الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٤٢ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 140 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٢ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى [ مخبرا ] عن يوم الفرقان : ( إذ أنتم بالعدوة الدنيا ) أي : إذ أنتم نزول بعدوة الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة ، ) وهم ) - أي : المشركون - نزول ( بالعدوة القصوى ) أي : البعيدة التي من ناحية مكة ، ) والركب ) أي : العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة ( أسفل منكم ) أي : مما يلي سيف البحر ( ولو تواعدتم ) أي : أنتم والمشركون إلى مكان ( لاختلفتم في الميعاد ) قال محمد بن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه في هذه الآية قال : ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ، ما لقيتموهم ، ( ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) أي : ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله ، وإذلال الشرك وأهله ، عن غير ملأ منكم ، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه .
وفي حديث كعب بن مالك قال : إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد .
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثني ابن علية ، عن ابن عون ، عن عمير بن إسحاق قال : أقبل أبو سفيان في الركب من الشام ، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، فالتقوا ببدر ، لا يشعر هؤلاء بهؤلاء ، ولا هؤلاء بهؤلاء ، حتى التقت السقاة ، ونهد الناس بعضهم لبعض .
وقال محمد بن إسحاق في السيرة : ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجهه ذلك حتى إذا كان قريبا من " الصفراء " بعث بسبس بن عمرو ، وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين ، يلتمسان الخبر عن أبي سفيان ، فانطلقا حتى إذا وردا بدرا فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء ، فاستقيا في شن لهما من الماء ، فسمعا جاريتين تختصمان ، تقول إحداهما لصاحبتها : اقضيني حقي ، وتقول الأخرى : إنما تأتي العير غدا أو بعد غد ، فأقضيك حقك .
فخلص بينهما مجدي بن عمرو ، وقال : صدقت ، فسمع ذلك بسبس وعدي ، فجلسا على بعيريهما ، حتى أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه الخبر .
وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حذر ، فتقدم أمام عيره وقال لمجدي بن عمرو : هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره ؟
فقال : لا والله ، إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل ، فاستقيا في شن لهما ، ثم انطلقا .
فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما ، فأخذ من أبعارهما ، ففته ، فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علائف يثرب .
ثم رجع سريعا فضرب وجه عيره ، فانطلق بها فساحل حتى إذا رأى أن قد أحرز عيره بعث إلى قريش فقال : إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم ، فارجعوا .
فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نأتي بدرا - وكانت بدر سوقا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثا ، فنطعم بها الطعام ، وننحر بها الجزر ونسقي بها الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبسيرنا ، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدا .
فقال الأخنس بن شريق : يا معشر بني زهرة ، إن الله قد نجى أموالكم ، ونجى صاحبكم ، فارجعوا .
فأطاعوه ، فرجعت بنو زهرة ، فلم يشهدوها ولا بنو عدي .
قال محمد بن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دنا من بدر - علي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، والزبير بن العوام ، في نفر من أصحابه ، يتجسسون له الخبر فأصابوا سقاة لقريش : غلاما لبني سعيد بن العاص ، وغلاما لبني الحجاج ، فأتوا بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدوه يصلي ، فجعل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونهما : لمن أنتما ؟
فيقولان : نحن سقاة لقريش ، بعثونا نسقيهم من الماء .
فكره القوم خبرهما ، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ، فضربوهما فلما ذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان .
فتركوهما ، وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسجد سجدتين ، ثم سلم وقال : إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم تركتموهما .
صدقا ، والله إنهما لقريش ، أخبراني عن قريش " .
قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى - والكثيب : العقنقل - فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كم القوم ؟
قالا كثير .
قال : ما عدتهم ؟
قالا ما ندري .
قال : كم ينحرون كل يوم ؟
قالا يوما تسعا ، ويوما عشرا ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف .
ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟
قالا عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام ، وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن [ نوفل ، والنضر بن الحارث ، وزمعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية ] بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو ، وعمرو بن عبد ود .
فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس فقال : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها .
قال محمد بن إسحاق - رحمه الله تعالى - : وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم : أن سعد بن معاذ قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما التقى الناس يوم بدر : يا رسول الله ، ألا نبني لك عريشا تكون فيه ، وننيخ إليك ركائبك ، ونلقى عدونا ، فإن أظفرنا الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب ، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك ، وتلحق بمن وراءنا من قومنا ، فقد - والله - تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم ، لو علموا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، ويوادونك وينصرونك .
فأثنى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرا ، ودعا له به .
فبني له عريش ، فكان فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، ما معهما غيرهما .
قال ابن إسحاق : وارتحلت قريش حين أصبحت ، فلما أقبلت ورآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصوب من العقنقل - وهو الكثيب - الذي جاءوا منه إلى الوادي قال : اللهم هذه قريش قد أقبلت بفخرها وخيلائها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم أحنهم الغداة .
وقوله : ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) قال محمد بن إسحاق : أي ليكفر من كفر بعد الحجة ، لما رأى من الآية والعبرة ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك .
وهذا تفسير جيد .
وبسط ذلك أنه تعالى يقول : إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد ، لينصركم عليهم ، ويرفع كلمة الحق على الباطل ، ليصير الأمر ظاهرا ، والحجة قاطعة ، والبراهين ساطعة ، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة ، فحينئذ يهلك من هلك أي : يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل ، لقيام الحجة عليه ، ( ويحيى من حي ) أي : يؤمن من آمن ( عن بينة ) أي : حجة وبصيرة .
والإيمان هو حياة القلوب ، قال الله تعالى : ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) [ الأنعام : 122 ] ، وقالت عائشة في قصة الإفك : في هلك من هلك أي : قال فيها ما قال من الكذب والبهتان والإفك .
وقوله : ( وإن الله لسميع ) أي : لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به ) عليم ) أي : بكم وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين .
القول في تأويل قوله : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيقنوا، أيها المؤمنون، واعلموا أن قسم الغنيمة على ما بيَّنه لكم ربكم، إن كنتم آمنتم بالله وما أنـزل على عبده يوم بدر, إذ فرق بين الحق والباطل من نصر رسوله= " إذ أنتم "، حينئذ، " بالعدوة الدنيا "، يقول: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة (41) = " وهم بالعدوة القصوى " ، يقول: وعدوكم من المشركين نـزولٌ بشَفير الوادي الأقصى إلى مكة= " والركب أسفل منكم " ، يقول: والعير فيه أبو سفيان وأصحابه في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16139 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " إذ أنتم بالعدوة الدنيا "، قال: شفير الوادي الأدنى، وهم بشفير الوادي الأقصى= " والركب أسفل منكم " ، قال: أبو سفيان وأصحابه، أسفلَ منهم.
16140- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى "، وهما شفير الوادي.
كان نبيُّ الله بأعلى الوادي، والمشركون أسفلَه = " والركب أسفل منكم " ، يعني: أبا سفيان, [انحدر بالعير على حوزته]، (42) حتى قدم بها مكة.
16141 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى "، من الوادي إلى مكة= " والركب أسفل منكم "، أي: عير أبي سفيان التي خرجتم لتأخذوها وخرجوا ليمنعوها، عن غير ميعاد منكم ولا منهم.
(43) 16142 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " والركب أسفل منكم "، قال: أبو سفيان وأصحابه، مقبلون من الشأم تجارًا, لم يشعروا بأصحاب بدر, ولم يشعر محمد صلى الله عليه وسلم بكفار قريش، ولا كفار قريش بمحمد وأصحابه, حتى التقى على ماء بدر من يسقي لهم كلهم.
(44) فاقتتلوا, (45) فغلبهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأسروهم.
16143- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.
16144- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
16145 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: ذكر منازل القوم والعير فقال: " إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى "، والركب: هو أبو سفيان (46) = " أسفل منكم "، على شاطئ البحر.
* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " إذ أنتم بالعدوة " .
فقرأ ذلك عامة قرأة المدنيين والكوفيين: ( بِالعُدْوَةِ )، بضم العين.
* * * وقرأه بعض المكيين والبصريين: ( بِالعِدْوَةِ)، بكسر العين.
* * * قال أبو جعفر: وهما لغتان مشهورتان بمعنى واحد, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ، يُنْشَد بيت الراعي: وَعَيْنَـــانِ حُـــمْرٌ مَآقِيهِمَـــا كَمَــا نَظَــرَ العِــدْوَةَ الجُــؤْذَرُ (47) بكسر العين من " العدوة ", وكذلك ينشد بيت أوس بن حجر: وَفَـارِس لَـوْ تَحُـلُّ الخَـيْلُ عِدْوَتَـهُ وَلَّـوْا سِـرَاعًا, وَمَـا هَمُّـوا بِإقْبَـالِ (48) * * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره: ولو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه، أنتم أيها المؤمنون وعدوكم من المشركين، عن ميعاد منكم ومنهم, = " لاختلفتم في الميعاد "، لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم، ولكن الله جمعكم على غير ميعاد بينكم وبينهم (49) = " ليقضي الله أمرًا كان مفعولا "، وذلك القضاء من الله، (50) كان نصره أولياءه من المؤمنين بالله ورسوله, وهلاك أعدائه وأعدائهم ببدر بالقتل والأسر، كما:- 16146 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد " ، ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم= " ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولا " ، أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله, وإذلال الشرك وأهله, عن غير مَلأ منكم، (51) ففعل ما أراد من ذلك بلطفه.
(52) 16147 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:،أخبرني يونس بن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول في غزوة بدر: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عِيَر قريش, حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
(53) 16148 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن ابن عون, عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام, وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فالتقوا ببدر, ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء, حتى التقت السُّقَاة.
قال: ونَهَدَ الناسُ بعضهم لبعض.
(54) * * * القول في تأويل قوله : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولكن الله جمعهم هنالك، ليقضي أمرًا كان مفعولا= " ليهلك من هلك عن بينة " .
* * * وهذه اللام في قوله: " ليهلك " مكررة على " اللام " في قوله: لِيَقْضِيَ ، كأنه قال: ولكن ليهلك من هلك عن بينة, جَمَعكم.
* * * ويعني بقوله: " ليهلك من هلك عن بينة " ، ليموت من مات من خلقه، (55) عن حجة لله قد أثبتت له وقطعت عذره, وعبرة قد عاينها ورآها (56) = " ويحيا من حي عن بينة " ، يقول: وليعيش من عاش منهم عن حجة لله قد أُثبتت له وظهرت لعينه فعلمها، جمعنا بينكم وبين عدوكم هنالك.
* * * وقال ابن إسحاق في ذلك بما:- 16149 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " ليهلك من هلك عن بينة " ، [ أي ليكفر من كفر بعد الحجة]، (57) لما رأى من الآية والعبرة, (58) ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
(59) * * * وأما قوله: " وإن الله لسميع عليم " ، فإن معناه: " وإن الله "، أيها المؤمنون، = " لسميع " ، لقولكم وقول غيركم، حين يُري الله نبيه في منامه ويريكم، عدوكم في أعينكم قليلا وهم كثير, ويراكم عدوكم في أعينهم قليلا= " عليم "، بما تضمره نفوسكم، وتنطوي عليه قلوبكم, حينئذ وفي كل حال.
(60) يقول جل ثناؤه لهم ولعباده: فاتقوا ربكم، (61) أيها الناس، في منطقكم: أن تنطقوا بغير حق, وفي قلوبكم: أن تعتقدوا فيها غيرَ الرُّشد, فإن الله لا يخفى عليه خافية من ظاهر أو باطن.
-------------------- الهوامش : (41) " شفير الوادي " : ناحية من أعلاه ، وهو حده وحرفه .
(42) هكذا كتب هذه الجملة بين القوسين ناشر المطبوعة ، ولا أدري ما هو .
والذي في المخطوطة : " انخدم بالعير على حورمة " هكذا ، ولم أستطع أن أجد لقراءتها وجهًا اطمئن غليه ، ولم أجد الخبر في مكان آخر .
(43) الأثر : 16141 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16137.
(44) ( 3 ) في المطبوعة : " حتى التقيا " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(45) " فاقتتلوا " ، مكررة في المخطوطة مرتين ، وأنا في ريب من هذه الجملة كلها .
(46) في المطبوعة : " أبو سفيان وعيره " ، زاد ما ليس في المخطوطة .
(47) لم أجد البيت في مكان آخر ، وللراعي أبيات كثيرة مفرقة على هذا الوزن ، كأنه منها .
(48) من قصيدته في رثاء فضالة بن كلدة الأسدي ، والبيت في منتهى الطلب ، وليس في ديوانه ، يقول قبله : أمْ مَلِعَادِيَـــةٍ تـــردِي مُلَمْلَمَــةٍ كأنَّهَـا عَـارِضٌ فـي هَضْـبِ أوْعالِ لَهَـا لَمَّـا رأوك عَـلَى نَهْـدٍ مَرَاكِلُـهُ يَسْــعَى بِـبزِّ كَـمِيٍّ غَـيْرِ مِعْـزَالِ وَفَــارِسٍ لا يَحُــلُّ القَـوْمُ عُدْوَتَـهُ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وهذه أجود من روايته " لو تحل " ، فالنفي هنا حق الكلام .
(49) انظر تفسير " الميعاد " فيما سلف 6 : 222 (50) انظر تفسير " القضاء " فيما سلف 11 : 267 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(51) في المطبوعة : " عن غير بلاء " ، وفي سيرة ابن هشام ، في أصل المطبوعة مثله ، وهو كلام فاسد جدًا .
وفي مخطوطة الطبري ، ومخطوطات ابن هشام ومطبوعة أوربا ، : " عن غير ملأ " ، كما أثبتها .
يقال : " ما كان هذا الأمر عن ملأ منا " ، أي : عن تشاور واجتماع .
وفي حديث عمر حين طعن : " أكان هذا عن ملأ منكم ؟
" ، أي : عن مشاورة من أشرافكم وجماعتكم .
ثم غير ناشر المطبوعة الكلمة التي بعدها ، كتب " فعل " ، مكان " ففعل " .
وكل هذا عبث وذهاب ورع .
(52) الأثر : 16146 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16141.
(53) الأثر : 16147 - " " عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري " ، ثقة ، روى عن أبيه .
وروى عنه الزهري .
كان أعلم قومه وأوعاهم .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 249 .
و " عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري " ، ثقة ، كان قائد أبيه حين عمى ، روى عن أبيه .
روى .
روى عنه ابنه عبد الرحمن ، وروى عنه الزهري .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 142 .
وكان في المخطوطة : " إنما يخرج رسول الله " ، وهو جيد عربي .
ولكنه في المراجع " إنما خرج " ، فأثبته كما في المطبوعة .
وهذا الخبر جزء من خبر كعب بن مالك ، الطويل في امر غزوة تبوك ، وما كان من تخلفه حتى تاب الله عليه .
ورواه أحمد في مسنده 3 : 456 ، 457 ، 459 6 : 387 .
ورواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 86 ) .
ورواه مسلم في صحيحه من هذه الطريق 17 : 87 .
(54) الأثر : 16148 - " ابن عون " ، هو " عبد الله بن عون المزني " ، مضى مرارًا .
و " عمير بن إسحاق القرشي " ، لم يرو عنه غير ابن عون ، متكلم فيه .
مضى برقم : 7776 .
وكان في المطبوعة : " عمر بن إسحاق " ، لم يحسن قراءة المخطوطة .
وقوله : " نهد الناس بعضهم لبعض " ، نهضوا إلى القتال .
يقال : " نهد القوم إلى عدوهم ، ولعدوهم " ، أي : صمدوا له وشرعوا في قتاله .
و " نهدوا يسألونه " ، أي : شرعوا ونهضوا .
وكأن ناشر المطبوعة لم يفهمها أو لم يحسن قراءتها ، فكتب مكان " نهد " : " نظر الناس ...
" ، وهذا من طول عبثه بهذا النص الجليل ، حتى ألف العبث واستمر عليه واستمرأه .
(55) انظر تفسير " هلك " فيما سلف ص : 149 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(56) انظر تفسير " بينة " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(57) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، أضفتها من سيرة ابن هشام .
(58) في المطبوعة : " من الآيات والعبر " ، وفي المخطوطة : " من الآيات والعبرة " ، وأثبت الصواب من سيرة ابن هشام .
(59) الأثر : 16149 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16146 .
(60) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
(61) في المطبوعة والمخطوطة : " واتقوا " بالواو ، و " والفاء " ، هنا حق الكلام .
قوله تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليمقوله تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى أي أنزلنا إذ أنتم على هذه الصفة .
أو يكون المعنى : واذكروا إذ أنتم .
والعدوة : جانب الوادي .
وقرئ بضم العين وكسرها ، فعلى الضم يكون الجمع عدى ، وعلى الكسر عدى ، مثل لحية ولحى ، وفرية وفرى .
والدنيا : تأنيث الأدنى .
والقصوى : تأنيث الأقصى .
من دنا يدنو ، وقصا يقصو .
ويقال : القصيا ، والأصل الواو ، وهي لغة أهل الحجاز قصوى .
فالدنيا كانت مما يلي المدينة ، والقصوى مما يلي مكة .
أي إذ أنتم نزول بشفير الوادي بالجانب الأدنى إلى المدينة ، وعدوكم بالجانب الأقصى .والركب أسفل منكم يعني ركب أبي سفيان وغيره .
كانوا في موضع أسفل منهم إلى ساحل البحر فيه الأمتعة .
وقيل : هي الإبل التي كانت تحمل أمتعتهم ، وكانت في موضع يأمنون عليها توفيقا من الله عز وجل لهم ، فذكرهم نعمه عليهم .
والركب ابتداء أسفل منكم ظرف في موضع الخبر .
أي مكانا أسفل منكم .
وأجاز الأخفش والكسائي والفراء ( والركب أسفل منكم ) أي أشد تسفلا منكم .
والركب جمع راكب .
ولا تقول العرب : ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل .
وحكى ابن السكيت وأكثر أهل اللغة أنه لا يقال راكب وركب إلا للذي على الإبل ، ولا يقال لمن كان على فرس أو غيرها راكب .
والركب والأركب والركبان والراكبون لا يكونون إلا على جمال ، عن ابن فارس .ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد أي لم يكن يقع الاتفاق لكثرتهم وقلتكم ، فإنكم لو عرفتم كثرتهم لتأخرتم فوفق الله عز وجل لكم .ليقضي الله أمرا كان مفعولا من نصر المؤمنين وإظهار الدين .
واللام في ليقضي متعلقة بمحذوف .
والمعنى : جمعهم ليقضي الله ، ثم كررها فقال : ليهلك أي جمعهم هنالك ليقضي أمرا .ليهلك من هلك من في موضع رفع .
ويحيا في موضع نصب عطف على ليهلك .
والبينة إقامة الحجة والبرهان .
أي ليموت من يموت عن بينة رآها وعبرة [ ص: 381 ] عاينها ، فقامت عليه الحجة .
وكذلك حياة من يحيا .
وقال ابن إسحاق : ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره ، ويؤمن من آمن على ذلك .
وقرئ ( من حيي ) بياءين على الأصل .
وبياء واحدة مشددة ، الأولى قراءة أهل المدينة والبزي وأبي بكر .
والثانية قراءة الباقين ، وهي اختيار أبي عبيد ، لأنها كذلك وقعت في المصحف .
{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} أي: بعدوة الوادي القريبة من المدينة، وهم بعدوته أي: جانبه البعيدة من المدينة، فقد جمعكم واد واحد. {وَالرَّكْبُ} الذي خرجتم لطلبه، وأراد اللّه غيره {أَسْفَلَ مِنْكُمْ} مما يلي ساحل البحر. {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ} أنتم وإياهم على هذا الوصف وبهذه الحال {لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} أي: لا بد من تقدم أو تأخر أو اختيار منزل، أو غير ذلك، مما يعرض لكم أو لهم، يصدفكم عن ميعادكم {وَلَكِنْ} اللّه جمعكم على هذه الحال {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} أي: مقدرا في الأزل، لا بد من وقوعه. {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} أي: ليكون حجة وبينة للمعاند، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذر عند اللّه. {وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} أي: يزداد المؤمن بصيرة ويقينا، بما أرى اللّه الطائفتين من أدلة الحق وبراهينه، ما هو تذكرة لأولي الألباب. {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} سميع لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، عليم بالظواهر والضمائر والسرائر، والغيب والشهادة.
( إذ أنتم ) أي : إذ أنتم نزول يا معشر المسلمين ، ( بالعدوة الدنيا ) أي : بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة ، والدنيا تأنيث الأدنى ، ( وهم ) يعني عدوكم من المشركين ، ( بالعدوة القصوى ) بشفير الوادي الأقصى من المدينة ، والقصوى تأنيث الأقصى .
قرأ ابن كثير وأهل البصرة " بالعدوة " بكسر العين فيهما ، والباقون بضمهما ، وهما لغتان كالكسوة والكسوة والرشوة والرشوة .
( والركب ) يعني : العير يريد أبا سفيان وأصحابه ، ( أسفل منكم ) أي : في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر ، على ثلاثة أميال من بدر ، ( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) وذلك أن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها ، فالتقوا على غير ميعاد ، فقال تعالى : " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد " ، لقلتكم وكثرة عدوكم ، ( ولكن ) الله جمعكم على غير ميعاد ، ( ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه ، ( ليهلك من هلك عن بينة ) أي : ليموت من يموت على بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه .
( ويحيا من حي عن بينة ) ويعيش من يعيش على بينة لوعده : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " " الإسراء - 15 ) .
وقال محمد بن إسحاق : معناه ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك ، فالهلاك هو الكفر ، والحياة هي الإيمان .
وقال قتادة : ليضل من ضل عن بينة ، ويهدي من اهتدى على بينة .
قرأ أهل الحجاز وأبو بكر ويعقوب : " حيي " بيائين ، مثل " خشي " وقرأ الآخرون : بياء واحدة مشددة ، لأنه مكتوب بياء واحدة .
( وإن الله لسميع ) لدعائكم ، ( عليم ) بنياتكم .
«إذ» بدل من يوم «أنتم» كائنون «بالعُدوة الدنيا» القربى من المدينة وهى بضم العين وكسرها جانب الوادي «وهم بالعدوة القصوى» البعدى منها «والركب» العير كائنون بمكان «أسفل منكم» مما يلي البحر «ولو تواعدتم» أنتم والنفير للقتال «لاختلفتم في الميعاد ولكن» جمعكم بغير ميعاد «ليقضى الله أمرا كان مفعولا» في علمه وهو نصر الإسلام وَمَحْقُ الكفر فعل ذلك «ليهلك» يكفر «من هلك عن بينةٍ» أي بعد حجة ظاهرة قامت عليه وهي نصر المؤمنين مع قلتهم على الجيش الكثير «ويحيى» يؤمن «من حيَّ عن بينة وإن الله لسميع عليم».
واذكروا حينما كنتم على جانب الوادي الأقرب إلى "المدينة"، وعدوكم نازل بجانب الوادي الأقصى، وعِير التجارة في مكان أسفل منكم إلى ساحل "البحر الأحمر"، ولو حاولتم أن تضعوا موعدًا لهذا اللقاء لاختلفتم، ولكنَّ الله جمعكم على غير ميعاد؛ ليقضي أمرًا كان مفعولا بنصر أوليائه، وخِذْلان أعدائه بالقتل والأسر؛ وذلك ليهلك من هلك منهم عن حجة لله ثبتت له فعاينها وقطعت عذره، وليحيا مَن حيَّ عن حجة لله قد ثبتت وظهرت له.
وإن الله لسميع لأقوال الفريقين، لا يخفى عليه شيء، عليم بنيَّاتهم.
ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر فضله وحكمه فى غزوة بدر ، فبين الأماكن التى نزل فيها كل فريق ، كما يبن الحكمة فى لقاء المؤمنين والكافرين على غير ميعاد ، والحكمة فى تقليل كل فريق منهما فى عين الآخر .
.
فقال تعالى : ( إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ .
.
.
تُرْجَعُ الأمور ) .قوله : ( إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا ) بدل من قوله ( يَوْمَ الفرقان ) أو معمول لفعل محذوف .
والتقدير : اذكروا .والعدوة - مثلثة العين - جانب الوادى وحافته .
وهى من العدو بمعنى التجاوز سميت بذلك لأنها عدت .
.
- أى منعت - ما فى الوادى من ماء ونحوه أن يتجاوزها .والدنيا : تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب .
والقصوى : تأنيث الأقصى بمعنى الأبعد والركب : اسم جمع لراكب ، وهم العشرة فصاعدا من راكبى الإِبل .قال القرطبى : ولا تقول العرب : ركب إلا للجماعة الراكبى الإِبل .
.والمراد بهذا الركب : أبو سفيان ومن معه من رجال قريش الذين كانوا قادمين بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة ، فلما بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - أمرها ، أشار على أصحابه بالخروج لملاقاته ، كما سبق أن بينا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - ( كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق .
.
) والمعنى : اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خرجتم إلى بدر ، فسرتم إلى أن كنتم ( بِالْعُدْوَةِ الدنيا ) أى : بجانب الوادى وحافته الأقرب الى المدينة ، وكان اعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير ( بالعدوة القصوى ) أى : بالجانب الآخر الأبعد من المدينة ، وكان أبو سفيان ومن معه من حراس العير ( أَسْفَلَ مِنكُمْ ) أى : فى مكان أسفل من المكان الذى أنتم فيه ، بالقرب من ساحل البحر الأحمر ، على بعد ثلاثة أميال منكم .قال الجمل : قوله ( والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ ) الأحسن فى هذه الواو ، والواو التى قبلها الداخلة على ( هُم ) أن تكون عاطفة ما بعدها على ( أَنتُمْ ) لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واو حال ، واسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر ، وهو فى الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف .
أى : والركب فى مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر .
.وقال الإِمام الزمخشرى - رحمه الله - فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت ، وذكر مراكز الفريقين ، وأن العير كانت أسفل منهم؟
.قلت : الفائدة فيه الإِخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو ، وتكامل عدته ، وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين ، والتياث أمرهم ، وأن غلبتهم فى هذه الحال ليس إلا صنعا من الله - سبحانه - ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته .وذلك أن العدوة القصوى التى أناخ بها المشركون ، كان فيه الماء ، وكانت أرضا لا بأس بها .
ولا ماء العدوة الدنيا ، وهى خبار - أى أرض لينة رخوة - تسوخ فيها الأرجل ، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة .وكانت العير وراء ظهور العدو ، مع كثرة عددهم ، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم ، وتشحذ فى المقاتلة عنها نياتهم ، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم ، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم فى القتال .وفيه تصوير ما دبر - سبحانه - من أمر غزوة بدر ( لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ) ومن إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين فى الخروج ، وأقلق قريشا ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم ، فنفروا لمنعوا عيرهم ، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ، وراءهم العير يحامون عليها ، حتى قامت الحرب فى ساق ، وكان ما كان .وقوله : ( وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ) بيان لتدبير الله الحكيم ، وإرادته النافذة .أى : ولو تواعدتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال ، لتخلفتم عن الميعاد المضروب بينكم ، لأن كل فريق منكم كان سيتهيب الإِقدام على صاحبه ، ولكن الله - تعالى - بتدبيره الخفى شاء أن يجمعكم للقتال على غير ميعاد ، ليقضى - سبحانه - أمراً كان مفعولا ، أى : ثابتا فى علمه وحكمته ، وهو : إعزاز الإِسلام وأهله ، وخذلان الشرك وحزبه .روى ابن جرير من حديث كعب بن مالك - رضى الله عنه - قال : إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد .
وروى - أيضا - عن عمير بن إسحاق قال : أقبل أبو سفيان فى الكرب من الشام ، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فالتقوا ببدر ، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ، ولا هؤلاء بهؤلاء ، حتى التقى السقاة قال : ونظر الناس بعضهم إلى بعض .وقوله ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ) بدل من قوله ( لِّيَقْضِيَ ) بإعادة الحروف ، أو هو متعلق بقوله ( مَفْعُولاً ) .والمراد بالهلاك والحياة هنا ما يشمل الحسى والمعنوى منهما .والمراد بالبينة الحجة الدالة على حقية الإِسلام وبطلان الكفر .قال الآلوسى : أى : ليموت من يموت عن حجة عاينها ، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها ، فلا يبقى محل للتعليل بالأعذار ، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة والحجج الغر المحجَّلة .ويجوز أن يراد بالحياة : الإِيمان ، وبالموت : الكفر على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل بأن يراد بالبينة : إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدامغة .أى : ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن ووضح وبينة وإلى هذا ذهب قتادة وابن اسحاق .
والظاهر أن ( عَن ) هنا بمعنى بعد كقوله - تعالى - ( قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ) وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب ( حيى ) - على وزن تعب - بفك الإِدغام .
وقرأ الباقون بإدغام الياء الأولى فى الثانية على وزن شد ومد .وقوله ( وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) تذييل قصد به الترغيب فى الإِيمان - والترهيب من الكفر ، أى : وإن الله لسميع لأقوال أهل الايمان والكفر عليم بما تنطوى عليه قلوبهم وضمائرهم ، وسيجازى - كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب على حساب ما يعلم وما يسمع منه .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا ﴾ قولان: أحدهما: أنه متعلق بمضمر معناه واذكروا إذ أنتم كذا وكذا، كما قال تعالى: ﴿ واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ ﴾ والثاني: أن يكون قوله: ﴿ إِذْ ﴾ بدلاً عن يوم الفرقان.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿ بِالْعُدْوَةِ ﴾ بكسر العين في الحرفين.
والباقون بالضم، وهما لغتان.
قال ابن السكيت: عدوة الوادي وعدوته جانبه، والجمع عدى، وعدي.
قال الأخفش: الكسر كلام العرب لم يسمع عنهم غير ذلك.
وقال أحمد بن يحيى: الضم في العدوة أكثر اللغتين.
وحكى صاحب الكشاف: الضم والفتح والكسر.
قال: وقرئ بهن و ﴿ بالعدية ﴾ على قلب الواو ياء، لأن بينها وبين الكسر حاجزاً غير حصين، كما في الفتية.
وأما ﴿ الحياة الدنيا ﴾ فتأنيث الأدنى وضده ﴿ القصوى ﴾ وهو تأنيث الأقصى، وكل شيء تنحى عن شيء، فقد قصا، والأقصى والقصوى كالأكبر والكبرى.
فإن قيل: كلتاهما فعلى من باب الواو، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو؟
قلنا: القياس قلب الواو ياء، كالعليا.
وأما القصوى، فقد جاء شاذاً، وأكثر استعماله على أصله.
المسألة الثالثة: المراد بالعدوة الدنيا، ما يلي جانب المدينة، وبالقصوى، ما يلي جانب مكة وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون، وكان استظهارهم من هذا الوجه أشد ﴿ والركب ﴾ العير التي خرجوا لها كانت في موضع ﴿ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ إلى ساحر البحر ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ ﴾ أنتم وأهل مكة على القتال، لخالف بعضكم بعضاً لقلتكم وكثرتهم ﴿ ولكن لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ أي أنه يثبتكم الله، وينصركم، ليقضي أمراً كان مفعولاً، واجباً أن يخرج إلى الفعل وقوله: ﴿ لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ ﴾ بدل من قوله: ﴿ لّيَقْضِيَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن عسكر الرسول عليه السلام في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة، ونزلوا بعيدين عن الماء، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضاً رملية تغوص فيها أرجلهم.
وأما الكفار، فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد، وبسبب حصول الآلات والأدوات، لأنهم كانوا قريبين من الماء، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة، ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية، وجعل الغلبة للمسلمين، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر.
فقوله: ﴿ لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ﴾ إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البينة هذه المعجزة.
المسألة الثانية: اللام في قوله: ﴿ لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ وفي قوله: ﴿ لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ﴾ لام الغرض، وظاهره يقتضي تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض والمصالح، إلا أنا نصرف هذا الكلام عن ظاهره بالدلائل العقلية المشهورة.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ﴾ ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من الكل العلم والمعرفة والخير والصلاح، وذلك يقدح في قول أصحابنا: أنه تعالى أراد الكفر من الكافر، لكنا نترك هذا الظاهر بالدلائل المعلومة.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ ﴾ قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير ونصير عن الكسائي ﴿ مِنْ ﴾ بإظهار الياءين وأبو عمرو، وابن كثير برواية القواس، وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي بياء مشددة على الإدغام.
فأما الإدغام فللزوم الحركة في الثاني، فجرى مجرى رد لأنه في المصحف مكتوب بياء واحدة.
وأما الإظهار فلامتناع الإدغام في مضارعه من يحيى فجرى على مشاكلته، وأجاز بعض الكوفيين الإدغام في ﴿ وَلاَ يحيى ﴾ .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم، فأصلح مهمكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ ﴾ بدل من يوم الفرقان.
والعدوة: شط الوادي بالكسر والضم والفتح.
وقرئ بهنّ و ﴿ بالعدية ﴾ على قلب الواو ياء، لأنّ بينها وبين الكسرة حاجزاً غير حصين كما في الصبية.
والدنيا والقصوى: تأنيث الأدنى والأقصى.
فإن قلت: كلتاهما (فعلى) من بنات الواو، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو؟
قلت: القياس هو قلب الواو ياء كالعليا.
وأما القصوى فكالقود في مجيئه على الأصل.
وقد جاء القصيا، إلا أنّ استعمال القصوى أكثر، كما كثر استعمال (استصوب) مع مجيء (استصاب) و (أغيلت) مع (أغالت) والعدوة الدنيا مما يلي المدينة، والقصوى مما يلي مكة ﴿ والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ يعني الركب الأربعين الذين كانوا يقودون العير أسفل منكم بالساحل.
وأسفل: نصب على الظرف، معناه: مكاناً أسفل من مكانكم، وهو مرفوع المحل؛ لأنه خبر المبتدأ.
فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين (وأن العير كانت أسفل منهم)؟
قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدوّ وشوكته، وتكامل عدّته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم وأنّ غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعاً من الله سبحانه، ودليلاً على أنّ ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوّته وباهر قدرته، وذلك أنّ العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضاً لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل، ولا يمش فيها إلا بتعب ومشقة.
وكانت العير وراء ظهور العدوّ مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها، تضاعف حميتهم وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم.
ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم والغيرة على الحرم على بذل جهيداهم في القتال، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدّثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط هممهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدّتهم.
وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر.
ليقضي أمراً كان مفعولاً من إعزاز دينه وإعلاء كلمته حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة، حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ ﴾ أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه القتال، لخالف بعضكم بعضاً فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي في ما وفقه الله وسبب له ﴿ لّيَقْضِيَ ﴾ متعلق بمحذوف، أي ليقضي أمراً كان واجباً أن يفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك.
وقوله: ﴿ لِيَهْلِكَ ﴾ بدل منه.
واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة، لا عن مخالجة شبهة، حتى لا تبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به وذلك أن ما كان من وقعة بدر من الآيات الغرّ المحجلة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها.
وقرئ: ﴿ ليهلك ﴾ بفتح اللام وحي، بإظهار التضعيف ﴿ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يعلم كيف يدبر أموركم ويسوي مصالحكم.
أو لسميع عليم بكفر من كفر وعقابه، وبإيمان من آمن وثوابه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، والعُدْوَةُ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ شَطُّ الوادِي وقَدْ قُرِئَ بِها، والمَشْهُورُ الضَّمُّ والكَسْرُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ.
﴿ وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى ﴾ البُعْدى مِنَ المَدِينَةِ، تَأْنِيثُ الأقْصى وكانَ قِياسُهُ قَلْبَ الواوِ ياءً كالدُّنْيا والعُلْيا تَفْرِقَةً بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ فَجاءَ عَلى الأصْلِ كالقَوْدِ وهو أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ القُصْيا.
﴿ والرَّكْبُ ﴾ أيِ العِيرُ أوْ قُوّادُها.
﴿ أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِكم يَعْنِي السّاحِلَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ واقِعٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ قَبْلَهُ، وفائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ واسْتِظْهارِهِمْ بِالرَّكْبِ وحِرْصِهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ عَنْها وتَوْطِينِ نُفُوسِهِمْ عَلى أنْ لا يُخَلُّوا مَراكِزَهم ويَبْذُلُوا مُنْتَهى جُهْدِهِمْ، وضَعْفِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ والتِياثِ أمْرِهِمْ واسْتِبْعادِ غَلَبَتِهِمْ عادَةً، وكَذا ذَكَرَ مَراكِزَ الفَرِيقَيْنِ فَإنَّ العُدْوَةَ الدُّنْيا كانَتْ رَخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ ولا يَمْشِي فِيها إلّا بِتَعَبٍ ولَمْ يَكُنْ بِها ماءٌ، بِخِلافِ العُدْوَةِ القُصْوى وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ﴾ أيْ لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وهُمُ القِتالَ ثُمَّ عَلِمْتُمْ حالَكم وحالَهم لاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ في المِيعادِ هَيْبَةً مِنهم، ويَأْسًا مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا أنَّ ما اتَّفَقَ لَهم مِنَ الفَتْحِ لَيْسَ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى خارِقًا لِلْعادَةِ فَيَزْدادُوا إيمانًا وشُكْرًا.
﴿ وَلَكِنْ ﴾ جَمَعَ بَيْنَكم عَلى هَذِهِ الحالِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ.
﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا ﴾ حَقِيقًا بِأنْ يُفْعَلَ وهو نَصْرُ أوْلِيائِهِ وقَهْرُ أعْدائِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مَفْعُولًا والمَعْنى: لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ بَيِّنَةٍ عايَنَها ويَعِيشَ مَن يَعِيشُ عَنْ حُجَّةٍ شاهَدَها لِئَلّا يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ ومَعْذِرَةٌ، فَإنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ.
أوْ لِيَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ وإيمانُ مَن آمَنَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ عَلى اسْتِعارَةِ الهَلاكِ والحَياةِ لِلْكُفْرِ والإسْلامِ، والمُرادُ بِمَن هَلَكَ ومَن حَيَّ المَشارِفُ لِلْهَلاكِ والحَياةِ، أوْ مَن هَذا حالُهُ في عِلْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ.
وَقُرِئَ « ليَهْلَكَ» بِالفَتْحِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ مَن حَيِيَ بِفَكِّ الإدْغامِ لِلْحَمْلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ.
﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ، وإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِاشْتِمالِ الأمْرَيْنِ عَلى القَوْلِ والِاعْتِقادِ.
<div class="verse-tafsir"
{إذا أنتم} إذ أنتم بدل من يوم الفرقان أو التقدير اذكروا إذ أنتم {بِالْعُدْوَةِ} شط الوادي وبالكسر فيهما مكى وبو عرمو {الدنيا} القربى إلى جهة الميدنة تأنيث الأذنى {وهم بالعدوة القصوى} البعد عن المدينة تأنيث الأقصى وكلتاهما فعلى من بنات الواو والقياس قلب الواو ياء كالعليا تأنيث الأعلى وأما القصوى فكالقود في مجيئه على الأصل {والركب} أي العير وهو جمع راكب فى المعنى أسلف مِنكُمْ نصب على الظرف أي مكاناً أسفل من مكانكم يعني في أسفل الوادي بثلاثة أميال وهو مرفوع المحل لأنه خبر المبتدأ {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ} أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلقتون فيه لبقتال {لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد} لخالف بعضكم بعضاً فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبتطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فلم ينفق لكم من التلاقى ماوفقه
الله وسبب له ولكن جمع بينكم بلا يمعاد {لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} من إعزاز دينه واعلاء كلمته واللام تتعلق بمحذوف أي ليقضي الله أمراً كان ينبغى أن يفعل وهو نصر تاوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك قال الشيخ أبو منصور رحمه الله القضاء يحتمل الحكم أي ليحكم ما قد علم أنه يكون كائناً أو ليتم أمراً كان قد أراده وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة وهو عز الإسلام وأهله وذل الكفر وحزبه ويتعلق بيقضى {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ} حيي نافع وأبو عمرو فالإدغام لالتقاء المثلين والإظهار لأن حركة الثاني غير لازمة لانك تقول فى الستقبل يحيا والادغام اكثير استيعر الهلاك والحياة للكفر والإسلام أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة حتى لا يبقى له على الله حجة ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتسمك به وذلك أن وقعة بدر من الآيات الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطا لها ولهذا ذكر فيها
الأنفال ٤٠ ٤٣ مراكز الفريقين وأن العير كانت أسفل منهم مع أنهم قد علموا ذلك كله مشاهدة ليعلم الخلق أن النصر والغلبة لا تكون بالكثرة والأسباب بل بالله تعالى وذلك أن العدوة القصوة التى اناخ بها المشركون كان فيا المساء وكانت أرضاً لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا وهى خيار تسوخ فيها الأرجل ولا يمشى فهيا إلا بتعب وشمقة وكان العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم وعدتعهم وقلة المسليمن وضعفهم ثم كان ما كان {وإن الله لسميع} لأقيواهم {عَلِيمٌ} بكفر من كفر وعقابه وبإيمان من آمن وثوابه
﴿ إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمٍ أوْ مَعْمُولٌ لِـ ( اذْكُرُوا ) مُقَدَّرًا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَدِيرٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والعُدْوَةُ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ شَطُّ الوادِي وأصْلُهُ مِنَ العَدْوِ التَّجاوُزِ والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ الضَّمُّ والكَسْرُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وغَيْرُهُما بِالفَتْحِ وكُلُّها لُغاتٌ بِمَعْنًى ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِ بَعْضِها و( ﴿ الدُّنْيا ﴾ ) تَأْنِيثُ الأدْنى أيْ إذْ أنْتُمْ نازِلُونَ بِشَفِيرِ الوادِي الأقْرَبِ إلى المَدِينَةِ ( ﴿ وهُمْ ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ ﴿ بِالعُدْوَةِ القُصْوى ﴾ أيِ البُعْدى مِنَ المَدِينَةِ وهو تَأْنِيثُ الأقْصى، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( القُصْيا ) ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ فُعْلى مِن ذَواتِ الواوِ إذا كانَ اسْمًا تُبَدَّلُ لامُهُ ياءً كَدُنْيا فَإنَّهُ مِن دَنا يَدْنُو إذا قَرُبَ، ولَمْ يُبَدَّلْ مِن قُصْوى عَلى المَشْهُورِ لِأنَّهُ بِحَسَبِ الأصْلِ صِفَةٌ ولَمْ يُبَدَّلْ فِيها لِلْفَرْقِ بَيْنَ الصِّفَةِ والِاسْمِ، وإذا اعْتُبِرَ غَلَبَتُهُ وأنَّهُ جَرى مَجْرى الأسْماءِ الجامِدَةِ قِيلَ: قُصْيا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ والأوْلى لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ومِن أهْلِ التَّصْرِيفِ مَن قالَ: إنَّ اللُّغَةَ الغالِبَةَ العَكْسُ فَإنْ كانَتْ صِفَةً أُبْدِلَتِ اللّامُ نَحْوَ العُلْيا، وإنْ كانَتِ اسْمًا أُقِرَّتْ نَحْوَ حُزْوى؛ قِيلَ: فَعَلى هَذا القُصْوى شاذَّةٌ والقِياسُ قُصْيا، وعَنَوْا بِالشُّذُوذِ مُخالَفَةَ القِياسِ لا الِاسْتِعْمالِ فَلا تُنافِي الفَصاحَةَ، وذَكَرُوا في تَعْلِيلِ عَدَمِ الإبْدالِ بِالفَرْقِ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَعْكِسِ الأمْرَ وإنْ حَصَلَ بِهِ الفَرْقُ أيْضًا، لِأنَّ الصِّفَةَ أثْقَلُ فَأُبْقِيَتْ عَلى الأصْلِ الأخَفِّ لِثِقَلِ الِانْتِقالِ مِنَ الضَّمَّةِ إلى الياءِ، ومَن عَكَسَ أعْطى الأصْلَ لِلْأصْلِ وهو الِاسْمُ وغَيَّرَ في الفَرْعِ لِلْفَرْقِ ( ﴿ والرَّكْبُ ﴾ ) أيِ العِيرُ أوْ أصْحابُها أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، وهو اسْمُ جَمْعِ راكِبٍ لا جَمْعٌ عَلى الصَّحِيحِ ﴿ أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ أيْ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِكم يَعْنِي ساحِلَ البَحْرِ، وهو نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وفي الأصْلِ صِفَةٌ لِلظَّرْفِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ولِهَذا انْتَصَبَ انْتِصابَهُ وقامَ مَقامَهُ ولَمْ يَنْسَلِخْ عَنِ الوَصْفِيَّةِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، وأجازَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ رَفَعَهُ عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِتَقْدِيرِ مَوْضِعِ الرَّكْبِ أسْفَلَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مَدْخُولِ إذْ، أيْ إذْ أنْتُمُ إلَخْ وإذِ الرَّكْبُ إلَخْ.
واخْتارَ الجُمْهُورُ أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلُ، ووَجْهُ الإطْنابِ في الآيَةِ مَعَ حُصُولِ المَقْصُودِ بِأنْ يُقالَ: يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الأعْداءِ مَثَلًا تَصْوِيرُ ما دَبَّرَ سُبْحانَهُ مِن أمْرِ وقْعَةِ بَدْرٍ والِامْتِنانِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ الآياتِ الغُرِّ المُحَجَّلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ فائِدَةَ هَذا التَّوْقِيتِ، وذِكْرُ مَراكِزِ الفَرِيقَيْنِ وأنَّ العِيرَ كانَ أسْفَلَ مِنهُمُ الإخْبارُ عَنِ الحالِ الدّالَّةِ عَلى قُوَّةِ شَأْنِ العَدُوِّ وشَوْكَتِهِ، وتَكامُلِ عُدَّتِهِ وتُمَهِّدُ أسْبابَ العُدَّةِ لَهُ وضَعْفَ شَأْنِ المُسْلِمِينَ والتِياثَ أمْرِهِمْ وأنَّ غَلَبَتَهم في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ لَيْسَتْ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ودَلِيلًا عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لَمْ يَتَيَسَّرْ إلّا بِحَوْلِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّتِهِ وباهِرِ قُدْرَتِهِ، وذَلِكَ أنَّ العُدْوَةَ القُصْوى الَّتِي أناخَ بِها المُشْرِكُونَ كانَ فِيها الماءُ وكانَتْ أرْضًا لا بَأْسَ بِها ولا ماءَ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهي خَبارٌ تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ وكانَتِ العِيرُ وراءَ ظَهْرِ العَدُوِّ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَكانَتِ الحِمايَةُ دُونَها تُضاعِفُ حَمِيَّتَهم وتَشْحَذُ في المُقاتَلَةِ عَنْها نِيّاتِهِمْ وتُوَطِّنُ نُفُوسَهم عَلى أنْ لا يَبْرَحُوا مَواطِنَهم ولا يَخْلُو مَراكِزَهم ويَبْذُلُوا مُنْتَهى نَجْدَتِهِمْ وقُصارى شِدَّتِهِمْ وفِيهِ تَصْوِيرُ ما دَبَّرَ سُبْحانَهُ مِن أمْرِ تِلْكَ الوَقْعَةِ، ولَيْسَ السُّؤالُ عَنْ فائِدَةِ الإخْبارِ بِما هو مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِ لِيَكُونَ الجَوابُ بِأنَّ فائِدَتَهُ لازِمَةٌ كَما ظَنَّهُ غَيْرُ واحِدٍ لِما لا يَخْفى، وعَلى هَذا الطَّرْزِ ذُكِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ﴾ أيْ: لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وهُمُ القِتالَ وعَلِمْتُمْ حالَهم وحالَكم لاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ في المِيعادِ هَيْبَةً مِنهم ويَأْسًا مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ، وجُعِلَ الضَّمِيرُ الأوَّلُ شامِلًا لِلْجَمْعَيْنِ تَغْلِيبًا والثّانِي لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً هو المُناسِبُ لِلْمَقامِ إذِ القَصْدُ فِيهِ إلى بَيانِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ ونُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم مَعَ ذَلِكَ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَهُ فِيهِما شامِلًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِتَكُونَ الضَّمائِرُ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَفْكِيكٍ عَلى مَعْنى لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وأهْلُ مَكَّةَ لَخالَفَ بَعْضُكم بَعْضًا فَثَبَّطَكم قِلَّتُكم وكَثْرَتُهم عَنِ الوَفاءِ بِالمَوْعِدِ وثَبَّطَهم ما في قُلُوبِهِمْ مِن تَهَيُّبِ رَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَتَّفِقْ لَكم مِنَ التَّلاقِي ما وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّلاقِي وسَبَّبَ لَهُ، ولا يَخْفى عَدَمُ مُناسَبَتِهِ، وأمْرُ التَّفْكِيكِ سَهْلٌ ( ﴿ ولَكِنْ ﴾ ) تَلاقَيْتُمْ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ ﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا ﴾ وهو نَصْرُ المُؤْمِنِينَ وقَهْرُ أعْدائِهِمْ ﴿ كانَ مَفْعُولا ﴾ أيْ كانَ واجِبًا أنْ يُفْعَلَ بِسَبَبِ الوَعْدِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ) أوْ كانَ مُقَدَّرًا في الأزَلِ.
وقِيلَ: كانَ بِمَعْنى صارَ الدّالَّةِ عَلى التَّحَوُّلِ أيْ صارَ مَفْعُولًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ ) بَدَلٌ مِن ( ﴿ لِيَقْضِيَ ﴾ ) بِإعادَةِ الحَرْفِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولًا.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا تَعَلُّقَهُ بِيَقْضِي، واسْتُطِيبَ الطِّيبِيُّ الأوَّلَ، والمُرادُ بِالبَيِّنَةِ الحُجَّةُ الظّاهِرَةُ، أيْ لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ حُجَّةٍ عايَنَها ويَعِيشُ مَن يَعِيشُ عَنْ حُجَّةٍ شاهَدَها فَلا يَبْقى مَحَلٌّ لِلتَّعَلُّلِ بِالأعْذارِ، فَإنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ والحُجَجِ الغُرِّ المُحَجَّلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحَياةِ الإيمانُ وبِالمَوْتِ الكُفْرُ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا مُرْسَلًا، وبِالبَيِّنَةِ إظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ الدّالَّةِ عَلى الحُجَّةِ الدّافِعَةِ أيْ لِيَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ وإيمانُ مَن آمَنَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ، وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قِيلَ: والمُرادُ بِمَن هَلَكَ ومَن حَيَّ المُشارِفُ لِلْهَلاكِ والحَياةِ أوْ مَن هَذا حالُهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ، والمُشارَفَةُ في الهَلاكِ ظاهِرَةٌ، وأمّا مُشارَفَةُ الحَياةِ فَقِيلَ: المُرادُ بِها الِاسْتِمْرارُ عَلى الحَياةِ بَعْدَ الوَقْعَةِ، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ: لِأنَّ مَن حَيَّ مُقابِلٌ لِمَن هَلَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ( عَنْ ) بِمَعْنى بَعْدَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ )، وقِيلَ: لَمّا لَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَهْلَكَ في الِاسْتِقْبالِ مَن هَلَكَ في الماضِي حُمِلَ مَن هَلَكَ عَلى المُشارَفَةِ لِيَرْجِعَ إلى الِاسْتِقْبالِ، وكَذا لَمّا لَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَتَّصِفَ بِالحَياةِ المُسْتَقْبَلَةِ مَنِ اتَّصَفَ بِها في الماضِي حُمِلَ عَلى ذَلِكَ لِذَلِكَ أيْضًا، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَخْتَصَّ بِمَن لَمْ يَكُنْ حَيًّا إذْ ذاكَ فَيُحْمَلُ عَلى دَوامِ الحَياةِ دُونَ الِاتِّصافِ بِأصْلِها، فَيَكُونُ المَعْنى لِتَدُومَ حَياةُ مَن أشْرَفَ لِدَوامِها، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِتَدُومَ حَياةُ مَن حَيَّ في الماضِي لِأنَّ ذَلِكَ صادِقٌ عَلى مَن هَلَكَ فَلا تَحْصُلُ المُقابَلَةُ إلّا أنْ يُخَصَّصَ بِاعْتِبارِها، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَوْجِيهِ المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ تَأمُّلِ واعْتِبارِ المُضِيِّ بِالنَّظَرِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ والِاسْتِقْبالِ بِالنَّظَرِ إلى الوُجُودِ الخارِجِيِّ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، و( عَنْ ) لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُها بِمَعْنى بَعْدَ بَلْ يُمْكِنُ أنْ تَبْقى عَلى مَعْنى المُجاوَزَةِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ البَصْرِيُّونَ سِواهُ.
ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ ﴾ ) بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ ما نَتْرُكُها صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ كَما هو رَأْيُ البَعْضِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى عَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ) وقَوْلِ ذِي الإصْبَعِ: لاهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أفْضَلْتَ في حَسَبٍ عَنِّي ولا أنْتَ دَيّانِي فَتَخْزُونِي وقَرَأ الأعْمَشُ ( ﴿ لِيَهْلِكَ ﴾ ) بِفَتْحِ العَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ وهي عَلى ما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في ”المُحْتَسِبِ“ شاذَّةٌ مَرْغُوبٌ عَنْها لِأنَّ الماضِيَ هَلَكَ بِالفَتْحِ ولا يَأْتِي فَعَلَ يَفْعَلُ إلّا إذا كانَ حَرْفُ الحَلْقِ في العَيْنِ أوِ اللّامِ فَهو مِنَ اللُّغَةِ المُتَداخِلَةِ.
وفِي ”القامُوسِ“ أنَّ هَلَكَ كَضَرَبَ ومَنَعَ وعَلَمَ وهو ظاهِرٌ في جَوازِ الكَسْرِ والفَتْحِ في الماضِي والمُضارِعِ.
نَعَمِ المَشْهُورُ في الماضِي الفَتْحُ وفي المُضارِعِ الكَسْرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ ( حَيِيَ ) بِفَكِّ الإدْغامِ قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: الحَمْلُ عَلى المُسْتَقْبَلِ وهو يَحْيى فَكَما لَمْ يُدْغَمْ فِيهِ لَمْ يُدْغَمْ في الماضِي.
والثّانِي: أنَّ حَرَكَةَ الحَرْفَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ فالأوَّلُ مَكْسُورٌ والثّانِي مَفْتُوحٌ واخْتِلافُ الحَرَكَتَيْنِ كاخْتِلافِ الحَرْفَيْنِ، ولِذَلِكَ أجازُوا في الِاخْتِيارِ ضَبِبَ البَلَدُ إذا كَثُرَ ضَبُّهُ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ الحَرَكَةَ الثّانِيَةَ عارِضَةٌ فَكَأنَّ الياءَ الثّانِيَةَ ساكِنَةٌ ولَوْ سُكِّنَتْ لَمْ يَلْزَمِ الإدْغامُ فَكَذَلِكَ إذا كانَتْ في تَقْدِيرِ السّاكِنِ، والياءانِ أصْلٌ ولَيْسَتِ الثّانِيَةُ بَدَلًا مِن واوٍ، وأمّا الحَيَوانُ فالواوُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الياءِ، وأمّا الحِواءُ فَلَيْسَ مِن لَفْظِ الحَيَّةِ بَلْ مِن حَوى يَحْوِي إذا جَمَعَ ﴿ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أيْ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ وإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِاشْتِمالِ الكُفْرِ والإيمانِ عَلى الِاعْتِقادِ والقَوْلِ، أمّا اشْتِمالُ الإيمانِ عَلى القَوْلِ فَظاهِرٌ لِاشْتِراطِ إجْراءِ الأحْكامِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، وأمّا اشْتِمالُ الكُفْرِ عَلَيْهِ فَبِناءً عَلى المُعْتادِ فِيهِ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال الله تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا، يعني: اذكروا هذه النعمة إذ كنتم بالعدوة الدنيا.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بِالْعُدْوَةِ بالكسر، وقرأ الباقون بالضم ومعناهما واحد وهو: شفير الوادي.
ويقال عِدْوَةِ الوادي وعُدْوَتِهِ، يعني: كنتم على شاطئ الوادي مما يلي المدينة.
وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى، يعني: من الجانب الآخر مما يلي مكة، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني: العير أسفل منكم بثلاثة أميال على شاطئ البحر حين أقبلوا من الشام.
وَلَوْ تَواعَدْتُمْ، أنتم والمشركون بالإجماع للقتال، لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أنتم والمشركون، وَلكِنْ جمع الله بينكم على غير ميعاد، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا يعني: كائناً.
وكان من قضائه هزيمة الكفار، ونصرة محمد وأصحابه.
قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ.
يقول: ليكفر من أراد أن يكفر بعد البيان له من الله تعالى، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، يقول: ويؤمن من أراد أن يؤمن بعد البيان له من الله تعالى.
وقال الكلبي: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ على الكفر بعد البيان، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ بالإيمان عَنْ بَيِّنَةٍ ويقال: هذا وعيد من الله لأهل مكة يقول: ليقم على كفره من أراد أن يقيم بعد ما بينت له الحق ببدر، حين فرقت الحق من الباطل، وَيَحْيى يعني: يقم على الإيمان من أراد أن يقيم بعد ما أرسلت إليه الرسول، وأقمت عليه الحجة.
قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر، وابن كثير في رواية شبل البزي مِنْ حيي بإظهار الياءين، والباقون بياء واحدة، وأصله بياءين، إلا أن أحد الحرفين أدغم في الآخر، لأنهما من جنس واحد.
ثم قال: وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ.
<div class="verse-tafsir"
سبحانه، ثم قال تعالَى: فَإِنِ انْتَهَوْا، عن الكفر، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه.
وقوله سبحانه: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ:
معادلٌ لقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا، المعنى: وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظّفر، والْمَوْلى هاهنا الموالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ: الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمّ المؤمنين والمشركين.
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
وقوله عزّ وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...
الآية: الغنيمةُ في اللغة: ما يناله الرجل بسعي ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصّيام في الشّتاء هي الغنيمة الباردة» «١» ،
وقوله: مِنْ شَيْءٍ: ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ «١» والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل [لحمه] من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ: يقسمها الإِمام إِن رأى ذلك صوابا كما فعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه عنه بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه «٢» :
منها: القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية.
ومنها: الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه.
ومنها: المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجى أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن.
ومنها: الاسترقاق.
ومنها: ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة.
وأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم.
ومحلُّ استيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه.
وقوله سبحانه: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، أي: من النصر والظهور الذي أنزله الله
سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن/ نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان: معناه: يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ: يريد: جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَعْضُدُ أَنَّ قوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي: الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه عَزَّ وجَلَّ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير.
وقوله سبحانه: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، العُدْوَة: شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادِيَ، أي: منعته ومنه قول الشاعر: [الوافر]
عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي ...
وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُون «١»
وقرأ ابنُ كَثِير «٢» ، وأبو عمرو: بِالْعُدْوَةِ- بِكَسْرِ العين-، وقوله: الدُّنْيا، والْقُصْوى، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، والدُّنْيَا: من الدُّنُوِّ، والقصوى: منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد، وَالرَّكْبُ، بإِجماعٍ من المفسِّرين: عِيرُ أبي سفيان، وقوله: أَسْفَلَ، في موضع خَفْض، تقديره: في مكان أَسْفَلَ كَذَا.
قال سِيبَوَيْهِ: وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بدر حين نذر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي.
وقوله سبحانه: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، المَقْصدُ من الآية: تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى: لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير: لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا، أي: لينفِّذَ ويُظْهِر أمراً قد قدَّره في الأزل مفعولاً لكم بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده عزَّ وجلّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "بِالعِدْوَةِ" و"العِدْوَةِ" العَيْنُ فِيهِما مَكْسُورَةٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ العَيْنِ فِيهِما.
قالَ الأخْفَشُ: لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ إلّا الكَسْرُ.
وقالَ ثَعْلَبٌ: بَلِ الضَّمُّ أكْثَرُ اللُّغَتَيْنِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عُدْوَةُ الوادِي وعِدْوَتُهُ: جانِبُهُ؛ والجَمْعُ: عِدًى وعُدًى.
والدُّنْيا: تَأْنِيثُ الأدْنى؛ وضِدُّها القُصْوى، وهي تَأْنِيثُ الأقْصى؛ وما كانَ مِنَ النُّعُوتِ عَلى "فَعَلى" مِن ذَواتِ الواوِ، فَإنَّ العَرَبَ تُحَوِّلُهُ إلى الياءِ، نَحْوُ: الدُّنْيا، مِن: دَنَوْتُ؛ والعُلْيا، مِن: عَلَوْتُ؛ لِأنَّهم يَسْتَثْقِلُونَ الواوَ مَعَ ضَمٍّ الأوَّلِ، ولَيْسَ في هَذا اخْتِلافٌ، إلّا أنَّ أهْلَ الحِجازِ قالُوا: القُصْوى، فَأظْهَرُوا الواوَ، وهو نادِرٌ؛ وغَيْرُهم يَقُولُ: القُصْيا قالَ المُفَسِّرُونَ: إذْ أنْتُمْ بِشَفِيرِ الوادِي الأدْنى مِنَ المَدِينَةِ، وعَدْوِكم بِشَفِيرِهِ الأقْصى مِن مَكَّةَ، وكانَ الجَمْعانِ قَدْ نَزَلا وادِي بَدْرٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، والرَّكْبُ: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ "أسْفَلَ" أرادَ: والرَّكْبُ مَكانًا أسْفَلَ مِنكم، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: والرَّكْبُ أشَدُّ تَسَفُّلًا مِنكم.
قالَ قَتادَةُ: وكانَ المُسْلِمُونَ أعْلى الوادِي، والمُشْرِكُونَ أسْفَلَهُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَوْ تَواعَدْتُمْ، ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَتُهم، لَتَأخَّرْتُمْ عَنِ المِيعادِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ والثّانِي: لَوْ تَواعَدْتُمْ عَلى الِاجْتِماعِ في المَكانِ الَّذِي اجْتَمَعْتُمْ فِيهِ مِن عِدْوَتِي وادِي بَدْرٍ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: كانَتْ تَقَعُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، أوِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا ﴾ وهو إعْزازُ الإسْلامِ وإذْلالُ الشِّرْكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ .
ورَوى خَلْفٌ عَنْ يَحْيى: "لِيُهْلَكَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مِن حَيَّ" بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهَذِهِ رِوايَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "حَيِيَ" بِياءَيْنِ، الأُولى مَكْسُورَةٌ، والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ.
فَمَن قَرَأ بِياءَيْنِ، بَيَّنَ ولَمْ يُدْغِمْ.
ومَن أدْغَمَ ياءَ "حَيِّيَ" فَلِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَيَقْتُلَ مَن قَتَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ حُجَّةٍ، ويَبْقى مَن بَقِيَ مِنهم عَنْ حُجَّةٍ.
والثّانِي: لِيَكْفُرَ مَن كَفَرَ بَعْدَ حُجَّةٍ، ويُؤْمِنَ مَن آَمَنَ عَنْ حُجَّةٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى والرَكْبُ أسْفَلَ مِنكم ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عن بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عن بَيِّنَةٍ وإنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "التَقى"، والعُدْوَةُ: شَفِيرُ الوادِي وحَرْفُهُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ المَشْيُ فِيهِ، بِمَنزِلَةِ رَحا البِئْرِ، لِأنَّها عَدَتْ ما في الوادِي مِن ماءٍ ونَحْوِهِ أنْ يَتَجاوَزَ الوادِيَ أيْ مَنَعَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ دُونَها حَرْبٌ زَبُونُ ولِأنَّها ما عَدا الوادِيَ، أيْ: جاوَزَهُ، وتُسَمّى الضَفَّةُ والفَضاءُ المُسايِرُ لِلْوادِي عُدْوَةً لِلْمُجاوَرَةِ، وهَذِهِ هي العُدْوَةُ الَّتِي في الآيَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِالعُدْوَةِ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "بِالعِدْوَةِ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، وعَمْرٌو: "بِالعَدْوَةِ" بِفَتْحِ العَيْنِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الَّذِي في هَذا أنَّها لُغَةٌ ثالِثَةٌ كَقَوْلِهِمْ في اللَبَنِ: رَغْوَةٌ ورُغْوَةٌ ورِغْوَةٌ، ورَوى الكِسائِيُّ: كَلَّمْتُهُ بِحَضْرَةِ فُلانٍ وحِضَرَتِهِ وحُضْرَتِهِ، إلى سائِرِ نَظائِرَ ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ كَثِيرًا مِنها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( الدُنْيا ) و( القُصْوى ) إنَّما بِالإضافَةِ إلى المَدِينَةِ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ العُلْيا وهم بِالعُدْوَةِ السُفْلى"، ووادِي بَدْرٍ آخِذٌ بَيْنَ الشَرْقِ والقَبْلَةِ مُنْحَرِفٌ إلى البَحْرِ الَّذِي هو قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ الصِقْعِ، والمَدِينَةُ مِنَ الوادِي مِن مَوْضِعِ الوَقْعَةِ مِنهُ في الشَرْقِ، وبَيْنَهُما مَرْحَلَتانِ، حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ رَأى هَذِهِ المَواضِعَ عَلى ما وصَفْتُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: " بَدْرٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ"، والدُنْيا مِنَ الدُنُوِّ، والقُصْوى مِنَ القَصْوِ وهو البُعْدُ، وكانَ القِياسُ أنْ تَكُونَ القُصْيا لَكِنَّهُ مِنَ الشاذِّ، وقالَ الخَلِيلُ في "العَيْنِ": "شَذَّتْ لَفْظَتانِ وهُما القُصْوى والفَتْوى، وكانَ القِياسُ فِيهِما بِالياءِ كالدُنْيا والعُلْيا".
﴿ والرَكْبُ ﴾ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: غَيْرَ أبِي سُفْيانَ، ولا يُقالُ "رَكْبٌ" إلّا لِرِكابِ الإبِلِ، وهو مِن أسْماءِ الجَمْعِ، وقَدْ يُجْمَعُ "راكِبٌ" عَلَيْهِ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ وتاجِرٍ وتَجْرٍ، ولا يُقالُ "رَكْبٌ" لِما كَثُرَ جِدًّا مِنَ الجُمُوعِ.
وقالَ القُتَبِيُّ: "الرَكْبُ: العَشْرَةُ ونَحْوُها"، وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ لِأنَّ النَبِيَّ ، قَدْ قالَ "والثَلاثَةُ رَكْبٌ".
وقَوْلُهُ: "أسْفَلَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ تَقْدِيرُهُ: "فِي مَكانٍ أسْفَلَ"، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: نَصْبُ "أسْفَلَ عَلى الظَرْفِ"، ويَجُوزُ "الرَكْبُ أسْفَلَ" عَلى مَعْنى: ومَوْضِعُ الرَكْبِ أسْفَلَ، أوِ الرَكْبُ مُسْتَقِرًّا أسْفَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ الرَكْبُ ومُدَبِّرُ أمْرِهِ أبُو سُفْيانَ قَدْ نَكَّبَ عن بَدْرٍ حِينَ نَذَرَ بِالنَبِيِّ ، وأخَذَ سَيْفَ البَحْرِ فَهو أسْفَلُ بِالإضافَةِ إلى أعْلى الوادِي مِن حَيْثُ يَأْتِي، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: أقَبَلَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِنَ الشامِ تُجّارًا لَمْ يَشْعُرُوا بِأصْحابِ بَدْرٍ، ولَمْ يَشْعُرْ أصْحابُ (مُحَمَّدٍ ) بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ولا كُفّارُ قُرَيْشٍ بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ حَتّى التَقَوْا عَلى الماءِ بِبَدْرٍ، مَن يَسْقِي لَهم كُلُّهُمْ، فاقْتَتَلُوا فَغَلَبَهم أصْحابُمُحَمَّدٍ فَأسَرُوهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا تَعَقُّبٌ، وكانَ مِن هَذِهِ الفِرَقِ شُعُورٌ بَيِّنٌ مِنَ الوُقُوفِ عَلى القِصَّةِ بِكَمالِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: لَوْ تَواعَدْتُمْ عَلى الِاجْتِماعِ ثُمَّ عَلِمْتُمْ كَثْرَتَهم وقِلَّتَكم لَخالَفْتُمْ ولَمْ تَجْتَمِعُوا مَعَهُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى: أيْ: لاخْتَلَفْتُمْ بِالقَواطِعِ والعَوارِضِ القاطِعَةِ بَيْنَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أنْبَلُ وأصَحُّ، وإيضاحُهُ أنَّ المَقْصِدَ مِنَ الآيَةِ تَبْيِينُ نِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وقُدْرَتِهِ في قِصَّةِ بَدْرٍ وتَيْسِيرِهِ ما يَسَّرَ مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: إذْ هَيَّأ اللهُ لَكم هَذِهِ الحالَ، ولَوْ تَواعَدْتُمْ لَها لاخْتَلَفْتُمْ إلّا مَعَ تَيْسِيرِ الَّذِي تَمَّمَ ذَلِكَ، وهَذا كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ في أمْرٍ سَنّاهُ اللهُ دُونَ تَعَبٍ كَثِيرٍ: لَوْ بَنَيْنا عَلى هَذا وسَعَيْنا فِيهِ لَمْ يَتِمَّ هَكَذا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بِلُطْفِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَقْضِيَ أمْرًا، أيْ لِيُنَفِّذَ ويُظْهِرَ أمْرًا قَدْ قَدَّرَهُ في الأزَلِ مَفْعُولًا لَكم بِشَرْطِ وُجُودِكم في وقْتِ وُجُودِكُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مَعْدُومٌ عِنْدَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عن بَيِّنَةٍ ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: لِيُقْتَلَ مِن قُتِلَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِبَيانٍ مِنَ اللهِ وإعْذارٍ بِالرِسالَةِ، ويَحْيا أيْضًا ويَعِيشُ مَن عاشَ عن بَيانٍ مِنهُ أيْضًا وإعْذارٍ لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، فالهَلاكُ والحَياةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- حَقِيقَتانِ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: مَعْنى ﴿ لِيَهْلِكَ ﴾ أيْ لِيَكْفُرَ، ﴿ وَيَحْيا ﴾ أيْ لِيُؤْمِنَ، فالهَلاكُ والحَياةُ -عَلى هَذا- مُسْتَعارَتانِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ قِصَّةَ بَدْرٍ عِبْرَةً وآيَةً لِيُؤْمِنَ مَن آمَنَ عن وُضُوحٍ وبَيانٍ، ويَكْفُرَ أيْضًا مَن كَفَرَ عن مِثْلِ ذَلِكَ.
وقَرَأ الناسُ: "لِيَهْلِكَ" بِكَسْرِ اللامِ الثانِيَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيَهْلَكَ" بِفَتْحِ اللامِ، ورَواها عِصْمَةٌ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ.
والبَيِّنَةُ صِفَةٌ، أيْ: قَضِيَّةٌ بَيِّنَةٌ، واللامُ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿ لِيَهْلِكَ ﴾ رَدٌّ عَلى اللامِ في قَوْلِهِ: ﴿ لِيَقْضِيَ ﴾ .
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ قُنْبُلٍ - وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "مَن حَيَّ" بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ البَزِّيِّ - وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَن حَيِيَ" بِإظْهارِ الياءَيْنِ وكَسْرِ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ، قالَ مَن قَرَأ "حَيَّ": فَلِأنَّ الياءَ قَدْ لَزِمَتْها الحَرَكَةُ فَصارَ الفِعْلُ بِلُزُومِ الحَرَكَةِ لَها مُشَبَّهًا بِالصَحِيحِ مِثْلَ عَضَّ وشَمَّ ونَحْوِهِ، ألا تَرى أنَّ حَذْفَ الياءِ مِن "جِوارٍ" في الجَرِّ والرَفْعِ لا يَطَّرِدُ في حالِ النَصْبِ إذْ قُلْتَ: "رَأيْتُ جَوارِيَ" لِمُشابَهَتِها بِالحَرَكَةِ سائِرَ الحُرُوفِ الصِحاحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا إذا بَلَغَتِ التَراقِيَ ﴾ ، وعَلى نَحْوِ "حَيَّ" جاءَ قَوْلُ الشاعِرِ: عَيُّوا بِأمْرِهِمْ كَمّا ∗∗∗ عَيَّتْ ∗∗∗ بِبَيْضَتِها الحَمّامَهْ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: سَألَتْنِي جارَتِي عن أمَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ وإذا ما عَيَّ ذُو اللُبِّ سَألْ وقَوْلُ المُتَلَمِّسِ: فَهَذا أوانُ العَرْضِ حَيٌّ ذُبابُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ زَنابِيرُهُ والأزْرَقُ المُتَلَمِّسُ ويُرْوى: جُنَّ ذُبابُهُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هَذا أنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَلْزَمُ الحَرَكَةُ فِيهِ ياءً مُسْتَقْبَلَةً فالإدْغامُ في ماضِيهِ جائِزٌ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ لا يَجُوزُ الإدْغامُ فِيهِ لِأنَّ حَرَكَةَ النَصْبِ غَيْرُ لازِمَةٍ؟
ألا تَرى أنَّها تَزُولُ في الرَفْعِ وتَذْهَبُ في الجَزْمِ؟
ولا يُلْتَفَتُ إلى ما أنْشَدَ بَعْضُهم لِأنَّهُ بَيْتٌ مَجْهُولٌ: وكَأنَّها بَيْنَ النِساءِ سَبِيكَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمْشِي بِسُدَّةِ بَيْتِها فَتُعِيَّ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "حَيِيَ" فَبَيِّنٌ ولَمْ يُدْغَمْ، فَإنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: أخْبَرَنا بِهَذِهِ اللُغَةِ يُونُسُ، قالَ وسَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: "أحْيِياءٌ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ إظْهارُ الياءَيْنِ والإدْغامُ حَسَنٌ، فاقْرَأْ كَيْفَ تَعَلَّمْتَ فَإنَّ اللُغَتَيْنِ مَشْهُورَتانِ في كَلامِ العَرَبِ، والخَطُّ فِيهِ ياءٌ واحِدَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذِهِ اللَفْظَةِ اسْتَوْعَبَ أبُو عَلِيٍّ القَوْلَ فِيما تَصَرَّفَ مِن "حَيِيَ" كالحَيِّ الَّذِي هو مَصْدَرٌ مِنهُ وغَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذ ﴾ بدل من ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ [الأنفال: 41] فهو ظرف ب ﴿ لأنزلنا ﴾ [الأنفال: 41] أي زمن أنتم بالعدوة الدنيا، وقد أريد من هذا الظرف وما أضيف إليه تذكيرهم بحالة حرجة كان المسلمون فيها، وتنبيههم للطف عظيم حفّهم من الله تعالى، وهي حالة موقع جيش المسلمين من جيش المشركين، وكيف التقى الجيشان في مكان واحد عن غير ميعاد، ووجَد المسلمون أنفسهم أمام عدوّ قوي العِدّة والعُدّة والمَكانة من حسن الموقع.
ولولا هذا المقصد من وصف هذه الهيئة لما كان من داع لهذا الإطناب إذ ليس من أغراض القرآن وصف المنازل إذا لم تكن فيه عبرة.
والعدوة بتثليث العين صفة الوادي وشاطئه، والضمّ والكسر في العين أفصح وعليهما القراءات المشهورة، فقرأه الجمهور بضمّ العين، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بكسر العين.
والمراد بها شاطئ وادي بدر.
وبدر اسم ماء.
﴿ والدنيا ﴾ هي القريبة أي العدوة التي من جهة المدينة، فهي أقربُ لجيش المسلمين من العُدوة التي من جهة مكة.
و ﴿ العدوة القصوى ﴾ هي التي ممّا يلي مكة، وهي كثيب، وهي قصوى بالنسبة لموقع بلد المسلمين.
والوصف ب ﴿ الدنيا ﴾ و ﴿ القصوى ﴾ يَشعُر المخاطبون بفائدته، وهي أنّ المسلمين كانوا حريصين أن يسبقوا المشركين إلى العدوة القصوى، لأنّها أصلب أرضاً فليس للوصف بالدنو والقصُو أثر في تفضيل إحدى العدوتين على الأخرى، ولكنّه صادف أن كانت القصوى أسعدَ بنزول الجيش، فلمّا سبق جيشُ المشركين إليها اغتمّ المسلمون، فلمّا نزل المسلمون بالعدوة الدنيا أرسل الله المطر وكان الوادي دَهْساً فلبّد المطرُ الأرضَ ولم يعقهم عن المسير وأصاب الأرض التي بها قريش فعطّلهم عن الرحيل، فلم يبلغوا بدراً إلاّ بعد أن وصل المسلمون وتخيروا أحسن موقع وسبقوا إلى الماء، فاتّخذوا حوضاً يكفيهم وغوروا الماء، فلمّا وصل المشركون إلى الماء وجدوه قد احتازه المسلمون، فكان المسلمون يشربون ولا يجد المشركون ماء.
وضمير ﴿ وهم ﴾ عائد إلى ما في لفظ ﴿ الجمعان ﴾ من معنى: جمعكم وجمع المشركين، فلمّا قال: ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا ﴾ لم يبق معاد لضمير ﴿ وهم ﴾ إلاّ الجمع الآخر وهو جمع المشركين.
و ﴿ الركب ﴾ هو ركب قريش الراجعون من الشام، وهو العِير.
﴿ أَسْفَلَ ﴾ من الفريقين أي أخفض من منازلهما، لأن العيِر كانوا سائِرين في طريق الساحل، وقد تركوا ماءَ بدر عن يسارهم.
ذلك أنّ أبا سفيان لمّا بلغه أنّ المسلمين خرجوا لتلقي عيره رجع بالعير عن الطريق التي تمرّ ببدر، وسلك طريق الساحل لينجو بالعير، فكان مسيره في السهول المنخفضة، وكان رجال الركب أربعين رجلاً.
والمعنى: والركب بالجهة السفلى منكم، وهي جهة البحر وضمير ﴿ منكم ﴾ خطاب للمسلمين المخاطبين بقوله: ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا ﴾ والمعنى أنّ جيش المسلمين كان بين جماعتين للمشركين، وهما جيش أبي سفيان بالعدوة القصوى، وعير القوم أسفل من العدوة الدنيا، فلو علم العدوّ بهذا الوضع لطبّق جماعتيه على جيش المسلمين، ولكن الله صرفهم عن التفطّن لذلك وصرف المسلمين عن ذلك، وقد كانوا يطمعون أن يصادفوا العير فينتهبوها كما قال تعالى: ﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ [الأنفال: 7] ولو حاولوا ذلك لوقعوا بين جماعتين من العدوّ.
وانتصب ﴿ أسفل ﴾ على الظرفية المكانية وهو في محلّ رفع خبر عن (الركب) أي والركب قد فاتكم وكنتم تأملون أن تدركوه فتنتهبوا ما فيه من المتاع.
والغرض من التقييد بهذا الوقت، وبتلك الحالة: إحضارها في ذكْرهم، لأجل ما يلزم ذلك من شكر نعمة الله، ومن حسن الظنّ بوعده والاعتماد عليه في أمورهم، فإنّهم كانوا حينئذ في أشدّ ما يكون فيه جيش تجاه عدوّه، لأنّهم يعلمون أنّ تلك الحالة كان ظاهرها ملائِماً للعدوّ، إذ كان العدوّ في شوكة واكتمال عدّة، وقد تمهدت له أسباب الغلبة بحسن موقع جيشه، إذ كان بالعدوة التي فيها الماء لسقياهم والتي أرضها متوسّطة الصلابة، فَأما جيش المسلمين فقد وجدوا أنفسهم أمام العدوّ في عدوة تسوخ في أرضها الأرجل من لين رمْلها، مع قلّة مائِها، وكانت العير قد فاتت المسلمين وحلّت وراء ظهور جيش المشركين، فكانت في مأمن من أن ينالها المسلمون، وكان المشركون واثقين بمكنة الذبّ عن عيرهم، فكانت ظاهرةُ هذه الحالة ظاهرةَ خيبة وخوف للمسلمين، وظاهرةَ فوز وقوة للمشركين، فكان من عجيب عناية الله بالمسلمين أن قلب تلك الحالة رَأساً على عَقب، فأنزل من السماء مطراً تعبّدت به الأرض لجيش المسلمين فساروا فيها غير مشفوق عليهم، وتطهّروا وسَقَوا، وصَارت به الأرض لجيش المشركين وحلاً يثقل فيها السيرَ وفاضت المياه عليهم، وألقى الله في قلوبهم تهوين أمر المسلمين، فلم يأخذوا حذرهم ولا أعدّوا للحرب عدّتها، وجعلوا مقامهم هنالك مقام لهو وطرب، فجعل الله ذلك سبباً لنصر المسلمين عليهم، ورأوا كيف أنجز الله لهم ما وعدهم من النصر الذي لم يكونوا يتوقّعونه.
فالذين خوطبوا بهذه الآية هم أعلم السامعين بفائدة التوقيت الذي في قوله: ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا ﴾ الآية.
ولذلك تعيّن على المفسّر وصف الحالة التي تضمنّتها الآية، ولولا ذلك لكان هذا التقييد بالوقت قليل الجدوى.
وجملة ﴿ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ﴾ في موضع الحال من ﴿ الجمعان ﴾ [الأنفال: 41] وعامل الحال فعل ﴿ التقى ﴾ [الأنفال: 41] أي في حال لقاء على غير ميعاد، قد جاء ألزم ممّا لو كان على ميعاد، فإنّ اللقاء الذي يكون موعوداً قد يتأخّر فيه أحد المتواعدَين عن وقته، وهذا اللقاء قد جاء في إبان متّحد وفي مكان متجاور متقابل.
ومعنى الاختلاف في الميعاد: اختلاف وقته بأن يتأخّر أحد الفريقين عن الوقت المحدود فلم يأتوا على سواء.
والتلازم بين شرط ﴿ لو ﴾ وجوابها خفي هنا وقد أشكل على المفسّرين، ومنهم من اضطرّ إلى تقدير كلام محذوف تقديره: ثم علمتم قلّتكم وكثرتكم، وفيه أنّ ذلك يفضي إلى التخلّف عن الحضور لا إلى الاختلاف.
ومنهم من قدر: وعلمتم قلّتكم وشعر المشركون بالخوف منكم لِما ألقى الله في قلوبهم من الرعب، أي يجعل أحد الفريقين يتثاقل فلم تحضروا على ميعاد، وهو يفضي إلى ما أفضى إليه القول الذي قبله، ومنهم من جعل ذلك لما لا يخلو عنه الناس من عروض العوارض والقواطع، وهذا أقرب، ومع ذلك لا ينثلج له الصدر.
فالوجه في تفسير هذه الآية أنّ ﴿ لو ﴾ هذه من قبيل (لو) الصُهَيْبِية فإنَّ لها استعمالات ملاكها: أن لا يقصد من (لو) ربطُ انتفاء مضمون جوابها بانتفاء مضمون شرطها، أي ربط حصول نقيض مضمون الجواب بحصول نقيض مضمون الشرط، بل يقصد أنّ مضمون الجواب حاصل لا محالة، سواء فرض حصول مضمون شرطها أو فرض انتفاؤه، إمّا لأنّ مضمون الجواب أولى بالحصول عند انتفاء مضمون الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿ ولو سمعوا ما استجابوا لكم ﴾ [فاطر: 14]، وإمّا بقطع النظر عن أولَوية مضمون الجواب بالحصول عند انتفاء مضمون الشرط نحو قوله تعالى: ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ [الأنعام: 28].
ومحصّل هذا أنّ مَضمون الجزاء مستمرُّ الحصول في جميع الأحوال في فرض المتكلم، فيأتي بجملة الشرط متضمنّةً الحالةَ التي هي عند السامع مظنةُ أن يحصلُ فيها نقيضُ مضمون الجواب.
ومن هذا قول طفيل في الثناء على بني جعفر بن كِلاب: أبَوْا أنْ يمَلُّونا ولَوْ أنَّ أمَّنا *** تلاَقِي الذي لاَقَوْه منا لَمَلَّتِ أي فكيف بغيرِ أمِّنا.
وقد تقدّمت الإشارة إلى هذا عند قوله تعالى: ﴿ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ﴾ في هذه السورة [23]، وكنا أحلنا عليه وعلى ما في هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ ولو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة ﴾ الآية في سورة [الأنعام: 111].
والمعنى: لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، أي في وقت ما تواعدتم عليه، لأن غالب أحوال المتواعِدَين أن لا يستوي وفاؤهما بما تواعدا عليه في وقت الوفاء به، أي في وقت واحدٍ، لأنّ التوقيت كان في تلك الأزمان تقريباً يقدّرونه بأجزاء النهار كالضحى والعَصر والغروب، لا ينضبط بالدرج والدقائق الفلَكية، والمعنى: فبالأحرى وأنتم لم تتواعدوا وقد أتيتم سواء في اتّحاد وقت حلولكم في العُدوتين فاعلموا أنّ ذلك تيسير بقدر الله لأنّه قدر ذلك لتعلموا أنّ نصركم من عنده على نحو قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى ﴾ [الأنفال: 17].
وهذا غير ما يقال، في تقارب حصول حاللٍ لأناس: «كأنهم كانوا على ميعاد» كما قال الأسود بن يَعفر يرثي هلاك أحلافه وأنصاره .
*** جَرَتتِ الرياحُ على محلّ ديارهم فكأنهم كانوا على مِيعاد *** فإنّ ذلك تشبيه للحصول المتعاقب.
وضمير ﴿ اختلفتم ﴾ على الوجوه كلّها شامل للفريقين: المخاطبِين والغائبِين، على تغليب المخاطبين، كما هو الشأن في الضمائر مثله.
وقد ظهر موقع الاستدراك في قوله: ﴿ ولكن ليقضى الله أمراً كان مفعولا ﴾ إذ التقدير: ولكن لم تتواعدوا وجئتم على غيرِ اتّعاد ليقضي اللَّهَ أي ليحقّق ويُنجز ما أراده من نصركم على المشركين.
ولمّا كان تعليل الاستدراك المفادِ بلكِنْ قد وقع بفعللٍ مسند إلى الله كان مفيداً أنّ مجيئهم إلى العُدوتين على غير تواعد كان بتقدير من الله عِنايةً بالمسلمين.
ومعنى ﴿ أمراً ﴾ هنا الشيء العظيم، فتنكيره للتعظيم، أو يجعل بمعنى الشأن وهم لا يطلقون (الأمر) بهذا المعنى إلاّ على شيءٍ مهمّ، ولعلّ سبب ذلك أنه ما سمّي (أمراً) لا باعتبار أنّه ممّا يؤمر بفعله أو بعمله كقوله تعالى: ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ [مريم: 21] وقوله: ﴿ وكان أمر الله قدراً مقدوراً ﴾ [الأحزاب: 38].
و ﴿ كان ﴾ تدلّ على تحقّق ثبوت معنى خبرها لاسمها من الماضي مثل ﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾ [الروم: 47] أي ثبت له استحقاق الحَقية علينا من قديم الزمن.
وكذلك قوله: ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ [مريم: 21].
فمعنى ﴿ كان مفعولا ﴾ أنّه ثبت له في علم الله أنّه يُفعل.
فاشتق له صيغة مفعول من فَعَل للدلالة على أنّه حين قدرت مفعوليته فقد صار كأنّه فُعل، فوصف لذلك باسم المفعول الذي شأنه أن يطلق على من اتّصف بتسلط الفعل في الحال لا في الاستقبال.
فحاصل المعنى: لينجز الله ويوقع حدثاً عظيماً متّصفاً منذ القدم بأنّه محقّق الوقوع عند إبّانه، أي حقيقاً بأن يُفعل حتّى كأنّه قد فعل لأنّه لا يمنعه ما يحفّ به من الموانع المعتادة.
وجملة: ﴿ ليهلك من هلك عن بينة ﴾ في موضع بدل الاشتمال من جملة: ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولا ﴾ لأنّ الأمر هو نصر المسلمين وقهر المشركين وذلك قد اشتمل على إهلاك المهزومين وإحياء المنصورين وحَفّه من الأحوال الدالّة على عناية الله بالمسلمين وإهانته المشركين ما فيه بيّنه للفريقين تقطع عذر الهالكين، وتقتضي شكرَ الأحياء.
ودخول لام التعليل على فعل ﴿ يهلك ﴾ تأكيد للام الداخلة على ل ﴿ يقضي ﴾ في الجملة المبدل منها.
ولو لم تدخل اللام لقيل: يَهْلِكُ مرفوعاً.
والهلاك: الموت والاضمحلال، ولذلك قوبل بالحياة.
والهَلاك والحياة مستعاران لمعنى ذهاب الشوكة، ولمعنى نهوض الأمة وقوتها، لأنّ حقيقة الهلاك الموت، وهو أشد الضرّ فلذلك يشبَّه بالهلاك كلّ ما كان ضُرّاً شديداً، قال تعالى: ﴿ يهلكون أنفسهم ﴾ [التوبة: 42]، وبضدّه الحياة هي أنفع شيء في طبع الإنسان فلذلك يشبه بها ما كان مرغوباً، قال تعالى: ﴿ لينذر من كان حياً ﴾ [يس: 70] وقد جمع التشبيهين قوله تعالى: ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ [الأنعام: 122].
فإن الكفار كانوا في عزّة ومنعة، وكان المسلمون في قِلّة، فلما قضى الله بالنصر للمسلمين يوم بدر أخفق أمر المشركين ووهنوا، وصار أمر المسلمين إلى جدّة ونهوض، وكان كلّ ذلك، عن بينة، أي عن حجّة ظاهرة تدلّ على تأييد الله قوماً وخذلِه آخرين بدون ريببٍ.
ومن البعيد حمل ﴿ يهلك ﴾ و ﴿ يحيى ﴾ على الحقيقة لأنّه وإن تحمَّله المعنى في قوله: ﴿ ليهلك من هلك ﴾ فلا يتحمّله في قوله: ﴿ ويحيى ممن حي ﴾ لأنّ حياة الأحياء ثابتة لهم من قبل يوم بدر.
ودلّ معنى المجاوزة الذي في ﴿ عن ﴾ على أنّ المعنى، أن يكون الهلاك والحياة صادرين عن بيّنة وبارزين منها.
وقرأ نافع، والبَزّي عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب، وخلف «حَييَ» بإظهار الياءَيْن، وقرأه البقية: «حَيَّ» بإدغام إحدى الياءين في الأخرى على قياس الإدغام وهما وجهان فصيحان.
و ﴿ عن ﴾ للمجاوزة المجازية، وهي بمعنى (بعد)، أي: بعد بيّنة يتبيّن بها سبب الأمرين: هلاك من هلك، وحياة من حيي.
وقوله: ﴿ وإن الله لسميع عليم ﴾ تذييل يشير إلى أنّ الله سميع دعاء المسلمين طلب النصر، وسميع ما جرى بينهم من الحوار في شأن الخروج إلى بدر ومن مودّتهم أن تكون غير ذات الشوكة هي إحدى الطائفتين التي يلاقونها، وغير ذلك، وعليم بما يجول في خواطرهم من غير الأمور المسموعة وبما يصلح بهم ويبني عليه مجد مستقبلهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي شَفِيرَ الوادِي بِبَدْرٍ، الأدْنى إلى المَدِينَةِ.
﴿ وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى ﴾ يَعْنِي شَفِيرَ الوادِي الأقْصى إلى مَكَّةَ.
وَقالَ الأخْفَشُ: عُدْوَةُ الوادِي هو مِلْطاطُ شَفِيرِهِ الَّذِي هو أعْلى مِن أسْفَلِهِ، وأسْفَلَ مِن أعْلاهُ.
﴿ والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي عِيرَ أبِي سُفْيانَ أسْفَلَ الوادِي، قالَ الكَلْبِيُّ: عَلى شاطِئِ البَحْرِ بِثَلاثَةِ أمْيالٍ.
﴿ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَوْ تَواعَدْتُمْ أنْ تَتَّفِقُوا مُجْتَمِعِينَ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ، بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِذَلِكَ.
والثّانِي: ولَوْ تَواعَدْتُمْ ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَةُ عَدُوِّكم مَعَ قِلَّةِ عَدَدِكم لَتَأخَّرْتُمْ فَنَقَضْتُمُ المِيعادَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: ولَوْ تَواعَدْتُمْ ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَةُ عَدُوِّكم مِن غَيْرِ مَعُونَةِ اللَّهِ لَكم لَأخْلَفْتُمْ بِالقَواطِعِ والعَوائِقِ في المِيعادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيُقْتَلَ بِبَدْرٍ مَن قُتِلَ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ عَنْ حُجَّةٍ، ولِيَبْقى مَن بَقِيَ عَنْ قُدْرَةٍ.
والثّانِي: لِيَكْفُرَ مِن قُرَيْشٍ مَن كَفَرَ بَعْدَ الحُجَّةِ بِبَيانِ ما وُعِدُوا، ويُؤْمِنَ مَن آمَنَ بَعْدَ العِلْمِ بِصِحَّةِ إيمانِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا ﴾ قال: شاطئ الوادي ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ قال: أبو سفيان.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا...
﴾ الآية.
قال: العدوة الدنيا: شفير الوادي الأدنى، والعدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ قال: كان أبو سفيان أسفل الوادي في سبعين راكباً.
ونفرت قريش وكانت تسعمائة وخمسين، فبعث أبو سفيان إلى قريش وهم بالجحفة: إني قد جاوزت القوم فارجعوا.
قالوا: والله لا نرجع حتى نأتي ماء بدر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ قال: أبو سفيان وأصحابه مقبلين من الشام تجاراً لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بكفار قريش، ولا كفار قريش، بهم حتى التقوا على ماء بدر، فاقتتلوا فغلبهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأسروهم.
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم بالعدوة القصوى ﴾ من الوادي إلى مكة ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ يعني أبا سفيان وغيره، وهي أسفل من ذلك نحو الساحل ﴿ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ﴾ أي ولو كان على ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ما التقيتم ﴿ ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ أي ليقضي ما أراد بقدرته من اعزاز الإِسلام وأهله واذلال الكفر وأهله من غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه، فأخرجه الله ومن معه إلى العير لا يريد غيرها، وأخرج قريشاً من مكة لا يريدون إلا الدفع عن عيرهم، ثم ألف بين القوم على الحرب وكانوا لا يريدون إلا العير، فقال في ذلك ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ ليفصل بين الحق والباطل ﴿ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة ﴾ أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآيات والعبر، ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ﴾ يجوز أن تتعلق (إذ) بمضمر معناه: واذكروا إذ أنتم، كما قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ﴾ ، فأضمر هاهنا، ويجوز أن تتعلق بالمصدر الذي هو (الفرقان) في قوله: ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ ﴾ المعنى: يوم فرق الله بين الحق والباطل إذ أنتم بهذا الموضع.
وأما العدوة: فقال ابن السكيت: عِدوة الوادي وعُدوته: جانبه والجمع عِدىً وعُدَى (١) (٢) وقرئ باللغتين جميعًا (٣) قال الأخفش: الكسر كلام العرب، لم يسمع منهم غير ذلك (٤) (٥) و ﴿ الدُّنْيَا ﴾ : تأنيث الأدنى، وضده القصوى، وهو تأنيث الأقصى، وكل شيء تنحى عن شيء فقد قصى يقصو (٦) وأما الكلام في اختلاف (الدنيا) و (القصوى) بالياء والواو وهما من باب واحد، فقال الحراني عن ابن السكيت: ما كان من النعوت مثل العليا والدنيا فإنه يأتي بضم أوله وبالياء؛ لأنهم يستثقلون الواو مع ضمة أوله، وليس (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) قال المفسرون جميعًا: إذ أنتم نزولٌ بشفير (١٢) (١٣) وكان الجمعان قد نزلا الوادي الذي ببدر على هذه الصفة قد اكتنفا شفيريه.
قال أهل المعاني: معنى (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ﴾ ، قال ابن السكيت: الركب أصحاب الإبل، وهم العشرة فما فوقها (١٧) ويقال: سفل يسفل سفاله وسفلًا فهو سافل، نقيض علا يعلو، قال المفسرون: يعني أبا سفيان وأصحابه وهم العير التي خرجوا ليأخذوها، كانت في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر (١٨) قال أبو إسحاق: الوجه أن تنصب (أسفل) -وعليه القراءة- أراد: مكانًا أسفل، ويجوز الرفع على أن تريد: والركب (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ﴾ ، قال ابن إسحاق: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج رسول الله وأصحابه ليأخذوها، وخرجت قريش تمنعه، فالتقوا ببدر ولم يشعروا (٢٢) ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ﴾ لكثرتهم وقلتكم، يعني: لو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخرتم وفنقضتم الميعاد، هذا معنى قول المفسرين (٢٣) وقيل: لو تواعدتم من غير لطف الله لكم لاختلفتم بالعوائق والقواطع (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ في الكلام حذف واختصار يدل عليه الفحوى، تقديره: ولكن جمعكم الله من غير ميعاد: ﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ وإن شئت أخرت المقدر فقلت: ﴿ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ جمعكم من غير ميعاد، قال ابن عباس: يريد: ليتم الله لنبيه وللمؤمنين موعده؛ ليقر عين نبيه وأعين المؤمنين (٢٥) (٢٦) (٢٧) قوله تعالى: ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ فهذه اللام مكررة على اللام في قوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ﴾ المعنى: ولكن فعل ذلك ليهلك، وأكثر أهل العلم على أن المراد بالهلاك هاهنا: الكفر والضلال، وبالحياة: الاهتداء والإسلام (٢٨) قال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره، ويؤمن من آمن على مثل ذلك (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وذهب آخرون إلى أن معنى الهلاك هاهنا: الموت (٣٣) (٣٤) ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ ﴾ قرئ بيائين، وقرئ بياء واحدة مشددة (حيّ) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴾ فلم تحذف كما حذفت الياء من قوله: ﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال ﴾ وهذا يدلك على أنها بالحركة قد صارت في حكم الصحيح، وإذا صار كذلك جاز الإدغام فيها كما جاز في الصحيح، وعلى هذا جاء ما أنشد من قوله (٤٠) عَيُّوا بأمرهم كما ...
عيّت ببيضتها الحمامه وقال المتلبس (٤١) فهذا أوان العرض حي ذبابة ...
زنابيره والأزرق المتلمس (٤٢) (٤٣) ﴿ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾ ، فلا يجوز فيه الإدغام؛ لأن حركة النصب غير لازمة، ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم مع الرفع، وإذا لم تلزم لم يجز الاعتداد بها، كأشياء (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وأما من أظهر فقال: (حيي) ولم يدغم فلأن حركة اللام في (حيي) تزول لاتصالها بالضمير إذا قلت: حَيِيت، فصار زوال الحركة عن اللام في هذا البناء بمنزلة زوال حركة النصب عن المعرب لحدوث إعراب آخر فيه، ويقوي البيان في هذا ما حكاه يونس عن العرب: أحيياء، وأحييه وفي جمع حي، فبينوا، مع أن الحركة غير مفارقة، فإذا لم يدغموا ما لم تفارقه الحركة فلأن لا يدغموا ما تفارقه الحركة كان (٤٨) (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: سميع لدعائكم وابتهالكم وتضرعكم، عليم بنياتكم وحبكم لربكم ونصرتكم لنبيكم وطاعتكم لله (٥٠) (١) "تهذيب إصلاح المنطق" ص 295، و"تهذيب اللغة" (عدا) 3/ 2348.
(٢) "تهذيب اللغة" (عدا) 3/ 2348، والنص في كتاب "العين" (عدو) 2/ 216.
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بكسر العين، والباقون بضمها.
انظر: كتاب "السبعة" ص 306، و"تحبير التيسير" ص 118.
(٤) "الحجة" 4/ 129، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 361، والفخر الرازي 15/ 167، وأبي حيان 4/ 499، وهو مخالف لقوله في "معاني القرآن" 1/ 350، فقد ذكر اللغتين ورجح القراءة بالضم.
(٥) انظر: "زاد المسير" 3/ 361، ولم أجده في "فصيح ثعلب".
(٦) في (ح): (يقصى)، والصواب ما أثبته، إذ في كتب اللغة: كل شيء تنحى عن شيء فقد قصى يقصو قصوًا.
انظر: كتاب "العين" (قصو) 5/ 187، و"تهذيب اللغة" (قصا) 3/ 2969، و"لسان العرب" (قصا) 6/ 3657، أما الفعل (يقصى) فهو مضارع (قصي) بالكسر يقال: قصي فلان عن جوارنا يقصى قصًا، أي: بعد، انظر: "لسان العرب" (قص) 6/ 3608.
(٧) في "تهذيب اللغة": فليس.
(٨) "تهذيب اللغة" (قصا) 3/ 2969.
وانظر: "تهذيب إصلاح المنطق" ص 346.
(٩) يعني: ذوات، كما في "اللسان" 6/ 3657، مادة (قصا).
(١٠) في كتاب "العين": الفتيا لغة في الفتوى.
(١١) كتاب "العين" (قصو) 5/ 187، وقد تصرف الواحدي بعبارة الخليل بالحذف والزيادة.
(١٢) أي: حده وحرفه، انظر: "مقاييس اللغة" (شفر) 3/ 200.
(١٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 10، والثعلبي 6/ 63 أ، و"الدر المنثور" 3/ 341.
(١٤) ساقط من (ح).
(١٥) ساقط من (ح).
(١٦) لم أقف عليه.
(١٧) "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" (رك ب) 1/ 309، والنص باختصار في "تهذيب إصلاح المنطق" ص 114.
(١٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 10، والثعلبي 6/ 63 أ، والبغوي 3/ 363.
(١٩) ساقط من (ح).
(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 417 مع التقديم والتأخير والحذف.
(٢١) انظر: "معاني القرآن" 1/ 411.
(٢٢) في "السيرة النبوية" 2/ 319، كلام يشبه هذا من حيث المعنى، ثم تبين لي أن ابن إسحاق هذا ليس صاحب السيرة بل هو عمير بن إسحاق أبو محمد مولى بني هاشم، تابعي متكلم فيه، لينه ابن معين، وقال الحافظ ابن حجر: مقبول.
انظر: "الكاشف" 2/ 96 (4282)، و"التقريب" ص 431 (5179)، وأثره هذا رواه ابن جرير 7/ 11 بلفظ مقارب.
(٢٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 11، والثعلبي 6/ 63 ب، والبغوي 3/ 363، وابن الجوزي 3/ 362.
(٢٤) هذا قول أحمد بن عمار المهدوي المفسر، انظر.
"المحرر الوجيز" 6/ 319 ، وقد ذكر هذا القول أيضًا الماوردي 2/ 322 دون نسبة.
(٢٥) "تنوير المقباس" ص 182 بمعناه.
(٢٦) في (ح): (ليقضي).
(٢٧) ذكر معنى هذا القول أبو الليث السمرقندي 3/ 341، وابن عطية 6/ 320، وأبو حيان 4/ 501، ولم أجده عند أهل المعاني.
(٢٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 12، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 159، و"تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1708، والسمرقندي 2/ 19، وابن عطية 6/ 321، وابن كثير 2/ 328، وقد ذهب ابن جرير إلى أن المعنى: ليموت من مات عن حجة ويعيش من عاش عن حجة.
(٢٩) "السيرة النبوية" 2/ 319 مع اختلاف يسير.
(٣٠) في (ح): (يهدى)، وهو كذلك في "تفسير البغوي"، وما أثبته موافق لـ"تفسير الثعلبي" وهو أولى لأن الكلمة تفسير لقوله تعالى: ﴿ يَحْيَى ﴾ ولموافقته لقول قتادة: من اهتدى.
(٣١) رواه الثعلبي 6/ 63 ب، والبغوي 3/ 363.
(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 418.
(٣٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 12، والماوردي 2/ 322، وابن الجوزي 3/ 363، والبغوي 3/ 363.
(٣٤) هذا قول الثعلبي، انظر: "تفسيره" 6/ 63 ب.
(٣٥) قرأ نافع وأبو بكر، عن عاصم والبزي، عن ابن كثير بالفك وعدم التشديد، وقرأ باقي السبعة بالإدغام والنطق بياء واحدة مشددة انظر "إرشاد المبتدي" ص 347، و"تحبير التيسير" ص 118، و"الوافي في شرح الشاطبية" ص280.
(٣٦) في "معاني القرآن وإعرابه": عن.
(٣٧) المصدر السابق 2/ 418.
(٣٨) يعني الحرف، ولذا ذكّره وهو كذلك في بعض نسخ "الحجة للقراء السبعة"، وجاء في بعضها: فصارت، بالتأنيث، وكذا في موضعين بعده، ونصه: فصارت بلزوم الحركة لها مشابهة ...
إلخ.
وهذا ما اختاره المحققان للحجة.
(٣٩) ساقط من (ح).
(٤٠) البيت لعبيد بن الأبرص كما في "ديوانه" ص 138، و"أدب الكاتب" ص 54، و"الحيوان" 3/ 189، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 430، و"لسان العرب" (حيا) 2/ 1080.
(٤١) هو: جرير بن عبد العزى -أو عبد المسيح- من بني ضبيعة من ربيعة، شاعر جاهلي من أهل البحرين، وهو خال طرفة بن العبد، صاحب المعلقة وكان ينادم ملك العراق عمرو بن هند ويمدحه ثم هجاه فأراد عمرو قتله ففر إلى الشام، وتوفي نحو سنة 50 ق هـ.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 99، و"الأعلام" 2/ 119.
(٤٢) البيت في "ديوانه" ص 123، وانظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 2/ 622، و"المعاني الكبير" 2/ 406.
قال المرزوقي في الموضع السابق: يروى (جُنّ ذبابه) أي كثر ونشط، والعرض: واد من أودية اليمامة، وكأنه قال: وهذا الذي ذكرت هو في هذا الأوان، وقوله (حيّ ذبابه) أي عاش بالخصب فيه، وزنابيره يرتفع على أنه بدل من الذباب، وذباب الروض قد تسمى زنابير وقوله (والأزرق) إشارة إلى جنس آخر غير الأول، وهو ما كان أخضر ضخمًا، والمتلمس: الطالب اهـ.
باختصار.
(٤٣) ما بين المعقوفين نصه في "الحجة" هكذا: كل موضع يلزم ياء يخشى فيه الحركة، جاز الإدغام في اللام من حيي اهـ، ولم يظهر لي معناه، وقد نقل ابن عطية هذا القول بلفظ مغاير أيضًا ونصه: قال أبو علي: وعبرة هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلية فالإدغام في ماضيه جائز.
"المحرر الوجيز" 6/ 323.
(٤٤) في (ح): (شيئًا).
(٤٥) في (س): (ما قبلها).
(٤٦) ساقط من (ح).
(٤٧) ما بين المعقوفين ليس من كلام أبي علي في "الحجة" كالكلام السابق واللاحق له ، بل ذكره أبو علي في كتابه "الإغفال" ص 827، وقد ذكره الواحدي بمعناه.
(٤٨) ساقط من (ح) و (س).
(٤٩) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 140 - 143، مع تصرف كثير بالحذف والزيادة والتقديم والتأخير.
(٥٠) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 182 مختصراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا ﴾ العامل في إذ التقى والعدوة: شفير الوادي، وقرئ بالضم والكسر وهما لغتان، والدنيا القريبة من المدينة، والقصوى البعيدة ﴿ والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ يعني العير التي كان فيها أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق خوفاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان جمع قريش المشركين قد حال بين المسلمين وبين العير ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد ﴾ أي لو تواعدتم مع قريش ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم، أو لو تواعدتم لم يتفق اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ أي يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة الحجة عليه، ويعيش من عاش بعد البيان له، وقيل: ليهلك من يكفر ويحيى من يؤمن، وقرئ من حيي بالإظهار والإدغام وهما لغتان ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله ﴾ الآية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه فقويت أنفسهم ﴿ لَّفَشِلْتُمْ ﴾ أي جبنتم عن اللقاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بالعدوة ﴾ بكسر العين في الحرفين: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم.
﴿ من حيي ﴾ بياءين: أبو جعفر ونافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي ونصير وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالإدغام ﴿ ولا تنازعوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ وتذهب ﴾ بالجزم للجزاء عن هبيرة ﴿ وإذ زين ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة في رواية خلاد ابن سعدان وهشام ﴿ إني أرى ﴾ ، ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ تراءت الفئتان ﴾ بالإمالة: نصير.
الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما قبلها تقديره: واعلموا واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم.
﴿ الجمعان ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ أسفل منكم ﴾ ط ﴿ في الميعاد ﴾ لا لعطف لكن ﴿ مفعولا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ من حيَّ عن بينه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ لا لتعلق "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ مفعولا ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ واصبروا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ج لما ذكر ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ جار لكم ﴾ ط ﴿ أخاف الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما أمر بالقتال في قوله ﴿ وقاتلوهم ﴾ والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهراً.
وقوله ﴿ من شيء ﴾ بيان "ما" أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط.
وقوله ﴿ فأن الله ﴾ بالفتح مبتدأ محذوف الخبر.
وروى الجعفي عن أبي عمرو ﴿ فإن الله ﴾ بالكسر.
قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد.
عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر.
وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً في الهجرة.
واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسماً بخمسة وعشرين قسماً عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضاً لما روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم - وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل - أنهما قالا لرسول الله : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟
فقال : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين.
وثلاثة أخماس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل.
وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء.
فعلى مذهب الإمامين.
معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه وللرسول ﴾ فأن لرسول الله خمسة كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم.
والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل: إن ذلك السهم لبيت المال.
وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما روي أنه كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله.
وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء.
وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئاً، وروي عن زيد بن علي أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً ولا أن نركب منه البراذين.
وقيل: الخمس كله للقرابة لما روي عن علي أنه قيل له: إن الله قال ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وعن الحسن: في سهم رسول الله أنه لولي الأمر من بعده.
وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك.
فعند هذا يكون معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه ﴾ أن من حق الخمس أن يكون متقرباً به إلى الله لا غير.
ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلاً لها على غيرها كقوله ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ﴾ وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علماً يتضمن العلم والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة ﴿ يوم الفرقان ﴾ يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل.
والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فبذلك نصر القليل على الكثير ﴿ إذ أنتم ﴾ بدل من يوم الفرقان ﴿ بالعدوة ﴾ بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته.
وقال أبو عمرو، هي المكان المرتفع و ﴿ الدنيا ﴾ تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن "فعلى" من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضاً قليلاً والعدوة القصوى مما يلي مكة ﴿ والركب ﴾ يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير ﴿ أسفل منكم ﴾ بالساحل وهو نصبب على الظرف مرفوع المحل خبراً للمبتدأ أي مكاناً أسفل من مكانكم والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان.
وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه.
﴿ ولو تواعدتم ﴾ أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه ﴿ ولكن ليقضي الله ﴾ أي ليظهر ﴿ أمراً كان مفعولاً ﴾ مقدراً وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك.
وقوله ﴿ ليهلك ﴾ بدل من ﴿ ليقضي ﴾ بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام.
وفي قوله ﴿ ليقضي ﴾ و ﴿ ليهلك ﴾ دلالة على أن أفعاله مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة.
﴿ وإن الله لسميع ﴾ لدعائكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم ﴿ إذ يريكم ﴾ منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقيان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم ﴿ في منامك ﴾ أي في رؤياك ﴿ قليلاً ﴾ أراه وإياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.
وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف.
﴿ ولو أراكهم كثيراً ﴾ على ما هم عليه ﴿ لفشلتم ﴾ والفشل الجبن والخور.
﴿ ولتنازعتم في الأمر ﴾ أمر الحرب والإقدام ﴿ ولكن الله سلم ﴾ عصم من الفشل والتنازع ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ يبصركم إياهم ﴿ إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ﴾ نصب على الحال لأن الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقاً لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ فعل ما فعل من التقليل ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها.
وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً للمعاد.
ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال ﴿ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما.
﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ في مواطن الحرب ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة.
وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقاً أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضارباً بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجراً.
وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلى مع التمسك بسائر الطاعات ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير "أن" في قوله ﴿ وتذهب ريحكم ﴾ على القراءتين.
والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها.
يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره.
وقيل: الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله.
وفي الحديث: "نصرت بالصبا" حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله.
احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالباً إلى النزاع المنهى عنه.
وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس.
قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب.
فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ﴾ الآية.
وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضاً شدّة المرح.
والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر.
وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر.
وثالثها قوله ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي يمنعون عن قبول دين محمد .
قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفاً للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالاً على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون.
واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل.
ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيهاً على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد.
قلت: لو جعلنا قوله ﴿ ويصدون ﴾ عطفاً على صلة "الذين" لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان.
﴿ والله بما يعملون محيط ﴾ فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار.
﴿ وإذ زين ﴾ معناه واذكر إذ زين أو هو معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ وفي هذا التزيين وجهان: أحدهما.
أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو قول الحسن والأصم.
وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم.
فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله.
وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية ﴿ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ﴾ أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولاً بمعنى لا غالب إلا إياكم لانتصب كما يقال لا ضارباً زيداً.
﴿ وإني جار لكم ﴾ أي مجيركم من بني كنانة أو من كل عدوّ يعرض من البشر.
ومعنى الجار ههنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار.
﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى ﴿ نكص على عقبيه ﴾ والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع.
﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟
أتخذلنا في هذه الحالة فقال ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفي الحديث: "ما رؤي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزل الرحمة إلا ما رأى يوم بدر" وأما قوله ﴿ إني أخاف الله ﴾ فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.
قال قتادة: صدق في قوله ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ وكذب في قوله: ﴿ إني أخاف الله ﴾ وقوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضاً وظرفه ﴿ إذ يقول ﴾ أو لا ظرف له ﴿ وإذ يقول ﴾ ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف.
و ﴿ المنافقون ﴾ قوم من الأوس والخزرج بالمدينة ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش وأسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا.
ثم إن قريشاً لما خرجوا إلى رسول الله قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق.
ثم قتلوا جميعاً مع المشركين يوم بدر.
﴿ غرّ هؤلاء دينهم ﴾ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم.
وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت.
ثم قال جواباً لهم ﴿ ومن يتوكل على الله ﴾ يكل أمره إليه ويثق بفضله ﴿ فإن الله عزيز ﴾ غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير ﴿ حكيم ﴾ يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه.
التأويل: ﴿ واعلموا ﴾ يا أهل الجهاد الأكبر ﴿ أنما غنمتم ﴾ عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً ﴿ ولذي القربى ﴾ يعني الإخوان في الله مواصلاً ﴿ واليتامى ﴾ يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال ﴿ والمساكين ﴾ الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم ﴿ وابن السبيل ﴾ يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة على حسب صدقهموإرادتهم واستعدادهم.
إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عياناً ﴿ وبما أنزلنا على عبدنا ﴾ في سفر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ﴿ يوم الفرقان ﴾ الذي فيه الرحمن علم القرآن ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود ﴿ إذ أنتم ﴾ أيها الصادقون في الطلب ﴿ بالعدوة الدنيا ﴾ نازلة ﴿ وهم بالعدوة القصوى ﴾ أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة.
﴿ ولو تواعدتم ﴾ أيها الأرواح والنفوس والأجساد ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ لما بينكم من التباين والتضاد ﴿ ولكن ﴾ جمعكم الله بالقدرة والحكمة ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها ﴿ فيهلك من هلك عن بينة ﴾ عن حجة ثابتة عليه ﴿ ويحيا من حيى عن بينة ﴾ فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ﴿ ارجعي إلى ربك راضية ﴾ ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ وأبدانهم في جنات النعيم كما قال ﴿ وادخلي جنتي ﴾ ﴿ إن الله لسميع ﴾ من دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال ﴿ عليم ﴾ بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴾ مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى ﴿ لفشلتم ﴾ على عادة طبع الإنسان ﴿ ولكن الله سلم ﴾ من الخوف البشري ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة.
﴿ وإذا لقيتم فئة ﴾ هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها ﴿ فاثبتوا ﴾ على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا ﴾ من ديار أوصافهم وتركوا الدينا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران.
﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة.
﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله فئة الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس لها ﴿ نكص على عقبيه ﴾ زهق باطله وصار مخالفاً للنفس كما قال ﴿ إني بريء منكم ﴾ ، ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال ﴿ إني أخاف الله ﴾ وفيه إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إن الغنيمة: هي التي أصاب المسلمون من أموال المشركين بالقتال عنوة، والفيء: ما يعطون بأيديهم صلحاً.
والغنيمة يأخذ الإمام الخمس منها، والباقي يقسم بينهم، والفيء يأخذه الإمام فيضعه في مصلحة المسلمين، وليس فيه الخمس.
وقال بعضهم: الغنيمة والفيء واحد.
ثم قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر الخمس، ولم يذكر الأربعة أخماس أنها لمن، لكنها للمقاتلة بقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ ، فكانت الغنيمة كلها لمن غنمها بظاهر هذه الآية، إلا ما استثنى الله منها بالآية الأولى، وهو الخمس، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وعلى ذلك تواترت الأخبار عن رسول الله وعن صحابته موقوفة من بعده.
"روي أن النبي سئل عن المال - يعني الغنيمة - فقال: لي خمسة، وأربعة أخماسه لهؤلاء" يعني: المسلمين.
وروي أنه قسمها بين المقاتلة، يعني: الأربعة الأخماس.
وفي بعض الأخبار "أن أبا الدرداء وعبادة بن الصامت والحارث بن معاوية كانوا جلوساً، فقال أبو الدرداء: أيكم يذكر حديث رسول الله حيث صلى إلى بعير من المغنم، فلما انصرف فتناول من وبر البعير، فقال: ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس، ثم هو مردود فيكم" وعن ابن عمر - - قال: كانت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء، ثم يسهم عليها، فما صار لرسول الله فهو له.
وعن ابن عباس - - قال: كانت الغنيمة تغتنم على خمسة أخماس؛ فأربعة منها لمن قاتل عليها.
وغير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك اتفاق الأئمة.
ومنهم من يقول: يقسم على ستة: سهم لله يجعل في ستر الكعبة، وسهم لرسوله ينتفع به.
ومنهم من قال: يقسم على خمسة: سهم لرسوله، وأربعة أخماسه لمن غنم.
ومنهم من يقول: يقسم على أربعة: سهم لرسوله، وثلاثة أرباعه لمن غنم.
ثم قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ تحتمل إضافة ذلك إلى نفسه وجهين: أحدهما: لما جعل ذلك لإقامة العبادات وأنواع البر والخير والقرب التي هي لله، فأضيف إليه على ما أضيفت المساجد إليه بقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ ، وإن كانت البقاع كلها لله، وكذلك ما سمى الكعبة: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله؛ لما جعلها لإقامة العبادات وأنواع القرب، فأضيف إلى الله ذلك؛ فعلى ذلك تحتمل إضافة ذلك السهم إلى الله؛ لما جعله لإقامة العبادات والقرب وأنواع البر، والله أعلم.
والثاني: أضاف ذلك إلى نفسه خصوصية لرسول الله إذ كان ذلك لرسوله، وكان رسول الله في جميع أحواله وأموره [لله] خالصاً، لم يكن لنفسه ولا لأحد من الخلق؛ فعلى ذلك جميع ماله وما كانت تحويه يده لم يكن له، إنما كان ذلك لله خالصاً، يصرف ذلك في أنواع القرب والبرّ؛ في القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، الأحياء منهم والأموات جميعاً، والقريب منهم والبعيد جميعاً.
ألا ترى أنه قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" ، هذا يدل أن ما يتركه صدقة لا يورث عنه، ولو كان له لتوارث ورثته ما يورث عن غيره؛ دل أن نفسه وماله كان لله خالصاً، وكذلك جميع أموره لله.
ألا ترى أنه روي في الخبر أنه كان يجوع يوماً، ويشبع يوماً، ويجوع ثلاثاً، وكان يربط الحجر على بطنه للجوع.
فإذا [كان ذلك] كان إضافة ذلك الخمس إلى الله لخصوصية له، وخلوص نفسه وماله له، وإن كان جميع الخلائق وما تحويه أيديهم لله حقيقة، لكن لهم فيها الانتفاع وقضاء الحوائج والتدبير لأنواع التصرف في ذلك، ولمشاركته غيره في ذلك لم يخصه بالإضافة إليه، وإن كان ذلك كله لله حقيقة.
ولما كانت نفس رسول الله وما تحويه يده لله لا تدبير له في ذلك، ولا شرك لأحد فيه، خصّ بإضافة ذلك إليه وكله لله حقيقة، وهذا كما قال - الله أعلم -: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ ، وقال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ﴾ ، وقال: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ خصّ بالذكر ملك ذلك اليوم والبروز له؛ لما ينقطع يومئذ تدبير جميع ملوك الأرض، ويذهب سلطانهم عنهم، ويصفو البروز له، وإن كان الملك في الأحوال كلها والأوقات جميعاً، وكذلك البروز له، والمصير إليه، وإن كان ذلك راجعاً إليه في كل الأحوال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
ثم ليس في ظاهر الآية دليل أن المراد بقوله: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قرابة رسول الله ، بل في ظاهرها دلالة أنه أراد به قرابة أهل السهام في ذلك؛ لأنه خاطب به الكل بقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، وظاهره أنه أراد به قربى من خاطب، وكان الخطاب لهم جميعاً.
ألا ترى أنه لم يفهم من قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ﴾ قرابة رسول الله ، ولكن قرابة المخاطبين، وكذلك لم يرجع قوله: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ ﴾ إلى قرابة رسول الله بل إلى قرابة المخاطبين به؛ فعلى ذلك الظاهر من قوله: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، إلا أن يقال: أراد قرابة رسول الله بدلالة أخرى سوى ظاهر الآية، وهو ما روي أنه قسم الخمس بين بني هاشم، وما روي أنه قال: "مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" وما روي أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى [فكتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذي القربى] لمن هو؟
وهل هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا.
فدل فعل عمر هذا على أن التأويل في الخمس كان عنده أن رسول الله كان يصل به قرابته، ويسد بالخمس حاجتهم؛ إذ كان جعل سبيل الخمس ما ذكرنا أنه لله، بمعنى أنه يصرف في [وجوه التقرب] إليه، فلو كان الخمس حقّاً لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم، وما يأخذه الأغنياء من الخمس فإنه لا يجري مجرى الصدقة، ولا يجري مجرى القرابة، فبان بذلك أنه لا يعطى منه أغنياؤهم؛ بل [يصرف] إلى فقرائهم على قدر حاجتهم؛ إذ لم يكن له مكاسب سواه يصل بها كما يكون لغيره من الناس من المكاسب وأنواع الحرف.
ومما يدل على أن رسول أعطى بعض القرابة دون بعض: ما روي عن جبير بن مطعم قال: "لما قسم رسول الله سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، أتيت أنا وعثمان، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنهم لا يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه" .
وقوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، بين أن خمس الغنيمة يصرف في وجوه البرّ والقرب إلى الله، ثم فسر تلك الوجوه فقال: ﴿ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، فكانت تسمية هذه الأصناف - والله أعلم - تعليماً لنا أن الخمس يصرف فيمن ذكر من أهلها دون غيرهم، وليس ذلك إيجاباً منه لكل صنف منهم شيئاً معلوماً، ولكن على بيان الأصل والموضع، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ...
﴾ الآية، حمل أصحابنا ذلك على أن الصدقة لا تجوز إلا لمن كان من أهل هذه الأصناف دون غيرهم، ولم يحملوا الأمر على أن لكل صنف منهم شيئاً معلوماً محدوداً، ولكن على بيان أهلها، وعلى ذلك روي عن جماعة من الصحابة - م - منهم: عمر، وعلي، وحذيفة، وابن عباس، وجماعة من السلف ممن يكثر عددهم، قالوا: إذا وضعت الصدقة في صنف واحد أجزأك.
فلو كان لأهل كل صنف الثمن منها، كان المعطى بها صنفاً واحداً مخالفاً لما أمر به؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ...
﴾ الآية، معناه - والله أعلم - أن الخمس الذي يتقرب به من الغنيمة إلى الله لا يستحقه إلا الرسول ومن كان من الأصناف التي ذكرها، فإلى أيهم دفع ذلك الخمس أجزأه.
وإذا كان التأويل ما وصفنا لم يكن لأحد من أهل هذه الأصناف أن يدعي منه خمساً ولا ربعاً، ولكن يعطى كل من حضر منهم بقدر فاقته وحاجته، وعلى قدر ما يراه الإمام، فإذا جاء فريق آخر، أعطوا مما يدفع إلى الإمام من ذلك الخمس من المال كفايتهم.
وكذلك روي عن ابن عمر أن ابن عباس قال: كان عمر يعطينا من الخمس نحواً مما كان يرى أنه لنا، فرغبنا عن ذلك، وقلنا: حق ذي القربى خمس الخمس، فقال عمر: إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها، فأسعدهم بها أكثرهم عدداً وأشدّهم فاقة، فأخذ ذلك ناس.
وتركه ناس، وكذلك فعل عمر لما ولي الأمر؛ روي عن ابن عباس قال: عرض علينا عمر أن يزوج من الخمس أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا.
فدل فعل عمر على أن القرابة يعطون من الخمس قدر حاجتهم وما تسدّ به فاقتهم؛ إذ لو كان الخمس حقّاً لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم.
[ومما يدل أيضاً على أن الخمس لو كان حقّاً لجميع القرابة غنيهم وفقيرهم]؛ لقسمه رسول الله فيهم كما قسم أربعة الأخماس بين المقاتلة؛ بل أعطى منه بعض القرابة وحرم بعضاً كما ذكرنا في جبير ابن مطعم.
وممّا يدل - أيضاً - أن ذلك لأهل الحاجة منهم دون الكل: ما روي "أن الفضل ابن عباس وفلان دخلا على رسول الله وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح.
فجنئاك لتأمرنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي العمال، ونصيب منها ما يصيبون، فسكت طويلا حتى أردنا [أن نكلمه] ثانياً، حتى جعلت زينب تلمح إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: ألا إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس [ادعوا إليَّ محمية] - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن [عبد] المطلب، فجاءاه، فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك: للفضل فأنكحه، وقال لنوفل: انكح هذا الغلام ابنتك فأنكحه، ثم قال لمحمية: أصدقهما من الخمس" وكذا دل هذا على أن الحق لهم فيه لأهل الحاجة منهم.
ومما يدل أيضاً على ذلك ما روي عن رسول الله أنه قال: "مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" لم يخص القرابة بشيء منه، كان سبيلهم سبيل أمر المسلمين يعطي من يحتاج منهم كفايته؛ وعلى هذا أمر الأئمة الراشدين، ولم يغيره علي - - لما ولي الأمر، وكان ذلك عندنا مما لايجوز مخالفتهم عليه.
فإن قيل: لو كان قرابة النبي إنما يعطون من الخمس على سبيل الفقر والحاجة، فهم على هذا يدخلون في عموم المساكين، فما وجه ذكره إياهم إذن؟
قيل: إن الله تبارك - وتعالى - قال في الصدقات: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ ، ثم روي عن النبي - - قال: "لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد" فلو لم يسهم لهم في الخمس، جاز أن يقول قائل: لا يجوز أن يعطوا من الخمس، وإن كانوا فقراء؛ كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقة وإن كانوا فقراء، فكان سبب ذكر الله إياهم في الخمس لذلك، والله أعلم.
ثم اختلف أهل العلم بعد وفاة رسول الله في سهم الرسول وسهم ذي القربى.
فقال طائفة: سهم الرسول للخليفة من بعده، وسهم ذي القربى لقرابة الخليفة.
وقال طائفة: سهم القربى لقرابة الرسول.
وقال الحسن: سهم القرابة لقرابة الخلفاء.
وقال غيره: القرابة قرابة رسول الله.
وقد ذكرنا أنه يحتمل أنه كان له يصل به قرابته بحق الصلة، أو يعطيهم بحق القرابة ما دام حيّاً.
ثم [قد] ثبت عن رسول الله أنه قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة" ، فإذا لم يورث عنه ما قد حازه من سهامه، فكيف يورث عنه ما غنم بعد وفاته؟!
ولو كان سهمه الذي لم يلحقه موروثاً عنه، كان سهمه الذي قد حازه أحرى أن يورث عنه، فإذا لم يورث الذي قد حازه وملكه عنه، لا يورث الآخر، والله أعلم.
وعن عائشة "أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال حق الغنائم" [أي: من الغنائم] والله، لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه فيه إلا أصنعه.
وفي بعض الأخبار قال: "لا يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت سوى نفقة عاملي ومؤنة نسائي فهو صدقة" وعن عمر: "كان لرسول الله مما أفاء الله عليه نفقة سنة، ويجعل ما بقي في مال الله" .
وروي - أيضاً - عنه أنه قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ، وكانت له خالصة، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، ما بقي جعله في الكراع والسلاح" .
فهذه الأخبار تبين أنه لم يورث سهم النبي بعد وفاته، فهي تدل على ألا نقدر بعد موت النبي من خمس الغنائم للخليفة شيئاً، وأن ذلك [إنما] كان خصوصاً لرسول الله ، كالصفي الذي كان له خاصة دون غيره، وكما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكان له ذلك خاصّة، فليس لأحد غير النبي - - خصوص من الخمس؛ كما ليس له خصوص من الصفي وغيره، وإذا كان الأمر في سهم الرسول كما وصفنا، ولم ينقص من الخمس الذي هو لله [شيء] بعد موت النبي، ويخرج ذلك الخمس كله من الغنيمة - فذلك يدل على أن الخمس ليس لأهل هذه السهام حقّاً مقسوماً، ولكن يعطون منه بقدر فاقتهم.
ويدل ذلك - أيضاً - على أنه لا يجب لكل صنف من هذه الأصناف سهم معلوم؛ لأنا قد رددنا سهم النبي من الخمس على سائر السهام، فكما جاز أن يردّ عليهم سهم النبي، فكذلك يجوز أن يجعل سهم اليتامى أو بعضه للمساكين إذا حضروا وطلبوا ولم يحضر اليتامى؛ لأن المعنى في الآية - والله أعلم - ألا يعطى إلا من كان [من] أهل هذه الأصناف فقد وضع الحق في موضعه، ولم يتعد به إلى غيره.
ثم الخطاب في قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ لا يحتمل كلا في نفسه؛ كالخطاب بأداء الزكاة وغيرها من الحقوق، بل الخطاب راجع إلى الجماعة الذين غنموا.
ألا ترى أن العسكر أو السرايا إذا دخلوا دار الحرب، فتفرقوا فيها، فغنم واحد منهم - يجب ضم ذلك إلى جميع العسكر والسرايا، فعند ذلك يخرج الخمس منه؟!
دل أن الخطاب بذلك راجع إلى جماعة، وهي الجماعة التي لهم منعة يقومون للعدو، لا أنه خاطب كل أحد في نفسه؛ فهذا يدل على أن الواحد أو الاثنين إذا دخلوا دار الحرب بغير إذن الإمام فغنم غنائم لا يخمس، ولكن يسلم الكل [له]، وأمّا الغنيمة نفسها لا يحتمل أن ترجع إلى أحد معلوم، أو مقدار محدود؛ كالزكاة وسائر الحقوق؛ لأن الغنيمة شيء يؤخذ من أيدي الكفرة، وإنما يؤخذ قدر ما يظفر به ويوجد؛ فلا يحتمل أن يرجع الخطاب به إلى قدر، دون قدر؛ بل القليل من ذلك والكثير سواء، لا حدّ في ذلك ولا مقدار، ليس كالزكاة وغيرها من الحقوق التي جعل فيها حدّاً، ومقداراً للوجه الذي ذكرنا.
وأما المصيبون لها والآخذون فلهم في ذلك مقدار، وهم الذين لهم منعة.
ثم نذكر مسألة في قسمة السهام بين الرجالة والفرسان، وإن لم يكن في الآية ذكر ذلك: روي عن ابن عمر قال: أعطى رسول الله يوم خيبر الراجل سهماً، [والفارس ثلاثة أسهم سهماً له وسهمين لفرسه].
وعن ابن عباس - ما - قال: أسهم رسول الله يوم خيبر للراجل سهماً، وللفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين للفرس.
[وعن زيد بن ثابت أن رسول الله أعطى الزبير يوم خيبر أربع أسهم: سهم ذي القربى وسهم له وسهمين للفرس].
ثم روي - أيضاً - عن ابن عمر أن رسول الله [كان يقسم للفارس سهمين، وللراجل سهماً].
وعن المقداد أن رسول الله أسهم له يوم بدر سهماً، ولفرسه سهماً.
وعن علي قال: للفارس سهم.
وعن المنذر قال: بعثه عمر في جيش إلى مصر، فأصاب غنائم، فقسم للفارس سهمين [وللراجل سهم فرضي بذلك عمر.
فجعل بعض أهل العلم ما ذكر في هذه الأحاديث من الإسهام للخيل، وقول بعض الرواة ثلاثة أسهم للفرس سهمين].
وقول بعضهم: أسهم للفارس سهمين - اختلافاً وتضادا، فحملوا على التناسخ، وقد يجوز ألا يكون كذلك، وقد تكون زيادته التي زادها النبي للفرس على سهم إن كان محفوظاً ثابتاً لنفل نفله للأفراس حينئذ؛ ترغيباً منه للمقاتلة في اتخاذها وتحريضاً؛ كما يجوز أن يقول الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، ومن جاء برأس كذا فله كذا؛ يحرض بذلك المقاتلة في القتال؛ فعلى ذلك زيادة سهم لمكان الأفراس ترغيباً منه وتحريضاً على اتخاذها.
فأما إذا كثرت الأفراس، فإن سهمانها لا تكون أكثر من سهمان أصحابها؛ لأن الفارس كثر غنمه من فرسه، فإن لم يزد عليه لم ينقص عنه بسهم.
وكان أبو حنيفة - رحمه الله - يسهم للفارس بسهمين، وأبو يوسف - رحمه الله - يرى أن يسهم للفرس سهمين، ولصاحبه بسهم.
واحتج في ذلك بقوله: قال الله - -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ ، فكانت النضير خالصة لرسول الله ، ولم يكن لمن حضرها من المسلمين شيء؛ إذ لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وقد أتوها مشاة، فلما منع الرجالة من السهمان؛ لاستغنائهم في فتحها عن الخيل، جاز أن تزاد الخيل في السهمان على سهمان الرجالة، إذا كان الرجالة يمنعون السهام، وإن حضروا إذا لم يلجئوا إلى ركوب الخيل.
لكن الحجة على هذا ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله لم يحاربوا على النضير فرساناً ولا رجالة، ولو احتاجوا إلى الحرب لاحتاجوا إلى الخيل، فمن حيث لم يحاربوا عليها لم يستحقوا منها شيئاً، وإنما ذكرنا الله - - على سهولة أمرها، وأنهم لم يحاربوا عليها خيلا ولا ركاباً، وإذا لم يحاربوا على مدينة فغنموا مالا، فهو مصروف في مصالح المسلمين لا تجري فيه السهام، فكانت النضير على ما ذكر خالصة للنبي ، يأخذ منها نفقة نسائه، ويصرف سائرها إلى مصالح المسلمين.
ومن الدليل على أن النضير لو احتيج فيها إلى حرب حاربهم النبي وأصحابه رجالة وجرت في غنائمهم القسمة -: أن قوماً من المسلمين لو حاربوا اليوم على مدينة من مدائن الشرك رجالة، قسم ما يغنم منها؛ كما يقسم لو كان معهم فرسان.
ومن الدليل على ذلك - أيضاً -: أن الرجالة إذا كانوا مع الفرسان في الحرب، قسم لهم كما يقسم للفارس خاصة، فلو كانت الغنيمة إنما تقسم لسبب الخيل ما أعطى الرجالة منها شيئاً؛ إذ لا أفراس لهم، وذلك يفسد ما ذكرنا لأبي يوسف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: وإن تولوا هم وقد آمنتم أنتم، فاعلموا أن الله مولاكم، ليس بمولى لهم.
وقالت طائفة: قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ ليس على الشرط على ألا تكون غنيمة إذا لم يكونوا مؤمنين، ولا يجب العدل في القسمة إذا كانوا غير مؤمنين، ولكن على التنبيه والإيقاظ؛ كقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، ليس على أنه لا يجب أن يذروه إذا لم يكونوا مؤمنين، ولكن على ما ذكرنا؛ فعلى ذلك الأوّل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ : الملائكة الذين أرسلهم يوم بدر لنصرة المؤمنين، وأنزل عليهم المطر حتى شدّ الأرض بذلك، فاستقرت أقدامهم وثبتت بعد ما كانت لا تقر الأقدام فيها ولا تثبت، وشربوا منه ورووا بعد ما أصابهم العطش؛ إذ كان المشركون أخذوا المال.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ ﴾ .
قيل: يوم فرق بين الحق والباطل؛ لأنه - عز وجل - جعل يوم بدر آية؛ حيث غلب المؤمنون المشركين مع قلة عددهم، وضعف أبدانهم، وفقد الأسباب التي بها يحارب ويقاتل، وكثرة العدو وقوتهم، ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلموا أنهم غلبوا أولئك وهزموهم بنصر الله إياهم، فكان آية فرق المحق منهم والمبطل.
وقيل: هو يوم الفرقان، ويوم الجمع: جمع النبي والمؤمنين، وجمع المشركين، ويوم الافتراق: افتراق المشركين من المؤمنين انهزامهم، وهو كما سمى يوم القيامة: ﴿ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ في حال، ويوم الافتراق في حال أخرى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: العدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى، والعدوة الدنيا: شفير الوادي الأدنى.
وكذلك قال القتبي: العدوة: الشفير، شفير الوادي.
وقال أبو عوسجة: العدوة: ناحية الوادي التي تليهم، وقال: إنما سميت الدنيا؛ لأنها دنت منك، والآخرة؛ لأنها استأخرت.
وقيل في حرف ابن مسعود: (إذ أنتم بالعدوة العليا وهم بالعدوة السفلى).
[و] قال أبو معاذ: العِدْوَة والعُدْوَة لغتان، والركب والركبان والركاب والراكبون [كله] لغة.
وقال في حرف حفصة: (إذ أنتم بالعدوة القصيا).
وقال بعضهم: ﴿ إِذْ أَنتُمْ ﴾ : معشر المؤمنين، ﴿ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ : من دون الوادي على الشط مما يلي المدينة، ﴿ وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ ﴾ : من الجانب الآخر مما يلي مكة، يعني: مشركي مكة.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ .
يعني: أصحاب العير على ساحل البحر، أو على الماء.
وقال قتادة: جمع الله المشركين والمسلمين ببدر على غير ميعاد، وهما شفيرا الوادي، كان المسلمون بأعلاه، والمشركون بأسفله، ﴿ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ : أبو سفيان انطلق بالعير في ركب نحو الحرب.
وقيل: إذ أنتم بأدنى المدينة، وهم بأقصى مما يلي مكة؛ على ما ذكرنا.
وقوله : ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ ﴾ .
يحتمل: أن: لو علمتم أنكم تخرجون إلى الحرب دون العير، لم تخرجوا إلا بميعاد لتتأهبوا للحرب والقتال فاختلفتم في الميعاد، إما للخروج نفسه، وإما للميعاد نفسه: أتخرجون أو لا تخرجون أو منكم من يؤخر الخروج عن وقت الميعاد، ومنكم من لا يخرج رأساً لينقضي ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .
يحتمل: لينجز الله ما كان وعد من الظفر والنصر.
أو ليقضي الله أمراً كان في علمه مفعولا، أن إحدى الطائفتين أنها لكم؛ كأنه قال: (وعد الله مفعولا)، أي: منجزاً.
ويحتمل القضاء: إنشاء وخلق، ولكن لينشئ الله ما قد علم أنه يكون كائناً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ليكفر من كفر بعد ذلك عن بينة وحجة أن رسول الله كان على الحق؛ وكان صادقاً ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ قال: ليموت من مات، ﴿ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ يقول: عن بيان وحجة.
وهو - والله أعلم - أن رسول الله قد كان أتاهم بآيات حسية، فسموه ساحراً، وأخبرهم بالأنباء الماضية التي كانت في كتبهم، فقالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وقالوا: إنه معلم ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
وقد كان رسول الله يخالفهم في جميع صنيعهم من عبادتهم الأصنام والأوثان دون الله، وكان يخوفهم ويوعدهم بأشياء، وكان لا يخافهم، وهم كانوا رؤساء كبراء، لا يخالفهم أحد في أمرهم ونهيهم إلا من كان به جنون، فلما رأوا رسول الله خالفهم في جميع أمورهم نسبوه إلى الجنون، وقالوا: ﴿ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ ، و ﴿ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾ ؛ فأراد الله أن يجعل له آية عظيمة؛ حتى لا يقدروا بالنسبة إلى شيء مما كانوا ينسبونه من قبل، فوعدهم النصر والفتح يوم بدر بعد ما علم أولئك ضعف المؤمنين، وقلة عددهم، وقوة أنفسهم، وكثرة عددهم؛ لتكون حياة من حيي بعد ذلك عن بينة، وموت من مات على مثل ذلك، وإن كان له من الآيات ما لو لم يعاندوا ولا يكابروا عقولهم، لكانت واحدة منها كافية.
فإن قيل: ما الحكمة في ذكر القصة من أولها إلى آخرها، وهم قد علموا ذلك كله وشاهدوه؟!
قيل: يذكرهم الله - والله أعلم - الحال التي كانوا عليها [من الضعف والقلة والخوف وفقد أسباب الحرب والقتال وكثرة العدو وقوتهم ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلم الخلق أن النصر والغلبة ليس يكون بالكثرة] والقوة والأسباب؛ ولكن بالله - عز وجل - لئلا يكلوا إلى الكثرة، ولا يعتمدوا على القوة، ولا يضعفوا، ولا يجبنوا، ولا يخافوا غيره؛ ليعرفوا ما أصابهم من الهزيمة والغلبة أصابهم لمعصية كانت منهم، أو إعجاباً بالكثرة، واعتماداً بالقوة والأسباب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: ﴿ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ المنام نفسه، كان الله يرى رسوله المشركين في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه بما رأى، فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، ليس كما بلغنا أنهم كثير.
فلما التقوا ببدر، قلل الله المشركين في أعين المؤمنين؛ تصديقاً لرؤيا رسول الله.
وقال الحسن: قوله: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ أي: في عينيك اللتين تنام بهما، وهو في اليقظة؛ لأنه ذكر أنه قال رسول الله : "تنام عيني ولا ينام قلبي" ، وإنما أراه إياهم قليلا في العين التي بها ينام، وهما عينا الوجه، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود - - قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحب لي: تراهم سبعين، فقال: أراهم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال: كنا ألفاً.
فإن كان التأويل هذا الثاني أنه أراهم رسوله قليلا في اليقظة بالذي ينام، فهو ظاهر.
وإن كان أراه إياهم في المنام حقيقة، فلقائل أن يقول: إن رؤيا الرسول وحي، فكيف أراه إياهم قليلا وهم كثير خلاف ما هو في الحقيقة؟!
قيل: يحتمل أن يكون أراه بعضهم لا الكل، فهو حقيقة ما أراه إياهم؛ فكذلك قيل، والله أعلم.
وجائز أن يكون أرى أصحابه إياهم قليلاً، وإن أضاف ذلك إلى رسول الله؛ دليله ما ذكر في آخره؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ ﴾ ، وذلك في القرآن كثير أن يخاطب به رسوله والمراد به غيره.
ألا ترى أنه قال: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ﴾ ، ومعلوم أن نزول هذه الآية بعد وفاة والديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ ﴾ أي: لجبنتم.
﴿ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ .
أي: اختلفتم في أمر القتال والحرب.
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ﴾ .
قيل: سلم وأتم للمسلمين أمرهم على عدوهم، فهزمهم ونصرهم عليهم.
ويحتمل قوله: ﴿ سَلَّمَ ﴾ أي: أجاب للمسلمين؛ لما استعانوا واستنصروه بالنصر والظفر لهم.
﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .
أي: عليم بما في قلوب المؤمنين من الجبن والفشل وأمر عدوهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ...
﴾ الآية، لما رأوا الملائكة لأنفسهم أنصاراً وأعواناً؛ إذ كان قد وعدهم النصر والإعانة بالملائكة، وكان العدو مع الملائكة فاستقلوا؛ لأن العدوّ وإن كانوا كثيراً فهم قليل مع الملائكة، فرأوهم قليلا على ما كانوا، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء؛ لأنهم كذلك كانوا قليلا، فرءوا على ما كانوا، ولم يروا الملائكة.
وقال بعض أهل التأويل: قلل هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، إذا التقوا؛ ليغري بعضهم على بعض وليجترئ بعضهم على بعض على القتال، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه لينجز ما كان وعدهم من النصر والظفر للمؤمنين، والغلبة والهزيمة على أولئك، وكذلك ذكر في القصة أن قوله: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ في بدر فيه وعد ذلك؛ كقوله: ﴿ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: ليخلق الله وينشئ ما قد علم أنه يكون كائناً، أو ليفصل بين الحق والباطل مما قد علم أنه يكون.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً ﴾ : في علمه، ﴿ مَفْعُولاً ﴾ : كائناً؛ يقول: فيوجب أمراً لا بد كائن؛ ليعز الإسلام وأهله بالنصر، ويذل الشرك وأهله بالقتل والهزيمة، والله أعلم.
وهو قريب مما ذكرنا.
﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .
أي: إلى الله يرجع تدبير الأمور وتقديرها، له التدبير في ذلك في الدنيا والآخرة.
وذكر في بعض القصة أن أبا جهل [- لعنه الله -] لما رأى قلة المؤمنين ببدر قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم، فأكذبه الله وقتله، فقال: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ لا إلى الخلق، والله أعلم.
وأمر بدر من أوله إلى آخره كان آية، حتى عرف كل أحد ذلك، إلا من عاند وكابر عقله.
<div class="verse-tafsir"
واذكروا حين كنتم بالجانب الأدنى من الوادي مما يلي المدينة، والمشركون بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة، والعِير في مكان أسفل منكم مما يلي ساحل البحر الأحمر، ولو تواعدتم أنتم والمشركون على أن تلتقوا في بدر لخالف بعضكم بعضًا، ولكنه سبحانه جمع بينكم في بدر على غير تواعد؛ ليُتِمّ أمرًا كان مفعولًا وهو نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وإعزاز دينه وإذلال الشرك؛ ليموت من مات منهم بعد قيام الحجة عليه بنصر المؤمنين عليهم مع قلة عددهم وعدتهم، يعيش من عاش عن بينة وحجة أظهرها الله له، فلا يبقى لأحد على الله حجة يحتج بها، والله سميع لأقوال الجميع، عليم بأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.40GZ3"