون هم الصحابة، والأنفال هي الغنائم، وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي صلى الله عليه وسلم في العريش تحرسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس رأت كل فرقة أنها أحق بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت الآية ومعناها: يسألونك عن حكم الغنيمة ومن يستحقها وقيل: الأنفال هنا ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادة على حظه، وقد اختلف الفهاء وقيل: الأنفال هنا ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادة على حظه، وقد اختلف الفقهاء هل يكون ذلك التنفيل من الخمس وهو قول مالك؟
أو من الأربعة الأخماس، أو من رأس الغنيمة، قبل إخراج الخمس ﴿ قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول ﴾ أي الحكم فيها لله والرسول لا لكم ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ أي اتفقوا وائتلفوا، ولا تنازعوا، وذات هنا بمعنى: الأحوال، قاله الزمخشري، وقال ابن عطية: يراد بها في هذا الموضع نفس الشيء وحقيقته.
وقال الزبيري: إن إطلاق الذات على نفس الشيء وحقيقته ليس من كلام العرب ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ يريد في الحكم في الغنائم، قال عبادة بن الصامت: نزلت فينا أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا، وجعلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قسمها على السواء، فكانت في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مردفين ﴾ بفتح الدال: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون: بالكسر.
الوقوف: ﴿ عن الأنفال ﴾ ط ﴿ والرسول ﴾ ج لعطف المختلفين مع الفاء ﴿ ذات بينكم ﴾ ص ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ج لاحتمال جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ والوصل أولى فيكون الوقف على ﴿ ينفقون ﴾ ويكون الثناء بحقيقة الإيمان منصرفاً إلى قوله ﴿ هم المؤمنون ﴾ ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ج لما يجيء في التفسير ﴿ بالحق ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لكارهون ﴾ ه ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ج لاحتمال كون "إذ" متعلقاً بمحذوف وهو "اذكر" أو بقوله ﴿ ويحق ﴾ ﴿ مردفين ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ج لابتداء النفي مع احتمال الحال ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله : من فعل كذا فله كذا، فذهب شبان الرجال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت القسمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردأ لكم فأنزل الله ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ فقسمها بينهم بالسواء.
وعن عبادة بن الصامت قال: لم هزم العدوّ يوم بدر واتبعتهم طائفة يقتلونهم، أحدقت طائفة برسول الله واستولت طائفة بالعكسر والنهب، فلما نفى الله العدوّ رجع الذين طلبوهم وقالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدوّ وبنا قفاهم الله وهزمهم.
وقال الذين أحدقوا برسول الله : ما أنتم بأحق به منا نحن أحدقنا برسول الله لا ينال العدوّ منه غرة.
وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: نحن أخذناه واستولينا عليه فهو لنا فنزلت الآية، فقسمها رسول الله بينهم بالسواء.
وعن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص فأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف.
فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض أي في المقبوض من الغنائم، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله وقد أنزلت سورة الأنفال عليه فقال: "يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وإنه الآن قد صار لي فاذهب فخذه" والنفل بالتحريك الغنيمة وجمعه الأنفال وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً.
قال الأزهري: هو ما كان زيادة على الأصل فسميت الغنائم بذلك لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم.
وصلاة التطوّع نافلة لأنها زائدة على الفرض وقال ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة ﴾ أي زيادة على ما سأل.
والضمير في ﴿ يسألونك ﴾ عائد إلى جامع معينين من الصحابة لهم تعلق بالغنائم كما قررنا.
وحسن العود وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ لدلالة الحال عليهم، ولفظ السؤال وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن المراد أنهم سألوا عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها.
قال الزجاج: إنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم.
وضعف بأن الآية دلت على أنها مسبوقة بالتنازع والتنافس فسألوا عن كيفية قسمتها لا عن حلها وحرمتها.
وعن عكرمة أن المراد من هذا السؤال الاستعطاء أي يطلبون منك الغنائم وقال في الكشاف: النفل ما ينفله الغازي أي يعطاه زائداً على سهمه من المغنم وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب.
من قتل قتيلاً فله سلبه.
أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم أو فلكم نصفه أو ربعه.
ولا يخمس النفل ويلزم الإمام الوفاء بما وعد به.
وهذا التفسير يناسب خبر سعد بن أبي وقاص في إعطاء السيف إياه.
وعن ابن عباس في بعض الروايات أن المراد بالأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من دابة أو عبد أو متاع فهو إلى النبي يضعه حيث يشاء.
وعن مجاهد: إن الأنفال الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس.
وعلى هذا فالقوم إنما سألوا عن الخمس فنزلت الآية.
ثم أمر بالشروع في الجواب فقال ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد.
قال مجاهد وعكرمة والسدي: إنها منسوخه بقوله ﴿ واعلموا أن ما غنمتم ﴾ الآية.
وضعف بأن جعل أربعة أخماسها ملكاً للغانمين لا ينافي كون الحكم فيها لله والرسول، ولو فسر الأنفال بالخمس أو بالسلب فلا إشكال.
ثم حثهم على ترك المنازعة وعلى المؤاخاة والمصافاة فقال ﴿ فاتقوا الله ﴾ أي عقابه ولا تقدموا على معصيته واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ أي التي هي بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومودة وموافقة.
لما كانت الأحوال واقعة في البين قيل لها ذات البين كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي كاملي الإيمان تنبيهاً على أن كمال الإيمان موقوف وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله.
ثم وصف المؤمنين الكاملين فقال ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أي فزعت لذكره استعظاماً لجلاله وحذراً من أليم عقابه.
وقد يطمئن القلب بعد ذلك إذا تذكر كمال رأفته وجزيل ثوابه كقوله ﴿ ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم لمعصية فيقال له اتق الله فينزع ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ قالت العلماء: زيادة الإيمان تكون على ثلاثة أنحاء: الأوّل: بقوّة الدليل وبكثرته، فإن كل دليل مركب لا محالة من مقدمات.
ولا شك في أن النفوس مختلفة في الإشراق والإنارة، والأذهان متفاوتة بالذكاء والغباوة، فكل من كان جزمه بالمقدمات أكثر وأدوم كان علمه بالنتيجة أكمل وأتم، وكذا من سنح له على المطلوب دليلان كان علمه أتم ممن لا يجد على المطلوب دليل واحد ولذا يورد العلماء دلائل متعددة على مدلول واحد ولله در القائل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
الثاني: بتعدد التصديق وتجدده؛ فمن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدقه في شيء واحد، فمعنى الآية أنهم كلما سمعوا آية متجددة أتوا بإقرار جديد.
الثالث: أن يقال: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل كما ينبىء عنه ظاهر الآية لأنه لما ذكر الأمور الخمسة قال ﴿ أولئك هم المؤمنون ﴾ فدل ذلك على أن كل تلك الخصال داخلة في مسمى الإيمان ويؤيده ما رواه أبو هريرة أن النبي قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" وإذا كان الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة فبسبب التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وإن لم يكن التفاوت في الإقرار والاعتقاد متصوراً.
أما قوله ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيفيد الحصر أي لا يتوكلون إلا على ربهم وهذه الصفات مرتبة على أحسن جهات الترتيب؛ فالأولى الفزع من عقاب الله، والثانية الانقياد لتكاليفه، والثالثة الانقطاع بالكلية عما سواه.
ثم لما فرغ من أعمال القلوب وهي الخشية والتسليم والتوكل شرع في وصفهم بأعمال الجوارح وذكر منها رأسها وسنامها وهما الصلاة والصدقة، ثم عظمهم بقوله ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ وفي ﴿ أولئك ﴾ وفي توسيط الفصل وتعريف الخبر وإيراد ﴿ حقاً ﴾ من المبالغات ما لا يخفى و ﴿ حقاً ﴾ صفة مصدر محذوف أي إيماناً حقاً وهو مصدر مؤكد للجملة قبله، وقال الفراء: معناه أخبركم بذلك إخباراً حقاً، وقيل: إنه منوط بما بعده أي حقاً لهم درجات.
واعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الرجل المؤمن يجوز له أن يقول أنا مؤمن، ثم اختلفوا في أنه هل يجوز له أن يضيف إليه حقاً أو لا بل يستثني فيقول إن شاء الله.
والأوّل مذهب أصحاب أبي حنيفة لما ورد في الآية، ولأن الشك في الإيمان لا يجوز لأن التصديق والإقرار كلاهما محقق.
والثاني مذهب أصحاب الشافعي، وأجابوا عن الآية بأنه لا نزاع في أن الموصوف بالصفات المذكورة مؤمن حقاً إنما النزاع في أن القائل أنا مؤمن هل هو موصوف بتلك الصفات جزماً أم لا.
وأما حديث الشك فمبني على أن الإيمان عبارة عن الأركان الثلاثة، ولا ريب أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية، فإن النزاع لفظي على أنا لا نسلم أن الاستثناء لأجل الشك وإنما هو لزوال العجب أو لعدم القطع بحسن الخاتمة، أو لنوع من الأدب ففيه تفويض بالأمر إلى علم الله وحكمه كقوله ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ﴾ وإنه تعالى منزه عن الشك والريب.
عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟
قال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا.
وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية.
وهذا إلزام منه يعني كما لا يقع بأنه من أهل الجنة حقاً فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً.
ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟
فقال: اتباعاً لإبراهيم في قوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ﴾ فقال له: هلا اقتديت به في قوله ﴿ أو لم تؤمن قال بلى ﴾ قيل: وكان لقتادة أن يقول ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ وفيه ما فيه.
ثم أخبر عن مآل حالهم فقال ﴿ لهم درجات عند ربهم ﴾ أي سعادات روحانية متفاوتة في الصعود والارتفاع، ولكن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به يمنعه عن التألم من حال من فوقه كما قال ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ، ﴿ ومغفرة ﴾ وتجاوز عن سيئاتهم ﴿ ورزق كريم ﴾ هو نعيم الجنة المقرون بالدوام والتعظيم.
والكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه نقله الواحدي عن أهل اللغة.
فالله موصوف بأنه كريم لأنه محمود في كل ما يحتاج إليه، والقرآن كريم لأنه يوجد فيه بيان كل شيء ﴿ وقال إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ وقال ﴿ من كل زوج كريم ﴾ وقال ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال بعض العارفين: المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله.
والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته.
قوله عز من قائل ﴿ كما أخرجك ﴾ يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوهاً: الأوّل: أن المشبه محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك.
والمعنى أن حالهم في كراهة ما صنعت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، وذلك أنه لما رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ وقلة المسلمين قال: " من قتل قتيلاً فله كذا وكذا.
ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا" .
ترغيباً لهم في القتال، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق كثير بغير شيء فنزلت ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة.
والثاني: أن ينتصب الكاف على أنه صفة مصدر الفعل المقدّر في قوله ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي ثبت الحكم واستقر بأن الأنفال لله وإن كرهوا ثباتاً مثل إخراج ربك إياك إلى القتال وإن كرهوا، ووجه تخصيص هذا المشبه به بالذكر من بين سائر أحكام الله أن القصة واحدة ووجه جعل الإخراج مشبهاً به كونه أقوى في وجه الشبه لأن مدار القصة عليه.
وقيل: التقدير هو أن الحكم بكونهم مؤمنين حق كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك لأجل القتال حق.
الثالث: قال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده وهو قوله ﴿ يجادلونك ﴾ والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه.
والبيت بيته صلى الله عليه وآله بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مهاجره ومسكنه فلها به اختصاص كاختصاص البيت بساكنه، ومعنى بالحق أي إخراجاً ملتبساً بالحكمة والصواب ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهة بعضهم.
ثم بين الكراهة بقوله ﴿ يجادلونك ﴾ ويجوز أن تكون الجملة بدلاً أو خبراً بعد خبر.
روي أن قريش أقبلت من الشأم فيها تجارة عظيمة ومعهم أربعون راكباً - منهم أبو سفيان وعمر بن العاص وعمرو بن هشام - فأخبر جبريل رسول الله فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً.
وقد رأت أخت العباس ابن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً رأيت كأن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل فرمى بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة.
فحدث بها العباس فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبأوا حتى تتنبأ نساؤهم.
فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير على ما قيل في المثل السائر: "لا في العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمداً لم يصب العير.
فمضى بهم إلى بدر ونزل جبرائيل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا فاستشار النبي صلىالله عليه وسلم أصحابه وقال: ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟
قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ.
فتغير وجه رسول الله ثم ردّ عليهم فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدوّ.
فقام عند غضب النبي أبو بكر وعمر فأحسنا أي الكلام، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر فامض فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار.
ثم قال: المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين تطرف.
فضحك رسول الله ثم قال: "أشيروا عليّ أيها الناس" .
وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان النبي يتخوف أن يكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة.
فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟
قال: أجل.
قال: قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أدرت فوالذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا، إنا بالصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك بنا ما تقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله ونشطه قول سعد ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" .
ولنرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ في الحق ﴾ أي في تلقي النفير بعد ما تبين أي بعد إعلام النبي بأنهم هم المنصورون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير.
وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب وذلك لكراهتهم القتال ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ المتيقن لمشاهدة أسبابه من قلة العدد والعدد.
روي أنه ما كان منهم إلا فارسان.
وانتصب بإضمار "اذكر".
قوله ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ﴾ وقوله ﴿ أنها لكم ﴾ بدل من ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ وهما العير أو النفير ﴿ وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدّة.
والشوكة الحدّة مستعارة من واحدة الشوك ﴿ ويريد الله أن يحق الحق ﴾ يثبته ويعليه ﴿ بكلماته ﴾ بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة من إنزال الملائكة وأسر الكفرة وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ أي يستأصلهم.
والدابر الآخر يعني أنكم تريدون العاجل وسفساف الأمور والله يريد معاليها وما يرجع إلى تقوية الدين وشتان ما بين المرادين.
قوله ﴿ ليحق الحق ﴾ متعلق بمحذوف أي لإظهار الإسلام وإبطال الكفر.
فعل ما فعل وإنما قدّر المحذوف متأخراً ليفيد معنى الاختصاص أي ما فعل ذلك إلا لتحقيق الحق وإبطال الباطل وقيل: يتعلق بـ ﴿ يقطع ﴾ فإن قيل: الحق حق لذاته والباطل باطل في ذاته وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل.
قلنا: المراد إظهار كون الحق حقاً والباطل باطلاً وذلك يكون تارة بإظهار الدلائل والبيان، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل.
فإن قيل: أليس في الكلام تكرار؟
قلنا: لا إذ المراد بالأوّل تثبيت ما وعده في هذه الواقعة من الظفر بالأعداء، والمراد الثاني إعلاء الإسلام ومحق الكفر.
والحاصل أن الأول جزئي أي أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني كلي يشمل هذه القضية وغيرها من القضايا التي حصل في ضمنها إعلاء كلمة الله وقمع بكلمة الكفر.
احتجت الأشاعرة بقوله ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ وقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ على أن الأعمال والعقائد كلها بخلق الله وبتكوينه ولا يمكن أن يقال: المراد من إظهار الحق وضع الدلائل عليه لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى المسلم والكافر وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يبقى للتخصيص فائدة.
والمعتزلة تمسكوا بالآية على إبطال قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله مريد له، لأن ذلك ينافي إرادة تحقيق الحق وإبطال الباطل.
واجيب بأن اللام في ﴿ الحق ﴾ ينصرف إلى المعهود السابق أي في هذه القضية فلم قلتم: إنه كذلك في جميع الصور ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ أي الكافرون أو المشركون كقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يُتم نوره ولو كره الكافرون ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولو كره المشركون ﴾ وقوله ﴿ إذ تستغيثون ﴾ بدل من قوله ﴿ وإذ يعدكم ﴾ وقيل: يتعلق بقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون: يا غياث المستغيثين أغثنا.
وعن عمر أن رسول الله نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه ثلثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدّتك بالدعاء ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
ويروى أنه لما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره.
ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور.
ومعنى تستغيثون تطلبون الإغاثة، يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني ﴿ فاستجاب لكم ﴾ ، ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ ممدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ بكسر الدال وفتحها من أردفته إياه إذا أتبعته متعدياً إلى مفعولين، أو من ردفته إذا أتبعته أي جئت بعده متعدياً إلى مفعول واحد.
ومعنى الأوّل جاعلين بعضهم أو مجعولين بعضهم تابعاً لبعض أو أنفسهم تابعين للمؤمنين يحرسونهم أو لملائكة أخرى.
ومعنى الثاني تابعين بعضهم للبعض أو للمؤمنين يقدمونهم على ساقتهم يحفظونهم أو لغيرهم من الملائكة.
واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبرائيل في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت، وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.
وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً؟
قال: من الملائكة.
فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم.
وروي أن رجلاً من المسلمين بينا هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقياً وشق وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله فقال : "صدقت ذاك من مدد السماء" .
وعن أبي داود المازني قال: تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي.
قيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا، وقد أجبنا عن هذه الشبهة في تفسير سورة آل عمران وكذا في تفسير قوله ﴿ وما جعله الله ﴾ الآية.
وقد مر هنالك وقد بقي علينا بيان المتشابه فنقول: حذف ﴿ لكم ﴾ ههنا لأن المخاطبين معلومون في قوله ﴿ فاستجاب لكم ﴾ وقدم ﴿ قلوبكم ﴾ وأخر به في "آل عمران" ازدواجاً بين الخطابين وعكس ههنا ازدواجاً بين الغائبين.
ثم إن قصة بدر سابقة على قصة أحد فقيل في الأنفال ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ ليستقر الخبر وجعله في آل عمران صفة لأن الخبر قد سبق والله أعلم.
التأويل: كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ما تمنوا.
وقيل: الأنفال لله والرسول قطعاً لطريق الاعتراض والسؤال.
وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ بالتسليم والائتمار ﴿ زادتهم إيماناً ﴾ بحسب تزايد الأنوار ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ فيه أنه أخرج المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية ﴿ كما أخرجك ﴾ من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وإن فريقاً ﴾ هم القلب والروح ﴿ لكارهون ﴾ للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود ﴿ يجادلونك ﴾ أي الروح والقلب ﴿ في ﴾ مجيء ﴿ الحق بعد ما تبين ﴾ مجيئه كأنهم ينظرون إلى الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت ﴿ وإذ يعدكم الله ﴾ أيها السائرون ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية.
﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة ﴾ أي أردتم أن لا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه كما قال ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ أي بجذباته ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ النفوس الأمارة بالسوء.
﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ يعني استغاثة الروح والقلب من النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها ﴿ بألف من الملائكة ﴾ هم الصفات الملكية والروحانية ﴿ إلا بشرى لكم ﴾ بتبديل الأخلاق ﴿ وما النصر ﴾ بإهلاك النفس وصفاتها إلا بتجلي صفته القهارية ﴿ إن الله عزيز ﴾ لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود ﴿ حكيم ﴾ في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: الأنفال: هي المغانم التي يغنمها المسلمون من أهل الحرب.
وقال بعضهم: الأنفال: هي الفضول عن حقوق أصحاب الغنائم.
فإن كانت الأنفال الغنائم، فالسؤال يحتمل وجهين: يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها؛ لأن الغنائم كانت لا تحل في الابتداء.
قيل: إنهم كانوا يغنمونها ويجمعونها في موضع، فجاءت نار فحرقتها، فسألوا عن حلها وحرمتها، فقال: ﴿ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ، أي: الحكم فيها لله [والرسول] يجعلها لمن يشاء.
ويحتمل السؤال [عنها: عن قسمتها]، وهو ما روي في بعض القصة أن الناس كانوا يوم بدر ثلاثة أثلاث: ثلث في نحر العدو، وثلث خلفهم ردء لهم، وثلث مع رسول الله يحرسونه، فلما فتح الله عليهم اختلفوا في الغنائم؛ فقال الذين كانوا في نحر العدو: نحن أحق بالغنائم، نحن ولينا القتال.
وقال الذين كانوا ردءاً لهم: لستم بأولى [بها] منا، وكنا لكم ردءاً.
وقال الذين أقاموا مع رسول الله : لستم بأحق بها منا، كنا نحن حرساً لرسول الله فتنازعوا فيها إلى رسول الله، فنزل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ .
وقال أبو أمامة الباهلي: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال: فينا نزلت معشر أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت فيه أخلاقنا، إذ انتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله، فقسمه على السواء.
ومجاهد وعكرمة قالا: كانت الأنفال لله والرسول فنسخها: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ .
وكذلك روي عن ابن عباس - - قال: الأنفال: المغانم كانت لرسول الله خالصة، ليس لأحد فيها شيء، ما أصابت سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكاً فهو غلول، فسألوا رسول الله أن يعطيهم منها، فقال: ﴿ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ، ليس لكم فيها شيء.
ويحتمل أن تكون الأنفال هي فضول المغانم؛ على ما قال بعضهم؛ نحو ما روي في الأخبار أن منهم من أخذ كبة فقال: اجعلها لي يا رسول الله، وأخذ الآخر سيقاً وقال: اجعله لي، ونحو ذلك كانوا يسألون رسول الله ذلك، فقال: ﴿ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون سؤالهم عن التنفيل: أن ينفلهم الرسول بعد ما وقع في أيديهم، أو بعد ما انهزم الكفار وأدبر العدو، وإنما يجوز للإمام التنفيل في حال إقبال الحرب، وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود - - قال: النفل ما لم يلتق الزحفان أو الصفان، فإذا التقيا فهو مغنم.
وروي عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد قال: "نزلت في أربع آيات: جرى أنه يوم بدر أصبت سيفاً، فأتيت به النبي فقلت: نفلنيه، فقال: ضعه ثم [قام]، فقلت يا نبي الله، نفلنيه أأجعل كمن لا عمل له؟!
فقال النبي : ضعه من حيث أخذته، فنزلت هذه الآية: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ .
ثم قال سعد: دعاني رسول الله فقال: اذهب فخذ سيفك" ، فدل حديث سعد أن النبي لم ينفل قبل الحرب أحداً شيئاً منه مما لا يأخذه؛ لأنه لو كان نفلهم لم يمنع سعداً - - السيف الذي جاء به، ويدل على أن النبي لم يؤمر في الغنيمة بشيء حتى نزلت آية النفل، فرد الله الأمر في الغنيمة إلى رسوله، فأطلق له رسول الله لما ردّ الأمر [إليه].
ويجوز أن يكون النبي لم ينفل أحداً قبل الحرب شيئاً، ولكنه كان ينفل مما يؤتى به من يشاء ممن قتل بغير إيجاب متقدم؛ يبين ذلك قول سعد: أأجعل كمن لا عمل له؟!
وحديث عبادة يخبر أن النبي نفل ما يأخذون من أهل الحرب قبل أن يأخذوه، وهذا موضع الاختلاف بين الحديثين، والظاهر من ذلك أن الفعل قد كان وقع في الغنائم؛ لأن الله قد سماها أنفالاً قبل أن يحلها، فلولا أن النبي كان نفلهم أياها قبل الحرب أو بعدها، لم يسمها الله أنفالاً، والله أعلم.
وفي حديث عبادة أن قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ نزل بعد ذكر النفل، وأنه الحكم الناسخ الثابت، وكذلك قول ابن عباس يدل على ذلك.
وقد أجمع أهل العلم على ما ذكره عبادة في آخر حديثه، فقالوا جميعاً: إن الغنيمة يخرج خمسها للأصناف الذين ذكرهم الله إلا ما ختلفوا فيه من سهم ذوي القربى، ثم تقسم الأربعة الأخماس بين أهل القسمة، وجعلوا للإمام أن ينفل السلب وغيره، فيقول: "من قتل قتيلاً فله سلبه"، يحرض بذلك المقاتلة، وينفل السرية ويخرج من العسكر شيئاً بعد الخمس، ومما أجمعوا عليه من قسمة الغنيمة أخماساً نزول القرآن، وقد روي عن النبي قال: "إن الغنيمة لم تحل لأحد قبلنا، وقد أحلت لنا" وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "[لم] تحل الغنيمة لقوم سود الرأس قبلكم، كانت [نار تنزل] من السماء فتأكلها" ، فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم، فأنزل الله - -: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ ونحو ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: يسألونك عمن له الأنفال، فقال: ﴿ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ .
والثاني: يسألونك الأنفال: على إسقاط عن، وقد كانوا يسألون الأنفال والمغانم.
والثالث: يسأل كل [عن] نفل له الذي جعل له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ﴾ .
قال أهل التأويل: اتقوا الله في أخذ الأنفال، ولكن في الأنفال وفي غيرها اتقوا معصية الله ومخالفته في أمره ونهيه.
﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ .
أمر بإصلاح ذات البين؛ لما ذكر من عظيم منته ونعمه التي أنعم عليهم بقوله: ﴿ وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ ، أخبر أنهم كانوا أعداء فألف بين قلوبهم، وذلك من عظيم نعمه عليهم، فأمر - هاهنا - بإصلاح ذات البين؛ ليكونوا على النعمة التي أنعمها عليهم مجتمعين غير متفرقين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه، ورسوله في آدابه وسننه ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
أو يقول: أطيعوا الله فيما دعاكم إليه ورغبكم فيه، ورسوله فيما بين لكم ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
يعني: مصدقين به.
<div class="verse-tafsir"
يسألك أصحابك -أيها الرسول- عن الغنائم، كيف قسمتها؟
وعلى من تكون القسمة؟
قل -أيها الرسول- مجيبًا سؤالهم: الغنائم لله ورسوله، وحكمها لله ولرسوله في التصَرُّف والتوزيع، فما عليكم إلا الانقياد والاستسلام، فاتقوا الله -أيها المؤمنون- بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأصلحوا ما بينكم من التقاطع والتدابر بالتواد والتواصل وحسن الخلق والعفو، والْزَمُوا طاعة الله وطاعة رسوله إن كنتم مؤمنين حقًّا؛ لأن الإيمان يبعث على الطاعة والبعد عن المعصية.
وكان هذا السؤال بعد وقعة بدر.
<div class="verse-tafsir" id="91.XDQzG"