الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٤١ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 267 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤١ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة من بين سائر الأمم المتقدمة من إحلال المغانم .
و " الغنيمة " : هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب .
و " الفيء " : ما أخذ منهم بغير ذلك ، كالأموال التي يصالحون عليها ، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم ، والجزية والخراج ونحو ذلك .
هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف .
ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة ، والغنيمة على الفيء أيضا ؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية " الحشر " : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ) الآية [ الحشر : 7 ] ، قال : فنسخت آية " الأنفال " تلك ، وجعلت الغنائم أربعة أخماسها للمجاهدين ، وخمسا منها لهؤلاء المذكورين .
وهذا الذي قاله بعيد ؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر ، وتلك نزلت في بني النضير ، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر ، هذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب ، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول : تلك نزلت في أموال الفيء وهذه في المغانم .
ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعا إلى رأي الإمام يقول : لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام ، والله أعلم .
وقوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط ، قال الله تعالى : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) [ آل عمران : 161 ] .
وقوله : ( فأن لله خمسه وللرسول ) اختلف المفسرون هاهنا ، فقال بعضهم : لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة .
قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية الرياحي قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة ، تكون أربعة أخماس لمن شهدها ، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه ، فيأخذ منه الذي قبض كفه ، فيجعله للكعبة وهو سهم الله .
ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم ، فيكون سهم للرسول ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل وقال آخرون : ذكر الله هاهنا استفتاح كلام للتبرك ، وسهم لرسوله عليه السلام .
قال الضحاك ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرية فغنموا ، خمس الغنيمة ، فضرب ذلك الخمس في خمسة .
ثم قرأ : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ) [ قال : وقوله ] ( فأن لله خمسه ) مفتاح كلام ، لله ما في السماوات وما في الأرض ، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدا .
وهكذا قال إبراهيم النخعي ، والحسن بن محمد بن الحنفية .
والحسن البصري ، والشعبي ، وعطاء بن أبي رباح ، وعبد الله بن بريدة وقتادة ، ومغيرة ، وغير واحد : أن سهم الله ورسوله واحد .
ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح ، عن عبد الله بن شقيق ، عن رجل من بلقين قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بوادي القرى ، وهو يعرض فرسا ، فقلت : يا رسول الله ، ما تقول في الغنيمة ؟
فقال : لله خمسها ، وأربعة أخماس للجيش .
قلت : فما أحد أولى به من أحد ؟
قال : لا ، ولا السهم تستخرجه من جنبك ، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم .
وقال ابن جرير : حدثنا عمران بن موسى ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أبان ، عن الحسن قال : أوصى أبو بكر بالخمس من ماله ، وقال : ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه .
ثم اختلف قائلو هذا القول ، فروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس ، فأربعة منها بين من قاتل عليها ، وخمس واحد يقسم على أربعة ؛ فربع لله وللرسول ولذي القربى - يعني قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فما كان لله وللرسول فهو لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخمس شيئا ، [ والربع الثاني لليتامى ، والربع الثالث للمساكين ، والربع الرابع لابن السبيل ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو معمر المنقري ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن حسين المعلم ، عن عبد الله بن بريدة في قوله : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ) قال : الذي لله فلنبيه ، والذي للرسول لأزواجه .
وقال عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء بن أبي رباح قال : خمس الله والرسول واحد ، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وهذا أعم وأشمل ، وهو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء ، ويرده في أمته كيف شاء - ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم ، عن أبي سلام الأعرج ، عن المقدام بن معدي كرب الكندي : أنه جلس مع عبادة بن الصامت ، وأبي الدرداء ، والحارث بن معاوية الكندي - رضي الله عنهم - فتذاكروا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو الدرداء لعبادة : يا عبادة ، كلمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس ؟
فقال عبادة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم ، فلما سلم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتناول وبرة بين أنملتيه فقال : إن هذه من غنائمكم ، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط ، وأكبر من ذلك وأصغر ، ولا تغلوا ، فإنالغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة ، وجاهدوا الناس في الله ، القريب والبعيد ، ولا تبالوا في الله لومة لائم ، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر ، وجاهدوا في [ سبيل ] الله ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة [ عظيم ] ينجي به الله من الهم والغم .
هذا حديث حسن عظيم ، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه .
ولكن روى الإمام أحمد أيضا ، وأبو داود ، والنسائي ، من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول .
وعن عمرو بن عبسة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم إلى بعير من المغنم ، فلما سلم أخذ وبرة من ذلك البعير ثم قال : ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه ، إلا الخمس ، والخمس مردود فيكم .
رواه أبو داود والنسائي .
وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - من المغانم شيء يصطفيه لنفسه عبدا أو أمة أو فرسا أو سيفا أو نحو ذلك ، كما نص على ذلك محمد بن سيرين وعامر الشعبي ، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء .
وروى الإمام أحمد ، والترمذي - وحسنه - عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر ، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد .
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كانت صفية من الصفي .
رواه أبو داود في سننه .
وروى أيضا بإسناده ، والنسائي أيضا عن يزيد بن عبد الله قال : كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم ، فقرأناها فإذا فيها : من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش ، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وأديتم الخمس من المغنم ، وسهم النبي وسهم الصفي ، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله .
فقلنا : من كتب لك هذا ؟
فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرر هذا وثبوته ؛ ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه .
وقال آخرون : إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين ، كما يتصرف في مال الفيء .
وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية - رحمه الله - : وهذا قول مالك وأكثر السلف ، وهو أصح الأقوال .
فإذا ثبت هذا وعلم ، فقد اختلف أيضا في الذي كان يناله عليه السلام من الخمس ، ماذا يصنع به من بعده ؟
فقال قائلون : يكون لمن يلي الأمر من بعده .
روي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة ، وجاء فيه حديث مرفوع .
وقال آخرون : يصرف في مصالح المسلمين .
وقال آخرون : بل هو مردود على بقية الأصناف : ذوي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، اختاره ابن جرير .
وقال آخرون : بل سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل .
قال ابن جرير : وذلك قول جماعة من أهل العراق .
وقيل : إن الخمس جميعه لذوي القربى كما رواه ابن جرير .
حدثنا الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا عبد الغفار ، حدثنا المنهال بن عمرو ، وسألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين ، عن الخمس فقالا هو لنا .
فقلت لعلي : فإن الله يقول : ( واليتامى والمساكين وابن السبيل ) فقالا : يتامانا ومساكيننا .
وقال سفيان الثوري ، وأبو نعيم ، وأبو أسامة ، عن قيس بن مسلم : سألت الحسن بن محمد بن الحنفية - رحمه الله تعالى - عن قول الله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ) قال هذا مفتاح كلام ، لله الدنيا والآخرة .
ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال قائلون : سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - تسليما للخليفة من بعده .
وقال قائلون : لقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال قائلون : سهم القرابة لقرابة الخليفة .
فاجتمع قولهم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله ، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما .
قال الأعمش ، عن إبراهيم كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكراع والسلاح ، فقلت لإبراهيم : ما كان علي يقول فيه ؟
قال : كان [ علي ] أشدهم فيه .
وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء ، رحمهم الله .
وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب ؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية [ وفي أول الإسلام ] ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحماية له : مسلمهم طاعة لله ولرسوله ، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله .
وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل - وإن كانوا أبناء عمهم - فلم يوافقوهم على ذلك ، بل حاربوهم ونابذوهم ، ومالئوا بطون قريش على حرب الرسول ؛ ولهذا كان ذم أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم ، لشدة قربهم .
ولهذا يقول في أثناء قصيدته : جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجل غير آجل بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني خلف قيضا بنا والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم وآل قصي في الخطوب الأوائل وقال جبير بن مطعم بن عدي [ بن نوفل ] مشيت أنا وعثمان بن عفان - يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : يا رسول الله ، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة ، فقال : إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد .
رواه مسلم وفي بعض روايات هذا الحديث : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام .
وهذا قول جمهور العلماء أنهم بنو هاشم وبنو المطلب .
قال ابن جرير : وقال آخرون : هم بنو هاشم .
ثم روى عن خصيف ، عن مجاهد قال : علم الله أن في بني هاشم فقراء ، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة .
وفي رواية عنه قال : هم قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين لا تحل لهم الصدقة .
ثم روي عن علي بن الحسين نحو ذلك .
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل هم قريش كلها .
حدثني يونس بن عبد الأعلى ، حدثني عبد الله بن نافع ، عن أبي معشر ، عن سعيد المقبري قال : كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن " ذي القربى " ، فكتب إليه ابن عباس : كنا نقول : إنا هم ، فأبى ذلك علينا قومنا ، وقالوا : قريش كلها ذوو قربى .
وهذا الحديث في صحيح مسلم ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي من حديث سعيد المقبري عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القربى فذكره إلى قوله : " فأبى ذلك علينا قومنا " والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني ، وفيه ضعف .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن حنش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رغبت لكم عن غسالة الأيدي ؛ لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم .
هذا حديث حسن الإسناد ، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم ، وقال يحيى بن معين يأتي بمناكير ، والله أعلم .
وقوله : ( واليتامى ) أي : يتامى المسلمين .
واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء ، أو يعم الأغنياء والفقراء ؟
على قولين .
و ) المساكين ) هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم .
( وابن السبيل ) هو المسافر ، أو المريد للسفر ، إلى مسافة تقصر فيها الصلاة ، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك .
وسيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من سورة " براءة " ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة ، وعليه التكلان .
وقوله : ( إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ) أي : امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم ، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزل على رسوله ؛ ولهذا جاء في الصحيحين ، من حديث عبد الله بن عباس ، في حديث وفد عبد القيس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع : آمركم بالإيمان بالله ثم قال : هل تدرون ما الإيمان بالله ؟
شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن تؤدوا الخمس من المغنم .
.
الحديث بطوله ، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان ، وقد بوب البخاري على ذلك في " كتاب الإيمان " من صحيحه فقال : باب أداء الخمس من الإيمان ) ، ثم أورد حديث ابن عباس هذا ، وقد بسطنا الكلام عليه في " شرح البخاري " ولله الحمد والمنة .
وقال مقاتل بن حيان : ( وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ) أي : في القسمة ، وقوله : ( يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ) ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه بما فرق به بين الحق والباطل ببدر ويسمى " الفرقان " ؛ لأن الله تعالى أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل ، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه .
قال علي بن أبي طالب والعوفي ، عن ابن عباس : ( يوم الفرقان ) يوم بدر ، فرق الله فيه بين الحق والباطل .
رواه الحاكم .
وكذا قال مجاهد ، ومقسم وعبيد الله بن عبد الله ، والضحاك ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان ، وغير واحد : أنه يوم بدر .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير في قوله : ( يوم الفرقان ) يوم فرق الله [ فيه ] بين الحق والباطل ، وهو يوم بدر ، وهو أول مشهد شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة ، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة - أو : سبع عشرة - مضت من رمضان ، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلا والمشركون ما بين الألف والتسعمائة .
فهزم الله المشركين ، وقتل منهم زيادة على السبعين ، وأسر منهم مثل ذلك .
وقد روى الحاكم في مستدركه ، من حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن ابن مسعود ، قال في ليلة القدر : تحروها لإحدى عشرة يبقين فإن صبيحتها يوم بدر .
وقال : على شرطهما .
وروي مثله عن عبد الله بن الزبير أيضا ، من حديث جعفر بن برقان ، عن رجل ، عنه .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا يحيى بن يعقوب أبو طالب ، عن ابن عون محمد بن عبيد الله الثقفي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال الحسن بن علي : كانت ليلة " الفرقان يوم التقى الجمعان " لسبع عشرة من رمضان .
إسناد جيد قوي .
ورواه ابن مردويه ، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب ، عن علي قال : كانت ليلة الفرقان - ليلة التقى الجمعان - في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان .
وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير .
وقال يزيد بن أبي حبيب إمام أهل الديار المصرية في زمانه : كان يوم بدر يوم الاثنين .
ولم يتابع على هذا ، وقول الجمهور مقدم عليه ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ قال أبو جعفر: وهذا تعليم من الله عز وجل المؤمنين قَسْمَ غنائمهم إذا غنموها.
يقول تعالى ذكره: واعلموا، أيها المؤمنون ، أن ما غنمتم من غنيمة.
* * * واختلف أهل العلم في معنى " الغنيمة " و " الفيء ".
فقال بعضهم: فيهما معنيان، كل واحد منهما غير صاحبه.
* ذكر من قال ذلك: 16087 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن الحسن بن صالح قال: سألت عطاء بن السائب عن هذه الآية: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " ، وهذه الآية: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [سورة الحشر: 7] ، قال قلت: ما " الفيء "، وما " الغنيمة "؟
قال: إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم, وأخذوهم عنوةً، فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو " غنيمة ", وأما الأرض فهو في سوادنا هذا " فيء ".
(1) * * * وقال آخرون: " الغنيمة "، ما أخذ عنوة، و " الفيء "، ما كان عن صلح.
* ذكر من قال ذلك: 16088 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان الثوري قال: " الغنيمة "، ما أصاب المسلمون عنوة بقتال، فيه الخمس, وأربعة أخماسه لمن شهدها.
و " الفيء "، ما صولحوا عليه بغير قتال, وليس فيه خمس, هو لمن سمَّى الله.
* * * وقال آخرون: " الغنيمة " و " الفيء "، بمعنى واحد.
وقالوا: هذه الآية التي في " الأنفال "، ناسخة قوله: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الآية ، [سورة الحشر: 7].
* ذكر من قال ذلك: 16089 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، قال: كان الفيء في هؤلاء, ثم نسخ ذلك في " سورة الأنفال ", فقال: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " ، فنسخت هذه ما كان قبلها في " سورة الأنفال ", (2) وجعل الخمس لمن كان له الفيء في " سورة الحشر ", وسائر ذلك لمن قاتل عليه.
(3) * * * وقد بينا فيما مضى " الغنيمة ", وأنها المال يوصل إليه من مال من خوّل الله مالَه أهلَ دينه، بغلبة عليه وقهرٍ بقتال.
(4) * * * فأما " الفيء ", فإنه ما أفاء الله على المسلمين من أموال أهل الشرك, وهو ما ردّه عليهم منها بصلح, من غير إيجاف خيل ولا ركاب.
وقد يجوز أن يسمى ما ردّته عليهم منها سيوفهم ورماحهم وغير ذلك من سلاحهم " فيئًا ", لأن " الفيء "، إنما هو مصدر من قول القائل: " فاء الشيء يفيء فيئًا "، إذا رجع= و " أفاءه الله "، إذا ردّه.
(5) غير أن الذي ردّ حكم الله فيه من الفيء بحكمه في " سورة الحشر "، (6) إنما هو ما وصفت صفته من الفيء، دون ما أوجف عليه منه بالخيل والركاب, لعلل قد بينتها في كتاب: (كتاب لطيف القول، في أحكام شرائع الدين)، وسنبينه أيضًا في تفسير " سورة الحشر "، إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى.
(7) * * * وأما قول من قال: الآية التي في " سورة الأنفال "، ناسخةٌ الآيةَ التي في " سورة الحشر "، فلا معنى له, إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى.
وقد بينا معنى " النسخ ", وهو نفي حكم قد ثبت بحكمٍ خلافه, في غير موضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(8) * * * وأما قوله: " من شيء " ، فإنه مرادٌ به: كل ما وقع عليه اسم " شيء "، مما خوّله الله المؤمنين من أموال من غلبوا على ماله من المشركين، مما وقع فيه القَسْم، حتى الخيط والمِخْيط، (9) كما:- 16090 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد قوله: " واعلموا أنما غنمتم من شيء " ، قال: المخيط من " الشيء ".
16091- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد بمثله.
16092- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم الفضل قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.
* * * القول في تأويل قوله : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم قوله: " فأن لله خمسه " ، مفتاحُ كلامٍ, (10) ولله الدنيا والآخرة وما فيهما, وإنما معنى الكلام: فإن للرسول خمسه.
* ذكر من قال ذلك: 16093 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن عن قول الله: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول " ، قال: هذا مفتاح كلامٍ, لله الدنيا والآخرة.
16094- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد عن قوله: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه "، قال: هذا مفتاح كلامٍ، لله الدنيا والآخرة.
(11) 16095- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا أبو شهاب, عن ورقاء, عن نهشل, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا، خمَّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة.
ثم قرأ: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول " .
قال: وقوله: " فأن لله خمسه " ، مفتاح كلام, لله ما في السموات وما في الأرض، فجعل الله سهم الله وسهم الرسول واحدًا.
(12) 16096- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم: " فأن لله خمسه "، قال: لله كل شيء.
16097 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم في قوله: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه "، قال: لله كل شيء, وخُمس لله ورسوله, ويقسم ما سوى ذلك على أربعة أسهم.
16098 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس, فأربعة أخماس لمن قاتل عليها, ويقسم الخمس الباقي على خمسة أخماس, فخمس لله والرسول.
16099 - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا أبان, عن الحسن قال: أوصى أبو بكر رحمه الله بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه.
16100 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل, عن عبد الملك, عن عطاء: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول " ، قال: خمس الله وخمس رسوله واحد.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويضع فيه ما شاء.
(13) 16101- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا أبو عوانة, عن المغيرة, عن أصحابه, عن إبراهيم: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه "، قال: كل شيء لله, الخمس للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فإن لبيت الله خمسه وللرسول.
* ذكر من قال ذلك: 16102 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع بن الجراح, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية الرياحي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤتَى بالغنيمة, فيقسمها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها, ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه, فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة, وهو سهم الله.
ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى, وسهم لليتامى, وسهم للمساكين, وسهم لابن السبيل.
16103- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " ، إلى آخر الآية ، قال: فكان يُجَاء بالغنيمة فتوضع, فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم, فيجعل أربعة بين الناس، ويأخذ سهمًا, ثم يضرب بيده في جميع ذلك السهم, فما قَبَضَ عليه من شيء جعله للكعبة, فهو الذي سُمِّي لله, ويقول: " لا تجعلوا لله نصيبًا، فإن لله الدنيا والآخرة, ثم يقسم بقيته على خمسة أسهم: سهم للنبي صلى الله عليه وسلم , وسهم لذوي القربى, وسهم لليتامى, وسهم للمساكين, وسهم لابن السبيل.
(14) * * * وقال آخرون: ما سُمِّي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، فإنما هو مرادٌ به قرابته, وليس لله ولا لرسوله منه شيء.
* ذكر من قال ذلك: 16104 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس, فأربعة منها لمن قاتل عليها, وخمس واحد يقسم على أربعة: فربع لله والرسول ولذي القربى = يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم = فما كان لله والرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم , ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس شيئًا.
والربع الثاني لليتامى, والربع الثالث للمساكين, والربع الرابع لابن السبيل.
(15) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: قوله: " فأن لله خمسه " ، " افتتاح كلام "، وذلك لإجماع الحجة على أنّ الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم, ولو كان لله فيه سهم، كما قال أبو العالية, لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسومًا على ستة أسهم.
وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها, فأما على أكثر من ذلك، فما لا نعلم قائلا قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن أبي العالية.
وفي إجماع من ذكرت، الدلالةُ الواضحةُ على صحة ما اخترنا.
* * * فأما من قال: " سهم الرسول لذوي القربى ", فقد أوجب للرسول سهمًا، وإن كان صلى الله عليه وسلم صرفه إلى ذوي قرابته, فلم يخرج من أن يكون القسم كان على خمسة أسهم، وقد:- 16105 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " ، الآية ، قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا غنم غنيمة جعلت أخماسًا, فكان خمس لله ولرسوله, ويقسم المسلمون ما بقي.
وكان الخمس الذي جُعل لله ولرسوله، لرسوله ولذوي القربى واليتامى وللمساكين وابن السبيل (16) فكان هذا الخمس خمسة أخماس: خمس لله ورسوله, وخمس لذوي القربى.
وخمس لليتامى, وخمس للمساكين.
وخمس لابن السبيل.
16106 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت يحيى بن الجزار عن سهم النبي صلى الله عليه وسلم , فقال: هو خُمْس الخمس.
(17) 16107- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, وجرير عن موسى بن أبي عائشة, عن يحيى بن الجزار، مثله.
16108 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن موسى بن أبي عائشة, عن يحيى بن الجزار، مثله.
16109 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " فأن لله خمسه " ، قال: أربعة أخماس لمن حضر البأس, والخمس الباقي لله والرسول، خمسه يضعه حيث رأى, وخمسه لذوي القربى, وخمسه لليتامى, وخمسة للمساكين, ولابن السبيل خمسه.
* * * وأما قوله: " ولذي القربى " ، فإن أهل التأويل اختلفوا فيهم.
فقال بعضهم: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم.
* ذكر من قال ذلك: 16110 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي, عن شريك, عن خصيف, عن مجاهد قال: كان آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحلّ لهم الصدقة, فجعل لهم خمس الخمس.
16111- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن خصيف, عن مجاهد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأهلُ بيته لا يأكلون الصدقة, فجعل لهم خمس الخمس.
16112 - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبد السلام, عن خصيف, عن مجاهد قال: قد علم الله أنّ في بني هاشم الفقراء, فجعل لهم الخمس مكانَ الصدقة.
16113 - حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا إسماعيل بن أبان قال، حدثنا الصباح بن يحيى المزني, عن السدي, عن أبي الديلم قال، قال علي بن الحسين، رحمة الله عليه، لرجل من أهل الشأم: أما قرأت في " الأنفال ": " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول " الآية؟
قال: نعم!
قال: فإنكم لأنتم هم؟
قال: نعم!
(18) 16114 - حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن خصيف, عن مجاهد قال: هؤلاء قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة.
16115 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو معاوية, عن حجاج, عن عطاء, عن ابن عباس: أن نَجْدة كتب إليه يسأله عن ذوي القربى, فكتب إليه كتابًا: " نـزعم أنا نحن هم, فأبى ذلك علينا قومنا ".
(19) 16116- ...قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " فأن لله خمسه "، قال: أربعة أخماس لمن حضر البأس, والخمس الباقي لله, وللرسول، خمسه يضعه حيث رأى, وخمسٌ لذوي القربى, وخمس لليتامى, وخمس للمساكين, ولابن السبيل خمسه.
* * * وقال آخرون: بل هم قريش كلها.
* ذكر من قال ذلك: 16117 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرني عبد الله بن نافع, عن أبي معشر, عن سعيد المقبري قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن ذي القربى قال: فكتب إليه ابن عباس: " قد كنا نقول: إنّا هم, فأبى ذلك علينا قومنا, وقالوا: قريش كلها ذوو قربى ".
(20) * * * وقال آخرون: سهم ذي القربى كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم صار من بعده لوليّ الأمر من بعده.
* ذكر من قال ذلك: 16118- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أنه سئل عن سهم ذي القربى فقال: كان طُعْمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيًّا, (21) فلما توفي جُعل لوليّ الأمر من بعده.
* * * وقال آخرون: بل سهم ذي القربى كان لبني هاشم وبني المطلب خاصةً.
وممن قال ذلك الشافعي, وكانت علته في ذلك ما: 16119 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن جبير بن مطعم قال: لما قَسَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب، مشيت أنا وعثمان بن عفان رحمة الله عليه , فقلنا: يا رسول الله, هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا ننكر فضلهم، لمكانك الذي جعلك الله به منهم, أرأيت إخواننا بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا, وإنما نحن وهم منك بمنـزلة واحدة؟
فقال: إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام, إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد!
ثم شبَّك رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إحداهما بالأخرى.
(22) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي, قولُ من قال: " سهم ذي القربى، كان لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وحلفائهم من بني المطلب "، لأنّ حليف القوم منهم, ولصحة الخبر الذي ذكرناه بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* * * واختلف أهل العلم في حكم هذين السهمين= أعني سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهم ذي القربى= بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال بعضهم: يُصرفان في معونة الإسلام وأهله.
* ذكر من قال ذلك: 16120 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا أبو شهاب, عن ورقاء, عن نهشل, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: جُعل سهم الله وسهم الرسول واحدًا، ولذي القربى, فجعل هذان السهمان في الخيل والسلاح.
وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، لا يُعْطَى غيرَهم.
(23) 16121- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن عن قول الله: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى " ، قال: هذا مفتاح كلامٍ, لله الدنيا والآخرة.
ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال قائلون: سهم النبي صلى الله عليه وسلم , لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم = وقال قائلون: سهم القرابة لقرابة الخليفة= واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدّة في سبيل الله, فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
16122 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد, فذكر نحوه.
(24) 16123 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمر بن عبيد, عن الأعمش, عن إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكُرَاع والسلاح.
(25) فقلت لإبراهيم: ما كان علي رضي الله عنه يقول فيه؟
قال: كان عليٌّ أشدَّهم فيه.
16124 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين " الآية، قال ابن عباس: فكانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس: أربعة بين من قاتل عليها, وخمس واحد يقسم على أربعة: لله وللرسول ولذي القربى= يعني: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم = فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم , ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس شيئًا.
فلما قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم ردّ أبو بكر رضي الله عنه نصيبَ القرابة في المسلمين, فجعل يحمل به في سبيل الله, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث, ما تركنا صدقة.
(26) 16125- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أنه سئل عن سهم ذي القربى فقال: كان طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما تُوُفي، حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله، صدقةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(27) * * * وقال آخرون: سهم ذوي القربى من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى ولي أمر المسلمين.
* ذكر من قال ذلك: 16126 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عمرو بن ثابت, عن عمران بن ظبيان, عن حُكَيم بن سعد, عن علي رضي الله عنه قال: يعطى كل إنسان نصيبه من الخمس, ويلي الإمام سهم الله ورسوله.
(28) 16127 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أنه سئل عن سهم ذوي القربى فقال: كان طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيًّا, فلما توفي جعل لولي الأمر من بعده.
(29) * * * وقال آخرون: سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود في الخمس, والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم: على اليتامى, والمساكين, وابن السبيل.
وذلك قول جماعة من أهل العراق.
وقال آخرون: الخمس كله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* ذكر من قال ذلك: 16128 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الغفار قال، حدثنا المنهال بن عمرو قال: سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس فقالا هو لنا.
فقلت لعلي: إن الله يقول: " واليتامى والمساكين وابن السبيل " ، فقالا يتامانَا ومساكيننا.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا, أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردودٌ في الخمس, والخمس مقسوم على أربعة أسهم، على ما روي عن ابن عباس: للقرابة سهم, ولليتامى سهم, وللمساكين سهم, ولابن السبيل سهم، لأن الله أوجبَ الخمس لأقوام موصوفين بصفات, كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين.
وقد أجمعوا أنّ حق الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم, فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم.
فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم, كما غير جائز أن تخرج بعض السهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه، إلى غير أهل السهمان الأخَر.
* * * وأما " اليتامى "، فهم أطفال المسلمين الذين قد هلك آباؤهم.
(30) و " المساكين "، هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.
(31) و " ابن السبيل "، المجتاز سفرًا قد انقُطِع به، (32) كما:- 16129 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: الخمس الرابع لابن السبيل, وهو الضيف الفقير الذي ينـزل بالمسلمين.
(33) * * * القول في تأويل قوله : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيقنوا أيها المؤمنون، أنما غنمتم من شيء فمقسوم القسم الذي بينته, وصدِّقوا به إن كنتم أقررتم بوحدانية الله وبما أنـزل الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم يوم فَرَق بين الحق والباطل ببدر, (34) فأبان فَلَج المؤمنين وظهورَهم على عدوهم, وذلك " يوم التقى الجمعان "، جمعُ المؤمنين وجمعُ المشركين، والله على إهلاك أهل الكفر وإذلالهم بأيدي المؤمنين, وعلى غير ذلك مما يشاء = " قدير "، لا يمتنع عليه شيء أراده.
(35) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16130 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " يوم الفرقان "، يعني: ب " الفرقان "، يوم بدر, فرَق الله فيه بين الحق والباطل.
16131 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
(36) 16132 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب, عن عروة بن الزبير= وإسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن الزهري, عن عروة بن الزبير= يزيد أحدهما على صاحبه= في قوله: " يوم الفرقان " ، يوم فرق الله بين الحق والباطل, وهو يوم بدر, وهو أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان رأسَ المشركين عُتبةُ بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان, وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمئة وبضعة عشر رجلا والمشركون ما بين الألف والتسعمئة.
فهزم الله يومئذ المشركين, وقتل منهم زيادة على سبعين, وأسر منهم مثل ذلك.
16132م - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن مقسم: " يوم الفرقان " ، قال: يوم بدر, فرق الله بين الحق والباطل.
16133- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عثمان الجزري, عن مقسم في قوله: " يوم الفرقان " ، قال: يوم بدر, فرق الله بين الحق والباطل.
(37) 16134 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " يوم بدر, و " بدر "، بين المدينة ومكة.
16135 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثني يحيى بن يعقوب أبو طالب, عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي, عن أبي عبد الرحمن السلمي، عبد الله بن حبيب قال: قال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كانت ليلة " الفرقان يوم التقى الجمعان "، لسبع عشرة من شهر رمضان.
(38) 16136 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " يوم التقى الجمعان " ، قال ابن جريج، قال ابن كثير: يوم بدر.
16137 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " وما أنـزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " ، أي: يوم فرقت بين الحق والباطل بقدرتي، (39) يوم التقى الجمعان منكم ومنهم.
(40) 16138 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وما أنـزلنا على عبدنا يوم الفرقان "، وذاكم يوم بدر, يوم فرق الله بين الحق والباطل.
------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة : " فهي في سوادنا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مستقيم .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " ما كان قبلها في سورة الحشر " ، وسيأتي على الصواب كما أثبته في تفسير " سورة الحشر " 28 : 25 ( بولاق ) ، ويعني بذلك أنها نسخت قوله في أول سورة الأنفال : " يسألونك عن الأنفال " .
(3) الأثر : 16089 - سيأتي هذا الخبر مطولا في تفسير " سورة الحشر " 28 : 25 ، 26 ( بولاق ) .
(4) انظر تفسير " الغنيمة " فيما سلف في تفسير " النفل " ص : 361 - 385 .
(5) انظر تفسير " فاء " فيما سلف 4 : 465 ، 466 .
(6) في المطبوعة : " ...
الذي ورد حكم الله فيه من الفيء يحكيه في سورة الحشر " ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد الكلام إفسادًا تامًا .
(7) انظر ما سيأتي 28 : 24 - 27 ( بولاق ) .
(8) انظر مقالته في " النسخ " في فهارس النحو والعربية وغيرهما ، وفي مواضع فيها مراجع ذلك كله في كتابه هذا .
(9) " المخيط " ، الإبرة ، وهو ما خيط به .
(10) يعني أنه افتتاح بذكر الله تعالى ذكره ، وانظر ما سلف 6 : 272 ، تعليق : 5 .
(11) الأثران : 16093 ، 16094 - " الحسن بن محمد " ، هو " الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب " ، وهو " الحسن بن محمد بن الحنيفة " ، وهو الذي يروي عنه " قيس بن مسلم " ، لا يعني " الحسن البصري " .
وهذا الخبر رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال : 14 ، 326 ، 330 ، رقم : 39 ، 836 ، 846 وسيأتي مطولا برقم : 16121 .
(12) الأثر : 16095 - " أحمد بن يونس " ، هو " أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي " ، مضى برقم : 2144 ، 2362 ، 5080 .
و " أبو شهاب " ، هو " عبد ربه بن نافع الكناني " ، الحناط ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 1 42 .
و " ورقاء " ، هو " ورقاء بن عمرو اليشكري " ، مضى برقم: 6534 .
و " نهشل " ، هو " نهشل بن سعيد بن وردان النيسابوري " ، ليس بثقة ، وقال أبو حاتم : " ليس بقوي ، متروك الحديث ، ضعيف الحديث " ، وقال ابن حبان : " يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم ، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب " .
وقال البخاري : " أحاديثه مناكير ، قال إسحاق بن إبراهيم : ككان نهشل كذابًا " .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 115 ، وابن أبي حاتم 4 1 496 ، وميزان الاعتدال 3 : 243 .
وانظر الخبر رقم : 16120 .
وكان في المطبوعة : " فجعل سهم الله " ، غير ما في المخطوطة وحذف ، فأثبت ما في المخطوطة .
(13) في المطبوعة : " ويصنع فيه " ، وأثبت ما في المخطوطة .
وقد قرأت في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ، في خبر آخر : " يحمل منه ويعطي ، ويضعه حيث شاء ، ويصنع به ما شاء " ص 14 ، 326 ، رقم : 40 ، 837 .
(14) الأثران : 16102 ، 16013 - رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال ، من طريق حجاج ، عن أبي جعفر الرازي ، بمثل لفظ الأول .
كتاب الأموال : 14 ، 325 ، رقم 400 ، 835 .
(15) الأثر : 16104 - رواه أبو عبيد القاسم بن سلام ، بهذا الإسناد نفسه ، وبلفظه ، في كتاب الأموال ص : 13 ، 325 ، رقم : 37 ، 834 ، وفي آخره تفسير " ابن السبيل " ، قال : " وهو الضعيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين " .
وانظر ما سيأتي رقم : 16124 ، 16129 .
(16) في المخطوطة خطأ ، أسقط " لرسوله " الثانية ، والكلام يقتضيها كما في المطبوعة ، وعلى هامش المخطوطة حرف " أ " عليها ثلاث نقط ، دلالة على موضع السقط .
(17) الأثر : 16106 - " موسى بن أبي عائشة المخزومي " ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 11408 .
و " يحيى بن الجزار العرفي " ، ثقة ، مضى برقم : 5425 .
وكان في المخطوطة : " يحيى الجزار " ، والصواب ما في المطبوعة ، ولكنه يأتي في الذي يليه في المخطوطة على الصواب .
ورواه أبو عبيد في الأموال ص : 13 ، رقم : 34 ، 35 ، وص : 324 ، رقم : 831 ، 832.
(18) الأثر : 16113 - " إسماعيل بن أبان الوراق الأزدي " ، ثقة ، صدوق في الرواية ، قال البزار : " إنما كان عيبه شدة تشيعه ، لا أنه غير عليه في السماع " ، وإما "إسماعيل بن أبان الغنوي " ، فهو كذاب ، ومضى إسماعيل الوراق برقم : 14550 .
وأمَّا " صباح بن يحيى المزني " ، فهو شيعي أيضُا ، متروك ، بل متهم ، هكذا قال الحافظ ابن حجر والذهبي .
وذكره البخاري ، فقال : " فيه نظر " ، وقال أبو حاتم : " شيخ " .
مترجم في لسان الميزان 3 : 160 ، والكبير 2 2 315 ، وابن أبي حاتم 2 1 442 ، وميزان الاعتدال 1 : 462 .
وأمَّا " أبو الديلم " ، فلم أعرف من يكون ، وهكذا أثبته من المخطوطة ، وهو في لمطبوعة : " عن ابن الديلمي " ، يعني " عبد الله بن فيروز الديلمي " ، التابعي الثقة ، ولا أظن أنه يروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .
وهذا إسناد هالك كما ترى .
(19) الأثر : 16115 - " نجدة ابن عويمر الحروري " ، من رؤوس الخوارج .
وكتاب ابن عباس إلى نجدة ، رواه أبو عبيدة في كتاب الأموال من طرق ص : 332 - 335 ، رقم : 850 - 852 ، وانظر ما سيأتي رقم : 16117 .
(20) الأثر : 11617 - انظر التعليق السالف ، من طريق أبي معشر ، رواه أبو عبيد رقم : 850 ، مطولا ، بنحوه .
(21) " الطعمة " ( بضم الطاء ) : الرزق والمأكلة ، يعني به الفيء .
(22) الأثر : 16119 - رواه الشافعي في الأم من طرق ، منها طريق محمد بن إسحاق ، انظر الأم : 4 : 71 ، ورواه أبو داود في سننه 3 : 201 ، رقم : 2980 ، وأبو عبيد القاسم ابن سلام في الأموال : 331 ، رقم : 842 .
(23) الأثر : 16120 - هذا مطول الأثر السالف ومختصره رقم : 16095 ، وقد شرحت إسناده هناك .
(24) الأثران : 16121 ، 16122 - " الحسن بن محمد بن الحنفية " ، وقد سلف شرح إسناد هذا الخبر ، كما سلف مختصرًا برقم : 16093 ، 16094 .
(25) " الكراع " ( بضم الكاف ) .
اسم يجمع الخيل والسلاح .
(26) الأثر : 16124 - مضى قبل صدره برقم : 16104 ، ومضى تخريجه هناك ، وانظر أيضًا من تمامه رقم : 16129 .
(27) الأثر : 16125 - انظر ما سلف رقم : 16118 ، وما سيأتي 16127 .
(28) الأثر : 16126 - " عمران بن ظبيان الحنفي " ، فيه نظر ، كان يميل إلى التشيع ، وضعفه العقيلي ، وابن عدي ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 1 300 ، مضى برقم : 12100.
و " حكيم بن سعد الحنفي " ، " أبو تحيى " ، محله الصدق .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2 1 87 ، وابن أبي حاتم 1 2 286 .
و " حكيم " ، بضم الحاء ، مصغرًا .
و " تحيي " بكسر التاء .
(29) الأثر : 16127 - مضى بلفظه ، برقم : 16118 ، وانظر ما سلف : 16125 .
(30) انظر تفسير " اليتامى " فيما سلف 7 : 541 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(31) انظر تفسير " المساكين " فيما سلف 10 : 544 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(32) انظر تفسير " ابن السبيل " فيما سلف 8 : 346 ، 347 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وقوله : " انقطع به " بالبناء للمجهول ، وهو إذا عجز عن سفره من نفقة ذهبت ، أو عطبت راحلته ، أو فنى زاده .
(33) الأثر : 16129 - انظر ما سلف رقم : 16104 ، 16124 ، والتعليق عليهما .
(34) انظر تفسير " الفرقان " فيما سلف ص : 487 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(35) انظر تفسير " قدير " فيما سلف من فهارس اللغة ( قدر ) .
(36) الأثر : 16131 - انظر هذا الخبر بنصه فيما سلف رقم : 125 .
(37) ( 1 ) الأثر : 16133 " عثمان الجزري "، مضى برقم : 15968 ، وأنه غير " عثمان ابن عمرو بن ساج " .
وأحاديثه مناكير .
(38) الأثر : 16135 - " يحيى بن يعقوب بن مدرك الأنصاري " ، أبو طالب القاص ، مترجم في الكبير 4 2 312 ، وابن أبي حاتم 4 2 198 ، ولسان الميزان 6 : 282 ، وميزان الاعتدال 3 : 306 ، قال البخاري : " منكر الحديث " ، وقال أبو حاتم : " محله الصدق ، لم يرو شيئا منكرًا ، وهو ثقة في الحديث ، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء " ، قال ابن أبي حاتم : " فسمعت أبي يقول : يحول من هناك " .
و " أبو عون " ، " محمد بن عبيد الله الثقفي " ، مضى مرارًا آخرها رقم : 15925 ، وكان في المطبوعة : " عن ابن عون ، عن محمد بن عبد الله الثقفي " ، فأفسد الإسناد كل الإفساد ، وكان في المخطوطة : " عن ابن عون ، محمد بن عبيد الله الثقفي " ، وهو خطأ هين ، صوابه ما أثبت .
(39) في المطبوعة : " أي : يوم فرق بين الحق والباطل ببدر ، أي : يوم التقى الجمعان " ، لعب بما في المخطوطة لعبًا ، فأساء وجانب الأمانة .
ولم يكن في المخطوطة من خطأ إلا أنه كتب " فرق " مكان " فرقت " .
والذي أثبته نص المخطوطة ، وسيرة ابن هشام .
(40) الأثر : 16137 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16086 .
قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قديرقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله فيه ست وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي ، ومن ذلك قول الشاعر :وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإيابوقال آخر :ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنى توجه والمحروم محروموالمغنم والغنيمة بمعنى ; يقال : غنم القوم غنما .
واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى : غنمتم من شيء مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر .
ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيناه ، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا [ ص: 363 ] النوع .
وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا .
فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة .
ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا .
والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع ، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف .
كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم .
ونحو هذا قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب .
وقيل : إنهما واحد ، وفيهما الخمس ; قاله قتادة .
وقيل : الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر .
والمعنى متقارب .الثانية : هذه الآية ناسخة لأول السورة ، عند الجمهور .
وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : يسألونك عن الأنفال وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين ، على ما يأتي بيانه .
وأن قوله : يسألونك عن الأنفال نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر ، على ما تقدم أول السورة .قلت : ومما يدل على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا وكانوا قتلوا سبعين ، وأسروا سبعين ، فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين ، فقال : يا رسول الله إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا ، وقد جئت بأسيرين .
فقام سعد فقال : يا رسول الله ، إنا لم يمنعنا زيادة في الأجر ولا جبن عن العدو ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون ، فإنك إن تعط هؤلاء لا يبق لأصحابك شيء .
قال : وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون فنزلت يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم نزلت واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية .
وقد قيل : إنها محكمة غير منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليست مقسومة بين الغانمين ، وكذلك لمن بعده من الأئمة .
كذا حكاه المازري عن كثير من أصحابنا ، رضي الله عنهم ، وأن للإمام أن يخرجها عنهم .
واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين .
وكان أبو عبيد يقول : افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئا .
ورأى بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده .
[ ص: 364 ]قلت : وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه والأربعة الأخماس للإمام ، إن شاء حبسها وإن شاء قسمها بين الغانمين .
وهذا ليس بشيء ، لما ذكرناه ، ولأن الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال : واعلموا أنما غنمتم من شيء ثم عين الخمس لمن سمى في كتابه ، وسكت عن الأربعة الأخماس ، كما سكت عن الثلثين في قوله : وورثه أبواه فلأمه الثلث فكان للأب الثلثان اتفاقا .
وكذا الأربعة الأخماس للغانمين إجماعا ، على ما ذكره ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري أيضا والقاضي عياض وابن العربي .
والأخبار بهذا المعنى متظاهرة ، وسيأتي بعضها .
ويكون معنى قوله : يسألونك عن الأنفال الآية ، ما ينفله الإمام لمن شاء لما يراه من المصلحة قبل القسمة .
وقال عطاء والحسن : هي مخصوصة بما شذ من المشركين إلى المسلمين ، من عبد أو أمة أو دابة ، يقضي فيها الإمام بما أحب .
وقيل : المراد بها أنفال السرايا أي غنائمها ، إن شاء خمسها الإمام ، وإن شاء نفلها كلها .
وقال إبراهيم النخعي في الإمام يبعث السرية فيصيبون المغنم : إن شاء الإمام نفله كله ، وإن شاء خمسه .
وحكاه أبو عمر عن مكحول وعطاء .
قال علي بن ثابت : سألت مكحولا وعطاء عن الإمام ينفل القوم ما أصابوا ، قال : ذلك لهم .
قال أبو عمر : من ذهب إلى هذا تأول قول الله عز وجل : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول أن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء .
ولم ير أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه .
وقيل غير هذا مما قد أتينا عليه في كتاب " القبس في شرح موطأ مالك بن أنس " .
ولم يقل أحد من العلماء فيما أعلم أن قوله تعالى يسألونك عن الأنفال الآية ، ناسخ لقوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه بل قال الجمهور على ما ذكرنا : إن قوله : ما غنمتم ناسخ ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله تعالى .
وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها .
وقد قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلدان من جهتين : إحداهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد خصه من الأنفال والغنائم ما لم يجعله لغيره ، وذلك لقوله : يسألونك عن الأنفال الآية ، فنرى أن هذا كان خاصا له والجهة الأخرى أنه سن لمكة سننا ليست لشيء من البلاد .
وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا : يعطي الغنائم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم !
فقال لهم : أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون [ ص: 365 ] برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم .
خرجه مسلم وغيره .
وليس لغيره أن يقول هذا القول ، مع أن ذلك خاص به على ما قاله بعض علمائنا .
والله أعلم .الثالثة : لم يختلف العلماء أن قوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء ليس على عمومه ، وأنه يدخله الخصوص ، فمما خصصوه بإجماع أن قالوا : سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام .
وكذلك الرقاب ، أعني الأسارى ، الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف ، على ما يأتي بيانه .
ومما خص به أيضا الأرض .
والمعنى : ما غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة والسبي .
وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية ، لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب أنه قال : لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر .
ومما يصحح هذا المذهب ما رواه الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مدها ودينارها الحديث .
قال الطحاوي : " منعت " بمعنى ستمنع ، فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين ، لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم ، ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء .
والله تعالى يقول : والذين جاءوا من بعدهم بالعطف على قوله : للفقراء المهاجرين .
قال : وإنما يقسم ما ينقل من موضع إلى موضع .
وقال الشافعي : كل ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو متاع أو غير ذلك قسم ، إلا الرجال البالغين فإن الإمام فيهم مخير أن يمن أو يقتل أو يسبي .
وسبيل ما أخذ منهم وسبي سبيل الغنيمة .
واحتج بعموم الآية .
قال : والأرض مغنومة لا محالة ، فوجب أن تقسم كسائر الغنائم .
وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما افتتح عنوة من خيبر .
قالوا : ولو جاز أن يدعى الخصوص في الأرض جاز أن يدعى في غير الأرض فيبطل حكم الآية .
وأما آية " الحشر " فلا حجة فيها ، لأن ذلك إنما هو في الفيء لا في الغنيمة وقوله : والذين جاءوا من بعدهم استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان لا لغير ذلك .
قالوا : وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض من أحد وجهين : إما أن تكون غنيمة استطاب أنفس أهلها ، وطابت بذلك فوقفها .
وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها ، وكذلك [ ص: 366 ] صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبي هوازن ، لما أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان في أيديهم .
وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئا فلم يحتج إلى مراضاة أحد .
وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمها أو إقرارها وتوظيف الخراج عليها ، وتصير ملكا لهم كأرض الصلح .
قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه : وكأن هذا جمع بين الدليلين ووسط بين المذهبين ، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعا ، ولذلك قال : لولا آخر الناس ، فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم ، غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر ، فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين ولم يملكها لأهل الصلح ، وهم الذين قالوا للإمام أن يملكها لأهل الصلح .الرابعة : ذهب مالك وأبو حنيفة والثوري إلى أن السلب ليس للقاتل ، وأن حكمه حكم الغنيمة ، إلا أن يقول الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه ، فيكون حينئذ له .
وقال الليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري وابن المنذر : السلب للقاتل على كل حال ، قاله الإمام أو لم يقله .
إلا أن الشافعي رضي الله عنه قال : إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيلا مقبلا عليه ، وأما إذا قتله مدبرا عنه فلا .
قال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي : ليس الحديث من قتل قتيلا فله سلبه على عمومه ، لإجماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم .
وكذلك من ذفف على جريح ، ومن قتل من قطعت يداه ورجلاه .
قال : وكذلك المنهزم لا يمتنع في انهزامه ، وهو كالمكتوف .
قال : فعلم بذلك أن الحديث إنما جعل السلب لمن لقتله معنى زائد ، أو لمن في قتله فضيلة ، وهو القاتل في الإقبال ، لما في ذلك من المؤنة .
وأما من أثخن فلا .
وقال الطبري : السلب للقاتل ، مقبلا قتله أو مدبرا ، هاربا أو مبارزا إذا كان في المعركة .
وهذا يرده ما ذكره عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج قال سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول : لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون والكفار فقتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار فإن سلبه له إلا أن يكون في معمعة القتال ، لأنه حينئذ لا يدرى من قتل قتيلا .
فظاهر هذا يرد قول الطبري لاشتراطه في السلب القتل في المعركة خاصة .
وقال أبو ثور وابن المنذر : السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة ، في الإقبال والإدبار والهروب والانتهار ، على كل الوجوه ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله [ ص: 367 ] سلبه .قلت : روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل ، ثم تقدم يتغدى مع القوم ، وجعل ينظر ، وفينا ضعفة ورقة في الظهر ، وبعضنا مشاة ، إذ خرج يشتد ، فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل ، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء .
قال سلمة : وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر ، ثم جئت بالجمل أقوده ، عليه رحله وسلاحه ، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال : من قتل الرجل ؟
قالوا : ابن الأكوع .
قال : له سلبه أجمع .
فهذا سلمة قتله هاربا غير مقبل ، وأعطاه سلبه .
وفيه حجة لمالك من أن السلب لا يستحقه القاتل إلا بإذن الإمام ، إذ لو كان واجبا له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرير هذا القول .
ومن حجته أيضا ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو الأحوص عن الأسود بن قيس عن بشر بن علقمة قال : بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه ، فأتيت سعدا فخطب سعد أصحابه ثم قال : هذا سلب بشر بن علقمة ، فهو خير من اثني عشر ألف درهم ، وإنا قد نفلناه إياه .
فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم ما احتاج الأمر أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم باجتهادهم ، ولأخذه القاتل دون أمرهم .
والله أعلم .
وفي الصحيح أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى قتلاه ، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيكما قتله ؟
فقال كل واحد منهما : أنا قتلته .
فنظر في السيفين فقال : كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وهذا نص على أن السلب ليس للقاتل ، إذ لو كان له لقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما .
وفي الصحيح أيضا عن عوف بن مالك قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من اليمن .
وساق الحديث ، وفيه : فقال عوف : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ؟
[ ص: 368 ] قال : بلى ، ولكني استكثرته .
وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم ، وزاد فيه بيانا أن عوف بن مالك قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس السلب ، وإن مدديا كان رفيقا لهم في غزوة مؤتة في طرف من الشام ، قال : فجعل رومي منهم يشتد على المسلمين وهو على فرس أشقر وسرج مذهب ومنطقة ملطخة وسيف محلى بذهب .
قال : فيغري بهم ، قال : فتلطف له المددي حتى مر به فضرب عرقوب فرسه فوقع ، وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه .
قال : فأعطاه خالد بن الوليد وحبس منه ، قال عوف : فقلت له أعطه كله ، أليس قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : السلب للقاتل !
قال : بلى ، ولكني استكثرته .
قال عوف : وكان بيني وبينه كلام ، فقلت له : لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال عوف : فلما اجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عوف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لخالد : لم لم تعطه ؟
قال فقال : استكثرته .
قال : فادفعه إليه .
فقلت له : ألم أنجز لك ما وعدتك ؟
قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا خالد لا تدفعه إليه هل أنتم تاركون لي أمرائي .
فهذا يدل دلالة واضحة على أن السلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل بل برأي الإمام ونظره .
وقال أحمد بن حنبل : لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة خاصة .الخامسة : اختلف العلماء في تخميس السلب ، فقال الشافعي : لا يخمس .
وقال إسحاق : إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل ، وإن كان كثيرا خمس .
وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله ، فكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفا فخمس ذلك .
أنس عن البراء بن مالك أنه قتل من المشركين مائة رجل إلا رجلا مبارزة ، وأنهم لما غزوا الزارة خرج دهقان الزارة فقال : رجل ورجل ، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده ، ثم أخذ السيف فذبحه ، وأخذ سلاحه ومنطقته وأتى به عمر ، فنفله السلاح وقوم المنطقة بثلاثين ألفا فخمسها ، وقال : إنها مال .
وقال الأوزاعي ومكحول : السلب مغنم وفيه الخمس .
وروي نحوه عن عمر بن الخطاب .
والحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب .[ ص: 369 ] السادسة : ذهب جمهور العلماء إلى أن السلب لا يعطى للقاتل إلا أن يقيم البينة على قتله .
قال أكثرهم : ويجزئ شاهد واحد ، على حديث أبي قتادة .
وقيل : شاهدان أو شاهد ويمين .
وقال الأوزاعي : يعطاه بمجرد دعواه ، وليست البينة : شرطا في الاستحقاق ، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعا للمنازعة .
ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا قتادة سلب مقتول من غير شهادة ولا يمين .
ولا تكفي شهادة واحد ، ولا يناط بها حكم بمجردها .
وبه قال الليث بن سعد .قلت : سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول : إنما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السلب بشهادة الأسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس .
وعلى هذا يندفع النزاع ويزول الإشكال ، ويطرد الحكم .
وأما المالكية فيخرج على قولهم أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة ، لأنه من الإمام ابتداء عطية ، فإن شرط الشهادة كان له ، وإن لم يشترط جاز أن يعطيه من غير شهادة .السابعة : واختلفوا في السلب ما هو ، فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا خلاف أنه من السلب ، وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه .
وقال أحمد في الفرس : ليس من السلب .
وكذلك إن كان في هميانه وفي منطقته دنانير أو جواهر أو نحو هذا ، فلا خلاف أنه ليس من السلب .
واختلفوا فيما يتزين به للحرب ، فقال الأوزاعي : ذلك كله من السلب .
وقالت فرقة : ليس من السلب .
وهذا مروي عن سحنون رحمه الله ، إلا المنطقة فإنها عنده من السلب .
وقال ابن حبيب في الواضحة : والسواران من السلب .الثامنة : قوله تعالى فأن لله خمسه قال أبو عبيد : هذا ناسخ لقوله عز وجل في أول السورة قل الأنفال لله والرسول ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر ، فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذا .
إلا أنه يظهر من قول علي رضي الله عنه في صحيح مسلم " كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس يومئذ " الحديث - أنه خمس ، فإن كان هذا فقول أبي عبيد مردود .
قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكر علي من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد ، فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة بني المصطلق وغزوة ذي أمر وغزوة بحران ، ولم يحفظ فيها قتال ، ولكن يمكن أن غنمت غنائم .
والله أعلم .[ ص: 370 ] قلت : وهذا التأويل يرده قول علي يومئذ ، وذلك إشارة إلى يوم قسم غنائم بدر ، إلا أنه يحتمل أن يكون من الخمس إن كان لم يقع في بدر تخميس ، من خمس سرية عبد الله بن جحش فإنها أول غنيمة غنمت في الإسلام ، وأول خمس كان في الإسلام ، ثم نزل القرآن واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه .
وهذا أولى من التأويل الأول .
والله أعلم .التاسعة ما في قوله ما غنمتم بمعنى الذي والهاء محذوفة ، أي الذي غنمتموه .
ودخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة .
و أن الثانية توكيد للأولى ، ويجوز كسرها ، وروي عن أبي عمرو .
قال الحسن : هذا مفتاح كلام ، الدنيا والآخرة لله ، ذكره النسائي .
واستفتح عز وجل الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه ، لأنهما أشرف الكسب ، ولم ينسب الصدقة إليه لأنها أوساخ الناس .العاشرة : واختلف العلماء في كيفية قسم الخمس على أقوال ستة :الأول : قالت طائفة : يقسم الخمس على ستة ، فيجعل السدس للكعبة ، وهو الذي لله .
والثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
والثالث لذوي القربى .
والرابع لليتامى .
والخامس للمساكين .
والسادس لابن السبيل .
وقال بعض أصحاب هذا القول : يرد السهم الذي لله على ذوي الحاجة .الثاني : قال أبو العالية والربيع : تقسم الغنيمة على خمسة ، فيعزل منها سهم واحد ، وتقسم الأربعة على الناس ، ثم يضرب بيده على السهم الذي عزله فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة ، سهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل .الثالث : قال المنهال بن عمرو : سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس فقال : هو لنا .
قلت لعلي : إن الله تعالى يقول : واليتامى والمساكين وابن السبيل فقال : أيتامنا ومساكيننا .الرابع : قال الشافعي : يقسم على خمسة .
ورأى أن سهم الله ورسوله واحد ، وأنه يصرف في مصالح المؤمنين ، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية .[ ص: 371 ] الخامس : قال أبو حنيفة : يقسم على ثلاثة : اليتامى والمساكين وابن السبيل .
وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته ، كما ارتفع حكم سهمه .
قالوا : ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر ، وبناء المساجد ، وأرزاق القضاة والجند ، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضا .السادس : قال مالك : هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده ، فيأخذ منه من غير تقدير ، ويعطي منه القرابة باجتهاد ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين .
وبه قال الخلفاء الأربعة ، وبه عملوا .
وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم .
فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا ، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم ، لأنهم من أهم من يدفع إليه .
قال الزجاج محتجا لمالك : قال الله عز وجل : يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك .
وذكر النسائي عن عطاء قال : خمس الله وخمس رسوله واحد ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء .الحادية عشرة : ولذي القربى ليست اللام لبيان الاستحقاق والملك ، وإنما هي لبيان المصرف والمحل .
والدليل عليه ما رواه مسلم أن الفضل بن عباس وربيعة بن عبد المطلب أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فتكلم أحدهما فقال : يا رسول الله ، أنت أبر الناس ، وأوصل الناس ، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات ، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ، ونصيب كما يصيبون .
فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه ، قال : وجعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه ، قال : ثم قال : إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب .
قال : فجاءاه فقال لمحمية : أنكح هذا الغلام ابنتك - للفضل بن عباس - فأنكحه .
وقال لنوفل بن الحارث : أنكح هذا الغلام ابنتك - يعني ربيعة بن عبد المطلب .
وقال لمحمية : أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا .
وقال صلى الله عليه وسلم : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس [ ص: 372 ] والخمس مردود عليكم .
وقد أعطى جميعه وبعضه ، وأعطى منه المؤلفة قلوبهم ، وليس ممن ذكرهم الله في التقسيم ، فدل على ما ذكرناه ، والموفق الإله .الثانية عشرة : واختلف العلماء في ذوي القربى على ثلاثة أقوال : قريش كلها ، قاله بعض السلف ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد الصفا جعل يهتف : يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا بني كعب يا بني مرة يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار الحديث .
وسيأتي في " الشعراء " .
وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد : بنو هاشم وبنو عبد المطلب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب قال : إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه ، أخرجه النسائي والبخاري .
قال البخاري : قال الليث حدثني يونس ، وزاد : ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا .
قال ابن إسحاق : وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم ، وأمهم عاتكة بنت مرة .
وكان نوفل أخاهم لأبيهم .
قال النسائي : وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم لذوي القربى ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب ، بينهم الغني والفقير .
وقد قيل : إنه للفقير منهم دون الغني ، كاليتامى وابن السبيل - وهو أشبه القولين بالصواب عندي .
والله أعلم - والصغير والكبير والذكر والأنثى سواء ، لأن الله تعالى جعل ذلك لهم ، وقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم .
وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على بعض .
الثالث : بنو هاشم خاصة ، قاله مجاهد وعلي بن الحسين .
وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم .الثالثة عشرة : لما بين الله عز وجل حكم الخمس وسكت عن الأربعة الأخماس ، دل ذلك على أنها ملك للغانمين .
وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم .
وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة ، على ما [ ص: 373 ] حكاه ابن العربي في أحكامه ، وغيره .
بيد أن الإمام إن رأى أن يمن على الأسارى بالإطلاق فعل ، وبطلت حقوق الغانمين فيهم ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثمامة بن أثال وغيره ، وقال : لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى - يعني أسارى بدر - لتركتهم له .
أخرجه البخاري .
مكافأة له لقيامه في شأن نقض الصحيفة .
وله أن يقتل جميعهم ، وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط من بين الأسرى صبرا ، وكذلك النضر بن الحارث قتله بالصفراء صبرا ، وهذا ما لا خلاف فيه .
وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين ، حضر أو غاب .
وسهم الصفي ، يصطفي سيفا أو سهما أو خادما أو دابة .
وكانت صفية بنت حيي من الصفي من غنائم خيبر .
وكذلك ذو الفقار كان من الصفي .
وقد انقطع بموته ، إلا عند أبي ثور فإنه رآه باقيا للإمام يجعله مجعل سهم النبي صلى الله عليه وسلم .
وكانت الحكمة في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يرون للرئيس ربع الغنيمة .
قال شاعرهم :لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضولوقال آخر :منا الذي ربع الجيوش ، لصلبه عشرون وهو يعد في الأحياءيقال : ربع الجيش يربعه رباعة إذا أخذ ربع الغنيمة .
قال الأصمعي : ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام ، فكان يأخذ بغير شرع ولا دين الربع من الغنيمة ، ويصطفي منها ، ثم يتحكم بعد الصفي في أي شيء أراد ، وكان ما شذ منها وما فضل من خرثي ومتاع له .
فأحكم الله سبحانه الدين بقوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وأبقى سهم الصفي لنبيه صلى الله عليه وسلم وأسقط حكم الجاهلية .
وقال عامر الشعبي : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا أو أمة أو فرسا يختاره قبل الخمس ، أخرجه أبو داود .
وفي حديث أبي هريرة قال فيلقى العبد فيقول : أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل [ ص: 374 ] والإبل وأذرك ترأس وتربع الحديث .
أخرجه مسلم .
" تربع " بالباء الموحدة من تحتها : تأخذ المرباع ، أي الربع مما يحصل لقومك من الغنائم والكسب .
وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى أن خمس الخمس كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفه في كفاية أولاده ونسائه ، ويدخر من ذلك قوت سنته ، ويصرف الباقي في الكراع والسلاح .
وهذا يرده ما رواه عمر قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء - الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان ينفق على نفسه منها قوت سنة ، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله .
أخرجه مسلم .
وقال : والخمس مردود عليكم .الرابعة عشرة : ليس في كتاب الله تعالى دلالة على تفضيل الفارس على الراجل ، بل فيه أنهم سواء ، لأن الله تعالى جعل الأربعة أخماس لهم ولم يخص راجلا من فارس .
ولولا الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان الفارس كالراجل ، والعبد كالحر ، والصبي كالبالغ .
وقد اختلف العلماء في قسمة الأربعة الأخماس ، فالذي عليه عامة أهل العلم فيما ذكر ابن المنذر أنه يسهم للفارس سهمان ، وللراجل سهم .
وممن قال ذلك مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة .
وكذلك قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام .
وكذلك قال الثوري ومن وافقه من أهل العراق .
وهو قول الليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر .
وكذلك قال الشافعي رضي الله عنه وأصحابه .
وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد .
قال ابن المنذر : ولا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا النعمان فإنه خالف فيه السنن وما عليه جل أهل العلم في القديم والحديث .
قال : لا يسهم للفارس إلا سهم واحد .قلت : ولعله شبه عليه بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين ، وللراجل سهما .
خرجه الدارقطني وقال : قال الرمادي كذا يقول ابن نمير قال لنا النيسابوري : هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي ، لأن أحمد بن حنبل [ ص: 375 ] وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن عمر رضي الله عنهما بخلاف هذا ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم ، سهما له وسهمين لفرسه ، هكذا رواه عبد الرحمن بن بشر عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، وذكر الحديث .
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما .
وهذا نص .
وقد روى الدارقطني عن الزبير قال : أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أسهم يوم بدر ، سهمين لفرسي وسهما لي وسهما لأمي من ذوي القرابة .
وفي رواية : وسهما لأمه سهم ذوي القربى .
وخرج عن بشير بن عمرو بن محصن قال : أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم ، ولي سهما ، فأخذت خمسة أسهم .
وقيل إن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام ، فينفذ ما رأى .
والله أعلم .الخامسة عشرة : لا يفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد ، وبه قال الشافعي .
وقال أبو حنيفة : يسهم لأكثر من فرس واحد ، لأنه أكثر عناء وأعظم منفعة ، وبه قال ابن الجهم من أصحابنا ، ورواه سحنون عن ابن وهب .
ودليلنا أنه لم ترد رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسهم لأكثر من فرس واحد ، وكذلك الأئمة بعده ، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد ، وما زاد على ذلك فرفاهية وزيادة عدة ، وذلك لا يؤثر في زيادة السهمان ، كالذي معه زيادة سيوف أو رماح ، واعتبارا بالثالث والرابع .
وقد روي عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن كان عنده أفراس ، لكل فرس سهم .السادسة عشرة : لا يسهم إلا للعتاق من الخيل ، لما فيها من الكر والفر ، وما كان من البراذين والهجن بمثابتها في ذلك .
وما لم يكن كذلك لم يسهم له .
وقيل : إن أجازها الإمام أسهم لها ، لأن الانتفاع بها يختلف بحسب الموضع ، فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال ، والعتاق تصلح للمواضع التي يتأتى فيها الكر والفر ، فكان ذلك متعلقا برأي الإمام .
والعتاق : خيل العرب .
والهجن والبراذين : خيل الروم .السابعة عشرة : واختلف علماؤنا في الفرس الضعيف ، فقال أشهب وابن نافع : لا [ ص: 376 ] يسهم له ، لأنه لا يمكن القتال عليه فأشبه الكسير .
وقيل : يسهم له لأنه يرجى برؤه .
ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيز ما لا ينتفع به ، كما لا يسهم للكسير .
فأما المريض مرضا خفيفا مثل الرهيص ، وما يجري مجراه مما لا يمنعه المرض عن حصول المنفعة المقصودة منه فإنه يسهم له .
ويعطى الفرس المستعار والمستأجر ، وكذلك المغصوب ، وسهمه لصاحبه .
ويستحق السهم للخيل وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر ، لأنها معدة للنزول إلى البر .الثامنة عشرة : لا حق في الغنائم للحشوة كالأجراء والصناع الذين يصحبون الجيش للمعاش ، لأنهم لم يقصدوا قتالا ولا خرجوا مجاهدين .
وقيل : يسهم لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الغنيمة لمن شهد الوقعة .
أخرجه البخاري .
وهذا لا حجة فيه لأنه جاء بيانا لمن باشر الحرب وخرج إليه ، وكفى ببيان الله عز وجل المقاتلين وأهل المعاش من المسلمين حيث جعلهم فرقتين متميزتين ، لكل واحدة حالها في حكمها ، فقال : علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله إلا أن هؤلاء إذا قاتلوا لا يضرهم كونهم على معاشهم ، لأن سبب الاستحقاق قد وجد منهم .
وقال أشهب : لا يستحق أحد منهم وإن قاتل ، وبه قال ابن القصار في الأجير : لا يسهم له وإن قاتل .
وهذا يرده حديث سلمة بن الأكوع قال : كنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وآكل من طعامه ، الحديث .
وفيه : ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين ، سهم الفارس وسهم الراجل ، فجمعهما لي .
خرجه مسلم .
واحتج ابن القصار ومن قال بقوله بحديث عبد الرحمن بن عوف ، ذكره عبد الرزاق ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن : هذه الثلاثة الدنانير حظه ونصيبه من غزوته في أمر دنياه وآخرته .
[ ص: 377 ]التاسعة عشرة : فأما العبيد والنساء فمذهب الكتاب أنه لا يسهم لهم ولا يرضخ .
وقيل : يرضخ لهم ، وبه قال جمهور العلماء .
وقال الأوزاعي : إن قاتلت المرأة أسهم لها .
وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء يوم خيبر .
قال : وأخذ المسلمون بذلك عندنا .
وإلى هذا القول مال ابن حبيب من أصحابنا .
خرج مسلم عن ابن عباس أنه كان في كتابه إلى نجدة : تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء ؟
وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة ، وأما بسهم فلم يضرب لهن .
وأما الصبيان فإن كان مطيقا للقتال ففيه عندنا ثلاثة أقوال : الإسهام ونفيه حتى يبلغ ، لحديث ابن عمر ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي .
والتفرقة بين أن يقاتل فيسهم له أو يقاتل فلا يسهم له .
والصحيح الأول ، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أن يقتل منهم من أنبت ويخلى منهم من لم ينبت .
وهذه مراعاة لإطاقة القتال لا للبلوغ .
وقد روى أبو عمر في الاستيعاب عن سمرة بن جندب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الغلمان من الأنصار فيلحق من أدرك منهم ، فعرضت عليه عاما فألحق غلاما وردني ، فقلت : يا رسول الله ، ألحقته ورددتني ، ولو صارعني صرعته قال : فصارعني فصرعته فألحقني .
وأما العبيد فلا يسهم لهم أيضا ويرضخ لهم .الموفية العشرين : الكافر إذا حضر بإذن الإمام وقاتل ففي الإسهام له عندنا ثلاثة أقوال : الإسهام ونفيه ، وبه قال مالك وابن القاسم .
زاد ابن حبيب : ولا نصيب لهم .
ويفرق في الثالث - وهو لسحنون - بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم فلا يسهم له ، أو لا يستقلوا ويفتقروا إلى معونته فيسهم له .
فإن لم يقاتل فلا يستحق شيئا .
وكذلك العبيد مع الأحرار .
وقال الثوري والأوزاعي : إذا استعين بأهل الذمة أسهم لهم .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يسهم لهم ، ولكن يرضخ لهم .
وقال الشافعي رضي الله عنه : يستأجرهم الإمام من مال لا مالك له بعينه .
فإن لم يفعل أعطاهم سهم النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال في موضع آخر : يرضخ للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين .
قال أبو عمر : اتفق الجميع أن العبد ، وهو ممن يجوز أمانه ، إذا قاتل لم يسهم له ولكن يرضخ ، فالكافر بذلك أولى ألا يسهم له .الحادية والعشرون : لو خرج العبد وأهل الذمة لصوصا وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس ، لأنه لم يدخل في عموم قوله عز وجل : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [ ص: 378 ] أحد منهم ولا من النساء .
فأما الكفار فلا مدخل لهم من غير خلاف .
وقال سحنون .
لا يخمس ما ينوب العبد .
وقال ابن القاسم : يخمس ، لأنه يجوز أن يأذن له سيده في القتال ويقاتل على الدين ، بخلاف الكافر .
وقال أشهب في كتاب محمد : إذا خرج العبد والذمي من الجيش وغنما فالغنيمة للجيش دونهم .الثانية والعشرون : سبب استحقاق السهم شهود الوقعة لنصر المسلمين ، على ما تقدم .
فلو شهد آخر الوقعة استحق .
ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا .
ولو غاب بانهزام فكذلك .
فإن كان قصد التحيز إلى فئة فلا يسقط استحقاقه .
روى البخاري وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل نجد ، فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها ، وإن حزم خيلهم ليف ، فقال أبان : اقسم لنا يا رسول الله .
قال أبو هريرة : فقلت لا تقسم لهم يا رسول الله .
فقال أبان : أنت بها يا وبر تحدر علينا من رأس ضال .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجلس يا أبان ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .الثالثة والعشرون : واختلف العلماء فيمن خرج لشهود الوقعة فمنعه العذر منه كمرض ، ففي ثبوت الإسهام له ونفيه ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث ، وهو المشهور ، فيثبته إن كان الضلال قبل القتال وبعد الإدراب ، وهو الأصح ، قاله ابن العربي .
وينفيه إن كان قبله .
وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من مصلحة الجيش فشغله ذلك عن شهود الوقعة فإنه يسهم له ، قاله ابن المواز ، ورواه ابن وهب وابن نافع عن مالك .
وروي لا يسهم له بل يرضخ له لعدم السبب الذي يستحق به السهم ، والله أعلم .
وقال أشهب : يسهم للأسير وإن كان في الحديد .
والصحيح أنه لا يسهم له ، لأنه ملك مستحق بالقتال ، فمن غاب أو حضر مريضا كمن لم يحضر .الرابعة والعشرون : الغائب المطلق لا يسهم له ، ولم يسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لغائب قط [ ص: 379 ] إلا يوم خيبر ، فإنه أسهم لأهل الحديبية من حضر منهم ومن غاب ، لقول الله عز وجل : وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ، قاله موسى بن عقبة .
وروي ذلك عن جماعة من السلف .
وقسم يوم بدر لعثمان ولسعيد بن زيد وطلحة ، وكانوا غائبين ، فهم كمن حضرها إن شاء الله تعالى .
فأما عثمان فإنه تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره من أجل مرضها .
فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ، فكان كمن شهدها .
وأما طلحة بن عبيد الله فكان بالشام في تجارة فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ، فيعد لذلك في أهل بدر .
وأما سعيد بن زيد فكان غائبا بالشام أيضا فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره .
فهو معدود في البدريين .
قال ابن العربي : أما أهل الحديبية فكان ميعادا من الله اختص به أولئك النفر فلا يشاركهم فيه غيرهم .
وأما عثمان وسعيد وطلحة فيحتمل أن يكون أسهم لهم من الخمس ، لأن الأمة مجمعة على أن من بقي لعذر فلا يسهم له .قلت : الظاهر أن ذلك مخصوص بعثمان وطلحة وسعيد فلا يقاس عليهم غيرهم .
وأن سهمهم كان من صلب الغنيمة كسائر من حضرها لا من الخمس .
هذا الظاهر من الأحاديث والله أعلم .
وقد روى البخاري عن ابن عمر قال : لما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه .الخامسة والعشرون قوله تعالى إن كنتم آمنتم بالله قال الزجاج عن فرقة : المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم ، ف ( إن ) متعلقة بهذا الوعد .
وقالت فرقة : إن ( إن ) متعلقة بقوله واعلموا أنما غنمتم .
قال ابن عطية : وهذا هو الصحيح ، لأن قوله واعلموا يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم ، فعلق إن بقوله : واعلموا على هذا المعنى ، أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة .السادسة والعشرون : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ما في موضع [ ص: 380 ] خفض عطف على اسم الله يوم الفرقان أي اليوم الذي فرقت فيه بين الحق والباطل ، وهو يوم بدر .يوم التقى الجمعان حزب الله وحزب الشيطان .
والله على كل شيء قدير
يقول تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} أي: أخذتم من مال الكفار قهرا بحق، قليلا كان أو كثيرا. {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} أي: وباقيه لكم أيها الغانمون، لأنه أضاف الغنيمة إليهم، وأخرج منها خمسها.فدل على أن الباقي لهم، يقسم على ما قسمه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : للراجل سهم، وللفارس سهمان لفرسه، وسهم له. وأما هذا الخمس، فيقسم خمسة أسهم، سهم للّه ولرسوله، يصرف في مصالح المسلمين العامة، من غير تعيين لمصلحة، لأن اللّه جعله له ولرسوله، واللّه ورسوله غنيان عنه، فعلم أنه لعباد اللّه.فإذا لم يعين اللّه له مصرفا، دل على أن مصرفه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم قرابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بني هاشم وبني المطلب.وأضافه اللّه إلى القرابة دليلا على أن العلة فيه مجرد القرابة، فيستوي فيه غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغار، جعل اللّه لهم خمس الخمس رحمة بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فقد من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع للمساكين، أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار، ذكور وإناث. والخمس الخامس لابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، [وبعض المفسرين يقول إن خمس الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء بل ذلك تبع للمصلحة وهذا هو الأولى] وجعل اللّه أداء الخمس على وجهه شرطا للإيمان فقال: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} وهو يوم {بدر} الذي فرق اللّه به بين الحق والباطل. وأظهر الحق وأبطل الباطل. {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} جمع المسلمين، وجمع الكافرين،أي: إن كان إيمانكم باللّه، وبالحق الذي أنزله اللّه على رسوله يوم الفرقان، الذي حصل فيه من الآيات والبراهين، ما دل على أن ما جاء به هو الحق. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يغالبه أحد إلا غلبه.
قوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) الآية .
الغنيمة والفيء : اسمان لمال يصيبه المسلمون من أموال الكفار .
فذهب جماعة إلى أنهما واحد ، وذهب قوم إلى أنهما مختلفان : فالغنيمة : ما أصابه المسلمون منهم عنوة بقتال ، والفيء : ما كان عن صلح بغير قتال .
فذكر الله - عز وجل - في هذه الآية حكم الغنيمة فقال : " فأن لله خمسه وللرسول " .
ذهب أكثر المفسرين والفقهاء إلى أن قوله : " لله " افتتاح كلام على سبيل التبرك وإضافة هذا المال إلى نفسه لشرفه ، وليس المراد منه أن سهما من الغنيمة لله منفردا ، فإن الدنيا والآخرة كلها لله - عز وجل - .
وهو قول الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم والشعبي ، قالوا : سهم الله وسهم الرسول واحد .
والغنيمة تقسم خمسة أخماس ، أربعة أخماسها لمن قاتل عليها ، والخمس لخمسة أصناف كما ذكر الله - عز وجل - ، " وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " .
قال بعضهم : يقسم الخمس على ستة أسهم ، وهو قول أبي العالية ، سهم لله : فيصرف إلى الكعبة .
والأول أصح ، أن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم ، سهم كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته ، واليوم هو لمصالح المسلمين وما فيه قوة الإسلام ، وهو قول الشافعي رحمه الله .
وروى الأعمش عن إبراهيم قال : كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجعلان سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكراع والسلاح .
وقال قتادة : هو للخليفة بعده .
وقال بعضهم : سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مردود في الخمس والخمس لأربعة أصناف .
قوله : ( ولذي القربى ) أراد أن سهما من الخمس لذوي القربى وهم أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واختلفوا فيهم ، فقال قوم : جميع قريش .
وقال قوم : هم الذين لا تحل لهم الصدقة .
وقال مجاهد وعلي بن الحسين : هم بنو هاشم .
وقال الشافعي : هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس ولا لبني نوفل منه شيء ، وإن كانوا إخوة ، والدليل عليه ما : أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، أنبأنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا الثقة ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن جبير بن مطعم عن أبيه قال : قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب ، ولم يعط منه أحدا من بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا .
وأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع أنا الشافعي ، أنا مطرف بن مازن عن معمر بن راشد ، عن ابن شهاب ، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا : يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم ، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا ، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه " .
واختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم؟
.
فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت ، وهو قول مالك والشافعي .
وذهب أصحاب الرأي إلى أنه غير ثابت ، وقالوا : سهم رسول الله وسهم ذوي القربى مردودان في الخمس ، وخمس الغنيمة لثلاثة أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل .
وقال بعضهم : يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء .
والكتاب والسنة يدلان على ثبوته ، والخلفاء بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعطونه ، ولا يفضل فقير على غني لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله ، فألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة ، غير أنه يعطى القريب والبعيد .
وقال : يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين والأنثى سهما واحدا .
قوله : ( واليتامى ) وهو جمع اليتيم ، واليتيم الذي له سهم في الخمس هو الصغير المسلم ، الذي لا أب له ، إذا كان فقيرا ، ( والمساكين ) هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين ، ( وابن السبيل ) هو المسافر البعيد عن ماله ، فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة ، للفارس منهم ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم واحد ، لما : أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن ، أنا عبد الله بن يوسف أنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا سعدان بن نصر ثنا أبو معاوية عن عبيد الله عن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم : سهما له وسهمين لفرسه " وهذا قول أكثر أهل العلماء وإليه ذهب الثوري ، والأوزاعي ، ومالك ، وابن المبارك ، والشافعي وأحمد وإسحاق .
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : للفارس سهمان ، وللراجل سهم واحد .
ويرضخ للعبيد والنسوان والصبيان إذا حضروا القتال ، ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقول .
وعند أبي حنيفة : يتخير الإمام في العقار : بين أن يقسمه بينهم ، وبين أن يجعله وقفا على المصالح .
وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول .
ومن قتل مشركا في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة ، لما روي عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين : " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " .
والسلب : كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح ، وفرسه الذي هو راكبه .
ويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة ، لزيادة عناء وبلاء يكون منهم في الحرب ، يخصهم به من بين سائر الجيش ويجعله أسوة الجماعة في سهمان الغنيمة : أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة ، سوى قسم عامة الجيش .
وروي عن حبيب بن مسلمة الفهري ، قال : شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة .
واختلفوا في أن النفل من أين يعطى؟
فقال قوم : من خمس الخمس ، سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وبه قال الشافعي ، وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم " .
وقال قوم : هو من الأربعة الأخماس بعد إفراز الخمس كسهام الغزاة ، وهو قول أحمد وإسحاق .
وذهب بعضهم إلى أن النفل من رأس الغنيمة قبل الخمس كالسلب للقاتل .
وأما الفيء : وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب ، بأن صالحهم على مال يؤدونه ، ومال الجزية ، وما يؤخذ من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة ، أو يموت واحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له ، فهذا كله فيء .
ومال الفيء كان خالصا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته ، قال عمر رضي الله عنه : إن الله قد خص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ثم قرأ : " وما أفاء الله على رسوله منهم " إلى قوله : " قدير " " الحشر - 6 " ، وكانت هذه خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينفق على أهله وعياله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله - عز وجل - .
واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال قوم : هو للأئمة بعده .
وللشافعي فيه قولان : أحدهما ، للمقاتلة الذين أثبتت أساميهم في ديوان الجهاد ، لأنهم القائمون مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في إرهاب العدو .
والقول الثاني : أنه لمصالح المسلمين ، ويبدأ بالمقاتلة فيعطون منه كفايتهم ، ثم بالأهم فالأهم من المصالح .
واختلف أهل العلم في تخميس الفيء : فذهب الشافعي إلى أنه يخمس خمسه لأهل الغنيمة ، على خمسة أسهم .
وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح .
وذهب الأكثرون : إلى أن الفيء لا يخمس ، بل مصرف جميعه واحد ، ولجميع المسلمين فيه حق : أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أنا محمد بن زكريا العذافري ، أنا إسحاق الدبري ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان : أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : " ما على وجه الأرض مسلم إلا له في هذا الفيء حق ، إلا ما ملكت أيمانكم " .
وأخبرنا أبو سعيد الطاهري أنبأنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز أنبأنا محمد بن زكريا العذافري أنبأنا أبو إسحاق الدبري ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه " إنما الصدقات للفقراء والمساكين حتى بلغ " عليم حكيم " " التوبة - 60 " فقال : هذه لهؤلاء ثم قرأ : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " حتى بلغ وابن السبيل ، ثم قال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " حتى بلغ " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا " " الحشر - 7 - 9 " ثم قال : هذه استوعبت المسلمين عامة ، فلئن عشت ، فليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها ، لم يعرق فيها جبينه " .
قوله تعالى : ( إن كنتم آمنتم بالله ) قيل : أراد " اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول " يأمر فيه بما يريد ، فاقبلوه إن كنتم آمنتم بالله ( وما أنزلنا على عبدنا ) أي : إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا ، يعني : قوله : " يسألونك عن الأنفال " ( يوم الفرقان ) يعني يوم بدر ، فرق الله بين الحق والباطل وهو ( يوم التقى الجمعان ) حزب الله وحزب الشيطان ، وكان يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان ، ( والله على كل شيء قدير ) على نصركم مع قلتكم وكثرتهم .
«واعلموا أنما غنمتم» أخذتم من الكفار قهرا «من شيء فأن لله خمسه» يأمر فيه بما يشاء «وللرسول ولذي القربى» قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب «واليتامى» أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم وهم فقراء «والمساكين» ذوي الحاجة من المسلمين «وابن السبيل» المنقطع في سفره من المسلمين، أي يستحقه النبي صلى الله عليه وسلم والأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أن لكلٍ خُمسَ الخمس، والأخماس الأربعة الباقية للغانمين «إن كنتم آمنتم بالله» فاعملوا ذلك «وما» عطف على بالله «أنزلنا على عبدنا» محمد صلى الله عليه وسلم من الملائكة والآيات «يوم الفرقان» أي يوم بدر الفارق بين الحق والباطل «يوم التقى الجمعان» المسلمون والكفار «والله على كل شيء قدير» ومنه نصركم مع قلتكم وكثرتهم.
واعلموا -أيها المؤمنون- أن ما ظَفِرتم به مِن عدوكم بالجهاد في سبيل الله فأربعة أخماسه للمقاتلين الذين حضروا المعركة، والخمس الباقي يجزَّأُ خمسة أقسام: الأول لله وللرسول، فيجعل في مصالح المسلمين العامة، والثاني لذوي قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، جُعِل لهم الخمس مكان الصدقة فإنها لا تحلُّ لهم، والثالث لليتامى، والرابع للمساكين، والخامس للمسافر الذي انقطعت به النفقة، إن كنتم مقرِّين بتوحيد الله مطيعين له، مؤمنين بما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات والمدد والنصر يوم فَرَق بين الحق والباطل بـ"بدر"، يوم التقى جَمْعُ المؤمنين وجَمْعُ المشركين.
والله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مكر الكافرين وعن دعاويهم الكاذبة ، وعن وجوب مقاتلتهم إذا ما استمروا فى طغيانهم وعدوانهم .
.
لعد كل ذلك بين - سبحانه - للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التى كثيرا ما تترب على قتال أعدائهم ، فقال - تعالى - : ( واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ .
.
.
) .وقوله : ( غَنِمْتُمْ ) من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال : غنم غنما وغنيمة إذا ظفر بالشئ قال القرطبى ما ملخصه : الغنيمة فى اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعى ، ومن ذلك قول الشاعر :وقد طوفت فى الآفاق حتى ...
رضيت من الغنيمة بالإِيابواعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله - تعالى - : ( غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ) مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر .وسمى الشرع الواصل من الكافر إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا .
فالشئ الذى يناله المسلمون من عدوهم بالسعى وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة .
ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا .والفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع ، وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف .
كخراج الأرضين ، وزية الجماجم .والمعنى : الاجمالى للآية الكريمة : ( واعلموا ) - أيها المسلمون - ( أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ) أى : ما أخذتموه من الكفار قهراً ( فَأَنَّ للَّهِ ) الذى منه - سبحانه - النصر المتفرع عليه الغنيمة ( خُمُسَهُ ) أى خمس ما غنمتموه شكرا له على هذا النعمة ( وَلِلرَّسُولِ ) الذى هو سبب فى هدايتكم ( وَلِذِي القربى ) أى : ولأصحاب القرابة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم والمراد بهم على الراجح بن هاشم وبنو المطلب .( واليتامى ) وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا .( والمساكين ) وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين .( وابن السبيل ) وهو المسافر الذى نقد ماله وهو الطريق قبل أن يصل إلى بلده .وقوله ( واعلموا ) معطوف على قوله قبل ذلك ( وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ .
.
.
) الخ و ( مَا ) فى قوله : ( أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ) موصولة والعائد محذوف .وقوله : ( مِّن شَيْءٍ ) بيان الموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر .أى : أن ما غنمتموه من شئ سواء أكان هذا الشئ قليلا أم كثيرا ( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) .وقوله : ( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) خبر مبتدأ محذوف والتقدير : فحكمه أن لله خمسة والجار والمجرور خبر ( أَنَّ ) مقدم ، وخمسة اسمها مؤخر .
والتقدير : فأن خمسه كائن لله وللرسول ولذى القربى .
.
إلخ .وأعيدت اللام فى قوله ( وَلِذِي القربى ) دون غيرهم من الأصناف التالية لدفع توهم اشتراكهم فى سهم النبى - صلى الله عليه وسلم - لمزيد اتصالهم به .وقوله : ( إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله .
.
.
) شرط جزاؤه محذوف .أى : إن كنتم آمنتم بالله حق الإِيمان ، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ( يَوْمَ الفرقان ) أى يوم بدر ( يَوْمَ التقى الجمعان ) أى : جمع المؤمنين وجمع الكافرين .
.
إن كنتم آمنتم بكل ذلك ، فاعملوا بما علمتم ، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول .وما أنزله الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر .يتناول ما نزل من آيات قرآنية ، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين ، وتبشيرهم بالنصر كما يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به فى بدر .وسمى يوم بدر بيوم الفرقان ، لأنه اليوم الذى فرق الله فيه بين الحق والباطل وقوله ( والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تذييل قصد به بيان أن ما أصابه المؤمنون يوم بدر من غنيمة ونصر إنما هو بقدرة الله التى لا يعجزها شئ فعليهم أن يداموا على طاعته وشكره ليزيدهم من عطائه وفضله .هذا ، وقد ذكر العلماء عند تفسيره لهذه الآية جملة من المسائل والأحكام من أهمها ما يأتى :1- أن هذه الآية وضحت أن غنائم الحرب تخمس فيجعل الخمس الأول منها لله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، والأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنها تقسم على الجيش : للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة أسهم أو سهمان .قال ابن كثير : ويؤيد هذا ما رواه البيهقى بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال : أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وهو بوادى القرى ، وهو معترض فرسا فقلت : يا رسول الله ، ما تقول فى الغنيمة ، فقال : لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش ، قلت : فما أحد أولى به من أحد ، قال : لا ، ولا السهم تستخرجه من جيبك ، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم .وقال بعض العلماء : أفادت الآية أن الواجب فى المغنم تخميسه ، وصرف الخمس إلى من ذكره الله - تعالى - وقسمه الباقى بين الغانمين بالعدل ، للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة أسهم ، سهم له وسهمان لفرسه .
هكذا قسم النبى - صلى الله عليه وسلم الغنائم عام خيبر .ومن الفقهاء من يقول : للفارس سهمان .
والأول هو الذى دلت عليه السنة الصحيحة ، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤمنة نفسه وسائسه ، ومنفعة الفارس بن أكثر من منفعة رجلين .ويجب قسمتها بينهم بالعدل ، فلا يحابى أحدا ، لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله وفى صحيح البخارى " أن سعد بن أبى وقاص رأى أن له فضلا على من دونه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم "ذهب جمهور العلماء إلى ان المقصود بإِيتاء لفظ الجلالة فى قوله ( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) : التبرك والتعظيم والحض على إخلاص النية عند القسمة وعلى الامتثال والطاعة له - سبحانه - .وليس المقصود أن يقسم الخمس على ستة منها الله - تعالى - ، فإنه سبحانه - له الدنيا والآخرة ، وله ما فى السماوات وما فى الأرض وما بينهما .وعليه يكون خمس الغنيمة مقسما على خمسة أقسام : للرسول ، ولذى القربى واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل .ويرى أبو العالية والربيع والقاسم أن هذا الخمس يقسم إلى ستة أقسام ، عملا بظاهر الآية ، وأن سهم الله - تعالى - يصرف فى وجوه الخير ، أو يؤخذ للكعبة .وقد رجح ابن جرير رأى الجمهور فقال : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب من قال : قوله ( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) افتتاح كلام ، وذلك لاجتماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم .
ولو كان لله فيه سهم - كما قال ابو العالية - لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم .
وإنما اختلف أهل العلم فى قسمه على خمسة فما دونها .فأما على أكثر من ذلك فلا نعلم قائلا غير الذى ذكرناه من الخبر عن أبى العالية .
وفى إجماع من ذكرت - الدلالة الواضحة على ما اخترناه .وسهم النبى - صلى الله عليه وسلم - جعله الله - تعالى - له فى قوله ( وَلِلرَّسُولِ ) كان مفوضا إليه فى حياته ، يتصرف فيه كما شاء ، ويضعه حيث يشاء .روى الإِمام أحمد " أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت : يا عبادة ، ما كلمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة كذا وكذا فى شأن الأخماس؟
فقال عبادة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم فى غزوهم إلى بعير من المقسم .
فلما سلم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتناول وبرة فقال : إن هذه من غنائمكم ، وأنه ليس لى فيها إلا نصيبى معكم الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر ، ولا تغلوا فإن الغلو نار وعار على أصحابه فى الدنيا والآخرة ، وجاهدوا الناس فى الله تبارك وتعالى القريب والبعيد ، ولا تبالوا فى الله لومة لائم ، وأقيموا الحدود فى الحضر والسفر ، وجاهدوا فى سبيل الله ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة .
ينجى الله به من الغم والهم " ، قال ابن كثير : هذا حديث حسن عظيم .وروى أبو داود والنسائى " عن عمور بن عبسة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم إلى بعير من الغنم ، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال : ولا يحل لى من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس ، والخمس مردودة عليكم " .هذا بالنسبة لسهمه - صلى الله عليه وسلم - فى حياته ، أما بعد وفاته ، فمنهم من يرى : أن سهمه - صلى الله عليه وسلم - يكون لمن يلى الأمر من بعده .
روى هذا عن أبى بكر وعلى قتادة وجماعة .
.ومنهم من يرى أن سهمه - صلى الله عليه وسلم - يصرف فى مصالح المسلمين .
روى ابن جرير عن الأعمش عن إبراهيم قال : كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الكراع والسلاح .ومنهم من يرى صرفه لبقية الأصناف : ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال : والصواب من القول فى ذلك عندنا : ان سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مردود فى الخمس ، والخمس مقسوم على أربعة اسهم على ما روى عن ابن عبسا : للقرابة سهم ، ولليتامى سهم ، وللمساكين سهم ، ولابن السبيل سهم ، لأن الله - تعالى - أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات ، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين .
وقد اجمعوا أن حق أهل الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم ، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم ، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم .
.4- المراد بذى القربى - كما سبق أن أشرنا - بنو هاشم وبنو المطلب على الراجح .
وعليه فإن السهم المخصص لذى القربى لا يصرف إلى لهم .قال القرطبى ما ملخصه : اختلف العلماء فى ذوى القربى على ثلاثة أقوال :أولها : أن المراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب .
" قاله الشافعى وأحمد وأبو ثور ومجاهد .
.
لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما قسم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلق قال : " إنهم لم يفارقونى فى جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " وشبك بين أصابعه " أخرجه البخارى والنسائى .ثالثها : أن المراد بهم بنو هاشم خاصة .
قاله مجاهد وعلى بن الحسين .
وهو قول مالك والثورى والأوزاعى وغيرهم .وقال الآلوسى : وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خمسة أسهم سهم له - صلى الله عليه وسلم - للمذكورين من ذوى القربى ، وثلاثة أسهم للاصناف الثلاثة الباقية .وأما بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فسقط سهمه .
.
وكذا سقط سهم ذوى القربى ، وإنما يعطون بالفقر ، ويقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم ، ولا حق لأغنيائهم ، لأن الخلفاء الأربعة قسموا الخمس كذلك وكفى بهم قدوة .
.ثم قال : ومذهب المالكية أن الخمس لا يلزم تخمسه ، وأنه مفوض إلى رأى الإِمام .- أى انهم يرون أن خمس الغنيمة يجعل فى بيت المال فينفق منه على ما ذكر وعلى غيرهم بحسب ما يراه الأمام من مصلحة المسلمين ، وكأنهم يرون أن هذه الأصناف إنما ذكرت على سبيل المثال ، وأنها من باب الخاص الذى قصد به العام ، بينما يرى غيرهم أن هذه الاصناف من باب الخاص الذى قصد به الخاص .ثم قال : ومذهب الإِمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم كما ذهب أبو بالعالية ، إلا أنهم قالوا : إن سهم الله - تعالى - ، وسهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسهم ذوى القربى الكل للإِمام القائم مقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - أما الاسهم الثلاثة الباقية فهم لليتامى من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - وسهم لمساكينهم ، وسهم لآبناء سبيلهم ، لا يشركهم فى ذلك غيرهم .رووا ذلك عن زين العابدين ، ومحمد بن على الباقر .ثم قال : والظاهر أن الاسهم الثلاثة الأولى التى ذكروها اليوم تخبأ فى السرداب ، إذ القام مقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد غاب عندهم فتخبأ له حتى يرجع من غيبته .
.هذا ، ومن كل ما سبق نرى أن أكثر العلماء يرون أن خمس الغنيمة يقسم إلى خمسة أقسام ، ومنهم من يرى أنه يقسم الى ستة أقسام ، ومنهم من يرى أنه لا يلزم تقسيمه إلى خمسة أقسام أو الى ستة ، وإنما هو موكول إلى نظر الإِمام واجتهاده .
.
ومنهم من يرى غير ذلك ، ولكل فريق أدلة المبسوطة فى كتب الفروع .5- ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى مطلع السورة ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال .
.
.
) أن المراد بالأنفال : الغنائم وعليه تكون الآية التى معنا وهى قوله ( واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ) مفصلة لما أجملته الآية التى فى مطلع السورة .أى أن الآية التى فى مطلع السورة بينت أن الأمر فى قسمة الانفال مفوض إلى الله ورسوله ، ثم جاءت الآية التى معنا ففصلت كيفية قسمة الغنائم حتى لا يتطلع أحد إلى ما ليس من حقه .وهذا أولى من قول بعضهم : إن الآية التى معنا نسخت الآية التى فى مطلع السورة : لأن النسخ لا يصار إليه عند التعارض وهنا لا تعارض بين الآيتين .6- الآية الكريمة أرشدت المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يخلصوا فى طاعتهم لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن يجعلوا غياتهم من جهادهم إعلاء كلمة الله ، لكى يكونوا مؤمنين حقا .ويشعر بهذا الإِرشاد تصديره - سبحانه - الآية بقوله : ( واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) كما يشعر به قوله - تعالى - ( إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان .
.
) ، فإن كل ذلك فيه معنى الحض على إخلاص النية لله - تعالى - والامتثال لحكمه ، والمداومة على شكره ، حيث منحهم - سبحانه - هذه النعم بفضله وإحسانه .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : بم تعلق قوله ( إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله ) : قلت بمحذوف يدل عليه قوله ( واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ) والمعنى : إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به ، فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة .
ولس المراد بالعلم المجرد ، ولكنه العلم المضمن بالعمل ، والطاعة لأمر الله - تعالى - ، لأن العلم المجرد يستوى فيه المؤمن والكافر .هذه بعض المسائل والأحكام التى استنبطناها من الآية الكريمة ، وهناك مسائل وأحكام اخرى تتعلق بها ذكرها بعض المفسرين فارجع إليه إن شئت .
اعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله: ﴿ وقاتلوهم ﴾ وكان من المعلوم أن عند المقاتلة قد تحصل الغنيمة، لا جرم ذكر الله تعالى حكم الغنيمة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الغنم: الفوز بالشيء، يقال: غنم يغنم غنماً فهو غانم، والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل والركاب.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ مَا غَنِمْتُم مّن شَيء ﴾ موصولة وقوله: ﴿ مِن شَيء ﴾ يعني أي شيء كان حتى الخيط والمخيط ﴿ فَأَنَّ للَّهِ ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: فحق أو فواجب أن لله خمسه، وروى النخعي عن ابن عمر ﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ بالكسر، وتقديره: على قراءة النخعي فلله خمسه والمشهور آكد وأثبت للإيجاب، كأنه قيل: فلابد من إثبات الخمس فيه، ولا سبيل إلى الإخلال به، وذلك لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوهاً كثيرة من المقدرات كقولك ثابت: واجب، حق، لازم، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد، وقرئ ﴿ خُمُسَهُ ﴾ بالسكون.
المسألة الثالثة: في كيفية قسمة الغنائم.
اعلم أن هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خمسها، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان: القول الأول: وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس، فسهم لرسول الله، وسهم لذوي قرباه من بني هاشم وبني المطلب، دون بني عبد شمس وبني نوفل، لما روي عن عثمان وجبير بن مطعم أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لكونك منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال عليه السلام: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه» وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعند الشافعي رحمه الله: أنه يقسم على خمسة أسهم، سهم لرسول الله، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفرق الثلاثة وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام سهمه ساقط بسبب موته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم، فهو أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقال مالك: الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض، فله ذلك.
واعلم أن ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي رحمه الله وصريح فيه، فلا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها، وكيف وقد قال في آخر الآية: ﴿ وَقَالَ موسى ياقوم إِن ﴾ يعني: إن كنتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة، لم يحصل الإيمان بالله.
والقول الثاني: وهو قول أبي العالية: إن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام، فواحد منها لله، وواحد لرسول الله، والثالث لذوي القربى، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل قالوا: والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله، ثم للطوائف الخمسة، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من قال: يصرف إلى عمارة الكعبة.
وقال بعضهم: إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سمى لله تعالى.
والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن قوله: ﴿ لِلَّهِ ﴾ ليس المقصود منه أثبات نصيب لله.
فإن الأشياء كلها ملك لله، وملكه وإنما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم، كما في قوله: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ واحتج القفال على صحة هذا القول بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال لهم في غنائم خيبر: «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم» فقوله: مالي إلا الخمس يدل على أن سهم الله وسهم الرسول واحد، وعلى الإضمام سهمه السدس لا الخمس، وإن قلنا: إن السهمين يكونان للرسول.
صار سهمه أزيد من الخمس، وكلا القولين ينافي ظاهر قوله: مالي إلا الخمس هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة، وأما الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين.
لأنهم الذين حازوه واكتسبوه كما يكتسب الكلأ بالاحتشاش، والطير بالاصطياد، والفقهاء استنبطوا من هذه الآية مسائل كثيرة مذكورة في كتب الفقه.
المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب، كما هو قول الشافعي رحمه الله، والدليل عليه: أن قوله: ﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ يقتضي ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة، وإذا حصل الملك لهم فيه، وجب جواز القسمة لأنه لا معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك إلى المالك، وذلك جائز بالاتفاق.
المسألة الخامسة: اختلفوا في ذوي القربى.
قيل: هم بنو هاشم.
وقال الشافعي رحمه الله: هم بنو هاشم وبنو المطلب.
واحتج بالخبر الذي رويناه.
وقيل: آل علي، وجعفر، وعقيل، وآل عباس، وولد الحرث بن عبد المطلب، وهو قول أبي حنيفة.
المسألة السادسة: حكى صاحب الكشاف عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت ببدر.
وقال الواقدي رحمه الله: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالَ موسى ياقوم إِن ﴾ والمعنى اعلموا أن خمس الغنيمة مصروف إلى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة ﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَيء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ يعني: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان، يوم بدر.
والجمعان: الفريقان من المسلمين والكافرين، والمراد منه ما أنزل عليه من الآيات، والملائكة، والفتح في ذلك اليوم ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ أي يقدر على نصركم وأنتم قليلون ذليلون والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنَّمَا غَنِمْتُم ﴾ ما موصولة.
و ﴿ مِن شَيْء ﴾ بيانه.
قيل: من شيء حتى الخيط والمخيط، ﴿ فَأَنَّ للَّهِ ﴾ مبتدأ خبره محذوف، تقديره: فحق، أو فواجب أن لله خمسه.
وروى الجعفي عن أبي عمرو، فإن لله بالكسر.
وتقويه قراءة النخعي: ﴿ فللَّه خمسة ﴾ .
والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب، كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه، و لا سبيل إلى الإخلال به والتفريط فيه، من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات، كقولك: ثابت واجب حق لازم؛ وما أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد، وقرئ ﴿ خمسه ﴾ بالسكون فإن قلت: كيف قسمة الخمس؟
قلت: عند أبي حنيفة رحمه الله أنها كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهم لذوي قرباء من بني هاشم وبني المطلب، دون بني عبد شمس وبني نوفل، استحقوه حينئذٍ بالنصرة والمظاهرة، لما روي عن عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما، أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة: فقال صلى الله عليه وسلم: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وشبك بين أصابعه وثلاثة أسهم: لليتامى والمساكين، وابن السبيل.
وأمّا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسهمه ساقط بموته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم، فهم أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأمّا عند الشافعي رحمه الله فيقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين: كعدّة الغزاة من السلاح والكراع ونحو ذلك.
وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الانثيين.
والباقي للفرق الثلاث.
وعند مالك بن أنس رحمه الله: الأمر فيه مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين هؤلاء، وإن رأى أعطاه بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فغيرهم.
فإن قلت: ما معنى ذكر الله عز وجل وعطف الرسول وغيره عليه قلت: يحتمل أن يكون معنى لله وللرسول، لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62] وأن يراد بذكره إيجاب سهم سادس يصرف إلى وجه من وجوه القرب.
وأن يراد بقوله: ﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ أن من حق الخمس أن يكون متقرّبا به إليه لا غير.
ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة، تفضيلاً لها على غيرها.
كقوله تعالى: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] فعلى الاحتمال الأول مذهب الإمامين.
وعلى الثاني ما قال أبو العالية: أنه يقسم على ستة أسهم: سهم لله تعالى يصرف إلى رتاج الكعبة.
وعنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة وهو سهم الله تعالى.
ثم يقسم ما بقي على خمسة.
وقيل: إن سهم الله تعالى لبيت المال، وعلى الثالث مذهب مالك بن أنس.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان على ستة أسهم لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض، فأجرى أبو بكر رضي الله عنه الخمس على ثلاثة.
وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء.
وروي أنّ أبا بكر رضي الله عنه منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غنيّ لا يعطى من الصدقة شيئاً، ولا يتيم موسر.
وعن زيد بن علي رضي الله عنه: كذلك قال، ليس لنا أن نبني منه قصوراً، ولا أن نركب منه البراذين.
وقيل: الخمس كله للقرابة.
وعن علي رضي الله عنه أنه قيل له: إنّ الله تعالى قال: ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ [البقرة: 83] فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وعن الحسن رضي الله عنه في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لولي الأمر من بعده.
وعن الكلبي رضي الله عنه أنّ الآية نزلت ببدر.
وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال، على رأس عشرين شهراً من الهجرة.
فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بالله ﴾ ؟
قلت: بمحذوف يدل عليه ﴿ واعلموا ﴾ المعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم المجرّد، ولكنه العلم المضمن بالعمل، والطاعة لأمر الله تعالى؛ لأنّ العلم المجرّد يستوي فيه المؤمن والكافر ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا ﴾ معطوف على ﴿ للَّهِ ﴾ أي إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل: ﴿ على عَبْدِنَا ﴾ وقرئ ﴿ عبدنا ﴾ كقوله: ﴿ وَعَبَدَ الطاغوت ﴾ [المائدة: 60] بضمتين ﴿ يَوْمَ الفرقان ﴾ يوم بدر.
و ﴿ الجمعان ﴾ الفريقان من المسلمين والكافرين.
والمراد ما أنزل عليه من الآيات والملائكة والفتح يومئذ ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ يقدر على أن ينصر القليل على الكثير والذليل على العزيز، كما فعل بكم ذلك اليوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ ﴾ أيِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِنَ الكُفّارِ قَهْرًا.
﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ حَتّى الخَيْطَ.
﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَثابِتٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
وقُرِئَ « فَإنَّ» بِالكَسْرِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ .
وأنَّ المُرادَ قَسْمُ الخَمُسِ عَلى الخَمْسَةِ المَعْطُوفِينَ ﴿ وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ يُصْرَفُ إلى هَؤُلاءِ الأخَصِّينَ بِهِ.
وحُكْمُهُ بَعْدَهُ، باقٍ غَيْرَ أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ يُصْرَفُ إلى ما كانَ يُصْرَفُهُ إلَيْهِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ كَما فَعَلَهُ الشَّيْخانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وقِيلَ إلى الإمامِ.
وقِيلَ إلى الأصْنافِ الأرْبَعَةِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَقَطَ سَهْمُهُ وسَهْمُ ذَوِي القُرْبى بِوَفاتِهِ وصارَ الكُلُّ مَصْرُوفًا إلى الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ.
وعَنْ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ يَصْرِفُهُ إلى ما يَراهُ أهَمَّ، وذَهَبَ أبُو العالِيَةِ إلى ظاهِرِ الآيَةِ فَقالَ يُقَسَّمُ سِتَّةَ أقْسامٍ ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَأْخُذُ قَبْضَةً مِنهُ فَيَجْعَلُها لِلْكَعْبَةِ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ.
وَقِيلَ سَهْمُ اللَّهِ لِبَيْتِ المالِ.
وقِيلَ هو مَضْمُومٌ إلى سَهْمِ الرَّسُولِ .
وذَوُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ.
لَمّا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَسَّمَ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى عَلَيْهِما فَقالَ لَهُ عُثْمانُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ مِنهم، أرَأيْتَ إخْوانَنا مِن بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ» .
وَقِيلَ بَنُو هاشِمٍ وحْدَهم.
وقِيلَ جَمِيعُ قُرَيْشٍ الغَنِيُّ والفَقِيرُ فِيهِ سَواءٌ.
وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِفُقَرائِهِمْ كَسَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ.
وقِيلَ الخُمُسُ كُلُّهُ لَهم والمُرادُ بِاليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مَن كانَ مِنهم والعَطْفُ لِلتَّخْصِيصِ.
والآيَةُ نَزَلَتْ بِبَدْرٍ.
وقِيلَ الخُمُسُ كانَ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ واعْلَمُوا ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فاعْلَمُوا أنَّهُ جَعَلَ الخُمُسَ لِهَؤُلاءِ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ واقْتَنِعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ، فَإنَّ العِلْمَ العَمَلِيَّ إذا أمَرَ بِهِ لَمْ يُرَدَّ مِنهُ العِلْمُ المُجَرَّدُ لِأنَّهُ مَقْصُودٌ بِالعَرْضِ والمَقْصُودُ بِالذّاتِ هو العَمَلُ.
﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا ﴾ مُحَمَّدٍ مِنَ الآياتِ والمَلائِكَةِ والنَّصْرِ.
وقُرِئَ (عُبُدِنا) بِضَمَّتَيْنِ أيِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ يَوْمَ الفُرْقانِ ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
﴿ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ المُسْلِمُونَ والكافِرُونَ.
﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى نَصْرِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ والإمْدادِ بِالمَلائِكَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم} ما بمعنى الذي ولا يجوز أن يكتب إلا مفصولاً إذ لو كتب موصولاً لوجب أن تكون ما كافة وغنمتم صلته والعائد محذوف والتقدير الذي غنمتموه {مِّن شَىْء} بيانه قيل حتى الخيط والمخيط {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} والفاء إنما دخلت لما في الذى من معنى المجازاة وان وما عملت فيه في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ تقديره فالحكم أن لله خمسة {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} فالخمس كان فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم على خسمة أسهم سهم لرسول الله وسهم لذوى قرابته من بني هاشم وبني المطلب دون بنى عبد شمس وبنى نوفل استخقوه حينئذ بالنصرة لقصة عثمان وجبير بن مكعم وثلاثة أسهم لليتمامى والمساكين وابن السبيل وأما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسهمه ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقراءهم ولا يعطى أغناؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وبان السبيل وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان
على ستة لله والرسول سهمان وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر رضى الله عنه الخمس على
الأنفال ٣٩ ٤٠ ثلاثة وكذا عمر ومن بعده من الخلفىء رضى اللهعنهم ومعنى لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ لرسول الله كقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه {إن كنتم آمنتم بالله} فاعملوا به وارضوا بهذه القسمة فالإيمان يوجب الرضا بالحكم والعمل بالعلم {وَمَا أَنزَلْنَا} معطوف على بالله أي إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل {على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان} يوم بدر {يوم التقى الجمعان} الفيقيقان من السملين والكافرين والمراد ما أنزل عليه من الآيات والملائكة والفتح يومئذ وهو بدل من يَوْمَ الفرقان {والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} يقدر على أن ينصر القليل على الكثيرة كما فعل بكم يوم بدر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ ﴾ رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في بَدْرٍ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الجُمْهُورِ، وقالَ الواقِدِيُّ: كانَ الخُمْسُ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ.
و( ما ) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وكانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ مَفْصُولَةً وجَعْلُها شَرْطِيَّةً خِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا جَعْلُها مَصْدَرِيَّةً، وغَنِمَ في الأصْلِ مِنَ الغُنْمِ بِمَعْنى الرِّبْحِ، وجاءَ غَنِمَ غُنْمًا بِالضَّمِّ وبِالفَتْحِ وبِالتَّحْرِيكِ وغَنِيمَةً وغُنْمانًا بِالضَّمِّ؛ وفي ”القامُوسِ“ المَغْنَمُ والغَنِيمُ والغَنِيمَةُ والغُنْمُ بِالضَّمِّ الفَيْءُ، والمَشْهُورُ تَغايُرُ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ، وقِيلَ: اسْمُ الفَيْءِ يَشْمَلُهُما لِأنَّها راجِعَةٌ إلَيْنا ولا عَكْسَ فَهي أخَصُّ، وقِيلَ: هُما كالفَقِيرِ والمِسْكِينِ، وفَسَّرُوها بِما أُخِذَ مِنَ الكُفّارِ قَهْرًا بِقِتالٍ أوْ إيجافٍ، فَما أُخِذَ اخْتِلاسًا لا يُسَمّى غَنِيمَةً ولَيْسَ لَهُ حَكَمُها، فَإذا دَخَلَ الواحِدُ أوِ الِاثْنانِ دارَ الحَرْبِ مُغِيرِينَ بِغَيْرِ إذَنِ الإمامِ فَأخَذُوا شَيْئًا لَمْ يُخَمَّسْ، وفي الدُّخُولِ بِإذْنِهِ رِوايَتانِ والمَشْهُورُ أنَّهُ يُخَمَّسُ لِأنَّهُ لَمّا أذِنَ لَهم فَقَدِ التَزَمَ نُصْرَتَهم بِالإمْدادِ، فَصارُوا كالمَنَعَةِ، وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في المَسْألَةِ الأُولى التَّخْمِيسُ وإنْ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ غَنِيمَةً عِنْدَهُ لِإلْحاقِهِ بِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ ) بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ قُصِدَ بِهِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِ الغَنِيمَةِ، وأنْ لا يَشِذَّ عَنْها شَيْءٌ، أيْ ما غَنِمْتُمُوهُ كائِنًا مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ حَتّى الخَيْطِ والمَخِيطِ خَلا أنَّ سَلَبَ المَقْتُولِ لِقاتِلِهِ إذا نَفَلَهُ الإمامُ، وقالَ الشّافِعِيَّةُ: السَّلَبُ لِلْقاتِلِ ولَوْ نَحْوَ صَبِيٍّ وقِنٍّ، وإنْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ، وإنْ كانَ المَقْتُولُ نَحْوَ قَرِيبِهِ وإنْ لَمْ يُقاتِلْ أوْ نَحْوَ امْرَأةٍ أوْ صَبِيٍّ إنْ قاتَلا ولَوْ أعْرَضَ عَنْهُ لِلْخَبَرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» نَعَمِ القاتِلُ المُسْلِمُ القِنُّ لِذِمِّيٍّ لا يَسْتَحِقُّهُ عِنْدَهم وإنْ خَرَجَ بِإذْنِ الإمامِ.
وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ السَّلَبَ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الجَيْشِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً فَيُقَسَّمُ قِسْمَتَها، وقَدْ «قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِحَبِيبِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ: ”لَيْسَ لَكَ مِن صُلْبِ قَتِيلِكَ إلّا ما طابَتْ بِهِ نَفْسُ إمامِكَ»“ وما رَوَوْهُ يَحْتَمِلُ نَصْبَ الشَّرْعِ ويَحْتَمِلُ التَّنْفِيلَ فَيُحْمَلُ عَلى الثّانِي لِما رَوَيْناهُ، والأسارى يُخَيَّرُ فِيهِمُ الإمامُ وكَذا الأرْضُ المَغْنُومَةُ عِنْدَنا، وتَفْصِيلُهُ في الفِقْهِ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ مِن أنَّ المَفْتُوحَةَ مَعَ ما في حَيِّزِها في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَحَقٌّ أوْ واجِبٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وقَدَّرَ مُقَدَّمًا لِأنَّ المُطَّرِدَ في خَبَرِها إذا ذُكِرَ تَقْدِيمُهُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّها مَكْسُورَةٌ، فَأُجْرِيَ عَلى المُعْتادِ فِيهِ، ومِنهم مَن أعْرَبَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فالحُكْمُ أنَّ إلَخْ،، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأنَّ الأُولى، والفاءُ لِما في المَوْصُولِ مِن مَعْنى المُجازاةِ، وقِيلَ: إنَّها صِلَةٌ وأنَّ بَدَلٌ مِن أنَّ الأُولى، ورَوى الجُعْفِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( فَإنَّ ) بِالكَسْرِ وتُقَوِّيهِ قِراءَةُ النَّخَعِيِّ: فَلِلَّهِ خُمُسُهُ، ورَجَحَتِ المَشْهُورَةُ بِأنَّها آكَدُ لِدَلالَتِها عَلى إثْباتِ الخُمُسِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لِتَرْكِهِ مَعَ احْتِمالِ الخَبَرِ لِتَقْدِيراتٍ كَلازِمٍ وحَقٍّ وواجِبٍ ونَحْوِهِ، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّهُ مُعارَضٌ بِلُزُومِ الإجْمالِ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالإجْمالِ ما يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ والنَّدْبَ والإباحَةَ فالمَقامُ يَأْبى إلّا الوُجُوبَ وإنْ أُرِيدَ ما ذُكِرَ مِن لازِمٍ وحَقٍّ وواجِبٍ فالتَّعْمِيمُ يُوجِبُ التَّفْخِيمَ والتَّهْوِيلَ.
وقُرِئَ ( خُمْسَهُ ) بِسُكُونِ المِيمِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى لِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ ) أوْ لِبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ في الخَمْسِيَّةِ مِن إخْلاصِها لَهُ سُبْحانَهُ وأنَّ المُرادَ قِسْمَةُ الخُمُسِ عَلى ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ قِيلَ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ ولِلرَّسُولِ ﴾ ) مَعْطُوفًا عَلى ( اللَّهِ ) عَلى التَّعْلِيلِ الأوَّلِ وبِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ وهو أيِ الخُمُسُ لِلرَّسُولِ إلَخْ عَلى التَّعْلِيلِ الثّانِي، وإعادَةُ اللّامِ في ذِي القُرْبى دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأصْنافِ الباقِيَةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اشْتِراكِهِمْ في سَهْمِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَزِيدِ اتِّصالِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُرِيدَ بِهِمْ بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ المُسْلِمُونَ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وضَعَ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى فِيهِمْ دُونَ بَنِي أخِيهِما شَقِيقِهِما عَبْدِ شَمْسٍ، وأخِيهِما لِأبِيهِما نَوْفَلٍ مُجِيبًا عَنْ ذَلِكَ حِينَ قالَ لَهُ عُثْمانُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ لا يُنْكَرُ فَضْلُهم لِمَكانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ تَعالى مِنهُمْ، أرَأيْتَ إخْوانَنا مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا، وإنَّما نَحْنُ وهَمَ بِمَنزِلَةٍ، نَحْنُ وبَنُو المَطْلَبِ شَيْءٌ واحِدٌ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ.
رَواهُ البُخارِيُّ، أيْ لَمْ يُفارِقُوا بَنِي هاشِمٍ في نُصْرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جاهِلِيَّةً ولا إسْلامًا.
وكَيْفِيَّةُ القِسْمَةِ عِنْدَ الأصْحابِ أنَّها كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ.
سَهْمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وسَهْمٌ لِلْمَذْكُورِينَ مِن ذَوِي القُرْبى.
وثَلاثَةُ أسْهُمٍ لِلْأصْنافِ الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، وأمّا بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَسَقَطَ سَهْمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما سَقَطَ الصَّفِيُّ وهو ما كانَ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ مِنَ الغَنِيمَةِ مِثْلَ دِرْعٍ وسَيْفٍ وجارِيَةٍ بِمَوْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ كانَ يَسْتَحِقُّهُ بِرِسالَتِهِ ولا رَسُولَ بَعْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا سَقَطَ سَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وإنَّما يُعْطَوْنَ بِالفَقْرِ، وتَقَدَّمَ فُقَراؤُهم عَلى فُقَراءَ غَيْرِهِمْ ولا حَقَّ لِأغْنِيائِهِمْ لِأنَّ الخُلَفاءَ الأرْبَعَةَ الرّاشِدِينَ قَسَّمُوهُ كَذَلِكَ وكَفى بِهِمْ قُدْوَةً، ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مَنَعَ بَنِي هاشِمٍ الخُمُسَ وقالَ: إنَّما لَكم أنْ يُعْطى فَقِيرُكم ويُزَوَّجَ أيِّمُكم ويُخْدَمُ ما لا خادِمَ لَهُ مِنكُمْ، فَأمّا الغَنِيُّ مِنكم فَهو بِمَنزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ، غَنِيٌّ لا يُعْطِي مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا ولا يَتِيمٌ مُوسِرٌ.
وعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ كَذَلِكَ قالَ: لَيْسَ لَنا أنْ نَبْنِيَ مِنهُ القُصُورَ ولا أنْ نَرْكَبَ مِنهُ البَراذِينَ، ولِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إنَّما أعْطاهم لِلنُّصْرَةِ لا لِلْقَرابَةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ جَوابُهُ لِعُثْمانَ وجُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقُرْبى في النَّصِّ قُرْبُ النُّصْرَةِ لا قُرْبُ القَرابَةِ، وحَيْثُ انْتَهَتِ النُّصْرَةُ انْتَهى الإعْطاءُ لِأنَّ الحُكْمَ يَنْتَهِي بِانْتِهاءِ عِلَّتِهِ، واليَتِيمُ صَغِيرٌ لا أبَ لَهُ فَيَدْخُلُ فُقَراءُ اليَتامى مِن ذَوِي القُرْبى في سَهْمِ اليَتامى المَذْكُورِينَ دُونَ أغْنِيائِهِمْ، والمِسْكِينُ مِنهم في سَهْمِ المَساكِينِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ اليَتِيمِ مَعَ كَوْنِ اسْتِحْقاقِهِ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ لا بِاليَتِيمِ دَفَعَ تَوَهُّمَ أنَّ اليَتِيمَ لا يَسْتَحِقُّ مِنَ الغَنِيمَةِ شَيْئًا لِأنَّ اسْتِحْقاقَها بِالجِهادِ، واليَتِيمُ صَغِيرٌ فَلا يَسْتَحِقُّها.
وفِي التَّأْوِيلاتِ لِعَلَمِ الهُدى الشَّيْخِ أبِي مَنصُورٍ أنَّ ذَوِي القُرْبى إنَّما يَسْتَحِقُّونَ بِالفَقْرِ أيْضًا، وفائِدَةُ ذِكْرِهِمْ دَفَعَ ما يَتَوَهَّمُ أنَّ الفَقِيرَ مِنهم لا يَسْتَحِقُّ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ الصَّدَقَةِ ولا تَحِلُّ لَهم، وفي ”الحاوِي القُدْسِيِّ“ وعَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ الخُمُسَ يُصْرَفُ لِذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وبِهِ نَأْخُذُ.
انْتَهى، وهو يَقْتَضِي أنَّ الفَتْوى عَلى الصَّرْفِ إلى ذَوِي القُرْبى الأغْنِياءِ فَلْيُحْفَظْ، وفي ”التُّحْفَةِ“ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَصارِفُ الخُمُسِ عِنْدَنا لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ حَتّى لَوْ صُرِفَ إلى صِنْفٍ واحِدٍ مِنهم جازَ كَما في الصَّدَقاتِ كَذا في ”فَتْحِ القَدِيرِ“، ومَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الخُمُسَ لا يَلْزَمُ تَخْمِيسُهُ وأنَّهُ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ خَلِيلٍ؛ وبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الحاجِبِ فَقالَ: ولا يُخَمَّسُ لُزُومًا بَلْ يُصْرَفُ مِنهُ لِآلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاجْتِهادِ ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ ويَبْدَأُونَ اسْتِحْبابًا كَما نُقِلَ التَّتائِي عَنِ السُّنْباطِيِّ بِالصَّرْفِ عَلى غَيْرِهِمْ، وذَكَرَ أنَّهم بَنُو هاشِمٍ وأنَّهم يُوَفَّرُ نَصِيبُهم لِمَنعِهِمْ مِنَ الزَّكاةِ حَسْبَما يَرى مِن قِلَّةِ المالِ وكَثْرَتِهِ، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَخُصُّ ولَدَ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كُلَّ عامٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِينارٍ سِوى ما يُعْطِي غَيْرَهم مِن ذَوِي القُرْبى، وقِيلَ: يُساوِي بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ وهو فِعْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُعْطِي حَسَبَ ما يَراهُ، وقِيلَ: يُخَيَّرُ لِأنَّ فِعْلَ كُلٍّ مِنَ الشَّيْخَيْنِ حُجَّةٌ.
وقالَ عَبْدُ الوَهّابِ: أنَّ الإمامَ يَبْدَأُ بِنَفَقَتِهِ ونَفَقَةِ عِيالِهِ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، وظاهِرُ كَلامِ الجُمْهُورِ أنَّهُ لا يَبْدَأُ بِذَلِكَ وبِهِ قالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، والمُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عِنْدَ هَذا الإمامِ أنَّ الخُمْسَ يُصْرَفُ في وُجُوهِ القُرُباتِ لِلَّهِ تَعالى، والمَذْكُورُ بَعْدُ لَيْسَ لِلتَّخْصِيصِ بَلْ لِتَفْضِيلِهِ عَلى غَيْرِهِ ولا يُرْفَعُ حُكْمُ العُمُومِ الأوَّلُ بَلْ هو قارٌّ عَلى حالِهِ وذَلِكَ كالعُمُومِ الثّابِتِ لِلْمَلائِكَةِ وإنْ خُصَّ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْدُ.
ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ أنْ يُقَدِّمَ مِن أصْلِ المالِ السَّلَبَ ثُمَّ يُخْرِجَ مِنهُ حَيْثُ لا مُتَطَوِّعَ ( مُؤْنَةُ الحِفْظِ والنَّقْلِ وغَيْرِهِما ) مِنَ المُؤَنِ اللّازِمَةِ لِلْحاجَةِ إلَيْها، ثُمَّ يُخَمَّسُ الباقِي فَيُجْعَلُ خَمْسَةَ أقْسامٍ مُتَساوِيَةً ويُكْتَبُ عَلى رُقْعَةٍ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلْمَصالِحِ وعَلى رُقْعَةٍ لِلْغانِمَيْنِ وتُدْرَجُ في بَنادِقَ، فَما خَرَجَ لِلَّهِ تَعالى قُسِمَ عَلى خُمْسِ مَصالِحِ المُسْلِمِينَ كالثُّغُورِ والمُشْتَغِلِينَ بِعُلُومِ الشَّرْعِ وآلاتِها ولَوْ مُبْتَدِينَ والأئِمَّةِ والمُؤَذِّنِينَ ولَوْ أغْنِياءَ وسائِرِ مَن يَشْتَغِلُ عَنْ نَحْوِ كَسْبِهِ بِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ لِعُمُومِ نَفْعِهِمْ، وأُلْحِقَ بِهِمُ العاجِزُونَ عَنِ الكَسْبِ والعَطاءِ إلى رَأْيِ الإمامِ مُعْتَبِرًا سِعَةَ المالِ وضِيقَهُ، وهَذا هو السَّهْمُ الَّذِي كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ في حَياتِهِ، وكانَ يُنْفِقُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ ويَدَّخِرُ مِنهُ مُؤْنَةَ سَنَةٍ ويَصْرِفُ الباقِيَ في المَصالِحِ، وهَلْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ هَذا التَّصَرُّفِ مالِكًا لِذَلِكَ أوْ غَيْرَ مالِكٍ؟
قَوْلانِ ذَهَبَ إلى الثّانِي الإمامُ الرّافِعِيُّ وسَبَقَهُ إلَيْهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ تَصَرُّفِهِ في الخُمُسِ المَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهُ ولا يَنْتَقِلُ مِنهُ إلى غَيْرِهِ إرْثًا.
ورَدَ بِأنَّ الصَّوابَ المَنصُوصَ أنَّهُ كانَ يَمْلِكُهُ، وقَدْ غَلَّطَ الشَّيْخُ أبُو حامِدٍ مَن قالَ: لَمْ يَكُنْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْلِكُ شَيْئًا وإنْ أُبِيحَ لَهُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ كَلامُ الرّافِعِيِّ بِأنَّهُ لَمْ يَنْفِ المِلْكَ المُطْلَقَ بَلِ المِلْكَ المُقْتَضِيَ لِلْإرْثِ عَنْهُ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ اقْتِضاءُ كَلامِهِ في الخَصائِصِ أنَّهُ يَمْلِكُ.
وبَنُو هاشِمٍ والمُطَّلِبِ، والعِبْرَةُ بِالِانْتِسابِ لِلْآباءِ دُونَ الأُمَّهاتِ ويَشْتَرِكُ فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ لِإطْلاقِ الآيَةِ، وإعْطائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العَبّاسَ وكانَ غَنِيًّا والنِّساءَ، ويُفَضَّلُ الذَّكَرُ كالإرْثِ، واليَتامى، ولا يَمْنَعُ وُجُودُ جَدٍّ، ويَدْخُلُ فِيهِمْ ولَدُ الزِّنا والمَنفِيُّ لا اللَّقِيطُ عَلى الأوْجُهِ؛ ويُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلى المَشْهُورِ ولا بُدَّ في ثُبُوتِ اليُتْمِ والإسْلامِ والفَقْرِ هُنا مِنَ البَيِّنَةِ، وكَذا في الهاشِمِيِّ والمُطَّلِبِيِّ، واشْتَرَطَ جَمْعٌ فِيهِما مَعَها اسْتِفاضَةُ النِّسْبَةِ والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ولَوْ بِقَوْلِهِمْ بِلا يَمِينٍ.
نَعِمَ يَظْهَرُ في مُدَّعِي تَلَفِ مالٍ لَهُ عُرْفٌ أوْ عِيالٌ أنَّهُ يُكَلَّفُ بَيِّنَةً.
ويُشْتَرَطُ الإسْلامُ في الكُلِّ والفَقْرُ في ابْنِ السَّبِيلِ أيْضًا، وتَمامُهُ في كُتُبِهِمْ.
وتَعَلَّقَ أبُو العالِيَةِ بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقالَ: يُقَسَّمُ سِتَّةُ أسْهُمٍ ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ تَعالى لِمَصالِحِ الكَعْبَةِ أيْ إنْ كانَتْ قَرِيبَةً وإلّا فَإلى مَسْجِدِ كُلِّ بَلْدَةٍ وقَعَ فِيها الخُمُسُ كَما قالَهُ ابْنُ الهُمامِ: وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في ”المَراسِيلِ“ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَبْضَةً فَيَجْعَلُها لِمَصالِحِ الكَعْبَةِ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ خَمْسَةَ أسْهُمٍ»، ومَذْهَبُ الإمامِيَّةِ أنَّهُ يَنْقَسِمُ إلى سِتَّةِ أسْهُمٍ أيْضًا كَمَذْهَبِ أبِي العالِيَةِ إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّ سَهْمَ اللَّهِ تَعالى وسَهْمَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسَهْمَ ذَوِي القُرْبى لِلْإمامِ القائِمِ مَقامَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وسَهْمٌ لِيَتامى آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وسَهْمٌ لِمَساكِينِهِمْ، وسَهْمٌ لِأبْناءِ سَبِيلِهِمْ لا يَشْرَكُهم في ذَلِكَ غَيْرُهم ورَوَوْا ذَلِكَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، والظّاهِرُ أنَّ الأسْهُمَ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ الَّتِي ذَكَرُوها اليَوْمَ تُخْبَأُ في السِّرْدابِ إذِ القائِمُ مَقامَ الرَّسُولِ قَدْ غابَ عِنْدَهم فَتُخْبَأُ لَهُ حَتّى يَرْجِعَ مِن غَيْبَتِهِ، وقِيلَ: سَهْمُ اللَّهِ تَعالى لِبَيْتِ المالِ، وقِيلَ: هو مَضْمُومٌ لِسَهْمِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
هَذا ولَمْ يُبَيِّنْ سُبْحانَهُ حالَ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ وحَيْثُ بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ حُكْمَ الخُمُسِ ولَمْ يُبَيِّنْها دَلَّ عَلى أنَّها مِلْكُ الغانِمِينَ، وقِسْمَتُها عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لِلْفارِسِ سَهْمانِ ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ واحِدٌ.
لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلَ كَذَلِكَ، والفارِسُ في السَّفِينَةِ يَسْتَحِقُّ سَهْمَيْنِ أيْضًا وإنْ لَمْ يُمْكِنْهُ القِتالُ عَلَيْها فِيها لِلتَّأهُّلِ، والمُتَأهِّبُ لِلشَّيْءِ كالمُباشِرِ كَما في ”المُحِيطِ“، ولا فَرْقَ بَيْنَ الفَرَسِ المَمْلُوكِ والمُسْتَأْجَرِ والمُسْتَعارِ وكَذا المَغْصُوبُ عَلى تَفْصِيلٍ فِيهِ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ إلى أنَّ لِلْفارِسِ ثَلاثَةَ أسْهُمٍ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسْهَمَ لِلْفارِسِ ذَلِكَ وهو قَوْلُ الإمامَيْنِ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ قَدْ رُوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَسَمَ لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ،» فَإذا تَعارَضَتْ رِوايَتاهُ تُرَجَّحُ رِوايَةُ غَيْرِهِ بِسَلامَتِها عَنِ المُعارَضَةِ فَيُعْمَلُ بِها، وهَذِهِ الرِّوايَةُ رِوايَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وفِي ”الهِدايَةِ“ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعارَضَ فِعْلاهُ في الفارِسِ فَنَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لِلْفارِسِ سَهْمانِ ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ» وتَعَقَّبَهُ في العِنايَةِ بِأنَّ طَرِيقَةَ اسْتِدْلالِهِ مُخالَفَةٌ لِقَواعِدِ الأُصُولِ فَإنَّ الأصْلَ أنَّ الدَّلِيلَيْنِ إذا تَعارَضا وتَعَذَّرَ التَّوْفِيقُ والتَّرْجِيحُ يُصارُ إلى ما بَعْدَهُ لا إلى ما قَبْلَهُ وهو قالَ: فَتَعارَضَ فِعْلاهُ فَنَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ، والمَسْلَكُ المَعْهُودُ في مِثْلِهِ أنْ نَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ ونَقُولَ: فِعْلُهُ لا يُعارِضُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّ القَوْلَ أقْوى بِالِاتِّفاقِ، وذَهَبَ الإمامُ إلى أنَّهُ لا يُسْهَمُ إلّا لِفَرَسٍ واحِدٍ وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ، وما يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى التَّنْفِيلِ عِنْدَ الإمامِ كَما أعْطى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَلَمَةَ بْنَ الأكْوَعِ سَهْمَيْنِ وهو راجِلٌ ولا يُسْهَمُ لِثَلاثَةٍ اتِّفاقًا ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ ﴾ شَرْطٌ جَزاؤُهُ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ تَعالى فاعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الخُمُسَ لِمَن جَعَلَ، فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ واقْنَعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ العِلْمِ بِذَلِكَ بَلِ العِلْمَ المَشْفُوعَ بِالعَمَلِ والطّاعَةِ لِأمْرِهِ تَعالى، ولَمْ يَجْعَلِ الجَزاءَ ما قَبْلُ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَقَدُّمُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وإنَّما لَمْ يُقَدَّرِ العَمَلُ قَصْرًا لِلْمَسافَةِ كَما فَعَلَهُ النَّسَفِيُّ لِأنَّ المُطَّرِدَ في أمْثالِ ذَلِكَ أنْ يُقَدَّرَ ما يَدُلُّ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ فَيُقَدَّرُ مِن جِنْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أنْزَلْنا ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ و( ما ) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي أنْزَلْناهُ ( ﴿ عَلى عَبْدِنا ﴾ ) مُحَمَّدٍ ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ ما لا يَخْفى مِنَ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ، وقُرِئَ ( ﴿ عَبْدِنا ﴾ ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَبْدٍ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ لَهُ وأُرِيدَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنُونَ فَإنَّ بَعْضَ ما نَزَلَ نازِلٌ عَلَيْهِمْ ( ﴿ يَوْمَ الفُرْقانِ ﴾ ) هو يَوْمُ بَدْرٍ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ، والفُرْقانُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ فَإنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ قَدْ فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِـ ( ﴿ أنْزَلْنا ﴾ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ ( ﴿ آمَنتُمْ ﴾ )، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالفُرْقانِ، وتَعْرِيفُ الجَمْعانِ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِمُ الفَرِيقانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ؛ والمُرادُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الآياتِ والمَلائِكَةِ والنَّصْرِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْزالِ مُجَرَّدُ الإيصالِ والتَّيْسِيرِ فَيَشْمَلُ الكُلَّ شُمُولًا حَقِيقِيًّا، فالمَوْصُولُ عامٌّ ولا جَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَ فِيهِ، وجَعَلَ الإيمانَ بِهَذِهِ الأشْياءِ مِن مُوجِباتِ العِلْمِ بِكَوْنِ الخُمْسِ لِلَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن حَيْثُ أنَّ الوَحْيَ ناطِقٌ بِذَلِكَ وأنَّ المَلائِكَةَ والنَّصْرَ لَمّا كانا مِنهُ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ ما حَصَلَ بِسَبَبِهِما مِنَ الغَنِيمَةِ مَصْرُوفًا إلى الجِهاتِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ) ومِن آثارِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ما شاهَدْتُمُوهُ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ علّمهم قسَّم الغنيمة، وجعل أربعة أخماسها للذين أصابوها، وأمر بأن يقسم الخمس على خمسة أسهم.
وقال بعضهم: على ستة أسهم، وقال أبو العالية الرياحي: كان رسول الله يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة أسهم: أربعة لمن شهدها، ويأخذ الخمس فيجعله على ستة أسهم: سهم لله تعالى فيجعل للكعبة، وسهم للرسول، وسهم لذوي القربى يعني: قرابة النبيّ ، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال بعضهم: سهم الله ورسوله واحد.
وروى سفيان، عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد بن الحنفية عن قوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ قال: «هذا مفتاح الكلام لله الدنيا والآخرة، ثم قال: وقد اختلف بعد وفاة الرسول في سهم الرسول وسهم ذوي القربى، فقال بعضهم: للخليفة، وقال بعضهم: لقرابة الخليفة، فاجتمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع والعدة في سبيل الله تعالى، فكانا كذلك في خلافة أبي بكر وعمر» (١) يقسم على خمسة أسهم: سهم الله ورسوله واحد، وَلِذِى القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل وقسم بعد عهد رسول الله أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل (٢) ثم قال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ.
يجوز أن تكون متعلقة بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ، إن كنتم آمنتم بالله عز وجل، ويجوز أن يكون معناه: فاقبلوا ما أمرتم به من القسمة في الخمس إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ، يعني: إن كنتم صدقتم بتوحيد الله، وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يعني: وصدقتم بما أنزلنا على محمد من القرآن يوم الفرقان، يعني: يوم بدر.
قال الكلبي: يعني: يوم النصر، يوم بدر، فَرَّقَ بين الحق والباطل.
وقال مقاتل: معناه وما أنزلنا من الفرقان يوم بدر فأَقرُّوا بحكم الله تعالى في أمر الغنيمة.
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يعني: يوم جمع المسلمين وجمع المشركين.
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يعني: على نصرة المؤمنين وهزيمة الكفار.
(١) عزاه السيوطي: 4/ 65 إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم.
(٢) عزاه السيوطي: إلى ابن جرير والطبراني وابن مردويه، وابن المنذر وابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
سبحانه، ثم قال تعالَى: فَإِنِ انْتَهَوْا، عن الكفر، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه.
وقوله سبحانه: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ:
معادلٌ لقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا، المعنى: وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظّفر، والْمَوْلى هاهنا الموالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ: الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمّ المؤمنين والمشركين.
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
وقوله عزّ وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...
الآية: الغنيمةُ في اللغة: ما يناله الرجل بسعي ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصّيام في الشّتاء هي الغنيمة الباردة» «١» ،
وقوله: مِنْ شَيْءٍ: ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ «١» والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل [لحمه] من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ: يقسمها الإِمام إِن رأى ذلك صوابا كما فعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه عنه بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه «٢» :
منها: القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية.
ومنها: الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه.
ومنها: المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجى أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن.
ومنها: الاسترقاق.
ومنها: ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة.
وأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم.
ومحلُّ استيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه.
وقوله سبحانه: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، أي: من النصر والظهور الذي أنزله الله
سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن/ نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان: معناه: يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ: يريد: جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَعْضُدُ أَنَّ قوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي: الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه عَزَّ وجَلَّ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير.
وقوله سبحانه: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، العُدْوَة: شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادِيَ، أي: منعته ومنه قول الشاعر: [الوافر]
عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي ...
وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُون «١»
وقرأ ابنُ كَثِير «٢» ، وأبو عمرو: بِالْعُدْوَةِ- بِكَسْرِ العين-، وقوله: الدُّنْيا، والْقُصْوى، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، والدُّنْيَا: من الدُّنُوِّ، والقصوى: منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد، وَالرَّكْبُ، بإِجماعٍ من المفسِّرين: عِيرُ أبي سفيان، وقوله: أَسْفَلَ، في موضع خَفْض، تقديره: في مكان أَسْفَلَ كَذَا.
قال سِيبَوَيْهِ: وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بدر حين نذر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي.
وقوله سبحانه: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، المَقْصدُ من الآية: تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى: لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير: لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا، أي: لينفِّذَ ويُظْهِر أمراً قد قدَّره في الأزل مفعولاً لكم بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده عزَّ وجلّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلِ الغَنِيمَةُ والفَيْءُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ يَخْتَلِفانِ؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.
ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الغَنِيمَةَ: ما ظُهِرَ عَلَيْهِ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ، والفَيْءِ: ما ظُهِرَ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِينَ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: أنَّ الغَنِيمَةَ: ما أُخِذَ عُنْوَةً والفَيْءُ، ما أُخِذَ عَنْ صُلْحٍ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
وقِيلَ: بَلِ الفَيْءُ: ما لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بَخِيلٍ ولا رِكابٍ، كالعُشُورِ، والجِزْيَةِ، وأمْوالِ المُهادَنَةِ، والصُّلْحِ، وما هَرَبُوا عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّهُما واحِدٌ، وهُما: كُلُّ ما نِيلَ مِنَ المُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الأمْوالُ ثَلاثَةُ أصْنافٍ؛ فَما صارَ إلى المُسْلِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ في حالِ الحَرْبِ، فَقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى: أنْفالًا وغَنائِمَ؛ وما صارَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن خَراجٍ أوْ جِزْيَةٍ مِمّا لَمْ يُؤْخَذْ في الحَرْبِ، فَقَدْ سَمّاهُ: فَيْئًا؛ وما خَرَجَ مِن أمْوالِ المُسْلِمِينَ، كالزَّكاةِ والنُّذُرِ، والقِرَبِ، سَمّاهُ: صَدَقَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ فالمُرادُ بِهِ: كُلُّ ما وقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ.
قالَ مُجاهِدٌ: المَخِيطُ مِنَ الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ: "خُمْسَهُ" بِسُكُونِ المِيمِ.
وفي المُرادِ بِالكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ نَصِيبَ اللَّهِ مُسْتَحَقٌّ يُصْرَفُ إلى بَيْتِهِ.
قالَ أبُو العالِيَةِ: كانَ يُجاءُ بِالغَنِيمَةِ فَيُقَسِّمُها رَسُولُ اللَّهِ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، فَيُقَسِّمُ أرْبَعَةً بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مِنَ السَّهْمِ الخامِسَ لَلْكَعْبَةِ؛ وهَذا مِمّا انْفَرَدَ بِهِ أبُو العالِيَةِ فِيما يُقالُ.
والثّانِي: أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هاهُنا لِأحَدِ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: لِأنَّهُ المُتَحَكِّمُ فِيهِ، والمالِكُ لَهُ، والمَعْنى: فَإنَّ لَلرَّسُولِ خَمْسَةٌ ولِذِي القُرْبى، كَقَوْلِهِ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ الخُمْسَ مَصْرُوفٌ في وُجُوهِ القُرْبِ إلى اللَّهِ، تَعالى، وهَذَّ قَوْلُ الجُمْهُورِ.
فَعَلى هَذا، تَكُونُ الواوُ زائِدَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ ﴾ بِالصّافّاتِ:١٠٣] المَعْنى: نادَيْناهُ؛ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
* فَصْلٌ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِأهْلِ الحَرْبِ خاصَّةً؛ فَأمّا الخُمْسُ الخامِسُ، فَكَيْفَ يُقَسَّمُ؟
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يُقَسَّمُ مِنهُ لَلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِمَن ذُكِرَ في الآَيَةِ.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا مِمّا انْفَرَدَ بِهِ أبُو العالِيَةِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يُقَسِّمَ عَلى سِتَّةِ أسْهُمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَقْسُومٌ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلرَّسُولِ وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ، وسَهْمٌ لِأبْناءِ السَّبِيلِ، عَلى ظاهِرِ الآَيَةِ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يُقَسَّمُ عَلى أرْبَعَةِ أسْهُمٍ.
فَسَهْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسَهْمُ رَسُولِهِ عائِدٌ عَلى ذَوِي القُرْبى، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنهُ شَيْئًا، وهَذا المَعْنى رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
* فَصْلٌ فَأمّا سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ ، فَإنَّهُ كانَ يَصْنَعُ فِيهِ ما بَيَّنّا، وهَلْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ في آَخَرِينَ.
وفِيما يَصْنَعُ بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ يَصْرِفُ في المَصالِحِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ كَما يَسْقُطُ الصَّفِّيُّ، فَيَرْجِعُ إلى جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
وأمّا ذَوُو القُرْبى، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ قُرَيْشٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنّا نَقُولُ: نَحْنُ هُمْ؛ فَأبى عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا: قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.
والثّانِي: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المَطَّلِبِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ، قالَهُ أبُو حَنَفِيةَ.
وبِماذا يَسْتَحِقُّونَ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بِالقَرابَةِ، وإنْ كانُوا أغْنِياءَ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.
والثّانِي: بِالفَقْرِ، لا بِالِاسْمِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
وقَدْ سَبَقَ في [البَقَرَةِ:١٧٧] مَعْنى اليَتامى والمَساكِينَ وابْنِ السَّبِيلِ.
ويَنْبَغِي أنْ تُعْتَبَرَ في اليَتِيمِ أرْبَعَةُ أوْصافٍ: مَوْتُ الأبِ، وإنْ كانَتِ الأُمُّ باقِيَةً.
والصِّغَرُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ"» والإسْلامِ، لِأنَّهُ مالٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
والحاجَةُ، لِأنَّهُ مُعَدٌّ لَلْمَصالِحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ ﴾ هو يَوْمُ بَدْرٍ، فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِنْصُرُ المُؤْمِنِينَ.
والَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ قَوْلُهُ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفُوا فِيها، فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آَمَنتُمْ بِذَلِكَ، فاصْدُرُوا عَنْ أمْرِ الرَّسُولِ في هَذا أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مَوْضِعُ "أنَّ" الثانِيَةِ رَفْعٌ، التَقْدِيرُ: "فَحُكْمُهُ أنَّ"، فَهي في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، والغَنِيمَةُ في اللُغَةِ ما يَنالُهُ الرَجُلُ أوِ الجَماعَةُ بِسَعْيٍ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ طُفْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ وقالَ آخَرُ: ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْمِ مُطْعَمُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أنّى تَوَجَّهَ والمَحْرُومُ مَحْرُومُ ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ في الرَهْنِ: "لَهُ غُنْمُهُ وعَلَيْهِ مَخْرَجُهُ"،» وقَوْلُهُ: « "الصِيامُ في الشِتاءِ هو الغَنِيمَةُ البارِدَةُ"».
فالشَيْءُ الَّذِي يَنالُهُ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ بِالسَعْيِ وإيجافِ الخَيْلِ والرِكابِ: غَنِيمَةٌ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ هَذا المَعْنى حَتّى صارَ عُرْفًا لَهُ.
والفَيْءُ مَأْخُوذٌ مِن "فاءَ يَفِيءُ" إذا رَجَعَ، وهو كُلُّ ما دَخَلَ عَلى المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ حَرْبٍ ولا إيجافٍ كَخَراجِ الأرْضِ، وجِزْيَةِ الجَماجِمِ، وخُمْسِ الغَنِيمَةِ، ونَحْوِ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والزَكَواتُ أيْضًا مالٌ عَلى حِدَتِهِ، أحْكامُهُ مُنْفَرِدَةٌ دُونَ أحْكامِ هَذَيْنِ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ، وعَطاءُ بْنُ السائِبِ: "الغَنِيمَةُ: ما أُخِذَ عنوَةً والفَيْءُ: ما أُخِذَ صُلْحًا"، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا بَيَّناهُ.
وقالَ قَتادَةُ: الفَيْءُ والغَنِيمَةُ شَيْءٌ واحِدٌ فِيهِما الخُمْسُ، وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في الأنْفالِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿ ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى ﴾ وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ كانَتِ الحُكْمَ أوَّلًا، ثُمَّ أعْطى اللهُ أهْلَها الخُمْسَ فَقَطْ، وجَعَلَ الأرْبَعَةَ الأخْماسِ في المُقاتِلِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ نَصَّ العُلَماءُ عَلى ضَعْفِهِ، وأنْ لا وجْهَ لَهُ مِن جِهاتٍ، مِنها أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الحَشْرِ، هَذِهِ بِبَدْرٍ، وتِلْكَ في بَنِي النَضِيرِ وقُرى عُرَيْنَةَ.
ولِأنَّ الآيَتَيْنِ مُتَّفِقَتانِ وحُكْمُ الخُمْسِ وحُكْمُ تِلْكَ الآيَةِ واحِدٌ لِأنَّها نَزَلَتْ في بَنِي النَضِيرِ حِينَ جُلُوا وهَرَبُوا، وأهْلُ فَدَكٍ حِينَ دُعُوا إلى صُلْحٍ ونالَ المُسْلِمُونَ ما لَهم دُونَ إيجافٍ.
وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشافِعِيِّ أنَّ في الفَيْءِ الخُمْسَ، وأنَّهُ كانَ في قُرى عُرَيْنَةَ زَمَنَ النَبِيِّ ، وأنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها كانَ لِلرَّسُولِ خاصَّةً دُونَ المُسْلِمِينَ يَضَعُها حَيْثُ شاءَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُورَةِ: ﴿ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَسُولِ ﴾ الآيَةُ، ولَمْ يُخَمِّسْ رَسُولُ اللهِ غَنائِمَ بَدْرٍ فَنُسِخَ حُكْمُهُ في تَرْكِ التَخْمِيسِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في البُخارِيِّ: "كانَتْ لِي شارِفٌ مِن نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ بِبَدْرٍ، وشارِفٌ أعْطانِيها رَسُولُ اللهِ مِنَ الخُمْسِ حِينَئِذٍ" أنَّ غَنِيمَةَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ فَسَدَ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخُمْسُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِن إحْدى الغَزَواتِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، فَقَدْ كانَتْ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ، وغَزْوَةُ السَوِيقِ، وغَزْوَةُ ذِي أمْرٍ، وغَزْوَةُ بَحْرانِ، ولَمْ يُحْفَظْ فِيها قِتالٌ ولَكِنْ يُمْكِنُ أنْ غُنِمَتْ غَنائِمُ.
واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ ظاهِرُهُ عامٌّ ومَعْناهُ الخُصُوصُ، فَأمّا الناضُّ والمَتاعُ والأطْفالُ والنِساءُ وما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الحَيَوانِ ويَصِحُّ تَمَلُّكُهُ فَلَيْسَ لِلْإمامِ في جَمِيعِ ذَلِكَ ما كَثُرَ مِنهُ وما قَلَّ كالخايِطِ والمَخِيطِ إلّا أنْ يَأْخُذَ الخُمْسَ ويُقَسِّمَ الباقِيَ في أهْلِ الجَيْشِ، وأمّا الأرْضُ فَقالَ فِيها مالِكٌ: يُقَسِّمُها الإمامُ إنْ رَأى ذَلِكَ صَوابًا كَما فَعَلَ النَبِيُّ بِخَيْبَرَ، ولا يُقَسِّمُها إنْ أدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى ذَلِكَ كَما فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأرْضِ مِصْرَ وسَوادِ الكُوفَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ فِعْلَ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَيْسَ بِمُخالِفٍ لِفِعْلِ النَبِيِّ ، إذْ لَيْسَتِ النازِلَةُ واحِدَةً بِحَسَبِ قَرائِنِ الوَقْتَيْنِ وحاجَةِ الصَحابَةِ وقِلَّتِهِمْ، وهَذا كُلُّهُ انْعَكَسَ في زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأمّا الرِجالُ ومَن شارَفَ البُلُوغَ مِنَ الصِبْيانِ فالإمامُ -عِنْدَ مالِكٍ وجُمْهُورِ العُلَماءِ- مُخَيَّرٌ فِيهِمْ عَلى خَمْسَةِ أوجُهٍ، مِنها: القَتْلُ، وهو مُسْتَحْسَنٌ في أهْلِ الشَجاعَةِ والنِكايَةِ، ومِنها: الفِداءُ، وهو مُسْتَحْسَنٌ في ذِي المَنصِبِ الَّذِي لَيْسَ بِشُجاعٍ ولا يُخافُ مِنهُ رَأْيٌ ولا مَكِيدَةٌ لِانْتِفاعِ المُسْلِمِينَ بِالمالِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنهُ، ومِنها: المَنُّ، وهو مُسْتَحْسَنٌ فِيمَن يُرْجى أنْ يَحْنُوَ عَلى أسْرى المُسْلِمِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القَرائِنِ، ومِنها: الِاسْتِرْقاقُ، ومِنها: ضَرْبُ الجِزْيَةِ والتَرْكُ في الذِمَّةِ.
وأمّا الطَعامُ والغَنَمُ ونَحْوُهُما مِمّا يُؤْكَلُ فَهو مُباحٌ في بَلَدِ العَدُوِّ يَأْكُلُهُ الناسُ فَما بَقِيَ كانَ في المَغْنَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا أرْبَعَةُ أخْماسِ ما غَنِمَ فَيُقَسِّمُهُ الإمامُ عَلى الجَيْشِ، ولا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ القِسْمَةِ فَأنا أخْتَصِرُهُ هُنا، وأمّا الخُمْسُ فاخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ.
قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الرَأْيُ فِيهِ لِلْإمامِ يُلْحِقُهُ بِبَيْتِ الفَيْءِ، ويُعْطِي مِن ذَلِكَ البَيْتِ لِقَرابَةِ رَسُولِ اللهِ ما رَآهُ، كَما يُعْطِي مِنهُ اليَتامى والمَساكِينَ وغَيْرَهُمْ، وإنَّما ذَكَرَ مَن ذَكَرَ عَلى وجْهِ التَنْبِيهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِ، قالَ الزَجّاجُ مُحْتَجًّا لِمالِكٍ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ ﴾ ، ولِلْإمامِ بِإجْماعٍ أنْ يُنْفِقَ في غَيْرِ هَذِهِ الأصْنافِ إذا رَأى ذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ الخُمْسُ يُقَسَّمُ عَلى سِتَّةِ أقْسامٍ: قِسْمٍ لِلَّهِ وهو مَرْدُودٌ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ أو عَلى بَيْتِ اللهِ، وقِسْمٍ لِلنَّبِيِّ ، وقِسْمٍ لِقَرابَتِهِ، وقِسْمٍ لِسائِرِ مَن سُمِّيَ، حَكى القَوْلَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، ورُدَّ عَلَيْهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ: كانَ النَبِيُّ يَقْبِضُ مِن خُمْسِ الغَنِيمَةِ قَبْضَةً فَيَجْعَلُها لِلْكَعْبَةِ، فَذَلِكَ لِلَّهِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ الباقِي عَلى خَمْسَةٍ، قِسْمٍ لَهُ، وقِسْمٍ لِسائِرِ مَن سُمِّيَ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، والشافِعِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِعَبْدِهِ: "قَدْ أعْتَقَكَ اللهُ وأعْتَقْتُكَ" عَلى جِهَةِ التَبَرُّكِ وتَفْخِيمِ الأمْرِ، والدُنْيا كُلُّها لِلَّهِ، وقِسْمُ اللهِ وقِسْمُ الرَسُولِ واحِدٌ، وكانَ الرَسُولُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يُقَسِّمُ الخُمْسَ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ كَما تَقَدَّمَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا فِيما رَوى عنهُ الطَبَرِيُّ: الخُمْسُ مَقْسُومٌ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، وسَهْمُ الرَسُولِ لِقَرابَتِهِ ولَيْسَ لِلَّهِ ولا لِلرَّسُولِ شَيْءٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: قِسْمُ الرَسُولُ ، بَعْدَ مَوْتِهِ مَرْدُودٌ عَلى أهْلِ الخُمْسِ، القَرابَةِ وغَيْرِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَيْشِ أصْحابِ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَلِي الإمامُ مِنهم سَهْمَ اللهِ ورَسُولِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَوْقُوفٌ لِشِراءِ العِدَدِ والكُراعِ في سَبِيلِ اللهِ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيهِ.
وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: الخُمْسُ بَعْدَ النَبِيِّ ، مَقْسُومٌ ثَلاثَةَ أقْسامٍ؛ قِسْمٌ لِلْيَتامى، وقِسْمٌ لِلْمَساكِينِ، وقِسْمٌ لِابْنِ السَبِيلِ، ورَسُولُ اللهِ لَمْ يُوَرِّثْ، فَسَقَطَ سَهْمُهُ وسَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وحُجَّتُهم فِيهِ مَنعُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِذَوِي القُرْبى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَثْبُتِ المَنعُ، بَلْ عُورِضَ بَنُو هاشِمٍ بِأنَّ قُرَيْشًا قُرْبى، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ في مُدَّةٍ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَغْنَمٌ.
وقالَ الشافِعِيُّ: يُعْطى أهْلُ الخُمْسِ مِنهُ ولا بُدَّ، ويُفَضِّلُ الإمامُ أهْلَ الحاجَةِ ولَكِنْ لا يَحْرِمُ صِنْفًا مِنهم حِرْمانًا تامًّا، وقَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ لِلْإمامِ أنْ يُعْطِيَ الأحْوَجَ وإنْ حَرَمَ الغَيْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ رَسُولُ اللهِ مَخْصُوصًا مِنَ الغَنِيمَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، كانَ لَهُ خُمْسُ الخُمْسِ، وكانَ لَهُ سَهْمُ رَجُلٍ في سائِرِ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، وكانَ لَهُ صَفِيٌّ يَأْخُذُهُ قَبْلَ القِسْمَةِ، دابَّةٌ أو سَيْفٌ أو جارِيَةٌ، ولا صَفِيَّ لِأحَدٍ بَعْدَهُ بِإجْماعٍ إلّا ما قالَ أبُو ثَوْرٍ مِن أنَّ الصَفِيَّ باقٍ لِلْإمامِ، وهو قَوْلٌ مَعْدُودٌ في شَواذِّ الأقْوالِ.
وذَوُو القُرْبى: قَرابَةُ رَسُولِ اللهِ ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "هم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ"، فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ آلُ مُحَمَّدٍ لا تَحِلُّ لَهُمُ الصَدَقَةُ فَجُعِلَ لَهم خُمْسُ الخُمْسِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَكِنْ أبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا: "قُرَيْشٌ كُلُّها قُرْبى".
وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "هم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ فَقَطْ"، «وَقالَ رَسُولُ اللهِ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ في وقْتِ قِسْمَةِ سَهْمِ ذَوِي القُرْبى مِن خَيْبَرَ عَلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ:» "إنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ، ما فارَقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا في الإسْلامِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانُوا مَعَ بَنِي هاشِمٍ في الشِعْبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: قُرَيْشٌ كُلُّها قُرْبى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّهُما قالا: "الآيَةُ كُلُّها في قُرَيْشٍ"، والمُرادُ: يَتامى قُرَيْشٍ ومَساكِينُها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَهْمُ القَرابَةِ بَعْدَ النَبِيِّ مَوْقُوفٌ عَلى قَرابَتِهِ، وقَدْ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو لِقَرابَةِ الإمامِ القائِمِ بِالأمْرِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ سَهْمُ ذَوِي القُرْبى طُعْمَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ما كانَ حَيًّا، فَلَمّا تُوُفِّيَ جُعِلَ لِوَلِيِّ الأمْرِ بَعْدَهُ، وقالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصَرِيِّ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اخْتَلَفَ الناسُ في هَذَيْنِ السَهْمَيْنِ بَعْدَ وفاةِ النَبِيِّ ، فَقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ النَبِيِّ لِلْخَلِيفَةِ، وقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ النَبِيِّ لِقَرابَةِ النَبِيِّ ، وقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ القَرابَةِ لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم أنْ يَجْعَلُوا هَذَيْنِ السَهْمَيْنِ في الخَيْلِ والعُدَّةِ، فَكانَ عَلى ذَلِكَ مُدَّةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ غَيْرُ الحَسَنِ: وعُمَرُ.
واليَتامى: الَّذِينَ فَقَدُوا آباءَهم مِنَ الصِبْيانِ، واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ مِن قِبَلِ الآباءِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ، والمِسْكِينُ: الَّذِينَ لا شَيْءَ لَهُمْ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السُكُونِ وقِلَّةِ الحِراكِ.
وابْنُ السَبِيلِ: الرَجُلُ المُجْتازُ الَّذِي قَدِ احْتاجَ في سَفَرٍ، وسَواءٌ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ أو فَقِيرًا فَإنَّهُ ابْنُ السَبِيلِ، يُسَمّى بِذَلِكَ إمّا لِأنَّ السَبِيلَ تُبْرِزُهُ فَكَأنَّها تَلِدُهُ، وإمّا لِمُلازَمَتِهِ السَبِيلَ كَما قالُوا: ابْنُ ماءٍ وأخُو سَفَرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ : « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنى"،» وقَدْ تَقَدَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدِ اقْتَضَبْتُ فِقْهَ هَذِهِ الآيَةِ حَسَبَ الِاخْتِصارِ، واللهُ المُسْتَعانُ.
و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ( ما غَنِمْتُمْ ) بِمَعْنى الَّذِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿ غَنِمْتُمْ ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْها، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "أنَّهُ ما"، وحَذْفُ هَذا الضَمِيرِ لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إلّا في الشِعْرِ، ومِنهُ: إنَّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا ∗∗∗ ∗∗∗.................
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأنَّ لِلَّهِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُعْفِيُّ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وحُسَيْنٌ عن أبِي عَمْرٍو: "فَإنَّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "خُمْسَهُ" بِسُكُونِ المِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، قالَ الزَجّاجُ عن فِرْقَةٍ: المَعْنى: فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَوْلاكم إنْ كُنْتُمْ، فَـ"إنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذا الوَعْدِ، وقالَ أيْضًا عن فِرْقَةٍ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( واعْلَمُوا ) يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِانْقِيادٍ وتَسْلِيمٍ لِأمْرِ اللهِ في الغَنائِمِ، فَعَلَّقَ "إنْ" بِقَوْلِهِ: ( واعْلَمُوا ) عَلى هَذا المَعْنى، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ فانْقادُوا وسَلِّمُوا لِأمْرِ اللهِ فِيما أعْلَمَكم بِهِ مِن حالِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أنْزَلْنا ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( بِاللهِ ) والمُشارُ إلَيْهِ بِـ "ما" هو النَصْرُ والظُهُورُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ تُبارِكُ و تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ عَلى نَبِيِّهِ وأصْحابِهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ وبِهَذِهِ الآياتِ والعَظائِمِ الباهِرَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى قُرْآنٍ نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ أو في قِصَّةِ يَوْمِ بَدْرٍ عَلى تَكَرُّهٍ في هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَإنَّ خُمْسَهُ لِكَذا وكَذا إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ، أيْ: فانْقادُوا لِذَلِكَ وسَلِّمُوا، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ في المَعْنى، ويَعْتَرِضُ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الظَرْفِ وما تَعَلَّقَ بِهِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الكَلامِ.
و ﴿ يَوْمَ الفُرْقانِ ﴾ مَعْناهُ: يَوْمَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِ الشَرَكِ، والفُرْقانُ: مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ يَفْرُقُ، والجَمْعانِ: يُرِيدُ جَمْعَ المُسْلِمِينَ وجَمْعَ الكُفّارِ، وهو يَوْمُ الوَقْعَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيها صَنادِيدُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وعَلَيْهِ نَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومِقْسَمٌ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ، وكانَتْ يَوْمَ الجُمْعَةِ السابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ في السَنَةِ الثانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ أبُو صالِحٍ: لِتِسْعَ عَشْرَةَ، وشَكَّ في ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وقالَ: لِتِسْعَ عَشْرَةَ أو لِسَبْعَ عَشْرَةَ، والصَحِيحُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
وقوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، يُعَضِّدُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا ﴾ يُرادُ بِهِ النَصْرُ والظَفَرُ، أيِ:الآياتُ والعَظائِمُ مِن غَلَبَةِ القَلِيلِ الكَثِيرَ، وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى الَّذِي هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال لبيان ما أجمل من حكم الأنفال، الذي افتتحته السورة، ناسب الانتقال إليه ما جرى من الأمر بقتال المشركين إن عادوا إلى قتال المسلمين.
والجملة معطوفة على جملة ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ [الأنفال: 39].
وافتتاحه ب ﴿ اعلموا ﴾ للاهتمام بشأنه، والتنبيهِ على رعاية العمل به، كما تقدّم في قوله: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ [الأنفال: 24] فإنّ المقصود بالعلم تقرّر الجزم بأنّ ذلك حكم الله، والعمل بذلك المعلوم، فيكون ﴿ اعلموا ﴾ كناية مراداً به صريحه ولازمه.
والخطاب لجميع المسلمين وبالخصوص جيش بدر، وليس هذا نسخاً لحكم الأنفال المذكور أوّل السورة، بل هو بيان لإجمال قوله: ﴿ للَّه..
وللرسول ﴾ وقال أبو عبيد: إنّها ناسخة، وأنّ الله شرع ابتداء أنّ قسمة المغانم لرسوله صلى الله عليه وسلم يريد أنها لاجتهاد الرسول بدون تعيين، ثم شرع التخميس.
وذكروا: أنّ رسول الله لم يخمّس مغانم بدر، ثم خمّس مغانم أخرى بعد بدر، أي بعد نزول آية سورة الأنفال، وفي حديث علي: أنّ رسول الله أعطاه شارفاً من الخمس يوم بدر، فاقتضت هذه الرواية أنّ مغانم بدر خمّست.
وقد اضطربت أقوال المفسّرين قديماً في المراد من المغنم في هذه الآية، ولم تنضبط تقارير أصحاب التفاسير في طريقة الجمع بين كلامهم على تفاوت بينهم في ذلك، ومنهم من خلطها مع آية سورة الحشر، فجعل هذه ناسخة لآية الحشر والعكس، أو أنّ إحدى الآيتين مخصّصة للأخرى: إمّا في السهام، وإمّا في أنواع المغانم، وتفصيل ذلك يطول.
وتردّدوا في مسمّى الفيء فصارت ثلاثة أسماء مجالاً لاختلاف الأقوال: النفَل، والغنيمة، والفيء.
والوجه عندي في تفسير هذه الآية، واتّصالها بقوله: ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ [الأنفال: 1] أنَّ المراد بقوله: ﴿ ما غنمتم ﴾ في هذه الآية: ما حصلتم من الغنائم من متاع الجيش، وذلك ما سمّي بالأنفال، في أوّل السورة، فالنفل والغنيمة مترادفان، وذلك مقتضى استعمال اللغة، فعن ابن عبّاس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، وعطاء: الأنفال الغنائم.
وعليه فوجه المخالفة بين اللفظين إذ قال تعالى هنا ﴿ غنمتم ﴾ وقال في أوّل السورة [الأنفال: 1]: ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ لاقتضاء الحال التعبيرَ هنا بفعللٍ، وليس في العربية فعل من مادّة النفَل يفيد إسناد معناه إلى من حَصَل له، ولذلك فآية ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ سيقت هنا بياناً لآية وتعبيرات السلف في التفرقة بين الغنيمة والنفل غير مضبوطة، وهذا ملاك الفصل في هذا المقام لتمييز أصناف الأموال المأخوذة في القتال، فأما صور قسمتها فسيأتي بعضها في هذه الآية.
فاصطلحوا على أنّ الغنيمة، ويُقال: لها المغنم، ما يأخذه الغزاة من أمتعة المقاتلين غصباً، بقتل أو بأسر، أو يقتحمون ديارهم غازين، أو مايتركه الأعداء في ديارهم، إذا فرّوا عند هجوم الجيش عليهم بعد ابتداء القتال.
فأمّا ما يظفر به الجيش في غير حالة الغزو من مال العدوّ، وما يتركه العدوّ من المتاع إذا أخلوا بلادهم قبل هجوم جيش المسلمين، فذلك الفيء وسيجيء في سورة الحشر.
وقد اختلف فقهاء الأمصار في مقتضى هذه الآية مع آية ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ [الأنفال: 1] إلخ.
فقال مالك: ليس أموال العدوّ المقاتل حقّ لجيش المسلمين إلاّ الغنيمة والفيء.
وأمّا النفَل فليس حقَّاً مستقلاً بالحكم، ولكنّه ما يعطيه الإمام من الخمس لبعض المقاتلين زائداً على سهمه من الغنيمة، على ما يرى من الاجتهاد، ولا تعيين لمقدار النفل في الخمس ولا حدّ له، ولا يكون فيما زاد على الخُمس.
هذا قول مالك ورواية عن الشافعي.
وهو الجاري على ما عمل به الخلفاء الثلاثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة، والشافعي، في أشهر الروايتين عنه، وسعيد بن المسيّب: النفل من الخمس وهو خُمس الخمس.
وعن الأوزاعي، ومكحول، وجمهور الفقهاء: النفل ما يعطى من الغنيمة يخرج من ثلث الخمس.
و (ما) في قوله: ﴿ أنما ﴾ اسم موصول وهو اسم (أنَّ) وكتبت هذه في المصحف متّصلة ب (أنّ) لأنّ زمان كتابة المصحف كان قبل استقرار قواعد الرسم وضبط الفروق فيه بين ما يتشابه نطقه ويختلف معناه، فالتفرقة في الرسم بين (ما) الكافّة وغيرها لم ينضبط زمن كتابة المصاحف الأولى، وبقيت كتابة المصاحف على مثال المصحف الإمام مبالغة في احترام القرآن عن التغيير.
و ﴿ من شيء ﴾ بيان لعموم (ما) لئلا يتوهّم أنّ المقصود غنيمة معيّنة خاصّة.
والفاء في قوله: ﴿ فأن لله خمسه ﴾ لما في الموصول من معنى الاشتراط، وما في الخبر من معنى المجازاة بتأويل: إن غنمتم فحقّ لله خمسُهُ إلخ.
والمصدر المؤوّل بعد (أنّ) في قوله: ﴿ فأن لله خمسه ﴾ مبتدأ حذف خبره، أو خبر حذف مبتدؤه، وتقدير المحذوف بما يناسب المعنى الذي دلّت عليه لام الاستحقاق، أي فحقّ لله خمسهُ.
وإنّما صيغ على هذا النظم، مع كون معنى اللام كافياً في الدلالة على الأحقّيّة، كما قرئ في الشاذ ﴿ فللَّه خمسه ﴾ لما يفيده الإتيان بحرف (أنّ) من الإسناد مرتين تأكيداً، ولأنّ في حذف أحد ركني الإسناد تكثيراً لوجوه الاحتمال في المقدّر، من نحو تقدير: حقّ، أو ثبات، أو لازم، أو واجب.
واللام للملك، أو الاستحقاق، وقد علم أنّ أربعة الأخماس للغزاة الصادق عليهم ضمير ﴿ غنمتم ﴾ فثبت به أنّ الغنيمة لهم عدا خمسها.
وقد جعل الله خمس الغنيمة حقّا لله وللرسول ومن عطف عليهما، وكان أمر العرب في الجاهلية أنّ ربع الغنيمة يكون لقائد الجيش، ويسمّى ذلك «المرباع» بكسر الميم.
وفي عرف الإسلام إذا جعل شيء حقَّاً لله، من غير ما فيه عبادة له: أنّ ذلك يكون للذين يأمر الله بتسديد حاجتهم منه، فلكلّ نوع من الأموال مستحقّون عيّنهم الشرع، فالمعنى في قوله: ﴿ فأن لله خمسه ﴾ أنّ الابتداء باسم الله تعالى للإشارة إلى أنّ ذلك الخمس حقّ الله يصرفه حيث يشاء، وقد شاء فوكل صرفه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ولمن يخلف رسوله من أئمّة المسلمين.
وبهذا التأويل يكون الخمس مقسوماً على خمسة أسهم، وهذا قول عامّة علماء الإسلام وشذّ أبو العالية رفيع الرياحي ولاء من التابعين، فقال: إنّ الخمس يقسم على خمسة أسهم فيعزل منها سهم فيضرب الأمير بيده على ذلك السهم الذي عزله فما قبضت عليه يده من ذلك جعله للكعبة: أي على وجه يشبه القرعة، ثم يقسم بقية ذلك السهم على خمسة: سهم للنبيء صلى الله عليه وسلم وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
ونسب أبو العالية ذلك إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمّا الرسول عليه الصلاة والسلام فلحقه حالتان: حالة تصرّفه في مال الله بما ائتمنه الله على سائر مصالح الأمة، وحالة انتفاعه بما يحبّ انتفاعه به من ذلك.
فلذلك ثبت في الصحيح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من الخمس نفقته ونفقة عياله، ويجعل الباقي مجعل مال الله.
وفي الصحيح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفيء " مالي ممّا أفاء الله عليكم إلاّ الخمس والخمس مردود عليكم " فيقاس عليه خمس الغنيمة، وكذلك كان شأن رسول الله في انتفاعه بما جعله الله له من الحقّ في مال الله.
وأوضح شيء في هذا الباب حديث عمر بن الخطاب في محاورته مع العباس وعلي، حين تحاكما إليه، رواه مالك في «الموطأ» ورجال «الصحيح»، قال عمر: «إنّ الله كان قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره قال ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ [الحشر: 7] فكانت هذه خالصة لرسول الله، ووالله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثّها فيكم حتّى بقي منها هذا المال.
فكان رسول الله ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله».
والغرض من جلب كلام عمر قوله: «ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله».
وأمّا ذو ﴿ القربى ﴾ ف (أل) في ﴿ القربى ﴾ عوض عن المضاف إليه كما في قوله تعالى في سورة [البقرة: 177] ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى ﴾ أي ذوي قرابة المؤتي المال.
والمراد هنا هو (الرسول) المذكور قبله، أي ولذوي قربى الرسول، والمراد ب (ذي) الجنس، أي: ذوي قربى الرسول، أي: قرابته، وذلك إكرام من الله لرسوله إذ جعل لأهل قرابته حقّاً في مال الله، لأن الله حرّم عليهم أخذ الصدقات والزكاة.
فلا جرم أنّه أغناهم من مال الله.
ولذلك كان حقّهم في الخمس ثابتاً بوصف القرابة.
فذو القربى مراد به كلّ من اتّصف بقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فهو عام في الأشخاص، ولكن لفظ القربى} جنس فهو مجمل، وأجملت رتبة القرابة إحالة على المعروف في قربى الرجل، وتلك هي قربى نسب الآباء دون الأمّهات.
ثم إنّ نسب الآباء بين العرب يعدّ مشتركاً إلى الحَدّ الذي تنشقّ منه الفصائل، ومحملها الظاهر على عَصبة الرجل من أبناء جدّه الأدنى.
وأبناء أدنى أجداد النبي صلى الله عليه وسلم هم بنو عبد المطلب بن هاشم، وإن شئت فقل: هم بنو هاشم، لأنّ هاشماً لم يبقَ له عقب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ مِن عبد المطلب، فالأرجح أنّ قربى الرسول صلى الله عليه وسلم هم بنو هاشم، وهذا قول مالك وجمهور أصحابه، وهو إحدى روايتين عن أحمد بن حنبل، وقاله ابن عبّاس، وعلي بن الحسين، وعبد الله بن الحسن، ومجاهد، والأوزاعي، والثوري.
وذهب الشافعي، وأحمد في إحدى روايتين عنه، التي جرى عليها أصحابه، وإسحاق وأبو ثور: أنّ القربى هنا: هم بنو هاشم وبنو المطلب، دون غيرهم من بني عبد مناف.
ومال إليه من المالكية ابنُ العربي، ومتمسّك هؤلاء ما رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، عن جبير بن مُطعِم: أنّه قال: أتيت أنا وعثمان بن عفّان رسولَ الله نكلّمه فيما قسم من الخمس بين بني هاشم وبني المطلب فقلت يا رسول الله: قسمت لإخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئاً، وقرابتُنا وقرابتهم واحدة فقال: «إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد».
وهو حديث صحيح لا نزاع فيه، ولا في أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى بني هاشم وبني المطلب دون غيرهم.
ولكن فِعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يحتمل العموم في الأموال المعطاة ويحتمل الخصوص لأمور: أحدها: أنّ للنبيء صلى الله عليه وسلم في حياته سهماً من الخمس فيحتمل أنّه أعطى بني المطلب عطاء من سهمه الخاصّ، جزاء لهم على وفائهم له في الجاهلية، وانتصارهم له، وتلك منقبة شريفة أيّدوا بها دعوة الدين وهم مشركون، فلم يضعها الله لهم، وأمر رسوله بمواساتهم، وذلك لا يكسبهم حقّاً مستمراً.
ثانيها: أنّ الحقوق الشرعية تستند للأوصاف المنضبطة، فالقربى هي النسب، ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهاشم، وأمّا بنو المطلب فهم وبنو عبد شمس وبنو نوفل في رتبة واحدة من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ آباءَهم هم أبناء عبد مناف، وأخوة لهاشم، فالذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهروه في الجاهلية كانت لهم المزية، وهم الذين أعطى رسولُ الله أعيانهم ولم يثبت أنّه أعطى من نشأ بعدهم من أبنائهم الذين لم يحضروا ذلك النصر، فمن نشأ بعدهم في الإسلام يساوون أبناء نوفل وأبناء عبد شمس، فلا يكون في عطائه ذلك دليل على تأويل ذي القربى في الآية ببني هاشم وبني المطلب.
أمّا قول أبي حنيفة فقال الجصاص في «أحكام القرآن»: قال أبو حنيفة في «الجامع الصغير»: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم (أي ولم يتعرّض لسهم ذوي القربى) وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: خمس الله والرسول واحدٌ، وخمسٌ لذي القربى فلكلّ صنف سمّاه الله تعالى في هذه الآية خمُس الخمس قال: وإنّ الخلفاء الأربعة متّفقون على أنّ ذا القربى لا يستحقّ إلاّ بالفقر.
قال: وقد اختلف في ذوي القربى من هم؟
فقال أصحابنا: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين حَرّم عليهم الصدقة وهم (آل علي والعباس وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب) وقال آخرون: بنو المطلب داخلون فيهم.
وقال أصبغ من المالكية: ذوو القربى هم عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقربون الذين أمره الله بإنذارهم في قوله: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [الشعراء: 214] وهم آل قُصي.
وعنه أنّهم آل غالب بن فهر، أي قريش، ونسب هذا إلى بعض السلف وأخرَج أبو حنيفة من القربى بني أبي لهب قال: لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا قرابة بيني وبين أبي لهب فإنّه آثر علينا الأفجرين " رواه الحنفية في كتاب الزكاة، ولا يعرف لهذا الحديث سند، وبعد فلا دلالة فيه، لأنّ ذلك خاصّ بأبي لهب فلا يشمل أبناءه في الإسلام.
ذكر ابن حجر في ﴿ الإصابة ﴾ أنّ محمد بن إسحاق، وغيره.
روى عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قدمت دُرة بنت أبي لهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ الناس يصيحون بي ويقولون: إنّي بنت حطَب النار، فقام رسول الله؛ وهو مغضَب شديدَ الغضب، فقال: «ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي ألاَ ومن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله».
فوصف درّة بأنّها من نسبه.
والجمهور على أنّ ذوي القربى يستحقّون دون اشتراط الفقر، لأنّ ظاهر الآية أنّ وصف قربى النبي صلى الله عليه وسلم هو سبب ثبوت الحقّ لهم في خمس المغنم دون تقييد بوصف فقرهم، وهذا قول جمهور العلماء.
وقال أبو حنيفة: لا يعطَون إلاّ بوصف الفقر وروي عن عمر بن عبد العزيز.
ففائدة تعيين خمس الخمس لهم أنّ لا يحاصهم فيه مَن عَداهم من الفقراء، هذا هو المشهور عن أبي حنيفة، وبعض الحنفية يحكي عن أبي يوسف موافقةَ الجمهور في عدم اشتراط الفقر فيهم.
وقد جعل الله الخمس لخمسةِ مصارف ولم يعيّن مقدار ما لكلّ مصرف منه، ولا شكّ أنّ الله أراد ذلك؛ ليكون صرفه لمصارفه هذه موكولاً إلى اجتهاد رسوله صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده، فيقسم بحسب الحاجات والمصالح، فيأخذ كلّ مصرف منه ما يفي بحاجته على وجه لا ضرّ معه على أهل المصرف الآخر، وهذا قول مالك في قسمة الخمس، وهو أصح الأقوال، إذ ليس في الآية تعرّض لمقدار القسمة، ولم يَرد في السنة ما يصحّ التمسك به لذلك، فوجب أن يناط بالحاجة، وبتقديم الأحوج والأهمّ عند التضايق، والأمر فيه موكول إلى اجتهاد الإمام، وقد قال عمر: «فكان رسول الله ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله».
وقال الشافعي: يقسم لكلّ مصرف الخمس من الخمس، لأنها خمسة مصارف، فجعلها متساوية، لأنَّ التساوي هو الأصل في الشركة المجملة ولم يلتفت إلى دليل المصلحة المقتضية للترجيح وإذ قد جَعل ما لله ولرسوله خمساً واحداً تبعاً للجمهور فقد جعله بعد رسول الله لمصالح المسلمين.
وقال أبو حنيفة: ارتفع سهم رسول الله وسهم قرابته بوفاته، وبقي الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل، لأنّ رسول الله إنّما أخذ سهماً في المغنم لأنّه رسول الله، لا لأنّه إمام، فلذلك لا يخلفه فيه غيره.
وعند الجمهور أنّ سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلفه فيه الإمام، يبدأ بنفقته ونفقة عياله بلا تقدير، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.
﴿ واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ تقدّم تفسير معانيها عند قوله تعالى: ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [البقرة: 177] وعند قوله تعالى: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا إلى قوله وابن السبيل ﴾ [النساء: 36].
واليتامى وابن السبيل لا يعطون إلاّ إذا كانوا فقراء ففائدة تعيين خمس الخمس لكلّ صنف من هؤلاء أن لا يحاصهم فيه غيرهم من الفقراء والشأن، في اليتامى في الغالب أن لا تكون لهم سعة في المكاسب فهم مظنّة الحاجّة، ولكنّها دون الفقر فجُعل لهم حقّ في المغنم توفيراً عليهم في إقامة شؤونهم، فهم من الحاجة المالية أحسن حالاً من المساكين، وهم من حالة المقدرة أضعف حالاً منهم، فلو كانوا أغنياء بأموال تركها لهم آباؤهم فلا يعطون من الخمس شيئاً.
والمساكينُ الفقراء الشديدو الفقرِ جعل الله لهم خمس الخمس كما جعل لهم حقّاً في الزكاة، ولم يجعَل للفقراء حقّاً في الخمس كما لم يجعل لليتامى حقّاً في الزكاة.
وابنُ السبيل أيضاً في حاجة إلى الإعانة على البلاغ وتسديد شؤونه، فهو مظنّة الحاجة، فلو كان ابن السبيل ذا وفْر وغنىً لم يعط من الخمس، ولذلك لم يشترط مالك وبعض الفقهاء في اليتامى وأبناءِ السبيل الفقر، بل مُطلقَ الحاجة.
واشترط أبو حنيفة الفقر في ذوي القربى واليتامى وأبناء السبيل، وجعل ذكرِهم دون الاكتفاء بالمساكين؛ لتقرير استحقاقهم.
وقوله: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ شرط يتعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ لأن الأمر بالعلم لما كان المقصود به العملَ بالمعلوم والأمتثالَ لمقتضاه كما تقدّم، صحّ تعلّق الشرط به، فيكون قوله: ﴿ واعلموا ﴾ دليلاً على الجواب أوْ هو الجوابَ مقدّماً على شرطه، والتقدير: إنْ كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ ما غنمتم إلخ.
واعمَلوا بما علمتم فاقطعوا أطماعكم في ذلك الخمس واقتنعوا بالأخماس الأربعة، لأنّ الذي يتوقّف على تحقّق الإيمان بالله وآياته هو العِلم بأنّه حكم الله مع العمل المترتّب على ذلك العلم.
مطلق العلم بأنّ الرسول قال ذلك.
والشرط هنا محقق الوقوع إذ لا شك في أنّ المخاطبين مؤمنون بالله والمقصود منه تحقّق المشروط، وهو مضمون جملة ﴿ واعلموا أن ما غنمتم من شيء ﴾ إلى آخرها.
وجيء في الشرط بحرف (إنْ) التي شأن شرطها أن يكون مشكوكاً في وقوعه زيادة في حثّهم على الطاعة حيث يفرض حالهم في صورة المشكوك في حصول شرطه إلهاباً لهم؛ ليبعثهم على إظهار تحقّق الشرط فيهم، فالمعنى: أنكم آمنتم بالله والإيمانُ يرشد إلى اليقين بتمام العلم والقدرة له وآمنتم بما أنزل الله على عبده يومَ بدر حين فرق الله بين الحقّ والباطل فرأيتم ذلك رأي العين وارتقى إيمانكم من مرتبة حقّ اليقين إلى مرتبة عين اليقين فعلمتم أنّ الله أعلم بنفعكم من أنفسكم إذ يعدكم إحدى الطائفتين أنّها لكم وتودّون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم، فكان ما دفعكم الله إليه أحفظ لمصلحتكم وأشدّ تثبيتاً لقوّة دينكم.
فمَن رأوا ذلك وتحقّقوه فهم أحرياء بأن يعلموا أنّ ما شرع الله لهم من قسمة الغنائم هو المصلحة، ولم يعبأوا بما يدخل عليهم من نقص في حظوظهم العاجلة، علماً بأنّ وراء ذلك مصالحَ جمة آجلة في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿ وما أنزلنا ﴾ عطف على اسم الجلالة، والمعنى: وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، وهذا تخلّص للتذكير بما حصل لهم من النصر يوم بدر، والإيمانُ به يجوز أن يكون الاعتقاد الجازم بحصوله، ويجوز أن يكون العلم به، فيكون على الوجه الثاني من استعمال المشترك في معنييه، أو من عموم المشترك.
وتخصيص ﴿ ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ﴾ بالذكر من بين جملة المعلومات الراجعة للاعتقاد، لأن لذلك المُنْزَل مزيد تعلق بما أمروا به من العمل المعبر عنه بالأمر بالعلم في قوله تعالى: ﴿ واعلموا ﴾ .
والإنزالُ: هو إيصال شيء من علُوّ إلى سُفل، وأطلق هنا على إبلاغ أمر من الله، ومن النعم الإلهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فيجوز أن يكون هذا المُنزل من قبيل الوحي، أي والوحي الذي أنزلناه على عبدنا يوم بَدر، لكنه الوحي المتضمّن شيئاً يؤمنون به مثل قوله: ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ﴾ [الأنفال: 7].
ويجوز أن يكون من قبيل خوارق العادات، والألطاف العجيبة، مثل إنزال الملائكة للنصر، وإنزال المطر عند حاجة المسلمين إليه، لتعبيد الطريق، وتثبيتتِ الأقدام، والاستقاء.
وإطلاق الإنزال على حصوله استعارة تشبيهاً له بالواصل إليهم من علوّ تشريفاً له كقوله تعالى: ﴿ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ [الفتح: 26].
والتطهر ولا مانع من إرادة الجميع لأنّ غرض ذلك واحد، وكذلك ما هو من معناه ممّا نعلمه أو لما علمناه.
و ﴿ يوم الفرقان ﴾ هو يوم بدر، وهو اليوم السابع عشر من رمضان سنة اثنتين سمّي يوم الفرقان؛ لأنّ الفرقان الفرق بين الحقّ والباطل كما تقدّم آنفاً في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ﴾ [الأنفال: 29] وقد كان يوم بدر فارقاً بين الحقّ والباطل؛ لأنّه أول يوم ظهر فيه نصر المسلمين الضعفاء على المشركين الأقوياء، وهو نصر المحقّين الأذلّة على الأعزّة المبطلين، وكفى بذلك فرقاناً وتمييزاً بين من هم على الحقّ، ومن هم على الباطل.
فإضافة ﴿ يوم ﴾ إلى ﴿ الفرقان ﴾ إضافة تنويه به وتشريف، وقوله: ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ بدل من ﴿ يوم الفرقان ﴾ فإضافة ﴿ يوم ﴾ إلى جملة: ﴿ التقى الجمعان ﴾ للتذكير بذلك الإلتقاء العجيب الذي كان فيه نصرهم على عدوّهم.
والتعريف في ﴿ الجمعان ﴾ للعهد.
وهما جمع المسلمين وجمع المشركين.
وقوله: ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ اعتراض بتذييل الآيات السابقة وهو متعلّق ببعض جملة الشرط في قوله: ﴿ وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ﴾ فإنّ ذلك دليل على أنّه لا يتعاصى على قدرته شيء، فإنّ ما أسداه إليكم يوم بدر لم يكن جارياً على متعارف الأسباب المعتادة، فقدرة الله قلبت الأحوال وأنشأت الأشياءَ من غير مجاريها ولا يبعد أن يكون من سبب تسمية ذلك اليوم ﴿ يوم الفرقان ﴾ أنّه أضيف إلى الفرقان الذي هو لَقب القرآن، فإنّ المشهور أنّ ابتداء نزول القرآن كان يوم سبعة عشر من رمضان، فيكون من استعمال المشترك في معنييه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الفَيْءَ في سُورَةِ الحَشْرِ والغَنِيمَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
واخْتَلَفُوا في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الغَنِيمَةَ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ والفَيْءُ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: أنَّ الغَنِيمَةَ ما أُخِذَ عَنْوَةً، والفَيْءَ ما أُخِذَ عَنْ صُلْحٍ، قالَهُ الشّافِعِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الفَيْءَ والغَنِيمَةَ سَواءٌ وهو كُلُّ مالٍ أُخِذَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وآيَةُ الفَيْءِ الَّتِي هي في سُورَةِ الحَشْرِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الغَنِيمَةِ الَّتِي في سُورَةِ الأنْفالِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ جَمِيعَ ما وقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مُباحٍ حَواهُ المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ.
﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، فَلِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ وما فِيهِما، ومَعْنى الكَلامِ فَأنَّ لِلرَّسُولِ خُمُسَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وقَتادَةُ وإبْراهِيمُ والشّافِعِيُّ، ورَوى نَهْشَلٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا خَمَّسَ الغَنِيمَةَ فَصَرَفَ ذَلِكَ الخُمُسَ في خَمْسَةٍ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ﴾ وإنَّما قَوْلُهُ ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ مِفْتاحُ كَلامٍ، ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَجَعَلَ سَهْمَ اللَّهِ وسَهْمَ الرَّسُولِ واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّ سَهْمَ اللَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِبَيْتِهِ، ومَعْناهُ فَإنَّ لِبَيْتِ اللَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ، وقَدْ رَوى الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُؤْتى بِالغَنِيمَةِ فَيُقَسِّمُها عَلى خَمْسَةٍ تَكُونُ أرْبَعَةَ أخْماسٍ لِمَن شَهِدَها، ثُمَّ يَأْخُذُ الخُمُسَ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِيهِ فَيَأْخُذُ مِنهُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ وهو سَهْمُ اللَّهِ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ فَيَكُونُ سَهْمٌ لِلرَّسُولِ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى، وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ.
» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلرَّسُولِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِفْتاحُ كَلامٍ اقْتَرَنَ بِذِكْرِ اللَّهِ ولَيْسَ لِلرَّسُولِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ كَما لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، وأنَّ الخُمُسَ مَقْسُومٌ عَلى أرْبَعَةِ أسْهُمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لِلرَّسُولِ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
واخْتَلَفُوا في سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَهُ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ لِقَرابَةِ النَّبِيِّ إرْثًا، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ النَّبِيَّ مَوْرُوثًا.
والثّالِثُ: أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ مَرْدُودٌ عَلى السِّهامِ الباقِيَةِ ويُقَسِّمُ الخُمُسَ عَلى أرْبَعَةٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَصْرُوفٌ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ العامَّةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
والخامِسُ: أنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ في الكُراعِ والسِّلاحِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَواهُ النَّخَعِيُّ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِذِي القُرْبى ﴾ فاخْتُلِفَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم بَنُو هاشِمٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ كُلُّها، رَوى سَعِيدٌ المَقْرِيُّ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ ذِي القُرْبى، قالَ: فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: كُنّا نَقُولُ إنَّنا هم فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا وقالُوا: قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.
الثّالِثُ: أنَّهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ والطَّبَرَيُّ.
واخْتَلَفُوا في سَهْمِهِمُ اليَوْمَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَهم أبَدًا كَما كانَ لَهم مِن قَبْلُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ القائِمِ بِأُمُورِ الأُمَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إلى الإمامِ يَضَعُهُ حَيْثُ شاءَ.
والرّابِعُ: أنَّ سَهْمَهم وسَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ مَرْدُودٌ عَلى باقِي السِّهامِ وهي ثَلاثَةٌ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
وَأمّا ﴿ واليَتامى ﴾ فَهم مِنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أحَدُها: مَوْتُ الأبِ وإنْ كانَتِ الأُمُّ باقِيَةً، لِأنَّ يُتْمَ الآدَمِيِّينَ بِمَوْتِ الآباءِ دُونَ الأُمَّهاتِ ويُتْمَ البَهائِمِ بِمَوْتِ الأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ.
والثّانِي: الصِّغَرُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : «لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ» .
والثّالِثُ: الإسْلامُ لِأنَّهُ مالُ المُسْلِمِينَ.
والرّابِعُ: الحاجَةُ لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْمَصالِحِ.
ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِأيْتامِ أهْلِ الفَيْءِ خاصَّةً.
والثّانِي: أنَّهُ لِجَمِيعِ الأيْتامِ.
وَأمّا ﴿ والمَساكِينِ ﴾ فَهُمُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَكْفِيهِمْ.
وَأمّا أبْناءُ السَّبِيلِ فَهُمُ المُسافِرُونَ مِن ذَوِي الحاجاتِ، والإسْلامُ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ.
وَهَلْ يَخْتَصُّ بِأهْلِ الفَيْءِ؟
عَلى القَوْلَيْنِ.
وَقالَ مالِكٌ: الخُمُسُ مَوْقُوفٌ عَلى رَأْيِ الإمامِ فِيمَن يَراهُ أحَقَّ بِهِ، وإنَّما ذُكِرَتْ هَذِهِ الأصْنافُ لِصِدْقِ حاجَتِها في وقْتِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ وهو يَوْمُ بَدْرٍ فَرَقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: ثم وضع مقاسم الفيء واعلمه.
قال: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ بعد الذي مضى من بدر ﴿ فأن لله خمسه وللرسول...
﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ قال: المخيط من شيء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: إنما المال ثلاثة: مغنم، أو فيء، أو صدقة.
فليس فيه درهم إلا بين الله موضعه.
قال في المغنم ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله ﴾ تحرجاً عليهم، وقال في الفيء ﴿ كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ﴾ [ الحشر: 7] وقال في الصدقة ﴿ فريضة من الله والله عليم حكيم ﴾ [ التوبة: 60] .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن قيس بن مسلم الجدلي قال: سألت الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب بن الحنفية عن قول الله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ﴾ قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة ﴿ وللرسول ولذي القربى ﴾ فاختلفوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين السهمين.
قال قائل: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة، وقال قائل: سهم النبي للخليفة من بعده.
واجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله تعالى، فكان كذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ﴾ قال: قوله: ﴿ فأن لله خمسه ﴾ مفتاح كلام ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ [ البقرة: 284] فجعل الله سهم الله والرسول واحداً ﴿ ولذي القربى ﴾ فجعل هذين السهمين قوّة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيره، وجعل الأربعة أسهم الباقية، للفرس سهمين، ولراكبه سهم، وللراجل سهم.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأن لله خمسه ﴾ يقول: هو لله، ثم قسم الخمس خمسة أخماس ﴿ وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس.
فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس، فربع لله ولرسوله ولذي القربى- يعني قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم- فما كان لله وللرسول، فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ النبي من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء...
﴾ الآية.
قال: كان يجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، فيعزل سهماً منه ويقسم أربعة أسهم بين الناس- يعني لمن شهد الوقعة- ثم يضرب بيده في جميع السهم الذي عزله، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الذي سمى لله تعالى: لا تجعلوا لله نصيباً، فإن لله الدنيا والآخرة، ثم يعمد إلى بقية السهم فيقسمه على خمسة أسهم.
سهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء...
﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وذو قرابته لا يأكلون من الصدقات شيئاً لا يحل لهم، فللنبي صلى الله عليه وسلم خمس الخمس، ولذي قراباته خمس الخمس، ولليتامى مثل ذلك، وللمساكين مثل ذلك، ولابن السبيل مثل ذلك.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: كان سهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعى الصفى، إن شاء عبداً وإن شاء فرساً، يختاره قبل الخمس، ويضرب له بسهمه ان شهد وإن غاب، وكانت صفية ابنة حيي من الصفى.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في الآية قال: خمس الله والرسول واحد، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل فيه ويصنع فيه ما شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن مطعم رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول شيئاً من الأرض أو وبرة من بعير فقال: والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» .
وأخرج ابن المنذر من طريق أبي مالك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ما افتتح على خمسة أخماس.
فأربعة منها لمن شهده، ويأخذ الخمس خمس الله فيقسمه على ستة أسهم.
فسهم لله، وسهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله، وفي كسوة الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله، وسهم ذي القربى لقرابته، يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم مع سهمهم مع البأس، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم، يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن شاء وحيث شاء، ليس لبني عبد المطلب في هذه الثلاثة إلا سهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه مع سهام الناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين المعلم قال: سألت عبد الله بن بريدة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأن لله خمسه وللرسول ﴾ قال: الذي لله لنبيه، والذي للرسول لأزواجه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن السدي رضي الله عنه ﴿ ولذي القربى ﴾ قال: هم بنو عبد المطلب.
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
إن نجدة كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه: انا كنا نرى أناهم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلها ذوو قربى.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أن نجدة الحروري أرسل إليه يسأله عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه: إنا كنا نرى اناهم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: ويقول: لمن تراه.
فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو لقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان عمر رضي الله عنه عرض علينا من ذلك عرضاً رأينا دون حقنا.
فرددناه عليه وأبينا أن نقبله، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك.
وأخرج ابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سألت علياً رضي الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الخمس نصيبكم؟
فقال: أما أبو بكر رضي الله عنه فلم تكن في ولايته أخماس، وأما عمر رضي الله عنه فلم يزل يدفعه إليّ في كل خمس حتى كان خمس السوس وجند نيسابور.
فقال وأنا عنده: هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس، وقد أحل ببعض المسلمين واشتدت حاجتهم فقلت: نعم.
فوثب العباس بن عبد المطلب فقال: لا تعرض في الذي لنا.
فقلت: ألسنا أحق من المسلمين وشفع أمير المؤمنين؟
فقبضه، فوالله ما قبضناه ولا صدرت عليه في ولاية عثمان رضي الله عنه، ثم أنشأ علي رضي الله عنه يحدث فقال: إن الله حرم الصدقة على رسوله فعوضه سهماً من الخمس عوضاً عما حرم عليه، وحرمها على أهل بيته خاصة دون أمته فضرب لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهماً عوضاً مما حرم عليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم» .
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: «قسم رسول الله سهم ذي القربى على بني هاشم وبني المطلب، قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء اخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أرأيت اخواننا من بني المطلب، أعطيتهم دوننا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب؟
فقال: إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإِسلام» .
وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: آل محمد صلى الله عليه وسلم الذين أعطوا الخمس.
آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان آل محمد لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ يعني من المشركين ﴿ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ﴾ يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ يعني الضيف، وكان المسلمون إذا غنموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا خُمْسَهُ فيجعلون ذلك الخمس الواحد أربعة أرباع، فربعه لله وللرسول ولقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فما كان لله فهو للرسول والقرابة وكان للنبي صلى الله عليه وسلم نصيب رجل من القرابة، والربع الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، ويعمدون إلى التي بقيت فيقسمونها على سهمانهم، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم رد أبو بكر رضي الله تعالى عنه نصيب القرابة، فجعل يحمل به في سبيل الله تعالى، وبقي نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأخرج ابن أبي شيبة والبغوي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن رجل من بلقين عن ابن عم له قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في هذا المال؟
قال «لله خمسه، وأربعة أخماسه لهؤلاء- يعني المسلمين- قلت: فهل أحد أحق به من أحد؟
قال: لا، ولو انتزعت سهماً من جنبك لم تكن بأحق به من أخيك المسلم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردوبه والبيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل قبل أن تنزل فريضة الخمس في المغنم، فلما نزلت ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء...
﴾ الآية.
ترك التنفل وجعل ذلك في خمس الخمس، وهو سهم الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مالك بن عبد الله الحنفي رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند عثمان رضي الله عنه قال: من هاهنا من أهل الشام؟
فقمت؟
فقال: أبلغ معاوية إذا غنم غنيمة أن يأخذ خمسة أسهم فيكتب على كل سهم منها: لله ثم ليقرع فحيثما خرج منها فليأخذه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ﴾ قال: سهم الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم واحد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: في المغنم خمس لله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصفى، كان يصطفى له في المغنم خير رأس من السبي إن سبي وإلا غيره، ثم يخرج الخمس، ثم يضرب له بسهمه شهد أو غاب مع المسلمين بعد الصفى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن السائب رضي الله عنه.
أنه سئل عن قوله: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ وقوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله ﴾ [ الحشر: 7] ما الفيء، وما الغنيمة؟
قال: إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم فأخذوهم عنوة، فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة، وأما الأرض: فهو فيء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سفيان قال: الغنيمة ما أصاب المسلمون عنوة، فهو لمن سمى الله وأربعة أخماس لمن شهدها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أنه سئل: كيف كان رسول الله يصنع في الخمس؟
قال: كان يحمل الرجل سهماً في سبيل الله، ثم الرجل، ثم الرجل.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم شيء واحد في المغنم يصطفيه لنفسه، أما خادم واما فرس، ثم نصيبه بعد ذلك من الخمس.
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سلمنا الأنفال لله ورسوله، ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً، ونزلت بعد ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ﴾ فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين الخمس فيما كان من كل غنيمة بعد بدر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا توليني ما خصنا الله به من الخمس؟
فولانيه.
وأخرج الحاكم وصححه عن علي رضي الله عنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس، فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مكحول رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا سهم من الخيل إلا لفرسين، وإن كان معه ألف فرس إذا دخل بها أرض العدوّ، قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر للفارس سهمين وللراجل سهم» .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين، وللراجل سهما» .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه.
أوصى بالخمس وقال: أوصي بما رضي الله به لنفسه، ثم قال: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأَن لله خمسه ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ يقول: أقرُّوا بحكمي ﴿ وما أنزلنا على عبدنا ﴾ يقول: وما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم في القسمة ﴿ يوم الفرقان ﴾ يوم بدر ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم الفرقان ﴾ قال: هو يوم بدر، وبدر: ماء بين مكة والمدينة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم الفرقان ﴾ قال: هو يوم بدر، فرق الله بين الحق والباطل.
وأخرج سعيد بن منصور ومحمد بن نصر والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ﴾ قال: كانت بدر لسبع عشرة مضت من شهر رمضان.
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة، لسبع عشرة مضت من رمضان.
وأخرج ابن جرير عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة مضت من رمضان.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل في آي من القرآن، فكان أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً، وكان رئيس المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فالتقوا يوم الجمعة ببدر لسبع أو ست عشرة ليلة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون بين الألف والتسعمائة، وكان ذلك يوم الفرقان: يوم فرق الله بين الحق والباطل، فكان أول قتيل قتل يومئذ مهجع مولى عمر ورجل من الأنصار، وهزم الله يومئذ المشركين فقتل منهم زيادة على سبعين رجلاً وأسر منهم مثل ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه قال: كانت بدر لسبع عشرة من رمضان في يوم جمعة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
أنه سئل أي ليلة كانت ليلة بدر؟
فقال: هي ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة بقيت من رمضان.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن ربيعة البدري قال: كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ الآية، الغنم: الفوز بالشيء، يقال: غنم يغنم غنمًا فهو غانم.
والغنيمة في الشريعة: ما أُوجف عليها بالخيل والركاب من أموال المشركين، وأُخذ قسرًا (١) وقوله تعالى: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ ﴾ ، قال الكسائي والفراء: (فأن) منصوبة مردودة على قوله: ﴿ وَاعْلَمُوا ﴾ بمنزلة قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ ﴾ (٢) واتفق فقهاء الأمة على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين الذين باشروا القتال، للفارس عند الشافعي ثلاثة أسهم وللراجل سهم (٣) (٤) وأما الصبيان والعبيد والنساء وأهل الذمة إن خرجوا بإذن الإمام فلهم الرضخ (٥) (٦) وهذا الذي ذكرناه لم يتناوله لفظ الآية، غير أنه لا بد من ذكره في معرفة كيفية قسم الغنيمة، والذي ذكر في الآية هو الخمس الباقي؛ لأن الغانمين إذا أخذوا أربعة أخماس بقي خمس واحد.
واختلفوا في هذا الخمس وفي مصرفه، فقوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ ، قال الحسن (٧) (٨) ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ (٩) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ (١٠) وهذا مذهب الشافعي (١١) (١٢) (١٣) ﴿ لله ﴾ (١٤) ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ ترتيبًا لافتتاح الكلام، والمعنى: فأن للرسول خمسه [ولمن ذكر بعده، فجعلوا سهم الله وسهم الرسول واحد.
وقال الربيع وأبو العالية: قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ ] (١٥) كان يضرب يده في هذا الخمس فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي يسمى لله (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلِلرَّسُولِ ﴾ اختلفوا في سهم الرسول من الخمس قال جماعة من المفسرين منهم إبراهيم (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) يحمل سهمه من الخمس ويصنع فيه ما شاء، وكان له خمس الخمس.
وقال ابن عباس: لم يأخذ النبي من الخمس شيئًا بل جعل سهمه من الخمس لذوي القربى، قال: كان الخمس يقسم على أربعة فربع لله وللرسول ولذوي القربى، فما كان لله وللرسول فهو لذوي القربى (٢١) ومذهب الشافعي: أن الخمس يقسم على خمسة أسهم: سهم لله ولرسوله يصرف إلى مصالح المسلمين، والأهم السلاح والكراع (٢٢) أن يصرف في مثل ما كان يصرفه فيه، والذي يروى: أنه كان يصرف الخمس في عدة المسلمين (٢٣) (٢٤) قوله تعالى: ﴿ وَلِذِي الْقُرْبَى ﴾ ، قال مجاهد: هم بنو هاشم (٢٥) : هم بنو هاشم وبنو المطلب خاصة (٢٦) (٢٧) : "إن الله أغناكم عن أوساخ الناس بهذا الخمس" (٢٨) واحتج الشافعي بما روى الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير ابن مطعم (٢٩) سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم والمطلب، مشيت أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر ضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة (٣٠) إحدى يديه بالأخرى (٣١) وقال بعضهم: هم قريش كلها (٣٢) واختلفوا في سهم رسول الله وسهم ذي القربى [بعد موت رسول الله ، وقد ذكرنا مذهب الشافعي فيه، وهو أن سهم الرسول يجعل اليوم في مصالح المسلمين، وسهم ذي القربى] (٣٣) (٣٤) ما: أنهما كانا يجعلان سهم رسول الله في الكراع والسلاح (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقول: ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ (٣٨) ﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ، قال ابن عباس: هو الفقير الضعيف (٤٠) (٤١) (٤٢) وقال أهل المعاني: كل من مات أبوه وهو صغير فهو يتيم، ولا يتم بعد البلوغ، وكل ولد يتيم من قبل أمه إلا الإنسان فإنه يتيم من قبل أبيه (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) والمسكين (٤٧) ومذهب الشافعي - - في القسم بين (٤٨) (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ﴾ ، قال أبو إسحاق: يجوز أن تكون (إنْ) معلقة بقوله: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ﴾ أي: أيقنوا أن الله ناصركم (٥١) (٥٢) (٥٣) ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ يأمران فيه بما يريدان ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ﴾ أي: فاقبلوا ما أمرتم به في الغنيمة (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا ﴾ يعني الملائكة الذين نصر بهم النبي يوم بدر في معنى قول الزجاج (٥٥) (٥٦) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ الآية؛ لأنه قال: يريد إن كنتم آمنتم بالله فأقرّوا بحكمي وما أنزلت على النبي في الغنيمة يوم الفرقان.
والذي أنزل عليه يوم الفرقان قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ ، ويجوز أن يكون المعنيّ (٥٧) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى عَبْدِنَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد النبي ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ ﴾ : يريد اليوم الذي فرقت فيه بين الحق والباطل وهو يوم بدر (٥٨) وقال الزجاج: لأن الله أظهر فيه من نصره بإرداف الملائكة والإمداد بهم المسلمين (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد حزب الله وحزب الشيطان (٦١) ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، قال: يريد: قدير على نصركم وأنتم أقلة (٦٢) (٦٣) (١) انظر: "تهذيب اللغة" (غنم) 3/ 2703 (٢) انظر: قول الفراء في كتابه "معانى القرآن" 1/ 411، وقد ذكره المؤلف بمعناه.
(٣) انظر تفصيل مذهب الإمام الشافعي في: كتاب "الأم" 4/ 190، و"حاشية الجمل على شرح المنهج" 4/ 95، وبمثله قال الإمام أحمد وأكثر أهل العلم كما في "المغني" 13/ 85.
(٤) قال السرخسي في "المبسوط"10/ 40: إذا قسم الغنيمة ضرب للفارس بسهمين وللراجل بسهم في قول أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- وهو قول أهل العراق، وفي قولهما -يعني أبا يوسف ومحمد بن الحسن- والشافعي -رحمهم الله تعالى- يضرب للفارس بثلاثة أسهم وهو قول أهل الشام وأهل الحجاز.
وانظر أيضًا: "بدائع الصنائع" 9/ 4364.
(٥) الرضخ: العطية أو العطية القليلة.
انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (رضخ) 2/ 228، و"لسان العرب" (رضخ) 3/ 1658، وعرّفه الفقهاء بأنه: ما دون السهم لمن لا سهم له من الغنيمة، انظر: "حاشية الروض المربع" 4/ 278.
(٦) رجح شيخ الإسلام الأنصاري في "شرح المنهج" أن الرضخ يؤخذ من الأخماس الأربعة لا من رأس الغنيمة، انظر: "حاشية الجمل على شرح المنهج" 4/ 95، وهما قولان للشافعي، ووجهان في مذهب الإمام أحمد، انظر: "المغني" 13/ 99.
(٧) المراد هنا وفي الموضعين التاليين: الحسن بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، كما في "سنن النسائي" كتاب: قسم الفئ، باب: قسم الفيء 7/ 133، و"المصنف" لعبد الرزاق 5/ 238، و"المستدرك" للحاكم 2/ 128، و "تفسير ابن جرير" 10/ 3، وهو من أئمة التابعين وعلماء أهل البيت، توفي سنة 100هـ أو قبلها.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 130.
(٨) رواه عنهم ابن أبي حاتم 5/ 309، والثعلبي 6/ 61 ب، والبغوي 3/ 357، ورواه ابن جرير بهذا اللفظ عن الحسن بن محمد بن الحنفية 10/ 3، وهو مراد الواحدي لا الحسن البصري، كما رواه ابن جرير عن البقية بمعناه 10/ 3.
(٩) فسر ابن جرير معنى قول المفسرين: هذا افتتاح كلام بعبارة أوضح من عبارة الزجاج حيث قال عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ : فبدأ -جل ثناؤه- بنفسه، تعظيمًا لنفسه وتنزيهًا لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدؤا في أمورهم بذكره قبل ذكر غيره، مؤدبًا خلقه بذلك، واعترض بذكر الله وصفته على ما بينت كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ افتتاحًا باسمه الكلام اهـ.
" تفسير ابن جرير" 10/ 3 باختصار، وبه يتبين أن معنى: افتتاح كلام، أي افتتاح الكلام بذكر الله، وابتداء باسمه على سبيل التعظيم والتبرك كالبسملة.
وقال الحافظ في "فتح الباري" 6/ 218: أجمعوا على أن اللام في قوله تعالى: ﴿ لله ﴾ للتبرك إلا ما جاء عن أبي العالية.
(١٠) الأنفال: 1.
وإلى هنا انتهى كلام الزجاج انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 414، وفي النسخة التي اعتمد عليها المحقق خطأ في قوله: بأن قال: (فأن الله) حيث كتبه الناسخ هكذا: فإن قال قائل (فإن لله ..) إلخ وظن المحقق أن ذلك شرط وأن == جواب لم يذكر.
والصواب ما ذكره الواحدي.
(١١) يعني أنه لا يجعل لله نصيباً معينًا.
انظر: "الأم" للشافعي 4/ 207، ونصه: (لله) مفتاح كلام، كل شيء له، وله الأمر من قبل ومن بعد.
(١٢) رواها ابن جرير 10/ 3، والثعلبي 6/ 61 ب، وفي سند ابن جرير: نهشل بن سعيد بن وردان، متروك وكذّبه إسحاق بن راهويه، كما في"التقريب" ص 566 (7198).
(١٣) اللفظ ساقط من (ح).
(١٤) اللفظ ساقط من (ح).
(١٥) ساقط من (ح).
(١٦) رواه ابن جرير 10/ 4، وأبو عبيد في كتاب "الأموال" ص 21، عن أبي العالية، ورواه الثعلبي 6/ 61 ب، عنه أيضًا وعن الربيع بن أنس، وهو حديث مرسل، ورواه ابن المنذر بمعناه عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" 3/ 336، وقد ضعف هذا القول ابن جرير في "تفسيره" 10/ 4، وذكر أنه مخالف لاتفاق أهل العلم.
(١٧) رواه الثعلبي 6/ 61 ب، وبمعناه ابن جرير 10/ 3.
(١٨) رواه النسائي في "السنن"، كتاب قسم الفيء 7/ 132، وابن جرير 10/ 3، والثعلبي 6/ 61 ب.
(١٩) هو: ابن محمد بن الحنفية، وقد رواه بنحوه الثعلبي في الموضع السابق، وبمعناه عبد الرزاق في "المصنف" كتاب الجهاد، باب: ذكر الخمس 5/ 238، والنسائي في المصدر السابق، الصفحة التالية، وابن جرير 10/ 7، ولفظهم: فأن لله خمسه وللرسول وذي القربى، قال: هذا مفتاح كلام، ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله ....
إلخ.
(٢٠) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 4، والثعلبي 6/ 61 ب.
(٢١) رواه ابن جرير 10/ 4، بلفظ مقارب وكذلك الثعلبي 6/ 61 ب، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 336، أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.
أقول: قول ابن عباس هذا مخالف لقول رسول الله : "يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم".
رواه أبو داود (2756) كتاب الجهاد، باب.
في الإمام يستأثر بشيء من الفيء، وأحمد 2/ 184 فالنبي لم يخص بسهمه ذوي القربي.
(٢٢) انظر: كتاب "الأم" 4/ 196 ولفظه: والذي أختار أن يضعه الإمام في كل أمر حصن به الإسلام وأهله، من سد ثغر، وإعداد كراع أو سلاح، أو إعطاء أهل البلاء في الإسلام.
(٢٣) روى البخاري في "صحيحه" (2904) كتاب الجهاد، باب: المجن، ومسلم في "صحيحه" (1757) كتاب الجهاد، باب حكم الفيء عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح، عدة في سبيل الله.
والكُراع: اسم للخيل أو للسلاح أو لهما كما في "اللسان" (كرع) 7/ 3858، وروى ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 337 عن ابن عباس قال: كان النبي يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله.
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 414، وقد تصرف الواحدي في العبارة.
(٢٥) رواه الثعلبي 6/ 62 أ، وبنحوه ابن جرير 10/ 6، ولمجاهد رواية أخرى بأن ذوي القربى هم قرابة النبي الذين لا تحل لهم الصدقة.
انظر: "سنن النسائي" 7/ 134، و"تفسير ابن جرير" 10/ 6، والرواية الأولى مردودة لحديث جبير بن مطعم الآتي.
(٢٦) ساقط من (ح).
(٢٧) انظر: كتاب "الأم" 4/ 196، و"تفسير الثعلبي" 6/ 62 أ.
(٢٨) رواه مسلم في "صحيحه" (1072) كتاب الزكاة، باب: ترك استعمال آل النبي على الصدقة بلفظ: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس"، ورواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 3/ 337 بلفظ: "رغبت لكم عن غسالة الأيدي؛ لأن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم".
(٢٩) هو: جبير بن مطعم بن عدي بن عبد مناف بن قصي، شيخ قريش في زمانه، كان من الطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة وكان موصوفًا بالحلم ونبل الرأي مع الشرف، نوفي سنة 59 هـ.
انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 223 (2274)، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 95، و"الإصابة" (1091).
(٣٠) يعني أن عثمان من بني عبد شمس، وجبير من بني نوفل، وعبد شمس ونوفل وهاشم والمطلب جميعهم بنو عبد مناف.
انظر: "السيرة النبوية" 2/ 59.
(٣١) رواه البخاري في "صحيحه" (3140) كتاب الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام مختصرًا، ورواه النسائي في "سننه" كتاب قسم الفيء 7/ 131، وأحمد في "المسند" 4/ 81 مع اختلاف يسير.
(٣٢) رواه أبو عبيد في كتاب "الأموال" ص 418 (851)، وابن جرير 10/ 6، عن ابن عباس قال: كنا نقول: إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى.
وأصل الحديث في "صحيح مسلم" كتاب الجهاد، باب: النساء الغازيات يرضخ لهن، دون قوله (وقالوا: قريش ..) إلخ.
وقد تفرد برواية هذه الجملة أبو معشر وفيه ضعف كما في "التقريب" ص 559 (7100)، و"أضواء البيان" 2/ 363، وقد أخذ بهذا الرأي الفقيه أصبغ الأموي كما في "فتح الباري" 6/ 346.
(٣٣) ساقط من (س).
(٣٤) رواه عنهما ابن جرير 10/ 6، والثعلبي 6/ 62 أ، ورواه أيضًا عن الحسن بن محمد، النسائي في "سننه" 7/ 133، وعبد الرزاق في "المصنف" 5/ 238، والحاكم في "المستدرك" 2/ 128، وأبو عبيد في كتاب"الأموال" ص 416 (847)، وفي سند أثر ابن عباس نهشل بن سعيد وهو متروك، كما في "التقريب" ص 566 (7198).
(٣٥) رواه الشافعي في كتاب "الأم" 4/ 178، عن مالك بن أوس، ورواه النسائي في "سننه" 7/ 133، كتاب: قسم الفئ، وعبد الرزاق في "المصنف" 5/ 238 ، والحاكم في "المستدرك" 2/ 128، وابن جرير في "تفسيره" 10/ 6، عن الحسن بن محمد، ورواه أيضًا ابن جرير 10/ 7، عن ابن عباس بمعناه.
(٣٦) انظر: كتاب "الأم" 4/ 178.
(٣٧) انظر: كتاب "المبسوط" 5/ 9، 10، و"بدائع الصنائع" 9/ 4362.
(٣٨) ساقط من (ح).
(٣٩) في (ح): (واليتامى وابن السبيل)، وهو خطأ.
(٤٠) هكذا.
وانظر: التعليق الآتى.
(٤١) رواه الثعلبي 6/ 63 أبهذا اللفظ، ورواه أبو عبيد في كتاب "الأموال" ص 408 (835)، وابن جرير 10/ 8، وابن أبي حاتم 5/ 1706 بلفظ: الضيف الفقير ..
إلخ.
وبهذا يتبين أن التصحيف كان في رواية الثعلبي واعتمدها الواحدي.
(٤٢) لم أقف عليه.
(٤٣) انظر: "تهذيب اللغة" (يتم) 4/ 3973.
(٤٤) في (ح): (لمعنى).
(٤٥) في (ح): (السفر).
(٤٦) في "مجمل اللغة" (لقى) 3/ 811: اللَّقى: الشيء الملقى الطريح، وفي "لسان العرب" (لقا) 7/ 4066: اللقى: كل شيء مطروح متروك.
(٤٧) ساقط من (م).
(٤٨) في (ح): (عن).
(٤٩) في (ح): (لغير).
(٥٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 414، وانظر: كتاب "الأم" 4/ 196.
(٥١) في "معاني القرآن": نصركم.
(٥٢) اختصر الواحدي عبارة الزجاج فخفي المعنى، ونص عبارته: يجوز أن تكون (إن كنتم) معلقة بقوله: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ ، ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ فأيقنوا أن الله نصركم إذ كنتم قد شاهدتم من نصره ما شاهدتم.
"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 416، والمعنى: اعلموا أن الله مولاكم وناصركم إن كنتم آمنتم به وبما أنزل على عبده.
(٥٣) نص عبارة الزجاج: ويجوز أن يكون: (إن كنتم آمنتم باللهِ) معناها: أعلموا ..
إلخ.
(٥٤) المصدر السابق 2/ 416، وهذا هو القول الراجح؛ لأنه المناسب للسياق الموافق لغرض الآية وهدفها، بل قال ابن عطية 6/ 313: هذا هو الصحيح.
(٥٥) لم أجد في كلام الزجاج ما يمكن أن يفهم منه ما ذكره المؤلف إلا قوله: وقوله جل وعز: ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ ﴾ : هو يوم بدر؛ لأن الله عز وجل أظهر فيه من نصره بإرداف الملائكة، والإمداد بهم للمسلمين ما كان فيه فرقان بين الحق والباطل.
"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 416، ولم يرد للملائكة ذكر في "تفسير الزجاج" لقوله تعالى ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾ وقد سبق ذكره في التعليق على قول الزجاج الأسبق.
(٥٦) يعني ابن حيان، وقد روى قوله ابن أبي حاتم 5/ 1706، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 339.
(٥٧) في (س): (الغنيمة)، وهو خطأ.
(٥٨) "تنوير المقباس" ص 182 بنحوه.
(٥٩) في "معاني القرآن وإعرابه": للمسلمين.
(٦٠) المصدر السابق: 2/ 416.
(٦١) "تنوير المقباس" ص 182 بمعناه (٦٢) في (ج): (قلة).
(٦٣) "تنوير المقباس" ص 182 بمعناه <div class="verse-tafsir"
﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ لفظه عام يراد به الخصوص، لأن الأموال التي تؤخذ من الكفار منها ما يخمس: وهو ما أخذ على وجه الغلبة بعد القتال، ومنها: ما لا يخمس بل يكون جميعه لمن أخذه، وهو ما أخذه من كان ببلاد الحرب من غير إيجاف، وما طرحه العدو خوف الغرق، ومنها: ما يكون جميعه للإمام يأخذ منه حاجته، ويصرف سائره في مصالح المسلمين وهي الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ الآية: اختلف في قسم الخمس على هذه الأصناف فقال قوم: يصرف على ستة أسهم سهم لله في عمارة الكعبة، وسهم للنبي صلى الله عليه وسلم في مصالح المسلمين، وقيل: للوالي بعده: وسهم لذوي القربى الذين لا تحل لهم الصدقة، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال الشافعي: على خمسة أسهم، ولا يجعل لله سهماً مختصاً، وإنما بدأ عنده بالله، لأن الكل ملكه، وقال أبو حنيفة على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقال مالك الخمس إلى اجتهاد الإمام يأخذ منه كفايته ويصرف الباقي في المصالح ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله ﴾ راجع إلى ما تقدم، والمعنى: إن كنتم مؤمنين فاعلموا ما ذكر الله لكم من قسمة الخمس، واعملوا بحسب ذلك ولا تخالفوه ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم والذي أنزل عليه القرآن والنصر ﴿ يَوْمَ الفرقان ﴾ أي التفرقة بين الحق والباطل وهو يوم بدر ﴿ التقى الجمعان ﴾ يعني المسلمين والكفار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بالعدوة ﴾ بكسر العين في الحرفين: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم.
﴿ من حيي ﴾ بياءين: أبو جعفر ونافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي ونصير وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالإدغام ﴿ ولا تنازعوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ وتذهب ﴾ بالجزم للجزاء عن هبيرة ﴿ وإذ زين ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة في رواية خلاد ابن سعدان وهشام ﴿ إني أرى ﴾ ، ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ تراءت الفئتان ﴾ بالإمالة: نصير.
الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما قبلها تقديره: واعلموا واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم.
﴿ الجمعان ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ أسفل منكم ﴾ ط ﴿ في الميعاد ﴾ لا لعطف لكن ﴿ مفعولا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ من حيَّ عن بينه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ لا لتعلق "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ مفعولا ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ واصبروا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ج لما ذكر ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ جار لكم ﴾ ط ﴿ أخاف الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما أمر بالقتال في قوله ﴿ وقاتلوهم ﴾ والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهراً.
وقوله ﴿ من شيء ﴾ بيان "ما" أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط.
وقوله ﴿ فأن الله ﴾ بالفتح مبتدأ محذوف الخبر.
وروى الجعفي عن أبي عمرو ﴿ فإن الله ﴾ بالكسر.
قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد.
عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر.
وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً في الهجرة.
واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسماً بخمسة وعشرين قسماً عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضاً لما روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم - وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل - أنهما قالا لرسول الله : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟
فقال : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين.
وثلاثة أخماس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل.
وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء.
فعلى مذهب الإمامين.
معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه وللرسول ﴾ فأن لرسول الله خمسة كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم.
والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل: إن ذلك السهم لبيت المال.
وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما روي أنه كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله.
وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء.
وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئاً، وروي عن زيد بن علي أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً ولا أن نركب منه البراذين.
وقيل: الخمس كله للقرابة لما روي عن علي أنه قيل له: إن الله قال ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وعن الحسن: في سهم رسول الله أنه لولي الأمر من بعده.
وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك.
فعند هذا يكون معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه ﴾ أن من حق الخمس أن يكون متقرباً به إلى الله لا غير.
ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلاً لها على غيرها كقوله ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ﴾ وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علماً يتضمن العلم والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة ﴿ يوم الفرقان ﴾ يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل.
والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فبذلك نصر القليل على الكثير ﴿ إذ أنتم ﴾ بدل من يوم الفرقان ﴿ بالعدوة ﴾ بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته.
وقال أبو عمرو، هي المكان المرتفع و ﴿ الدنيا ﴾ تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن "فعلى" من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضاً قليلاً والعدوة القصوى مما يلي مكة ﴿ والركب ﴾ يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير ﴿ أسفل منكم ﴾ بالساحل وهو نصبب على الظرف مرفوع المحل خبراً للمبتدأ أي مكاناً أسفل من مكانكم والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان.
وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه.
﴿ ولو تواعدتم ﴾ أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه ﴿ ولكن ليقضي الله ﴾ أي ليظهر ﴿ أمراً كان مفعولاً ﴾ مقدراً وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك.
وقوله ﴿ ليهلك ﴾ بدل من ﴿ ليقضي ﴾ بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام.
وفي قوله ﴿ ليقضي ﴾ و ﴿ ليهلك ﴾ دلالة على أن أفعاله مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة.
﴿ وإن الله لسميع ﴾ لدعائكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم ﴿ إذ يريكم ﴾ منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقيان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم ﴿ في منامك ﴾ أي في رؤياك ﴿ قليلاً ﴾ أراه وإياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.
وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف.
﴿ ولو أراكهم كثيراً ﴾ على ما هم عليه ﴿ لفشلتم ﴾ والفشل الجبن والخور.
﴿ ولتنازعتم في الأمر ﴾ أمر الحرب والإقدام ﴿ ولكن الله سلم ﴾ عصم من الفشل والتنازع ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ يبصركم إياهم ﴿ إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ﴾ نصب على الحال لأن الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقاً لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ فعل ما فعل من التقليل ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها.
وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً للمعاد.
ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال ﴿ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما.
﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ في مواطن الحرب ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة.
وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقاً أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضارباً بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجراً.
وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلى مع التمسك بسائر الطاعات ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير "أن" في قوله ﴿ وتذهب ريحكم ﴾ على القراءتين.
والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها.
يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره.
وقيل: الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله.
وفي الحديث: "نصرت بالصبا" حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله.
احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالباً إلى النزاع المنهى عنه.
وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس.
قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب.
فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ﴾ الآية.
وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضاً شدّة المرح.
والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر.
وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر.
وثالثها قوله ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي يمنعون عن قبول دين محمد .
قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفاً للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالاً على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون.
واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل.
ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيهاً على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد.
قلت: لو جعلنا قوله ﴿ ويصدون ﴾ عطفاً على صلة "الذين" لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان.
﴿ والله بما يعملون محيط ﴾ فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار.
﴿ وإذ زين ﴾ معناه واذكر إذ زين أو هو معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ وفي هذا التزيين وجهان: أحدهما.
أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو قول الحسن والأصم.
وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم.
فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله.
وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية ﴿ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ﴾ أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولاً بمعنى لا غالب إلا إياكم لانتصب كما يقال لا ضارباً زيداً.
﴿ وإني جار لكم ﴾ أي مجيركم من بني كنانة أو من كل عدوّ يعرض من البشر.
ومعنى الجار ههنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار.
﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى ﴿ نكص على عقبيه ﴾ والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع.
﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟
أتخذلنا في هذه الحالة فقال ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفي الحديث: "ما رؤي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزل الرحمة إلا ما رأى يوم بدر" وأما قوله ﴿ إني أخاف الله ﴾ فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.
قال قتادة: صدق في قوله ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ وكذب في قوله: ﴿ إني أخاف الله ﴾ وقوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضاً وظرفه ﴿ إذ يقول ﴾ أو لا ظرف له ﴿ وإذ يقول ﴾ ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف.
و ﴿ المنافقون ﴾ قوم من الأوس والخزرج بالمدينة ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش وأسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا.
ثم إن قريشاً لما خرجوا إلى رسول الله قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق.
ثم قتلوا جميعاً مع المشركين يوم بدر.
﴿ غرّ هؤلاء دينهم ﴾ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم.
وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت.
ثم قال جواباً لهم ﴿ ومن يتوكل على الله ﴾ يكل أمره إليه ويثق بفضله ﴿ فإن الله عزيز ﴾ غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير ﴿ حكيم ﴾ يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه.
التأويل: ﴿ واعلموا ﴾ يا أهل الجهاد الأكبر ﴿ أنما غنمتم ﴾ عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً ﴿ ولذي القربى ﴾ يعني الإخوان في الله مواصلاً ﴿ واليتامى ﴾ يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال ﴿ والمساكين ﴾ الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم ﴿ وابن السبيل ﴾ يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة على حسب صدقهموإرادتهم واستعدادهم.
إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عياناً ﴿ وبما أنزلنا على عبدنا ﴾ في سفر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ﴿ يوم الفرقان ﴾ الذي فيه الرحمن علم القرآن ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود ﴿ إذ أنتم ﴾ أيها الصادقون في الطلب ﴿ بالعدوة الدنيا ﴾ نازلة ﴿ وهم بالعدوة القصوى ﴾ أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة.
﴿ ولو تواعدتم ﴾ أيها الأرواح والنفوس والأجساد ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ لما بينكم من التباين والتضاد ﴿ ولكن ﴾ جمعكم الله بالقدرة والحكمة ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها ﴿ فيهلك من هلك عن بينة ﴾ عن حجة ثابتة عليه ﴿ ويحيا من حيى عن بينة ﴾ فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ﴿ ارجعي إلى ربك راضية ﴾ ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ وأبدانهم في جنات النعيم كما قال ﴿ وادخلي جنتي ﴾ ﴿ إن الله لسميع ﴾ من دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال ﴿ عليم ﴾ بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴾ مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى ﴿ لفشلتم ﴾ على عادة طبع الإنسان ﴿ ولكن الله سلم ﴾ من الخوف البشري ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة.
﴿ وإذا لقيتم فئة ﴾ هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها ﴿ فاثبتوا ﴾ على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا ﴾ من ديار أوصافهم وتركوا الدينا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران.
﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة.
﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله فئة الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس لها ﴿ نكص على عقبيه ﴾ زهق باطله وصار مخالفاً للنفس كما قال ﴿ إني بريء منكم ﴾ ، ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال ﴿ إني أخاف الله ﴾ وفيه إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إن الغنيمة: هي التي أصاب المسلمون من أموال المشركين بالقتال عنوة، والفيء: ما يعطون بأيديهم صلحاً.
والغنيمة يأخذ الإمام الخمس منها، والباقي يقسم بينهم، والفيء يأخذه الإمام فيضعه في مصلحة المسلمين، وليس فيه الخمس.
وقال بعضهم: الغنيمة والفيء واحد.
ثم قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر الخمس، ولم يذكر الأربعة أخماس أنها لمن، لكنها للمقاتلة بقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ ، فكانت الغنيمة كلها لمن غنمها بظاهر هذه الآية، إلا ما استثنى الله منها بالآية الأولى، وهو الخمس، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وعلى ذلك تواترت الأخبار عن رسول الله وعن صحابته موقوفة من بعده.
"روي أن النبي سئل عن المال - يعني الغنيمة - فقال: لي خمسة، وأربعة أخماسه لهؤلاء" يعني: المسلمين.
وروي أنه قسمها بين المقاتلة، يعني: الأربعة الأخماس.
وفي بعض الأخبار "أن أبا الدرداء وعبادة بن الصامت والحارث بن معاوية كانوا جلوساً، فقال أبو الدرداء: أيكم يذكر حديث رسول الله حيث صلى إلى بعير من المغنم، فلما انصرف فتناول من وبر البعير، فقال: ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس، ثم هو مردود فيكم" وعن ابن عمر - - قال: كانت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء، ثم يسهم عليها، فما صار لرسول الله فهو له.
وعن ابن عباس - - قال: كانت الغنيمة تغتنم على خمسة أخماس؛ فأربعة منها لمن قاتل عليها.
وغير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك اتفاق الأئمة.
ومنهم من يقول: يقسم على ستة: سهم لله يجعل في ستر الكعبة، وسهم لرسوله ينتفع به.
ومنهم من قال: يقسم على خمسة: سهم لرسوله، وأربعة أخماسه لمن غنم.
ومنهم من يقول: يقسم على أربعة: سهم لرسوله، وثلاثة أرباعه لمن غنم.
ثم قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ تحتمل إضافة ذلك إلى نفسه وجهين: أحدهما: لما جعل ذلك لإقامة العبادات وأنواع البر والخير والقرب التي هي لله، فأضيف إليه على ما أضيفت المساجد إليه بقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ ، وإن كانت البقاع كلها لله، وكذلك ما سمى الكعبة: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله؛ لما جعلها لإقامة العبادات وأنواع القرب، فأضيف إلى الله ذلك؛ فعلى ذلك تحتمل إضافة ذلك السهم إلى الله؛ لما جعله لإقامة العبادات والقرب وأنواع البر، والله أعلم.
والثاني: أضاف ذلك إلى نفسه خصوصية لرسول الله إذ كان ذلك لرسوله، وكان رسول الله في جميع أحواله وأموره [لله] خالصاً، لم يكن لنفسه ولا لأحد من الخلق؛ فعلى ذلك جميع ماله وما كانت تحويه يده لم يكن له، إنما كان ذلك لله خالصاً، يصرف ذلك في أنواع القرب والبرّ؛ في القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، الأحياء منهم والأموات جميعاً، والقريب منهم والبعيد جميعاً.
ألا ترى أنه قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" ، هذا يدل أن ما يتركه صدقة لا يورث عنه، ولو كان له لتوارث ورثته ما يورث عن غيره؛ دل أن نفسه وماله كان لله خالصاً، وكذلك جميع أموره لله.
ألا ترى أنه روي في الخبر أنه كان يجوع يوماً، ويشبع يوماً، ويجوع ثلاثاً، وكان يربط الحجر على بطنه للجوع.
فإذا [كان ذلك] كان إضافة ذلك الخمس إلى الله لخصوصية له، وخلوص نفسه وماله له، وإن كان جميع الخلائق وما تحويه أيديهم لله حقيقة، لكن لهم فيها الانتفاع وقضاء الحوائج والتدبير لأنواع التصرف في ذلك، ولمشاركته غيره في ذلك لم يخصه بالإضافة إليه، وإن كان ذلك كله لله حقيقة.
ولما كانت نفس رسول الله وما تحويه يده لله لا تدبير له في ذلك، ولا شرك لأحد فيه، خصّ بإضافة ذلك إليه وكله لله حقيقة، وهذا كما قال - الله أعلم -: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ ، وقال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ﴾ ، وقال: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ خصّ بالذكر ملك ذلك اليوم والبروز له؛ لما ينقطع يومئذ تدبير جميع ملوك الأرض، ويذهب سلطانهم عنهم، ويصفو البروز له، وإن كان الملك في الأحوال كلها والأوقات جميعاً، وكذلك البروز له، والمصير إليه، وإن كان ذلك راجعاً إليه في كل الأحوال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
ثم ليس في ظاهر الآية دليل أن المراد بقوله: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قرابة رسول الله ، بل في ظاهرها دلالة أنه أراد به قرابة أهل السهام في ذلك؛ لأنه خاطب به الكل بقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، وظاهره أنه أراد به قربى من خاطب، وكان الخطاب لهم جميعاً.
ألا ترى أنه لم يفهم من قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ﴾ قرابة رسول الله ، ولكن قرابة المخاطبين، وكذلك لم يرجع قوله: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ ﴾ إلى قرابة رسول الله بل إلى قرابة المخاطبين به؛ فعلى ذلك الظاهر من قوله: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، إلا أن يقال: أراد قرابة رسول الله بدلالة أخرى سوى ظاهر الآية، وهو ما روي أنه قسم الخمس بين بني هاشم، وما روي أنه قال: "مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" وما روي أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى [فكتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذي القربى] لمن هو؟
وهل هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا.
فدل فعل عمر هذا على أن التأويل في الخمس كان عنده أن رسول الله كان يصل به قرابته، ويسد بالخمس حاجتهم؛ إذ كان جعل سبيل الخمس ما ذكرنا أنه لله، بمعنى أنه يصرف في [وجوه التقرب] إليه، فلو كان الخمس حقّاً لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم، وما يأخذه الأغنياء من الخمس فإنه لا يجري مجرى الصدقة، ولا يجري مجرى القرابة، فبان بذلك أنه لا يعطى منه أغنياؤهم؛ بل [يصرف] إلى فقرائهم على قدر حاجتهم؛ إذ لم يكن له مكاسب سواه يصل بها كما يكون لغيره من الناس من المكاسب وأنواع الحرف.
ومما يدل على أن رسول أعطى بعض القرابة دون بعض: ما روي عن جبير بن مطعم قال: "لما قسم رسول الله سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، أتيت أنا وعثمان، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنهم لا يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه" .
وقوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، بين أن خمس الغنيمة يصرف في وجوه البرّ والقرب إلى الله، ثم فسر تلك الوجوه فقال: ﴿ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، فكانت تسمية هذه الأصناف - والله أعلم - تعليماً لنا أن الخمس يصرف فيمن ذكر من أهلها دون غيرهم، وليس ذلك إيجاباً منه لكل صنف منهم شيئاً معلوماً، ولكن على بيان الأصل والموضع، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ...
﴾ الآية، حمل أصحابنا ذلك على أن الصدقة لا تجوز إلا لمن كان من أهل هذه الأصناف دون غيرهم، ولم يحملوا الأمر على أن لكل صنف منهم شيئاً معلوماً محدوداً، ولكن على بيان أهلها، وعلى ذلك روي عن جماعة من الصحابة - م - منهم: عمر، وعلي، وحذيفة، وابن عباس، وجماعة من السلف ممن يكثر عددهم، قالوا: إذا وضعت الصدقة في صنف واحد أجزأك.
فلو كان لأهل كل صنف الثمن منها، كان المعطى بها صنفاً واحداً مخالفاً لما أمر به؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ...
﴾ الآية، معناه - والله أعلم - أن الخمس الذي يتقرب به من الغنيمة إلى الله لا يستحقه إلا الرسول ومن كان من الأصناف التي ذكرها، فإلى أيهم دفع ذلك الخمس أجزأه.
وإذا كان التأويل ما وصفنا لم يكن لأحد من أهل هذه الأصناف أن يدعي منه خمساً ولا ربعاً، ولكن يعطى كل من حضر منهم بقدر فاقته وحاجته، وعلى قدر ما يراه الإمام، فإذا جاء فريق آخر، أعطوا مما يدفع إلى الإمام من ذلك الخمس من المال كفايتهم.
وكذلك روي عن ابن عمر أن ابن عباس قال: كان عمر يعطينا من الخمس نحواً مما كان يرى أنه لنا، فرغبنا عن ذلك، وقلنا: حق ذي القربى خمس الخمس، فقال عمر: إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها، فأسعدهم بها أكثرهم عدداً وأشدّهم فاقة، فأخذ ذلك ناس.
وتركه ناس، وكذلك فعل عمر لما ولي الأمر؛ روي عن ابن عباس قال: عرض علينا عمر أن يزوج من الخمس أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا.
فدل فعل عمر على أن القرابة يعطون من الخمس قدر حاجتهم وما تسدّ به فاقتهم؛ إذ لو كان الخمس حقّاً لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم.
[ومما يدل أيضاً على أن الخمس لو كان حقّاً لجميع القرابة غنيهم وفقيرهم]؛ لقسمه رسول الله فيهم كما قسم أربعة الأخماس بين المقاتلة؛ بل أعطى منه بعض القرابة وحرم بعضاً كما ذكرنا في جبير ابن مطعم.
وممّا يدل - أيضاً - أن ذلك لأهل الحاجة منهم دون الكل: ما روي "أن الفضل ابن عباس وفلان دخلا على رسول الله وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح.
فجنئاك لتأمرنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي العمال، ونصيب منها ما يصيبون، فسكت طويلا حتى أردنا [أن نكلمه] ثانياً، حتى جعلت زينب تلمح إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: ألا إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس [ادعوا إليَّ محمية] - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن [عبد] المطلب، فجاءاه، فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك: للفضل فأنكحه، وقال لنوفل: انكح هذا الغلام ابنتك فأنكحه، ثم قال لمحمية: أصدقهما من الخمس" وكذا دل هذا على أن الحق لهم فيه لأهل الحاجة منهم.
ومما يدل أيضاً على ذلك ما روي عن رسول الله أنه قال: "مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" لم يخص القرابة بشيء منه، كان سبيلهم سبيل أمر المسلمين يعطي من يحتاج منهم كفايته؛ وعلى هذا أمر الأئمة الراشدين، ولم يغيره علي - - لما ولي الأمر، وكان ذلك عندنا مما لايجوز مخالفتهم عليه.
فإن قيل: لو كان قرابة النبي إنما يعطون من الخمس على سبيل الفقر والحاجة، فهم على هذا يدخلون في عموم المساكين، فما وجه ذكره إياهم إذن؟
قيل: إن الله تبارك - وتعالى - قال في الصدقات: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ ، ثم روي عن النبي - - قال: "لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد" فلو لم يسهم لهم في الخمس، جاز أن يقول قائل: لا يجوز أن يعطوا من الخمس، وإن كانوا فقراء؛ كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقة وإن كانوا فقراء، فكان سبب ذكر الله إياهم في الخمس لذلك، والله أعلم.
ثم اختلف أهل العلم بعد وفاة رسول الله في سهم الرسول وسهم ذي القربى.
فقال طائفة: سهم الرسول للخليفة من بعده، وسهم ذي القربى لقرابة الخليفة.
وقال طائفة: سهم القربى لقرابة الرسول.
وقال الحسن: سهم القرابة لقرابة الخلفاء.
وقال غيره: القرابة قرابة رسول الله.
وقد ذكرنا أنه يحتمل أنه كان له يصل به قرابته بحق الصلة، أو يعطيهم بحق القرابة ما دام حيّاً.
ثم [قد] ثبت عن رسول الله أنه قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة" ، فإذا لم يورث عنه ما قد حازه من سهامه، فكيف يورث عنه ما غنم بعد وفاته؟!
ولو كان سهمه الذي لم يلحقه موروثاً عنه، كان سهمه الذي قد حازه أحرى أن يورث عنه، فإذا لم يورث الذي قد حازه وملكه عنه، لا يورث الآخر، والله أعلم.
وعن عائشة "أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال حق الغنائم" [أي: من الغنائم] والله، لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه فيه إلا أصنعه.
وفي بعض الأخبار قال: "لا يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت سوى نفقة عاملي ومؤنة نسائي فهو صدقة" وعن عمر: "كان لرسول الله مما أفاء الله عليه نفقة سنة، ويجعل ما بقي في مال الله" .
وروي - أيضاً - عنه أنه قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ، وكانت له خالصة، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، ما بقي جعله في الكراع والسلاح" .
فهذه الأخبار تبين أنه لم يورث سهم النبي بعد وفاته، فهي تدل على ألا نقدر بعد موت النبي من خمس الغنائم للخليفة شيئاً، وأن ذلك [إنما] كان خصوصاً لرسول الله ، كالصفي الذي كان له خاصة دون غيره، وكما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكان له ذلك خاصّة، فليس لأحد غير النبي - - خصوص من الخمس؛ كما ليس له خصوص من الصفي وغيره، وإذا كان الأمر في سهم الرسول كما وصفنا، ولم ينقص من الخمس الذي هو لله [شيء] بعد موت النبي، ويخرج ذلك الخمس كله من الغنيمة - فذلك يدل على أن الخمس ليس لأهل هذه السهام حقّاً مقسوماً، ولكن يعطون منه بقدر فاقتهم.
ويدل ذلك - أيضاً - على أنه لا يجب لكل صنف من هذه الأصناف سهم معلوم؛ لأنا قد رددنا سهم النبي من الخمس على سائر السهام، فكما جاز أن يردّ عليهم سهم النبي، فكذلك يجوز أن يجعل سهم اليتامى أو بعضه للمساكين إذا حضروا وطلبوا ولم يحضر اليتامى؛ لأن المعنى في الآية - والله أعلم - ألا يعطى إلا من كان [من] أهل هذه الأصناف فقد وضع الحق في موضعه، ولم يتعد به إلى غيره.
ثم الخطاب في قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ لا يحتمل كلا في نفسه؛ كالخطاب بأداء الزكاة وغيرها من الحقوق، بل الخطاب راجع إلى الجماعة الذين غنموا.
ألا ترى أن العسكر أو السرايا إذا دخلوا دار الحرب، فتفرقوا فيها، فغنم واحد منهم - يجب ضم ذلك إلى جميع العسكر والسرايا، فعند ذلك يخرج الخمس منه؟!
دل أن الخطاب بذلك راجع إلى جماعة، وهي الجماعة التي لهم منعة يقومون للعدو، لا أنه خاطب كل أحد في نفسه؛ فهذا يدل على أن الواحد أو الاثنين إذا دخلوا دار الحرب بغير إذن الإمام فغنم غنائم لا يخمس، ولكن يسلم الكل [له]، وأمّا الغنيمة نفسها لا يحتمل أن ترجع إلى أحد معلوم، أو مقدار محدود؛ كالزكاة وسائر الحقوق؛ لأن الغنيمة شيء يؤخذ من أيدي الكفرة، وإنما يؤخذ قدر ما يظفر به ويوجد؛ فلا يحتمل أن يرجع الخطاب به إلى قدر، دون قدر؛ بل القليل من ذلك والكثير سواء، لا حدّ في ذلك ولا مقدار، ليس كالزكاة وغيرها من الحقوق التي جعل فيها حدّاً، ومقداراً للوجه الذي ذكرنا.
وأما المصيبون لها والآخذون فلهم في ذلك مقدار، وهم الذين لهم منعة.
ثم نذكر مسألة في قسمة السهام بين الرجالة والفرسان، وإن لم يكن في الآية ذكر ذلك: روي عن ابن عمر قال: أعطى رسول الله يوم خيبر الراجل سهماً، [والفارس ثلاثة أسهم سهماً له وسهمين لفرسه].
وعن ابن عباس - ما - قال: أسهم رسول الله يوم خيبر للراجل سهماً، وللفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين للفرس.
[وعن زيد بن ثابت أن رسول الله أعطى الزبير يوم خيبر أربع أسهم: سهم ذي القربى وسهم له وسهمين للفرس].
ثم روي - أيضاً - عن ابن عمر أن رسول الله [كان يقسم للفارس سهمين، وللراجل سهماً].
وعن المقداد أن رسول الله أسهم له يوم بدر سهماً، ولفرسه سهماً.
وعن علي قال: للفارس سهم.
وعن المنذر قال: بعثه عمر في جيش إلى مصر، فأصاب غنائم، فقسم للفارس سهمين [وللراجل سهم فرضي بذلك عمر.
فجعل بعض أهل العلم ما ذكر في هذه الأحاديث من الإسهام للخيل، وقول بعض الرواة ثلاثة أسهم للفرس سهمين].
وقول بعضهم: أسهم للفارس سهمين - اختلافاً وتضادا، فحملوا على التناسخ، وقد يجوز ألا يكون كذلك، وقد تكون زيادته التي زادها النبي للفرس على سهم إن كان محفوظاً ثابتاً لنفل نفله للأفراس حينئذ؛ ترغيباً منه للمقاتلة في اتخاذها وتحريضاً؛ كما يجوز أن يقول الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، ومن جاء برأس كذا فله كذا؛ يحرض بذلك المقاتلة في القتال؛ فعلى ذلك زيادة سهم لمكان الأفراس ترغيباً منه وتحريضاً على اتخاذها.
فأما إذا كثرت الأفراس، فإن سهمانها لا تكون أكثر من سهمان أصحابها؛ لأن الفارس كثر غنمه من فرسه، فإن لم يزد عليه لم ينقص عنه بسهم.
وكان أبو حنيفة - رحمه الله - يسهم للفارس بسهمين، وأبو يوسف - رحمه الله - يرى أن يسهم للفرس سهمين، ولصاحبه بسهم.
واحتج في ذلك بقوله: قال الله - -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ ، فكانت النضير خالصة لرسول الله ، ولم يكن لمن حضرها من المسلمين شيء؛ إذ لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وقد أتوها مشاة، فلما منع الرجالة من السهمان؛ لاستغنائهم في فتحها عن الخيل، جاز أن تزاد الخيل في السهمان على سهمان الرجالة، إذا كان الرجالة يمنعون السهام، وإن حضروا إذا لم يلجئوا إلى ركوب الخيل.
لكن الحجة على هذا ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله لم يحاربوا على النضير فرساناً ولا رجالة، ولو احتاجوا إلى الحرب لاحتاجوا إلى الخيل، فمن حيث لم يحاربوا عليها لم يستحقوا منها شيئاً، وإنما ذكرنا الله - - على سهولة أمرها، وأنهم لم يحاربوا عليها خيلا ولا ركاباً، وإذا لم يحاربوا على مدينة فغنموا مالا، فهو مصروف في مصالح المسلمين لا تجري فيه السهام، فكانت النضير على ما ذكر خالصة للنبي ، يأخذ منها نفقة نسائه، ويصرف سائرها إلى مصالح المسلمين.
ومن الدليل على أن النضير لو احتيج فيها إلى حرب حاربهم النبي وأصحابه رجالة وجرت في غنائمهم القسمة -: أن قوماً من المسلمين لو حاربوا اليوم على مدينة من مدائن الشرك رجالة، قسم ما يغنم منها؛ كما يقسم لو كان معهم فرسان.
ومن الدليل على ذلك - أيضاً -: أن الرجالة إذا كانوا مع الفرسان في الحرب، قسم لهم كما يقسم للفارس خاصة، فلو كانت الغنيمة إنما تقسم لسبب الخيل ما أعطى الرجالة منها شيئاً؛ إذ لا أفراس لهم، وذلك يفسد ما ذكرنا لأبي يوسف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: وإن تولوا هم وقد آمنتم أنتم، فاعلموا أن الله مولاكم، ليس بمولى لهم.
وقالت طائفة: قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ ليس على الشرط على ألا تكون غنيمة إذا لم يكونوا مؤمنين، ولا يجب العدل في القسمة إذا كانوا غير مؤمنين، ولكن على التنبيه والإيقاظ؛ كقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، ليس على أنه لا يجب أن يذروه إذا لم يكونوا مؤمنين، ولكن على ما ذكرنا؛ فعلى ذلك الأوّل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ : الملائكة الذين أرسلهم يوم بدر لنصرة المؤمنين، وأنزل عليهم المطر حتى شدّ الأرض بذلك، فاستقرت أقدامهم وثبتت بعد ما كانت لا تقر الأقدام فيها ولا تثبت، وشربوا منه ورووا بعد ما أصابهم العطش؛ إذ كان المشركون أخذوا المال.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ ﴾ .
قيل: يوم فرق بين الحق والباطل؛ لأنه - عز وجل - جعل يوم بدر آية؛ حيث غلب المؤمنون المشركين مع قلة عددهم، وضعف أبدانهم، وفقد الأسباب التي بها يحارب ويقاتل، وكثرة العدو وقوتهم، ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلموا أنهم غلبوا أولئك وهزموهم بنصر الله إياهم، فكان آية فرق المحق منهم والمبطل.
وقيل: هو يوم الفرقان، ويوم الجمع: جمع النبي والمؤمنين، وجمع المشركين، ويوم الافتراق: افتراق المشركين من المؤمنين انهزامهم، وهو كما سمى يوم القيامة: ﴿ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ في حال، ويوم الافتراق في حال أخرى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: العدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى، والعدوة الدنيا: شفير الوادي الأدنى.
وكذلك قال القتبي: العدوة: الشفير، شفير الوادي.
وقال أبو عوسجة: العدوة: ناحية الوادي التي تليهم، وقال: إنما سميت الدنيا؛ لأنها دنت منك، والآخرة؛ لأنها استأخرت.
وقيل في حرف ابن مسعود: (إذ أنتم بالعدوة العليا وهم بالعدوة السفلى).
[و] قال أبو معاذ: العِدْوَة والعُدْوَة لغتان، والركب والركبان والركاب والراكبون [كله] لغة.
وقال في حرف حفصة: (إذ أنتم بالعدوة القصيا).
وقال بعضهم: ﴿ إِذْ أَنتُمْ ﴾ : معشر المؤمنين، ﴿ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ : من دون الوادي على الشط مما يلي المدينة، ﴿ وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ ﴾ : من الجانب الآخر مما يلي مكة، يعني: مشركي مكة.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ .
يعني: أصحاب العير على ساحل البحر، أو على الماء.
وقال قتادة: جمع الله المشركين والمسلمين ببدر على غير ميعاد، وهما شفيرا الوادي، كان المسلمون بأعلاه، والمشركون بأسفله، ﴿ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ : أبو سفيان انطلق بالعير في ركب نحو الحرب.
وقيل: إذ أنتم بأدنى المدينة، وهم بأقصى مما يلي مكة؛ على ما ذكرنا.
وقوله : ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ ﴾ .
يحتمل: أن: لو علمتم أنكم تخرجون إلى الحرب دون العير، لم تخرجوا إلا بميعاد لتتأهبوا للحرب والقتال فاختلفتم في الميعاد، إما للخروج نفسه، وإما للميعاد نفسه: أتخرجون أو لا تخرجون أو منكم من يؤخر الخروج عن وقت الميعاد، ومنكم من لا يخرج رأساً لينقضي ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .
يحتمل: لينجز الله ما كان وعد من الظفر والنصر.
أو ليقضي الله أمراً كان في علمه مفعولا، أن إحدى الطائفتين أنها لكم؛ كأنه قال: (وعد الله مفعولا)، أي: منجزاً.
ويحتمل القضاء: إنشاء وخلق، ولكن لينشئ الله ما قد علم أنه يكون كائناً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ليكفر من كفر بعد ذلك عن بينة وحجة أن رسول الله كان على الحق؛ وكان صادقاً ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ قال: ليموت من مات، ﴿ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ يقول: عن بيان وحجة.
وهو - والله أعلم - أن رسول الله قد كان أتاهم بآيات حسية، فسموه ساحراً، وأخبرهم بالأنباء الماضية التي كانت في كتبهم، فقالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وقالوا: إنه معلم ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
وقد كان رسول الله يخالفهم في جميع صنيعهم من عبادتهم الأصنام والأوثان دون الله، وكان يخوفهم ويوعدهم بأشياء، وكان لا يخافهم، وهم كانوا رؤساء كبراء، لا يخالفهم أحد في أمرهم ونهيهم إلا من كان به جنون، فلما رأوا رسول الله خالفهم في جميع أمورهم نسبوه إلى الجنون، وقالوا: ﴿ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ ، و ﴿ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾ ؛ فأراد الله أن يجعل له آية عظيمة؛ حتى لا يقدروا بالنسبة إلى شيء مما كانوا ينسبونه من قبل، فوعدهم النصر والفتح يوم بدر بعد ما علم أولئك ضعف المؤمنين، وقلة عددهم، وقوة أنفسهم، وكثرة عددهم؛ لتكون حياة من حيي بعد ذلك عن بينة، وموت من مات على مثل ذلك، وإن كان له من الآيات ما لو لم يعاندوا ولا يكابروا عقولهم، لكانت واحدة منها كافية.
فإن قيل: ما الحكمة في ذكر القصة من أولها إلى آخرها، وهم قد علموا ذلك كله وشاهدوه؟!
قيل: يذكرهم الله - والله أعلم - الحال التي كانوا عليها [من الضعف والقلة والخوف وفقد أسباب الحرب والقتال وكثرة العدو وقوتهم ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلم الخلق أن النصر والغلبة ليس يكون بالكثرة] والقوة والأسباب؛ ولكن بالله - عز وجل - لئلا يكلوا إلى الكثرة، ولا يعتمدوا على القوة، ولا يضعفوا، ولا يجبنوا، ولا يخافوا غيره؛ ليعرفوا ما أصابهم من الهزيمة والغلبة أصابهم لمعصية كانت منهم، أو إعجاباً بالكثرة، واعتماداً بالقوة والأسباب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: ﴿ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ المنام نفسه، كان الله يرى رسوله المشركين في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه بما رأى، فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، ليس كما بلغنا أنهم كثير.
فلما التقوا ببدر، قلل الله المشركين في أعين المؤمنين؛ تصديقاً لرؤيا رسول الله.
وقال الحسن: قوله: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ أي: في عينيك اللتين تنام بهما، وهو في اليقظة؛ لأنه ذكر أنه قال رسول الله : "تنام عيني ولا ينام قلبي" ، وإنما أراه إياهم قليلا في العين التي بها ينام، وهما عينا الوجه، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود - - قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحب لي: تراهم سبعين، فقال: أراهم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال: كنا ألفاً.
فإن كان التأويل هذا الثاني أنه أراهم رسوله قليلا في اليقظة بالذي ينام، فهو ظاهر.
وإن كان أراه إياهم في المنام حقيقة، فلقائل أن يقول: إن رؤيا الرسول وحي، فكيف أراه إياهم قليلا وهم كثير خلاف ما هو في الحقيقة؟!
قيل: يحتمل أن يكون أراه بعضهم لا الكل، فهو حقيقة ما أراه إياهم؛ فكذلك قيل، والله أعلم.
وجائز أن يكون أرى أصحابه إياهم قليلاً، وإن أضاف ذلك إلى رسول الله؛ دليله ما ذكر في آخره؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ ﴾ ، وذلك في القرآن كثير أن يخاطب به رسوله والمراد به غيره.
ألا ترى أنه قال: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ﴾ ، ومعلوم أن نزول هذه الآية بعد وفاة والديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ ﴾ أي: لجبنتم.
﴿ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ .
أي: اختلفتم في أمر القتال والحرب.
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ﴾ .
قيل: سلم وأتم للمسلمين أمرهم على عدوهم، فهزمهم ونصرهم عليهم.
ويحتمل قوله: ﴿ سَلَّمَ ﴾ أي: أجاب للمسلمين؛ لما استعانوا واستنصروه بالنصر والظفر لهم.
﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .
أي: عليم بما في قلوب المؤمنين من الجبن والفشل وأمر عدوهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ...
﴾ الآية، لما رأوا الملائكة لأنفسهم أنصاراً وأعواناً؛ إذ كان قد وعدهم النصر والإعانة بالملائكة، وكان العدو مع الملائكة فاستقلوا؛ لأن العدوّ وإن كانوا كثيراً فهم قليل مع الملائكة، فرأوهم قليلا على ما كانوا، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء؛ لأنهم كذلك كانوا قليلا، فرءوا على ما كانوا، ولم يروا الملائكة.
وقال بعض أهل التأويل: قلل هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، إذا التقوا؛ ليغري بعضهم على بعض وليجترئ بعضهم على بعض على القتال، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه لينجز ما كان وعدهم من النصر والظفر للمؤمنين، والغلبة والهزيمة على أولئك، وكذلك ذكر في القصة أن قوله: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ في بدر فيه وعد ذلك؛ كقوله: ﴿ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: ليخلق الله وينشئ ما قد علم أنه يكون كائناً، أو ليفصل بين الحق والباطل مما قد علم أنه يكون.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً ﴾ : في علمه، ﴿ مَفْعُولاً ﴾ : كائناً؛ يقول: فيوجب أمراً لا بد كائن؛ ليعز الإسلام وأهله بالنصر، ويذل الشرك وأهله بالقتل والهزيمة، والله أعلم.
وهو قريب مما ذكرنا.
﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .
أي: إلى الله يرجع تدبير الأمور وتقديرها، له التدبير في ذلك في الدنيا والآخرة.
وذكر في بعض القصة أن أبا جهل [- لعنه الله -] لما رأى قلة المؤمنين ببدر قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم، فأكذبه الله وقتله، فقال: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ لا إلى الخلق، والله أعلم.
وأمر بدر من أوله إلى آخره كان آية، حتى عرف كل أحد ذلك، إلا من عاند وكابر عقله.
<div class="verse-tafsir"
واعلموا -أيها المؤمنون- أن ما أخذتم من شيء من الكفار قهرًا في الجهاد في سبيل الله فإنه يقسم خمسة أخماس، أربعة أخماس منها تقسم على المجاهدين، والخمس الباقي يقسم خمسة أقسام: قسم لله ورسوله يصرف في المصارف العامة للمسلمين، وقسم لقرابة النبي من بني هاشم وبني المطلب، وقسم لليتامى، وقسم للفقراء والمساكين، وقسم للمسافرين الذين انقطعت بهم السبل، إن كنتم آمنتم بالله، وبما أنزلنا على عبدنا محمد يوم بدر الذي فَرَّق الله به بين الحق والباطل حين نصركم على أعدائكم، والله الذي نصركم قدير على كل شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.EJANK"