الآية ٢٦ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٢٦ من سورة الأنفال

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم ، حيث كانوا قليلين فكثرهم ، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم ، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات ، واستشكرهم فأطاعوه ، وامتثلوا جميع ما أمرهم .

وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين مستخفين مضطرين يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله ، من مشرك ومجوسي ورومي ، كلهم أعداء لهم لقلتهم وعدم قوتهم ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة ، فآواهم إليها ، وقيض لهم أهلها ، آووا ونصروا يوم بدر وغيره وآسوا بأموالهم ، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله .

قال قتادة بن دعامة السدوسي - رحمه الله - في قوله تعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) قال : كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا وأشقاه عيشا ، وأجوعه بطونا ، وأعراه جلودا ، وأبينه ضلالا مكعومين على رأس حجر ، بين الأسدين فارس والروم ، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه ، من عاش منهم عاش شقيا ، ومن مات منهم ردي في النار ، يؤكلون ولا يأكلون ، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم ، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد ، ووسع به في الرزق ، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس .

وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا لله نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر ، وأهل الشكر في مزيد من الله [ تعالى ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) قال أبو جعفر: وهذا تذكيرٌ من الله عز وجل أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناصحة.

يقول: أطيعوا الله ورسوله، أيها المؤمنون, واستجيبوا له إذا دعاكم لما يحييكم، ولا تخالفوا أمرَه وإن أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة, فإن الله يهوِّنه عليكم بطاعتكم إياه، ويعجِّل لكم منه ما تحبون, كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليلٌ يستضعفكم الكفار فيفتنونكم عن دينكم، (1) وينالونكم بالمكروه في أنفسكم وأعراضكم، (2) تخافون منهم أن يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا جميعكم (3) =(فآواكم)، يقول: فجعل لكم مأوى تأوون إليه منهم (4) =(وأيدكم بنصره)، يقول: وقواكم بنصره عليهم حتى قتلتم منهم من قتلتم ببدر (5) =(ورزقكم من الطيبات)، يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالا طيبًا (6) =(لعلكم تشكرون)، يقول: لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم.

(7) * * * واختلف أهل التأويل في " الناس " الذين عنوا بقوله: (أن يتخطفكم الناس).

فقال بعضهم: كفار قريش.

* ذكر من قال ذلك.

15914- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس)، قال: يعني بمكة، مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة.

15915- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الكلبي= أو قتادة أو كلاهما (8) =(واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون) أنها نـزلت في يوم بدر, كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس, فآواهم الله وأيدهم بنصره.

15916- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, بنحوه.

* * * وقال آخرون: بل عُني به غيرُ قريش.

* ذكر من قال ذلك.

15917- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرني أبي قال، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله عز وجل: (تخافون أن يتخطفكم الناس)، قال: فارس.

15918- .

.

.

.

قال ، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول, وقرأ: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس)، و " الناس " إذ ذاك، فارس والروم.

15919- .

.

.

.

قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض)، قال: كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلا وأشقاهُ عيشًا, وأجوعَه بطونًا, (9) وأعراه جلودًا, وأبينَه ضلالا [مكعومين، على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه].

(10) من عاش منهم عاش شقيًّا, ومن مات منهم رُدِّي في النار, يوكلون ولا يأكلون, والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منهم منـزلا (11) حتى جاء الله بالإسلام, فمكن به في البلاد, ووسَّع به في الرزق, وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس.

فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم, فاشكروا الله على نعمه, فإن ربكم منعمٌ يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى.

(12) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: " عُني بذلك مشركو قريش "، لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم, لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم, وأشدَّهم عليهم يومئذ، مع كثرة عددهم، وقلة عدد المسلمين.

* * * وأما قوله: (فآواكم)، فإنه يعني: آواكم المدينة, وكذلك قوله: (وأيدكم بنصره)، بالأنصار.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15920- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فآواكم)، قال: إلى الأنصار بالمدينة=(وأيدكم بنصره)، وهؤلاء أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم، أيدهم بنصره يوم بدر.

15921- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة: (فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات)، يعني بالمدينة.

--------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " القليل " فيما سلف 1 : 329 8 : 439 ، 577 9 : 331 .

(2) انظر تفسير " المستضعف " فيما سلف 12 : 542 13 : 76 ، 131 .

(3) انظر تفسير " الخطف " فيما سلف 1 : 357 .

(4) وانظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص : 441 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(5) انظر تفسير " أيد " فيما سلف 2 : 319 ، 320 5 : 379 6 : 242 11 : 213 ، 214 .

(6) انظر تفسير " الرزق " فيما سلف من فهارس اللغة ( رزق ) .

= و " الطيبات " فيما سلف منها ( طيب ) .

(7) في المطبوعة : " لكي تشكروا " ، وفي المخطوطة : " لكي تشكرون " ، ورجحت ما أثبت .

(8) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : " أو كلاهما " ، وهو جائز .

(9) في المطبوعة : " بطونًا " وأثبت ما في المخطوطة .

(10) هذه الجملة بين القوسين لا بد منها ، فإن الترجمة أن فارس والروم هما المعنيان بهذا.

وقد أثبتها من رواية الطبري قبل ، كما سيأتي في التخريج .

وإغفال ذكرها في الخبر ، يوقع في اللبس والغموض .

(11) قوله : " أشر منهم منزلا " لم ترد في الخبر الماضي ، وكان مكانها : " والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كانوا أصغر حظًا ، وأدق فيها شأنًا ، منهم " .

(12) الأثر : 15919 - مضى هذا الخبر بإسناده مطولا فيما سلف رقم : 7591 ، ومنه اجتلبت الزيادة والتصحيح .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرونقوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل قال الكلبي : نزلت في المهاجرين ; يعني وصف حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام .مستضعفون نعت .في الأرض أي [ ص: 353 ] أرض مكة تخافون نعت أن يتخطفكم في موضع نصب .

والخطف : الأخذ بسرعة الناس رفع على الفاعل .

قتادة وعكرمة : هم مشركو قريش .

وهب بن منبه : فارس والروم .فآواكم قال ابن عباس : إلى الأنصار .

السدي : إلى المدينة ; والمعنى واحد .

آوى إليه " بالمد " : ضم إليه .

وأوى إليه " بالقصر " : انضم إليه .وأيدكم قواكم بنصره أي بعونه .

وقيل : بالأنصار .

وقيل : بالملائكة يوم بدر .ورزقكم من الطيبات أي الغنائم لعلكم تشكرون قد تقدم معناه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى ممتنا على عباده في نصرهم بعد الذلة، وتكثيرهم بعد القلة، وإغنائهم بعد العيلة‏.‏ ‏{‏وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ مقهورون تحت حكم غيركم ‏{‏تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ‏}‏ أي‏:‏ يأخذونكم‏.‏ ‏{‏فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ‏}‏ فجعل لكم بلدا تأوون إليه، وانتصر من أعدائكم على أيديكم، وغنمتم من أموالهم ما كنتم به أغنياء‏.‏ ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ اللّه على منته العظيمة وإحسانه التام، بأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) يقول : واذكروا يا معشر المهاجرين إذ أنتم قليل في العدد ، مستضعفون في أرض مكة ، في ابتداء الإسلام ، ( تخافون أن يتخطفكم الناس ) يذهب بكم الناس ، يعني : كفار مكة .

وقال عكرمة : كفار العرب : وقال وهب : فارس والروم ، ( فآواكم ) إلى المدينة ، ( وأيدكم بنصره ) أي : قواكم يوم بدر بالأنصار .

وقال الكلبي : قواكم يوم بدر بالملائكة ، ( ورزقكم من الطيبات ) يعني : الغنائم ، أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم ، ( لعلكم تشكرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واذكروا إذ أنتم قليل مستضعَفون في الأرض» أرض مكة «تخافون أن يتخطَّفكم الناس» يأخذكم الكفار بسرعة «فآواكم» إلى المدينة «وأيَّدكم» قوَّاكم «بنصره» يوم بدر بالملائكة «ورزقكم من الطيبات» الغنائم «لعلكم تشكرون» نعمه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا أيها المؤمنون نِعَم الله عليكم إذ أنتم بـ"مكة" قليلو العدد مقهورون، تخافون أن يأخذكم الكفار بسرعة، فجعل لكم مأوى تأوون إليه وهو "المدينة"، وقوَّاكم بنصره عليهم يوم "بدر"، وأطعمكم من الطيبات -التي من جملتها الغنائم-؛ لكي تشكروا له على ما رزقكم وأنعم به عليكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بالاستجابة له ونهاهم عن الوقوع فى المعاصى .

.

أخذ فى تذكيرهم بجانب من فضله عليهم فقال : ( واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس .

.

.

) .أى : ( واذكروا ) يا معشر المؤمنين ( إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض ) أى : وقت أن كنتم قلة مستضعفة فى أرض مكة تحت أيدى كفار قريش .

أو فى أرض الجزيرة العربية حيث كانت الدولة لغيركم من الفرس والروم .وقوله : ( تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس ) أى : تخافون أن يأخذكم أعداؤكم أخذا سريعا .

لقوتهم وضعفكم .

يقال خطفه - من باب تعب - أى : استلبه بسرعة .والمراد بالتذكر فى قوله : ( واذكروا ) أن يتنبهوا بعقولهم وقلوبهم إلى نعم الله ، وأن يداوموا على شكرها حتى يزيدهم - سبحانه - من فضله .و ( إِذْ ) ظرف بمعنى وقت .

و ( أَنتُمْ ) مبتدأ ، أخبر عنه بثلاثة أخبار بعده وهى ( قَلِيلٌ ) و ( مُّسْتَضْعَفُونَ ) و ( تَخَافُونَ ) .والمراد بالناس : كفار قريش ، أوهم وغيرهم من كفار العرب والفرس والروم .وقوله : ( فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات ) بيان لما من به عليهم من نعم بعد أن كانوا محرومين منها .أى : اذكروا وقت أن كنتم قلة ضعيفة مستضعفة تخشى - أن يأخذها أعداؤها أخذا سريعا ، فرفع الله عنكم بفضله هذه الحال ، وأبدلكم خيرا منها ، بأن ( آوَاكُمْ ) إلى المدينة ، وألف بين قلوبكم يا معشر المهاجرين والأنصار ( وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ) فى غزوة بدر ، وقذف فى قلوب أدائكم الرعب منكم ( وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات ) أى : ورزقكم من الغنائم التى أحلها لكم بعد أن كانت محرمة على الذين من قبلكم ، كما رقزكم - أيضا بكثير من المطاعم والمشارب الطيبة التى لم تكن متوفرة لكم قبل ذلك .وقوله ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) تذييل قصد به حضهم على مداومة الشكر والطاعة لله - عز وجل - أى : نقلكم الله - تعالى - من الشدة إلى الرخاء ، ومن القلة إلى الكثرة ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن الخوف إلى الأمن ، ومن الفقر إلى الغنى .

.

حتى تستمروا على طاعة الله وشكره ، ولا يشغلكم عن ذلك أى شاغل .قال ابن جرير : قال قتادة فى قوله - تعالى - ( واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض .

.

.

) ." كان هذا الحى من العرب أذل الناس ذلا ، وأشقاه عيشا وأجوعه بطونا ، وأعراه جلودا ، وأبيته ضلالا ، من عاش منهم عشا شقيا ، ومن مات منهم ردى فى النار ، يؤكلون ولا يأكلون ، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منهم منزلا ، حتى جاء الله بالإِسلام ، فمكن به فى البلاد ، ووسع به فى الرزق ، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس .

فبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم منعم يجب الشكر ، فى مزيد من الله - تعالى - " .وبذلك نرى أن هذه الآيات قد جمعت بين الترغيب والترهيب والتذكير .

.

الترغيب كما فى قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ .

.

.

) .والترهيب كما فى قوله - تعالى - : ( واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً .

.

.

) .والتذكير كما فى قوله - تعالى - ( واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض .

.

.

) .وبالتغريب فى الطاعات ، وبالترهيب من المعاصى ، وبالتذكير بالنعم ، ينجح الدعاة فى دعوتهم إلى الله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول، ثم أمرهم باتقاء المعصية، أكد ذلك التكليف بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى بين أنهم كانوا قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية القلة والذلة، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة، وذلك يوجب عليهم الطاعة وترك المخالفة.

أما بيان الأحوال التي كانوا عليها قبل ظهور محمد فمن وجوه: أولها: أنهم كانوا قليلين في العدد.

وثانيها: أنهم كانوا مستضعفين، والمراد أن غيرهم يستضعفهم، والمراد من هذا الاستضعاف أنهم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس.

والمعنى: أنهم كانوا إذا خرجوا من بلدهم خافوا أن يتخطفهم العرب، لأنهم كانوا يخافون من مشركي العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم، ثم بين تعالى أنهم بعد أن كانوا كذلك قلبت تلك الأحوال بالسعادات والخيرات، فأولها: أنه آواهم والمراد منه أنه تعالى نقلهم إلى المدينة، فصاروا آمنين من شر الكفار.

وثانيها: قوله: ﴿ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ﴾ والمراد منه وجوه النصر في يوم بدر.

وثالثها: قوله: ﴿ وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات ﴾ وهو أنه تعالى أحل لهم الغنائم بعد أن كانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة.

ثم قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي نقلناكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء، حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة، فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذْ أَنتُم ﴾ نصبه على أنه مفعول به مذكور لا ظرف: أي اذكروا وقت كونكم أقلة أذلة مستضعفين ﴿ فِى الأرض ﴾ أرض مكة قبل الهجرة تستضعفكم قريش ﴿ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس ﴾ لأن الناس كانوا جميعاً لهم أعداء منافين مضادّين ﴿ فَآوَاكُمْ ﴾ إلى المدينة ﴿ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ﴾ بمظاهرة الأنصار وبإمداد الملائكة يوم بدر ﴿ وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات ﴾ من الغنائم ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ إرادة أن تشكروا هذه النعم وعن قتادة: كان هذا الحيّ من العرب أذلّ الناس، وأشقاهم عيشا، وأعراهم جلداً، وأبينهم ضلالا، يؤكلون ولا يأكلون، فمكن الله لهم في البلاد، ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ ﴾ أرْضِ مَكَّةَ يَسْتَضْعِفُكم قُرَيْشٌ، والخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ.

وَقِيلَ لِلْعَرَبِ كافَّةً فَإنَّهم كانُوا أذِلّاءَ في أيْدِي فارِسٍ والرُّومِ.

﴿ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ ﴾ كُفّارُ قُرَيْشٍ أوْ مَن عَداهم فَإنَّهم كانُوا جَمِيعًا مُعادِينَ لَهم مُضادِّينَ لَهم.

﴿ فَآواكُمْ ﴾ إلى المَدِينَةِ، أوْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَتَحَصَّنُونَ بِهِ عَنْ أعادِيكم.

﴿ وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ﴾ عَلى الكُفّارِ أوْ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ، أوْ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ مِنَ الغَنائِمِ.

﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ النِّعَمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)

{واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} إذ مفعول به لا ظرف أي واذكروا وقت كونكم أقلة أذلة {مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الأرض} أرض مكة قبل الهجرة تستضعفكم قريش {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس} لأن الناس كانوا لهم أعداء مضادين {فأواكم} إلى المدينة {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} بمظاهرة الأنصار وبإمداد الملائكة يوم بدر {وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات} من الغنائم ولم تحل لأحد قبلكم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ ﴾ أيْ: في العَدَدِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ القِلَّةِ وما يَتْبَعُها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُسْتَضْعَفُونَ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أيْ: في أرْضِ مَكَّةَ تَحْتَ أيْدِي كُفّارِ قُرَيْشٍ والخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، أوْ تَحْتَ أيْدِي فارِسَ والرُّومِ والخِطابُ لِلْعَرَبِ كافَّةً مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ عَلى ما نُقِلَ عَنْ وهْبٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لا يُناسِبُ المَقامَ مَعَ أنَّ فارِسَ لَمْ تَحْكم عَلى جَمِيعِ العَرَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَلِيلٍ وُصِفَ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ ما وُصِفَ بِغَيْرِها، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المَسْتَكِنِّ في مُسْتَضْعَفُونَ والمُرادُ بِالنّاسِ عَلى الأوَّلِ وهو الأظْهَرُ إمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ أوْ كُفّارُ العَرَبِ كَما قالَهُ عِكْرِمَةُ لِقُرْبِهِمْ مِنهم وشَدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَهُمْ، وعَلى الثّانِي فارِسُ والرُّومُ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ومَنِ النّاسُ؟

قالَ: أهْلُ فارِسَ».

والتَّخَطُّفُ كالخَطْفِ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وفُسِّرَ هُنا بِالِاسْتِلابِ أيْ: واذْكُرُوا حالَكم وقْتَ قِلَّتِكم وذِلَّتِكم وهَوانِكم عَلى النّاسِ، وخَوْفِكم مِنَ اخْتِطافَكُمْ، أوِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ ﴿ فَآواكُمْ ﴾ أيْ: إلى المَدِينَةِ أوْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَتَحَصَّنُونَ بِهِ مِن أعْدائِكم.

﴿ وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ﴾ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ أوْ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ بِأنَّ قُوّى شَوْكَتَكم إذْ بَعَثَ مِنكم مَن تَضْطَرِبُ قُلُوبُ أعْدائِكم مِنَ اسْمِهِ.

﴿ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ مِنَ الغَنائِمِ ولَمْ تَطِبْ إلّا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ في جَمِيعِ ما أعْطاهم مِنَ الأطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالمَقامِ والِامْتِنانُ بِهِ هُنا أظْهَرُ.

والثّانِي مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ مَن يَجْعَلُ الخِطابَ لِلْعَرَبِ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ، يعني: أجيبوا الله بالطاعة في أمر القتال، وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ إلى القتال أو غيره.

وإنّما قال: إِذا دَعاكُمْ ولم يقل: إذا دعواكم، لأن الدعوة واحدة، ومن يجب الرسول فقد أجاب الله تعالى.

قوله تعالى: لِما يُحْيِيكُمْ، يعني: القرآن الذي به حياة القلوب، ويقال لِما يُحْيِيكُمْ- أي أمر الحرب الذي يعزّكم ويصلحكم ويقويكم بعد الضعف (١) وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا فارس بن مردويه، عن محمد بن الفضل، عن أبي مطيع، عن حماد بن سلمة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: «يحول بين المؤمن ومعاصيه التي تسوقه وتجره إلى النار، ويحول بين الكافر وطاعته التي تجره إلى الجنة» (٢) يُرِيدُ المَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاه ...

وَيَأْبَى الله إلاَّ مَا أَرَادَا ويقال: يحال بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يعني: وأمله، لأن الأجل حال دون الأمل.

وقال سعيد بن جبير: «يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر» .

وقال مجاهد: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يعني: يدركه ولا يفعله.

ثم قال: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، يعني: في الآخرة، فتثابون بأعمالكم.

قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً قال مقاتل: نزلت الآية في شأن عليّ وطلحة والزبير.

قال الفقيه: حدثنا عمر بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر الواسطي قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً قال: نزلت في شأن أصحاب محمد  .

قال: حدثنا عمر بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر الواسطي قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية، عن السدي، عن المعلى، عن أبي ذرّ: أن عمر أخذ بيده يوماً فغمزها، فقال: خل عني يا قفل الفتنة.

فقال عمر: ما قولك قفل الفتنة؟

قال: إنك جئت ذات يوم فجلست آخر القوم، فقال النبي  : «لا تُصِيبَنَّكُمْ فِتنْةٌ مَا دَامَ هذا فِيكُمْ» .

وروي عن عليّ  أنه قال: «جعلت أنا وعثمان (٣) 18] .

ثم قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، أي: لمن وقع في الفتنة.

ثم ذكرهم النعم فقال: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ، يعني واحفظوا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلاً في العدد وهم المهاجرون والأنصار، مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ يعني: مقهورون في أرض مكة.

تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ، يعني: يختلسكم الناس ويذهب بكم الكفار- وهم أهل فارس والروم (٤) ثم قال: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، يعني: الحلال، وهو الغنيمة.

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يعني لكي تشكروا الله وتطيعوه وتعرفوا ذلك منه.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) عزاه السيوطي 4/ 44 إلى ابن شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.

(٣) في النسخة «أ» و «عمر» بدل و «عثمان» .

(٤) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون «إذْ» ظرفاً للذِّكْر.

وإِنما يعمل الذِّكْرُ في «إذْ» لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية.

فقَالَتْ فرقَةٌ وهي الأكثر: هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى: المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر: وَقْعَةُ بَدْرٍ وما انجر معها في وقتها، والطيبات: الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة: الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا: عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر: هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، والطّيّبات: الغنيمة.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ:

التنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل: هي في تنقّص أوامره في سِرٍّ.

وقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ.

قال الطبريُّ «١» : يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ كأنه قال: لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى: لا تخونوا اللَّه والرسول فذلك خيانةٌ لأماناتكم.

وقوله: فِتْنَةٌ

، يريد: محنةً واختبارا وامتحانا ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك.

وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

، يريد: فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإِن المذخور للآخرة أعظم أجرا.

قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ...

الآية: وعْدٌ للمؤمنين بشرط

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فارِسٌ والرُّومُ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَضَرُوا بَدْرًا، والمُسْلِمُونَ قَلِيلُونَ يَوْمَئِذٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: فَآَواكم فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَآَواكم إلى المَدِينَةِ بِالهِجْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: جَعَلَ لَكم مَأْوى تَسْكُنُونَ فِيهِ آَمِنِينَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: عَضَّدَكم بِنَصْرِهِ في بَدْرٍ وغَيْرِها، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الغَنائِمُ الَّتِي أحَلَّها لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها الخَيْراتُ الَّتِي مَكَّنَهم مِنها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ الناسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ، أسْبَقُها إلى النَفْسِ أنْ يُرِيدَ اللهُ أنْ يُحَذِّرَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن فِتْنَةٍ إنْ أصابَتْ لَمْ تَخُصَّ الظَلَمَةَ فَقَطْ، بَلْ تُصِيبُ الكُلَّ مِن ظالِمٍ وبَرِيءٍ، وهَذا التَأْوِيلُ تَأوَّلَ فِيها الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَإنَّهُ قالَ يَوْمَ الجَمَلِ: "وَما عَلِمْتُ أنّا أُرِدْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا اليَوْمَ، وما كُنْتُ أظُنُّها إلّا فِيمَن خُوطِبَ بِها ذَلِكَ الوَقْتَ"، وكَذَلِكَ تَأوَّلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فَإنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُبَيْرِ "، وكَذَلِكَ تَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ قالَ: "أمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يُقِرُّوا المُنْكِرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ العَذابُ"، وبَيَّنَهُ القُتَبِيُّ فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ عنهُ بَيانًا شافِيًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ لا تُصِيبَنَّ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- صِفَةً لِلْفِتْنَةِ، فَكانَ الواجِبُ -إذا قَدَّرْنا ذَلِكَ- أنْ يَكُونَ اللَفْظُ: "لا تُصِيبُ"، وتُلُطِّفَ لِدُخُولِ النُونِ الثَقِيلَةِ في الخَبَرِ عَنِ الفِتْنَةِ، فَقالَ الزَجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ أنَّ الكَلامَ جَزاءٌ فِيهِ طُرُقٌ مِنَ النَهْيِ، قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ  ﴾ فالمَعْنى: إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكُمْ، فَكَذَلِكَ هَذا: إنْ تَتَّقُوا لا تُصِيبَنَّ، وقالَ قَوْمٌ: هو خَبَرٌ بِمَعْنى الجَزاءِ فَلِذَلِكَ أمْكَنَ دُخُولُ النُونِ.

وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: هو جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: "واتَّقَوْا فِتْنَةً واللهِ لا تُصِيبَنَّ"، ودَخَلَتِ النُونُ مَعَ "لا" حَمْلًا عَلى دُخُولِها مَعَ اللامِ فَقَطْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ تَكَرُّهٌ، لِأنَّ جَوابَ القَسَمِ إذا دَخَلَتْهُ "لا" أو كانَ مَنفِيًّا في الجُمْلَةِ لَمْ تَدْخُلِ النُونُ، وإذا كانَ مُوجَبًا دَخَلَتْهُ اللامُ والنُونُ الشَدِيدَةُ كَقَوْلِكَ: "واللهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ، واللهِ لِيَقُومَنَّ زَيْدٌ"، هَذا هو قانُونُ البابِ، ولَكِنْ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ يَسْتَقِيمُ مَعَ التَكَرُّهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ في الآيَةِ هو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً ﴾ خِطابًا عامًّا لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ ثُمَّ ابْتَدَأ نَهْيُ الظَلَمَةِ خاصَّةً عَنِ التَعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَتُصِيبُهُمُ الفِتْنَةُ خاصَّةً، وأُخْرِجَ النَهْيُ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ لِلْفِتْنَةِ فَهو نَهْيٌ مُحَوَّلٌ، والعَرَبُ تَفْعَلُ هَذا كَما قالُوا: "لا أرَيْنَّكَ هاهُنا"، يُرِيدُونَ: لا تَقُمْ هاهُنا فَتَقَعَ مِنِّي رُؤْيَتُكَ، ولَمْ يُرِيدُوا نَهْيَ الإنْسانِ الرائِي نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ المُرادُ في الآيَةِ: لا يَقَعُ مِن ظَلَمَتِكم ظُلْمٌ فَتَقَعَ مِنَ الفِتْنَةِ إصابَتُهُمْ، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ، وحَكاهُ النَقّاشُ عَنِ الفَرّاءِ، ونَهْيُ الظَلَمَةِ هاهُنا بِلَفْظِ مُخاطَبَةِ الجَمْعِ كَما تَقُولُ لِقَوْمٌ: "لا يَفْعَلْ سُفَهاؤُكم كَذا وكَذا" وأنْتَ إنَّما تُرِيدُ نَهْيَ السُفَهاءِ فَقَطْ.

و ﴿ خاصَّةً ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةً خاصَّةً، فَهي نَصْبٌ عَلى الحالِ لَمّا انْحَذَفَ المَصْدَرُ، وهي مِنَ الضَمِيرِ في "تُصِيبَنَّ"، وهَذا الفِعْلُ هو العامِلُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "خاصَّةً" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "ظَلَمُوا" ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.

والأوَّلُ أمْكَنُ في المَعْنى.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ جَمّازٍ: "لَتُصِيبَنَّ" بِاللامِ عَلى جَوابِ قَسَمٍ.

والمَعْنى عَلى هَذا وعِيدُ الظَلَمَةِ فَقَطْ، قالَ أبُو الفَتْحِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ القِراءَةِ: "لا تُصِيبَنَّ" فَحُذِفَ الألِفُ مِن "لا" تَخْفِيفًا واكْتِفاءً بِالحَرَكَةِ، كَما قالُوا: "أمْ واللهِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقِراءَةِ الجَماعَةِ "لا تُصِيبَنَّ": "لَتُصِيبَنَّ" فَمَطُلَتْ حَرَكَةُ اللامِ فَحَدَثَتْ عنها ألِفٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَنَطُّعٌ في التَحْمِيلِ، وحَكى النَقّاشُ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ الزُبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، وهَذا خِلافٌ لِما حَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن تَأْوِيلِ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الآيَةِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: "واتَّقَوْا فِتْنَةً أنْ تُصِيبَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ وعِيدٌ يَلْتَئِمُ مَعَ تَأْوِيلِ الزَبِيرِ والحَسَنِ التِئامًا حَسَنًا، ويَلْتَئِمُ مَعَ سائِرِ التَأْوِيلاتِ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا تُصِيبَنَّ ﴾ هي عَلى مَعْنى الدُعاءِ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ نِعَمِ اللهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، و"إذْ" ظَرْفٌ لِمَعْمُولٍ "واذْكُرُوا"، تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرُوا حالَكُمُ الكائِنَةَ أوِ الثابِتَةَ إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ"، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "إذْ" ظَرْفًا لِلذِّكْرِ، وإنَّما يَعْمَلُ الذِكْرُ في "إذْ" لَوْ قَدَّرْناها مَفْعُولَةً.

واخْتَلَفَ الناسُ في الحالِ المُشارِ إلَيْها بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ هي الأكْثَرُ: هي حالُ مَكَّةَ في وقْتِ بَدْأةِ الإسْلامِ، والناسُ الَّذِينَ يُخافُ تَخَطُّفُهُمْ: كُفّارُ مَكَّةَ، والمَأْوى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: المَدِينَةُ والأنْصارُ، والتَأْيِيدُ بِالنَصْرِ: وقْعَةُ بَدْرٍ وما أُنْجِزَ مَعَها في وقْتِها، والطَيِّباتُ: الغَنائِمُ وسائِرُ ما فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحالُ المُشارُ إلَيْها هي حالُ رَسُولِ اللهِ  وأصْحابِهِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، والناسُ الَّذِينَ يُخافُ تَخَطُّفُهم -عَلى هَذا-: عَسْكَرُ مَكَّةَ وسائِرُ القَبائِلِ المُجاوِرَةُ، فَإنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَتَخَوَّفُ مِن بَعْضِهِمْ، والمَأْوى -عَلى هَذا- والتَأْيِيدُ بِالنَصْرِ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ والتَغْلِيبُ عَلى العَدُوِّ، والطَيِّباتُ: الغَنِيمَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ قَوْلانِ يُناسِبانِ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةُ: الحالُ المُشارُ إلَيْها هي حالُ العَرَبِ قاطِبَةً، فَإنَّها كانَتْ أعْرى الناسِ أجْسامًا وأجْوَعَهم بُطُونًا وأقَلَّهم رِجالًا ونِعَمًا، والناسُ الَّذِينَ يُخافُ تَخَطُّفُهم -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: فارِسُ والرُومُ، والمَأْوى -عَلى هَذا- هو النُبُوءَةُ والشَرِيعَةُ، والتَأْيِيدُ بِالنَصْرِ هو فَتْحُ البِلادِ وغَلَبَةُ المُلُوكِ، والطَيِّباتُ هي نِعَمُ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يَرُدُّهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كافِرَةً إلّا القَلِيلَ، ولَمْ تَتَرَتَّبِ الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَها هَذا المُتَأوِّلُ، وإنَّما كانَ يُمْكِنُ أنْ يُخاطَبَ العَرَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَإنْ تَمَثَّلَ أحَدٌ بِهَذِهِ الآيَةِ لِحالَةِ العَرَبِ فَتَمَثُّلُهُ صَحِيحٌ، وأمّا أنْ تَكُونَ حالَةُ العَرَبِ هي سَبَبَ الآيَةِ فَبَعِيدٌ لِما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ تَرَجٍّ بِحَسَبِ البَشَرِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( واذْكُرُوا ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطف على الأمر بالاستجابة لله فيما يدعوهم إليه، وعلى إعلامهم بأن الله لا تخفى عليه نياتُهم، وعلى التحذير من فتنة الخلاف على الرسول صلى الله عليه وسلم تذكيرُهم بنعمة الله عليهم بالعزة والنصر، بعد الضعف والقلة والخوف، ليذكروا كيف يسر الله لهم أسباب النصر من غير مظانها، حتى أوصلهم إلى مكافحة عدوهم وأن يتقيَ أعداؤُهم بأسَهم، فكيف لا يستجيبون لله فيما بعد ذلك، وهم قد كثروا وعزوا وانتصروا، فالخطاب للمؤمنين يومئذٍ، ومجيء هذه الخطابات بعد وصفهم بالذين آمنوا إيماء إلى أن الإيمان هو الذي ساقَ لهم هذه الخيرات كلها، وأنه سيكون هذا أثَرَه فيهم كلما احتفظوا عليه كُفُوه من قبللِ سُؤالهم، ومن قبل تسديد حالهم، فكيف لا يكونون بعد ترفّه حالهم أشد استجابة وأثبت قلوباً.

وفعل ﴿ واذكروا ﴾ مشتق من الذكر بضم الدال وهو التذكر لا ذكر اللسان، أي تَذَكروا.

و ﴿ إذْ ﴾ اسم زمان مجرد عن الظرفية، فهو منصوب على المفعول به، أي اذكروا زمن كنتم قليلاً.

وجملة: ﴿ أنتم قليل ﴾ مضاف إليها ﴿ إذْ ﴾ ليحصل تعريف المضاف، وجيء بالجملة اسمية للدلالة على ثبات وصف القلة والاستضعاف فيهم.

وأخبر ب ﴿ قليل ﴾ وهو مفرد عن ضمير الجماعة لأن قليلاً وكثيراً قد يجيئان غير مطابقين لما جريا عليه، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ معه ربيون كثيرٌ ﴾ في سورة [آل عمران: 146].

والأرض يراد بها الدنيا كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ في سورة [الأعراف: 56] فالتعريف شبيه بتعريف الجنس، أو أريد بها أرض مكة، فالتعريف للعهد، والمعنى تذكير المؤمنين بأيام إقامتهم بمكة قليلاً مستضعفين بين المشركين، فإنهم كانوا حينئذٍ طائفة قليلة العدد قد جفاهم قومهم وعادوهم فصاروا لا قوم لهم وكانوا على دين لا يعرفه أحد من أهل العالم فلا يطمعون في نصرِ موافق لهم في دينهم وإذا كانوا كذلك وهم في مكة فهم كذلك في غيرها من الأرض فآواهم الله بأن صرف أهل مكة عن استيصالهم ثم بأن قيّض الإنصار أهلَ العقبة الأولى وأهلَ العقبة الثانية، فأسْلموا وصاروا أنصاراً لهم بيثرب، ثم أخرجهم من مكة إلى بلاد الحبشة فئاواهم بها، ثم أمرهم بالهجرة إلى يثرب فئاواهم بها، ثم صار جميع المؤمنين بها أعداء للمشركين فنصرهم هنالك على المشركين يوم بدر، فالله الذي يسّر لهم ذلك كله قبل أن يكون لهم فيه كسب أو تعمّل، أفلا يكون ناصراً لهم بعد أن ازدادوا وعزوا وسعَوا للنصر بأسبابه، وأفلا يستجيبونهم له إذا دعاهم لما يحييهم وحالهم أقرب إلى النصر منها يوم كانوا قليلاً مستضعفين.

والتخطف شدة الخطف، والخطف: الأخذ بسرعة، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ [البقرة: 20] وهو هنا مستعار للغلبة السريعة لأن الغلبة شبه الأخذ، فإذا كانت سريعة أشبهت الخطف، قال تعالى: ﴿ ويتخطف الناس من حولهم ﴾ [العنكبوت: 27] أي يأخذكم أعداؤكم بدون كبرى مشقة، ولا طول محاربة إذ كنتم لقمة سَايغة لهم، وكانوا أشد منكم قوة، لولا أن الله صرفهم عنكم، وقد كان المؤمنون خائفين في مكة، وكانوا خائفين في طرق هجرتيْهم، وكانوا خائفين يوم بدَر، حتى أذاقهم الله نعمة الأمن من بعد النصر يوم بدر.

و ﴿ الناس ﴾ مراد بهم ناس معهودون وهم الأعداء، المشركون من أهل مكة وغيرهم، أي طائفة معروفة من جنس الناس من العراب الموالين لهم.

وما رزقهم الله من الطيبات: هي الأموال التي غنموها يوم بدر.

والإيواء: جعل الغيْر ءاوياً، أي راجِعاً إلى الذي يجعله، فيؤول معناه إلى الحفظ والرعاية.

والتأييد: التقوية أي جعل الشيء ذا أيد، أي ذا قدرة على العمل، لأن اليد يكنى بها عن القدرة قال تعالى: ﴿ واذْكر عبدنا داود ذا الأيد ﴾ [ص: 17].

وجملة: ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ إدماج بذكر نعمة توفير الرزق في خلال المنة بنعمة النصر وتوفير العَدد بعد الضعف والقلة، فإن الأمن ووفرة العدد يجلبان سعة الرزق.

ومضمون هذه الآية صادق أيضاً على المسلمين في كل عصر من عصور النبوة والخلافة الراشدة، فجماعتهم لم تزل في ازدياد عزة ومنعة، ولم تزل منصورة على الأمم العظيمة التي كانوا يخافونها من قبل أن يؤمنوا، فقد نصرهم الله على هوازن يوم حُنين، ونصرهم على الروم يوم تَبوك ونصرهم على الفرس يوم القادسية، وعلى الروم في مصر، وفي برقة، وفي إفريقية، وفي بلاد الجلالقة، وفي بلاد الفرنجة من أوروبا، فلما زاغ المسلمون وتفرقوا أخذ أمرهم يقِف ثم ينقبض ابتداء من ظهور الدعوة العباسية، وهي أعظم تفرق وقع في الدولة الإسلامية.

وقد نبههم الله تعالى بقوله: ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلما أعطوا حق الشكر دام أمرهم في تصاعد، وحين نَسوه أخذ أمرهم في تراجع ولله عاقبة الأمور.

ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم ينبه المسلمين بالموعظة أن لا يحيدوا عن أسباب بقاء عزهم، وفي الحديث، عن حذيفة بن اليمان قال: «قلت يا رسول الله إنّا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخَيْر من شَر» قال: نعم «قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟

قال: نعم وفيه دَخَن» الحديث، وفي الحديث الآخر «بُدئ هذا الدين غريباً وسيَعْود كما بُدئ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ قِلَّتَهم إذْ كانُوا بِمَكَّةَ وذِلَّتَهم بِاسْتِضْعافِ قُرَيْشٍ لَهم.

وَفي هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهم بِذَلِكَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: الإخْبارُ بِصِدْقِ وعْدِهِ لَهم.

﴿ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالنّاسِ كُفّارَ قُرَيْشٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.

والثّانِي: فارِسَ والرُّومَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ ﴿ فَآواكُمْ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَسْكُنُونَ فِيهِ آمِنِينَ.

والثّانِي: فَآواكم بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ﴾ أيْ قَوّاكم بِنَصْرِهِ لَكم عَلى أعْدائِكم يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي مِنَ الحَلالِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مَكَّنَكم فِيهِ مِنَ الخَيْراتِ.

والثّانِي: ما أباحَكم مِنَ الغَنائِمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُهاجِرِينَ خاصَّةً بَعْدَ بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل...

﴾ الآية.

قال: كان هذا الحي أذل الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأبينه ضلالة، معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم.

لا والله ما في بلادهم يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم ردى في النار، يؤكلون ولا يأكلون.

لا والله ما نعلم قبيلا ًمن حاضر الأرض يومئذ كان أشر منزلاً منهم حتى جاء الله بالإِسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله عز وجل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ يتخطفكم الناس ﴾ قال: في الجاهلية بمكة فآواكم إلى الإِسلام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه في قوله: ﴿ يتخطفكم الناس ﴾ قال: الناس إذ ذاك: فارس والروم.

وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ﴾ قيل: يا رسول الله ومن الناس؟

قال «أهل فارس» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فآواكم ﴾ قال: إلى الأنصار بالمدينة ﴿ وأيدكم بنصره ﴾ قال: يوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ﴾ الآية، قال أبو علي: هذا من الذكر الذي يكون عن النسيان، والمعنى: قابلوا حالكم التي أنتم عليها الآن بتلك الحال المتقدمة ليتبين لكم موضع النعمة فتشكروا عليه (١) (٢) (٣) (٤) وقال عكرمة: يعني النبي ومن معه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، قال ابن عباس (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ﴾ ، قال ابن عباس: ﴿ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ﴾ إذ أخرجتم منها، والناس هاهنا: العرب (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَآوَاكُمْ ﴾ أي جعل لكم مأوى ترجعون إليه وتسكنون فيه، قال ابن عباس: فضمكم إلى الأنصار (١٥) (١٦) ﴿ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد بقوته (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ يعني الغنائم ببدر في قول ابن عباس (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ، قال عطاء: يريد: كي تطيعوا (٢٣) (٢٤) (١) أي: على موضع النعمة.

(٢) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 428.

(٣) رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص180 عنه عن ابن عباس.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 407.

(٥) رواه ابن جرير 9/ 219 - 220، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 310، و"معالم التنزيل" 3/ 347.

(٦) عنفوان الشيء: أوله، انظر: "الصحاح" (عنف) 4/ 1407، و"مجمل اللغة" (عنف) 3/ 632.

(٧) ذكره الثعلي 6/ 53 أبلا نسبة.

(٨) ذكره ابن الجوزي 3/ 343، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 453.

(٩) ذكره الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص180 عنه عن ابن عباس، وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 394.

(١٠) ذكره ابن الجوزي 3/ 343 بمعناه.

(١١) انظر: "تفسير عبد الرزاق الصنعاني" 1/ 2/ 258، وابن جرير 9/ 220، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص180 عنه عن ابن عباس.

(١٢) كالسدي فيما رواه عنه ابن جرير 9/ 220، وقتادة فيما رواه عنه ابن أبي حاتم 5/ 1682.

(١٣) رواه بمعناه ابن جرير 9/ 219 - 220، ورواه البغوي 13/ 347 عن عكرمة بلفظ: كفار العرب.

وانظر: القرطبي 7/ 394.

(١٤) رواه ابن جرير 13/ 478، وابن أبي حاتم 3/ 238 أ، والثعلبي 6/ 53 أ، والصنعاني 1/ 2/ 258، ولم يذكر الروم، وذكره السيوطي في "الدر" 4/ 47، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.

(١٥) ذكره القرطبي 7/ 394، وبمعناه ابن الجوزي 3/ 343 ن والفيروزأبادي ص 180 وأبو حيان 5/ 306.

(١٦) رواه ابن جرير 13/ 479 عن السدي، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" == 3/ 343 إلى ابن عباس والأكثرين، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 180 عن الكلبي عن ابن عباس.

(١٧) رواه الفيروزأبادي ص 180 بلفظ: أعانكم وقواكم بنصرته يوم بدر.

(١٨) رواه ابن جرير 9/ 220 بمعناه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 322، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.

(١٩) رواه البغوي 3/ 347 عن الكلبي، وكذلك المؤلف في "الوسيط" 2/ 453، ونسبه ابن الجوزي 3/ 343 إلى الجمهور.

(٢٠) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 180، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 485.

(٢١) رواه البغوي 3/ 347.

(٢٢) لم أجد من ذكره عنه.

(٢٣) لم أجد من ذكره عنه.

(٢٤) لم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني، وانظر معناه في: "تفسير ابن جرير" 9/ 219، و"البحر المحيط" 4/ 485.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ أي للطاعة، وقيل: للجهاد لأنه يحيا بالنصر ﴿ يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ﴾ قيل: يميته، وقيل: يصرِّف قلبه كيف يشاء فينقلب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان وشبه ذلك ﴿ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ أي لا تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر ولم ينه عن الظلم.

وإن كان لم يظلم.

وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل، ودخلت النون في تصيبن لأن بمعنى النهي ﴿ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ ﴾ الآية: أي حين كانوا بمكة وآواكم بالمدينة، وأيدكم بنصره في بدر وغيرها ﴿ لاَ تَخُونُواْ الله ﴾ نزلت في قصة أبي لبابة حين أشار إلى بني قريظة أن ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح، وقيل: المعنى: لا تخونوا بغلول الغنائم ولفظها عام ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ عطف على لا تخونوا أو منصوب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تولوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ تسمعون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ لأسمعهم ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ لما يحييكم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ خاصة ﴾ ج لما مر ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ لا للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أو يخرجوك ﴾ ط ﴿ ويمكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ذكر نحو من قصة بدر والغنائم.

أدَّب المؤمنين أحسن تأديب فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله في قسمة الغنائم وغيرها ثم قال ﴿ ولا تولوا عنه ﴾ فوحد الضمير لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد، أو لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ وكقولك الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان وجوّز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة أي لا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ لم يبين أنهم ماذا يمسعون إلا أنه يعلم من مساق الكلام في السورة أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد أو المراد وأنتم تسمعون الأمر المذكور، أو وأنتم تصدقون بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ لأنهم ليسوا بمصدقين فلا يصح دعوى السماع منهم.

وتحقيق ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف ويلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول، ثم أكد التكاليف المذكورة بقوله ﴿ إن شر الدواب ﴾ أي إن شر من يدب على الأرض، أو إن شر البهائم.

والفرق بين التفسيرين أن الأوّل حقيقة إلا أنه ذكر في معرض الذم كقولك لمن لا يفهم الكلام هو شبح وجسد.

والثاني مذكور في معرض التشبيه بالبهائم بل جعلهم شرّها لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بالحواس كقوله ﴿ بل هم أضل  ﴾ ومعنى ﴿ عند الله ﴾ أي في حكمه وقضائه.

ثم قال ﴿ ولو علم الله فيهم ﴾ أي في هؤلاء الصم البكم ﴿ خيراً لأسمعهم ﴾ عن ابن جريج: هم المنافقون.

وعن الحسن: أهل الكتاب، وقيل: بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء.

وروي أنهم سألوا النبي أن يحيي لهم قصي ابن كلاب وعيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوّته، فبيّن  أنه لو علم فيهم خيراً وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ولكنه  علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت.

وأنهم لو أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه على عادتهم المستمرة.

واعلم أن معلومات الله  على أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وإن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله، وإن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً فكيف يكون حاله، والأولان علم بالواقع، والآخران الباقيان علم بالمقدر ومن هذا القبيل.

قوله  ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ وتقدير الكلام لو حصل فيهم خيراً لأسمعهم الله الحجج والمواعظ فعبر عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وأورد على الآية أنها على صورة قياس شرطي فإذا حذفنا الحد الأوسط بقيت النتيجة: لو علم الله فيهم خيراً لتولوا ولكن كلمة "لو" وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيكون التولي منتفياً لأجل انتفاء علم الله الخير فيهم بل لأجل انتفاء الخير فيهم.

لكن انتفاء التولي خير من الخيرات فأوّل الكلام يقتضي نفي الخير عنهم وأخره يقتضي.

حصول الخير فيهم وهذا تناقض والجواب المنع من أن الحد الأوسط مكرر لأن المراد بالإسماع الأوّل إسماع التفهم وإلزام القبول، والمراد بالإسماع الثاني صورة الإسماع فحسب، وأيضاً كلمة "لو" في المقدمة الثانية هي التي تجيء للمبالغة بمعنى "أن" كقوله  : "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" فإذاً لا تعلق لإحدى الجملتين بالأخرى فلا قياس.

واستدلت الأشاعرة بالآية على أن صدور الإيمان عن الكافر محال لأن الصادق قد أخبر أنهم على تقدير الإسماع معرضون وخلاف علمه وخبره محال.

وقال في الكشاف: لو علم الله فيهم خيراً أي انتفاعاً باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه، أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا وتزييف هذا التفسير سهل.

ثم علم المؤمنين أدباً آخر فقال ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ فوحد الضمير كما مر.

والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض.عن أبي هريرة أن النبي  مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟

قال: كنت أصلي.

قال: ألم تخبر فيما أوحي إليّ ﴿ استجيبوا لله وللرسول ﴾ ؟

قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك، وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه اللوم.

ثم قيل: إن هذا مما اختص به رسول الله  وقيل: إندعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته.

ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه وجوهاً: قال السدي: هو الإسلام والإيمان لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته بدليل قوله ﴿ يخرج الحي من الميت  ﴾ أي المؤمن من الكافر.

وقال قتادة: يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية.

والأكثرون على أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوّين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله ﴿ بل أحياء عند ربهم  ﴾ ، وقيل: إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة.

والمراد لما يحييكم الحياة الطيبة كما قال ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ، ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل الواحدي عن ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته.

فالسعيد من أسعده الله والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع الأسباب إليه، ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإنه إليه يحشرون ﴾ ليعلم أنهم مع كونهم مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين.

وقالت المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر العاجز سفه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإنه  أمر بالاستجابة لله وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير المقدور جائزاً لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم.

فإذا لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر.

فتأويلها أن الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله ﴿ وإنه ﴾ أي وأن الشأن أو الله إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه  يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفاً وبالخوف أمناً، وبالذكر نسياناً وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله  ، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا.

وقال مجاهد: المراد بالقلب العقل والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون.

ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان.

وعن الحسن: إن الغرض التنبيه على أنه  مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد من قرب قلبه منه كقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ ثم حذرهم الفتن والاختلاف فقال ﴿ واتقوا فتنة ﴾ قيل: هو العذاب.

وقيل: افتراق الكلمة.

وقيل: إقرار المنكر بين أظهرهم.

وقوله ﴿ لا تصيبن ﴾ إما أن يكون جواباً للأمر وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك.

وعلى هذا "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

وقيل: الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم الظالمون حال كونهم ﴿ خاصة ﴾ ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله  ذلك بحكم المالكية أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهياً بعد أمر و"من" للبيان كأنه قيل: احذروا ذنباً أو عقاباً.

ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة.

وهكذا إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولاً فيها لا تصيبن كقوله.

جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط *** عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زماناً وما رأينا أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها.

وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل.

وروي أن الزبير كان يسامر النبي  يوماً إذ أقبل علي فضحك إليه الزبير فقال رسول الله  : كيف حبك لعلي؟

فقال: يا رسول الله يأبى أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حباً.

قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟

ثم ختم الآية بقوله ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة.

ثم ذكرهم نعمه عليهم فقال ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ وانتصابه على أنه مفعول به أي وقت أنكم ﴿ قليل ﴾ يستوي فيه الواحد والجمع ﴿ مستضعفون في الأرض ﴾ أرض مكة قبل الهجرة ﴿ تخافون أن يتخطفكم الناس ﴾ يستلبونكم لكونهم أعداء لكم ﴿ فآواكم ﴾ إلى المدينة ﴿ وأيدكم بنصره ﴾ بمظاهرة الأنصار وبإمدادكم بالملائكة يوم بدر ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ من الغنائم ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي ينقلكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة في الأنفال؟، ثم منعهم من الخيانة في الأمانة.

يروى أن رسول الله  حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله  إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن مروان بن المنذر وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله في أيديهم.

فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى هل ننزل على حكم سعد؟

فأشار إلى حلقه إنه أي إن حكم سعد بن معاذ هو الذبح.

قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية.

فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ.

فمكث سبعة أيام حتى خرّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك في نفسك.

فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله  هو الذي يحلني.

فجاءه فحله بيده فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي.

فقال  : يجزيك الثلث أن تتصدق به.

وقال السدي: كانوا يسمعون من النبي  شيئاً فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك.

وقال ابن زيد نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.

وعن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي  خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فنزلت.

وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة بخروج النبي  إليها حكاه الأصم.

قال القاضي: والأقرب أنها في الغنائم.

فالخيانة فيها خيانة الله لأنها عطيته، وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمتها، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق.

قال: ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان الشتار السبب.

والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقيّ سمي كرباً لأنه يكرب من الدلو أي يقرب منه.

واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه.

وتخونوا يحتمل أن يكون جزماً داخلاً في حكم النهي وأن يكون نصباً بإضمار أن كقوله ﴿ وتكتموا الحق  ﴾ ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عمداً لا سهواً.

وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.

ثم لما كان الداعي إلى الخيانة وهو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان بسبب ذلك نبه الله  على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب فقال ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب ﴿ وإن الله عنده أجر عظيم ﴾ فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى السعادات الروحانية الباقية.

ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل لكونه مفضياً إلى الأجر العظيم عند الله هو أفضل من الاشتغال بالنكاح لأدائه إلى الفتنة.

ثم رغب في التقوى التي توحب الإعراض عن محبة الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله ﴾ في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ﴿ ويجعل لكم فرقاناً ﴾ فارقاً بينكم وبين الكفار في الأحوال الباطنة بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية، وفي الأحوال الظاهرة بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم، وفي أحوال الآخرة بالثواب الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة.

﴿ ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم ﴿ ويغفر لكم ﴾ في دار الجزاء ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فإذا وعد بشيء وفى به أحسن الإيفاء.

ومن عظيم فضله أنه يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل إلا بعد أن يخلق الله فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من الانتفاع بذلك.

وبعد أن يكون قد تصوّر فيه ثواباً أو ثناء، أو حمله على ذلك رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا لله  فلهذا وصفه بالعظم.

ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل ﴾ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة.

والمعنى واذكر وقت مكرهم.

فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: ذكروا أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله  فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً.

فقالوا: هذا من نجد لا بأس عليكم به.

فقال أبو البختري من بني عبد الدار: رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم.

فقال: بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا.

فقال الشيخ: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً.

فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله  وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر علياً  فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه.

وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم.

ومعنى ﴿ ليثبتوك ﴾ قال ابن عباس: ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري.

وقوله ﴿ أو يقتلوك ﴾ إشارة إلى رأي أبي جهل.

وقوله ﴿ أو يخرجوك ﴾ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام.

وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس.

قال: لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله  لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس.

هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مراراً، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران.

والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله.

فإن قيل: لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين؟

وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.

التأويل: إن شر من دب في الوجود هم ﴿ الصم ﴾ عن استماع كلام الحق.

يسمع القلب والقبول ﴿ إليكم ﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق.

والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿ الذين لا يعقلون ﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿ استجيبوا لله ﴾ إنه  يطلب بالمحجة من العبدالإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿ واعلموا أن الله يحول ﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿ وإنه إليه تحشرون ﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿ واتقوا ﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية.

لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿ قليل ﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿ مستضعفون ﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ.

﴿ يخافون ﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿ فآواكم ﴾ إلى حظائر القدس ﴿ وأيدكم ﴾ بالواردات الربانية ﴿ ورزقكم ﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿ لا تخونوا الله ﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿ فتنة ﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿ أن تتقوا الله ﴾ من غير الله ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ ويكفر عنكم ﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ ويغفر لكم ﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ ليثبتوك ﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿ أو يخرجوك ﴾ من عالم الأرواح ﴿ والله خير الماكرين ﴾ يصلح حال أهل الصلاح ألبته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: هذه الآية صلة قوله: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ  ﴾ ، يقول - والله أعلم -: أجيبوا لله وللرسول إلى ما يدعوكم، وإن كانت أنفسكم تكره الخروج لذلك؛ لقلة عددكم، وضعف أبدانكم، وكثرة عدد العدو وقوتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ .

بالذكر، والشرف والثناء الحسن في الدنيا، والحياة في الآخرة اللذيذة الدائمة، وإن متم وهلكتم فيما يدعوكم إليه، يكون لكم في الآخرة حياة الأبد.

ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين، أي: استجيبوا لله في أوامره ونواهيه، وللرسول فيما يدعوكم إليه، وإنما كان يدعو إلى دار الآخرة؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ودار الآخرة هي دار الحياة؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ  ﴾ ؛ كأنه قال: - والله أعلم -: أجيبوا لله وللرسول، فإنه إنما دعاكم إلى ما تحبون فيها، ليس كالكافر الذي لا يموت فيها، ولا يحيا بتركه الإجابة.

﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ .

يخرج على وجهين: يحول بين قلب المؤمن وبين الكفر.

ويحول بين الكافر والإيمان.

وقوله: ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ .

أمكن أن يخرج هذا على الأول، أي: اعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه، يجعل القوي ضعيفاً، والعزيز ذليلاً، والضعيف قوياً، والذليل عزيزاً، والشجاع جباناً، والخائف آمناً، والآمن خائفاً، فأجيبوا للرسول بالخروج للجهاد، وإن كنتم تخافون لضعفكم وقوتهم.

ويحتمل في جملة المؤمنين، أي: من أجاب لله وللرسول إذا دعاه، يجعل قلبه هو الغالب على نفسه، والحائل بينه وبين ما تدعو إليه النفس، وإذا ترك الإجابة، يجعل نفسه هي الحائلة بينه وبين ما يدعو إليه قلبه والداعية إلى ذلك ﴿ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ .

وقيل: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ : بالطاعة في أمر القتال، ﴿ إِذَا دَعَاكُم ﴾ : إلى الحرب، ﴿ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ يعني: بالحرب التي أعزكم الله؛ يقول: أحياكم الله بعد الذل، وقواكم بعد الضعف، وكان ذلك حياة.

﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: يستعجل التوبة قبل أن ينزل به الموت؛ يقول: أجيبوا لله وللرسول قبل أن يحال بين المرء وبين التوبة بالموت.

والثاني: يحول بين المرء وقلبه بالأعمال التي يكتسبها، ينشئ الفعل الذي يفعله طبع قلبه وختمه، وينشئ ظلمة تحول بينه وبين ما يقصده ويدعى إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لاَّ ﴾ هاهنا صلة؛ كأنه قال: "واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

أي: اتقوا الفتنة التي تصيب الظلمة منكم خاصة بظلمهم، وهي العذاب؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا في الآخرة، وهي العذاب، وذلك جائز في الكلام؛ نحو ما قرأ بعضهم قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، بكسر الألف وطرح ﴿ لاَ ﴾ ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، أي: أنها وإن جاءت لا يؤمنون.

وأما على إثبات ﴿ لاَّ ﴾ : فإنه يحتمل وجوهاً: قيل: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ ﴾ ، أي: اتقوا أن تكونوا فتنة للذين ظلموا؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، ووجه جعله إياهم فتنة للذين كفروا: هو أن يجعل العدو غالباً عليهم منتصرين وهم المغلوبون، فيظنون أنهم على حق والمؤمنون على باطل؛ فذلك معنى دعائهم: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ؛ لئلا يقولوا: لو كانوا على حق ما غلبوا، ولا قهروا، ولا انْتُصِرَ منهم.

وقيل: قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ : نهى الأتباع منهم؛ أن يسعوا فيما بين الظلمة بالفساد، ولا يغري بعضهم على بعض، فيقع فيما بينهم الفساد، فيكون هؤلاء الأتباع فتنة للذين ظلموا بإغراء بعضهم على بعض، وذلك معروف فيما بين الخلق في الظلمة، يغري الأتباع بعضهم على بعض؛ فذاك فتنة.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله -  - يغير الأحوال في الخلق: مرة سعة وخصباً، ومرة قحطاً وضيقاً، ومرة غلبة العدو على الأولياء، ونحوه، ويدفع العذاب عن الظلمة بمن لم يظلم ما لم يشاركوا الظلمة، فإذا شاركوا أولئك يحل بأولئك بظلمهم، وأهل الصلاح والعدل بتركهم الظلمة، وأهل الفساد ولهم قوة المنع لهم عن ذلك؛ فيقول: ﴿ لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ ، ولكن تصيبهم وتصيبكم، فقال: ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ أخذ الظلمة العذاب لمشاركة أهل العدل أولئك، فيكونون فتنة لهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ  ﴾ .

أو أن يدفع عن الظلمة البلاء والعذاب ما دام أهل العدل يأمرونهم بالمعروف، ويغيرون عليهم المنكر، فإذا تركوا [ذلك] ولا يغيرون عليهم المنكر، نزل بهم البلاء، فيعمهم البلاء، الظالم وغيره.

والفتنة على وجهين: [الأول] فتنة الجزاء، جزاء أعمالهم، وتلك تأخذ أهلها خاصة.

و[الثاني] فتنة المحنة، وتلك تعم الخلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ...

﴾ الآية.

إن أهل الإسلام في ابتداء الأمر كانوا قليلي العدد، مستضعفين عند الكفرة، حتى كانوا يخافون أن يسلب الكفرة أرواحهم، وكانوا لا يأمنون على أنفسهم بالمقام في البلدان، لقلة عددهم وضعفهم؛ خوفاً على أنفسهم وإشفاقاً فتركوا المقام بالبلدان، وخرجوا إلى الجبال والغيران، فأقاموا فيها، وأكلوا الحشيش والكلأ طعام الأنعام؛ خوفاً على أبدانهم وإشفاقاً على دينهم، ثم إن الله - عز وجل - آواهم، وأنزلهم في البلدان والأمصار، وأيدهم ونصرهم على عدوهم، ورزقهم الطيبات طعام البشر بعد ما أكلوا الحشيش طعام البهائم.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : ليلزمهم الشكر على ذلك، ولا يجوز لهم ألا يشكروا بعد ما أصابوا؛ ذكر هذا - والله أعلم - لنكون نحن من الإشفاق في الدين مثل أولئك حين هربوا منهم، واتخذوا الجبال والغيران بيوتاً، والحشيش طعاماً، وتركوا أموالهم ونعمهم، ورضوا بذلك؛ إشفاقاً على دينهم.

وقال عامة أهل التأويل: نزلت الآية في أهل بدر، وكانوا قليلي العدد والعدة، ضعيفي الأبدان، والعدو كثير العدد، وقوي الأبدان، فاشتد عليهم الخروج لذلك؛ كقوله: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 5]، فيكفما كان ففيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ ﴾ .

أي: إذ كنتم قليلاً.

وفيه دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله - فيمن قال: هذا الشيء لفلان اشتريته منه، صدق، ويصير كأنه قال: هذا الشيء كان لفلان اشتريته منه؛ دليله قوله: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: إذ كنتم قليلاً.

وقوله: ﴿ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ﴾ .

على هذا التأويل [أي]: بالملائكة.

﴿ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

المغانم التي رزقهم وأحل لهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا -أيها المؤمنون- حين كنتم في مكة قليلي العدد، يستضعفكم أهلها، ويقهرونكم، تخافون أن يأخذكم أعداؤكم بسرعة، فضمكم الله إلى مأوى تأوون إليه وهو المدينة، وقَوَّاكم بالنصر على أعدائكم في مواطن الحرب التي منها بدر، ورزقكم من الطيبات، ومن جملتها الغنائم التي أخذتموها من أعدائكم، لعلكم تشكرون لله نعمه، فيزيدكم منها، ولا تكفرونها فيسلبها منكم، ويعذبكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.3klxW"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله