الآية ٥٣ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٥٣ من سورة الأنفال

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٣ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن تمام عدله ، وقسطه في حكمه ، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه ، كما قال تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) [ الرعد : 11 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأخذنا هؤلاء الذين كفروا بآياتنا من مشركي قريش ببدر بذنوبهم، (1) وفعلنا ذلك بهم, بأنهم غيَّروا ما أنعم الله عليهم به من ابتعاثه رسولَه منهم وبين أظهرهم, بإخراجهم إياه من بينهم، وتكذيبهم له، وحربهم إياه، فغيرنا نعمتنا عليهم بإهلاكنا إياهم, كفعلنا ذلك في الماضين قبلهم ممن طغى علينا وعصى أمرنا.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16209- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، يقول: " نعمة الله "، محمد صلى الله عليه وسلم , أنعم به على قريش، وكفروا, فنقله إلى الأنصار.

* * * وقوله: (وأن الله سميع عليم)، يقول: لا يخفى عليه شيء من كلام خلقه, يسمع كلام كلّ ناطق منهم بخير نطق أو بشرٍّ =(عليم)، بما تضمره صدورهم, وهو مجازيهم ومثيبهم على ما يقولون ويعملون, إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.

(2) --------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " الأخذ " فيما سلف من فهارس اللغة ( أخذ ) .

(2) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم تعليل .

أي هذا العقاب ، لأنهم غيروا وبدلوا ، ونعمة الله على قريش الخصب والسعة ، والأمن والعافية .

أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم الآية .

وقال السدي : نعمة الله عليهم محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به ، فنقل إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏ذَلِكَ‏}‏ العذاب الذي أوقعه اللّه بالأمم المكذبين وأزال عنهم ما هم فيه من النعم والنعيم، بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم،فإن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم من نعم الدين والدنيا، بل يبقيها ويزيدهم منها، إن ازدادوا له شكرا‏.‏ ‏{‏حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ‏}‏ من الطاعة إلى المعصية فيكفروا نعمة اللّه ويبدلوها كفرا، فيسلبهم إياها ويغيرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم‏.‏ وللّه الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده، حيث لم يعاقبهم إلا بظلمهم، وحيث جذب قلوب أوليائه إليه، بما يذيق العباد من النكال إذا خالفوا أمره‏.‏ ‏{‏وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ يسمع جميع ما نطق به الناطقون، سواء من أسر القول ومن جهر به،ويعلم ما تنطوي عليه الضمائر، وتخفيه السرائر، فيجري على عباده من الأقدار ما اقتضاه علمه وجرت به مشيئته‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) أراد : أن الله تعالى لا يغير ما أنعم على قوم حتى يغيروا هم ما بهم ، بالكفران وترك الشكر ، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم ، فسلبهم النعمة .

وقال السدي : نعمة الله محمد - صلى الله عليه وسلم - أنعم الله به على قريش وأهل مكة ، فكذبوه وكفروا به فنقله الله إلى الأنصار ، ( وأن الله سميع عليم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» أي تعذيب الكفرة «بأن» أي بسبب أن «الله لم يكُ مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم» مبدلا لها بالنقمة «حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم» يبدلوا نعمتهم كفرا كتبديل كفار مكة إطعامهم من جوع وأمنُهم من خوف وبعْث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بالكفر والصد عن سبيل الله وقتال المؤمنين «وأن الله سميع عليم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك الجزاء السيِّئ بأن الله إذا أنعم على قوم نعمة لم يسلبها منهم حتى يغيِّروا حالهم الطيبة إلى حال سيئة، وأن الله سميع لأقوال خلقه، عليم بأحوالهم، فيجري عليهم ما اقتضاه علمه ومشيئته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ .

.

.

) بيان لسنة من سننه - تعالى - فى خلقه ، وتعليل لتعذيب أولئك الكفار ، ولسلب نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين واسم الإِشارة : ( ذلك ) يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله - تعالى - ( فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ ) .وهو ، أى : اسم الإِشارة مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - ( بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً .

.

) إلخ .والمعنى : ذلك الذى نزل بهؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل إلهيى ، فقد جرت سنته - سبحانه - فى خلقه ، واقتضت حكمته فى حكمه ألا يبدل نعمه بنقم إلا بسبب ارتكاب الذنوب ، واجتراح السيئات ، فإذا لم يتلق الناس نعمه - عز وجل - بالشكر والطاعة ، وقابلوها بالكفر والعصيان ، بدل نعمتهم بنقم جزاء وفاقا .وشبيه بهذا قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) قال الفخر الرازى : قال القاضى : معنى الآية أنه - تعالى - أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل ، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ، ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة الله - تعالى - على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم ، والمنح بالمحن .قال : وهذا من أوكد ما يدل على أنه - تعالى - لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة .وقال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فما كان من تغيير آل فرعون ومشركى مكة حتى غير الله نعمته عليهم ، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟

.قلت : كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة ، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم كفرة عبدة أصنام ، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين فى إراقة دمه ، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت ، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإِمهال وعاجلهم بالعذاب .وقوله : ( وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) معطوف على قوله : ( بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً ) إلخ .أى : ذلك التعذيب بسبب جحودهم لنعم ، وبسبب أنه - سبحانه - سميع لما نطقوا به من سوء ، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات ، وقد عاقبتهم على ذلك بما يستحقون من عذاب : ( وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً وآجلاً كما شرحناه أتبعه بأن بين أن هذه طريقته وسنته في الكل.

فقال: ﴿ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ ﴾ والمعنى: عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم.

فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإغراق وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال: فلان يدأب في كذا، أي يداوم عليه ويواظب ويتعب نفسه، ثم سميت العادة دأباً لأن الإنسان مداوم على عادته ومواظب عليها.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب ﴾ والغرض منه التنبيه على أن لهم عذاباً مدخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل، ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم، فقال: ﴿ ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ لَمْ يَكُ ﴾ أكثر النحويين يقولون إنما حذفت النون.

لأنها لم تشبه الغنة المحضة، فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً، فحذفت تشبيهاً بها كما تقول لم يدع ولم يرم ولم يل وقال الواحدي: وهذا ينتقض بقولهم لم يزن ولم يخن فلم يسمع حذف النون هاهنا.

وأجاب علي بن عيسى عنه.

فقال إن كان ويكون أم الأفعال من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى كان فقولنا ضرب معناه كان ضرب ويضرب معناه يكون ضرب، وهكذا القول في الكل فثبت أن هذه الكلمة أم الأفعال.

فاحتيج إلى استعمالها في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف بخلاف قولنا لم يخن ولم يزن، فإنه لا حاجة إلى ذكرها كثيرًا فظهر الفرق.

والله أعلم.

المسألة الثانية: قال القاضي: معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن قال: وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدئ أحداً بالعذاب والمضرة، والذي يفعله لا يكون الأجزاء على معاص سلفت، ولو كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم، لما صح ذلك، قال أصحابنا: ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي الإمام إلا أنا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفة الله تعالى معللة بفعل الإنسان، وذلك لأن حكم الله بذلك التغيير وإرادته لما كان لا يحصل إلا عند إتيان الأنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عند ذلك الفعل لم يحصل لله تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات الله تعالى، ويكون الإنسان مغيراً صفة الله ومؤثراً فيها، وذلك محال في بديهة العقل، فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، بل الحق أن صفة الله غالبة على صفات المحدثات، فلولا حكمه وقضاؤه أولاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال.

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر مرة أخرى قوله تعالى: ﴿ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ ﴾ ذكروا فيه وجوهاً كثيرة: الأول: أن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول، لأن الكلام الأول فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل.

والثاني: أنه أريد بالأول ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت، وبالثاني ما ينزل بهم في القبر في الآخرة.

الثالث: أن الكلام الأول هو قوله: ﴿ كَفَرُواْ بئايات الله ﴾ والكلام الثاني هو قوله: ﴿ كَذَّبُواْ بآيات رَبّهِمْ ﴾ فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا الدلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم، فكان الأثر اللازم من الأول هو الأخذ والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق، وذلك يدل على أن لكفران النعمة أثراً عظيماً في حصول الهلاك والبوار، ثم ختم تعالى الكلام بقوله: ﴿ وَكُلٌّ كَانُواْ ظالمين ﴾ والمراد منه أنهم كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء والإيحاش، وأن الله تعالى إنما هلكهم بسبب ظلمهم، وأقول في هذا المقام اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم فقد عظمت فتنتهم وكثر شرهم، ولا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت، فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الكاف في محل الرفع: أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون.

ودأبهم: عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه: أي داوموا عليه وواظبوا.

و ﴿ كَفَرُواْ ﴾ تفسير لدأب آل فرعون.

و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما حل بهم، يعني ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم ينبغ له ولم يصحّ في حكمته أن يغير نعمته عند قوم ﴿ حتى يُغَيّرُواْ مَا ﴾ بهم من الحال.

فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله نعمته عليهم؟

ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة قلت: كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوإ مما كانت، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب ﴿ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ ﴾ لما يقول مكذبو الرسل ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما يفعلون ﴿ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ ﴾ تكرير للتأكيد.

وفي قوله: ﴿ بآيات رَبّهِمْ ﴾ زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق.

وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب ﴿ وَكُلٌّ كَانُواْ ظالمين ﴾ وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش كانوا ظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ دَأْبُ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وهو عَمَلُهم وطَرِيقُهُمُ الَّذِي دَأبُوا فِيهِ أيْ دامُوا عَلَيْهِ.

﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ.

﴿ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ.

﴿ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ كَما أخَذَ هَؤُلاءِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ لا يَغْلِبُهُ في دَفْعِهِ شَيْءٌ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِهِمْ.

﴿ بِأنَّ اللَّهَ ﴾ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ.

﴿ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ ﴾ مُبَدِّلًا إيّاها بِالنِّقْمَةِ.

﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ يُبَدِّلُوا ما بِهِمْ مِنَ الحالِ إلى حالٍ أسْوَأ، كَتَغْيِيرِ قُرَيْشٍ حالَهم في صِلَةِ الرَّحِمِ والكَفِّ عَنْ تَعَرُّضِ الآياتِ والرُّسُلِ بِمُعاداةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَهُ مِنهم، والسَّعْيِ في إراقَةِ دِمائِهِمْ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أحْدَثُوهُ بَعْدَ المَبْعَثِ، ولَيْسَ السَّبَبُ عَدَمَ تَغْيِيرِ اللَّهِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا حالَهم بَلْ ما هو المَفْهُومُ لَهُ وهو جَرْيُ عادَتِهِ عَلى تَغْيِيرِهِ مَتى يُغَيِّرُوا حالَهم، وأصْلُ يَكُ يَكُونُ فَحُذِفَتِ الحَرَكَةُ لِلْجَزْمِ ثُمَّ الواوُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ثُمَّ النُّونُ لِشَبَهِهِ بِالحُرُوفِ اللَّيِّنَةِ تَخْفِيفًا.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِما يَقُولُونَ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما يَفْعَلُونَ.

﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كُفْرانِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ وبَيانُ ما أُخِذَ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ.

وقِيلَ الأوَّلُ لِتَشْبِيهِ الكُفْرِ والأخْذِ بِهِ والثّانِي لِتَشْبِيهِ التَّغْيِيرِ في النِّعْمَةِ بِسَبَبِ تَغْيِيرِهِمْ ما بِأنْفُسِهِمْ.

وكُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المُكَذِّبَةِ، أوْ مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ.

﴿ كانُوا ظالِمِينَ ﴾ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك} العذاب أو الانتقام {بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} بسبب أن الله لم يصح في حكمته أن يغير نعمته عند قوم حتى يغيروا ما بهم من الحال نعم لم يكن لآل فرعون ومشركي مكة حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة لكن لما تغيرت الحال المرضية إلى المسحوطة تغيرت الحال المسحوطة إلى أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام فلما بعث إليهم بالآيات فكذبوه وسعوا في إراقة دمه غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب {وأن الله سميع} لما يقول مكذبوا الرسل {عليم} بما يفعلون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفِيدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ مِن كَوْنِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مَنُوطًا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ غَيْرَ واقِعٍ بِلا سابِقَةِ ما يَقْتَضِيهِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِأنَّ اللَّهَ ﴾ إلى آخِرِهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ﴿ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها ﴾ أيْ: لَمْ يَنْبَغِ لَهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يَصِحَّ في حِكْمَتِهِ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُغَيِّرُ نِعْمَةً أيَّ نِعْمَةٍ كانَتْ جَلَّتْ أوْ هانَتْ أنْعَمَ بِها ( ﴿ عَلى قَوْمٍ ﴾ ) مِنَ الأقْوامِ ( ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ ) أيْ: ذَواتِهِمْ مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وقْتَ مُلابَسَتِهِمْ لِلنِّعْمَةِ ويَتَّصِفُوا بِما يُنافِيها سَواءٌ كانَتْ أحْوالُهُمُ السّابِقَةُ مُرْضِيَةً صالِحَةً أوْ أهْوَنَ مِنَ الحالَةِ الحادِثَةِ كَدَأْبِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ المَذْكُورِينَ حَيْثُ كانُوا قَبْلَ البَعْثَةِ كَفَرَةً عَبَدَةَ أصْنامٍ مُسْتَمِرِّينَ عَلى حالٍ مُصَحِّحَةٍ لِإفاضَةِ نِعَمِ الإمْهالِ وسائِرِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ كَصِلَةِ الرَّحِمِ والكَفِّ عَنْ تَعَرُّضِ الآياتِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيَّرُوها عَلى أسَوْءِ حالٍ مِنها وأسْخَطُ حَيْثُ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعادُوهُ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ وقَطَعُوا أرْحامَهم فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَةِ الإمْهالِ ووَجَّهَ إلَيْهِمْ نِبالَ العِقابِ والنَّكالِ، وقِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الإيمانِ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا كانَ ذَلِكَ كَأنَّهُ حاصِلٌ لَهم فَغَيَّرُوهُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ ) ولا يَخْلُو عَنْ حَسَنٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الإشارَةَ إلى ما حَلَّ بِهِمْ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا رَأى أنَّ انْتِفاءَ تَغْيِيرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُغَيِّرُوا لا يَقْتَضِي تَحَقُّقَ تَغْيِيرِهِ إذا غَيَّرُوا، وأنَّ العَدَمَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْوُجُودِ هُنا، وأيْضًا عَدَمُ التَّغْيِيرِ صارِفٌ عَمّا حَلَّ بِهِمْ لا مُوجِبٌ لَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ قالَ: إنَّ السَّبَبَ لَيْسَ مَنطُوقَ الآيَةِ بَلْ مَفْهُومَها، وهو جَرى عادَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى التَّغْيِيرِ حِينَ غَيَّرُوا حالَهم فالسَّبَبُ لَيْسَ انْتِفاءَ التَّغْيِيرِ بَلِ التَّغْيِيرَ، قِيلَ: وإنَّما أُوثِرُ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِسَبْقِ إنْعامِهِ ورَحْمَتِهِ ولِأنَّ الأصْلَ فِيهِمُ الفِطْرَةُ وأمّا جَعْلُهُ عادَةً جارِيَةً فَبَيانٌ لِما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الحالُ مِن ذَلِكَ لا أنَّ كَوْنَهُ عادَةً لَهُ دَخَلَ في السَّبَبِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرْناهُ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ عَلى أنَّ ما فَعَلَهُ البَعْضُ لا يَخْلُو بَعْدُ عَنْ مَقالٍ فَتَدَبَّرْ، وأصْلُ ( يْكَ ) يَكُنْ فَحُذِفَتِ النُّونُ تَخْفِيفًا لِشَبَهِها بِأحْرُفِ العِلَّةِ في أنَّها مِنَ الزَّوائِدِ وهي تُحْذَفُ مِن أحْرُفِ المَجْزُومِ فَلِذا حُذِفَتْ هَذِهِ وهو مُخْتَصٌّ بِهَذا الفِعْلِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ ( ﴿ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( أنَّ اللَّهَ ) إلَخْ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ، أيْ وسَبَبُ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَسْمَعُ ويَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَيُرَتِّبُ عَلى كُلٍّ مِنها ما يَلِيقُ مِن إبْقاءِ النِّعْمَةِ وتَغْيِيرِها، وقُرِئَ ( وإنَّ اللَّهَ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، يعني: صنيعهم كصنيع آل فرعون، ويقال: كأشباه آل فرعون في التكذيب والجحود، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية.

كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، يعني: جحدوا بعذاب الله في الدنيا إنه غير نازل بهم، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ يعني: عاقبهم وأهلكهم بِذُنُوبِهِمْ وشركهم.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ، يعني: قَوِيٌّ في أخذه، شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه.

قوله تعالى: ذلِكَ العذاب الذي نزل بهم، بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ في الدين والنعم.

فإذا غيّروا، غيّر الله عليهم ما بهم من النعمة وهذا قول الكلبي.

وروى أسباط، عن السدي في قوله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ قال: أنعم الله تعالى بمحمد  على أهل مكة وكفروا به، فنقله إلى الأنصار.

ويقال: أطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف، فلم يشكروا، فجعل لهم مكان الأمن الخوف، ومكان الرخاء الجوع.

وهذا كقوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً إلى قوله فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: 112] وقال الضحاك: ما عذب الله قوماً قط ولا سلبهم النعمة، ولا فرق بينهم وبين العافية، حتى كذبوا رسلهم، فلما فعلوا ذلك ألزمهم الذل وسلبهم العز، فذلك قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ثم قال: وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ سَمِيعٌ لمقالتهم، عَلِيمٌ بأفعالهم.

ثم قال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ في الهلاك.

وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، يعني: بكفرهم، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ يعني: فرعون لادعائه الربوبية، ولأنهم عبدوا غيري.

وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ، يعني: مشركين.

ومعناه: كصنيع آل فرعون وقد أعطاه الله تعالى الملك والعز في الدنيا، ولم يغير عليه تلك النعمة، حتى كذب بآيات الله، فغيَّر الله عليه النعمة وأهلكه مع قومه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...

الآية: معنى هذه الآية إِخبارٌ من اللَّه سبحانه، إِذا أنعم على قومٍ نعمةً، فإِنه بلُطْفه ورحمته لا يبدأُ بتغييرها وتنْكِيدها، حتى يجيءَ ذلك منْهم بأنْ يغيِّروا حالهم الَّتي تُرَادُ، أو تَحْسُنُ منهم، فإِذا فعلوا ذلك، غيَّر اللَّه نعمته عنْدَهم بِنِقْمته منْهم، ومثالُ هذه نِعْمَةُ اللَّه عَلَى قُرَيْشٍ بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فكَفَروا به، فغيَّر اللَّه تلك النعمة، بأنْ نقلها إِلى غيرهم من الأنصار، وأَحَلَّ بهم عقوبَتَهُ.

وقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ/ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، هذا التكريرُ هو لمعنًى ليس للأول إذ الأول دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لما كَفَرُوا، وهذا الثَّاني دأْبٌ في أَنَّهُ لم يغيِّرْ نعمتهم حتَّى غيروا ما بأنْفُسِهِم، والإِشارة بقوله:

وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، إِلى قومِ شعيبٍ وصالحٍ وهود ونوح وغيرهم.

وقوله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ، أجمع المتأوِّلون أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله:

فِي كُلِّ مَرَّةٍ: يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم.

وحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهدوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا اجتمعت الأحزاب على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوْا قريشاً، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما انجلت تلك الحالُ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فاستنزلوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، واستيعاب قصَّتهم في «السِّير» وإِنما اقتضبت منها ما يخُصُّ تفسير الآية.

وقوله سبحانه: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ...

الآية: معنى تَثْقَفَنَّهُمْ تأسرهم، وتحصِّلهم في ثِقَافِكَ، أو تَلْقَاهم بحالٍ تقدرُ عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى: فَشَرِّدْ أي:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأخْذُ والعِقابُ بِأنَّ اللَّهَ ﴿ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ﴾ بِالكُفْرانِ وتَرْكِ الشُّكْرِ.

قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالقَوْمِ هاهُنا أهْلُ مَكَّةَ، أطْعَمَهم مَن جُوعٍ وآَمَنَهم مِن خَوْفٍ، ثُمَّ بَعَثَ فِيهِمْ مُحَمَّدًا  ، فَلَمْ يَعْرِفُوا المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ، فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ، فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الأنْصارِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ والقَوِيُّ يَكُونُ بِمَعْنى القادِرِ فَمَن قَوِيَ عَلى شَيْءٍ فَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ مَعْناهُ: التّامُّ القُوَّةِ الَّذِي لا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ العَجْزُ في حالٍ، والمَخْلُوقُ، وإنْ وُصِفَ بِالقُوَّةِ، فَقَوَّتُهُ مُتَناهِيَةٌ، وعَنْ بَعْضِ الأُمُورِ قاصِرَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلِ فِرْعَوْنَ وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ ﴾ "ذَلِكَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: وجَبَ ذَلِكَ، والباءُ باءُ السَبَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا ﴾ جَزْمٌ بِـ "لَمْ" وجَزْمُهُ بِحَذْفِ النُونِ، والأصْلُ: "يَكُونُ" فَإذا دَخَلَتْ "لَمْ" جاءَ "لَمْ يَكُنْ"، ثُمَّ قالُوا: "لَمْ يَكُ" كَأنَّهم قَصَدُوا التَخْفِيفَ فَتَوَهَّمُوا دُخُولَ "لَمْ" عَلى "يَكُنْ" فَحُذِفَتِ النُونُ لِلْجَزْمِ، وحَسُنَ ذَلِكَ فِيها لِمُشابَهَتِها حُرُوفَ اللِينِ الَّتِي تُحْذَفُ لِلْجَزْمِ كَما قالُوا: "لَمْ أُبالِ"، ثُمَّ قالُوا: "لَمْ أُبْلِ" فَتَوَهَّمُوا دُخُولَ "لَمْ" عَلى "أُبالِ".

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الإخْبارُ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إذا أنْعَمَ عَلى قَوْمٍ نِعْمَةً فَإنَّهُ بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ لا يَبْدَأُ بِتَغَيُّرِها وتَكْدِيرِها حَتّى يَجِيءَ ذَلِكَ مِنهم بِأنْ يُغَيِّرُوا حالَهُمُ الَّتِي تُرادُ وَتَحْسُنُ مِنهُمْ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ وتَلَبَّسُوا بِالتَكَسُّبِ لِلْمَعاصِي أوِ الكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ عِقابَهم غَيَّرَ اللهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِنِقْمَتِهِ مِنهُمْ، ومِثالُ هَذا: نِعْمَةُ اللهِ عَلى قُرَيْشٍ بِمُحَمَّدٍ  ، فَكَفَرُوا ما كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ، فَغَيَّرَ اللهُ تِلْكَ النِعْمَةَ بِأنْ نَقَلَها إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأنْصارِ وأحَلَّ بِهِمْ عُقُوبَتَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ ﴾ عَطْفٌ عَلى الأُولى، و ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أيْ لِكُلِّ وبِكُلِّ ما يَقَعُ مِنَ الناسِ في تَغْيِيرِ ما بِأنْفُسِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ سِرٌّ ولا جَهْرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآيَةُ، الكافُ مِن "كَدَأْبِ" في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ﴾ ، وهَذا التَكْرِيرُ هو لِمَعْنًى لَيْسَ لِلْأوَّلِ، إذِ الأوَّلُ دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لَمّا كَفَرُوا، وهَذا الثانِي دَأْبُ في أنْ لَمْ تُغَيَّرْ نِعْمَتُهم حَتّى غَيَّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا مُتَعَلِّقاتِ الكافِ في الآيَةِ الأولى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ إلى قَوْمِ هُودٍ، وصالِحٍ، ونُوحٍ، وشُعَيْبٍ، وغَيْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شَرَّ الدَوابِّ ﴾ إلى ﴿ يَتَّقُونَ ﴾ ، المَعْنى المَقْصُودُ تَفْضِيلُ الدَوابِّ الذَمِيمَةِ كالخِنْزِيرِ والكَلْبِ العَقُورِ عَلى الكافِرِينَ الَّذِينَ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وأمّا الكافِرُ الَّذِي يُؤْمِنُ فِيما يَسْتَأْنِفُهُ مِن عُمْرِهِ فَلَيْسَ بَشَرِّ الدَوابِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ المَوْصُوفَ بِـ ﴿ شَرَّ الدَوابِّ ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ المُعاهِدُونَ مِنَ الكُفّارِ، فَكانُوا شَرَّ الدَوابِّ عَلى هَذا بِثَلاثَةِ أوصافٍ: الكُفْرِ، والمُوافاةِ عَلَيْهِ، والمُعاهَدَةِ مَعَ النَقْضِ.

و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا- بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ عاهَدْتَ ﴾ الَّذِينَ الأُولى، فَتَكُونُ بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، والمَعْنى -عَلى هَذا-: الَّذِينَ عاهَدْتَ فِرْقَةٌ أو طائِفَةٌ مِنهُمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ يَصِفُ حالَ المُعاهِدِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ ، والمُعاهَدَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: المُسالَمَةُ وتَرْكُ الحَرْبِ.

وأجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ بِـ ( الدَوابِّ ) الناسُ" فَقَوْلٌ لا يَسْتَوْفِي المَذَمَّةَ، ولا مِرْيَةَ في أنَّ الدَوابَّ تَعُمُّ الناسَ وسائِرَ الحَيَوانِ، وفي تَعْمِيمِ اللَفْظَةِ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِيفاءُ المَذَمَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الغَدْرَ قَدْ كانَ وقَعَ مِنهم وتَكَرَّرَ ذَلِكَ.

وَحَدِيثُ قُرَيْظَةَ هو أنَّهم عاهَدُوا رَسُولَ اللهِ  ، عَلى ألّا يُحارِبُوهُ ولا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الأحْزابُ عَلى النَبِيِّ  بِالمَدِينَةِ غَلَبَ عَلى ظَنِّ بَنِي قُرَيْظَةَ أنَّ النَبِيَّ  مَغْلُوبٌ ومُسْتَأْصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ النَضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أسَدٍ القُرَظِيَّ صاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وعَهْدِهِمْ، فَغَدَرُوا ووالَوْا قُرَيْشًا وأمَدُّوهم بِالسِلاحِ والأدْراعِ، فَلَمّا انْجَلَتْ تِلْكَ الحالُ عَنِ النَبِيِّ  ، أمَرَهُ اللهُ بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ وحَرْبِهِمْ، فاسْتُنْزِلُوا وضُرِبَتْ أعْناقُهم بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، واسْتِيعابُ القِصَّةِ في سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ، وإنَّما اقْتَضَبْتُ مِنها ما يَخُصُّ تَفْسِيرَ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني.

والإشارة إلى مضمون قوله: ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ﴾ [الأنفال: 52] أي ذلك المذكور بسبب أنّ الله لم يك مغيّرا إلخ أي ذلك الأخذ بسبب أعمالهم التي تسببوا بها في زوال نعمتهم.

والإشارة تفيد العناية بالمخبر عنه، وبالخبر.

والتسبيب يقتضي أنّ آل فرعون والذين من قبلهم كانوا في نعمة فغيرها الله عليهم بالنقمة، وأنّ ذلك جرى على سنة الله أنّه لا يسلب نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّروا ذلك بأنفسهم، وأنّ قوم فرعون والذين من قبلهم كانوا من جملة الأقوام الذين أنعم الله عليهم فتسببّوا بأنفسهم في زوال النعمة كما قال تعالى: ﴿ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ﴾ [القصص: 58].

وهذا إنذار لقريش يحلّ بهم مثل ما حَلّ بغيرهم من الأمم الذين بطروا النعمة.

فقوله: ﴿ لم يك مغيراً ﴾ مؤذن بأنّه سنة الله ومقتضى حكمته، لأنّ نفي الكون بصيغة المضارع يقتضي تجدد النفي ومنفيّه.

و«التغيير» تبديل شيء بما يضاده فقد يكون تبديلَ صورة جسم كما يقال: غَيّرتُ داري، ويكون تغيير حال وصفة ومنه تغيير الشيب أي صباغه، وكأنه مشتقّ من الغير وهو المخالف، فتغيير النعمة إبدالها بضدّها وهو النقمة وسوء الحال، أي تبديل حالة حسنة بحالة سيّئة.

ووصف النعمة ب ﴿ أنعمها على قوم ﴾ للتذكير بأنّ أصل النعمة من الله.

و ﴿ ما بأنفسهم ﴾ موصول وصلة، والباء للملابسة، أي ما استقرّ وعلق بهم.

وما صْدق ﴿ ما ﴾ النعمة التي أنعم الله عليهم كما يؤذن به قوله: ﴿ مغيراً نعمة أنعمها على قوم ﴾ والمراد بهذا التغيير تغيير سببه.

وهو الشكر بأن يبدلوه بالكفران.

ذلك أنّ الأمم تكون صالحة ثم تتغيّر أحوالها ببطر النعمة فيعظم فسادها، فذلك تغيير ما كانوا عليه؛ فإذا أراد الله إصلاحهم أرسل إليهم هداة لهم، فإذا أصلحوا استمرّت عليهم النعم مثل قوم يونس وهم أهل (نينوَى)، وإذا كذَّبوا وبطِروا النعمة غيّر الله ما بهم من النعمة إلى عذاب ونقمة.

فالغاية المستفادة من ﴿ حتّى ﴾ لانتفاء تغيير نعمة الله على الأقوام هي غاية متّسعة، لأنّ الأقوام إذا غيّروا ما بأنفسهم من هُدى؛ أمهلهم الله زمناً ثم أرسل إليهم الرسل فإذا أرسل إليهم الرسل فقد نبّههم إلى اقتراب المؤاخذة ثم أمهلهم مدّة لتبليغ الدعوة والنظر فإذا أصرّوا على الكفر غيَّر نعمته عليهم بإبدالها بالعذاب أو الذلّ أو الأسر كما فعل ببني إسرائيل حين أفسدوا في الأرض فسلَّط عليهم الأشوريين.

و ﴿ أنّ الله سميع عليم ﴾ عطف على قوله: ﴿ بأن الله لم يك مغيراً ﴾ أي ذلك بأنّ الله يعلم ما يضمره الناس وما يعملونه ويعلم ما ينطقون به فهو يعاملهم بما يعلم منهم.

وذكر صفة ﴿ سميع ﴾ قبل صفة ﴿ عليم ﴾ يومئ إلى أن التغيير الذي أحدثه المعرَّض بهم متعلّق بأقوالهم وهو دعوتهم آلهة غير الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ لَهم عَلى أعْدائِهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ.

والثّانِي: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في كَفِّ أعْدائِهِمْ عَنْهم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن طاعَتِهِ والكَفِّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

والثّالِثُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الغِنى والسِّعَةِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ.

مِن تَأْدِيَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ.

والرّابِعُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ في الثَّوابِ والجَزاءِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الإيمانِ.

والخامِسُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الإرْشادِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الِانْقِيادِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ﴾ قال: الذين قتلهم الله ببدر من المشركين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: آيتان يبشر بهما الكافر عند موته ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأدبارهم ﴾ قال: وأشباههم ولكن الله كريم يكني.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ قال: نعمة الله: محمد صلى الله عليه وسلم، أنعم الله بها على قريش فكفروا فنقله إلى الأنصار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً ﴾ الآية، (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من أخذ الله بالعذاب لمن كفر بآيات الله، فـ (ذلك) ابتداء وخبره ﴿ بِأَنَّ اللَّهَ ﴾ وهو كما تقول: العقاب بذنوب العباد.

وقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً ﴾ الآية، أكثر النحويين يقولون: إنما حذفت النون لأنها تشبه بما فيها (١) (٢) وهذا ينتقض بقولهم: لم يزن، ولم يخن، ولم يسمع حذف النون في مثل هذا الموضع إلا من (كان) ، وذلك أن (كان) و (يكون) أم الأفعال، من أجل أن (٣) (٤) ﴿ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ  ﴾ إن شاء الله تعالى (٥) قال الكلبي: إن الله تعالى أطعم أهل مكة من جوع وآمنهم من خوف وبعث إليهم محمدًا رسولاً، وكان هذا كله مما أنعم عليهم، ولم يكن يغير عليهم ذلك لو لم يغيروا هم، وتغييرهم كفرانها، وترك شكرها، فإذا غيروا ذلك غير الله ما بهم فسلبهم النعمة، وأخذهم بالعقاب (٦)  أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله إلى الأنصار (٧) فعلى هذا هم غيّروا هذه النعمة عليهم بمحمد  بتكذيبهم وقصدهم قتله، فغير الله عليهم ما أعطاهم من نعم الدنيا وأخذهم بعذاب الآخرة.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: سميع لقولكم، عليم بنياتكم (٨) (١) في (س): (بما قبلها)، وهو خطأ.

(٢) انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 184، و"حاشية الصبان" 1/ 245.

(٣) ساقط من (ح).

(٤) لم أقف على هذا القول في كتب الرماني المطبوعة، ولعله في شرحه لكتاب سيبوبه وهو لا يزال مخطوطًا ، ولم أتمكن من الاطلاع عليه.

(٥) انظر: النسخة (ح): 3/ 45 ب، حيث قال: (لا تك): أصلها لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف، قال أبو إسحاق في قوله: (ولم يك من المشركين): ذكر الحيلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال ومع ذلك أشبهت النون حروف اللين بأنه تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف؛ فلذلك حملت الحذف.

(٦) رواه مختصرًا الثعلبي 6/ 68 أ، وذكر السمرقندي 2/ 22 طرفًا منه.

(٧) رواه ابن جرير 10/ 24، وابن أبي هاشم 5/ 1718، والثعلبي 6/ 68 أ، والبغوي 3/ 369.

(٨) في "تنوير المقباس" ص 184: (سميع) لدعائكم (عليم) بإجابتكم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَقُولُ المنافقون ﴾ الذين كانوا بالمدينة، وقيل: الذين كانوا مع الكفار وهم نفر من قريش منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن ربيعة بن الأسود وعلي بن أمية بن خلف والعاصي بن أمية بن الحجاج وكانوا قد أسلموا ولم يهاجروا وخرجوا يوم بدر مع الكفار فقالوا هذه المقالة ﴿ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ ﴾ أي اغترّ المسلمون بدينهم فأدخلوا أنفسهم فما لا طاقة لهم به ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة ﴾ ذلك فيمن قتل يوم بدر ﴿ وأدبارهم ﴾ أي أستاههم، وقيل: ظهورهم ﴿ وَذُوقُواْ ﴾ هذه من قول الملائكة لهم تقديره: ويقولون لهم: ذوقوا والقول المحذوف معموله معطوف على يضربون، ويحتمل أن يكون ما بعده من قول الملائكة أو يكون مستأنفاً ﴿ ذلك بِأَنَّ الله ﴾ تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، والباء سببية، والمعنى: أن الله لا يغير نعمة على عبيده حتى يغيروا هم بالكفر والمعاصي ﴿ كَدَأْبِ ﴾ ذكر في آل عمران.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.

الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.

الآخرون: بتاء الخطاب.

﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.

الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.

الآخرون بالضم.

﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.

وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.

﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.

﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.

وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.

ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.

﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.

وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.

وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.

وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.

وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.

ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.

وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.

قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.

ولما بين  ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.

ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.

ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.

والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.

ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.

ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.

قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.

ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.

والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.

ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.

ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.

ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.

ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.

ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.

جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.

ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.

قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله  وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.

ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.

وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.

والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.

وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.

وقيل: على استواء في العداوة.

قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.

قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.

فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.

وذلك أن قريظة عاهدوا النبي  ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله  بأهل مكة لما نقضوا العهد.

ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟

فأجيب بما أجيب.

والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.

أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.

والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.

ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.

ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.

ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.

ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.

ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي  في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.

وعن عقبة بن عامر أن رسول الله  قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.

وقوله  : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.

ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.

روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.

فقيل له: إنما أوصى في الحصون.

فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.

وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.

والظاهر العموم.

ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.

واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.

وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.

وعن السدي: هم أهل فارس.

وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.

وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.

ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.

وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.

عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.

والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.

وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله  ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله  منصرفه من تبوك.

وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله  حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.

ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.

إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.

وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.

وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.

ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.

ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم  ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.

ثم أكد كون الله  كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.

﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.

ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله  ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله  من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.

والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.

ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.

ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي  مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي  إلى عبادة الله  والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.

﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.

قال القاضي: لولا ألطاف الله  ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.

ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله  وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.

ثم إنه  لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.

فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.

ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.

وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي  ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله  الآية.

ثم بيّن  أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.

في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.

وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.

وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.

قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن  ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن  ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.

قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.

كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.

قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.

فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.

فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.

والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.

الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس  ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.

وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.

وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم  ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.

وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم  ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.

عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى  أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.

وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.

قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟

قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله  وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.

وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.

والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.

سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.

ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.

ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.

وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.

ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه  لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.

والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.

والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً  ﴾ .

التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.

﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: الآية مقابلة قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ ﴾ ؛ يقول - والله أعلم -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: يقبض أرواح الذين كفروا كيف يقبضون أرواحهم، وكيف يضربون وجوههم وأدبارهم؛ كأنه قال - والله أعلم -: لو رأيت الحال التي تقبض فيها أرواحهم وما ينزل بهم، لرأيت أن ما عملوا من صد الناس عن سبيل الله، واستكبارهم على المؤمنين، وخروجهم لقتال أصحاب رسول الله  - إنما عملوا بأنفسهم، لا بالمؤمنين.

وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ .

يحتمل ما ذكر من فعل الملائكة يوم بدر؛ لأن الآية ذكرت في قصة بدر.

ويحتمل أن يكون ذلك كل كافر أن الملائكة يفعلون به ما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ...

 ﴾ الآية، هذا في كل كافر.

وقوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ .

ليس على إرادة حقيقة الوجه والدبر، ولكن على إرادة إيصال الألم إليهم بكل ضرب وبكل جهة؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، ليس على إرادة التحت والفوق، ولكن على إرادة إحاطة العذاب بهم؛ فعلى ذلك الأول.

وقال بعضهم: يضربون وجوههم في [حال] إقبالهم [على] المؤمنين، وإدبارهم وانهزامهم منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .

ذكر تقديم اليد، وإن كان الكفر من عمل القلب؛ لما باليد يقدم في العرف.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ .

في الآية دلالة الرد على المجبرة؛ لأنهم لا يجعلون للعبيد في أفعالهم صنعاً، يجعلون حقيقة الأفعال لله، وذكر ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، فلو لم يكن لهم صنع، لم يكن لقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ معنى، وكذلك قوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ ، فلو لم يكن لهم حقيقة الفعل، لكان التعذيب ظلماً، دل أن لهم فعلا، والله أعلم.

قوله: ﴿ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ .

فيما شرع من القتال، والإهلاك، والتعذيب في الآخرة؛ لأنه مكن لهم ما يكسبون به النجاة والحياة الدائمة، فما لحقهم مما ذكر؛ إنما كان باكتسابهم واختيارهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: صنيع هؤلاء، أي: صنيع أهل مكة بمحمد كصنيع فرعون وقومه بموسى [يعني] في التكذيب والكفر بآياته.

وقال قائلون: صنع الله بأهل مكة من العقوبة كصنيعه بفرعون وآله ومن سبق من الأمم من الإهلاك والتعذيب، وقد فعل بأهل مكة يوم بدر بسوء معاملتهم رسول الله صلى الله  ، كما فعل ذلك بفرعون وآله بسوء معاملتهم موسى.

﴿ كَدَأْبِ ﴾ .

قيل: كصنيع.

وقيل: كفعل.

وقيل: كأشباه.

وقيل: كعمل؛ وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

وقوله: ﴿ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ ، أي: لا يضعفه شيء يمنعه عما يريد.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ .

أي: ذلك العذاب والعقاب الذي ذكره.

﴿ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قال قائلون: النعمة التي أنعمها عليهم هم الرسل الذين بعثهم إليهم والكتب التي أنزلها عليهم [لم يكن] مغيرا لتلك النعم ﴿ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ بالتكذيب والرد وترك القبول، وهو كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا...

 ﴾ الآية.

وقال قائلون: قوله: ﴿ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: [حتى] يصرفوا شكر نعمه إلى غير الله ويعبدون دونه، أي: لا يغير النعم التي أنعمها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، يعبدون غير الله، ويشكرون غير الذي أنعم عليهم، فعند ذلك غير الله ما بهم من النعمة، وكذلك قال ابن عباس: نعمة من النعم إن تولوا عن شكرها، غير الله عليهم وأخذها منهم.

والثاني: يحتمل النعمة الدينية، وهو تكذيبهم الرسل وردهم الكتب بعد ما أقسموا أنهم يكونون أهدى من إحدى الأمم، واختيارهم الشرك والكفر على الإسلام والتوحيد، فإذا اختاروا تغيير ذلك، غير عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: النعمة الدنيوية، لا تتغير تلك عليهم إلا بتغيير من قبلهم؛ إما بترك الشكر لها، وإما بصرفه إلى غير الذي أنعمها عليهم، ولو غيرت عليهم غيرت ببدل، فليس ذلك - في الحقيقة - تغيير ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قيل: أي: سميع لشكر من يشكره ويحمده، عليم بزيادة النعمة إذا شكر.

ويحتمل: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ أي: مجيب، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بمصالحهم.

ويحتمل أنه سميع لما أسروا من القول وجهروا به، عليم بما أضمروا من العمل والشرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ .

فإن قيل: ما فائدة تخصيص ذكر آل فرعون من بينهم؟

وما الحكمة في تكرار قوله: ﴿ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ ؟

قيل: لما كانوا أقرب إلى هؤلاء من غيرهم ممن كان قبلهم.

ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً  ﴾ .

أو أن يذكر أهل الكتاب منهم؛ لما كانوا ينكرون بعث الرسل من غيرهم؛ ويقولون: إن محمداً أمي بعث إلى الأميين مثله، فقال: إن موسى لم يكن من القبط، فبعث رسولا إليهم؛ فعلى ذلك محمد [وإن] كان أميّاً فبعث إلى الأميين وغيرهم، والله أعلم بذلك.

وأما فائد التكرار - والله أعلم -: فهو أنه ذكر في الآية الأولى الأخذ بالذنوب والتعذيب، ولم يبين ما كان ذلك العذاب، فبين في الآية الأخرى أن ذلك العذاب هو الإهلاك والاستئصال؛ حيث قال: ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ...

﴾ الآية.

ويحتمل قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ في الآخرة بكفرهم بآيات الله في الدنيا؛ ذكر في إحدى الآيتين العذاب في الآخرة، وفي الآية الأخرى [الإهلاك] في الدنيا؛ لأنه ذكر في الآية الأولى الكفر بآيات الله، ولم يبين ذلك، وذكر في الآية الأخرى التكذيب بآياته، فبين الله أن الكفر بآياته هو تكذيبها، والتكذيب إنما يكون في الأخبار، وكذلك التصديق.

وفيه دلالة أن الإيمان هو التصديق؛ لأنه جعل مقابله وضده التكذيب.

وفيه أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن مقابلها الجهل بالله، ليس هو التكذيب، لكن بالمعرفة يكون التصديق، وبالجهل يكون التكذيب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك العقاب الشديد بسبب أن الله إذا أنعم على قوم نعمة من عنده لم ينزعها منهم حتى يغيروا أنفسهم من حالها الطيب من الإيمان والاستقامة وشكر النعم إلى حال سيئة من الكفر بالله ومعصيته وكفران نعمه، وأن الله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.x95Jr"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل