الآية ٢٣ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٢٣ من سورة الأنفال

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ، ولا قصد لهم صحيح ، لو فرض أن لهم فهما ، فقال : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) أي : لأفهمهم ، وتقدير الكلام : ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم ؛ لأنه يعلم أنه ( ولو أسمعهم ) أي : أفهمهم ) لتولوا ) عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك ، ( وهم معرضون ) عنه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، وفي معناها.

فقال بعضهم: عني بها المشركون.

وقال: معناه: أنهم لو رزقهم الله الفهم لما أنـزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، لم يؤمنوا به, لأن الله قد حكم عليهم أنهم لا يؤمنون.

* ذكر من قال ذلك: 15863- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال، قال ابن جريج قوله: (ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم )، لقالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا ، [سورة يونس: 15]، ولقالوا: لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا [سورة الأعراف: 203]، ولو جاءهم بقرآن غيره=(لتولوا وهم معرضون).

15864- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون)، قال: لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما انتفعوا بذلك, ولتولوا وهم معرضون.

15865 - وحدثني به مرة أخرى فقال: " لو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم "، بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما نفعهم بعد أن نفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به.

* * * وقال آخرون: بل عني بها المنافقون.

قالوا: ومعناه ما:- 15866- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم)، لأنفذ لهم قولهم الذي قالوه بألسنتهم, (43) ولكن القلوب خالفت ذلك منهم, ولو خرجوا معكم لتولوا وهم معرضون, (44) ما وفَوا لكم بشيء مما خرجوا عليه.

(45) * * * قال أبو جعفر: وأولى القول في تأويل ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد، لما قد ذكرنا قبل من العلة, وأن ذلك ليس من صفة المنافقين.

(46) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره, حتى يعقلوا عن الله عز وجل حججه منه, ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون.

ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله, (47) وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله وعبره وحججه، (48) معاندون للحق بعد العلم به.

(49) --------------------- الهوامش : (43) في المطبوعة : " الذي قالوه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، مطابقًا لما في السيرة .

(44) كانت هذه الجملة الآتية في المخطوطة والمطبوعة هكذا : " فأوفوا لكم بشر مما خرجوا عليه " ، وهو لا معنى له .

وصوابها ما أثبت من سيرة ابن هشام .

(45) الأثر : 15866 - سيرة ابن هشام 2 : 324 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15862 .

(46) انظر ص : 461 .

(47) انظر تفسير " التولي " فيما سلف 12 : 571 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(48) في المطبوعة : " ...

دلهم على حقيقة " ، وفي المخطوطة : " ...

دلهم على حجته " ، وهذا صواب قراءتها .

(49) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص : 332 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون قوله تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم قيل : الحجج والبراهين ; إسماع تفهم .

ولكن سبق علمه بشقاوتهمولو أسمعهم أي لو أفهمهم لما آمنوا بعد علمه الأزلي بكفرهم .

وقيل : المعنى لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم ; لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

الزجاج : لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه .

ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون إذ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ‏}‏ على الفرض والتقدير ‏{‏لَتَوَلَّوْا‏}‏ عن الطاعة ‏{‏وَهُمْ مُعْرِضُونَ‏}‏ لا التفات لهم إلى الحق بوجه من الوجوه، وهذا دليل على أن اللّه تعالى لا يمنع الإيمان والخير، إلا لمن لا خير فيه، الذي لا يزكو لديه ولا يثمر عنده‏.‏ وله الحمد تعالى والحكمة في هذا‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) أي : لأسمعهم سماع التفهم والقبول ، ( ولو أسمعهم ) بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك ، ( لتولوا وهم معرضون ) لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره .

وقيل : إنهم كانوا يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أحي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن بك ، فقال الله - عز وجل - : " ولو أسمعهم " كلام قصي " لتولوا وهم معرضون " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو علم الله فيهم خيرا» صلاحا بسماع الحق «لأسمعهم» سماع تفهم «ولو أسمعهم» فرضا وقد علم أن لا خير فيهم «لتوَّلوا» عنه «وهم معرضون» عن قبوله عنادا وجحودا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو علم الله في هؤلاء خيرًا لأسمعهم مواعظ القرآن وعبره حتى يعقلوا عن الله عز وجل حججه وبراهينه، ولكنه علم أنه لا خير فيهم وأنهم لا يؤمنون، ولو أسمعهم -على الفرض والتقدير- لتولَّوا عن الإيمان قصدًا وعنادًا بعد فهمهم له، وهم معرضون عنه، لا التفات لهم إلى الحق بوجه من الوجوه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ ) بيان لما جبلوا عليه من إيثار الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية .أى : ولو علم الله - تعالى - فى هؤلاء الصم والبكم ( خَيْراً ) أى : استعدادا للإِيمان ورغبة فيما يصلح نفوسهم وقلوبهم ( لأَسْمَعَهُمْ ) سماع تفهم وتدبر ، أى : لجعلهم سامعين للحق ، ومستجيبين له ، ولكنه - سبحانه - لم يعلم فيهم شيئا من ذلك ، فحجب خيره عنهم بسبب سوء استعدادهم .ولذا قال - تعالى - بعد ذلك : ( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ) أى : ولو أمسعهم سماع تفهم وتدبر ، وهم على هذه الحالة العارية من كل خير لتولوا عما سمعوه من الحق ( وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ) عن قبوله جحودا وعنادا .قال الفخر الرازى : قوله - تعالى - : ( وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ) أى : أن كل ما كان حاصلا ، فإنه يجب أن يعلمه الله ، فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه ، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه فى نفسه بعدم علم الله بوجوده ، وتقرير الكلام : لو حصل فيهم خير لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم ، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا به ، ولتولوا وهم معرضون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما خاطب المؤمنين بقوله: ﴿ ءانٍ تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً  ﴾ أتبعه بتأديبهم فقال: ﴿ المؤمنين يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ ولم يبين أنهم ماذا يسمعون إلا أن الكلام من أول السورة إلى هنا لما كان واقعاً في الجهاد علم أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد، ثم إن الجهاد اشتمل على أمرين: أحدهما: المخاطرة بالنفس.

والثاني: الفوز بالأموال، ولما كانت المخاطرة بالنفس شاقة شديدة على كل أحد، وكان ترك المال بعد القدرة على أخذه شاقاً شديداً، لا جرم بالغ الله تعالى في التأديب في هذا الباب فقال: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ في الإجابة إلى الجهاد، وفي الإجابة إلى تركه المال إذا أمره الله بتركه والمقصود تقرير ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول  ﴾ .

فإن قيل: فلم قال ولا تولوا عنه فجعل الكناية واحدة مع أنه تقدم ذكر الله ورسوله.

قلنا: إنه تعالى أمر بطاعة الله وبطاعة رسوله.

ثم قال: ﴿ وَلاَ تَوَلَّوْاْ ﴾ لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد.

ثم قال مؤكداً لذلك: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ والمعنى: أن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف وأن يلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول.

ومنه قولهم سمع الله لمن حمده، والمعنى: ولا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم أنا قبلنا تكاليف الله تعالى، ثم إنهم بقلوبهم لا يقبلونها.

وهو صفة للمنافقين كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم الذين لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ واختلفوا في الدواب.

فقيل: شبههم بالدواب لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بما يقولون.

ويقال لهم: ولذلك وصفهم بالصم والبكم وبأنهم لا يعقلون.

وقيل: بل هم من الدواب لأنه اسم لما دب على الأرض ولم يذكره في معرض التشبيه، بل وصفهم بصفة تليق بهم على طريقة الذم، كما يقال لمن لا يفهم الكلام، هو شبح وجسد وطلل على جهة الذم.

ثم قال: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ والمعنى أن كل ما كان حاصلاً فإنه يجب أن يعلمه الله فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وتقرير الكلام لو حصل فيهم خير، لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهيم، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بها، ولتولوا وهم معرضون.

قيل: إن الكفار سألوا الرسول عليه السلام أن يحيي لهم قصي بن كلاب وغيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوته، فبين تعالى أنه لو علم فيهم خيراً، وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم، ولكنه تعالى علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت، وأنه لم أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه، وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى حكم عليهم بالتولي عن الدلائل وبالإعراض عن الحق وأنهم لا يقبلونه البتة، ولا ينتفعون به البتة.

فنقول: وجب أن يكون صدور الإيمان منهم محالاً، لأنه لو صدر الإيمان، لكان إما أن يوجد ذلك الإيمان مع بقاء هذا الخبر صدقاً أو مع انقلابه كذباً والأول محال، لأن وجود الإيمان مع الأخبار بعدم الإيمان جمع بين النقيضين وهو محال.

والثاني محال، لأن انقلاب خبر الله الصدق كذباً محال.

لا سيما في الزمان الماضي المنقضي، وهكذا القول في انقلاب علم الله جهلاً، وتقريره سبق مراراً.

المسألة الثانية: النحويون يقولون: كلمة ﴿ لَوْ ﴾ وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لأجل انتفاء غيره، فإذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، أفاد أنه ما حصل المجيء، وما حصل الإكرام.

ومن الفقهاء من قال: إنه لا يفيد إلا الاستلزام، فأما الانتفاء لأجل انتفاء الغير، فلا يفيده هذا اللفظ والدليل عليه الآية والخبر، أما الآية، فهي هذه الآية، وتقريره: أن كلمة ﴿ لَوْ ﴾ لو أفادت ما ذكروه لكان قوله: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ ﴾ يقتضي أنه تعالى ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم.

ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ ﴾ فيكون معناه: أنه ما أسمعهم وأنهم ما تولوا لكن عدم التولي خير من الخيرات، فأول الكلام يقتضي نفي الخير، وآخره يقتضي حصول الخير، وذلك متناقض.

فثبت أن القول بأن كلمة ﴿ لَوْ ﴾ تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره يوجب هذا التناقض، فوجب أن لا يصار إليه.

وأما الخبر فقوله عليه السلام: «نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فلو كانت لفظة لو تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنه خاف الله وعصاه، وذلك متناقض.

فثبت أن كلمة ﴿ لَوْ ﴾ لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وإنما تفيد مجرد الاستلزام.

واعلم أن هذا الدليل أحسن إلا أنه على خلاف قول جمهور الأدباء.

المسألة الثالثة: أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام: أحدها: جملة الموجودات.

والثاني: جملة المعدومات.

والثالث: أن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله.

الرابع: أن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً كيف يكون حاله، والقسمان الأولان علم بالواقع، والقسمان الثانيان عم بالمقدر الذي هو غير واقع، فقوله: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ ﴾ من القسم الثاني وهو العلم بالمقدرات، وليس من أقسام العلم بالواقعات ونظيره قوله تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ  لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ  ﴾ فعلم تعالى في المعدوم أنه لو كان موجوداً كيف يكون حاله، وأيضاً قوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ فأخبر عن المعدوم أنه لو كان موجوداً كيف يكون حاله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلاَ تَوَلَّوْاْ ﴾ قرئ بطرح إحدى التاءين وإدغامها، والضمير في ﴿ عَنْهُ ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّ المعنى: وأطيعوا رسول الله كقوله: الله ورسوله أحق أن يرضوه، ولأنّ طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [النساء: 8] فكأن رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما، كقولك: الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان.

ويجوز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة، أي: ولا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله وأنتم تسمعونه.

أو ولا تتولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تخالفوه ﴿ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ أي تصدقون لأنكم مؤمنون لستم كالصمّ المكذبين من الكفرة ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾ أي ادّعوا السماع ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ لأنهم ليسوا بمصدّقين فكأنهم غير سامعين.

والمعنى: أنكم تصدّقون بالقرآن والنبوة، فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور من قسمة الغنائم وغيرها، كان تصديقكم كلا تصديق، وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن.

ثم قال: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدواب ﴾ أي إن شر من يدب على وجه الأرض.

أوإنّ شر البهائم الذين هم صمّ عن الحق لا يعقلونه، جعلهم من جنس البهائم، ثم جعلهم شرّها ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله ﴾ في هؤلاء الصم البكم ﴿ خَيْرًا ﴾ أي انتفاعاً باللطف ﴿ لأسْمَعَهُمْ ﴾ للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ ﴾ عنه.

يعني: ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف، فلذلك منعهم ألطافه.

أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا، وقيل: هم بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا رجلان: مصعب بن عمير، وسويد بن حرملة: كانوا يقولون: نحن صم بُكم عُمي عما جاء به محمد، لا نسمعه ولا نجيبه، فقتلوا جميعاً بأحد، وكانوا أصحاب اللواء.

وعن ابن جريج: هم المنافقون.

وعن الحسن: أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، أوْ شَرَّ البَهائِمِ.

﴿ الصُّمُّ ﴾ عَنِ الحَقِّ.

﴿ البُكْمُ ﴾ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ إيّاهُ، عَدَّهم مِنَ البَهائِمِ ثُمَّ جَعَلَهم شَرَّها لِإبْطالِهِمْ ما مُيِّزُوا بِهِ وفُضِّلُوا لِأجْلِهِ.

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ سَعادَةً كُتِبَتْ لَهم أوِ انْتِفاعًا بِالآياتِ.

﴿ لأسْمَعَهُمْ ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ.

﴿ وَلَوْ أسْمَعَهُمْ ﴾ وقَدْ عَلِمَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ.

﴿ لَتَوَلَّوْا ﴾ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، أوِ ارْتَدُّوا بَعْدَ التَّصْدِيقِ والقَبُولِ.

﴿ وَهم مُعْرِضُونَ ﴾ لِعِنادِهِمْ.

وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ  : أحْيِ لَنا قُصَيًّا فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُبارَكًا حَتّى يَشْهَدَ لَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ.

والمَعْنى لَأسْمَعَهم كَلامَ قُصَيٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ} في هؤلاء الصم البكم {خيرا} صدقا ورغبة {لأسمعهم} لجعلهم سامعيه تحتى يسمعوا سماع المصدقين {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ} عنه أى ولو أسمعهم وصدقوا لارتدوا

الأنفال ٢٢ ٢٦ بعد ذلك ولم يستقيموا {وَهُم مُّعْرِضُونَ} عن الإيمان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ ﴿ خَيْرًا ﴾ أيْ: شَيْئًا مِن جِنْسِ الخَيْرِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُ قُواهم إلى تَحَرِّي الحَقِّ واتِّباعِ الهُدى ﴿ لأسْمَعَهُمْ ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ وتَفَهُّمٍ ولَوَقَفُوا عَلى الحَقِّ وآمَنُوا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأطاعُوهُ ﴿ ولَوْ أسْمَعَهُمْ ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ وتَدَبُّرٍ وقَدْ عَلِمَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ ﴿ لَتَوَلَّوْا ﴾ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وارْتَدَوْا بَعْدَ التَّصْدِيقِ والقَبُولِ ﴿ وهم مُعْرِضُونَ ﴾ لِعِنادِهِمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعَ اقْتِرانِها بِالواوِ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ قِياسٌ اقْتِرانِيٌّ مِن شَرْطِيَّتَيْنِ، ونَتِيجَتُهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِما أنَّهُ أُشِيرَ فِيهِ أوَّلًا إلى مَنعِ القَصْدِ إلى القِياسِ لِفَقْدِ الكُلِّيَّةِ الكُبْرى، وثانِيًا إلى مَنعِ فَسادِ النَّتِيجَةِ إذِ اللّازِمُ: لَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ خَيْرًا في وقْتٍ لَتَوَلَّوْا بَعْدَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفي المَعْنى والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ اثْنانِ يَرْجِعانِ إلى مَنعِ كَوْنِ المَذْكُورِ قِياسًا؛ وذَلِكَ لِاخْتِلافِ الوَسَطِ، أحَدُهُما: أنَّ التَّقْدِيرَ لَأسْمَعَهم سَماعًا نافِعًا ولَوْ أسْمَعُهم سَماعًا غَيْرَ نافِعٍ لَتَوَلَّوْا.

والثّانِي: أنْ يُقَدَّرَ: ولَوْ أسْمَعْتُهم عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِ عَدَمِ الخَيْرِ فِيهِمْ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

والثّالِثُ: إلى مَنعِ اسْتِحالَةِ النَّتِيجَةِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ قِياسِيًّا مُتَّحِدَ الوَسَطِ، إذِ التَّقْدِيرُ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ خَيْرًا في وقْتٍ ما لَتَوَلَّوْا بَعْدَ ذَلِكَ، ولا يَخْفى ضَعْفُ الجَوابِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى تَقْيِيدِ: لَوْ أسْمَعَهم بِالسَّماعِ الغَيْرِ النّافِعِ ولِأنَّهُ يُحَقِّقُ فِيهِمُ الإسْماعُ الغَيْرُ النّافِعِ إلّا أنْ يُقَيَّدَ بِالأسْماعِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وكَذا ضَعُفَ الثّالِثُ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالخَيْرِ ولَوْ في وقْتٍ لا يَسْتَلْزِمُ التَّوَلِّيَ بَلْ عَدَمَهُ.

وأمّا الجَوابُ الثّانِي فَهو قَوِيٌّ لِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ الأُولى قَرِينَةٌ عَلى تَقْيِيدِ الإسْماعِ في الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ بِتَقْدِيرِ عِلْمِ عَدَمِ الخَيْرِ فِيهِمْ، وذَكَرَ بَعْضُهم في الجَوابِ أنَّ الشَّرْطِيَّتَيْنِ مُهْمَلَتانِ وكُبْرى الشَّكْلِ الأوَّلِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً ولَوْ سُلِّمَ فَإنَّما يُنْتِجانِ أيِ: اللُّزُومِيَّةَ لَوْ كانَتا لُزُومِيَّتَيْنِ وهو مَمْنُوعٌ ولَوْ سُلِّمَ فاسْتِحالَةُ النَّتِيجَةِ مَمْنُوعَةٌ، أيْ: لا نُسَلِّمُ اسْتِحالَةَ الحُكْمِ بِاللُّزُومِ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي وإنْ كانَ الطَّرَفانِ مُحالَيْنِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ خَيْرًا مُحالٌ والمَحالُّ جازَ أنْ يَسْتَلْزِمَ المُحالَ وإنْ لَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُما عَلاقَةٌ عَقْلِيَّةٌ عَلى ما هو التَّحْقِيقُ مِن عَدَمِ اشْتِراطِ العَلاقَةِ في اسْتِلْزامِ المُحالِ لِلْمُحالِ.

واعْتُرِضَ عَلى أصْلِ السُّؤالِ بِأنَّ لَفْظَ (لَوْ) لَمْ يُسْتَعْمَلْ في فَصِيحِ الكَلامِ في القِياسِ الِاقْتِرانِيِّ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ المُسْتَثْنى فِيهِ نَقِيضُ التّالِي لِأنَّها لِامْتِناعِ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، ولِهَذا لا يُصَرِّحُ بِاسْتِثْناءٍ نَقِيصِ التّالِي، وعَلى الجَوابِ بِأنَّ فِيهِ تَسْلِيمَ كَوْنِ ما ذُكِرَ قِياسًا ومَنَعَ كَوْنَهُ مُنْتِجًا لِانْتِفاءِ شَرائِطِ الإنْتاجِ وكَيْفَ يَصِحُّ اعْتِقادُ وُقُوعِ قِياسٍ في كَلامِ الحَكِيمِ تَعالى أُهْمِلَتْ فِيهِ شَرائِطُ الإنْتاجِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرادُهُ تَعالى قِياسِيَّتَهُ، وذُكِرَ أنَّ الحَقَّ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ وارِدٌ عَلى قاعِدَةِ اللُّغَةِ؛ يَعْنِي أنَّ سَبَبَ عَدَمِ الإسْماعِ عَدَمُ العِلْمِ بِالخَيْرِ فِيهِمْ ثُمَّ ابْتَدَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا ﴾ كَلامًا آخَرَ عَلى طَرِيقَةِ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَعْصِهِ - وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ والمَقْصُودُ مِنهُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِمْ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ حَيْثُ ادَّعى لُزُومَهُ لِما هو مُنافٍ لَهُ لِيُفِيدَ ثُبُوتَهُ عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ وعَدَمِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ أنَّهُ انْتَفى الإسْماعُ لِانْتِفاءِ عِلْمِ الخَيْرِ وأنَّهم ثابِتُونَ عَلى التَّوَلِّي في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى اللُّزُومُ في نَفْسِ الأمْرِ وفي الثّانِيَةِ ادِّعائِيٌّ فَلا يَكُونُ عَلى هَيْئَةِ القِياسِ.

وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي مَنفِيًّا بِسَبَبِ انْتِفاءِ الإسْماعِ كَما هو مُقْتَضى أصْلِ (لَوْ) لَأنَّ التَّوَلِّيَ بِمَعْنى الإعْراضِ عَنِ الشَّيْءِ كَما هو أصْلُ مَعْناهُ لا بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّكْذِيبِ والإنْكارِ، فَعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ إسْماعِهِمْ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَمْ يَتَحَقَّقِ التَّوَلِّي والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ فَرْعُ تَحَقُّقِهِ ولَمْ يَلْزَمْ مِن هَذا تَحَقُّقُ الِانْقِيادِ لَهُ لِأنَّ الِانْقِيادَ لِلشَّيْءِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لَهُ لَيْسا عَلى طَرَفَيِ النَّقِيضِ بَلِ العُدُولِ والتَّحْصِيلِ لِجَوازِ ارْتِفاعِهِما بِعَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وحاصِلُهُ كَما قِيلَ: إنَّهُ إذا كانَ التَّوَلِّي بِمَعْنى الإعْراضِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لَوْ) بِمَعْناهُ المَشْهُورِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّ انْتِفاءَ الثّانِي في الخارِجِ لِانْتِفاءِ الأوَّلِ فِيهِ كالشَّرْطِيَّةِ الأُولى ولا يَنْتَظِمُ مِنهُما القِياسُ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُما بَيانَ اسْتِلْزامِ الأوَّلِ لِلثّانِي في نَفْسِ الأمْرِ لِيُسْتَدَلَّ بَلِ اعْتِبارُ السَّبَبِيَّةِ واللُّزُومِ بَيْنَهُما لِيُعْلَمَ السَّبَبِيَّةُ بَيْنَ الِانْتِفاءَيْنِ المَعْلُومَيْنِ في الخارِجِ، وما يُقالُ مِن أنَّ انْتِفاءَ التَّوَلِّي خَيْرٌ وقَدْ ذُكِرَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ مُجابٌ عَنْهُ بِأنْ لا نُسَلِّمَ أنَّ انْتِفاءَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ انْتِفاءِ الإسْماعِ خَيْرٌ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ الأهْلِيَّةِ لِلسَّماعِ وهو داءٌ عُضالٌ وشَرٌّ عَظِيمٌ، وإنَّما يَكُونُ خَيْرًا لَوْ كانُوا مِن أهْلِهِ بِأنْ أُسْمِعُوا شَيْئًا ثُمَّ انْقادُوا لَهُ ولَمْ يُعْرِضُوا وهَذا كَما يُقالُ: لا خَيْرَ في فُلانٍ لَوْ كانَتْ بِهِ قُوَّةٌ لَقَتَلَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ عَدَمَ قَتْلِ المُسْلِمِينَ بِناءً عَلى عَدَمِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ لَيْسَ خَيْرًا فِيهِ وإنْ كانَ خَيْرًا لَهُ اهـ.

ورَدَّهُ الشَّرِيفُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِما تَعَقَّبَهُ السّالَكُوتِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.

نَعَمْ قالَ مَوْلانا مُحَمَّدُ أمِينِ بْنِ صَدْرِ الدِّينِ: إنَّ حَمْلَ التَّوَلِّي هاهُنا عَلى مَعْنى الإعْراضِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهم مُعْرِضُونَ ﴾ وأوْجَبَ أنْ يُحْمَلَ إمّا عَلى لازِمِ مَعْناهُ وهو عَدَمُ الِانْتِقاءِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ الإعْراضُ أوْ عَلى مَلْزُومِهِ وهو الِارْتِدادُ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ الإعْراضُ فَلْيُفْهَمْ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أحْيِ لَنا قُصَيًّا فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُبارَكًا حَتّى يَشْهَدَ لَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ، فالمَعْنى: ولَوْ أسْمَعَهم كَلامَ قُصَيٍّ إلَخْ، وقِيلَ: هم بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ لَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وسُوِيدُ بْنُ حَرْمَلَةَ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِأُحُدٍ وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَوَلَّوْا)، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا تَذْيِيلًا أيْ: وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: إن شر الناس عند الله الصُّمُّ عن الهدى الْبُكْمُ، يعني: الخرس الذين لا يتكلمون بخير، الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ الإيمان، يعني: بني عبد الدار وغيرهم من الكفار الذين لم يسلموا.

قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ، يعني: يقول: لو علم الله تعالى فيهم صدقاً لأعطاهم الإيمان وأكرمهم به.

وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ، يعني: لو أكرمهم بالإسلام، لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ يعني: أعرضوا عن الإيمان بما سبق في علم الله فيهم.

وقال الزجاج: معناه، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ الجواب عن كل ما يسألون عنه.

وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ، يعني: ولو بيَّن لهم كل ما يختلج في نفوسهم، لأعرضوا عنه لمعاندتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال سيبويه: التقدير: الأمر ذلكم، ومُوهِنُ معناه مضعف مبطل.

وقوله سبحانه: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ...

الآية: قال أكثر المتأولين:

هذه الآية مخاطبة لكفار «مكة» روي أن قريشاً لما عَزَمُوا على الخروج إلى حِمَايَةِ العِيرِ، تعلقوا بأستار الكعبة، واستفتحوا، وروي أن أبا جَهْلٍ قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر أَحَبَّ الفئتين إليك، وأظهر خَيْرَ الدِّينَيْنِ عندك، اللهم أَقْطَعُنَا للرحم فَأَحْنِهِ الغَدَاةَ، ونحو هذا فقال اللَّه لهم: إن تطلبوا الفَتْحَ فقد جاءكم، أي: كما ترونه عليكم لاَ لَكُمْ، وفي هذا توبيخ لهم، وإن تنتهوا عن كفركم وغيكم فهو خَيْرٌ لكم، وإن تعودوا للاستفتاح نَعُدْ بمثل وَقْعَةِ بدر، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...

الآية: قيل: إنها نزلت بسبب اختلافهم في النَّفْل، ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتَوَلَّوْا أصله: تتولوا.

وقوله: أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ يريد دُعَاءه لكم بالقرآن والمواعظ.

وقوله: كَالَّذِينَ قالُوا يريد الكفار إما من قريش لقولهم: سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١] ، وأما الكفار على الإطلاق.

وقوله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ مَقْصِدُ الآية بيان أن هذه/ الصنيفة العاتية من الكُفَّارِ هي شَرُّ النَّاسِ عند اللَّه سبحانه وأنها في أخَسِّ المَنَازِلِ لديه، وعبر بالدواب ليتأكد ذمهم، وقوله: الصُّمُّ الْبُكْمُ عبارة عما في قلوبهم، وعدم انشراح صدورهم، وإدراك عقولهم.

وقوله: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ أي سماع هدى، وَتَفَهُّمٍ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ أي: ولو فهمهم لَتَوَلَّوْا بحكم القضاء السابق فيهم، ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ...

الآية: اسْتَجِيبُوا بمعنى: أجيبوا وقوله: لِما يُحْيِيكُمْ قال مجاهد والجمهور: المعنى للطاعة «١» ، وما يتضمنه القرآن، وهذا إحياء مستعار لأنه من مَوْتِ الكفر والجهل، والطَّاعَةُ تؤدي إلى الحَيَاةِ الدائمة في الآخرة.

وقوله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يحتمل وجوهاً:

منها: أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة، حضَّهم على المبادرة والاستعجال، وأعلمهم أنَّه يحولُ بين المرء وقَلْبه بالموت والقَبْض، أي: فبادروا الطاعات، ويلتئم مع هذا التأويلِ قوله: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، أي: فبادروا الطاعات، وتزوَّدوها ليوم الحَشْر.

ومنها: أن يقصد إِعلامهم أن قُدْرة اللَّه وعلْمه وإِحاطته حائلةٌ بين المرء وقلبه، فكأن هذا المعنَى يحضُّ على المراقبة والخَوْفِ للَّه المُطلَّع على الضمائر حُكِيَ هذا التأويلُ عن قتادة «٢» ويحتملُ أن يريد تخويفهم إِنْ لم يمتثلوا الطَّاعات، ويستجيبوا للَّه وللرَّسول أَنْ يَحُلَّ بهم ما حل بالكفَّار الذين أرادهم بقوله: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣] لأن حَتْمهُ عليهم بأنهم لو سَمِعُوا لم ينتفعوا يقتضِي أنه كان قد حال بينهم وبَيْنَ قلوبهم.

ومنها: أنْ يكون المعنَى ترجيةً لهم بأنَّ اللَّه يبدِّل الخوف الذي في قلوبهم مِنْ كثرة الَعدُوِّ، فيجعله جراءةً وقوةً، وبضدِّ ذلك للكفَّار، أي: فإِن اللَّه تعالَى هو مقلِّب القلوب كما كان قسم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقيل غير هذا.

قال مكِّيٌّ، وقال الطبريُّ «٣» : هذا خبر من الله عز وجلّ أنه أَمْلَكُ بقلوبِ العباد منهم لها، وأنه يحولُ بينهم وبينها إِذا شاء حتى لا يُدْرِك الإِنسان شيئاً من إِيمان ولا كُفْر، ولا يعي شيئاً، ولا يفهم شيئاً إِلا بإذنه ومشيئته سبحانه، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كثيرا ما يقول في

دعائه: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي علَى دِينِكَ» «١» انتهى من «الهداية» .

وروى مالكُ بن أنس والنسائي، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دَعَا أُبَيَّ بْنُ كَعْب وهو في الصَّلاَة، فَلَمْ يُجِبْهُ، وأَسْرَعَ في بَقِيَّةِ صَلاَتِهِ، فَلَمَّا فرغ جاء، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ألم يقل الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ؟

قال أُبَيٌّ: لاَ جَرَمَ، يا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَدْعُونِي أَبَدَاً إِلاَّ أَجَبْتُكَ ...

» «٢» الحديث بطوله، واختلاف ألفاظه، وفي «البخاريِّ ومسلم» أن ذلك/ وقع مع أبي سَعِيدِ بن المعلى «٣» ، وروي أنه وقع نحوه مع حُذَيْفَة بن اليَمَانِ «٤» في غزوة الخَنْدَق.

وقوله: عزَّ وجلَّ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً في الآية تأويلاتٌ، أسبقها إِلى النفْسِ، أن اللَّه سبحانه حذَّر جميع المؤمنين من فتنة إِن أصابَتْ لم تخصَّ الظلمة فقطْ، بل تصيبُ الكُلَّ من ظالمٍ وبريءٍ، وهذا تأويلُ الزُّبَيْر بن العَوَّام، والحسنِ البَصْرِيِّ «٥» ، وكذلك تأويل ابن عباس فإنه قال: أمر اللَّه المؤمنين في هذه الآية ألاَّ يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمّهم العذاب «٦» وخَاصَّةً: نعت لمصدرٍ محذوف، تقديره إِصابةً خاصةً، فهي نصب على الحال، وقرأ علي «٧» بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وغيره: «لتُصِيبَنَّ» - باللام- على جواب قسم، والمعنَى على هذا: وعيدٌ للظلمة فقط.

وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ...

الآية: هذه الآية تتضمَّنِ تعديد نِعَم اللَّه على المؤمنين، و «إذ» : ظرفٌ لمعمول، «واذكروا» : تقديره: واذكروا حالكم الكائنة، أو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ولَوْ عَلِمَ فِيهِمْ صِدْقًا وإسْلامًا.

والثّانِي: لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا في سابِقِ القَضاءِ.

والثّالِثُ: لَوْ عَلِمَ أنَّهم يَصْلُحُونَ.

والرّابِعُ: لَوْ عَلِمَ أنَّهم يُصْغُونَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لأسْمَعَهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَأُسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما يَسْألُونَ عَنْهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: لَرَزَقَهُمُ الفَهْمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثُ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى يَشْهَدُونَ بِنُبُوَّتِكَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم مُعْرِضُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُكَذِّبُونَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وهم مُعْرِضُونَ عَمّا أسْمَعُهم لِمُعانَدَتِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ: <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الصُمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ المَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ هَذِهِ الصَنِيفَةَ العاتِيَةَ مِنَ الكُفّارِ هي شَرُّ الناسِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّها أخَسُّ المَنازِلِ لَدَيْهِ، وعَبَّرَ بِالدَوابِّ لِيَتَأكَّدَ ذَمُّهم ولِيُفَضَّلَ عَلَيْهِمُ الكَلْبُ العَقُورُ والخِنْزِيرُ ونَحْوُهُما مِنَ السَبُعِ والخَمْسِ الفَواسِقِ وغَيْرِها.

والدَوابُّ: كُلُّ ما دَبَّ فَهو يَعُمُّ الحَيَوانَ بِجُمْلَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصُمُّ البُكْمُ ﴾ عِبارَةٌ عَمّا في قُلُوبِهِمْ وقِلَّةِ انْشِراحِ صُدُورِهِمْ وإدْراكِ عُقُولِهِمْ، فَلِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُمِّ والبُكْمِ وسَلَبَ العَقْلَ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدارِ، وظاهِرُها العُمُومُ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوصافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَمْعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ ﴾ ، والمُرادُ: لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفْهِيمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عنهم بِما هم عَلَيْهِ مِن حَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ أسْمَعَهُمْ ﴾ أيْ: ولَوْ أفْهَمَهم ﴿ لَتَوَلَّوْا ﴾ بِحُكْمِ القَضاءِ السابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتِ:المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُنافِقُونَ، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ﴾ الآيَةُ، هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِلا خِلافٍ، و ﴿ اسْتَجِيبُوا ﴾ بِمَعْنى أجِيبُوا، ولَكِنْ عُرْفُ الكَلامِ أنْ يَتَعَدّى "اسْتَجابَ" بِلامٍ ويَتَعَدّى "أجابَ" دَوْنَ لامٍ، وقَدْ يَجِيءُ تَعَدِّي "اسْتَجابَ" بِغَيْرِ لامٍ، والشاهِدُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدا ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿ لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى: لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وهَذا إحْياءٌ مُسْتَعارٌ، لِأنَّهُ مِن مَوْتِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ ويَضْعُفُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن آمَنَ لا يُقالُ لَهُ: ادْخُلْ في الإسْلامِ.

وقِيلَ: ﴿ لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لِلْحَرْبِ وجِهادِ العَدُوِّ، وهو يُحْيِي بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ والظَفَرِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ حَياةً، كَما تَقُولُ: حَيِيَتْ حالُ فُلانٍ إذا ارْتَفَعَتْ، ويُحْيِي أيْضًا كَما يُحْيِي الإسْلامُ والطاعَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الحَياةِ الدائِمَةِ في الآخِرَةِ.

وقالَ النَقّاشُ: المُرادُ: إذا دَعاكم لِلشَّهادَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ صِلَةُ حَياةِ الدُنْيا بِحَياةِ الآخِرَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، مِنها أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالِاسْتِجابَةِ في الطاعَةِ حَضَّهم عَلى المُبادَرَةِ والِاسْتِعْجالِ، فَقالَ: واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِالمَوْتِ والقَبْضِ، أيْ: فَبادِرُوا بِالطاعاتِ، ويَلْتَئِمُ مَعَ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، أيْ فَبادِرُوا بِالطاعاتِ وتَزَوَّدُوها لِيَوْمِ الحَشْرِ.

ومِنها أنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ إعْلامَهم أنَّ قُدْرَةَ اللهِ وإحاطَتَهُ وعِلْمَهُ والِجَةٌ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حاصِلَةٌ هُناكَ حائِلَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا المَعْنى يَحُضُّ عَلى المُراقَبَةِ والخَوْفِ لِلَّهِ المُطَّلِعِ عَلى الضَمائِرِ، ويُشْبِهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ  ﴾ ، حُكِيَ هَذا التَأْوِيلُ عن قَتادَةَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْوِيفَهم إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا الطاعاتِ ويَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ بِما حَلَّ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أرادَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ، لِأنَّ حَتْمَهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَوْ سَمِعُوا وفَهِمُوا لَمْ يَنْتَفِعُوا، يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ كانَ حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُلُوبِهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الأُخْرى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولا تَأْمَنُوا إنْ تَفْعَلُوا أنْ يَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الحَوْلِ بَيْنَهم وبَيْنَ قُلُوبِهِمْ، فَنَبَّهَ عَلى ما جَرى عَلى الكُفّارِ بِأبْلَغِ عِبارَةٍ وأعْلِقِها بِالنَفْسِ.

ومِنها أنْ يَكُونَ المَعْنى تَرْجِيَةً لَهم بِأنَّ اللهَ يُبَدِّلُ الخَوْفَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ مِن كَثْرَةِ العَدُوِّ فَيَجْعَلُهُ جُرْأةً وقُوَّةً، وبِضِدِّ ذَلِكَ الكُفّارُ، فَإنَّ اللهَ هو مُقَلِّبُ القُلُوبِ كَما كانَ قَسَمُ النَبِيِّ  ، قالَ بَعْضُ الناسِ: ومِنهُ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ" أيْ: لا حَوْلَ عَلى مَعْصِيَةٍ ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةٍ إلّا بِاللهِ.

وَقالَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ أقْوالًا هي أجْنَبِيَّةٌ مِن ألْفاظِ الآيَةِ حَكاها الطَبَرِيُّ، مِنها أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وبَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، ونَحْوِ هَذا.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "بَيْنَ المِرْءِ" بِكَسْرِ المِيمِ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَرَأ الحَسَنُ والزُبَيْدِيُّ: "بَيْنَ المَرِّ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ.

و ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

ورُوِيَ عن طَرِيقِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ والنَسائِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  دَعا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وهو في الصَلاةِ فَلَمْ يُجِبْ وأسْرَعَ في بَقِيَّةِ صَلاتِهِ، فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : أما سَمِعْتَ فِيما يُوحى إلَيَّ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ فَقالَ أُبَيٌّ: لا جَرَمَ يا رَسُولَ اللهِ، لا تَدْعُونِي أبَدًا إلّا أجَبْتُكَ،» الحَدِيثُ بِطُولِهِ واخْتِلافِ ألْفاظِهِ.

وفي البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ مَعَ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى، ورُوِيَ أنَّهُ وقَعَ نَحْوُهُ مَعَ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أراهم الله آيات لطفه وعنايته بهم، ورأوا فوائِد امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى بدر، وقد كانوا كارهين الخروج، أعقب ذلك بأنْ أمَرَهم بطاعة الله ورسوله شكراً على نعمة النصر، واعتباراً بأن ما يأمرهم به خيرٌ عواقبه، وحذرهم من مخالفة أمر الله ورسول صلى الله عليه وسلم وفي هذا رجوع إلى الأمر بالطاعة الذي افتتحت به السورة في قوله: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾ [الأنفال: 1] رجوع الخطيب إلى مقدمة كلامه ودليلهِ ليأخذها بعد الاستدلال في صورة نتيجة أسفر عنها احتجاجُه، لأن مطلوب القياس هو عين النتيجة، فإنه لما ابتدأ فأمرهم بطاعة الله ورسوله بقوله: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾ [الأنفال: 1] في سياق ترجيح ما أمرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام على ما تهواه أنفسهم، وضرب لهم مثلاً لذلك بحادثة كراهتهم الخروج إلى بدر في بدء الأمر ومجادلتهم للرغبة في عدمه، ثم حادثة اختيارهم لقاء العير دون لقاء النفير خشية الهزيمة، وما نجم عن طاعتهم الرسول عليه الصلاة والسلام ومخالفتهم هواهم ذلك من النصر العظيم والغُنم الوفير لهم مع نزارة الرزء، ومن التأييد المبين للرسول صلى الله عليه وسلم والتأسيسسِ لإقرار دينه ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ﴾ [الأنفال: 7، 8] وكيف أمدهم الله بالنصر العجيب لمّا أطاعوه وانخلعوا عن هواهم، وكيف هزَم المشركين؛ لأنهم شاقوا الله ورسوله، والمشاقة ضد الطاعة تعريضاً للمسلمين بوجوب التبرؤ مما فيه شائبة عصيان الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أمرهم بأمر شديد على النفوس ألا وهو ﴿ إِذَا لقيتم الذين كفروا زحْفاً فلا تولوهم الأدبار ﴾ [الأنفال: 15] وأظهر لهم ما كان من عجيب النصر لما ثبتوا كما أمرهم الله ﴿ فلَمْ تقتلوهم ولكن الله قتلهم ﴾ [الأنفال: 17]، وضمن لهم النصر إن هم أطاعوا الله ورسوله وطلبوا من الله النصر، أعقب ذلك بإعادة أمرهم بأن يطيعوا الله ورسوله ولا يتولوا عنه، فذلكة للمقصود من الموعظة الواقعة بطولها عقب قوله: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾ [الأنفال: 1] وذلك كله يقتضي فصل الجملة عما قبلها، ولذلك افتتحت ب ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ .

وافتتاح الخطاب بالنداء للاهتمام بما سيُلقى إلى المخاطبين قصداً لإحضار الذهن لوعي ما سيقال لهم، فنزّل الحاضر منزلة البعيد، فطلب حضوره بحرف النداء الموضوع لطلب الإقبال.

والتعريف بالموصولية في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ للتنبيه على أن الموصوفين بهذه الصلة من شأنهم أن يتقبلوا ما سيؤمرون به، وأنه كما كان الشرك مسبباً لمشاقة لله ورسوله في قوله: ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 13]، فخليق بالإيمان أن يكون باعثاً على طاعة الله ورسوله، فقوله هنا: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ يساوي قوله في الآية المردود إليها: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ [الأنفال: 1]، مع الإشارة هنا إلى تحقق وصف الإيمان فيهم وأن إفراغه في صورة الشرط في الآية السابقة ما قصد منه إلاّ شحذ العزائم، وبذلك انتظم هذا الأسلوب البديع في المحاورة من أول السورة إلى هنا انتظاماً بديعاً معجزاً.

والطاعة امتثال الأمر والنهي.

والتولي الانصراف، وتقدم آنفاً، وهو مستعار هنا للمخالفة والعصيان.

وإفرادُ الضمير المجرور ب (عن) لأنه راجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إذ هذا المناسب للتولي بحسب الحقيقة.

فإفراد الضمير هنا يشبه ترشيح الاستعارة، وقد علم أن النهي عن التولي عن الرسول نهي عن الإعراض عن أمر الله لقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ [الأعراف: 80] وأصل ﴿ تَولوا ﴾ تَتَولوا بتاءين حذفت إحداهما تخفيفاً.

وجملة: ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ تولوا ﴾ والمقصود من هذه الحال تشويه التولي المنهي عنه، فإن العصيان مع توفر أسباب الطاعة أشد منه في حين انخرَام بعضها.

فالمراد بالسمع هنا حقيقته أي في حال لا يعوزكم ترك التولي بمعنى الإعراض وذلك لأن فائدة السمع العمل بالمسموع، فمن سمع الحق ولم يعمل به فهو الذي لا يسمع سواء في عدم الانتفاع بذلك المسموع، ولما كان الأمر بالطاعة كلام يطاع ظهر موقع ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ فلما كان الكلام الصادر من الله ورسوله من شأنه أن يقبله أهل العقول كان مجرد سماعه مقتضياً عدم التولي عنه، ضمن تولى عنه بعد أن سمعه فأمر عجب ثم زاد في تشويه التولي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحذير من التشبه بفئة ذميمة يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: سمعنا، وهم لا يصدقونه ولا يعملون بما يأمرهم وينهاهم.

و (إن) للتمثيل والتنظير في الحسَن والقبيح أثراً عظيماً في حث النفس على التشبه أو التجنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ﴾ [الأنفال: 47] وسيأتي وأصحاب هذه الصلة معروفون عند المؤمنين بمشاهدتهم، وبإخبار القرآن عنهم، فقد عرفوا ذلك من المشركين من قبل، قال تعالى: ﴿ وإذا تتلى عليهم آيتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ [الأنفال: 31] وقال: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ [الأنعام: 25]، وعن ابن عباس أن المراد بهم نفر من قريش، وهم بنو عبد الدار بن قصي، كانوا يقولون: نحن صم بكم عما جاء به محمد، فلم يسلم منهم إلاّ رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة، وبقيتهم قتلوا جميعاً في أُحُد، وكانوا أصحاب اللواء في الجاهلية، ولكن هؤلاء لم يقولوا سمعنا بل قالوا: نحن صم بكم، فلا يصح أن يكونوا هم المرادَ بهذه الآية بل المراد طوائف من المشركين، وقيل: المراد بهم اليهود، وقد عرفوا بهذه المقالة، واجهوا بها النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا ﴾ [النساء: 46] وقيل: أريد المنافقون قال تعالى: ﴿ ويقولون طاعةٌ فإذا برزوا من عندك بيّتَ طائفةٌ منهم غير الذي تقول ﴾ [النساء: 81] وإنما يقولون سمعنا لقصد إيهام الانتفاع بما سمعوا، لأن السمع يكنى به عن الانتفاع بالسموع وهو مضمون ما حكي عنهم من قولهم ﴿ طاعة ﴾ ولذلك نفي عنهم السمع بهذا المعنى بقوله: ﴿ وهم لا يسمعون ﴾ أي لا ينتفعون بما سمعوه، فالمعنى هو معنى السمع الذي أرادوه بقولهم: ﴿ سمعنا ﴾ وهو إيهامهم أنهم مطيعون، فالواو في قوله: ﴿ وهم لا يسمعون ﴾ واو الحال.

وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للاهتمام به ليتقرر مفهومه في ذهن السامع فيرسخ اتصافه بمفهوم المسند، وهو انتفاء السمع عنهم، على أن المقصود الأهم من قوله: ﴿ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ هو التعريض بأهل هذه الصلة من الكافرين أو المنافقين لا خشية وقوع المؤمنين في مثل ذلك.

وصيغ فعل ﴿ لا يسمعون ﴾ بصيغة المضارع لإفادة أنهم مستمرون على عدم السمع، فلذلك لم يقل وهم لم يسمعوا.

وجملة: ﴿ إن شر الدواب عند الله الصُم البكم الذين لا يعقلون ﴾ معترضة، وسَوقها في هذا الموضع تعريض بالذين ﴿ قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ بأنهم يشبهون دواب صماء بكماء.

والتعريض قد يكون كناية وليس من أصنافها فإن بينه وبين الكناية عموماً وخصوصاً وجهياً، لأن التعريض كلام أريد به لازم مدلوله، وأما الكناية فهي لفظ مفرد يراد به لازم معناه إما الحقيقي كقوله تعالى: ﴿ وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ [الزمر: 12]، وإما المجازي نحو قولهم للجواد: جبان الكلب إذا لم يكن له كلب، فأما التعريض فليس إرادة لازم معنى لفظ مفرد ولا لازم معنى تركيب، وإنما هو إرادة لنطق المتكلم بكلامه، قال في «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء ﴾ في سورة [البقرة: 235] التعريض أن تذكر شيئاً يدل به على شيء لم تذكره يريد أن تذكر كلاماً دالاً كما يقول المحتاج لغيره جئت لأسلم عليك.

قلت: ومن أمثلة التعريض قول القائل حين يسمع رجلاً يسب مسلماً أو يضربه: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، فكذلك قوله تعالى: ﴿ إن شر الدوابّ عند الله الصم البكم ﴾ لم يرد به لازم معنى ألفاظ ولا لازم معنى الكلام، ولكن أريد به لازم النطق به في ذلك المكان بدون مقتض للإخبار من حقيقة ولا مجاز ولا تمثيل.

والفرق بين التعريض وبين ضرب المثل: أن ضرب المثل ذكر كلام يدل على تشبيه هيئة مضربه بهيئة مورده، والتعريض ليس فيه تشبيه هيئة بهيئة.

فالتعريض كلام مستعمل في حقيقته أو مجازه، ويحصل به قصد التعريض من قرينة سوقه فالتعريض من مستتبعات التراكيب.

وهذه الآية تعريض بتشبيههم بالدواب، فإن الدواب ضعيفة الإدراك، فإذا كانت صماء كانت مثلاً في انتفاء الإدراك، وإذا كانت مع ذلك بكماً انعدم منها ما انعدم منها ما يعرف به صاحبها ما بها، فانضم عدم الإفهام إلى عدم الفهم، فقوله: ﴿ الصم البكم ﴾ خبرَاننِ عن الدواب بمعناهما الحقيقي، وقوله: ﴿ الذين لا يعقلون ﴾ خبر ثالث، وهذا عدول عن التشبيه إلى التوصيف لأن ﴿ الذين ﴾ مما يناسب المشبّهين إذ هو اسم موصول بصيغة جمع العقلاء وهذا تخلص إلى أحوال المشبهين كما تخلص طرفة في قوله: خذول تُراعي رَبْرباً بخميلة *** تَنَاول أطراف البرير وترتدي وتبسم عن ألْمى كأنّ منوّراً *** توسط حرُ الرمل دعص له نَدِي و ﴿ شر ﴾ اسم تفضيل، وأصله «أشر» فحذفت همزته تخفياً كما حذفت همزة خير كقوله تعالى: ﴿ قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبةً عند الله ﴾ [المائدة: 60] الآية.

والمراد بالدواب معناه الحقيقي، وظاهر أن الدابة الصمّاء البكماء أخسّ الدواب.

﴿ عند الله ﴾ قيد أريد به زيادة تحقيق كونهم، أشر الدواب بأن ذلك مقرر في علم الله، وليس مجرد اصطلاح ادعائي، أي هذه هي الحقيقة في تفاضل الأنواع لا في تسامح العرف والاصطلاح، فالعُرف يُعد الإنسان أكمل من البهائم، والحقيقة تفصل حالات الإنسان فالإنسان المنتفع بمواهبه فيما يُبلغه إلى الكمال هو بحق أفضل من العُجم، والإنسان الذي دَلّى بنفسه إلى حَضيض تعطيل انتفاعه بمواهبه السامية يصير أحط من العجماوات.

والمشبهون بالصم البكم هم الذين قالوا ﴿ سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ ، شبهوا بالصم في عدم الانتفاع بما سمعوا لأنه مما يكفي سماعه في قبوله والعمل به وشبهوا بالبكم في انقطاع الحجة والعجز عن رد ما جاءهم به القرآن فهمُ ما قبلوا ولا أظهروا عذراً عن عدم قبوله.

ولما وصفهم بانتهاء قبول المعقولات والعجز عن النطق بالحجة أتبعه بانتفاء العقل عنهم أي عقل النظر والتأمل بله عقل التقبل، وقد وصف بهذه الأوصاف في القرآن كل من المشركين والمنافقين في مواضع كثيرة.

ولعل ما روي عن ابن عباس من قوله إن الآية نزلت في نفر من بني عبد الدار كما تقدم آنفاً إنما عنى بهم نزول قوله تعالى: ﴿ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ﴾ لأنهم الذين قالوا مقالة تقرب مما جاء في الآية.

وجملة: ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿ إن شر الدواب عند الله الصم البكم ﴾ الخ باعتبار أن الدواب مشبه به الذين قالوا ﴿ سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ ويجوز أن تكون معطوفة على شبه الجملة في قوله: ﴿ كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ وقد سكت المفسرون عن موقع إعراب هذه الجملة وهو دقيق والمعنى أن جبلتهم لا تقبل دعوة الخير والهداية والكمال، فلذلك انتفى عنهم الانتفاع بما يسمعون من الحكمة والموعظة والإرشاد، فكانوا كالصم، وانتفى عنهم أن تصدر منهم الدعوة إلى الخير والكلام بما يفيد كمالاً نفسانياً فكانوا كالبكم، فالمعنى: لو علم الله في نفوسهم قابلية لتلقي الخير لتعلقت إرادته بخلق نفوذ الحق في نفوسهم لأن تعلق الإرادة يجري على وَفق التعلم، ولكنهم انتفت قابلية الخير عن جبلتهم التي جبلوا عليها فلم تنفذ دعوة الخير من أسماعهم إلى تعقلهم، أي بحيث لا يدخل الهدى إلى نفوسهم إلاّ بما يُقلب قلوبهم من لطف إلاّ هي بنحو اختراق أنوار نبوية إلى قلوبهم.

و ﴿ لو ﴾ حرف شرط يقتضي انتفاء مضمون جملة الشرط وانتفاء مضمون جملة الجزاء لأجل انتفاء مضمون الشرط والاستدلالَ بانتفاء الجزاء على تحقق انتفاء الشرط.

و (في) للظرفية المجازية التي هي في معنى الملابسة، ومن لطائفها هنا أنها تعبر عن ملابسه باطنية.

ولما كان (لو) حرفاً يفيد امْتناع حصول جوابه بسبب حصول شرطه، كان أصل معنى ﴿ لوْ علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ ولو كان في إدراكهم خير يعلمه الله لقبِلوا هديه ولكنهم لا خير في جبلة مداركهم فلا يعلم الله فيهم خيراً، فلذلك لم ينتفعوا بكلام الله فهُم كمن لا يسمع.

فوقعت الكناية عن عدم استعداد مداركهم للخير، بعلم الله عدمَ الخير فيهم.

ووقع تشبيه عدم انتفاعهم بفهم آيات القرآن بعدم إسماع الله إياهم، لأن الآيات كلام الله فإذا لم يقبلوها فكأن الله لم يُسمعهم كلامه فالمراد انتفاء الخير الجبلي عنهم، وهو القابلية للخير، ومعلوم أن انتفاء علم الله بشيء يساوي علمَه بعدمه لأن علم الله لا يختلف عن شيء.

فصار معنى ﴿ لو علم الله فيهم خيراً ﴾ لو كان في نفوسهم خير، وعُبر عن قبولهم الخير المسموع وانفعاللِ نفوسهم به بإسماع الله إياهم ما يُبلغهم الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن والمواعظ، فالمراد انتفاء الخير الانفعالي عنهم وهو التخلّق والامتثال لِما يسمعونه من الخير.

وحاصل المعنى: لو جبلهم الله على قبول الخير لَجَعَلَهم يسمعون أي يعملون بما يدخل أصماخهم من الدعوة إلى الخير.

فالكلام استدلال بانتفاء فرد من أفراد جنس الخير.

وذلك هو فرد الانتفاع بالمسموع الحق، على انتفاء جنس الخير من نفوسهم، فمناط الاستدلال هو إجراء أمرهم على المألوف من حكمة الله في خلق أجناسسِ الصفات وأشخاصها، وإن كان ذلك لا يخرج عن قدرة الله تعالى لو شاء أن يُجري أمرهم على غير المعتاد من أمثالهم.

وبهذا تعلم أن كل من لم يؤمن من المشركين حتى مات على الشرك فقد انتفت مخالطة الخير نفسَه، وكل من آمن منهم فهو في وقت عناده وتصميمه على العناد قد انتفت مخالطة الخير نفسه ولكن الخير يلمع عليه، حتى إذا استولى نور الخير في نفسه على ظلمة كفره ألقى الله في نفسه الخيرَ فأصبح قابلاً للإرشاد والهدى، فحق عليه أنه قد علم الله فيه خيراً حينئذٍ فأسمعه.

فمثَل ذلك مثل أبي سفيان، إذ كان فيما قبلَ ليلة فتح مكة قائِد أهل الشرك فلما اقترب من جيش الفتح وأُدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، قال أبو سفيان: «لقد علمت أن لو كان معه إله آخر لقد أغنى عَني شيئاً» ثم قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: " وأن تشهد أني رسول الله " فقال: أمّا هذه ففي القلب منها شيء» فلم يكمل حينئذٍ إسماع الله إياه، ثم تمّ في نفسه الخير فلم يلبث أن أسلم فأصبح من خيرة المسلمين.

وجملة: ﴿ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ أي لأفهمهم ما يسمعون وهو ارتقاء في الأخبار عنهم بانتفاء قابلية الاهتداء عن نفوسهم في أصل جبلتهم.

فإنهم لما أخبر عنهم بانتفاء تعلمهم الحكمة والهدى فلذلك انتفى عنهم الاهتداء، ارتقى بالإخبار في هذا المعنى بأنهم لو قبلوا فهم الموعظة والحكمة فيما يسمعونه من القرآن وكلام النبوة لغلب ما في نفوسهم من التخلق بالباطل على ما خالطها من إدراك الخير، فحال ذلك التخلق بينهم وبين العمل بما علموا، فتولوا وأعرضوا.

وهذا الحال المستقر في نفوس المشركين متفاوت القوة، وبمقدار تفاوته وبلوغه نهايته تكون مدة دوامهم على الشرك، فإذا انتهى إلى أجله الذي وضعه الله في نفوسهم وكان انتهاؤه قبل انتهاء أجل الحياة استطاع الواحد منهم الانتفاع بما يُلقى إليه فاهتدى، وعلى ذلك حال الذين اهتدوا منهم إلى الإسلام بعد التريّث على الكفر زمناً متفاوت الطول والقصر.

وأعلم أن ليس عطف جملة: ﴿ ولو أسمعهم لتولوا ﴾ على جملة: ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ بمقصود منه تفرعُ الثانية على الأولى تفرعُ القضايا بعضها على بعض في تركيب القياس، لأن ذلك لا يجيء في القياس الاستثنائي ولا أنه من تفريع النتيجة على المقدمات لأن تفريع الأقيسة بتلك الطريقة التي تشبه التفريع بالفاء ليس أسلوباً عربياً، فالجملتان في هذه الآية كل واحدة منهما مستقلة عن الأخرى، ولا تَجمع بينهما إلاّ مناسبة المعنى والغرض، فليس اقتران هاتين الجملتين هنا بمنزلة اقتران قولهم لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجوداً، ولو كان النهار موجوداً لدرجت الدواجن، فإنه قد ينتج: لو كانت الشمس طالعة لدرجت الدواجن، بواسطة تدرج اللزُومات في ذهن المحجوج تقريباً لفهمه، فإن ذلك بمنزلة التصريح بنتيحة ثم جعل تلك النتيجة الحاصلةِ مقدمةَ قياس ثان فتُطوى النتيجة لظهورها اختصاراً، وهذا ليس بأسلوب عربي إنما الأسلوب العربي في إقامة الدليل بالشرطية أن يقتصر على مقدّم وتال، ثم يُستدرَك عليه بالاستنتاج بذكر نقيض المقدم كقول أبَي بننِ سُلمى بن ربيعة يصف فرسه: ولو طار ذُو حافر قبلها *** لطارت ولكنه لم يطر وقول المعري: ولو دامتْ الدولات كانوا كغيرهم *** رعايا ولكنْ ما لهُنّ دوام أو بذكر مساوي نقيض المقدم كقول عَمرو بن معديكرب: فلَوْ أن قومي أنطقَتْني رماحُهم *** نَطقْتُ ولكن الرماحَ أجَرتِ فإن إجرار اللسان يمنع نطقه، فكان في معنى ولكن الرماح تُنطقني.

والأكثر أنهم يستغنون عن هذا الاستدراك لظهور الاستنتاج من مجرد ذكر الشرط والجزاء.

واعلم أن (لو) الواقعة في هذه الجملة الثانية من قبيل (لو) المشتهرة بين النحاة بلو الصهَيْبية (بسبب وقوع التمثيل بها بينهم بقول عمر بن الخطاب: «نعْم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» وذلك أن تستعمل (لو) لقصد الدلالة على أن مضمون الجزاء مستمر الوجود في جميع الأزمنة والأحوال عند المتكلم، فيأتي بجملة الشرط حينئذٍ متضمنة الحالة التي هي مظنة أن يتخلف مضمونُ عند حصلها الجزاء لو كان ذلك مما يحتمل التخلف، فقوله: «لو لم يخف الله لم يعصمه» المقصود منه انتفاء العصيان في جميع الأزمنة والأحوال حتى في حال أمنِه من غضب الله، فليس المراد أنه خاف فعصى، ولكن المراد أنه لو فرض عدم خوفه لما عصى، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يَمُده من بعده سبعة أبحر ما نَفِدت كلماتُ الله ﴾ [لقمان: 27] فالمقصود عدم انتهاء كلمات الله حتى في حالة ما لو كُتبت بماء البحر كله وجعلت لها أعوادُ الشجر كله أقلاماً، لا أن كلمات الله تنفدْ إن لم تكن الأشجار أقلاماً والأبحر مداداً، وكذا قوله تعالى: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيءٍ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله ﴾ [الأنعام: 111] ليس المعنى لكن لم ننزل عليهم الملائكة ولا كلمهم الموتى ولا حشرنا عليهم كل شيء فآمنوا بل المعنى أن إيمانهم منتف في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي شأنها أن لا ينتفي عندها الإيمان.

وفي هذا الاستعمال يضعف معنى الامتناع الموضوعة له (لو) وتصير (لو) في مجرد الاستلزام على طريقة مستعملة المجاز المرسل وستجيء زيادة في استعمال (لو) الصهيبية عند قوله تعالى: ﴿ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ﴾ في هذه السورة [42].

فهكذا تقرير التلازم في قوله تعالى هنا: ﴿ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ﴾ ليس المعنى على أنه لم يسمعهم فلم يتَولوا، لأن توليهم ثابت، بل المعنى على أنهم يتولون حتى في حالة ما لو سمعهم الله الإسماع المخصوص، وهو إسماع الإفهام، فكيف إذا لم يسمعوه.

وجملة: ﴿ وهم معرضون ﴾ حال من ضمير تولوا وهي مبينة للمراد من التولي وهو معناه المجازي وصوغ هذه الجملة بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على تمكن إعراضهم أي إعراضاً لا قبول بعده، وهذا يفيد أن من التولي ما يعقبه إقبال، وهو تولي الذين تولوا ثم أسلموا بعد ذلك مثل مصعب بن عمير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ أمّا الدَّوابُّ فاسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانِها لِدَبِيبِهِ عَلَيْها مَشْيًا، وكانَ بِالخَيْلِ أخَصَّ.

والمُرادُ بِشَرِّ الدَّوابِّ الكُفّارُ لِأنَّهم شَرُّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَوانِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ الصُّمُّ ﴾ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ الوَعْظَ.

﴿ البُكْمُ ﴾ والأبْكَمُ هو المَخْلُوقُ أخْرَسَ، وإنَّما وصَفَهم بِالبُكْمِ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى ولا بِلَوازِمِ طاعَتِهِ.

﴿ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى أمْرَهُ ونَهْيَهُ.

والثّانِي: لا يَعْتَبِرُونَ اعْتِبارَ العُقَلاءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اهْتِداءٌ.

الثّانِي: إصْغاءٌ.

﴿ لأسْمَعَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: لَأسْمَعَهُمُ الحُجَجَ والمَواعِظَ سَماعَ تَفْهِيمٍ وتَعْلِيمٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لَأسْمَعَهم كَلامَ الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهم مِن قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ يَشْهَدُونَ بِنُبُوَّتِكَ قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والثّالِثُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما يَسْألُونَ عَنْهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولَوْ أسْمَعَهُمُ الحُجَجَ والمَواعِظَ لَأعْرَضُوا عَنِ الإصْغاءِ والتَّفَهُّمِ.

والثّانِي: ولَوْ أجابَهم إلى ما اقْتَرَحُوهُ لَأعْرَضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ أي لأعد لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم ولكن القلوب خالفت ذلك منهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو أسمعهم ﴾ بعد أن يعلم أن لا خير فيهم ما نفعهم بعد أن ينفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: قالوا: نحن صم عما يدعونا إليه محمد لا نسمعه بكم لا نجيبه فيه بتصديق، قتلوا جميعاً بأحد، وكانوا أصحاب اللواء يوم أحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ أي لو خلق فيهم خيرًا؛ لأن ما خلقه الله يعلمه، وما لا يعلمه الله فهو ما لم يخلقه على معنى أنه لا يعلمه مخلوقًا (١) (٢) (٣) وقال ابن جريج وابن زيد: لأسمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهيم وتعليم، ولو أسمعهم بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون (٤) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ : يريد: لهداهم (٥) ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ رجع تبارك وتعالى إلى ما سبق في علمه وقضائه وقدره فأخبر بما كان قبل أن يكون، ومعنى قوله (٦) وشرح أبو علي الجرجاني هذا القول شرحًا شافيًا فقال: إن الله يعلم ما يكون، وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، فتأويل قوله: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ أي ليس فيهم خير فلا يسمعهم؛ لأنه جبلهم على ذلك، وهذا مثل قولك للرجل: لو علمت أنك تفهم لأخبرتك، أي: أنك لا تفهم، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ﴾ -أي إسماع الإفهام الذي ينفع (٧) ﴿ لَتَوَلَّوْا ﴾ أيضًا ﴿ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ إخبارًا منه عز وجل عما لا يكون لو يكون كيف يكون (٨) ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ﴾ (٩) ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ ﴾ (١٠) ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ  ﴾ فأعلم عز وجل عما لا يكون بأنه لو كان كيف يكون.

وسلك أبو إسحاق في معنى هذه الآية طريقة حسنة فقال: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ جواب كل ما يسألون عنه، ثم قال (١١) ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا ﴾ أي لو بين لهم كل ما يختلج (١٢) ﴿ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ لمعاندتهم (١٣) واختاره ابن الأنباري وشرحه فقال: ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه مما يقترحون ويطالبون (١٤) قال أصحابنا (١٥) (١) يشير المؤلف إلى تعلق علم الله بالكون من ناحية الوجود والعدم ، وذلك قسمان: أحدهما: جملة الموجودات.

الثاني: جملة المعدومات.

فالموجود يعلمه الله موجودًا، والمعدوم لا يعلمه الله موجودًا، بمعنى أنه يعلمه معدومًا.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٣) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: يخف.

(٤) ما ذكره المؤلف هو قول ابن زيد كما رواه بلفظ مقارب ابن جرير 9/ 212، وأما قول ابن جريج فنصه: ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لقالوا ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا  ﴾ ولقالوا ﴿ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا  ﴾ ولو جاءهم بقرآن غيره لتولوا وهو معرضون.

(٥) رواه بمعناه الفيروزأبادى في "تنوير المقباس" ص 179 من رواية الكلبي وهو واهٍ.

(٦) أى ابن عباس في قوله السابق.

(٧) في (م): (ينتفع به).

(٨) ساقط من (ح).

(٩) حذف الجرجاني أو المؤلف بعض الآية ونصه: ﴿ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا ﴾ وقد فعل ذلك الرازي أيضًا في "تفسيره" 15/ 150 وهو كثير النقل من تفسير الواحدي "البسيط".

(١٠) في جميع النسخ: (ولئن).

وهو خطأ.

(١١) في "معاني القرآن وإعرابه": ثم قال جل وعز.

وفي (م): (وقوله).

(١٢) في المصدر السابق: يعتلج.

اهـ، والكلمتان متقاربتان في المعنى، ففي "لسان العرب" (خلج) 3/ 1223: اختلج الشيء في صدري وتخالج: احتكأ مع شك، وأصل الاختلاج: الحركة والاضطراب.

وفي المصدر نفسه (علج) 5/ 3065: اعتلج القوم: اتخذوا صراعًا وقتالاً، واعتلج الموت: التطم، وهو منه، وأعتلج الهمّ في صدره، كذلك على المثل.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 409.

(١٤) ساقط من (ح).

(١٥) يعني الأشاعرة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة، انظر: "مقالات الإسلاميين" للأشعري 2/ 346، و"عقيدة السلف وأصحاب الحديث" للصابوني ص 284، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 353، و"القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة" ص 247.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ الآية: خطاب لكفار قريش، وذلك أنهم كانوا قد دعوا الله أن ينصر أحب الطائفتين إليه، وروي أن الذي دعا بذلك أبو جهل فنصر الله المؤمنين، وفتح لهم، ومعنى: إن تستفتحوا: تطلبوا الفتح، ويحتمل أن يكون الفتح الذي طلبوه بمعنى النصر أو بمعنى الحكم، وقيل: إن الخطاب للمؤمنين ﴿ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ﴾ إن كان الخطاب للكافر فالفتح هنا بمعنى الحكم: أي قد جاءكم الحكم الذي حكم الله عليكم بالهزيمة والقتل والأسر، وإن كان الخطاب للمؤمنين، فالفتح هنا يحتمل أن يكون بمعنى الحكم، لأن الله حكم لهم، أو بمعنى النصر ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ ﴾ أي ترجعوا عن الكفر وهذا يدل على أن الخطاب للكفار ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ ﴾ أي أن تعودوا إلى الاستفتاح أو القتال نعد لقتالكم والنصر عليكم ﴿ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ ﴾ الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو للأمر بالطاعة ﴿ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ أي تسمعون القرآن والمواعظ ﴿ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ هم الكفار سمعوا بآذانهم دون قلوبهم فسماعهم كلا سماع ﴿ إِنَّ شَرَّ الدواب ﴾ أي كل من يدب، والمقصود أن الكفار شر الخلق، قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تولوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ تسمعون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ لأسمعهم ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ لما يحييكم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ خاصة ﴾ ج لما مر ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ لا للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أو يخرجوك ﴾ ط ﴿ ويمكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ذكر نحو من قصة بدر والغنائم.

أدَّب المؤمنين أحسن تأديب فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله في قسمة الغنائم وغيرها ثم قال ﴿ ولا تولوا عنه ﴾ فوحد الضمير لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد، أو لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ وكقولك الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان وجوّز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة أي لا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ لم يبين أنهم ماذا يمسعون إلا أنه يعلم من مساق الكلام في السورة أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد أو المراد وأنتم تسمعون الأمر المذكور، أو وأنتم تصدقون بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ لأنهم ليسوا بمصدقين فلا يصح دعوى السماع منهم.

وتحقيق ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف ويلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول، ثم أكد التكاليف المذكورة بقوله ﴿ إن شر الدواب ﴾ أي إن شر من يدب على الأرض، أو إن شر البهائم.

والفرق بين التفسيرين أن الأوّل حقيقة إلا أنه ذكر في معرض الذم كقولك لمن لا يفهم الكلام هو شبح وجسد.

والثاني مذكور في معرض التشبيه بالبهائم بل جعلهم شرّها لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بالحواس كقوله ﴿ بل هم أضل  ﴾ ومعنى ﴿ عند الله ﴾ أي في حكمه وقضائه.

ثم قال ﴿ ولو علم الله فيهم ﴾ أي في هؤلاء الصم البكم ﴿ خيراً لأسمعهم ﴾ عن ابن جريج: هم المنافقون.

وعن الحسن: أهل الكتاب، وقيل: بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء.

وروي أنهم سألوا النبي أن يحيي لهم قصي ابن كلاب وعيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوّته، فبيّن  أنه لو علم فيهم خيراً وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ولكنه  علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت.

وأنهم لو أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه على عادتهم المستمرة.

واعلم أن معلومات الله  على أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وإن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله، وإن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً فكيف يكون حاله، والأولان علم بالواقع، والآخران الباقيان علم بالمقدر ومن هذا القبيل.

قوله  ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ وتقدير الكلام لو حصل فيهم خيراً لأسمعهم الله الحجج والمواعظ فعبر عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وأورد على الآية أنها على صورة قياس شرطي فإذا حذفنا الحد الأوسط بقيت النتيجة: لو علم الله فيهم خيراً لتولوا ولكن كلمة "لو" وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيكون التولي منتفياً لأجل انتفاء علم الله الخير فيهم بل لأجل انتفاء الخير فيهم.

لكن انتفاء التولي خير من الخيرات فأوّل الكلام يقتضي نفي الخير عنهم وأخره يقتضي.

حصول الخير فيهم وهذا تناقض والجواب المنع من أن الحد الأوسط مكرر لأن المراد بالإسماع الأوّل إسماع التفهم وإلزام القبول، والمراد بالإسماع الثاني صورة الإسماع فحسب، وأيضاً كلمة "لو" في المقدمة الثانية هي التي تجيء للمبالغة بمعنى "أن" كقوله  : "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" فإذاً لا تعلق لإحدى الجملتين بالأخرى فلا قياس.

واستدلت الأشاعرة بالآية على أن صدور الإيمان عن الكافر محال لأن الصادق قد أخبر أنهم على تقدير الإسماع معرضون وخلاف علمه وخبره محال.

وقال في الكشاف: لو علم الله فيهم خيراً أي انتفاعاً باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه، أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا وتزييف هذا التفسير سهل.

ثم علم المؤمنين أدباً آخر فقال ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ فوحد الضمير كما مر.

والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض.عن أبي هريرة أن النبي  مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟

قال: كنت أصلي.

قال: ألم تخبر فيما أوحي إليّ ﴿ استجيبوا لله وللرسول ﴾ ؟

قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك، وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه اللوم.

ثم قيل: إن هذا مما اختص به رسول الله  وقيل: إندعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته.

ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه وجوهاً: قال السدي: هو الإسلام والإيمان لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته بدليل قوله ﴿ يخرج الحي من الميت  ﴾ أي المؤمن من الكافر.

وقال قتادة: يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية.

والأكثرون على أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوّين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله ﴿ بل أحياء عند ربهم  ﴾ ، وقيل: إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة.

والمراد لما يحييكم الحياة الطيبة كما قال ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ، ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل الواحدي عن ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته.

فالسعيد من أسعده الله والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع الأسباب إليه، ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإنه إليه يحشرون ﴾ ليعلم أنهم مع كونهم مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين.

وقالت المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر العاجز سفه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإنه  أمر بالاستجابة لله وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير المقدور جائزاً لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم.

فإذا لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر.

فتأويلها أن الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله ﴿ وإنه ﴾ أي وأن الشأن أو الله إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه  يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفاً وبالخوف أمناً، وبالذكر نسياناً وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله  ، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا.

وقال مجاهد: المراد بالقلب العقل والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون.

ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان.

وعن الحسن: إن الغرض التنبيه على أنه  مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد من قرب قلبه منه كقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ ثم حذرهم الفتن والاختلاف فقال ﴿ واتقوا فتنة ﴾ قيل: هو العذاب.

وقيل: افتراق الكلمة.

وقيل: إقرار المنكر بين أظهرهم.

وقوله ﴿ لا تصيبن ﴾ إما أن يكون جواباً للأمر وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك.

وعلى هذا "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

وقيل: الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم الظالمون حال كونهم ﴿ خاصة ﴾ ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله  ذلك بحكم المالكية أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهياً بعد أمر و"من" للبيان كأنه قيل: احذروا ذنباً أو عقاباً.

ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة.

وهكذا إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولاً فيها لا تصيبن كقوله.

جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط *** عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زماناً وما رأينا أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها.

وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل.

وروي أن الزبير كان يسامر النبي  يوماً إذ أقبل علي فضحك إليه الزبير فقال رسول الله  : كيف حبك لعلي؟

فقال: يا رسول الله يأبى أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حباً.

قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟

ثم ختم الآية بقوله ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة.

ثم ذكرهم نعمه عليهم فقال ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ وانتصابه على أنه مفعول به أي وقت أنكم ﴿ قليل ﴾ يستوي فيه الواحد والجمع ﴿ مستضعفون في الأرض ﴾ أرض مكة قبل الهجرة ﴿ تخافون أن يتخطفكم الناس ﴾ يستلبونكم لكونهم أعداء لكم ﴿ فآواكم ﴾ إلى المدينة ﴿ وأيدكم بنصره ﴾ بمظاهرة الأنصار وبإمدادكم بالملائكة يوم بدر ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ من الغنائم ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي ينقلكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة في الأنفال؟، ثم منعهم من الخيانة في الأمانة.

يروى أن رسول الله  حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله  إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن مروان بن المنذر وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله في أيديهم.

فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى هل ننزل على حكم سعد؟

فأشار إلى حلقه إنه أي إن حكم سعد بن معاذ هو الذبح.

قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية.

فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ.

فمكث سبعة أيام حتى خرّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك في نفسك.

فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله  هو الذي يحلني.

فجاءه فحله بيده فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي.

فقال  : يجزيك الثلث أن تتصدق به.

وقال السدي: كانوا يسمعون من النبي  شيئاً فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك.

وقال ابن زيد نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.

وعن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي  خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فنزلت.

وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة بخروج النبي  إليها حكاه الأصم.

قال القاضي: والأقرب أنها في الغنائم.

فالخيانة فيها خيانة الله لأنها عطيته، وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمتها، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق.

قال: ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان الشتار السبب.

والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقيّ سمي كرباً لأنه يكرب من الدلو أي يقرب منه.

واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه.

وتخونوا يحتمل أن يكون جزماً داخلاً في حكم النهي وأن يكون نصباً بإضمار أن كقوله ﴿ وتكتموا الحق  ﴾ ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عمداً لا سهواً.

وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.

ثم لما كان الداعي إلى الخيانة وهو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان بسبب ذلك نبه الله  على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب فقال ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب ﴿ وإن الله عنده أجر عظيم ﴾ فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى السعادات الروحانية الباقية.

ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل لكونه مفضياً إلى الأجر العظيم عند الله هو أفضل من الاشتغال بالنكاح لأدائه إلى الفتنة.

ثم رغب في التقوى التي توحب الإعراض عن محبة الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله ﴾ في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ﴿ ويجعل لكم فرقاناً ﴾ فارقاً بينكم وبين الكفار في الأحوال الباطنة بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية، وفي الأحوال الظاهرة بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم، وفي أحوال الآخرة بالثواب الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة.

﴿ ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم ﴿ ويغفر لكم ﴾ في دار الجزاء ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فإذا وعد بشيء وفى به أحسن الإيفاء.

ومن عظيم فضله أنه يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل إلا بعد أن يخلق الله فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من الانتفاع بذلك.

وبعد أن يكون قد تصوّر فيه ثواباً أو ثناء، أو حمله على ذلك رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا لله  فلهذا وصفه بالعظم.

ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل ﴾ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة.

والمعنى واذكر وقت مكرهم.

فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: ذكروا أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله  فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً.

فقالوا: هذا من نجد لا بأس عليكم به.

فقال أبو البختري من بني عبد الدار: رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم.

فقال: بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا.

فقال الشيخ: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً.

فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله  وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر علياً  فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه.

وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم.

ومعنى ﴿ ليثبتوك ﴾ قال ابن عباس: ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري.

وقوله ﴿ أو يقتلوك ﴾ إشارة إلى رأي أبي جهل.

وقوله ﴿ أو يخرجوك ﴾ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام.

وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس.

قال: لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله  لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس.

هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مراراً، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران.

والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله.

فإن قيل: لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين؟

وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.

التأويل: إن شر من دب في الوجود هم ﴿ الصم ﴾ عن استماع كلام الحق.

يسمع القلب والقبول ﴿ إليكم ﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق.

والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿ الذين لا يعقلون ﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿ استجيبوا لله ﴾ إنه  يطلب بالمحجة من العبدالإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿ واعلموا أن الله يحول ﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿ وإنه إليه تحشرون ﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿ واتقوا ﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية.

لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿ قليل ﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿ مستضعفون ﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ.

﴿ يخافون ﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿ فآواكم ﴾ إلى حظائر القدس ﴿ وأيدكم ﴾ بالواردات الربانية ﴿ ورزقكم ﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿ لا تخونوا الله ﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿ فتنة ﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿ أن تتقوا الله ﴾ من غير الله ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ ويكفر عنكم ﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ ويغفر لكم ﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ ليثبتوك ﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿ أو يخرجوك ﴾ من عالم الأرواح ﴿ والله خير الماكرين ﴾ يصلح حال أهل الصلاح ألبته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه، ﴿ وَرَسُولَهُ ﴾ : في بيانه، وفيما دعا إليه.

وقيل: أطيعوا الله في فرائضه، ورسوله في سننه وآدابه.

﴿ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ : آياته وحججه.

﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: لا تكونوا في الإيمان والتوحيد والآيات.

﴿ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا ﴾ [بذلك ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: لا يجيبون، ولا يسمعون، ولا يؤمنون].

ويحتمل أن يكون: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا ﴾ : الآيات والحجج، ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بسماعهم، أو لا يعقلون كالدواب وغيرها.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ استثقالا، وبغضاً؛ أي: لا يستمعون إليه؛ لأن من استثقل شيئاً وأبغضه لم يستمع إليه؛ كقوله: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم -: أن الذي هو [من] شر الدواب عند الله هو الأصم الذي لا ينتفع بسمعه، والأبكم الذي لا ينتفع بلسانه ونطقه؛ لأنهم لم ينتفعوا بسمعهم لما جعل له السمع، ولم ينتفعوا بنطقهم لما جعل له النطق، ولم ينتفعوا بعقلهم لما جعل له العقل، فهم شر الدواب؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ وأشر؛ لأن الدواب والأنعام انتفعت بهذه الحواس لما جعلت لها هذه الحواس، عرفت بهذه الحواس المهالك والمضار فتوقت عنها، وعرفت الملاذ والمنافع بها فترغب فيها وتقع، فانتفعت الدواب بالحواس التي جعلت لها لما جعلت، ولم يجعل لها هذه الحواس إلا للمقدار الذي عرفت وفهمت وانتفعت، وهؤلاء الكفرة لم ينتفعوا بالحواس التي جعلت لهم لما جعلت له ذلك؛ ليعرفوا النافع لهم والملاذ في العاقبة كذلك ويعرفوا الضار لهم في العاقبة والمهلك فيتوقوا عنه، فلم ينتفعوا بحواسهم لما جعلت الحواس، والدواب انتفعت بها؛ لذلك كانوا أضل وأشر [منها].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ ﴾ الذين اكتسبوا الصمم الدائم والعمى الدائم، وذلك في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]، أي: تركوا اكتساب البصر الدائم، والسمع الدائم، [و] الحياة الدائمة والباقية، سماهم صمّاً وبكماً وعمياً؛ لما لم يكتسبوا بصر القلب، ونطق القلب، وسمع القلب؛ فهذه هي الحواس التي تكون بالاكتساب، ولم يكتسبوها، إنما لهم الحواس الظاهرة.

أو يقول: شر الدواب التي لم ينتفعوا بالذي ذكر من الحواس، وتركوا استعمالها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ ﴾ .

قيل: نزلت الآية في المردة من الكفرة.

وقال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار، كانوا يسألون رسول الله آية بعد آية، وقد أعطاهم آية بعد آية قبل ذلك لم يقبلوها، فقال: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ أنهم يقبلون جواب المسائل التي سألوا، لأوحى إليهم ولأسمعهم، ولكن علم أنهم وإن أسمعهم جواب مسائلهم - لا يقبلون.

وقالت المعتزلة: دلت الآية أنه قد أعطاهم جميع ما كان عنده، لكنهم لم يقبلوا؛ لأنه قال: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ ﴾ ، فدل أنه لم يكن عنده ما يعطي، وإلا لو كان عنده ما يقبلون لأسمعهم.

لكن هذا بعيد؛ لأنه لم يقل: لو علم الله عنده خيراً لأسمعهم، ولكن قال: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ ، فإنما نفى أن عندهم خيراً.

والوجه فيه ما ذكرنا أنه لو علم فيهم خيراً يعملون به لأوحى إليهم وأسمعهم، لكنه علم أنهم لا يقبلون بقوله: ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ، أي: مكذبون بجواب ما سألوا تعنتاً وتمرداً منهم، وأخبر أنهم يسألون سؤال تعنت وتمرد، لا سؤال استرشاد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو علم الله أن في هؤلاء المشركين المكذبين خيرًا لأسمعهم سماعًا ينتفعون به، ويتعقَّلون عنده الحجج والبراهين، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، ولو أنه سبحانه أسمعهم -على سبيل الفرض والتقدير- لتولوا عن الإيمان عنادًا، وهم معرضون.

<div class="verse-tafsir" id="91.aNlBn"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر