الآية ٢٤ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٢٤ من سورة الأنفال

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 124 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : ( استجيبوا ) أجيبوا ، ( لما يحييكم ) لما يصلحكم .

حدثنا إسحاق ، حدثنا روح ، حدثنا شعبة ، عن خبيب بن عبد الرحمن قال : سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي ، فمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاني فلم آته حتى صليت ، ثم أتيته فقال : ما منعك أن تأتيني ؟

ألم يقل الله : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ثم قال : لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج ، فذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخرج ، فذكرت له ، وقال معاذ : حدثنا شعبة ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، سمع حفص بن عاصم ، سمع أبا سعيد رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا - وقال : هي ( الحمد لله رب العالمين ) السبع المثاني .

هذا لفظه بحروفه ، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة .

وقال مجاهد في قوله : ( لما يحييكم ) قال : الحق .

وقال قتادة ( لما يحييكم ) قال : هو هذا القرآن ، فيه النجاة والتقاة والحياة .

وقال السدي : ( لما يحييكم ) ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) أي : للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل ، وقواكم بها بعد الضعف ، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم .

وقوله تعالى : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) قال ابن عباس : يحول بين المؤمن وبين الكفر ، وبين الكافر وبين الإيمان .

رواه الحاكم في مستدركه موقوفا ، وقال : صحيح ولم يخرجاه ، ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا ولا يصح لضعف إسناده ، والموقوف أصح .

وكذا قال مجاهد ، وسعيد ، وعكرمة ، والضحاك ، وأبو صالح ، وعطية ، ومقاتل بن حيان ، والسدي .

وفي رواية عن مجاهد في قوله : ( يحول بين المرء وقلبه ) حتى تركه لا يعقل .

وقال السدي : يحول بين الإنسان وقلبه ، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه .

وقال قتادة هو كقوله : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) [ ق : 16 ] .

وقد وردت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يناسب هذه الآية .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك .

قال : فقلنا : يا رسول الله ، آمنا بك وبما جئت به ، فهل تخاف علينا ؟

قال : نعم ، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها .

.

وهكذا رواه الترمذي في " كتاب القدر " من جامعه ، عن هناد بن السري ، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير ، عن الأعمش - واسمه سليمان بن مهران - عن أبي سفيان - واسمه طلحة بن نافع - عن أنس ثم قال : حسن .

وهكذا روي عن غير واحد عن الأعمش ، رواه بعضهم عنه ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحديث أبي سفيان عن أنس أصح .

حديث آخر : قال عبد بن حميد في مسنده : حدثنا عبد الملك بن عمرو ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن بلال - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك .

هذا حديث جيد الإسناد إلا أن فيه انقطاعا وهو مع ذلك على شرط أهل السنن ولم يخرجوه .

حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم قال : سمعت ابن جابر يقول : حدثني بسر بن عبد الله الحضرمي : أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول : سمعت النواس بن سمعان الكلابي - رضي الله عنه - يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين ، إذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه .

وكان يقول : يا مقلب القلوب ، ثبت قلوبنا على دينك .

قال : والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه .

وهكذا رواه النسائي وابن ماجه ، من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فذكر مثله .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا حماد بن زيد ، عن المعلى بن زياد ، عن الحسن ؛ أن عائشة قالت : دعوات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو بها : يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك .

قالت : فقلت : يا رسول الله ، إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء .

فقال : إن قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله ، فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا عبد الحميد ، حدثني شهر ، سمعت أم سلمة تحدث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر في دعائه يقول : اللهم يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك .

قالت : فقلت يا رسول الله ، أوإن القلوب لتقلب ؟

قال : نعم ، ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله - عز وجل - فإن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه .

فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب .

قالت : قلت : يا رسول الله ، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي ؟

قال : بلى ، قولي : اللهم رب النبي محمد ، اغفر لي ذنبي ، وأذهب غيظ قلبي ، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا حيوة ، أخبرني أبو هانئ ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع عبد الله بن عمرو ؛ أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن ، كقلب واحد يصرف كيف شاء .

ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم مصرف القلوب ، صرف قلوبنا إلى طاعتك .

انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري ، فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (إذا دعاكم لما يحييكم).

فقال بعضهم: معناه: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان.

* ذكر من قال ذلك: 15867- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: أمّا " ما يحييكم "، (50) فهو الإسلام, أحياهم بعد موتهم, بعد كفرهم.

* * * وقال آخرون: للحق.

* ذكر من قال ذلك: 15868- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد في قول الله: (لما يحييكم)، قال: الحق.

15869 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

15870 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: الحق.

15871 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: للحق.

* * * وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى ما في القرآن.

* ذكر من قال ذلك: 15872- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، قال: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة.

(51) * * * وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو.

* ذكر من قال ذلك: 15873- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل, وقوّاكم بعد الضعف, ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم.

(52) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب, قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق.

وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد, والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن, وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب.

أما في الدنيا, فبقاء الذكر الجميل, (53) وذلك له فيه حياة.

وأما في الآخرة, فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها.

(54) * * * وأما قول من قال: معناه الإسلام, فقول لا معنى له.

لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، فلا وجه لأن يقال للمؤمن: استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان.

(55) * * * وبَعْدُ، ففيما:- 15874- حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم, عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيٍّ وهو يصلي, فدعاه: أيْ أُبَيّ !

فالتفت إليه أبيّ ولم يجبه.

ثم إن أبيًّا خفف الصلاة, ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك، أي رسول الله!

قال: وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟

قال: يا رسول الله، كنت أصلي!

قال: أفلم تجد فيما أوحي إليّ: " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم "؟

قال: بلى، يا رسول الله!

لا أعود.

(56) 15875 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد, عن محمد بن جعفر, عن العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ وهو قائم يصلي, فصرخ به [فلم يجبه, ثم جاء]، (57) فقال: يا أبيّ، ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟

أليس الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ؟

قال أبيّ: لا جَرَم يا رسول الله, لا تدعوني إلا أجبتُ وإن كنت أصلي!

(58) * * * =ما يُبِين عن أن المعنيَّ بالآية، هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم, لأن أبَيًّا لا شك أنه كان مسلمًا في الوقت الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا في هذين الخبرين.

* * * القول في تأويل قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر.

* ذكر من قال ذلك: 15876- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي, عن سعيد بن جبير: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: بين الكافر أن يؤمن, وبين المؤمن أن يكفر.

(59) 15877 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد= قالا حدثنا سفيان= وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري, عن الأعمش, عن عبد الله بن عبد الله الرازي, عن سعيد بن جبير, بنحوه.

15878 - حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة قال، حدثنا أبو عاصم, عن سفيان, عن الأعمش, عن عبد الله بن عبد الله, عن سعيد بن جبير, مثله.

15879 - حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية, عن المنهال, عن سعيد بن جبير: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر, وبين الكافر وبين الإيمان.

15880- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل, عن الأعمش, عن عبد الله بن عبد الله الرازي, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (يحول بين المرء وقلبه)، يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله.

15881 - .

.

.

.

قال، حدثنا حفص, عن الأعمش, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن والكفر, وبين الكافر والإيمان.

15882- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان, وعبد العزيز بن أبي رواد, عن الضحاك في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين الكافر وطاعته, وبين المؤمن ومعصيته.

15883 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن أبى روق, عن الضحاك بن مزاحم, بنحوه.

15884 - .

.

.

.

قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: يحول بين المرء وبين أن يكفر, (60) وبين الكافر وبين أن يؤمن.

15885 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد, عن الضحاك بن مزاحم: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين الكافر وبين طاعة الله, وبين المؤمن ومعصية الله.

15886 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا ابن أبي رواد, عن الضحاك, نحوه.

15887 - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر نحوه.

15888 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن منهال قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يحدث، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن ومعصيته.

15889 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين المؤمن وبين الكفر, ويحول بين الكافر وبين الإيمان.

15890 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته, ويحول بين المؤمن وبين معصيته.

15891- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن ليث, عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر, وبين الكافر وبين الإيمان.

15892 - .

.

.

.

قال، حدثنا أبي, عن ابن أبي رواد, عن الضحاك: (يحول بين المرء وقلبه)، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته, وبين المؤمن وبين معصيته.

15893 - .

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب القمي, عن جعفر, عن سعيد بن جبير: (يحول بين المرء وقلبه)، يحول بين المؤمن والمعاصي, وبين الكافر والإيمان.

15894- .

.

.

.

قال، حدثنا عبيدة, عن إسماعيل, عن أبي صالح: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بينه وبين المعاصي.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحول بين المرء وعقله, فلا يدري ما يَعمل.

* ذكر من قال ذلك: 15895- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا عبد المجيد, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين المرء وعقله.

15896 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، حتى تركه لا يعقل.

15897 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

15898 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: هو كقوله " حال "، حتى تركه لا يعقل.

(61) 15899 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله, عن حميد, عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل.

15900 - قال: حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن خصيف, عن مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين قلب الكافر, وأن يعمل خيرًا.

* * * وقال آخرون: معناه: يحول بين المرء وقلبه، أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه.

* ذكر من قال ذلك: 15901- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، قال: يحول بين الإنسان وقلبه, فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره.

* ذكر من قال ذلك: 15902- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة في قوله: (يحول بين المرء وقلبه)، قال: هي كقوله: أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، [سورة ق: 16] .

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إن ذلك خبرٌ من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم, وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء, حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر, أو أن يَعِي به شيئًا, أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته.

وذلك أن " الحول بين الشيء والشيء "، إنما هو الحجز بينهما, وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه, (62) لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبَه إدراكَه سبيلٌ.

وإذا كان ذلك معناه, دخل في ذلك قول من قال: " يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان ", وقول من قال: " يحول بينه وبين عقله ", وقول من قال: " يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه "، لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه, لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما مُنِع إدراكه به على ما بيَّنتُ.

غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عم بقوله: ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، الخبرَ عن أنه يحول بين العبد وقلبه, ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء, والكلام محتمل كل هذه المعاني, فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له.

* * * وأما قوله: (وأنه إليه تحشرون)، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون، أيضًا، مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه: أنّ الله الذي يقدر على قلوبكم, وهو أملك بها منكم, إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة, (63) فيوفّيكم جزاء أعمالكم, المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته, فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه, وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم, فيوجب ذلك سَخَطَه, وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه.

------------------- الهوامش : (50) في المطبوعة والمخطوطة : " أما يحييكم " ، بإسقاط "ما " والجيد إثباتها .

(51) في المطبوعة : " الحياة والعفة " ، وهي في المخطوطة كما أثبتها غير منقوطة " الثاء " ، ثم زاد ناشرها أيضًا فأسقط من الكلام " والنجاة " ، وهذا من أسوأ العبث وأقبحه .

(52) الأثر : 15873 - سيرة ابن هشام 2 : 324 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15866.

(53) في المطبوعة والمخطوطة : " فيقال الذكر الجميل " ، وهو لا معنى له .

صوابه ما أثبت .

(54) انظر تفسير " الاستجابة " فيما سلف ص : 409 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

(55) في المطبوعة : " إذا دعاك " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(56) الأثر : : 15874 - سيأتي من طريق أخرى في الذي يليه .

" أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي " ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 12861 .

و " يزيد بن زريع العيشي " ، ثقة حافظ مضى مرارًا .

برقم : 1769 ، 2533 ، 5429 ، 5438 ، غيرها .

و " روح بن القاسم التميمي الطبري " ، ثقة ، مضى برقم 6613 .

و " العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، مولى الحرقة " ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 221 ، 14210 .

وأبوه : " عبد الرحمن بن يعقوب ، مولى الحرقة " ، تابعي ثقة .

مضى برقم : 14210 .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 2 : 412 ، 413 ، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم ، عن العلاء بن عبد الرحمن .

عن أبيه ، بنحوه ، مطولا .

ورواه الترمذي في " فضائل القرآن ، باب ما جاء في فضل الفاتحة " ، من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن العلاء ، بنحوه مطولا ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح" .

وفي الباب عن أنس بن مالك " .

وخرجه ابن كثير في تفسيره 1 : 22 ، 23 .

ثم انظر حديث البخاري ( الفتح 8 : 119 ، 231 ) ، وهو حديث أبي سعيد بن المعلى ، بنحو هذه القصة عن أبي بن كعب .

وقد فصل الحافظ ابن حجر هناك الكلام فيه ، وخرج حديث أبي بن كعب .

وانظر أيضًا الموطأ : 83 ، خبر مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب : أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز ، أخبره : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي ...

" بغير هذا السياق ، وما قاله فيه الحافظ ابن حجر ، وابن كثير في تفسيره ، حيث أشرنا إلى موضعه .

(57) هذا الذي بين القوسين ، ليس في المخطوطة ، زاده ناشر المطبوعة ، لا أدري من أين ؟

وفي الخبر سقط لا شك فيه ، ولكني لم أجد الخبر بنصه هذا .

(58) الأثر : 15875 - إسناد آخر للخبر السالف .

وقد خرجته هناك .

" خالد بن مخلد القطواني " ، ثقة من شيوخ البخاري ، وأخرج له مسلم " مضى مرارًا ، برقم : 2206 ، 4577 ، 8166 ، 8397 ، وغيرها .

و " محمد بن جعفر بن أبي كثير الزرقي " ، ثقة معروف ، مضى برقم : 2206 ، 8397 .

(59) الأثر : 15876 - " عبد الله بن عبد الله الرازي " ، " أبو جعفر الرازي " ، قاضي الري ، ثقة ، لا بأس .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 92 .

وهو غير " أبي جعفر الرازي التميمي " ، " عيسى بن ماهان " .

(60) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : " يحول بين المرء " ، ولو ظننت أنها : " يحول بين المؤمن " ، لكان في الذي سلف ما يرجحه .

(61) في المطبوعة : " قال : هي يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل " ، غير ما في المخطوطة كل التغيير ، لأنه لم يفهمه ، وهذا من أسوأ التصرف وأقبحه وأبعده من الأمانة .

وإنما أراد أن " يحول " مضارعًا ، بمعنى " حال " ماضيًا ، ولذلك قال " حتى تركه لا يعقل " .

فانظر أي فساد أدخله الناشر بلا ورع !

.

(62) انظر تفسير " المرء " فيما سلف 2 : 446 9 : 430 .

(63) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص 23 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف .

والاستجابة : الإجابة .

و يحييكم أصله يحييكم ، حذفت الضمة من الياء لثقلها .

ولا يجوز الإدغام .

قال أبو عبيدة : معنى استجيبوا أجيبوا ; ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام ، ويتعدى أجاب دون لام .

قال الله تعالى : ياقومنا أجيبوا داعي الله .

وقد يتعدى استجاب بغير لام ; والشاهد له قول الشاعر :وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيبتقول : أجابه وأجاب عن سؤاله .

والمصدر الإجابة .

والاسم الجابة ; بمنزلة الطاقة والطاعة .

تقول : أساء سمعا فأساء جابة .

هكذا يتكلم بهذا الحرف .

والمجاوبة والتجاوب : التحاور .

وتقول : إنه لحسن الجيبة بالكسر أي الجواب .

لما يحييكم متعلق بقوله : استجيبوا .

المعنى : استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم .

وقيل : اللام بمعنى إلى ، أي إلى ما يحييكم ، أي يحيي دينكم ويعلمكم .

وقيل : أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه ، وهذا إحياء مستعار ; لأنه من موت الكفر والجهل .

وقال مجاهد والجمهور : المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي ; ففيه الحياة الأبدية ، والنعمة السرمدية ، وقيل : المراد بقوله لما يحييكم الجهاد ، فإنه سبب الحياة في الظاهر ، لأن العدو إذا لم يغز غزا ; وفي غزوه الموت ، والموت في الجهاد الحياة الأبدية ; قال الله عز وجل : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء والصحيح العموم كما قال الجمهور .الثانية : روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ، ثم أتيته فقلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي .

فقال : ألم يقل الله عز وجل استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم وذكر الحديث وقد تقدم في الفاتحة .

وقال الشافعي رحمه الله : هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا [ ص: 349 ] أتي به في الصلاة لا تبطل ; لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجابة وإن كان في الصلاة .قلت : وفيه حجة لقول الأوزاعي : لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط في بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس .

والله أعلم .الثالثة : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه قيل : إنه يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان فيحول بين المرء الكافر وبين الإيمان الذي أمره به ، فلا يكتسبه إذ لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر .

وهكذا المؤمن يحول بينه وبين الكفر .

فبان بهذا النص أنه تعالى خالق لجميع اكتساب العباد خيرها وشرها .

وهذا معنى قوله عليه السلام : لا ، ومقلب القلوب .

وكان فعل الله تعالى ذلك عدلا فيمن أضله وخذله ; إذ لم يمنعهم حقا وجب عليه فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم .

قال السدي : يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا بإذنه ، ولا يكفر أيضا إلا بإذنه ; أي بمشيئته .

والقلب موضع الفكر .

وقد تقدم في " البقرة " بيانه .

وهو بيد الله ، متى شاء حال بين العبد وبينه بمرض أو آفة كيلا يعقل .

أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل .

وقال مجاهد : المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع .

وفي التنزيل : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أي عقل .

وقيل : يحول بينه وبينه بالموت ، فلا يمكنه استدراك ما فات .

وقيل : خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا ، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا .

وقيل : المعنى يقلب الأمور من حال إلى حال ; وهذا جامع .

واختيار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ; حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل .وأنه إليه تحشرون عطف .

قال الفراء : ولو استأنفت فكسرت : وأنه ، كان صوابا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة للّه وللرسول، أي‏:‏ الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ‏}‏ وصف ملازم لكل ما دعا اللّه ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية اللّه تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام‏.‏ ثم حذر عن عدم الاستجابة للّه وللرسول فقال‏:‏ ‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ‏}‏ فإياكم أن تردوا أمر اللّه أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء‏.‏ فليكثر العبد من قول‏:‏ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك‏.‏ ‏{‏وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ) يقول أجيبوهما بالطاعة ، ( إذا دعاكم ) الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ( لما يحييكم ) أي : إلى ما يحييكم .

قال السدي : هو الإيمان ، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان .

وقال قتادة : هو القرآن فيه الحياة وبه النجاة والعصمة في الدارين .

وقال مجاهد : هو الحق .

وقال ابن إسحاق : هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل .

وقال القتيبي : بل الشهادة قال الله تعالى في الشهداء : " بل أحياء عند ربهم يرزقون " ( آل عمران 169 ) .

وروينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، وهو يصلي ، فدعاه فعجل أبي في صلاته ، ثم جاء فقال رسول الله : " ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟

قال : كنت في الصلاة ، قال : أليس يقول الله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ؟

فقال : لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبت وإن كنت مصليا " .

قوله تعالى : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) قال سعيد بن جبير وعطاء : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإيمان .

وقال الضحاك : يحول بين الكافر والطاعة ، ويحول بين المؤمن والمعصية .

وقال مجاهد : يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل .

وقال السدي : يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه .

وقيل : هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت صدورهم فقيل لهم : قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه فيبدل الخوف أمنا والجبن جرأة .

( وأنه إليه تحشرون ) فيجزيكم بأعمالكم .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن حماد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله يكثر أن يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ، قالوا : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟

قال : " القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول» بالطاعة «إذا دعاكم لما يحييكم» من أمر الدين أنه سبب الحياة الأبدية «واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه» فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته «وأنه إليه تُحشرون» فيجازيكم بأعمالكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدِّقوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولا استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم لما يحييكم من الحق، ففي الاستجابة إصلاح حياتكم في الدنيا والآخرة، واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله تعالى هو المتصرف في جميع الأشياء، والقادر على أن يحول بين الإنسان وما يشتهيه قلبه، فهو سبحانه الذي ينبغي أن يستجاب له إذا دعاكم؛ إذ بيده ملكوت كل شيء، واعلموا أنكم تُجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي كلا بما يستحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - إلى المؤمنين نداء ثالثا أمرهم فيه بالاستجابة لتعاليمه ، وحذرهم من الأقوال والأعمال التى تكون سبباً فى عذابهم ، وذكرهم بجانب من منته عليهم ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين .

.

.

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ .

.

) هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف ، والاستجابة :الإِجابة .

.

.

قال الشاعر :وداع داع يا من يجيب إنى الندى ...

فلم يستجبه عند ذاك مجيبأى : فلم يجبه عند ذاك مجيب .وكان الإِمام القرطبى يرى أن السين والتاء فى قوله : " استجيبوا " زائدتان .ولعل الأحسن من ذلك أن تكون السين والتاء للطلب ، لأن الاستجابة هى الإِجابة بنشاط وحسن استعداد .وقوله ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ) أى لما يصلحكم من أعمال البر والخير والطاعة ، التى توصلكم متى تمسكتم بها إلى الحياة الكريمة الطيبة فى الدنيا ، وإلى السعادة التى ليس بعدها سعادة فى الآخرة .وهذا المعنى الذى ذكرناه لقوله ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ) أدق مما ذكره بعضهم من أن المراد بما يحييهم القرآن ، أو الجهاد ، أو العلم .

.

إلخ .وذلك ، لأن أعمال البر والخير والطاعة تشمل كل هذا .والمعنى : ( ياأيها الذين آمَنُواْ ) بالله حق الإِيمان ، ( استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) عن طواعية واختيار ، ونشاط وحسن استعداد ( إِذَا دَعَاكُم ) الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ) أى : إلى ما يصلح أحوالكم ، ويرفع درجاتكم ، من الأقوال النافعة ، والأعمال الحسنة ، التى بالتمسك بها تحيون حياة طيبة : وتظفرون بالسعادتين : الدنيوية والأخروية .والضمير فى قوله ( دَعَاكُم ) يعود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله ، ولأن فى الاستجابة له استجابة لله - تعالى - .قال - سبحانه - : ( مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله وَمَن تولى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) وقوله : ( وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ) تحذير لهم من الغفلة عن ذكر الله ، وبعث لهم على مواصلة الطاعة له - سبحانه -يَحُولُ .وقوله : ( يَحُولُ ) من الحول بين الشئ والشئ ، بمعنى الحجز والفصل بينهما .قال الراغب : أصل الحول تغير الشئ وانفصاله عن غيره ، وباعتبار التغير قيل حال الشئ يحول حولا واستحال تهيأ لأن يحول : وباعتبار الانفصال فيل حال بينى وبينك كذا أى فصل .

.هذا ، وللمفسرين فى معنى هذه الجملة الكريمة أقوال متعددة أهمها قولان :أما القول الأول فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول ابن جرير - : أنه - سبحانه - أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك شيئا من إيمان أو كفر ، أو أن يعى به شيئا ، أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته ، وذلك أن الحول بين الشئ والشئ إما هو الحجز بينهما ، وإذا حجز - جل ثناؤه - بين عبد وقلبه فى شئ أن يدركه أو يفهمه ، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل ، وإذا كان ذلك معناه دخل فى ذلك قول من قال : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإِيمان .وقول من قال : يحول بينه وبين عقله .

وقول من قال : يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه .

.

فالخبر على العموم حتى يخصصه ما يجب التسليم له .وقد رجح ابن جرير هذا القول بعد أن ذكر قبله بعض الأقوال الأخرى .وقال ابن كثير - بعد أن لخص القول الذى رجحه ابن جرير - : وقد وردت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله علي وسلم - يقول : " إن قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد ، يصرفها كيف شاء " ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك " .وروى : الإِمام أحمد والنسائى وابن ماجه عن النواس بن سمعان الكلابى قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين ، إذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه " .أما القول الثانى فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول الزمخشرى - " أنه - سبحانه - يميت المرء فتفوته الفرصة التى هى واجدها ، وهى التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ، ورده سليما كما يريده الله ، فاغتنموا هذه الفرصة ، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله .أو - كما يقول الفخر الرازى - بعبارة أوضح : " أن المراد أنه - تعالى - يحول بين المرء وبين ما يتماه ويريده بقلبه ، فإن الأجل يحول دون الأمل .

فكأنه قال : بادروا إلى الأعمال .

الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع فى قلوبكم من توقع طول البقاء ، فإن ذلك غير موثوق به ، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأمانى الحاصلة فى القلب ، لأن تسمية الشئ باسم ظرفه جائزة كقولهم : سال الوادى .والذى نراه أن القول الثانى أولى بالقبول ، لأن الآية الكريمة ساقته لحض المؤمنين على سرعة الاستجابة للحق الذى دعاهم إليه رسوله صلى الله عليه وسلم والذى باتباعه يحيون حياة طيبة ، وتذكيرهم بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب ، كما قال - تعالى - فى ختامها ( وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) .وليست مسوقة لإِثبات قدرة الله ، وأنه أملك لقلوب عباده منهم : وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء .فالمعنى الذى ذكره ابن جرير - وتابعه عليه ابن كثير وغيره ، معنى وجيه فى ذاته ، إذ لا ينكر أحد أن الله مقلب القلوب ومالكها .

.

ولكن ليس مناسبا هنا مناسبة المعنى الذى ذكره الزمخشرى والرازى .

لأن الآية الكريمة التى معنا والتى بعدها صريحتان فى دعوة المؤمنين إلى الاستجابة للحق قبل أن يفاجئهم الموت ، وقبل أن تحل بهم مصيبة لا تصيب الظالمين منهم خاصة .والمعنى الإِجمال للآية الكريمة ( ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) بعزيمة صادقة ، وسرعة فائقة ، ( إِذَا دَعَاكُم ) الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ) أى لما به تحيون حياة طيبة من الأقوال والأعمال الصالحة ( وَاعْلَمُواْ ) علما يقينا ( أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ) أى يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من شهوات الدنيا ومتعها : فكم من إنسان يؤمل أنه سيفعل كذا غدا ، وسيجمع كذا غدا ، وسيجمع كذا فى المستقبل ، وسيحصل على كذا قريبا .

.

ثم يحول الموت ويفصل بينه وبين آماله وأمانيه .

.

فبادروا إلى اغتنام الأعمال الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت .وقوله : ( وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) تذييل قصد به تذكيرهم بأهوال يوم القيامة .

والضمير فى قوله ( وَأَنَّهُ ) يعود إلى الله تعالى - أو هو ضمير الشأن .

أى : وأنه - سبحانه - إليه وحده ترجعون لا إلى غيره ، فيحاسبكم على ما قدمتم وما أختم ، ويجاز كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جمعت بين الترغيب .

فى العمل الصالح بسرعة ونشاط ، وبين الترهيب من التكاسل والغفلة عن طاعة الله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عبيد والزجاج ﴿ استجيبوا ﴾ معناه أجيبوا وأنشد قول الشاعر: فلم يستجبه عند ذاك مجيب *** المسألة الثانية: أكثر الفقهاء على أن ظاهر الأمر للوجوب، وتمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين: الوجه الأول: أن كل من أمره الله بفعل فقد دعاه إلى ذلك الفعل وهذه الآية تدل على أنه لابد من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه.

فإن قيل: قوله: ﴿ استجيبوا لِلَّهِ ﴾ أمر.

فلم قلتم: إنه يدل على الوجوب؟

وهل النزاع إلا فيه، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثبات أن الأمر للوجوب بناء على أن هذا الأمر يفيد الوجوب، وهو يقتضي إثبات الشيء بنفسه وهو محال.

والجواب: أن من المعلوم بالضرورة أن كل ما أمر الله به فهو مرغب فيه مندوب إليه، فلو حملنا قوله: ﴿ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ﴾ على هذا المعنى كان هذا جارياً مجرى إيضاح الواضحات وأنه عبث، فوجب حمله على فائدة زائدة، وهي الوجوب صوناً لهذا النص عن التعطيل، ويتأكد هذا بأن قوله تعالى بعد ذلك ﴿ واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ جار مجرى التهديد والوعيد، وذلك لا يليق إلا بالإيجاب.

الوجه الثاني: في الاستدلال بهذه الآية على ثبوت هذا المطلوب.

ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي قال كنت أصلي قال: ألم تخبر فيما أوحى إلي استجيبوا لله وللرسول فقال: لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك، والاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاه فلم يجبه لامه على ترك الإجابة، وتمسك في تقرير ذلك اللوم بهذه الآية فلولا دلالة هذه الآية على الوجوب، وإلا لما صح ذلك الاستدلال وقول من يقول مسألة أن الأمر يفيد الوجوب، مسألة قطعية، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد ضعيف، لأنا لا نسلم أن مسألة الأمر يفيد الوجوب مسألة قطعية، بل هي عندنا مسألة ظنية، لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية.

فإن قالوا: إنه تعالى ما أمر بالإجابة على الإطلاق بل بشرط خاص وهو قوله: ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ فلم قلتم إن هذا الشرط حاصل في جميع الأوامر؟

قلنا: قصة أبي بن كعب تدل على أن هذا الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة هاهنا على نفس الحياة.

لأن إحياء الحي محال.

فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا الله إليه ورغب فيه فهو مشتمل على ثواب، فكان هذا الحكم عاماً في جميع الأوامر وذلك يفيد المطلوب.

المسألة الثالثة: ذكروا في قوله: ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ وجوهاً: الأول: قال السدي: هو الإيمان والإسلام وفيه الحياة لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت  ﴾ قيل المؤمن من الكافر.

الثاني: قال قتادة: يعني القرآن أي أجيبوه إلى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة، وإنما سمي القرآن بالحياة لأن القرآن سبب العلم.

والعلم حياة، فجاز أن يسمى سبب الحياة بالحياة.

الثالث: قال الأكثرون: ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ هو الجهاد، ثم في سبب تسمية الجهاد بالحياة وجوه: أحدها: هو أن وهن أحد العدوين حياة للعدو الثاني.

فأمر المسلمين إنما يقوى ويعظم بسبب الجهاد مع الكفار.

وثانيها: أن الجهاد سبب لحصول الشهادة وهي توجب الحياة الدائمة قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ  ﴾ .

وثالثها: أن الجهاد قد يفضي إلى القتل، والقتل يوصل إلى الدار الآخرة، والدار الآخرة معدن الحياة.

قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدار الاخرة لَهِىَ الحيوان  ﴾ أي الحياة الدائمة.

والقول الرابع: ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ أي لكل حق وصواب، وعلى هذا التقدير فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة.

والمراد من قوله: ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ الحياة الطيبة الدائمة قال تعالى: ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ﴾ يختلف تفسيره بحسب اختلاف الناس في الجبر والقدر.

أما القائلون بالجبر، فقال الواحدي حكاية عن ابن عباس والضحاك: يحول بين المرء الكافر وطاعته، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته، فالسعيد من أسعده الله، والشقي من أضله الله.

والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، فإذا أراد الكافر أن يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه يحول بينه وبين قلبه.

وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد كفره حال بينه وبين قلبه.

قلت: وقد دللنا بالبراهين العقلية على صحة أن الأمر كذلك وذلك لأن الأحوال القلبية إما العقائد وإما الإرادات والدواعي.

أما العقائد: فهي إما العلم، وإما الجهل.

أما العلم فيمتنع أن يقصد الفاعل إلى تحصيله إلا إذا علم كونه علماً ولا يعلم ذلك إلا إذا علم كون ذلك الاعتقاد مطابقاً للمعلوم ولا يعلم ذلك إلا إذا سبق علمه بالمعلوم وذلك يوجب توقف الشيء على نفسه وأما الجهل فالإنسان البتة لا يختاره ولا يريده إلا إذا ظن أن ذلك الاعتقاد علم، ولا يحصل له هذا الظن إلا بسبق جهل آخر، وذلك أيضاً يوجب توقف الشيء على نفسه، وأما الدواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل يلزم الحدوث لا عن محدث، وإن كان بفاعل فذلك الفاعل إما العبد وإما الله تعالى، والأول باطل، وإلا لزم توقف ذلك القصد على قصد آخر وهو محال، فتعين أن يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدواعي هو الله تعالى، فنص القرآن دل على أن أحوال القلوب من الله، والدلائل العقلية دلت على ذلك، فثبت أن الحق ما ذكرناه.

أما القائلون بالقدر فقالوا: لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: قال الجبائي: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز، وأمر العاجز سفه، ولو جاز ذلك لجاز أن يأمرنا الله بصعود السماء، وقد أجمعوا على أن الزمن لا يؤمر بالصلاة قائماً، فكيف يجوز ذلك على الله تعالى؟

وقد قال تعالى: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ وقال في المظاهر: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً  ﴾ فأسقط فرض الصوم عمن لا يستطيعه.

الوجه الثاني: أن الله تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول.

وذكر هذا الكلام في معرض الذكر والتحذير عن ترك الإجابة، ولو كان المراد ما ذكرتم لكان ذلك عذراً قوياً في ترك الإجابة، ولا يكون زجراً عن ترك الإجابة.

الوجه الثالث: أنه تعالى أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار، لا ليكون حجة للكفار على الرسول، ولو كان المعنى ما ذكرتم لصارت هذه الآية من أقوى الدلائل للكفار على الرسول ولقالوا إنه تعالى لما منعنا من الإيمان فكيف يأمرنا به؟

فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر، قالوا ونحن نذكر في الآية وجوهاً: الأول: أن الله تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت، يعني بذلك أن تبادروا في الاستجابة فيما ألزمتكم من الجهاد وغيره قبل أن يأتيكم الموت الذي لابد منه ويحول بينكم وبين الطاعة والتوبة.

قال القاضي: ولذلك قال تعالى عقيبه ما يدل عليه وهو قوله: ﴿ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ والمقصود من هذه الآية الحث على الطاعة قبل نزول الموت الذي يمنع منها.

الثاني: أن المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه، فإن الأجل يحول دون الأمل، فكأنه قال: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء، فإن ذلك غير موثوق به، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأماني الحاصلة في القلب لأن تسمية الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم، سال الوادي.

الثالث: أن المؤمنين كانوا خائفين من القتال يوم بدر، فكأنه قيل لهم، سارعوا إلى الطاعة ولا تتمنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن، فإن الله تعالى يغير تلك الأحوال فيبدل الضعف بالقوة، والجبن بالشجاعة، لأنه تعالى مقلب القلوب.

الرابع: قال مجاهد: المراد من القلب هاهنا العقل فكان المعنى أنه يحول بين المرء وقلبه.

والمعنى فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون، فإنكم لا تؤمنون زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف.

وجعل القلب كناية عن العقل جائز، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ أي لمن كان له عقل.

الخامس: قال الحسن معناه، أن الله حائل بين المرء وقلبه، والمعنى أن قربه تعالى من عبده أشد من قرب قلب العبد منه، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لا يخفى عليه شيء مما في باطن العبد ومما في ضميره، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد  ﴾ فهذه جملة الوجوه المذكورة في هذا الباب لأصحاب الجبر والقدر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أي واعلموا أنكم إليه تحشرون أي إلى الله ولا تتركون مهملين معطلين، وفيه ترغيب شديد في العمل وتحذير عن الكسل والغفلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذَا دَعَاكُمْ ﴾ وحد الضمير كما وحده فيما قبله، لأن استجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كاستجابته، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، والمراد بالاستجابة.

الطاعة والامتثال.

وبالدعوة: البعث والتحريض.

وروى أبو هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟

قال: كنت أصلي.

قال: ألم تخبر فيما أوحي إليّ ﴿ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك» وفيه قولان، أحدهما: إن هذا مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والثاني أن دعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير، وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ من علوم الديانات والشرائع، لأن العلم حياة، كما أنّ الجهل موت.

ولبعضهم: لاَ تُعْجِبَنَّ الْجَهُولَ حُلَّتُه ** فَذَاكَ مَيْتٌ وَثَوْبُهُ كَفَنُ وقيل لمجاهدة الكفار، لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم، كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ [البقرة: 179] وقيل للشهادة، لقوله: ﴿ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ ﴾ [آل عمران: 169] .

﴿ واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ﴾ يعني أنه يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليماً كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله ﴿ واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة.

وقيل: معناه إنّ الله قد يملك على العبد قلبه فيفسخ عزائمه، ويغير نياته ومقاصده، ويبدله بالخوف أمناً وبالأمن خوفاً وبالذكر نسياناً، وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله تعالى.

فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا، والمجبرة على أنه يحول بين المرء والإيمان إذا كفر، وبينه وبين الكفر إذا آمن، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

وقيل معناه: أنه يطلع على كل ما يخطره المرء بباله، لا يخفي عليه شيء من ضمائره، فكأنه بينه وبين قلبه.

وقرئ: ﴿ بين المرّ ﴾ بتشديد الراء.

ووجهه أنه قد حذف الهمزة وألقى حركتها على الراء، كالخب، ثم نوى الوقف على لغة من يقول: مررت بعمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ﴾ بِالطّاعَةِ.

﴿ إذا دَعاكُمْ ﴾ وحَدَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِما سَبَقَ ولِأنَّ دَعْوَةَ اللَّهِ تُسْمَعُ مِنَ الرَّسُولِ.

وَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَرَّ عَلى أُبَيٌّ وهو يُصَلِّي فَدَعاهُ فَعَجَّلَ في صِلاتِهِ ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما مَنَعَكَ عَنْ إجابَتِي قالَ: كُنْتُ أصَلِّي، قالَ: « ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ» ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ﴾ .» واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ هَذا لِأنَّ إجابَتَهُ لا تَقْطَعُ الصَّلاةَ فَإنَّ الصَّلاةَ أيْضًا إجابَةٌ.

وقِيلَ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ لِأمْرٍ لا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ ولِلْمُصَلِّي أنْ يَقْطَعَ الصَّلاةَ لِمِثْلِهِ وظاهِرُ الحَدِيثِ يُناسِبُ الأوَّلَ.

﴿ لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ فَإنَّها حَياةُ القَلْبِ والجَهْلُ مَوْتُهُ.

قالَ: لا تَعْجَبَنَّ الجَهُولَ حِلَّتُهُ.

.

.

فَذاكَ مَيِّتٌ وثَوْبُهُ كَفَنُ أوْ مِمّا يُورِثُكُمُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ، أوْ مِنَ الجِهادِ فَإنَّهُ سَبَبُ بَقائِكم إذْ لَوْ تَرَكُوهُ لَغَلَبَهُمُ العَدُوُّ وقَتَلَهم، أوِ الشَّهادَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ .

﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ تَمْثِيلٌ لِغايَةِ قُرْبِهِ مِنَ العَبْدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى مَكْنُوناتِ القُلُوبِ مِمّا عَسى يَغْفُلُ عَنْهُ صاحِبُها، أوْ حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى إخْلاصِ القُلُوبِ وتَصْفِيَتِها قَبْلَ أنْ يَحُولَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ بِالمَوْتِ أوْ غَيْرِهِ، أوْ تَصْوِيرٌ وتَخْيِيلٌ لِتَمَلُّكِهِ عَلى العَبْدِ قَلْبَهُ فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ مَقاصِدَهُ ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إنْ أرادَ سَعادَتَهُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ إنْ قَضى شَقاوَتَهُ.

وقُرِئَ (بَيْنَ المَرِّ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الرّاءِ وإجْراءُ الوَصْلِ والوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يُشَدِّدُ فِيهِ.

﴿ وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} وحد الضمير أيضاً كما وحده فيما قبله لأن استجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم كاستجابته والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال وبالدعوة البعث والتحريض {لِمَا يُحْيِيكُمْ} من علوم الديانات والشرائع لأن العلم حياة كما أن الجهل موت كما قال الشاعر ...

لا تعجبنّ الجهول حلته ...

فذاك ميت وثوبه كفن ...

أو لمجاهدة الكافر لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم أو للشهادة لقوله تعالى بل أحياء عند ربهم {واعلموا أَنَّ الله يحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ} أى يميته فتفوته الفرصة التى هو واحدها وهى التمكن من اخلاص القلب فاغتموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله أو بينه وبين ما تمناه بقلبه من طول الحياة فيفسخ عزائمه {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} واعلموا أنكم إليه تحشرون فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ مَعَ وصْفِهِمْ بِنَعْتِ الإيمانِ لِتَنْشِيطِهِمْ إلى الإقْبالِ عَلى الِامْتِثالِ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّ فِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ﴾ بِحُسْنِ الطّاعَةِ ﴿ إذا دَعاكُمْ ﴾ أيِ: الرَّسُولُ إذْ هو المُباشِرُ لِدَعْوَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا ﴿ لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ أيْ: لِما يُورِثُكُمُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ أوْ مِنَ الجِهادِ الَّذِي أعَزَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ الذُّلِّ وقَوّاكم بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ ومَنَعَكم بِهِ مِن عَدُوِّكم بَعْدَ القَهْرِ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وإطْلاقُ ما ذُكِرَ عَلى العَقائِدِ والأعْمالِ وكَذا عَلى الجِهادِ، إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِإطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، وقالَ القُتَبِيُّ: المُرادُ بِهِ الشَّهادَةُ وهو مَجازٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الجَنَّةُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو العُلُومُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي هي مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ كَما أنَّ الجَهْلَ مَدارُ المَوْتِ الحَقِيقِيِّ، وهو اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَها الأُدَباءُ وعُلَماءُ المَعانِي.

ولِلزَّمَخْشَرِيِّ: لا تَعْجَبَنْ لِجَهُولٍ حُلَّتُهُ فَذاكَ مَيْتٌ وثَوْبُهُ كَفَنْ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ إجابَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا نادى أحَدًا وهو في الصَّلاةِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ ذَلِكَ لا يُبْطِلُها لِأنَّها أيْضًا إجابَةٌ، وحَكى الرُّويانِيُّ أنَّها لا تَجِبُ الصَّلاةُ بِها، وقِيلَ: إنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلاةَ إذا كانَ الدُّعاءُ لِأمْرٍ يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ كَما إذا رَأى أعْمى وصَلَ إلى بِئْرٍ ولَوْ لَمْ يُحَذِّرْهُ لَهَلَكَ، وأُيِّدَ القَوْلُ بِالوُجُوبِ بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو يُصَلِّي فَدَعاهُ فَعَجِلَ في صِلاتِهِ ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما مَنَعَكَ مِن إجابَتِي؟

قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي.

قالَ: ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ: ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ قالَ: بَلى.

ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ثُمَّ إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ هي السَّبْعُ المَثانِي»».

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ إجابَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا تَقْطَعُ الصَّلاةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ الدُّعاءَ كانَ لِأمْرٍ مُهِمٍّ لا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ، ولِلْمُصَلِّي أنْ يَقْطَعَ الصَّلاةَ لِمِثْلِهِ، وفِيهِ نَظَرٌ، ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ عُطِفَ عَلى اسْتَجِيبُوا، وأصْلُ الحَوْلِ كَما قالَ الرّاغِبُ تَغَيُّرُ الشَّيْءِ وانْفِصالُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وبِاعْتِبارِ التَّغَيُّرِ قِيلَ حالَ الشَّيْءُ يَحُولُ وبِاعْتِبارِ الِانْفِصالِ قِيلَ: حالَ بَيْنَهُما كَذا، وهَذا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى؛ فَهو مَجازٌ عَنْ غايَةِ القُرْبِ مِنَ العَبْدِ لِأنَّ مِن فَصَلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ كانَ أقْرَبَ إلى كُلٍّ مِنهُما مِنَ الآخَرِ؛ لِاتِّصالِهِ بِهِما وانْفِصالِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، فَمَعْنى يَحُولُ يُقَرِّبُ، ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو القُرْبُ، بَلِ ادُّعِيَ أنَّهُ الأنْسَبُ، وإرادَةُ هَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، فالآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ .

وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ مِن مَكْنُوناتِ القُلُوبِ عَلى ما قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ أصْحابُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ الحَثَّ عَلى المُبادَرَةِ إلى إخْلاصِ القُلُوبِ وتَصْفِيَتِها، فَمَعْنى يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ يُمِيتُهُ فَيَفُوتُهُ الفُرْصَةُ الَّتِي هو واجِدُها وهي التَّمَكُّنُ مِن إخْلاصِ القَلْبِ ومُعالَجَةِ أدْوائِهِ وعِلَلِهِ ورَدِّهِ سَلِيمًا كَما يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِإجابَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشارَ لَهم إلى اغْتِنامِ الفُرْصَةِ مِن إخْلاصِ القُلُوبِ لِلطّاعَةِ وشَبَّهَ المَوْتَ بِالحَيْلُولَةِ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ الَّذِي بِهِ يَعْقِلُ في عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِن عِلْمِ ما يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِتَمَكُّنِهِ تَعالى مِن قُلُوبِ العِبادِ فَيُصَرِّفُها كَيْفَ يَشاءُ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ صاحِبُها فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ مَقاصِدَهُ ويُلْهِمُهُ رُشْدَهُ ويُزِيغُ عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ قَلْبَهُ ويُبَدِّلُهُ بِالأمْنِ خَوْفًا وبِالذِّكْرِ نِسْيانًا، وذَلِكَ كَمَن حالَ بَيْنَ شَخْصٍ ومَتاعِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ دُونَهُ وهَذا كَما في حَدِيثِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وقَدْ «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ إكْثارِهِ الدُّعاءَ: يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ فَقالَ لَها: يا أُمَّ سَلَمَةَ إنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إلّا وقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعَ اللَّهُ تَعالى، فَمَن شاءَ أقامَ ومَن شاءَ أزاغَ».

ويُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ ويَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ والهُدى».

ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اقْتِصارٌ عَلى الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما أعْظَمُ مَدارٍ لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وإلّا فَهَذا مِن فُرُوعِ التَّمَكُّنِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ ولا يَخْتَصُّ أمْرُهُ بِما ذُكِرَ، وقَدْ حالَ سُبْحانَهُ بَيْنَ العَدْلِيَّةِ وبَيْنَ اعْتِقادِ هَذا فَعَدَلُوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وبَيَّنَ بَعْضُ الأفاضِلِ رَبْطَ الآياتِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا نَصَّ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّ الإسْماعَ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ تَسْجِيلًا عَلى أُولَئِكَ الصُّمِّ البُكْمِ مَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِما مَنَحَهم مِنَ الإيمانِ ويَسَّرَ لَهم مِنَ الطّاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لَسْتُمْ مِثْلَ أُولَئِكَ المَطْبُوعِينَ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ فَإنَّهم إنَّما امْتَنَعُوا عَنِ الطّاعَةِ لِأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لِلْكُفْرِ فَما تَيَسَّرَ لَهُمُ الِاسْتِجابَةُ، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، فَأنْتُمْ لَمّا مُنِحْتُمُ الإيمانَ ووُفِّقْتُمْ لِلطّاعَةِ فاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما فِيهِ حَياتُكم مِن مُجاهَدَةِ الكُفّارِ وطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ واغْتَنِمُوا تِلْكَ الفُرْصَةَ، واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ الطّاعَةِ ثُمَّ يُجازِيهِ في الآخِرَةِ بِالنّارِ، وتَلْخِيصُهُ: أوْلَيْتُكُمُ النِّعْمَةَ فاشْكُرُوها ولا تَكْفُرُوها لِئَلّا أُزِيلَها عَنْكُمُ اهـ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا دُعُوا إلى القِتالِ والجِهادِ وكانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ والقِلَّةِ خافَتَ قُلُوبُهم وضاقَتْ صُدُورُهم فَقِيلَ لَهُمْ: قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إذا دُعِيتُمْ، واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ فَيُبَدِّلُ الأمْنَ خَوْفًا والجُبْنَ جُرْأةً.

وقُرِئَ: (بَيْنَ المَرِّ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلَيْها وإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ﴿ وأنَّهُ ﴾ أيِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوِ الشَّأْنَ ﴿ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ لا إلى غَيْرِهِ فَيُجازِيكم بِحَسْبِ مَراتِبِ أعْمالِكُمُ الَّتِي لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها فَسارِعُوا إلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبالِغُوا في الِاسْتِجابَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ تُحْشَرُونَ إلَيْهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ فَيُجازِيكم فَلا تَأْلُوا جُهْدًا في انْتِهازِ الفُرْصَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في قُلُوبِكم في الدُّنْيا ولا مَهْرَبَ لَكم عَنْهُ في الآخِرَةِ فَسَلُوا الأمْرَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ ولا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِمُخالَفَتِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أشارَ في صَدْرِ الآيَةِ إلى أنَّ السَّعِيدَ مَن أسْعَدَهُ والشَّقِيَّ مَن أضَلَّهُ وأنَّ القُلُوبَ بِيَدِهِ يُقَلِّبُها كَيْفَما يَشاءُ ويَخْلُقُ فِيها الدَّواعِيَ والعَقائِدَ حَسْبَما يُرِيدُ خَتَمَها بِما يُفِيدُ أنَّ الحَشْرَ إلَيْهِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِ العِبادِ مَجْبُورِينَ خُلِقُوا مُثابِينَ مُعاقَبِينَ إمّا لِلْجَنَّةِ وإمّا لِلنّارِ لا يُتْرَكُونَ مُهْمَلِينَ مُعَطَّلِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى الجَبْرِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ، ولَيْسَ فِيها عِنْدَ مَن أنْصَفَ بَعْدَ التَّأمُّلِ أكْثَرُ مِنَ انْتِهاءِ الأُمُورِ بِالآخِرَةِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ، يعني: أجيبوا الله بالطاعة في أمر القتال، وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ إلى القتال أو غيره.

وإنّما قال: إِذا دَعاكُمْ ولم يقل: إذا دعواكم، لأن الدعوة واحدة، ومن يجب الرسول فقد أجاب الله تعالى.

قوله تعالى: لِما يُحْيِيكُمْ، يعني: القرآن الذي به حياة القلوب، ويقال لِما يُحْيِيكُمْ- أي أمر الحرب الذي يعزّكم ويصلحكم ويقويكم بعد الضعف (١) وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا فارس بن مردويه، عن محمد بن الفضل، عن أبي مطيع، عن حماد بن سلمة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: «يحول بين المؤمن ومعاصيه التي تسوقه وتجره إلى النار، ويحول بين الكافر وطاعته التي تجره إلى الجنة» (٢) يُرِيدُ المَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاه ...

وَيَأْبَى الله إلاَّ مَا أَرَادَا ويقال: يحال بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يعني: وأمله، لأن الأجل حال دون الأمل.

وقال سعيد بن جبير: «يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر» .

وقال مجاهد: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يعني: يدركه ولا يفعله.

ثم قال: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، يعني: في الآخرة، فتثابون بأعمالكم.

قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً قال مقاتل: نزلت الآية في شأن عليّ وطلحة والزبير.

قال الفقيه: حدثنا عمر بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر الواسطي قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً قال: نزلت في شأن أصحاب محمد  .

قال: حدثنا عمر بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر الواسطي قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية، عن السدي، عن المعلى، عن أبي ذرّ: أن عمر أخذ بيده يوماً فغمزها، فقال: خل عني يا قفل الفتنة.

فقال عمر: ما قولك قفل الفتنة؟

قال: إنك جئت ذات يوم فجلست آخر القوم، فقال النبي  : «لا تُصِيبَنَّكُمْ فِتنْةٌ مَا دَامَ هذا فِيكُمْ» .

وروي عن عليّ  أنه قال: «جعلت أنا وعثمان (٣) 18] .

ثم قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، أي: لمن وقع في الفتنة.

ثم ذكرهم النعم فقال: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ، يعني واحفظوا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلاً في العدد وهم المهاجرون والأنصار، مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ يعني: مقهورون في أرض مكة.

تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ، يعني: يختلسكم الناس ويذهب بكم الكفار- وهم أهل فارس والروم (٤) ثم قال: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، يعني: الحلال، وهو الغنيمة.

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يعني لكي تشكروا الله وتطيعوه وتعرفوا ذلك منه.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) عزاه السيوطي 4/ 44 إلى ابن شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.

(٣) في النسخة «أ» و «عمر» بدل و «عثمان» .

(٤) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون «إذْ» ظرفاً للذِّكْر.

وإِنما يعمل الذِّكْرُ في «إذْ» لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية.

فقَالَتْ فرقَةٌ وهي الأكثر: هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى: المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر: وَقْعَةُ بَدْرٍ وما انجر معها في وقتها، والطيبات: الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة: الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا: عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر: هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، والطّيّبات: الغنيمة.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ:

التنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل: هي في تنقّص أوامره في سِرٍّ.

وقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ.

قال الطبريُّ «١» : يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ كأنه قال: لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى: لا تخونوا اللَّه والرسول فذلك خيانةٌ لأماناتكم.

وقوله: فِتْنَةٌ

، يريد: محنةً واختبارا وامتحانا ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك.

وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

، يريد: فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإِن المذخور للآخرة أعظم أجرا.

قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ...

الآية: وعْدٌ للمؤمنين بشرط

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَجِيبُوا ﴾ أيْ: أجِيبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا دَعاكُمْ ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ (لِما يُحْيِيكُمْ) وفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الَّذِي يُحْيِيكُمْ: كُلُّ ما يَدْعُو الرَّسُولُ إلَيْهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي أفْرادِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنْتُ أصْلِّي في المَسْجِدِ، فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ  ، فَلَمْ أجِبْهُ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أصْلِّي، فَقالَ "ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: اسْتَجِيبُوا لَلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ؟" قُلْتُ: بَلى، ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ.» والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ، رَواهُ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإيمانُ، رَواهُ ورْقاءُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اتِّباعُ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ الجِهادُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الجِهادُ الَّذِي يُحْيِي دِينَهم ويُعْلِيهِمْ.

والسّادِسُ: أنَّهُ إحْياءُ أُمُورِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَيَخْرُجُ في إحْيائِهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها أنَّهُ إصْلاحُ أُمُورِهِمْ في الدُّنْيا والآَخِرَةِ.

والثّانِي: بَقاءُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ لَهم في الدُّنْيا، وحَياةِ الأبَدِ في الآَخِرَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ دَوامُ نَعِيمِهِمْ في الآَخِرَةِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ كَوْنُهم مُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الكافِرَ كالمَيِّتِ.

والخامِسُ: أنَّهُ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وهو عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو الجِهادُ، لِأنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، ولِأنَّ الجِهادَ يُعِزُّهم بَعْدَ ذُلِّهِمْ، فَكَأنَّهم صارُوا بِهِ أحْياءً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ وفِيهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ الكُفْرِ، وبَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ مَعْصِيَتِهِ، وبَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ طاعَتِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حَتّى لا يَتْرُكَهُ يَعْقِلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ، فَبادِرُوا الأعْمالَ، فَإنَّكم تَأْمَنُونَ زَوالَ العُقُولِ، فَتَحْصُلُونَ عَلى ما قَدَّمْتُمْ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هو قَرِيبٌ مِنَ المَرْءِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سِرِّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ  ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والخامِسُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، فَلا يَسْتَطِيعُ إيمانًا ولا كُفْرًا إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ هَواهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّابِعُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ ما يَتَمَنّى بِقَلْبِهِ مِن طُولِ العُمْرِ والنَّصْرِ وغَيْرِهِ.

والثّامِنُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِالمَوْتِ، فَبادِرُوا الأعْمالَ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

والتّاسِعُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِعَمَلِهِ، فَلا يُضْمِرُ العَبْدُ شَيْئًا في نَفْسِهِ إلّا واللَّهُ عالِمٌ بِهِ، لا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيبِهِ عَنْهُ.

والعاشِرُ: يَحُولُ بَيْنَ ما يُوقِعُهُ في قَلْبِهِ مِن خَوْفٍ أوْ أمْنٍ، فَيَأْمَنُ بَعْدَ خَوْفِهِ، ويَخافُ بَعْدَ أمْنِهِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذِهِ الأقْوالِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وَحَكى الزَّجّاجُ أنَّهم لَمّا فَكَّرُوا في كَثْرَةِ عَدْوِهِمْ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَدَخَلَ الخَوْفُ قُلُوبَهم، أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يُبْدِلَهُ بِالخَوْفِ الأمْنَ، ويُبْدِلُ عَدُوَّهُ بِالقُوَّةِ الضَّعْفَ؛ وقَدْ أعْلَمَتْ هَذِهِ الآَيَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُقَلِّبُ لَلْقُلُوبِ، المُتَصَرِّفُ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أيْ: لَلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الصُمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ المَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ هَذِهِ الصَنِيفَةَ العاتِيَةَ مِنَ الكُفّارِ هي شَرُّ الناسِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّها أخَسُّ المَنازِلِ لَدَيْهِ، وعَبَّرَ بِالدَوابِّ لِيَتَأكَّدَ ذَمُّهم ولِيُفَضَّلَ عَلَيْهِمُ الكَلْبُ العَقُورُ والخِنْزِيرُ ونَحْوُهُما مِنَ السَبُعِ والخَمْسِ الفَواسِقِ وغَيْرِها.

والدَوابُّ: كُلُّ ما دَبَّ فَهو يَعُمُّ الحَيَوانَ بِجُمْلَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصُمُّ البُكْمُ ﴾ عِبارَةٌ عَمّا في قُلُوبِهِمْ وقِلَّةِ انْشِراحِ صُدُورِهِمْ وإدْراكِ عُقُولِهِمْ، فَلِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُمِّ والبُكْمِ وسَلَبَ العَقْلَ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدارِ، وظاهِرُها العُمُومُ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوصافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَمْعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ ﴾ ، والمُرادُ: لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفْهِيمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عنهم بِما هم عَلَيْهِ مِن حَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ أسْمَعَهُمْ ﴾ أيْ: ولَوْ أفْهَمَهم ﴿ لَتَوَلَّوْا ﴾ بِحُكْمِ القَضاءِ السابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتِ:المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُنافِقُونَ، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ﴾ الآيَةُ، هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِلا خِلافٍ، و ﴿ اسْتَجِيبُوا ﴾ بِمَعْنى أجِيبُوا، ولَكِنْ عُرْفُ الكَلامِ أنْ يَتَعَدّى "اسْتَجابَ" بِلامٍ ويَتَعَدّى "أجابَ" دَوْنَ لامٍ، وقَدْ يَجِيءُ تَعَدِّي "اسْتَجابَ" بِغَيْرِ لامٍ، والشاهِدُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدا ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿ لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى: لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وهَذا إحْياءٌ مُسْتَعارٌ، لِأنَّهُ مِن مَوْتِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ ويَضْعُفُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن آمَنَ لا يُقالُ لَهُ: ادْخُلْ في الإسْلامِ.

وقِيلَ: ﴿ لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لِلْحَرْبِ وجِهادِ العَدُوِّ، وهو يُحْيِي بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ والظَفَرِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ حَياةً، كَما تَقُولُ: حَيِيَتْ حالُ فُلانٍ إذا ارْتَفَعَتْ، ويُحْيِي أيْضًا كَما يُحْيِي الإسْلامُ والطاعَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الحَياةِ الدائِمَةِ في الآخِرَةِ.

وقالَ النَقّاشُ: المُرادُ: إذا دَعاكم لِلشَّهادَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ صِلَةُ حَياةِ الدُنْيا بِحَياةِ الآخِرَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، مِنها أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالِاسْتِجابَةِ في الطاعَةِ حَضَّهم عَلى المُبادَرَةِ والِاسْتِعْجالِ، فَقالَ: واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِالمَوْتِ والقَبْضِ، أيْ: فَبادِرُوا بِالطاعاتِ، ويَلْتَئِمُ مَعَ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، أيْ فَبادِرُوا بِالطاعاتِ وتَزَوَّدُوها لِيَوْمِ الحَشْرِ.

ومِنها أنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ إعْلامَهم أنَّ قُدْرَةَ اللهِ وإحاطَتَهُ وعِلْمَهُ والِجَةٌ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حاصِلَةٌ هُناكَ حائِلَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا المَعْنى يَحُضُّ عَلى المُراقَبَةِ والخَوْفِ لِلَّهِ المُطَّلِعِ عَلى الضَمائِرِ، ويُشْبِهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ  ﴾ ، حُكِيَ هَذا التَأْوِيلُ عن قَتادَةَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْوِيفَهم إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا الطاعاتِ ويَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ بِما حَلَّ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أرادَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ، لِأنَّ حَتْمَهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَوْ سَمِعُوا وفَهِمُوا لَمْ يَنْتَفِعُوا، يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ كانَ حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُلُوبِهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الأُخْرى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولا تَأْمَنُوا إنْ تَفْعَلُوا أنْ يَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الحَوْلِ بَيْنَهم وبَيْنَ قُلُوبِهِمْ، فَنَبَّهَ عَلى ما جَرى عَلى الكُفّارِ بِأبْلَغِ عِبارَةٍ وأعْلِقِها بِالنَفْسِ.

ومِنها أنْ يَكُونَ المَعْنى تَرْجِيَةً لَهم بِأنَّ اللهَ يُبَدِّلُ الخَوْفَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ مِن كَثْرَةِ العَدُوِّ فَيَجْعَلُهُ جُرْأةً وقُوَّةً، وبِضِدِّ ذَلِكَ الكُفّارُ، فَإنَّ اللهَ هو مُقَلِّبُ القُلُوبِ كَما كانَ قَسَمُ النَبِيِّ  ، قالَ بَعْضُ الناسِ: ومِنهُ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ" أيْ: لا حَوْلَ عَلى مَعْصِيَةٍ ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةٍ إلّا بِاللهِ.

وَقالَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ أقْوالًا هي أجْنَبِيَّةٌ مِن ألْفاظِ الآيَةِ حَكاها الطَبَرِيُّ، مِنها أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وبَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، ونَحْوِ هَذا.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "بَيْنَ المِرْءِ" بِكَسْرِ المِيمِ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَرَأ الحَسَنُ والزُبَيْدِيُّ: "بَيْنَ المَرِّ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ.

و ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

ورُوِيَ عن طَرِيقِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ والنَسائِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  دَعا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وهو في الصَلاةِ فَلَمْ يُجِبْ وأسْرَعَ في بَقِيَّةِ صَلاتِهِ، فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : أما سَمِعْتَ فِيما يُوحى إلَيَّ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ فَقالَ أُبَيٌّ: لا جَرَمَ يا رَسُولَ اللهِ، لا تَدْعُونِي أبَدًا إلّا أجَبْتُكَ،» الحَدِيثُ بِطُولِهِ واخْتِلافِ ألْفاظِهِ.

وفي البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ مَعَ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى، ورُوِيَ أنَّهُ وقَعَ نَحْوُهُ مَعَ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}.

إعادة لمضمون قوله: ﴿ يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 20] الذي هو بمنزلة النتيجة من الدليل أو مقصد الخطبة من مقدمتها كما تقدم هنالك.

فافتتاح السورة كان بالأمر بالطاعة والتقوى، ثم بيان أن حق المؤمنين الكُمّل أن يخافوا الله ويطيعوه ويمتثلوا أمره وإن كانوا كارهين، وضرب لهم مثلاً بكَراهتهم الخروج إلى بدر، ثم بكراهتهم لقاء النفير وأوقفهم على ما اجتنوه من بركات الامتثال وكيف أيدهم الله بنصره ونصب لهم عليه أمارة الوعد بإمداد الملائكة؛ لتطمئن قلوبهم بالنصر وما لطف بهم من الأحوال، وجعل ذلك كله إقناعاً لهم بوجوب الثبات في وجه المشركين عند الزحف ثم عاد إلى الأمر بالطاعة وحذرهم من أحوال الذين يقولون سمعنا وهم لا يسمعون، وأعقب ذلك بالأمر بالاستجابة للرسول إذا دعاهم إلى شيء، فإن في دعوته إياهم إحياء لنفوسهم وأعلمهم أن الله يكسب قلوبهم بتلك الاستجابة قوى قدسية.

واختير في تعريفهم، عند النداء، وصفُ الإيمان ليوميء إلى التعليل كما تقدم في الآيات من قبل، أي أن الإيمان هو الذي يقتضي أن يثقوا بعناية الله بهم فيمتثلوا أمره إذا دعاهم.

والاستجابة: الإجابة، فالسين والتاء فيها للتأكيد، وقد غلب استعمال الاستجابة في إجابة طلب معيّن أو في الأعم، فأما الإجابة فهي إجابة لنداء وغلب أن يُعدى باللام إذا اقترن بالسين والتاء، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ في [آل عمران: 195].

(وإعادة حرف بعد واو العطف في قوله: ﴿ وللرسول ﴾ للإشارة إلى استقلال المجرور بالتعلق بفعل الاستجابة، تنبيهاً على أن استجابة الرسول صلى الله عليه وسلم أعم من استجابة الله لأن الاستجابة لله لا تكون إلاّ بمعنى المجاز وهو الطاعة بخلاف الاستجابة للرسول عليه الصلاة والسلام فإنها بالمعنى الأعم الشامل للحقيقة وهو استجابة ندائِه، وللمجاز وهو الطاعة فأريد أمرهم بالاستجابة للرسول بالمعنيين كلما صدرت منه دعوة تقتضي أحدهما.

ألا ترى أنه لم يُعَد ذكر اللام في الموقع الذي كانت فيه الاستجابة لله والرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى واحد، وهو الطاعة، وذلك قوله تعالى: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ﴾ [آل عمران: 172] فإنها الطاعة للأمر باللحاق بجيش قريش في حمراء الأسد بعد الانصراف من أُحد، فهي استجابة لدعوة معينة.

وإفراد ضمير ﴿ دعاكم ﴾ لأن الدعاء من فعل الرسول مباشرة، كما أفرد الضمير في قوله: ﴿ ولا تَولوا عنه ﴾ [الأنفال: 20] وقد تقدم آنفاً.

وليس قوله: ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ قيْداً للأمر باستجابة، ولكنه تنبيه على أن دعاءه إياهم لا يكون إلاّ إلى ما فيه خير لهم وإحياء لأنفسهم.

واللام في ﴿ لما يحييكم ﴾ لام التعليل أي دعاكم لأجل ما هو سبب حياتكم الروحية.

والإحياء تكوين الحياة في الجسد، والحياة قوة بها يكون الإدراك والتحرك بالاختيار ويُستعار الإحياء تبعاً لاستعارة الحياة للصفة أو القوة التي بها كمال موصوفها فيما يراد منه مثل حياة الأرض بالإنبات وحياة العقل بالعلم وسداد الرأي، وضدها الموت في المعاني الحقيقية والمجازية، قال تعالى: ﴿ أمواتٌ غير أحياء ﴾ [النحل: 21] ﴿ أوَ من كان ميتاً فأحييناه ﴾ وقد تقدم في سورة [الأنعام: 122].

والإحياء والإماتة تكوين الحياة والموت.

وتستعار الحياة والإحياء لبقاء الحياة واستبقائها بدفع العوادي عنها ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ [البقرة: 179] ﴿ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ﴾ [المائدة: 32].

والإحياء هذا مستعار لما يشبه إحياء الميت، وهو إعطاء الإنسان ما به كمال الإنسان، فيعم كل ما به ذلك الكمالُ من إنارة العقول بالاعتقاد الصحيح والخُلق الكريم، والدلالة على الأعمال الصالحة وإصلاح الفرد والمجتمع، وما يتقوم به ذلك من الخلال الشريفة العظيمة، فالشجاعة حياة للنفس، والاستقلال حياة، والحرية حياة، واستقامة أحوال العيش حياة.

ولما كان دعاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخلوا عن إفادة شيء من معاني هذه الحياة أمَر الله الأمة بالاستجابة له، فالآية تقتضي الأمر بالامتثال لما يدعو إليه الرسول سواء دعَا حقيقة بطلب القدوم، أم طلَب عمَلاً من الأعمال، فلذلك لم يكن قيدُ ﴿ لما يحييكم ﴾ مقصوداً لتقييد الدعوة ببعض الأحوال بل هو قيد كاشف، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدعوهم إلاّ وفي حضورهم لديْه حياةٌ لهم، ويكشف عن هذا المعنى في قيد ﴿ لما يحييكم ﴾ ما رواه أهل الصحيح عن أبي سعيد بننِ المُعَلى، قال: كنتُ أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ثم أتيتُه فقلت يا رسول الله إني كنتُ أصلي فقال: ألم يقل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ ثم قال: ألا أعلمك صورة الحديث في فضل فاتحة الكتاب، فوقْفُه على قوله: ﴿ إذا دعاكم ﴾ يدل على أن ﴿ لِما يحييكم ﴾ قيدٌ كاشف وفي «جامع الترمذي» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبيّ بن كعب فقال: يا أبيّ وهو يصلي فالتفت أبَيّ ولم يجبه وصلى أبيّ فخفف ثم انصرف إلى رسول الله فقال: السلامُ عليك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك السلام ما منَعك يا أبيّ أن تجيبني إذْ دعوتك فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة فقال: أفلم تجد فيما أوحي إلي أن استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم قال: بَلَى ولا أعود إن شاء الله» الحديثَ بمثل حديث أبي سعيد بن المعلى قال ابن عطية: وهو مروي أيضاً من طريق مالك بن أنس (يريد حديث أبيّ بن كعب وهو عند مالك حضر منه عند الترمذي) قال ابن عطية وروي أنه وقع نحوُه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق، فتكون عدة قضايا متماثلة ولا شك أن القصد منها التنبيهُ على هذه الخصوصية لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم مقتضى ارتباط نظم الكلام يوجب أن يكون مضمونُ هذه الجملة مرتبطاً بمضمون الجملة التي قبلها فيكون عطفها عليها عطف التكملة على ما تُكمّلُه، والجملتان مجعولتان آية واحدة في المصحف.

وافتتحت الجملة باعلموا؛ للاهتمام بما تتضمنه وحث المخاطبين على التأمل فيما بعدَه، وذلك من أساليب الكلام البليغ أن يفتتح بعض الجمل المشتملة على خبر أوْ طلببِ فهم باعْلم أو تَعَلمْ لَفتاً لذهن المخاطب.

وفيه تعريض غالباً بغفلة المخاطب عن أمر مهم فمن المعروف أن المخبر أو الطالب ما يريد إلاّ علمَ المخاطب فالتصريح بالفعل الدال على طلب العلم مقصود للاهتمام، قال تعالى: ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيمٌ ﴾ [المائدة: 196] وقال ﴿ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ ﴾ [الحديد: 20] الآية وقال في الآية، بعد هذه ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ [الأنفال: 25] وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي مسعود الأنصاري وقد رآه يضرب عبداً له «أعلم أبَا مسعود اعْلَم أبا مسعود: أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» وقد يفتتحون بتَعَلّم أو تَعَلَمَنَّ قال زهير: قلتُ تعلَّمْ أن للصيد غرة *** وإلاّ تُضَيِّعْها فإِنك قاتلُه وقال زياد بن سَيّار: تَعلّمْ شفاء النفس قَهرُ عدوها *** فبالغْ بلطف في التحيُّل والمكر وقال بشر بن أبي خازم: وإلاّ فاعلموا أنّا وأنتُم *** بُغاةٌ ما بَقينا في شقاق و ﴿ أن ﴾ بعد هذا الفعل مفتوحة الهمزة حيثما وقعت، والمصدر المؤول يسُدّ مسدّ مفعولي عَلم مع إفادة (أن) التأكيد.

والحَوْل، ويقال الحُؤُل: منع شيء اتصالاً بين شيئين أو أشياء قال تعالى: ﴿ وحالَ بينهما المَوج ﴾ [هود: 43].

وإسناد الحول إلى الله مجاز عقلي لأن الله منزه عن المكان، والمعنى يحولُ شأنٌ من شؤون صفاتِه، وهو تعلق صفة العلم بالإطلاع على ما يضمره المرء أو تعلق صفة القدرة بتنفيذ ما عزم عليه المرءُ أو بصرفه عن فعله، وليس المرادُ بالقلب هنا البضعة الصنوبرية المستقرة في باطن الصدر، وهي الآلة التي تدفع الدم إلى عروق الجسم، بل المراد عقل المرء وعزْمه، وهو إطلاق شائع في العربية.

فلما كان مضمون هذه الجملة تكملة لمضمون الجملة التي قبلها يجوز أن يكون المعنى: واعلموا أن علم الله يخلُص بين المرء وعقله خُلوص الحائِللِ بين شيئين فإنه يكون شديد الاتصال بكليهما.

والمراد ب ﴿ المرء ﴾ عمله وتصرفاته الجسمانية.

فالمعنى: أن الله يعلم عزم المرء ونِيّته قبل أن تنفعل بعزمه جوارحُه، فشبه علم الله بذلك بالحائِل بين شيئين في كونه أشد اتصالاً بالمحول عنه من أقرب الأشياء إليه على نحو قوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد.

وجيء بصيغة المضارع يحول } للدلالة على أن ذلك يتجدد ويستمر، وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ [ق: 16] قاله قتادة.

والمقصود من هذا تحذير المؤمنين من كل خاطر يخطر في النفوس: من التراخي في الاستجابة إلى دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم والتنصل منها، أو التستر في مخالفته، وهو معنى قوله: ﴿ واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ﴾ [البقرة: 235].

وبهذا يظهر وقع قوله: ﴿ وأنه إليه تحشرون ﴾ عقبه فكان ما قبله تحذيراً وكان هو تهديداً وفي «الكشاف»، و«ابن عطية»: قيل إن المراد الحث على المبادرة بالامتثال وعدم إرجاء ذلك إلى وقت آخر خشية أن تعترض المرءَ موانع من تنفيذ عزمه على الطاعة أي فيكون الكلام على حذف مضاف تقديره: إن أجَل الله يحول بين المرء وقلبه، أي بين عمله وعزمه قال تعالى: ﴿ وأنْفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدَكم الموتُ ﴾ [المنافقون: 10] الآية.

وهنالك أقوال أخرى للمفسرين يحتملها اللفظ ولا يساعد عليها ارتباط الكلام والذي حملنا على تفسير الآية بهذا دون ما عداه أن ليس في جملة: ﴿ أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ إلاّ تعلق شأن من شؤون الله بالمرء وقلبه أي جثمانه وعقله دون شيء آخر خارج عنهما، مثل دعوة الإيمان ودعوة الكفر، وأن كلمة ﴿ بين ﴾ تقتضي شيئين فما يكون تحول إلاّ إلى أحدهما لا إلى أمر آخر خارج عنهما كالطبائِع، فإن ذلك تحويل وليس حُؤلاً.

وجملة: ﴿ وأنه إليه تحشرون ﴾ عطف على ﴿ أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ والضمير الواقع اسم (أن) ضمير اسم الجلالة، وليس ضمير الشأن لعدم مناسبته، ولإجراء أسلوب الكلام على أسلوب قوله: ﴿ أن الله يحول ﴾ الخ.

وتقديم متعلق ﴿ تُحشرون ﴾ عليه لإفادة الاختصاص أي: إليه إلى غيره تحشرون، وهذا الاختصاص للكناية عن انعدام ملجإٍ أو مَخْبَإٍ تلتجئون إليه من الحشر إلى الله فكني عن انتفاء المكان بانتفاء محشورٍ إليْه غير الله بأبدع أسلوب، وليس الاختصاص لرد اعتقادٍ، لأن المخاطبين بذلك هم المؤمنون، فلا مقتضى لقصر الحشر على الكون إلى الله بالنسبة إليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ﴾ يَعْنِي أجِيبُوا اللَّهَ والرَّسُولَ قالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَوِيُّ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وَإجابَةُ اللَّهِ تَعالى هي طاعَةُ أمْرِهِ، وإنَّما خَرَجَتْ عَنْ هَذا اللَّفْظِ لِأنَّها في مُقابَلَةِ الدُّعاءِ إلَيْها فَصارَتْ إجابَةً لَها.

﴿ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إذا دَعاكم إلى الإيمانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: إذا دَعاكم إلى الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: إذا دَعاكم إلى ما في القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: إذا دَعاكم إلى الحَرْبِ وجِهادِ العَدُوِّ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والخامِسُ: إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ دَوامُ حَياتِكم في الآخِرَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والسّادِسُ: إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ إحْياءُ أمْرِكم في الدُّنْيا، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ عَلى عُمُومِ الدُّعاءِ فِيما أمَرَهم بِهِ.

رَوى العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى أُبَيٍّ وهو قائِمٌ يُصَلِّي فَصَرَخَ بِهِ قالَ: (يا أُبَيُّ قالَ فَعَجَّلَ في صَلاتِهِ، ثُمَّ جاءَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (ما مَنَعَكَ إذْ دَعَوْتُكَ أنْ تُجِيبَنِي؟

قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أُصَلِّي، فَقالَ: (ألَمْ تَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أعُودُ.

» ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، وبَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.

والثّانِي: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ فَلا يَدْرِي ما يَعْمَلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ أنْ يَقْدِرَ عَلى إيمانٍ أوْ كُفْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّهُ قَرِيبٌ مِن قَلْبِهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سِرِّهِ أوْ جَهْرِهِ فَصارَ أقْرَبَ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهَذا تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: مَعْناهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِالمَوْتِ فَلا يَقْدِرُ عَلى اسْتِدْراكِ فائِتٍ.

ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والسّادِسُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وما يَتَمَنّاهُ بِقَلْبِهِ مِنَ البَقاءِ وطُولِ العُمْرِ والظَّفَرِ والنَّصْرِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والسّابِعُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وما يُوقِعُهُ في قَلْبِهِ مِن رُعْبٍ وخَوْفٍ أوْ قُوَّةٍ وأمْنٍ، فَيَأْمَنُ المُؤْمِنُ مِن خَوْفِهِ، ويَخافُ الكافِرُ عَذابَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ قال: هو هذا القرآن فيه الحياة والتقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة.

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ أي للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإِيمان وطاعة الله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ يحول بين المرء وقلبه ﴾ قال «يحول بين المؤمن والكفر، ويحول بين الكافر وبين الهدى» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ قال: يحول بين الكافر وبين أن يعي باباً من الخير أو يعمله أو يهتدي له.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ قال: علمه يحول بين المرء وقلبه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غالب الخلجي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله: ﴿ يحول بين المرء وقلبه ﴾ قال: يحول بين المؤمن وبين معصيته التي تستوجب بها الهلكة، فلا بد لابن آدم أن يصيب دون ذلك، ولا يدخل على قلبه الموبقات التي يستوجب بها دار الفاسقين، ويحول بين الكافر وبين طاعته ما يستوجب ما يصيب أولياءه من الخير شيئاً، وكان ذلك في العلم السابق الذي ينتهي إليه أمر الله تعالى، وتستقر عنده أعمال العباد.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي غالب قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله: ﴿ يحول بين المرء وقلبه ﴾ قال: قد سبقت بها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وصف لهم عن القضاء قال لعمر رضي الله عنه وغيره ممن سأله من أصحابه «اعمل فكل ميسر.

قال: وما ذاك التيسير؟

قال: صاحب النار ميسر لعمل النار، وصاحب الجنة ميسر لعمل الجنة» .

وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أنه سمع غلاماً يدعو: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه فحل بيني وبين الخطايا فلا أعمل بسوء منها.

فقال عمر رضي الله عنه: رحمك الله، ودعا له بخير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يحول بين المرء وقلبه ﴾ قال: في القرب منه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ ، قال ابن عباس: أجيبوا لله وللرسول بالطاعة (١)  إليه (٢) (٣) قال أبو عبيدة والزجاج: معنى استجيبوا: أجيبوا (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ قال السدي: هو الإيمان والإسلام، وفيه الحياة (٦) ﴿ يُخْرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ (٧) (٨) (٩) والأكثرون على أن معنى قوله: ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ هو الجهاد (١٠) (١١) (١٢) قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق: أي لما يكون سببًا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة (١٥) وقال ابن قتيبة: ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ يعني الشهادة؛ لأن الشهداء ﴿ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ (١٦) (١٧) وحكى أبو علي الجرجاني في قوله: ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ يعني الجنة، واحتج بأن الحياة الدائمة النافعة حياة الجنة كقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ  ﴾ ، أي: الحياة الدائمة، وهذا معنى قول عطاء (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ ، قال ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته (١٩) (٢٠) ونحو هذا قال سعيد بن جبير (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال ابن الأنباري: وهذا مذهب مجاهد (٢٥) (٢٦) ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  ﴾ .

قال أصحابنا (٢٧) (٢٨) (٢٩) قال قتادة: معنى ذلك أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره (٣٠) ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ (٣١) وقال الزجاج: معناه: واعلموا أن الله مع المرء في القرب بهذه المنزلة (٣٢) وحكى الزجاج قولًا آخر وهو أن المعنى: أنه يحول بين الإنسان وما يسوف به نفسه بالموت (٣٣) ويكون المعنى على هذا أن الله (٣٤) وحكي عن مجاهد أنه قال: يحول بين المرء وعقله (٣٥) قال أبو بكر (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) والقلب هاهنا كناية عن العقل كما قال في غير هذا: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ .

وحكى هو (٤٠) ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ بالموت فاعملوا قبل وقوعه، وأنتم أصحاء تصلون إلى الازدياد من الحسنات (٤١) وذكر أبو إسحاق قولًا آخر حاكيا وهو: أنهم كانوا يفكرون في كثرة عدوهم، وقلة عددهم؛ فيدخل (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) قال أبو بكر: وذلك أن المسلمين يوم بدر لما رأوا قلتهم في العدة، وكثرة المشركين جزع بعضهم فقال الله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ أي: أنه قادر على (٤٦) (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أي: للجزاء على الأعمال.

(١) لم أجد من ذكره عن ابن عباس سوى الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 179، وقد ذكر القول دون نسبة أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 245، والبخاري في "صحيحه" كتاب التفسير 8/ 307 والزجاج في "معاني القرآن" 2/ 409، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 338.

(٢) ساقط من (س).

(٣) لم أقف عليه.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 245، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 409، وقد ذكر هذا المعنى ابن منظور في "لسان العرب" (جوب) 2/ 716، فقال: الإجابة والاستجابة بمعنى.

وقال الراغب في "المفردات" (جوب) ص 102: الاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عبر به عن الإجابة لقله انفكاكها منها.

(٥) هذا عجز بيت، وصدره: وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى والبيت للغنوي كما في "الأصمعيات" ص 96، و"نوادر أبى زيد" ص 37، و"مجاز القرآن" 1/ 67، و"شواهد الكشاف" 4/ 330.

(٦) رواه بلفظ مقارب ابن جرير 9/ 213، وابن أبي حاتم 5/ 1680، والثعلبي 6/ 50 ب.

(٧) الأنعام: 95، يونس: 31، الروم: 19.

(٨) رواه بلفظ مقارب ابن جرير 9/ 214، والثعلبي 6/ 50 ب.

(٩) هذا التعليل فيه نقص بيّن، والأولى أن يقال: إن القرآن يحيي؛ لأنه شامل لجميع ما ذكره المفسرون من أسباب الحياة، فالقرآن داعٍ إلى الإيمان، وداع إلى العمل، وداعٍ إلى الجهاد، وداع إلى الحق، وداع إلى النعيم المقيم، وكل واحد من هذه الأمور سبب للحياة المذكورة في الآية.

(١٠) هذا قول عروة بن الزبير وابن إسحاق وابن قتيبة، ولم يذكر المفسرون غيرهم.

انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 214، والثعلبي 6/ 50 ب، والبغوي 3/ 344، والماوردي 2/ 307، و"الدر المنثور" 3/ 320.

(١١) "السيرة النبوية" 2/ 268.

(١٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 151، وقد نسب الواحدي هذا القول لأكثر أهل المعاني ولم أجد من ذكره منهم سوى ابن قتيبة بينما اختار قولًا غيره كل من الفراء وأبي عبيدة والزجاج والنحاس، ولم يتعرض لتفسير الآية كل من الأخفش واليزيدي والأزهري، وقد يقال: إن ذلك يعود إلى كثرة الكتب المؤلفة في معاني القرآن التي اطلع عليها الواحدي ولم تصل إلينا ، ولكن يشكل عليه أن المفسرين القدامى المهتمين بعزو الأقوال إلى أصحابها لم يعزوا هذا القول إلا لابن إسحاق وابن قتيبة.

انظر: الثعلبي 6/ 50 ب، والبغوي 3/ 344، وابن الجوزي 3/ 339.

(١٣) "معاني القرآن" 1/ 407.

وجملة: بجهاد عدوكم، ليست موجودة في المطبوعة، وكذلك ذكر ابن الجوزي 3/ 339 قول الفراء دون هذه الجملة، فإما أن تكون موجدة في بعض النسخ دون بعض، وإما أن تكون زيادة من الواحدي للتوضيح.

(١٤) في (س): (لضعف).

(١٥) اهـ.

قول أبي إسحاق الزجاج، وما بعده من كلام الواحدي، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 409.

(١٦) آل عمران: 169، ولم أجد قول ابن قتيبة هذا فيما بين يدي من كتبه، وقد ذكره الثعلبي 6/ 50 ب، والبغوي 3/ 344، ولابن قتيبة قول آخر في معنى الآية ونصه: == (لما يحييكم) أي إلى الجهاد الذي يحيي دينكم ويعليكم.

انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 151.

(١٧) رواه ابن جرير 9/ 213، وابن أبي حاتم 5/ 1679، والثعلبي 6/ 50 ب، والبغوي 3/ 344.

(١٨) لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكر القول دون تعيين القائل السمرقندي 2/ 12، وأبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 481.

(١٩) رواه عن ابن عباس بلفظ مقارب: الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير 2/ 328، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

ورواه أيضًا ابن جرير 9/ 215، والثعلبي 6/ 51 أ، والبيهقي في كتاب "الاعتقاد" ص 67، وهو من رواية علي بن أبي طلحة الصحيحة.

انظر: "صحيفة علي بن أبي طلحة" ص250.

أما قول الضحاك فقد رواه عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 257، وابن جرير 9/ 215، والثعلبي 6/ 51 أوغيرهم.

(٢٠) روى نحوه البغوي في "تفسيره" 3/ 344 من قول عطاء، ورواه بمعناه السمرقندي 2/ 13 من رواية الكلبي عن ابن عباس.

(٢١) رواه الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 257، وابن جرير 9/ 215، والبغوي 3/ 344.

(٢٢) ظاهر السياق يدل على أن القائل سعيد بن جبير ويحتمل أن يكون ابن عباس، وخصيف يروي عن سعيد مباشرة وعن ابن عباس بواسطة كما في "تفسير ابن جرير" 4/ 154 - 155، ولكن أئمة التفسير يروون هذا القول عن خصيف عن مجاهد كما في "تفسير ابن جرير" 9/ 216، والثعلبي 6/ 51/ أ، والواحدي اختصر عبارة شيخه الثعلبي فوقع في هذا الخلل، فقد ذكر الثعلبي قول ابن عباس والضحاك وسعيد بن جبير ثم قال: وقال مجاهد يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري، وروى خصيف عنه: قال: يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا، وقال السدي: ..

إلخ، كما هو موجود في نص الواحدي.

(٢٣) هو: خصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون الحضرمي الأموي مولاهم، رأى أنس بن مالك -  -، كان شيخًا صالحًا فقيهاً عابدًا، إلا أنه كان سيء الحفظ، ويخطئ كثيراً، ضعفه أحمد والجمهور، ووثقه ابن سعد وابن عدي، وقال الحافظ ابن حجر: الإنصاف فيه قبول ما وافق الثقات في الروايات، وترك ما لم يتابع عليه، توفي سنة 137 هـ.

انظر: "التاريخ الكبير" 3/ 228 (766)، و"الكاشف" 1/ 373 (1389) ، و"تهذيب التهذيب" 1/ 543، و"تقريب التهذيب" ص 193 (1718).

(٢٤) رواه ابن جرير 9/ 217، والثعلبي 6/ 51 أ.

(٢٥) انظر: المصدرين السابقين نفس الموضع.

(٢٦) "معاني القرآن" 1/ 407.

(٢٧) يعني الأشاعرة، انظر: كتاب "تمهيد الأوائل" ص 318، و"الغنية" ص 127، و"تفسير الخازن" 2/ 175، وهذا مذهب أهل السنة قاطبة.

انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لأبي القاسم اللالكائي 4/ 578، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 8/ 459، و"شرح العقيدة الطحاوية" ص 106 - 107.

(٢٨) يعني الإرادة الكونية المستلزمة لوجود المراد، أما من ناحية الإرادة الشرعية فإن الله تعالى يريد إيمان الكافر ولا يريد كفر المؤمن، كما قال تعالى: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ  ﴾ .

وانظر تفصيل الإرادتين والفرق بينهما في: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 8/ 440، 475 - 480، و"مدراج السالكين" للإمام ابن القيم 1/ 275 - 281، و"شرح العقيدة الطحاوية" ص 69، 70.

(٢٩) الله  لا يحول بين العبد وبين الإيمان إلا بسبب من العبد نفسه كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  ﴾ .

وقال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ .

وقال تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ  ﴾ .

والله تعالى لا يظلم أحداً، وقد مكن العباد من الهداية والطاعة، كما مكنهم من الكفر والمعصية، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ  ﴾ .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا أراد العبد الطاعة التي أوجبها عليه إرادة جازمة كان قادرًا عليها، وكذلك إذا أراد ترك المعصية التي حرمت عليه إرادة جازمة كان قادرًا على ذلك، وهذا مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، ثم قال: فمن قال إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على الله ورسوله لكن مع قوله ذلك فيجب أن تعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، وأن الله خالق كل شيء فهو خالق العباد وقدرتهم وإرادتهم وأفعالهم، فهو رب كل شيء ومليكه لا يكون شيء إلا بمشيئته وإذنه وقضائه وقدره.

"مجموع الفتاوى" 8/ 437، 440.

(٣٠) رواه ابن جرير 9/ 217، والثعلبي 6/ 51 ب.

(٣١) ق: 16.

وهذا القول بناءً على أحد القولين في المراد بالآية وأنه قرب الله تعالى، وفي الآية قول آخر وهو أن المراد بالقرب قرب الملكين الموكلين بالإنسان، انظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 330، و"شرح حديث النزول" لشيخ الإِسلام ابن تيمية ص355، وهو القول الراجح بدلالة السياق.

(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 409.

(٣٣) المصدر السابق.

(٣٤) في (ح): (المرء)، وهو خطأ.

(٣٥) رواه ابن جرير 9/ 216 ، ورواه بمعناه ابن أبي حاتم 5/ 1618، والثعلبي 6/ 51 (٣٦) هو: ابن الأنباري كما في "زاد المسير" 3/ 339.

(٣٧) أي مع زوال العقول.

(٣٨) المعنى: أنه إذا زال العقل ارتفع مع زواله الامتحان والتكليف، وئبت للإنسان ما قدم قبل زواله من خير أو شر.

هذا وقد نقل ابن الجوزي قول ابن الأنباري مختصرًا فقال: قال ابن الأنباري: المعنى: يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال؛ فإنكم لا تأمنون زوال العقول، فتحصلون على ما قدمتم.

"زاد المسير" 3/ 339.

كما نقله الفخر الرازي بمعناه فقال: ..

والمعنى: فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون، فإنكم لا تأمنون زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف.

"تفسير الفخر الرازي" 15/ 149.

(٣٩) أي قبل زوال العقول.

(٤٠) يعني: ابن الأنباري.

(٤١) ذكره بمعناه ابن الجوزي 3/ 340، كما ذكره الثعلبي 6/ 51ب ، بمعناه دون نسبة.

(٤٢) في "معاني القرآن وإعرابه": فيدخل في.

(٤٣) في المصدر السابق: الأمن.

(٤٤) في المصدر السابق: الخور.

(٤٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 409 - 410.

(٤٦) ساقط من (س).

(٤٧) ذكر هذا القول عن ابن الأنباري بمعناه مختصرًا ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 340، وبنحوه الثعلبي 6/ 51 ب، ولم يعين القائل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ أي للطاعة، وقيل: للجهاد لأنه يحيا بالنصر ﴿ يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ﴾ قيل: يميته، وقيل: يصرِّف قلبه كيف يشاء فينقلب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان وشبه ذلك ﴿ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ أي لا تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر ولم ينه عن الظلم.

وإن كان لم يظلم.

وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل، ودخلت النون في تصيبن لأن بمعنى النهي ﴿ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ ﴾ الآية: أي حين كانوا بمكة وآواكم بالمدينة، وأيدكم بنصره في بدر وغيرها ﴿ لاَ تَخُونُواْ الله ﴾ نزلت في قصة أبي لبابة حين أشار إلى بني قريظة أن ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح، وقيل: المعنى: لا تخونوا بغلول الغنائم ولفظها عام ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ عطف على لا تخونوا أو منصوب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تولوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ تسمعون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ لأسمعهم ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ لما يحييكم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ خاصة ﴾ ج لما مر ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ لا للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أو يخرجوك ﴾ ط ﴿ ويمكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ذكر نحو من قصة بدر والغنائم.

أدَّب المؤمنين أحسن تأديب فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله في قسمة الغنائم وغيرها ثم قال ﴿ ولا تولوا عنه ﴾ فوحد الضمير لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد، أو لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ وكقولك الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان وجوّز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة أي لا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ لم يبين أنهم ماذا يمسعون إلا أنه يعلم من مساق الكلام في السورة أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد أو المراد وأنتم تسمعون الأمر المذكور، أو وأنتم تصدقون بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ لأنهم ليسوا بمصدقين فلا يصح دعوى السماع منهم.

وتحقيق ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف ويلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول، ثم أكد التكاليف المذكورة بقوله ﴿ إن شر الدواب ﴾ أي إن شر من يدب على الأرض، أو إن شر البهائم.

والفرق بين التفسيرين أن الأوّل حقيقة إلا أنه ذكر في معرض الذم كقولك لمن لا يفهم الكلام هو شبح وجسد.

والثاني مذكور في معرض التشبيه بالبهائم بل جعلهم شرّها لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بالحواس كقوله ﴿ بل هم أضل  ﴾ ومعنى ﴿ عند الله ﴾ أي في حكمه وقضائه.

ثم قال ﴿ ولو علم الله فيهم ﴾ أي في هؤلاء الصم البكم ﴿ خيراً لأسمعهم ﴾ عن ابن جريج: هم المنافقون.

وعن الحسن: أهل الكتاب، وقيل: بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء.

وروي أنهم سألوا النبي أن يحيي لهم قصي ابن كلاب وعيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوّته، فبيّن  أنه لو علم فيهم خيراً وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ولكنه  علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت.

وأنهم لو أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه على عادتهم المستمرة.

واعلم أن معلومات الله  على أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وإن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله، وإن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً فكيف يكون حاله، والأولان علم بالواقع، والآخران الباقيان علم بالمقدر ومن هذا القبيل.

قوله  ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ وتقدير الكلام لو حصل فيهم خيراً لأسمعهم الله الحجج والمواعظ فعبر عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وأورد على الآية أنها على صورة قياس شرطي فإذا حذفنا الحد الأوسط بقيت النتيجة: لو علم الله فيهم خيراً لتولوا ولكن كلمة "لو" وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيكون التولي منتفياً لأجل انتفاء علم الله الخير فيهم بل لأجل انتفاء الخير فيهم.

لكن انتفاء التولي خير من الخيرات فأوّل الكلام يقتضي نفي الخير عنهم وأخره يقتضي.

حصول الخير فيهم وهذا تناقض والجواب المنع من أن الحد الأوسط مكرر لأن المراد بالإسماع الأوّل إسماع التفهم وإلزام القبول، والمراد بالإسماع الثاني صورة الإسماع فحسب، وأيضاً كلمة "لو" في المقدمة الثانية هي التي تجيء للمبالغة بمعنى "أن" كقوله  : "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" فإذاً لا تعلق لإحدى الجملتين بالأخرى فلا قياس.

واستدلت الأشاعرة بالآية على أن صدور الإيمان عن الكافر محال لأن الصادق قد أخبر أنهم على تقدير الإسماع معرضون وخلاف علمه وخبره محال.

وقال في الكشاف: لو علم الله فيهم خيراً أي انتفاعاً باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه، أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا وتزييف هذا التفسير سهل.

ثم علم المؤمنين أدباً آخر فقال ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ فوحد الضمير كما مر.

والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض.عن أبي هريرة أن النبي  مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟

قال: كنت أصلي.

قال: ألم تخبر فيما أوحي إليّ ﴿ استجيبوا لله وللرسول ﴾ ؟

قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك، وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه اللوم.

ثم قيل: إن هذا مما اختص به رسول الله  وقيل: إندعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته.

ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه وجوهاً: قال السدي: هو الإسلام والإيمان لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته بدليل قوله ﴿ يخرج الحي من الميت  ﴾ أي المؤمن من الكافر.

وقال قتادة: يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية.

والأكثرون على أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوّين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله ﴿ بل أحياء عند ربهم  ﴾ ، وقيل: إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة.

والمراد لما يحييكم الحياة الطيبة كما قال ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ، ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل الواحدي عن ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته.

فالسعيد من أسعده الله والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع الأسباب إليه، ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإنه إليه يحشرون ﴾ ليعلم أنهم مع كونهم مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين.

وقالت المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر العاجز سفه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإنه  أمر بالاستجابة لله وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير المقدور جائزاً لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم.

فإذا لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر.

فتأويلها أن الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله ﴿ وإنه ﴾ أي وأن الشأن أو الله إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه  يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفاً وبالخوف أمناً، وبالذكر نسياناً وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله  ، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا.

وقال مجاهد: المراد بالقلب العقل والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون.

ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان.

وعن الحسن: إن الغرض التنبيه على أنه  مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد من قرب قلبه منه كقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ ثم حذرهم الفتن والاختلاف فقال ﴿ واتقوا فتنة ﴾ قيل: هو العذاب.

وقيل: افتراق الكلمة.

وقيل: إقرار المنكر بين أظهرهم.

وقوله ﴿ لا تصيبن ﴾ إما أن يكون جواباً للأمر وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك.

وعلى هذا "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

وقيل: الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم الظالمون حال كونهم ﴿ خاصة ﴾ ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله  ذلك بحكم المالكية أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهياً بعد أمر و"من" للبيان كأنه قيل: احذروا ذنباً أو عقاباً.

ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة.

وهكذا إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولاً فيها لا تصيبن كقوله.

جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط *** عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زماناً وما رأينا أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها.

وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل.

وروي أن الزبير كان يسامر النبي  يوماً إذ أقبل علي فضحك إليه الزبير فقال رسول الله  : كيف حبك لعلي؟

فقال: يا رسول الله يأبى أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حباً.

قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟

ثم ختم الآية بقوله ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة.

ثم ذكرهم نعمه عليهم فقال ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ وانتصابه على أنه مفعول به أي وقت أنكم ﴿ قليل ﴾ يستوي فيه الواحد والجمع ﴿ مستضعفون في الأرض ﴾ أرض مكة قبل الهجرة ﴿ تخافون أن يتخطفكم الناس ﴾ يستلبونكم لكونهم أعداء لكم ﴿ فآواكم ﴾ إلى المدينة ﴿ وأيدكم بنصره ﴾ بمظاهرة الأنصار وبإمدادكم بالملائكة يوم بدر ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ من الغنائم ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي ينقلكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة في الأنفال؟، ثم منعهم من الخيانة في الأمانة.

يروى أن رسول الله  حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله  إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن مروان بن المنذر وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله في أيديهم.

فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى هل ننزل على حكم سعد؟

فأشار إلى حلقه إنه أي إن حكم سعد بن معاذ هو الذبح.

قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية.

فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ.

فمكث سبعة أيام حتى خرّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك في نفسك.

فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله  هو الذي يحلني.

فجاءه فحله بيده فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي.

فقال  : يجزيك الثلث أن تتصدق به.

وقال السدي: كانوا يسمعون من النبي  شيئاً فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك.

وقال ابن زيد نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.

وعن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي  خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فنزلت.

وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة بخروج النبي  إليها حكاه الأصم.

قال القاضي: والأقرب أنها في الغنائم.

فالخيانة فيها خيانة الله لأنها عطيته، وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمتها، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق.

قال: ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان الشتار السبب.

والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقيّ سمي كرباً لأنه يكرب من الدلو أي يقرب منه.

واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه.

وتخونوا يحتمل أن يكون جزماً داخلاً في حكم النهي وأن يكون نصباً بإضمار أن كقوله ﴿ وتكتموا الحق  ﴾ ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عمداً لا سهواً.

وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.

ثم لما كان الداعي إلى الخيانة وهو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان بسبب ذلك نبه الله  على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب فقال ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب ﴿ وإن الله عنده أجر عظيم ﴾ فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى السعادات الروحانية الباقية.

ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل لكونه مفضياً إلى الأجر العظيم عند الله هو أفضل من الاشتغال بالنكاح لأدائه إلى الفتنة.

ثم رغب في التقوى التي توحب الإعراض عن محبة الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله ﴾ في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ﴿ ويجعل لكم فرقاناً ﴾ فارقاً بينكم وبين الكفار في الأحوال الباطنة بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية، وفي الأحوال الظاهرة بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم، وفي أحوال الآخرة بالثواب الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة.

﴿ ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم ﴿ ويغفر لكم ﴾ في دار الجزاء ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فإذا وعد بشيء وفى به أحسن الإيفاء.

ومن عظيم فضله أنه يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل إلا بعد أن يخلق الله فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من الانتفاع بذلك.

وبعد أن يكون قد تصوّر فيه ثواباً أو ثناء، أو حمله على ذلك رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا لله  فلهذا وصفه بالعظم.

ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل ﴾ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة.

والمعنى واذكر وقت مكرهم.

فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: ذكروا أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله  فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً.

فقالوا: هذا من نجد لا بأس عليكم به.

فقال أبو البختري من بني عبد الدار: رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم.

فقال: بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا.

فقال الشيخ: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً.

فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله  وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر علياً  فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه.

وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم.

ومعنى ﴿ ليثبتوك ﴾ قال ابن عباس: ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري.

وقوله ﴿ أو يقتلوك ﴾ إشارة إلى رأي أبي جهل.

وقوله ﴿ أو يخرجوك ﴾ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام.

وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس.

قال: لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله  لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس.

هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مراراً، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران.

والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله.

فإن قيل: لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين؟

وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.

التأويل: إن شر من دب في الوجود هم ﴿ الصم ﴾ عن استماع كلام الحق.

يسمع القلب والقبول ﴿ إليكم ﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق.

والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿ الذين لا يعقلون ﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿ استجيبوا لله ﴾ إنه  يطلب بالمحجة من العبدالإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿ واعلموا أن الله يحول ﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿ وإنه إليه تحشرون ﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿ واتقوا ﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية.

لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿ قليل ﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿ مستضعفون ﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ.

﴿ يخافون ﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿ فآواكم ﴾ إلى حظائر القدس ﴿ وأيدكم ﴾ بالواردات الربانية ﴿ ورزقكم ﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿ لا تخونوا الله ﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿ فتنة ﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿ أن تتقوا الله ﴾ من غير الله ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ ويكفر عنكم ﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ ويغفر لكم ﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ ليثبتوك ﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿ أو يخرجوك ﴾ من عالم الأرواح ﴿ والله خير الماكرين ﴾ يصلح حال أهل الصلاح ألبته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: هذه الآية صلة قوله: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ  ﴾ ، يقول - والله أعلم -: أجيبوا لله وللرسول إلى ما يدعوكم، وإن كانت أنفسكم تكره الخروج لذلك؛ لقلة عددكم، وضعف أبدانكم، وكثرة عدد العدو وقوتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ .

بالذكر، والشرف والثناء الحسن في الدنيا، والحياة في الآخرة اللذيذة الدائمة، وإن متم وهلكتم فيما يدعوكم إليه، يكون لكم في الآخرة حياة الأبد.

ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين، أي: استجيبوا لله في أوامره ونواهيه، وللرسول فيما يدعوكم إليه، وإنما كان يدعو إلى دار الآخرة؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ودار الآخرة هي دار الحياة؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ  ﴾ ؛ كأنه قال: - والله أعلم -: أجيبوا لله وللرسول، فإنه إنما دعاكم إلى ما تحبون فيها، ليس كالكافر الذي لا يموت فيها، ولا يحيا بتركه الإجابة.

﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ .

يخرج على وجهين: يحول بين قلب المؤمن وبين الكفر.

ويحول بين الكافر والإيمان.

وقوله: ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ .

أمكن أن يخرج هذا على الأول، أي: اعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه، يجعل القوي ضعيفاً، والعزيز ذليلاً، والضعيف قوياً، والذليل عزيزاً، والشجاع جباناً، والخائف آمناً، والآمن خائفاً، فأجيبوا للرسول بالخروج للجهاد، وإن كنتم تخافون لضعفكم وقوتهم.

ويحتمل في جملة المؤمنين، أي: من أجاب لله وللرسول إذا دعاه، يجعل قلبه هو الغالب على نفسه، والحائل بينه وبين ما تدعو إليه النفس، وإذا ترك الإجابة، يجعل نفسه هي الحائلة بينه وبين ما يدعو إليه قلبه والداعية إلى ذلك ﴿ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ .

وقيل: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ : بالطاعة في أمر القتال، ﴿ إِذَا دَعَاكُم ﴾ : إلى الحرب، ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ يعني: بالحرب التي أعزكم الله؛ يقول: أحياكم الله بعد الذل، وقواكم بعد الضعف، وكان ذلك حياة.

﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: يستعجل التوبة قبل أن ينزل به الموت؛ يقول: أجيبوا لله وللرسول قبل أن يحال بين المرء وبين التوبة بالموت.

والثاني: يحول بين المرء وقلبه بالأعمال التي يكتسبها، ينشئ الفعل الذي يفعله طبع قلبه وختمه، وينشئ ظلمة تحول بينه وبين ما يقصده ويدعى إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لاَّ ﴾ هاهنا صلة؛ كأنه قال: "واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

أي: اتقوا الفتنة التي تصيب الظلمة منكم خاصة بظلمهم، وهي العذاب؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا في الآخرة، وهي العذاب، وذلك جائز في الكلام؛ نحو ما قرأ بعضهم قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، بكسر الألف وطرح ﴿ لاَ ﴾ ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، أي: أنها وإن جاءت لا يؤمنون.

وأما على إثبات ﴿ لاَّ ﴾ : فإنه يحتمل وجوهاً: قيل: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ ﴾ ، أي: اتقوا أن تكونوا فتنة للذين ظلموا؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، ووجه جعله إياهم فتنة للذين كفروا: هو أن يجعل العدو غالباً عليهم منتصرين وهم المغلوبون، فيظنون أنهم على حق والمؤمنون على باطل؛ فذلك معنى دعائهم: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ؛ لئلا يقولوا: لو كانوا على حق ما غلبوا، ولا قهروا، ولا انْتُصِرَ منهم.

وقيل: قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ : نهى الأتباع منهم؛ أن يسعوا فيما بين الظلمة بالفساد، ولا يغري بعضهم على بعض، فيقع فيما بينهم الفساد، فيكون هؤلاء الأتباع فتنة للذين ظلموا بإغراء بعضهم على بعض، وذلك معروف فيما بين الخلق في الظلمة، يغري الأتباع بعضهم على بعض؛ فذاك فتنة.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله -  - يغير الأحوال في الخلق: مرة سعة وخصباً، ومرة قحطاً وضيقاً، ومرة غلبة العدو على الأولياء، ونحوه، ويدفع العذاب عن الظلمة بمن لم يظلم ما لم يشاركوا الظلمة، فإذا شاركوا أولئك يحل بأولئك بظلمهم، وأهل الصلاح والعدل بتركهم الظلمة، وأهل الفساد ولهم قوة المنع لهم عن ذلك؛ فيقول: ﴿ لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ ، ولكن تصيبهم وتصيبكم، فقال: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ أخذ الظلمة العذاب لمشاركة أهل العدل أولئك، فيكونون فتنة لهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ  ﴾ .

أو أن يدفع عن الظلمة البلاء والعذاب ما دام أهل العدل يأمرونهم بالمعروف، ويغيرون عليهم المنكر، فإذا تركوا [ذلك] ولا يغيرون عليهم المنكر، نزل بهم البلاء، فيعمهم البلاء، الظالم وغيره.

والفتنة على وجهين: [الأول] فتنة الجزاء، جزاء أعمالهم، وتلك تأخذ أهلها خاصة.

و[الثاني] فتنة المحنة، وتلك تعم الخلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ...

﴾ الآية.

إن أهل الإسلام في ابتداء الأمر كانوا قليلي العدد، مستضعفين عند الكفرة، حتى كانوا يخافون أن يسلب الكفرة أرواحهم، وكانوا لا يأمنون على أنفسهم بالمقام في البلدان، لقلة عددهم وضعفهم؛ خوفاً على أنفسهم وإشفاقاً فتركوا المقام بالبلدان، وخرجوا إلى الجبال والغيران، فأقاموا فيها، وأكلوا الحشيش والكلأ طعام الأنعام؛ خوفاً على أبدانهم وإشفاقاً على دينهم، ثم إن الله - عز وجل - آواهم، وأنزلهم في البلدان والأمصار، وأيدهم ونصرهم على عدوهم، ورزقهم الطيبات طعام البشر بعد ما أكلوا الحشيش طعام البهائم.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : ليلزمهم الشكر على ذلك، ولا يجوز لهم ألا يشكروا بعد ما أصابوا؛ ذكر هذا - والله أعلم - لنكون نحن من الإشفاق في الدين مثل أولئك حين هربوا منهم، واتخذوا الجبال والغيران بيوتاً، والحشيش طعاماً، وتركوا أموالهم ونعمهم، ورضوا بذلك؛ إشفاقاً على دينهم.

وقال عامة أهل التأويل: نزلت الآية في أهل بدر، وكانوا قليلي العدد والعدة، ضعيفي الأبدان، والعدو كثير العدد، وقوي الأبدان، فاشتد عليهم الخروج لذلك؛ كقوله: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 5]، فيكفما كان ففيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ ﴾ .

أي: إذ كنتم قليلاً.

وفيه دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله - فيمن قال: هذا الشيء لفلان اشتريته منه، صدق، ويصير كأنه قال: هذا الشيء كان لفلان اشتريته منه؛ دليله قوله: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: إذ كنتم قليلاً.

وقوله: ﴿ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ﴾ .

على هذا التأويل [أي]: بالملائكة.

﴿ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

المغانم التي رزقهم وأحل لهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، استجيبوا لله ولرسوله بالانقياد لما أمرا به والاجتناب لِمَا نهيا عنه، إذا دعاكم لِمَا فيه حياتكم من الحق، وأيقنوا أن الله قادر على كل شي، فهو قادر أن يحول بينكم وبين الانقياد للحق إذا أردتموه بعد رفضكم له، فبادروا إليه، وأيقنوا أنكم إلى الله وحده تحشرون يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم التي عملتموها في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.WAqya"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده