الآية ٦ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٦ من سورة الأنفال

يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال مجاهد : يجادلونك في الحق : في القتال .

وقال محمد بن إسحاق : ( يجادلونك في الحق [ بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ] ) أي : كراهية للقاء المشركين ، وإنكارا لمسير قريش حين ذكروا لهم .

وقال السدي : ( يجادلونك في الحق بعدما تبين ) أي : بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله به .

قال ابن جرير : وقال آخرون : عنى بذلك المشركين .

حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله تعالى : ( يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) قال : هؤلاء المشركون ، جادلوه في الحق ( كأنما يساقون إلى الموت ) حين يدعون إلى الإسلام ) وهم ينظرون ) قال : وليس هذا من صفة الآخرين ، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر .

ثم قال ابن جرير : ولا معنى لما قاله ؛ لأن الذي قبل قوله : ( يجادلونك في الحق ) خبر عن أهل الإيمان ، والذي يتلوه خبر عنهم ، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق أنه خبر عن المؤمنين .

وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق ، وهو الذي يدل عليه سياق الكلام ، والله أعلم .

.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

15701- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق "، قال: كذلك يجادلونك في الحق.

15702 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق "، كذلك يجادلونك في الحقِّ, القتالِ.

15703- .

.

.

.

قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق "، قال: كذلك أخرجك ربك.

(59) 15704- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أنـزل الله في خروجه = يعني خروج النبي صلى الله عليه وسلم= إلى بدر، ومجادلتهم إياه فقال: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون "، لطلب المشركين, " يجادلونك في الحق بعد ما تبين " .

* * * واختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعض نحويي الكوفيين: ذلك أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يمضي لأمره في الغنائم, على كره من أصحابه, كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العِير وهم كارهون.

(60) * * * وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً، كما جادلوك يوم بدر فقالوا: " أخرجتنا للعِير, ولم تعلمنا قتالا فنستعدَّ له ".

وقال بعض نحويي البصرة، يجوز أن يكون هذا " الكاف " في (كما أخرجك)، على قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق).

وقال: " الكاف " بمعنى " على ".

(61) * * * وقال آخرون منهم (62) هي بمعنى القسم.

قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربّك.

(63) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال في ذلك بقول مجاهد, وقال: معناه: كما أخرجك ربك بالحقّ على كره من فريق من المؤمنين, كذلك يجادلونك في الحق بعد ما تبين= لأن كلا الأمرين قد كان, أعني خروج بعض من خرج من المدينة كارهًا, وجدالهم في لقاء العدو وعند دنوِّ القوم بعضهم من بعض, فتشبيه بعض ذلك ببعض، مع قرب أحدهما من الآخر، أولى من تشبيهه بما بَعُد عنه.

* * * وقال مجاهد في " الحق " الذي ذكر أنهم يجادلون فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ما تبينوه: هو القتال.

15705- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (يجادلونك في الحق)، قال: القتال.

15706 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

15707 - حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

* * * وأما قوله: (من بيتك)، فإن بعضهم قال: معناه: من المدينة.

* ذكر من قال ذلك: 15708- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي بزة: (كما أخرجك ربك من بيتك)، المدينة، إلى بدر.

15709- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني محمد بن عباد بن جعفر في قوله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)، قال: من المدينة إلى بدر.

* * * وأما قوله: (وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون)، فإن كراهتهم كانت، كما:- 15710- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري, وعاصم بن عمر بن قتادة, وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا, عن عبد الله بن عباس, قالوا: لما سمع رَسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشأم, ندب إليهم المسلمين, (64) وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم, (65) فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفِّلكموها!

فانتدب الناس, فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم, وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربًا.

(66) 15711- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون)، لطلب المشركين.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: (يجادلونك في الحق بعد ما تبين).

فقال بعضهم: عُني بذلك: أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدر للقاء المشركين.

* ذكر من قال ذلك: 15712- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال، لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء القوم, وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر, أمرَ الناس, فتعبَّوْا للقتال, (67) وأمرهم بالشوكة, وكره ذلك أهل الإيمان, فأنـزل الله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) .

15713- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر القومَ= يعني أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم = ومسيرَهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , حين عرف القوم أن قريشًا قد سارت إليهم, وأنهم إنما خرجوا يريدون العيرَ طمعًا في الغنيمة, فقال: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)، إلى قوله: (لكارهون)، أي كراهيةً للقاء القوم, وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكِروا لهم.

(68) * * * وقال آخرون: عُني بذلك المشركون.

* ذكر من قال ذلك: 15714- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)، قال: هؤلاء المشركون، جادلوه في الحق (69) = " كأنما يساقون إلى الموت "، حين يدعون إلى الإسلام=(وهم ينظرون)، قال: وليس هذا من صفة الآخرين, هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.

15715- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثني عبد العزيز بن محمد, عن ابن أخي الزهري, عن عمه قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)، خروجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العِير.

(70) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس وابن إسحاق, من أن ذلك خبرٌ من الله عن فريق من المؤمنين أنهم كرهوا لقاء العدو, وكان جدالهم نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم أن قالوا: " لم يُعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم, وإنما خرجنا للعير ".

ومما يدلّ على صحته قولُه (71) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ، ففي ذلك الدليلُ الواضح لمن فهم عن الله، أن القوم قد كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم كان في القتال، كما قال مجاهد, كراهيةً منهم له= وأنْ لا معنى لما قال ابن زيد, لأن الذي قبل قوله: (يجادلونك في الحق)، خبرٌ عن أهل الإيمان, والذي يتلوه خبرٌ عنهم, فأن يكون خبرًا عنهم، أولى منه بأن يكون خبرًا عمن لم يجرِ له ذكرٌ.

* * * وأما قوله: (بعد ما تبين)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله.

* ذكر من قال ذلك: 15816- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: بعد ما تبين أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به.

* * * وقال آخرون: معناه: يجادلونك في القتال بعدما أمرت به.

* ذكر من قال ذلك: 15717- رواه الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس.

(72) * * * وأما قوله: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)، فإن معناه: كأن هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدوّ، من كراهتهم للقائهم إذا دعوا إلى لقائهم للقتال، " يساقون إلى الموت ".

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15718- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)، أي كراهةً للقاء القوم, وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم.

(73) ---------------------- الهوامش : (59) هكذا في المخطوطة والمطبوعة ، ولعل الصواب : " قال : كذلك يجادلونك " ، وهو ما تدل عليه الآثار السالفة عن مجاهد .

(60) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 403 (61) في المطبوعة : " وقيل : الكاف ...

" ، كأنه قول آخر ، والصواب ما في المخطوطة .

ولعل قائل هذا هو الأخفش ، لأنه الذي قال : " الكاف بمعنى : على " ، وزعم أن من كلام العرب إذا قيل لأحدهم : " كيف أصبحت " ، أن يقول : " كخير " ، والمعنى : على خير .

وانظر تفسير " كما " فيما سلف 3 : 209 ، في قوله تعالى : " كما أرسلنا فيكم رسولا " [ سورة البقرة : 151 ] .

(62) في المطبوعة : " وقال آخرون " ، جمعًا ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وقائل ذلك هو أبو عبيدة معمر بن المثنى .

(63) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 240 ، 241 .

(64) " ندب الناس إلى حرب أو معونة ، فانتدبوا " ، أي : دعاهم فاستجابوا وأسرعوا إليه .

(65) " العير " ، ( بكسر العين ) : القافلة ، وكل ما امتاروا عليه من أبل وحمير وبغال .

وهي قافلة تجارة قريش إلى الشام .

(66) الأثر: 15710 - سيرة ابن هشام 2 :257 ، 258.

(67) " عبى الجيش " و " عبأة " بالهمز ، واحد .

و " تعبوا للقتال " و " تعبأوا " ، تهيأوا له .

(68) الأثر : 15713- سيرة ابن هشام 2 : 322 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15655 .

(69) في المطبوعة : " جادلوك " ، وأثبت الصواب الجيد من المخطوطة .

(70) الأثر : 15715 - " يعقوب بن محمد الزهري " ، مضى قريبًا برقم 15654 ، وهو يروي عن ابن أخي الزهري مباشرة ، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة .

و" عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي " ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 10676 .

و " ابن أخي الزهري " ، هو " محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري " ، ثقة ، متكلم فيه ، روى له الجماعة .

يروي عن عمه " ابن شهاب الزهري " .

(71) في المطبوعة والمخطوطة : " على صحة قوله " ، والصواب ما أثبت .

(72) الأثر : 15717 - هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة ، لم يذكر نصًا ، وكأن صواب العبارة : " رواه الكلبي ...

" .

(73) الأثر : 15718 - سيرة بن هشام 2 : 322 ، وهو جزء من الخبر السالف رقم : 15713 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون [ ص: 331 ] قوله تعالى يجادلونك في الحق بعدما تبين مجادلتهم : قولهم لما ندبهم إلى العير وفات العير وأمرهم بالقتال ولم يكن معهم كبير أهبة شق ذلك عليهم وقالوا : لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة .

ومعنى في الحق أي في القتال .

بعدما تبين لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله .

وقيل : بعدما تبين لهم أن الله وعدهم إما الظفر بالعير أو بأهل مكة ، وإذ فات العير فلا بد من أهل مكة والظفر بهم .

فمعنى الكلام الإنكار لمجادلتهم .كأنما يساقون إلى الموت كراهة للقاء القوم وهم ينظرون أي يعلمون أن ذلك واقع بهم ; قال الله تعالى : يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي يعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

.

فحين تبين لهم أن ذلك واقع، جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويكرهون لقاء عدوهم، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون.

والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصا بعد ما تبين لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر اللّه به ورضيه،.

فبهذه الحال ليس للجدال محل [فيها] لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر،.

فأما إذا وضح وبان، فليس إلا الانقياد والإذعان.

هذا وكثير من المؤمنين لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم،.وكذلك الذين عاتبهم اللّه، انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم اللّه، وقيض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم كما سيأتي ذكر بعضها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يجادلونك في الحق ) أي : في القتال ، ( بعد ما تبين ) وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك ، وقالوا : لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم ، وإنما خرجنا للعير ، فذلك جدالهم بعد ما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك ، وتبين صدقك في الوعد ، ( كأنما يساقون إلى الموت ) لشدة كراهيتهم القتال ، ( وهم ينظرون ) فيه تقديم وتأخير تقديره : وإن فريقا من المؤمنين لكارهون كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون يجادلونك في الحق بعدما تبين .

قال ابن زيد : هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهيتهم إياه وهم ينظرون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يجادلونك في الحق» القتال «بعد ما تبيَّن» ظهر لهم «كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون» إليه عيانا في كراهتهم له.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يجادلك -أيها النبي- فريق من المؤمنين في القتال مِن بعد ما تبيَّن لهم أن ذلك واقع، كأنهم يساقون إلى الموت، وهم ينظرون إليه عِيانًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( يُجَادِلُونَكَ فِي الحق بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ ) حكاية لما حدث من هذا الفريق الكاره للقتال ، وتصوير معجز لما استبد به من خوف وفزع .والمراد بقوله ( يُجَادِلُونَكَ ) مجادلتهم للنبى صلى الله عليه وسلم فى شأن القتال وقولهم له : ما كان خروجنا إلا للعير ، ولو أخبرتنا بالقتال لأعددنا العدة له .والضمير يعود للفريق الذى كان كارهاً للقتال .والمراد بالحق الذى جادلوا فيه : أمر القتال الذى حضهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن يعدوا أنفسهم له .وقوله : ( بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ) متعلق : ( يُجَادِلُونَكَ ) و ( مَا ) مصدرية والضمير فى الفعل ( تَبَيَّنَ ) يعود على الحق .والمراد بتبينه : إعلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بأنهم سينصرون على أعدائهم فقد روى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم قبل نجاة العير بأن الله وعده الظفر بإحدى الطائفتين : العير أو النفير ، فلما نجت العير علم أن الظفر الموعود به إنما هو النفير ، أى : على المشركين الذين استنفرهم أبو سفيان للقتال لا على العير ، أى : الإِبل الحاملة لأموال المشركين .والمعنى : يجادلك بعض أصحابك - يا محمد - ( فِي الحق ) أى فى أمر القتال ( بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ) أى ، بعدما تبين لهم الحق بإخبارك إياهم بأن النصر سيكون حليفهم ، وأنه لا مفر لهم من لقاء قريش تحقيقاً لوعد الله الذى وعد بإحدى الطائفتين .وقوله : ( كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ ) أى : يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت ، وهو ناظر إلى أسبابه ، ومشاهد لموجباته .والجملة فى محل نصب على الحالية من الضمير فى قوله : ( لَكَارِهُونَ ) .وفى هذه الجملة الكريمة تصوير معجز لما استولى على هذا الفريق من خوف وفزع من القتال بسبب قلة عددهم وعددهم .وقوله : ( بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ) زيادة فى لومهم ، لأن الجدال فى الحق بعد تنبينه أقبح من الجدال فيه قبل ظهوره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ﴾ يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال: «من قتل قتيلاً فله سلبه ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا» ليرغبهم في القتال، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة: يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم، ولم يتأخروا عن القتال جبناً ولا بخلاً ببذل مهجهم ولكنهم أشفقوا عليك من أن تغتال فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء فأنزل الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول  ﴾ يصنع فيها ما يشاء، فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهية وأيضاً حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك المقاتلة على ما سنشرح حالة تلك الكراهية، فلما قال تعالى: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ كان التقدير أنهم رضوا بهذا الحكم في الأنفال وإن كانوا كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى القتال وإن كانوا كارهين له وهذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة هنا.

الثاني: أن يكون التقدير ثبت الحكم بأن الأنفال لله، وإن كرهوه كما ثبت حكم الله بإخراجك إلى القتال وإن كرهوه.

الثالث: لما قال: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ كان التقدير: أن الحكم بكونهم مؤمنين حق، كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك للقتال حق.

الرابع: قال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده، وهو قوله: ﴿ يجادلونك فِي الحق ﴾ والتقدير ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق ﴾ على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه.

والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ مِن بَيْتِكَ ﴾ يريد بيته بالمدينة أو المدينة نفسها، لأنها موضع هجرته وسكناه بالحق، أي إخراجاً متلبساً بالحكمة والصواب ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَِّرِهُونَ ﴾ في محل الحال، أي أخرجك في حال كراهيتهم.

روي أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها أموال كثيرة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان، وعمرو بن العاص، وأقوام آخرون، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير، وقلة القوم، فلما أزمعوا وخرجوا، بلغ أهل مكة خبر خروجهم، فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلولا إن أخذ محمد عيركم لن تفلحوا أبداً، وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا، فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً رأيت كأن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل، ثم حلق بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة.

فحدث بها العباس.

فقال أبو جهل: ما ترضى رجالهم بالنبوة حتى ادعى نساؤهم النبوةا فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير، وفي المثل السائر لا في العير ولا في النفير فقيل له: العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع إلى مكة بالناس.

فقال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور، وتغني القينات والمعازف ببدر فتتسامع جميع العرب بخروجنا، وإن محمداً لم يصب العير فمضى إلى بدر بالقوم.

وبدر كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة، فنزل جبريل وقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير من قريش، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: ما تقولون إن القوم خرجوا من مكة على كل صعب وذلول.

فالعير أحب إليكم أم النفير؟

قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدو.

فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال امض إلى ما أمرك الله به فإنا معك حيثما أردت.

فوالله لو سرت إلى عدن لما تخلف عنك رجل من الأنصار.

ثم قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض إلى ما أمرك الله به، فإنا معك حيثما أردت، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون  ﴾ ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت منا عين تطرف.

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: سيروا على بركة الله والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، ولما فرغ رسول الله من بدر، قال بعضهم: عليك بالعير.

فناداه العباس وهو في وثاقه، لا يصلح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم؟» قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.

إذا عرفت هذه القصة فنقول: كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لا لكلهم، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَِّرِهُونَ ﴾ والحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى النفير لإيثارهم العير.

وقوله: ﴿ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ ﴾ المراد منه: إعلام رسول الله بأنهم ينصرون.

وجدالهم قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا؟

لنستعد ونتأهب للقتال، وذلك لأنهم كانوا يكرهون القتال، ثم إنه تعالى شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى الموت، وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجباته، وبالجملة فقوله: ﴿ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ كناية عن الجزم والقطع.

ومنه قوله عليه السلام: من نفى ابنه وهو ينطر إليه أي يعلم أنه ابنه.

وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ  ﴾ أي يعلم.

واعلم أنه كان خوفهم لأمور: أحدها: قلة العدد.

وثانيها: أنهم كانوا رجالة.

روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان.

وثالثها: قلة السلاح.

المسألة الثالثة: روي أنه صلى الله عليه وسلم إنما خرج من بيته باختيار نفسه، ثم إنه تعالى أضاف ذلك الخروج إلى نفسه فقال: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق ﴾ وهذا يدل على أن فعل العبد بخلق الله تعالى إما ابتداء أو بواسطة القدرة والداعية اللذين مجموعهما يوجب الفعل كما هو قولنا.

قال القاضي معناه: أنه حصل ذلك الخروج بأمر الله تعالى وإلزامه، فأضيف إليه.

قلنا: لا شك أن ما ذكرتموه مجاز، والأصل حمل الكلام على حقيقته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

والحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلقى النفير، لإيثارهم عليه تلقي العير ﴿ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ ﴾ بعد إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ينصرون.

وجدالهم: قولهم ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب؟

وذلك لكراهتهم القتال.

ثم شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة، بحال من يعتل إلى القتل ويساق على الصغار إلى الموت المتيقن، وهو مشاهد لأسبابه، ناظر إليها لا يشك فيها.

وقيل: كان خوفهم لقلة العدد، وأنهم كانوا رجالة.

وروي أنه ما كان فيهم إلا فارسان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ ﴾ في إيثارِكَ الجِهادَ بِإظْهارِ الحَقِّ لِإيثارِهِمْ تَلَقِّي العِيرِ عَلَيْهِ.

﴿ بَعْدَما تَبَيَّنَ ﴾ لَهُمُ أنَّهم يُنْصَرُونَ أيْنَما تَوَجَّهُوا بِإعْلامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ يَكْرَهُونَ القِتالَ كَراهَةَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ وهو يُشاهِدُ أسْبابَهُ، وكانَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعَدَمِ تَأهُّبِهِمْ إذْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا رَجّالَةً وما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُجادَلَتَهم إنَّما كانَتْ لِفَرْطِ فَزَعِهِمْ ورُعْبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يجادلونك فِي الحق} الحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى النفير لإيثارهم عليه تلقى العير {بعد ما تبين} بعد اعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بانهم ينصرون وجدالهم قولهم ماكان خروجناا إلا للعيبر وهلا قلتلنا لنستعد وذلك لكراهتهم القتالر {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ} شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة بحال من يعتل إلى القتل ويساق على الصفار إلى الموت وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليها لا يشك فيها وقيل كان خوفهم لقلة العدد وأنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ ﴾ الَّذِي هو تَلَقِّي النَّفِيرِ المُعْلِي لِلدِّينِ؛ لِإيثارِهِمْ عَلَيْهِ تَلَقِّيَ العِيرِ.

والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لَكارِهُونَ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَعْدِما تَبَيَّنَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ يُجادِلُونَ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ تَبَيَّنَ لِلْحَقِّ أيْ: يُجادِلُونَ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ لَهم بِإعْلامِكَ أنَّهم يُنْصَرُونَ ويَقُولُونَ: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ وهَلّا ذَكَرْتَ لَنا القِتالَ حَتّى نَسْتَعِدَّ لَهُ ونَتَأهَّبَ ﴿ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ ﴾ أيْ: مُشَبَّهِينَ بِالَّذِينِ يُساقُونَ بِالعُنْفِ والصَّغارِ إلى القَتْلِ، فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ لَكارِهُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ لِكارِهُونَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: لَكارِهُونَ كَراهَةً كَكَراهَةِ مَن سِيقَ لِلْمَوْتِ ﴿ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُساقُونَ وقَدْ شاهَدُوا أسْبابَهُ وعَلاماتِهِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ كَأنَّما ﴾ إلَخْ إيماءٌ إلى أنَّ مُجادَلَتَهم كانَتْ لِفَرْطِ فَزَعِهِمْ ورُعْبِهِمْ لِأنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا في قَوْلٍ فِيهِمْ فارِسانِ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما كانَ مِنّا فارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلّا المِقْدادُ، وكانَ المُشْرِكُونَ ألْفًا قَدِ اسْتَعَدُّوا لِلْقِتالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ، قال القتبي: معناه، كراهتهم فيما فعلته في الغنائم، ككراهتهم الخروج معك.

ويقال: معناه، أُوْلَئِكَ هُمُ المؤمنون حقا كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ فكذلك ننفل الغنيمة لمن نشاء، وإنْ كرهوا ذلك.

ويقال: هذا ابتداء القصة، ومعناه: امض على وجهك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون.

قوله تعالى: يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ وكان هذا بعد خروجه إلى بدر، وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من مقدم النبيّ  المدينة.

وفي تلك السنة، حولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وكانت غزوة بدر في شهر رمضان، وكانت قصته: أن النبيّ  بلغه أن عير قريش خرجت من الشام، فيهم أبو سفيان بن حرب ومخرمة بن نوفل في أربعين رجلاً من تجار قريش، ويقال أكثر من ذلك، فقال النبيّ  لأصحابه: «هذه عير أبي سفيان قَدْ أَقْبَلَتْ، فَاخْرُجُوا إلَيْهَا، فَلَعَلَّ الله أنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا على جهادكم، وتتقوّوا بها على عَدُوِّكُمْ» .

فبعث رسول الله  رجلين من جهينة، حليفين في الأنصار بأن ينظرا ويأتيا بخبر العير، فخرجا وأتيا وادي الصفراء، وهي منزل من أحد على طريق الشام، فقالا لأهل الصفراء: هل أحسستم من أحد؟

فقالوا: لا.

فخرجا فمرا بجاريتين تتلازمان (١)  بذلك.

فجاء أبو سفيان بن حرب حين أمسى الصفراء، فقال لأهل الصفراء: هل أحسستم من أحد؟

قالوا: لا إلاَّ رجلين نزلا عند هذا الكثيب، ثم ركبا.

فرجع أبو سفيان إلى ذلك الموضع، فرأى هناك بعر الإبل، فأخذ بعرة ففتّها، فوجد فيه النوى فقال: علائف أهل يثرب واللات والعزى.

فأرسل من الطريق ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يخبرهم أن محمداً  قد اعترض لعيركم فأدركوها.

وكانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت قبل أن يقدم ضمضم بن عمرو بثلاثة أيام في منامها: كأنّ راكباً أقبل على بعير أورق ومعه راية سوداء، فدخل المسجد الحرام ثم نادى بأعلى صوته: يا آل فلان يا آل فلان، انفروا إلى مصارعكم إلى ثلاث، ثم ارتقى على أبي قبيس ونادى ثلاث مرات، ثم قلع صخرة من أبي قبيس فرماها على أعلى مكة فتكسرت، فلم يبق أحد من قريش إلا أصابته فلقة منها.

فلما أصبحت، قصت رؤياها على أخيها العباس وقالت: إني خاف أن يصيب قومك سوء.

فاغتم العباس بما سمع منها، وذكر العباس ذلك للوليد بن عتبة، وكان صديقاً له، فذكر الوليد ذلك لأبيه عتبة بن ربيعة، فذكر ذلك عتبة لأبي جهل بن هشام.

وفشا ذلك الحديث في قريش، فخرج العباس إلى المسجد وقد اجتمع فيه صناديد قريش يتحدثون عن رؤيا عاتكة، فقال أبو جهل: يا أبا الفضل، متى حدثت فيكم هذه النبية؟

أما رضيتم أن قلتم: منا نبي، حتى قلتم: منا نبية؟

فو الله لننتظرن بكم ثلاثاً، فإن جاء تأويل هذه الرؤيا، وإلا كتبنا عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب.

فقال له العباس: يا كذاب، يا مصفرّ الاست، تالله أنت أولى بالكذب واللؤم منا.

فلما كان اليوم الثالث، جاء ضمضم وقد شق قميصه، وجدع أذن ناقته، وجعل التراب على رأسه وهو ينادي: يا معشر قريش، الغوث الغوث، أدركوا عيركم فقد عرض لها محمد  .

فاجتمعوا وخرجوا وهم كارهون مشفقون لرؤيا عاتكة، ومعهم القينات والدفوف بطراً ورياء كما قال الله تعالى: خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ [الأنفال: 47] .

وكل يوم يطعمهم واحد من أغنيائهم.

وخرج النبيّ  من المدينة وأمر أصحابه بالخروج، فخرج معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار، فخرجوا على نواضحهم ليس لهم ظهر غيرها، ومعهم ثلاثة أفراس ويقال: فرسان.

فخرجوا بغير قوت ولا سلاح، لا يرون أنه يكون ثمة قتالا.

فلما نزلوا بالروحاء، نزل جبريل على محمد  ، فأخبره بخروج المشركين من مكة إلى عيرهم، وقال: يا محمد، أن الله تعالى وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما العسكر.

فأخبر النبي  أصحابه بخروج المشركين من مكة إلى عيرهم، فشق ذلك على بعضهم وقالوا: يا رسول الله، هلا كنت أخبرتنا أنه يكون ثمّ قتالا فنخرج معنا سلاحنا وقسينا وفرسنا، إنما خرجنا نريد العير، والعير كانت أهون شوكة وأعظم غنيمة.

فقال النبي  لأصحابه: «أَشِيرُوا عَلَيَّ» .

فكان أبو بكر وعمر يشيران عليه بالمسير، وكان النبي  يقول: «أَشِيرُوا عَلَيَّ» ، وكان يحب أن يكلّمه الأنصار، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله امض حيث شئت، وأقم حيث شئت فو الله لئن أمرتنا أن نخوض في البحر لنخوضنه، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: 24] ، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا، ونحن معكما متَّبعون، فنزل: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ يعني: امض من الروحاء كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ، يعني: القتال يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِ ، يخاصمونك في الحرب، بَعْدَ ما تَبَيَّنَ، يعني: بَعْدِ مَا تبيَّن لَهُمُ أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، يعني: ينظرون إلى القتل (٢) (١) في نسخة «ب» متلازمتين.

(٢) عزاه السيوطي 4/ 16 إلى البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وموسى بن عقبة وإلى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أيوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَقْتِ العاقل فَضْلَةٌ في غير ما خُلِقَ له من عبادة خالقه، والاهتمام بمَصَالِحِ آخرته، والاستعداد لمَعَادِهِ، أعرف العبيد بجلالِ مَوْلاَهُ أَخْلاَهُمْ عما سواه، وأكثرهم لَهَجاً بذكره، وتعظيماً لأمره، وأحسنهم تَأَمُّلاً لآثار صنعته، وبدائع حِكْمته، وأشدهم شَوْقاً إلى لقائه، ومشاهدته انتهى.

وزيادة الإيمان على وجوه كلها خَارِجٌ، عن نَفْسِ التصديق: منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكما من أحكام الله عز وجل في القرآن، فنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمعه، فآمن به، زاد إيماناً إلى سائر ما قد آمن به إذ لكل حُكْم تَصْدِيقٌ خاص، وهذا يَتَرتَّبُ فيمن بَلَغَهُ ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القِيَامَةِ، وترتب زيادة الإِيمان بزيادة الدَّلاَئِلِ، ولهذا قال مالك: الإِيمان يَزِيدُ ولا ينقص، ويترتب بِزِيَادَةِ الأعمال البَرَّةِ على قول من يَرَى أنَّ لَفْظَةَ الإيمان واقعة على التَّصْدِيقِ والطاعات، وهؤلاء يقولون: يزيد وينقص.

وقوله سبحانه: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ عبارة جامعة لِمَصَالِحِ الدنيا والآخرة إذا اعتبرت، وعمل بحسبها في أن يَمْتَثِلَ الإنسان ما أمر به، ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر بعد ما وعد به من نَصْرٍ، أو رزق، أو غيره، وهذه أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ وَصَفَ اللَّه بها فُضَلاَءَ المؤمنين، فجعلها غاية للأُمَّةِ يَسْتَبِقُ إِليها الأَفَاضِلُ، ثم أَتْبَعَ ذلك وَعْدَهُمْ وَوَسْمَهُمْ بإِقامة الصلاة، ومدحهم بها حضّا على ذلك.

وقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.

قال جَمَاعَةٌ من المفسرين: هي الزَّكَاةُ وإِنما حملهم على ذلك اقْترَانُ الكلام بإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وإِلا فهو لفظ عام في الزكاة، ونوافل الخَيْرِ، وَصِلاَتِ المستحقين، ولفظ ابنَ عَبَّاسٍ في هذا المعنى محتمل.

وقوله سبحانه: لَهُمْ دَرَجاتٌ ظَاهِرُهُ، وهو قَوْلُ الجمهور أن المراد مَرَاتِبُ الجنة، ومنازلها، ودرجاتها على قَدْرِ أعمالهم، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يريد مَآكِلَ الجنة، ومشاربها، وكَرِيمٌ صفة تقتضي رَفْعَ المَذَامِّ، كقوله: ثوب كَرِيمٌ.

وقوله سبحانه: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ...

الآية: اختلف في معنى هذه الآية، فقال الفَرَّاءَ: التقدير امْضِ لأمرك/ في الغَنَائِمِ، وإن كرهوا كما أخرجك رَبُّكَ.

قال ع «١» : وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: هذه الكاف شبّهت هذه القصّة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ ﴾ في مُتَعَلِّقٍ هَذِهِ الكافِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالأنْفالِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ: امْضِ لِأمْرِ اللَّهِ في الغَنائِمِ وإنْ كَرِهُوا، كَما مَضَيْتَ في خُرُوجِكَ مَن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الأنْفالَ لَلَّهِ والرَّسُولِ  بِالحَقِّ الواجِبِ، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ بِالحَقِّ، وإنْ كَرِهُوا ذَلِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: يَسْألُوكَ عَنِ الأنْفالِ مُجادَلَةً، كَما جادَلُوكَ في خُرُوجِكَ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ﴾ ، والمَعْنى: إنَّ التَّقْوى والإصْلاحَ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا خَيْرًا لَكم وإنْ كَرِهَهُ بَعْضُكم، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ يُجادِلُونَكَ ﴾ ، فالمَعْنى: مُجادَلَتُهم إيّاكَ في الغَنائِمِ كَإخْراجِ اللَّهِ إيّاكَ إلى بَدْرٍ وهم كارِهُونَ، قالَهُ الكِسائِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ ﴾ والمَعْنى: وهُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، ذَكَرَهُ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ.

والخامِسُ: أنْ "كَما" في مَوْضِعِ قَسَمٍ، مَعْناها: والَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ بِأنَّ "ما" في مَوْضِعِ "الَّذِي" ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى  ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي هَذا القَوْلِ بَعْدَ؛ لِأنَّ الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ الإقْسامِ.

وفي هَذا الخُرُوجِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خُرُوجُهُ إلى بَدْرٍ، وكَرِهَ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ، لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِالغَنِيمَةِ إلّا بِالقِتالِ.

والثّانِي: أنَّهُ خُرُوجُهُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لَلْهِجْرَةِ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: "بِالحَقِّ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّكَ خَرَجْتَ ومَعَكَ الحَقُّ.

والثّانِي: أنَّكَ خَرَجْتَ بِالحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ﴾ قَوْلانِ أحَدُهُما: كارِهُونَ خُرُوجَكَ.

والثّانِي: كارِهُونَ صَرْفَ الغَنِيمَةِ عَنْهم، وهَذِهِ كَراهَةُ الطَّبْعِ لَمَشَقَّةِ السَّفَرِ والقِتالِ، ولَيْسَتْ كَراهَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ ﴾ يَعْنِي في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم خَرَجُوا بِغَيْرِ عِدَّةٍ، فَقالُوا: هَلّا أخْبَرْتَنا بِالقِتالِ لِنَأْخُذَ العُدَّةَ، فَجادَلُوهُ طَلَبًا لَلرُّخْصَةِ في تَرْكِ القِتالِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ بُعْدما تَبَيَّنَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَبَيَّنَ لَهم فَرْضُهُ.

والثّانِي: تَبَيَّنَ لَهم صَوابُهُ.

والثّالِثُ: تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ لا تَفْعَلُ إلّا ما أُمِرْتَ بِهِ.

وفي "المُجادِلِينَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ جِدالُهم في الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، لا في القِتالِ.

فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ ﴾ أيْ: في لَقاءِ العَدُوِّ ﴿ وَهم يَنْظُرُونَ ﴾ ، لِأنَّ أشَدَّ حالٍ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ أنْ يَكُونَ ناظِرًا إلَيْهِ، وعالِمًا بِهِ.

وعَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى الإسْلامِ لَكَراهَتِهِمْ إيّاهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِن المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ﴾ ﴿ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللهُ أنَّ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" حَسَبَما نُبَيِّنُ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي أنا ذاكِرُها بَعْدُ بِحَوْلِ اللهِ، والَّذِي يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى ويُحَسِّنُ سَرْدَ الألْفاظِ قَوْلانِ؛ وأنا أبْدَأُ بِهِما: قالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: "امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ وإنْ كَرِهُوا، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ"، هَذا نَصُّ قَوْلِهِ في "هِدايَةِ مَكِّيٍّ "، والعِبارَةُ بِقَوْلِهِ: "امْضِ لِأمْرِكَ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ" غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وتَحْرِيرُ هَذا المَعْنى عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الكافَ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنِ النَفْلِ وتَشاجَرُوا فَأخْرَجَ اللهُ ذَلِكَ عنهم فَكانَتْ في ذَلِكَ الخِيَرَةُ، فَتَشاجُرُهم في النَفْلِ بِمَثابَةِ كَراهِيَتِهِمْ هُنا لِلْخُرُوجِ، وحُكْمِ اللهِ في النَفْلِ بِأنَّهُ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ دُونَهم هو بِمَثابَةِ إخْراجِهِ نَبِيَّهُ  مِن بَيْتِهِ، ثُمَّ كانَتِ الخِيَرَةُ في القِصَّتَيْنِ فِيما صَنَعَ اللهُ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "يُجادِلُونَكَ" كَلامًا مُسْتَأْنَفًا يُرادُ بِهِ الكُفّارُ، أيْ: يُجادِلُونَكَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ الحَقُّ فِيها، كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ في الدُعاءِ إلى الإيمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُ مِن أنَّ "يُجادِلُونَكَ" في الكُفّارِ مَنصُوصٌ.

والقَوْلُ الثانِي، قالَ مُجاهِدٌ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما: المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ عَلى كَراهِيَةٍ مِن فَرِيقٍ مِنهم كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في قِتالِ كُفّارِ مَكَّةَ ويَوَدُّونَ غَيْرَ ذاتِ الشَوْكَةِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ إنَّما تَفْعَلُ ما أُمِرْتَ بِهِ لا ما يُرِيدُونَ هم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَقْدِيرُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ مُجادَلَةً كَكَراهَتِهِمْ إخْراجَ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، فالمُجادَلَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَثابَةِ الكَراهِيَةِ، وكَذَلِكَ وقَعَ التَشْبِيهُ في المَعْنى، وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ يَقُولُ: إنَّ المُجادِلِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وقائِلُ المَقالَةِ الأُولى يَقُولُ: إنَّ المُجادِلِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ، فَهَذانَ قَوْلانِ مُطَّرِدانِ يَتِمُّ بِهِما المَعْنى ويَحْسُنُ رَصْفُ اللَفْظِ.

وقالَ الأخْفَشُ: الكافُ نَعْتٌ لِـ "حَقًّا" والتَقْدِيرُ: "هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى عَلى هَذا التَأْوِيلِ كَما تَراهُ لا يَتَناسَقُ.

وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ.

والتَقْدِيرُ: "كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ فاتَّقُوا اللهَ"، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَعْنى وضَعَهُ هَذا المُفَسِّرُ ولَيْسَ مِن ألْفاظِ الآيَةِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو قَسَمٌ، أيْ: "لَهم دَرَجاتٌ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ كَما أخْرَجَكَ".

بِتَقْدِيرِ: والَّذِي أخْرَجَكَ، فالكافُ في مَعْنى الواوِ و(ما) بِمَعْنى الَّذِي.

وَقالَ الزَجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَقْدِيرُ: "الأنْفالُ ثابِتَةٌ لَكَ ثَباتًا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ".

وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ.

والتَقْدِيرُ: "لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ هَذا وعْدٌ حَقٌّ كَما أخْرَجَكَ".

وقِيلَ: المَعْنى: "وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنَكم ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم كَما أخْرَجَكَ"، والكافُ نَعْتٌ لِخَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ.

وقِيلَ التَقْدِيرُ: "قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَسُولِ كَما أخْرَجَكَ"، وهَذا نَحْوُ أوَّلِ قَوْلٍ ذَكَرْتُهُ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: التَقْدِيرُ: "وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ"، أيِ:الطاعَةُ خَيْرٌ لَكم كَما كانَ إخْراجُكَ خَيْرًا لَكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَيْتِكَ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَدِينَةِ يَثْرِبَ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ ابْنُ بَكِيرٍ: المَعْنى: كَما أخْرَجَكَ مِن مَكَّةَ وقْتَ الهِجْرَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي الحَقِّ بَعْدَ ما بُيِّنَ" بِضَمِّ الباءِ مِن غَيْرِ تاءٍ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ( يُجادِلُونَكَ ) قِيلَ: هو لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، فَمَن قالَ: "لِلْمُؤْمِنِينَ" جَعَلَ الحَقَّ قِتالَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ومَن قالَ "لِلْمُشْرِكِينَ" جَعَلَ الحَقَّ شَرِيعَةَ الإسْلامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلى المَوْتِ ﴾ أيْ: في سَوْقِهِمْ عَلى أنَّ المُجادِلِينَ المُؤْمِنُونَ، وفي دُعائِهِمْ إلى الشَرْعِ عَلى أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم يَنْظُرُونَ ﴾ حالٌ تَزِيدُ في فَزَعِ السَوْقِ وتَقْتَضِي شِدَّةَ حالِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ ﴾ الآيَةُ.

في هَذِهِ الآيَةِ قَصَصٌ حَسَنٌ أنا أخْتَصِرُهُ إذْ هو مُسْتَوْعَبٌ في كِتابِ سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ  لِابْنِ هِشامٍ، واخْتِصارُهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا بَلَغَهُ -وَقِيلَ: أُوحِيَ إلَيْهِ- أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ قَدْ أقْبَلَ مِنَ الشامِ بِالعِيرِ الَّتِي فِيها تِجارَةُ قُرَيْشٍ وأمْوالُها قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ قَدْ عَنَّتْ لَكُمْ، فاخْرُجُوا إلَيْها لَعَلَّ اللهَ أنْ يُنَفِّلَكُمُوها، قالَ: فابْتَعَثَ مِمَّنْ مَعَهُ مَن خَفَّ، وثَقُلَ قَوْمٌ وَكَرِهُوا الخُرُوجَ، وأسْرَعَ رَسُولُ اللهِ  لا يَلْوِي عَلى مَن تَعَذَّرَ، ولا يَنْتَظِرُ مَن غابَ ظَهْرُهُ، فَسارَ في ثَلاثِمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ مِن أصْحابِهِ بَيْنَ مُهاجِرِيٍّ وأنْصارِيٍّ، وقَدْ ظَنَّ الناسُ بِأجْمَعِهِمْ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لا يَلْقى حَرْبًا فَلَمْ يَكْثُرِ اسْتِعْدادُهُمْ، وكانَ أبُو سُفْيانَ في خِلالِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِي ويَحْذَرُ، فَلَمّا بَلَغَهُ خُرُوجُ رَسُولِ اللهِ  بَعَثَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارِيَّ إلى مَكَّةَ يَسْتَنْفِرُ أهْلَها، فَفَعَلَ ضَمْضَمُ، فَخَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ في ألْفِ رَجُلٍ أو نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ  خُرُوجُهم أوحى اللهُ إلَيْهِ وحْيًا غَيْرَ مَتْلُوٍّ يَعِدُهُ إحْدى الطائِفَتَيْنِ، فَعَرَّفَ رَسُولُ اللهِ  أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَسُرُّوا ووَدُّوا أنْ تَكُونَ لَهُمُ العِيرُ الَّتِي لا قِتالَ مَعَها، فَلَمّا عَلِمَ أبُو سُفْيانَ بِقُرْبِ رَسُولِ اللهِ  أخَذَ طَرِيقَ الساحِلِ وأبْعَدَ وفاتَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا لِقاءُ أهْلِ مَكَّةَ، وأشارَ بَعْضُ الكُفّارِ عَلى بَعْضٍ بِالِانْصِرافِ وقالُوا: عِيرُنا قَدْ نَجَتْ فَلْنَنْصَرِفْ، فَحَرَّشَ أبُو جَهْلٍ ولَجَّ حَتّى كانَ أمْرُ الوَقْعَةِ، وقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ لَمْ نَخْرُجْ لِقِتالٍ ولَمْ نَسْتَعِدَّ لَهُ، فَجَمَعَ رَسُولُ اللهِ  أصْحابَهُ وهو بِوادٍ يُسَمّى ذَفِرانَ، وقالَ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وتَكَلَّمَ فَأحْسَنَ وحَرَّضَ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، فَأعادَ رَسُولُ اللهِ  الِاسْتِشارَةَ، فَقامَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَأعادَ رَسُولُ اللهِ  الِاسْتِشارَةَ، فَتَكَلَّمَ المِقْدادُ الكِنْدِيُّ فَقالَ: لا نَقُولُ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ  اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولَكِنْ نَقُولُ: إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، واللهِ لَوْ أرَدْتَ بِنا بِرَكَ الغِمادِ -(قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهي مَدِينَةُ الحَبَشَةِ)- لَقاتَلْنا مَعَكَ مِن دُونِها، فَسُرَّ رَسُولُ اللهِ  بِكَلامِهِ ودَعا لَهُ بِخَيْرٍ، ثُمَّ قالَ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ، فَكَلَّمَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ -وَقِيلَ: سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ -.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "وَيُمْكِنُ أنَّهُما جَمِيعًا تَكَلَّما في ذَلِكَ اليَوْمِ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، كَأنَّكَ تُرِيدُنا مَعْشَرَ الأنْصارِ؟

فَقالَ النَبِيُّ  : أجَلْ، فَقالَ: إنّا آمَنّا بِكَ واتَّبَعْناكَ فامْضِ لِأمْرِ اللهِ، فَواللهِ لَوْ خُضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ لَخُضْناهُ مَعَكَ، فَقالَ النَبِيُّ  : "امْضُوا عَلى بَرَكَةِ اللهِ، فَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ"، فالتَقَوْا وكانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ.

وَقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "وَإذْ يَعِدْكُمْ" بِجَزْمِ الدالِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ احْدى الطائِفَتَيْنِ" بِوَصْلِ الألِفِ مِن "إحْدى" وصِلَةِ الهاءِ بِالحاءِ.

و"الشَوْكَةُ" عِبارَةٌ عَنِ السِلاحِ والحِدَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْوَرِ: "إنَّ العَرْفَجَ قَدْ أدْبى".

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ - "الشَوْكَةُ تَّكُونُ" بِإدْغامِ التاءِ في التاءِ.

ومَعْنى الآيَةِ: وتَوَدُّونَ العِيرَ وتَأْبَوْنَ قِتالَ الكُفّارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُرِيدُ اللهُ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: ويُرِيدُ اللهُ أنْ يُظْهِرَ الإسْلامَ ويُعْلِيَ دَعْوَةَ الشَرْعِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُمْ- (بِكَلِمَتِهِ) عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، والمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ إمّا أنْ يُرِيدَ: بِأوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ والنُصْرَةِ لِجَمِيعِ ما يُظْهِرُ الإسْلامَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ: بِكَلِماتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ، والمَعْنى قَرِيبٌ.

والدابِرُ: الَّذِي يَدْبُرُ القَوْمَ، أيْ: يَأْتِي في آخِرِهِمْ، فَإذا قُطِعَ فَقَدْ أتى عَلى آخِرِهِمْ بِشَرْطِ أنْ يَبْدَأ الإهْلاكُ مِن أوَّلِهِمْ، وهي عِبارَةٌ في كُلِّ مَن أتى الهَلاكُ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تشبيهُ حال بحال، وهو متصل بما قبله: إما بتقدير مبتدأ محذوف، هو اسم إشارة لما ذكر قبله، تقديرُه: هذا الحال كحال ما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ووجه الشبه هو كراهية المؤمنين في بادئ الأمر لما هو خير لهم في الواقع وإما بتقدير مصدر لفعل الاستقرار الذي يقتضيه الخبر بالمجرور في قوله ﴿ الأنفال لله وللرسول ﴾ [الأنفال: 1] إذ التقدير: استقرت لله والرسول استقراراً كما أخرجك ربك، أي فيما يلوح إلى الكراهية والامتعاض في بادئ الأمر، ثم نوالهم النصرَ والغنيمةَ في نهاية الأمر، فالتشبيه تمثيلي وليس مراعى فيه تشبيهُ بعض أجزاء الهيئة المشبهة ببعض أجزاء الهيئة المشبّه بها، أي أن ما كرهتموه من قسمة الأنفال على خلاف مشتهاكم سيكون فيه خير عظيم لكم، حسب عادة الله تعالى بهم في أمره ونهيه، وقد دل على ما في الكلام من معنى مخالفة مشتهاهم قولُه ﴿ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم صادقين ﴾ [الأنفال: 1] كما تقدم، مع قوله في هذه الجملة ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ .

فجملة: ﴿ وإن فريقاً ﴾ في موضع الحال والعامل فيها ﴿ أخرجك ربك ﴾ هذا وجه اتصال كاف التشبيه بما قبلها على ما الأظهر، وللمفسرين وجوه كثيرة بلغت العشرين قد استقصاها ابن عادل، وهي لا تخلو من تكلف، وبعضها متحد المعنى وبعضها مختلفُه، وأحسن الوجوه ما ذكره ابن عطية ومعناه قريب مما ذكرنا وتقديره بعيد منه.

والمقصود من هذا الأسلوب: الانتقالُ إلى تذكيرهم بالخروج إلى بدر وما ظهر فيه من دلائِل عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين.

و ﴿ ما ﴾ مصدرية.

والإخراج: إما مراد به الأمر بالخروج للغزو، وإما تقديرُ الخروج لهم وتيسيره.

والخروج مفارقة المنزل والبلدِ إلى حيننِ الرجوع إلى المكان الذي خرج منه، أو إلى حيننِ البلوغ إلى الموضع المنتقل إليه.

والإخراج من البيت: هو الإخراج المعيّن الذي خرج به النبي صلى الله عليه وسلم غازياً إلى بدر.

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للمصاحبة أي إخراجاً مصاحباً للحق، والحق هنا الصواب، لما تقدم آنفاً من أن اسم الحق جامع لمعنى كمال كل شيء في محامد نوعه.

والمعنى أن الله أمره بالخروج إلى المشركين ببدر أمراً موافقاً للمصلحة في حال كراهة فريق من المؤمنين ذلك الخروج.

وقد أشار هذا الكلام إلى السبب الذي خرج به المسلمون إلى بدر، فكان بينهم وبين المشركين يوم بدر، وذلك أنه كان في أوائل رمضان في السنة الثانية للهجرة إن قفلت عيرٌ لقريش فيها أموال وتجارة لهم من بلاد الشام، راجعة إلى مكة، وفيها أبو سفيان بن حرب في زهاء ثلاثين رجلاً من قريش، فلما بلغ خبر هذه العير رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إليها فانتدب بعضهم وتثاقل بعضٌ، وهم الذين كرهوا الخروج، ولم ينتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم من تثاقلوا ومن لم يحْضر ظهرهم أي رواحلهم فسار وقد اجتمع من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر خرجوا يوم ثمانية من رمضان، وكانوا يحسبون أنهم لا يلقون حرباً وأنهم يغيرون على العير ثم يرجعون، وبلغ أبا سفيان خبر خروج المسلمين فأرسل صارخاً يستصرخ قريشاً لحماية العير، فتجهز منهم جيش، ولما بلغ المسلمون وادي ذفرَان بلغهم خروج قريش لتلقي العير، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه بالمضي في سبيله وكانت العير يومئذ فاتتهم، واطمأن أبو سفيان لذلك فأرسل إلى أهل مكة يقول إن الله نجى عيركم فارجعوا، فقال أبو جهل لا نرجع حتى نَرِد بدراً (وكان بدرٌ موضع ماء فيه سوق للعرب في كل عام) فنقيم ثلاثاً، فننحرَ الجُزر ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتتسامع العرب بنا وبمسيرنا فلا يزالوا يهابوننا ويعلموا أن محمداً لم يصب العير، وأنا قد أعضضناه، فسار المشركون إلى بدر وتنبكتْ عيرهم على طريق الساحل وأعلم الله النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأعلم المسلمين، فاستشارهم وقال: العيرُ أحبُ إليكم أم النفير، فقال أكثرهم العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعاد استشارتهم فأشار أكثرهم قائلين: عليك بالعير فإنا خرجنا للعير فظهر الغضبُ على وجهه.

فتكلم أبو بكر، وعمر، والمقداد بنُ الأسود، وسعدُ بن عبادةَ، وأكثر الأنصار، ففوضوا إلى رسول الله ما يرى أن يسير إليه صلى الله عليه وسلم فأمرهم حينئذ أن يسيروا إلى القوم ببدر فساروا.

وكان النصر العظيم الذي هز به الإسلامُ رأسه.

فهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ وذلك أنهم خرجوا على نية التعرض للعير، وأن ليس دونَ العير قتال، فلما أخبرهم عن تجمع قريش لقتالهم تكلم أبو بكر فأحسن، وتكلم عمر فأحسن، ثم قام المقداد بن الأسود فقال «يا رسول الله امضضِ لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هَهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديكَ وخلفك، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى (بَرْككِ الغماد) (بفتح باء برك وغين الغماد ومعجمة مكسورة موضع باليمن بعيد جداً عن مكة) لجادلنا معك من دونه حتى تبلغه.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أشيروا عليّ أيها الناس " وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم حين بايعُوه بالعقبة قالوا يومئذ «إنا بُرءاء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فإنك في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا» فكان رسول الله يتخوف أن يكون الأنصار لا يرون نصرَه إلا ممّن دَهمه بالمدينة، وأن ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أشيروا عليّ قال له سعد بن معاذ «والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله قال: أجلْ قال: فقد آمنّا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحرَ فخصته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد وما نَكْرَهُ أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصبرٌ في الحرب صدقٌ في اللقاء لعل الله يريك بنا ما تقرُّ به عينُك فسِرْ بنا على بركة الله» فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين أي ولم يخص وعد النصر، بتلقي العير فقط فما كان بعد ذلك إلا أن زال من نفوس المؤمنين الكارهين للقتال ما كان في قلوبهم من الكراهية، وقوله ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ في موضع الحال من الإخراج الذي أفادته، (ما) المصدرية، وهؤلاء هم الذين تثاقلوا وقت العزم على الخروج من المدينة، والذين اختاروا العير دون النفيرِ حين استشارة وادي ذَفِرَان، لأن ذلك كله مقترن بالخروج لأن الخروج كان ممتداً في الزمان، فجملة الحال من قوله: ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ حال مقارنة لعاملها وهو ﴿ أخرجك ﴾ .

وتأكيد خبر كراهية فريق من المؤمنين بإن ولام الابتداء مستعمل في التعجيب من شأنهم بتنزيل السامع غير المنكر لوقوع الخبر منزلةَ المنكر لأن وقوع ذلك مما شأنه أن لا يقع، إذ كان الشأن اتباع ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم أو التفويضَ إليه، وما كان ينبغي لهم أن يكرهوا لقاء العدو.

ويستلزم هذا التنزيلُ التعجيبَ من حال المخبر عنهم بهذه الكراهية فيكون تأكيد الخبر كناية عن التعجيب من المخبر عنهم.

وجملة ﴿ يجادلونك ﴾ حال من ﴿ فريقاً ﴾ فالضمير لفريق باعتبار معناه لأنه يدل على جمع.

وصيغة المضارع لحكاية حال المجادلة زيادة في التعجيب منها، وهذا التعجيب كالذي في قوله تعالى: ﴿ يجادلنا ﴾ من قوله: ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يُجادلنا في قوم لوط ﴾ [هود: 74] إذ قال ﴿ يجادلنا ﴾ ولم يقل «جادلنا».

وقوله: ﴿ بعْدَ ما تبيّنَ ﴾ لوم لهم على المجادلة في الخروج الخاص، وهو الخروج للنفير وترك العير، بعد أن تبين أي ظهر أن الله قدر لهم النصر، وهذا التبيّن هو بيّنٌ في ذاته سواء شعر به كلهم أو بعضهم فإنه بحيث لا ينبغي الاختلاف فيه، فإنهم كانوا عَرَباً أذكياء، وكانوا مؤمنين أصفياء، وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله ناصرهم على إحدى الطائفتين: طائفة العير أو طائفة النفير، فنصرهم إذن مضمون، ثم أخبرهم بأن العير قد أخطأتهم، وقد بقي النفير، فكان بيّناً أنهم إذا لقوا النفير ينصرهم الله عليه، ثم رأوا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لمّا اختاروا العير، فكان ذلك كافياً في اليقين بأنهم إذا لقوا المشركين ينتصرون عليهم لا محالة، ولكنهم فضلوا غنيمة العير على خضد شوكة أعدائهم ونهوضضِ شوكتهم بنصر بدر، فذلك معنى تبيّن الحق أي رجحان دليله في ذاته، ومَن خفي عليه هذا التبيّن من المؤمنين لم يعذره الله في خفائِه عليه.

ومن هذه الآية يؤخذ حكم مؤاخذة المجتهد إذا قصّر في فهم ما هو مدلول لأهل النظر، وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الذي سأله عن ضالة الإبل بعدَ أن سأله عن ضالة الغنم فأجابه هي لكَ أو لأخيك أو للذئب.

فلما سأله بعد ذلك عن ضالّة الإبل تَمَعّر وجهه وقال «مالَكَ ولها معها حذاؤها وسقاؤها تَشرب الماءَ وترعَى الشجرَ حتى يلقاها ربها» وروى مالك، في «الموطأ»، أن أبا هريرة مرّ بقوممٍ محرمين فاستفتوه في لَحْم صيد وجدوا أناساً أحلة يأكلونه فأفتاهم بالأكل منه ثم قدم المدينة فسأل عُمر بن الخطاب عن ذلك فقال له عمر بمَ أفتيتَهم قال: أفتيتهم بأكله فقال: «لو أفتيتهم بغير ذلك لأوْجَعْتُك».

وجملة: ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع في ﴿ يجادلونك ﴾ أي حالتهم في وقت مجادلتهم إياك تشبه حالتهم لو ساقهم سائق إلى الموت، والمراد بالموت الحالة المضادة للحياة وهو معنى تكرهه نفوس البشر، ويصوره كل عقل بما يتخيله من الفظاعة والبشاعة كما تصوره أبو ذؤيب في صورة سَبُع في قوله: وإذا المنية أنشبت أظفارها *** وكما تخيل، تأبط شراً الموت طامعا في اغتياله فنجا منه حين حاصره أعداؤه في جحر في جبل: فَخَالطَ سَهْلَ الأرض لم يكدح الصفا *** به كَدْحةً والموتُ خزيانُ يَنظر فقوله تعالى: ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ تشبيه لحالهم، في حين المجادلة في اللحاق بالمشركين، بحال من يجادل ويمانع من يسوقه إلى ذات الموت.

وهذا التفسير أليق بالتشبيه لتحصل المخالفة المطلقة بين الحالة المشبهة والحالة المشبه بها، وإلا فإن أمرهم بقتال العدو الكثير العَدد، وهم في قلة، إرْجاء بهم إلى الموت إلا أنه موت مظنون، وبهذا التفسير يظهر حسن موقع جملة: ﴿ وهم ينظرون ﴾ أما المفسرون فتأولوا الموت في الآية بأنه الموت المتيقن فيكون التخالف بين المشبه والمشبه به تخالفاً بالتقييد.

وجملة: ﴿ وهم ينظرون ﴾ حال من ضمير ﴿ يساقون ﴾ ومفعول ﴿ ينظرون ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿ إلى الموت ﴾ أي: وهم ينظرون الموتَ، لأن حالة الخوف من الشيء المخوف إذا كان منظوراً إليه تكون أشد منها لو كان يعلم أنه يساق إليه ولا يَراه، لأن للحس من التأثير على الإدراك ما ليس لمجرد التعقل، وقريب من هذا المعنى قول جعفر بن عُلْبَةَ: يَرى غمراتتِ الموت ثم يزورها *** وفي عكسه في المسرة قوله تعالى: ﴿ وأغرقنا آل فرعون وأنتُم تنظرون ﴾ [البقرة: 50] <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِالحَقِّ مَعَ كَراهَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ يُنْجِزُ وعْدَكَ في نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ بِالحَقِّ.

والثّانِي: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ مِنَ المَدِينَةِ إلى بَدْرٍ بِالحَقِّ كَذَلِكَ جَعَلَ لَكَ غَنِيمَةَ بَدْرٍ بِالحَقِّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّكَ خَرَجْتَ ومَعَكَ الحَقُّ.

الثّانِي: أنَّهُ أخْرَجَكَ بِالحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ.

﴿ وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كارِهُونَ خُرُوجَكَ.

الثّانِي: كارِهُونَ صَرْفَ الغَنِيمَةِ عَنْهم لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَها لِرَسُولِهِ دُونَهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ ﴾ يَعْنِي في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وَ ﴿ بَعْدَما تَبَيَّنَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم صَوابُهُ.

الثّانِي: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم فَرْضُهُ.

وَفي المُجادِلِ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ إسْحاقَ، لِأنَّهم خَرَجُوا لِأخْذِ العِيرِ المُقْبِلَةِ مِنَ الشّامِ مَعَ أبِي سُفْيانَ فَلَمّا فاتَهم ذَلِكَ أُمِرُوا بِالقِتالِ فَجادَلُوا طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ وقالُوا ما تَأهَّبْنا في الخُرُوجِ لِقِتالِ العَدُوِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ ﴾ يَعْنِي كَأنَّهم في قِتالِ عَدُوِّهِمْ يُساقُونَ إلى المَوْتِ، رُعْبًا وأسَفًا لِأنَّهُ أشَدُّ لِحالِ مَن سِيقَ إلى المَوْتِ أنْ يَكُونَ ناظِرًا لَهُ وعالِمًا بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ ﴾ الآيَةَ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ لَمّا أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ مَعَ أبِي سُفْيانَ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِالخُرُوجِ لِأخْذِها، وسارَ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَخَرَجَتْ لِلْمَنعِ عَنْها، فَلَمّا عَلِمَ النَّبِيُّ  بِخُرُوجِها شاوَرَ أصْحابَهُ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَوالَّذِي بَعَثَكَ إنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَنَخُوضَنَّهُ مَعَكَ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَوْلِ سَعْدٍ وقالَ: (سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ وأبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ الآنَ إلى مَصارِعِ القَوْمِ» فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ ﴾ يَعْنِي العِيرَ الَّتِي مَعَ أبِي سُفْيانَ أوِ الظَّفْرَ بِقُرَيْشٍ الخارِجِينَ لِلْمَنعِ مِنها.

﴿ وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ أيْ غَيْرَ ذاتِ الحَرْبِ وهي العِيرُ لِأنَّ نُفُوسَهم في لِقائِها أسْكَنُ، وهم إلى ما فِيها مِنَ الأمْوالِ أحْوَجُ.

وَفي الشَّوْكَةِ الَّتِي كُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الشِّدَّةُ فَكُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ لِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّانِي: أنَّها السِّلاحُ، وكُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ لِما فِيها مِنَ السِّلاحِ، مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ شاكٍ في السِّلاحِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إظْهارُ الحَقِّ بِإعْزازِ الدِّينِ في وقْتِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن وعْدِهِ.

والثّانِي: أنَّ الحَقَّ في أمْرِهِ لَكم أنْ تُجاهِدُوا عَدُوَّكم.

وَفي صِفَةِ ذَلِكَ وجْهانِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ.

أحَدُهُما: يُحِقُّ الحَقَّ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ ويُبْطِلُ الباطِلَ بِالإعْراضِ عَنْهُ.

الثّانِي: يُحِقُّ الحَقَّ بِالقَبُولِ ويُبْطِلُ الباطِلَ بِالرَّدِّ.

﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ﴾ مَعْناهُ لِيُظْهِرَ الحَقَّ يَعْنِي الإسْلامَ.

﴿ وَيُبْطِلَ الباطِلَ ﴾ أيْ يَذْهَبُ بِالباطِلِ يَعْنِي الشِّرْكَ.

قالَ الحَسَنُ.

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ ﴾ وهي في القِراءَةِ بَعْدَها.

رَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ بَدْرٍ عَلَيْكَ بِالعِيرِ لَيْسَ دُونَها شَيْءٌ فَقالَ لَهُ العَبّاسُ وهو أسِيرٌ في أيْدِيهِمْ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، فَقالَ: لِمَ؟

فَقالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت فقال «ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا» ، فخرجنا فلما سرنا يوماً أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعادّ ففعلنا، فإذا نحن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدّتنا، فسر بذلك وحمد الله وقال: عدة أصحاب طالوت.

فقال: «ما ترون في القوم فانهم قد أخبروا بمخرجكم؟» فقلنا: يا رسول الله لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم إنما خرجنا للعير، ثم قال: ما ترون في قتال القوم؟

فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال أصحاب موسى لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ [ المائدة: 24] فأنزل الله: ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ إلى قوله: ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ﴾ فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين- اما القوم واما العير- طابت أنفسنا، ثم إنا اجتمعنا مع القوم فصففنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أنشدك وعدك.

فقال ابن رواحة: يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك- ورسول الله أفضل من أن نشير عليه- إن الله أجل وأعظم من أن تَنْشُدَهُ وعده.

فقال: يا ابن رواحة لأنْشُدَنَّ اللهَ وعده فإن الله لا يخلف الميعاد، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه القوم فانهزموا، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [ الأنفال: 17] فقلنا وأسرنا.

فقال عمر: يا رسول الله ما أرى أن تكون لك اسرى، فانما نحن داعون مؤلفون؟

فقلنا معشر الأنصار: انما يحمل عمر على ما قال حسد لنا.

فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ، ثم قال: «ادعو إلي عمر فدعي له، فقال له: إن الله قد أنزل عليَّ ﴿ ما كان لنبي أن تكون له أسرى ﴾ [ الأنفال: 56] الآية» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن مردويه عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: «كيف ترون؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا انهم كذا وكذا، ثم خطب الناس فقال: «كيف ترون؟» فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: «كيف ترون؟» فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله ايانا تريد...؟

فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لَنَسيرَنَّ معك، ولا نكونَنَّ كالذين قالوا لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ [ المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت.

فنزل القرآن على قول سعد ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ وإنما رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غنيمة مع أبي سفيان فأحدث الله إليه القتال.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ﴾ قال: كذلك أخرجك ربك إلى قوله: ﴿ يجادلونك في الحق ﴾ قال: القتال.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ﴾ قال: خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ قال: لطلب المشركين ﴿ يجادلونك في الحق بعدما تبين ﴾ انك لا تصنع إلا ما أمرك الله به ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ حين قيل هم المشركون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء العدوّ، وقال له سعد بن عبادة ما قال وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبوا للقتال وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الايمان، فأنزل الله: ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كراهية لقاء المشركين.

وأخرج البزار وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف قال: نزل الإِسلام بالكره والشدّة فوجدنا خير الخير في الكره، خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فأسكننا سبخة بين ظهراني حرة فجعل الله لنا في ذلك العلا والظفر، وخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر على الحال التي ذكر الله ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ إلى قوله: ﴿ وهم ينظرون ﴾ فجعل الله لنا في ذلك العلا والظفر فوجدنا خير الخير في الكره.

وأخرج ابن جرير عن الزبيري قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر ﴿ كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ﴾ خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ﴾ قال المفسرون: إن عير قريش أقبلت من الشام فندب رسول الله  أصحابه وقال: إن الله، ينفلكموها، فخرجت طائفة كارهة، فلما التقوا أمروا بالقتال ولم يكونوا أعدوا له أهبة، فشق ذلك عليهم وقالوا: هلا أخبرتنا فكنا (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فِي الْحَقِّ ﴾ أي في القتال، عن ابن عباس (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ﴾ (٦) (٧) وقال أبو صالح عن ابن عباس: يجادلونك في القتال بعد ما أمرت به (٨) وقال أبو إسحاق: يجادلونك في الحق بعد ما تبين وعدهم الله عز وجل أنهم يظفرون بأهل مكة أو (٩) (١٠) (١١) قال أهل المعاني: إنما كانت تلك المجادلة طلبًا للرخصة لأنهم لم يستعدوا للقتال، وقيل عددهم [وكانوا رجالة] (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ ، قال ابن إسحاق: كراهة للقاء القوم (١٤) (١٥) ﴿ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ ، وقال صاحب النظم: أي: يعلمون أنه واقع بهم، ومنه قول النبي (١٦)  : "من انتفى من ابنه وهو ينظر إليه" (١٧) ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ  ﴾ أي: يعلم (١٨) (١) في (س): (لكنا).

(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 183، والسمرقندي 2/ 5، والبغوي 3/ 328.

(٣) ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 296، وبمعناه ابن جرير 9/ 183 - 184، ولم أجد قول ابن إسحاق في "السيرة النبوية"، ويبدو أن هذا القول لابن جرير تفسيرًا لقول ابن عباس وابن إسحاق.

انظر ابن جرير 9/ 183 - 184.

(٤) رواه ابن جرير 9/ 183 - 184 من رواية الكلبي.

(٥) رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 182، وانظر: "تفسير الإمام أحمد" ص 352.

(٦) في (س): (ما بعد)، وهو خطأ.

(٧) رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 184، وابن أبي حاتم 5/ 1659 - 1660، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 300.

(٨) رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 184.

(٩) في (ح): (وبالعير)، وهو كذلك في "معاني القرآن وإعرابه" وهو خطأ، والصواب (أو) كما في (م) و (س).

لأن الله وعدهم إحدى الطائفتين، ولم يعدهم الطائفتين كلتيهما.

(١٠) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 401.

(١١) يعني أن الله وعدهم الظفر بأحد الأمرين كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ  ﴾ .

فلما فاتهم العير تبين لهم أنه لا بد من مواجهة النفير وأنهم سيظفرون بهم تحقيقًا لوعد الله.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٣) لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني كالفراء والأخفش وأبي عبيدة والزجاج والنحاس والأزهري وابن قتيبة، وهؤلاء وأمثالهم ممن تكلم عن معاني القرآن من جهة اللغة والنحو هم مراد الواحدي بقوله: قال أهل المعاني، قال الزركشي في "البرهان" 1/ 292 قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله.

وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني: الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا.

وقد ذكر نحوًا من ذلك السيوطي في "الإتقان" 2/ 3.

(١٤) "السيرة النبوية" 2/ 313.

(١٥) في (م): (كانوا).

(١٦) ساقط من (ح).

(١٧) رواه النسائي في "سننه" كتاب الطلاق، باب: التغليظ في الانتفاء من الولد 6/ 179 بلفظ: "أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عز وجل منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين يوم القيامة".

وبهذا اللفظ رواه أيضًا أبو داود (2263) "سننه" كتاب الطلاق، باب: التغليظ في الانتفاء، والدارمي في "سننه" كتاب النكاح، باب: من جحد ولده وهو يعرفه 2/ 204 (2238)، والحاكم في "المستدرك" كتاب الطلاق 2/ 203، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

أقول: مدار الحديث على عبد الله بن يونس، وهو مجهول الحال لم يرو عنه إلا يزيد بن الهاد.

انظر: "الكاشف" 1/ 610، و"تقريب التهذيب" ص 330 (3722).

(١٨) هذا قول في تفسير الآية وتحتمل معنى آخر وهو: يوم يرى عمله مثبتًا في صحيفته خيرًا كان أو شرًّا.

"زاد المسير" 9/ 13.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدهما: أن تكون الكاف في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كحال إخراجك؛ يعني أن حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في حالة خروجك للحرب، والثاني أن يكون في موضع الكاف نصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدّر في قوله الأنفال لله والرسول أي: استقرت الأنفال لله والرسول استقراراً مثل استقرار خروجك، والثالث أن تتعلق الكاف بقوله يجادلونك ﴿ مِن بَيْتِكَ ﴾ يعني مسكنة بالمدينة إذ أخرجه الله لغزوة بدر ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لكارهون ﴾ أي كرهوا قتال العدو، وذلك أن عِيرَ قريش أقبلت من الشام فيها أموال عظيمة، ومعها أربعون راكباً، فأخبر بذلك جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج بالمسلمين فسمع بذلك أهل مكة، فاجتمعوا وخرجوا في عدد كثير؛ ليمنعوا عيرهم.

فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما قريش، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فقالوا: العير أحب إلينا من لقاء العدو، فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقال له سعد بن عبادة: امض لما شئت فإنك متبعوك وقال سعد بن معاذ: والذي بعثك بالحق لو خضت هذا البحر لخضناه معك فسر بنا على بركة الله ﴿ يجادلونك فِي الحق بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ﴾ كان جدالهم في لقاء قريش، بإيثارهم لقاء العير؛ إذ كانت أكثر أموالاً، وأقل رجالاً؛ وتبينُ الحق: هو إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ينصرون ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت ﴾ تشبيه لحالهم في إفراط جزعهم من لقاء قريش.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مردفين ﴾ بفتح الدال: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون: بالكسر.

الوقوف: ﴿ عن الأنفال ﴾ ط ﴿ والرسول ﴾ ج لعطف المختلفين مع الفاء ﴿ ذات بينكم ﴾ ص ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ج لاحتمال جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ والوصل أولى فيكون الوقف على ﴿ ينفقون ﴾ ويكون الثناء بحقيقة الإيمان منصرفاً إلى قوله ﴿ هم المؤمنون ﴾ ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ج لما يجيء في التفسير ﴿ بالحق ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لكارهون ﴾ ه ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ج لاحتمال كون "إذ" متعلقاً بمحذوف وهو "اذكر" أو بقوله ﴿ ويحق ﴾ ﴿ مردفين ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ج لابتداء النفي مع احتمال الحال ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله  : من فعل كذا فله كذا، فذهب شبان الرجال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت القسمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردأ لكم فأنزل الله  ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ فقسمها بينهم بالسواء.

وعن عبادة بن الصامت قال: لم هزم العدوّ يوم بدر واتبعتهم طائفة يقتلونهم، أحدقت طائفة برسول الله  واستولت طائفة بالعكسر والنهب، فلما نفى الله العدوّ رجع الذين طلبوهم وقالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدوّ وبنا قفاهم الله وهزمهم.

وقال الذين أحدقوا برسول الله  : ما أنتم بأحق به منا نحن أحدقنا برسول الله لا ينال العدوّ منه  غرة.

وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: نحن أخذناه واستولينا عليه فهو لنا فنزلت الآية، فقسمها رسول الله  بينهم بالسواء.

وعن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص فأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله  فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف.

فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض أي في المقبوض من الغنائم، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله  وقد أنزلت سورة الأنفال عليه فقال: "يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وإنه الآن قد صار لي فاذهب فخذه" والنفل بالتحريك الغنيمة وجمعه الأنفال وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً.

قال الأزهري: هو ما كان زيادة على الأصل فسميت الغنائم بذلك لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم.

وصلاة التطوّع نافلة لأنها زائدة على الفرض وقال  ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة  ﴾ أي زيادة على ما سأل.

والضمير في ﴿ يسألونك ﴾ عائد إلى جامع معينين من الصحابة لهم تعلق بالغنائم كما قررنا.

وحسن العود وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ لدلالة الحال عليهم، ولفظ السؤال وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن المراد أنهم سألوا عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها.

قال الزجاج: إنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم.

وضعف بأن الآية دلت على أنها مسبوقة بالتنازع والتنافس فسألوا عن كيفية قسمتها لا عن حلها وحرمتها.

وعن عكرمة أن المراد من هذا السؤال الاستعطاء أي يطلبون منك الغنائم وقال في الكشاف: النفل ما ينفله الغازي أي يعطاه زائداً على سهمه من المغنم وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب.

من قتل قتيلاً فله سلبه.

أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم أو فلكم نصفه أو ربعه.

ولا يخمس النفل ويلزم الإمام الوفاء بما وعد به.

وهذا التفسير يناسب خبر سعد بن أبي وقاص في إعطاء السيف إياه.

وعن ابن عباس في بعض الروايات أن المراد بالأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من دابة أو عبد أو متاع فهو إلى النبي  يضعه حيث يشاء.

وعن مجاهد: إن الأنفال الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس.

وعلى هذا فالقوم إنما سألوا عن الخمس فنزلت الآية.

ثم أمر بالشروع في الجواب فقال ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد.

قال مجاهد وعكرمة والسدي: إنها منسوخه بقوله ﴿ واعلموا أن ما غنمتم  ﴾ الآية.

وضعف بأن جعل أربعة أخماسها ملكاً للغانمين لا ينافي كون الحكم فيها لله والرسول، ولو فسر الأنفال بالخمس أو بالسلب فلا إشكال.

ثم حثهم على ترك المنازعة وعلى المؤاخاة والمصافاة فقال ﴿ فاتقوا الله ﴾ أي عقابه ولا تقدموا على معصيته واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ أي التي هي بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومودة وموافقة.

لما كانت الأحوال واقعة في البين قيل لها ذات البين كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي كاملي الإيمان تنبيهاً على أن كمال الإيمان موقوف وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله.

ثم وصف المؤمنين الكاملين فقال ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أي فزعت لذكره استعظاماً لجلاله وحذراً من أليم عقابه.

وقد يطمئن القلب بعد ذلك إذا تذكر كمال رأفته وجزيل ثوابه كقوله ﴿ ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله  ﴾ وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم لمعصية فيقال له اتق الله فينزع ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ قالت العلماء: زيادة الإيمان تكون على ثلاثة أنحاء: الأوّل: بقوّة الدليل وبكثرته، فإن كل دليل مركب لا محالة من مقدمات.

ولا شك في أن النفوس مختلفة في الإشراق والإنارة، والأذهان متفاوتة بالذكاء والغباوة، فكل من كان جزمه بالمقدمات أكثر وأدوم كان علمه بالنتيجة أكمل وأتم، وكذا من سنح له على المطلوب دليلان كان علمه أتم ممن لا يجد على المطلوب دليل واحد ولذا يورد العلماء دلائل متعددة على مدلول واحد ولله در القائل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

الثاني: بتعدد التصديق وتجدده؛ فمن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدقه في شيء واحد، فمعنى الآية أنهم كلما سمعوا آية متجددة أتوا بإقرار جديد.

الثالث: أن يقال: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل كما ينبىء عنه ظاهر الآية لأنه لما ذكر الأمور الخمسة قال ﴿ أولئك هم المؤمنون ﴾ فدل ذلك على أن كل تلك الخصال داخلة في مسمى الإيمان ويؤيده ما رواه أبو هريرة أن النبي  قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" وإذا كان الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة فبسبب التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وإن لم يكن التفاوت في الإقرار والاعتقاد متصوراً.

أما قوله ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيفيد الحصر أي لا يتوكلون إلا على ربهم وهذه الصفات مرتبة على أحسن جهات الترتيب؛ فالأولى الفزع من عقاب الله، والثانية الانقياد لتكاليفه، والثالثة الانقطاع بالكلية عما سواه.

ثم لما فرغ من أعمال القلوب وهي الخشية والتسليم والتوكل شرع في وصفهم بأعمال الجوارح وذكر منها رأسها وسنامها وهما الصلاة والصدقة، ثم عظمهم بقوله ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ وفي ﴿ أولئك ﴾ وفي توسيط الفصل وتعريف الخبر وإيراد ﴿ حقاً ﴾ من المبالغات ما لا يخفى و ﴿ حقاً ﴾ صفة مصدر محذوف أي إيماناً حقاً وهو مصدر مؤكد للجملة قبله، وقال الفراء: معناه أخبركم بذلك إخباراً حقاً، وقيل: إنه منوط بما بعده أي حقاً لهم درجات.

واعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الرجل المؤمن يجوز له أن يقول أنا مؤمن، ثم اختلفوا في أنه هل يجوز له أن يضيف إليه حقاً أو لا بل يستثني فيقول إن شاء الله.

والأوّل مذهب أصحاب أبي حنيفة لما ورد في الآية، ولأن الشك في الإيمان لا يجوز لأن التصديق والإقرار كلاهما محقق.

والثاني مذهب أصحاب الشافعي، وأجابوا عن الآية بأنه لا نزاع في أن الموصوف بالصفات المذكورة مؤمن حقاً إنما النزاع في أن القائل أنا مؤمن هل هو موصوف بتلك الصفات جزماً أم لا.

وأما حديث الشك فمبني على أن الإيمان عبارة عن الأركان الثلاثة، ولا ريب أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية، فإن النزاع لفظي على أنا لا نسلم أن الاستثناء لأجل الشك وإنما هو لزوال العجب أو لعدم القطع بحسن الخاتمة، أو لنوع من الأدب ففيه تفويض بالأمر إلى علم الله وحكمه كقوله ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين  ﴾ وإنه تعالى منزه عن الشك والريب.

عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟

قال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا.

وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية.

وهذا إلزام منه يعني كما لا يقع بأنه من أهل الجنة حقاً فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً.

ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟

فقال: اتباعاً لإبراهيم في قوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي  ﴾ فقال له: هلا اقتديت به في قوله ﴿ أو لم تؤمن قال بلى  ﴾ قيل: وكان لقتادة أن يقول ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ وفيه ما فيه.

ثم أخبر عن مآل حالهم فقال ﴿ لهم درجات عند ربهم ﴾ أي سعادات روحانية متفاوتة في الصعود والارتفاع، ولكن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به يمنعه عن التألم من حال من فوقه كما قال  ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ، ﴿ ومغفرة  ﴾ وتجاوز عن سيئاتهم ﴿ ورزق كريم ﴾ هو نعيم الجنة المقرون بالدوام والتعظيم.

والكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه نقله الواحدي عن أهل اللغة.

فالله  موصوف بأنه كريم لأنه محمود في كل ما يحتاج إليه، والقرآن كريم لأنه يوجد فيه بيان كل شيء ﴿ وقال إني ألقي إليّ كتاب كريم  ﴾ وقال ﴿ من كل زوج كريم  ﴾ وقال ﴿ وقل لهما قولاً كريماً  ﴾ قال بعض العارفين: المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله.

والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته.

قوله عز من قائل ﴿ كما أخرجك ﴾ يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوهاً: الأوّل: أن المشبه محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك.

والمعنى أن حالهم في كراهة ما صنعت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، وذلك أنه  لما رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ وقلة المسلمين قال: " من قتل قتيلاً فله كذا وكذا.

ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا" .

ترغيباً لهم في القتال، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق كثير بغير شيء فنزلت ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة.

والثاني: أن ينتصب الكاف على أنه صفة مصدر الفعل المقدّر في قوله ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي ثبت الحكم واستقر بأن الأنفال لله وإن كرهوا ثباتاً مثل إخراج ربك إياك إلى القتال وإن كرهوا، ووجه تخصيص هذا المشبه به بالذكر من بين سائر أحكام الله أن القصة واحدة ووجه جعل الإخراج مشبهاً به كونه أقوى في وجه الشبه لأن مدار القصة عليه.

وقيل: التقدير هو أن الحكم بكونهم مؤمنين حق كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك لأجل القتال حق.

الثالث: قال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده وهو قوله ﴿ يجادلونك ﴾ والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه.

والبيت بيته صلى الله عليه وآله بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مهاجره ومسكنه فلها به اختصاص كاختصاص البيت بساكنه، ومعنى بالحق أي إخراجاً ملتبساً بالحكمة والصواب ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهة بعضهم.

ثم بين الكراهة بقوله ﴿ يجادلونك ﴾ ويجوز أن تكون الجملة بدلاً أو خبراً بعد خبر.

روي أن قريش أقبلت من الشأم فيها تجارة عظيمة ومعهم أربعون راكباً - منهم أبو سفيان وعمر بن العاص وعمرو بن هشام - فأخبر جبريل رسول الله  فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً.

وقد رأت أخت العباس ابن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً رأيت كأن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل فرمى بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة.

فحدث بها العباس فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبأوا حتى تتنبأ نساؤهم.

فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير على ما قيل في المثل السائر: "لا في العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمداً لم يصب العير.

فمضى بهم إلى بدر ونزل جبرائيل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا فاستشار النبي صلىالله عليه وسلم أصحابه وقال: ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟

قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ.

فتغير وجه رسول الله  ثم ردّ عليهم فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدوّ.

فقام عند غضب النبي  أبو بكر وعمر فأحسنا أي الكلام، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر فامض فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار.

ثم قال: المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون  ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين تطرف.

فضحك رسول الله  ثم قال: "أشيروا عليّ أيها الناس" .

وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان النبي  يتخوف أن يكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة.

فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟

قال: أجل.

قال: قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أدرت فوالذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا، إنا بالصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك بنا ما تقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله  ونشطه قول سعد ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" .

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ في الحق ﴾ أي في تلقي النفير بعد ما تبين أي بعد إعلام النبي  بأنهم هم المنصورون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير.

وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب وذلك لكراهتهم القتال ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ المتيقن لمشاهدة أسبابه من قلة العدد والعدد.

روي أنه ما كان منهم إلا فارسان.

وانتصب بإضمار "اذكر".

قوله ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ﴾ وقوله ﴿ أنها لكم ﴾ بدل من ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ وهما العير أو النفير ﴿ وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدّة.

والشوكة الحدّة مستعارة من واحدة الشوك ﴿ ويريد الله أن يحق الحق ﴾ يثبته ويعليه ﴿ بكلماته ﴾ بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة من إنزال الملائكة وأسر الكفرة وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ أي يستأصلهم.

والدابر الآخر يعني أنكم تريدون العاجل وسفساف الأمور والله يريد معاليها وما يرجع إلى تقوية الدين وشتان ما بين المرادين.

قوله ﴿ ليحق الحق ﴾ متعلق بمحذوف أي لإظهار الإسلام وإبطال الكفر.

فعل ما فعل وإنما قدّر المحذوف متأخراً ليفيد معنى الاختصاص أي ما فعل ذلك إلا لتحقيق الحق وإبطال الباطل وقيل: يتعلق بـ ﴿ يقطع ﴾ فإن قيل: الحق حق لذاته والباطل باطل في ذاته وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل.

قلنا: المراد إظهار كون الحق حقاً والباطل باطلاً وذلك يكون تارة بإظهار الدلائل والبيان، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل.

فإن قيل: أليس في الكلام تكرار؟

قلنا: لا إذ المراد بالأوّل تثبيت ما وعده في هذه الواقعة من الظفر بالأعداء، والمراد الثاني إعلاء الإسلام ومحق الكفر.

والحاصل أن الأول جزئي أي أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني كلي يشمل هذه القضية وغيرها من القضايا التي حصل في ضمنها إعلاء كلمة الله وقمع بكلمة الكفر.

احتجت الأشاعرة بقوله ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ وقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ على أن الأعمال والعقائد كلها بخلق الله وبتكوينه ولا يمكن أن يقال: المراد من إظهار الحق وضع الدلائل عليه لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى المسلم والكافر وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يبقى للتخصيص فائدة.

والمعتزلة تمسكوا بالآية على إبطال قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله مريد له، لأن ذلك ينافي إرادة تحقيق الحق وإبطال الباطل.

واجيب بأن اللام في ﴿ الحق ﴾ ينصرف إلى المعهود السابق أي في هذه القضية فلم قلتم: إنه كذلك في جميع الصور ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ أي الكافرون أو المشركون كقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يُتم نوره ولو كره الكافرون  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولو كره المشركون  ﴾ وقوله ﴿ إذ تستغيثون ﴾ بدل من قوله ﴿ وإذ يعدكم ﴾ وقيل: يتعلق بقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون: يا غياث المستغيثين أغثنا.

وعن عمر أن رسول الله  نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه ثلثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدّتك بالدعاء ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.

ويروى أنه لما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره.

ورفع رسول الله  يده بالدعاء المذكور.

ومعنى تستغيثون تطلبون الإغاثة، يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني ﴿ فاستجاب لكم ﴾ ، ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ ممدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ بكسر الدال وفتحها من أردفته إياه إذا أتبعته متعدياً إلى مفعولين، أو من ردفته إذا أتبعته أي جئت بعده متعدياً إلى مفعول واحد.

ومعنى الأوّل جاعلين بعضهم أو مجعولين بعضهم تابعاً لبعض أو أنفسهم تابعين للمؤمنين يحرسونهم أو لملائكة أخرى.

ومعنى الثاني تابعين بعضهم للبعض أو للمؤمنين يقدمونهم على ساقتهم يحفظونهم أو لغيرهم من الملائكة.

واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبرائيل في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت، وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.

وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً؟

قال: من الملائكة.

فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم.

وروي أن رجلاً من المسلمين بينا هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقياً وشق وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله  فقال  : "صدقت ذاك من مدد السماء" .

وعن أبي داود المازني قال: تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي.

قيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا، وقد أجبنا عن هذه الشبهة في تفسير سورة آل عمران وكذا في تفسير قوله ﴿ وما جعله الله ﴾ الآية.

وقد مر هنالك وقد بقي علينا بيان المتشابه فنقول: حذف ﴿ لكم ﴾ ههنا لأن المخاطبين معلومون في قوله ﴿ فاستجاب لكم ﴾ وقدم ﴿ قلوبكم ﴾ وأخر به في "آل عمران" ازدواجاً بين الخطابين وعكس ههنا ازدواجاً بين الغائبين.

ثم إن قصة بدر سابقة على قصة أحد فقيل في الأنفال ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ ليستقر الخبر وجعله في آل عمران صفة لأن الخبر قد سبق والله أعلم.

التأويل: كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ما تمنوا.

وقيل: الأنفال لله والرسول قطعاً لطريق الاعتراض والسؤال.

وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ بالتسليم والائتمار ﴿ زادتهم إيماناً ﴾ بحسب تزايد الأنوار ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ فيه أنه أخرج المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية ﴿ كما أخرجك ﴾ من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وإن فريقاً ﴾ هم القلب والروح ﴿ لكارهون ﴾ للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود ﴿ يجادلونك ﴾ أي الروح والقلب ﴿ في ﴾ مجيء ﴿ الحق بعد ما تبين ﴾ مجيئه كأنهم ينظرون إلى الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت ﴿ وإذ يعدكم الله ﴾ أيها السائرون ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية.

﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة ﴾ أي أردتم أن لا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه كما قال ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ أي بجذباته ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ النفوس الأمارة بالسوء.

﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ يعني استغاثة الروح والقلب من النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها ﴿ بألف من الملائكة ﴾ هم الصفات الملكية والروحانية ﴿ إلا بشرى لكم ﴾ بتبديل الأخلاق ﴿ وما النصر ﴾ بإهلاك النفس وصفاتها إلا بتجلي صفته القهارية ﴿ إن الله عزيز ﴾ لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود ﴿ حكيم ﴾ في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ لم يخرج لهذا الحرف جواب في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق يفعل بك كذا، ثم أهل التأويل اختلفوا في جوابه: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ يقول: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ ﴾ كما كرهوا الخروج وجادلوك في قسمة الأنفال، جادلوك في أمر العير.

ومنهم من يقول: جوابه في أمره بالقتال، يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وهم كارهون لذلك كذلك يكلفك القتال وهم كارهون لذلك.

ومنهم من يقول: جوابه في قوله: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ ﴾ يقول: كما أجبتم الله في الخروج للقتال على غير تدبير منكم من ذلك ولا نظر، فعلى ذلك يجيبكم في النعاس أمنة منه وإنزال الماء من السماء والتطهير به وتثبيت الأقدام، على غير علم منكم ولا تدبير.

ومنهم من يقول: قوله: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ ﴾ غير متأهبين للقتال ولا مستعدين له، كذلك يعدكم النصر والظفر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل وجوها، يحتمل: بالحق الذي لله عليهم من الأمر بالخروج والقتال، ويحتمل بالحق: بالوعد الذي وعد؛ إذ وعد لهم النصر والظفر، وقال بعض أهل التأويل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي بالقرآن، ولكن إن كان فهو ما ذكرنا بالأمر الذي يأمر القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾ \[يحتمل وجهين\]: يحتمل: فريقاً من المؤمنين في الظاهر وهم المنافقون كرهوا الخروج للقتال.

ويحتمل: أن يكون المؤمنون في الحقيقة كرهوا الخروج للقتال كراهة الطبع لا كراهة الاختيار، لما أمروا بالخروج للقتال [وهم غير متأهبين للقتال] ولا مستعدين؛ فكرهت أنفسهم ذلك كراهة الطبع لما لم يكن معهم أسباب القتال، لا أنهم كرهوا أمر الله كراهة الاختيار.

وفي هذه الآية دلالة أن الأمر قد يكون في الشيء وإن لم يعلم وقت الأمر فيما يؤمر، وفيه دليل جواز تأخر البيان؛ لأنهم أمروا بالخروج للقتال ولم يعلموا وقت الخروج على ماذا يؤمرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ ﴾ قيل: في القتال، وقيل: قوله: ﴿ فِي ٱلْحَقِّ ﴾ الذي أمرت به أن تسير إلى القتال، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فِي ٱلْحَقِّ ﴾ الوعد الذي وعد لهم بالنصر والظفر.

﴿ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ﴾ الوعد الذي وعد لهم الله عز وجل بالنصر.

وقوله عز وجل: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ فإن كانت الآية في المنافقين فهو ظاهر وهم كذلك، وصفوا بالكسل في جميع الخيرات والطاعات، كقوله: ﴿ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

وإن كان في المؤمنين الذين حققوا الإيمان فهو لما كانوا غير مستعدين للقتال ولا متأهبين له كانوا كارهين لذلك كراهة الطبع لا كراهة الاختيار.

وقال قائلون قوله: ﴿ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾ أي: وإن فريقاً من المؤمنين أجابوا ربهم وإن كانوا كارهين للخروج من شدة الخوف وإن كانوا من الخوف كأنما يساقون إلى الموت، فأجاب الله  لهم بالنصر والظفر وأمنهم من ذلك الخوف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تُجَادِلُكَ -أيها الرسول الطائفة من المؤمنين في قتال المشركين بعدما اتضح لهم أنه واقع، كأنما يُسَاقون إلى الموت وهم ينظرون إليه عيانًا، وذلك لشدة كراهتهم للخروج للقتال؛ لأنهم لم يأخذوا له أهبته، ولم يعدوا له عدته.

<div class="verse-tafsir" id="91.L3qYg"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله