الإسلام > القرآن > سور > سورة 85 البروج > الآية ١٧ من سورة البروج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة البروج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
أي هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟
وهذا تقرير لقوله تعالى "إن بطش ربك لشديد" أي إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما شديدا أخذ عزيز مقتدر قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ "هل أتاك حديث الجنود" فقام يستمع فقال "نعم قد جاءني".
وقوله: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروههم؛ يقول: قد أتاك ذلك وعلمته، فاصبر لأذى قومك إياك لما نالوك به من &; 24-347 &; مكروه كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي، ولا يثنيك عن تبليغهم رسالتي، كما لم يُثْن الذين أرسلوا إلى هؤلاء، فإن عاقبة من لم يصدقك ويؤمن بك منهم إلى عطب وهلاك، كالذي كان من هؤلاء الجنود، ثم بين جلّ ثناؤه عن الجنود من هم.
أي قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم ; يؤنسه بذلك ويسليه .ثم بينهم فقال .
ثم ذكر من أفعاله الدالة على صدق ما جاءت به رسله، فقال: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُود } وكيف كذبوا المرسلين، فجعلهم الله من المهلكين.
قوله عز وجل: "هل أتاك حديث الجنود"، قد أتاك خبر الجموع الكافرة الذين تجندوا على الأنبياء.
«هل أتاك» يا محمد «حديث الجنود».
هل بلغك -أيها الرسول- خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائها، فرعون وثمود، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال، لم يعتبر القوم بذلك، بل الذين كفروا في تكذيب متواصل كدأب مَن قبلهم، والله قد أحاط بهم علما وقدرة، لا يخفى عليه منهم ومن أعمالهم شيء.
وليس القرآن كما زعم المكذبون المشركون بأنه شعر وسحر، فكذَّبوا به، بل هو قرآن عظيم كريم، في لوح محفوظ، لا يناله تبديل ولا تحريف.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ، ما يدل على شدة بطشه ، ونفاذ أمره فقال : ( هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود .فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ) .والاستفهام هنا : للتقرير والتهويل .
والمراد بالجنود : الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها ، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر .
اعلم أنه تعالى لما بين حال أصحاب الأخدود في تأذي المؤمنين بالكفار، بين أن الذين كانوا قبلهم كانوا أيضاً كذلك، واعلم أن فرعون وثمود بدل من الجنود، وأراد بفرعون إياه وقومه كما في قوله: ﴿ من فرعون وملئهم ﴾ وثمود، كانوا في بلاد العرب، وقصتهم عندهم مشهورة فذكر تعالى من المتأخرين فرعون، ومن المتقدمين ثمود، والمقصود بيان أن حال المؤمنين مع الكفار في جميع الأزمنة مستمرة على هذا النهج، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ ﴾ ولما طيب قلب الرسول عليه السلام بحكاية أحوال الأولين في هذا الباب سلاه بعد ذلك من وجه آخر، وهو قوله: ﴿ والله مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحوزته، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه، فلا يجد مهرباً يقول تعالى: فهو كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا تجزع من تكذيبهم إياك، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم.
وثانيها: أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقول تعالى: ﴿ وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس ﴾ وقوله: ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ فهذا كله عبارة عن مشارفة الهلاك، يقول: فهؤلاء في تكذيبك قد شارفوا الهلاك.
وثالثها: أن يكون المراد والله محيط بأعمالهم، أي عالم بها، فهو مرصد بعقابهم عليها، ثم إنه تعالى سلى رسوله بعد ذلك بوجه ثالث، وهو قوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعلق هذا بما قبله، هو أن هذا القرآن مجيد مصون عن التغير والتبدل، فلما حكم فيه بسعادة قوم وشقاوة قوم، وبتأذي قوم من قوم، امتنع تغيره وتبدله، فوجب الرضا به، ولا شك أن هذا من أعظم موجبات التسلية.
المسألة الثانية: قرئ: ﴿ قرآنٌ مجيد ﴾ بالإضافة، أي قرآن رب مجيد، وقرأ يحيى بن يعمر في (لوح) واللوح الهواء يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح المحفوظ، وقرئ (محفوظ) بالرفع صفة للقرآن كما قلنا: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ .
المسألة الثالثة: أنه تعالى قال هاهنا: ﴿ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ ﴾ فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحداً ثم كونه محفوظاً يحتمل أن يكون المراد كونه محفوظاً عن أن يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى: ﴿ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون ﴾ ويحتمل أن يكون المراد كونه محفوظاً من اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقربين ويحتمل أن يكون المراد أن لا يجري عليه تغيير وتبديل.
المسألة الرابعة: قال بعض المتكلمين إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤنه ولما كانت الأخبار والآثار واردة بذلك وجب التصديق، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) ﴾ بدل من الجنود وأراد بفرعون إياه وآله، كما في قوله: ﴿ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾ [يونس: 83] ، والمعنى: قد عرفت تكذيب تلك الجنود الرسل وما نزل بهم لتكذيبهم ﴿ بَلِ الذين كَفَرُواْ ﴾ من قومك ﴿ فِى تَكْذِيبٍ ﴾ أيّ: تكذيب واستيجاب للعذاب، والله عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه.
والإحاطة بهم من ورائهم: مثل لأنهم لا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به.
ومعنى الإضراب: أن أمرهم أعجب من أمر أولئك؛ لأنهم سمعوا بقصصهم وبما جرى عليهم، ورأوا آثار هلاكهم ولم يعتبروا، وكذبوا أشد من تكذيبهم ﴿ بَلْ هُوَ ﴾ أي بل هذا الذي كذبوا به ﴿ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ ﴾ شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه.
وقرئ ﴿ قرآن مجيد ﴾ ، بالإضافة، أي: قرآن رب مجيد.
وقرأ يحيى بن يعمر: ﴿ في لوح ﴾ واللوح: الهواء، يعني: اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح ﴿ مَّحْفُوظٍ ﴾ من وصول الشياطين إليه وقرئ ﴿ محفوظ ﴾ بالرفع صفة القرآن.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة البروج أعطاه الله بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات» .
﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ ﴾ ﴿ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ ﴾ أبْدَلَهُما مِنَ الجُنُودِ لِأنَّ المُرادَ بِ فِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، والمَعْنى قَدْ عَرَفْتَ تَكْذِيبَهم لِلرُّسُلِ وما حاقَ بِهِمْ فَتَسَلَّ واصْبِرْ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِكَ وحَذِّرْهِمْ مِثْلَ ما أصابَهم.
﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ ﴾ لا يَرْعَوُونَ عَنْهُ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّ حالَهم أعْجَبُ مِن حالِ هَؤُلاءِ فَإنَّهم سَمِعُوا قِصَّتَهم ورَأوْا آثارَ هَلاكِهِمْ وكَذَّبُوا أشَدَّ مِن تَكْذِيبِهِمْ.
﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ لا يَفُوتُونَهُ كَما لا يَفُوتُ المُحاطُ المُحِيطَ.
<div class="verse-tafsir"
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)
{هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود} أي قد أتاك خبر الجموع الطاغية في الأمم الخالية
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ ﴾ اسْتِئْنافٌ فِيهِ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ تَعالى فَعّالًا لِما يُرِيدُ وكَذا لِشِدَّةِ بَطْشِهِ سُبْحانَهُ بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ والكَفَرَةِ العُتاةِ وتَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ كَفَرَةَ قَوْمِهِ ما أصابَ الجُنُودَ وهو جَمْعُ جُنْدٍ يُقالُ لِلْعَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ وكَذا لِلْأعْوانِ، ويُقالُ لِصِنْفٍ مِنَ الخَلْقِ عَلى حِدَةٍ، وكَذا لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ، والمُرادُ بِ ﴿ الجُنُودِ ﴾ هاهُنا الجَماعاتُ الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ السَّلامُ واجْتَمَعُوا عَلى أذِيَّتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ يعني: عذاب ربك لشديد، وهذا قول مقاتل، وقال الكلبي: إن أخذ ربك لشديد، ومعناهما واحد.
ويقال: العقوبة الشديدة، وهذا موضع هذا القسم.
ثم قال: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ يعني: يبدأ الخلق في الدنيا، ويعيد في الآخرة من التراب.
يعني: يبعثهم بعد الموت وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ يعني: الغفور لذنوب المؤمنين، ويقال: الغفور للذنوب الودود، يعني: المحب للتائبين.
ويقال: المحب لأوليائه، ويقال: الودود يعني: الكريم.
ثم قال: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ يعني: رب السرير الشريف.
وقرأ حمزة والكسائي بكسر الدال، وقرأ الباقون بالضم، فمن قرأ بالخفض، جعله نعتاً للعرش، ومن قرأ بالضم، جعله صفة ذو يعني: ذُو الْعَرْشِ وهو الْمَجِيدُ الشريف والمجيد الكريم فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يعني: يحيي ويميت، ويعز ويذل.
ثم قال عز وجل: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ يعني: قد أتاك حديثهم.
ثم فسر الجنود فقال: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ يعني: قوم موسى، وقوم صالح أهلكهم الله تعالى في الدنيا.
وهذا وعيد لكفار هذه الأمة، ليعتبروا بهم ويوحدوه.
ثم قال تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ يعني: إن الذين لا يعتبرون، ويكذبون الرسل والقرآن وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ يعني: اصبر يا محمد على تكذيبهم، فإن الله عالم بهم.
وقال الزجاج، في قوله والله من ورائهم محيط، يعني: لا يعجزه منهم أحد، قدرته مشتملة عليهم بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ يعني: إنهم وإن كذبوا، لا يعرفون حقه لا يقرون به، وهو قرآن شريف، أشرف من كل كتاب، أو يقال: شريف لأنه كلام رب العزة فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ يعني: مكتوباً في اللَّوح، الذي هو محفوظ عند الله من الشياطين، وهو عن يمين العرش من درة بيضاء.
ويقال: من ياقوتة حمراء.
قرأ نافع مَحْفُوظٍ بالضم، والباقون بالكسر، فمن قرأ بالضم، جعله نعتاً للقرآن، ومعناه قرآن مجيد، محفوظ من الشياطين في اللوح.
ومن قرأ بالكسر، فهو نعت للوح.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس- م- أنه قال: إن الله تعالى جعل لوحاً من درة بيضاء دفتاه، من ياقوتة حمراء، ينظر الله تعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء.
وروي عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه قال: حدثني فرقد في قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قال: هو صدر المؤمنين، وقال قتادة: في اللوح المحفوظ عند الله تعالى، والله الموفق بمنه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
هو الجوابُ فهو خَبَرٌ انتهى، وصَاحِبُ الأخدودِ: مذكورٌ في السِّيَرِ وغيرِها وحديثُه في مُسْلِمٍ مُطَوَّلٌ وهو مَلكٌ دَعَا المؤمنينَ باللَّهِ إلى الرجوعِ عن دينِهم إلى دينهِ، وخَدَّ لَهُمْ في الأرْضِ أخَادِيدَ طويلةً وأضْرَمَ لهم ناراً وجَعَلَ يَطْرَحُ فيها من لم يرجعْ عن دينه حتى جاءت امرأة معها صبيٌّ فَتَقَاعَسَتْ فقال لها الطفل: يا أُمَّهْ اصْبِرِي فِإنَّكِ عَلى الحق، فاقْتَحَمَتِ النارَ.
وقوله: النَّارِ بدلٌ من الأخدودِ وهو بدلُ اشتمالٍ، قال ع «١» : وقال الربيع بن أنس وأبو إسحاق وأبو العالية: بعثَ اللَّهُ على أولئك المؤمنين ريحا فقبضت أرواحهم أبو نحوَ هذا، وخَرَجَتِ النارُ فأحْرَقَتِ الكافرينَ الذينَ كانُوا على حَافَّتَيِ الأخْدُودِ وعلى هذا يجيءُ قُتِلَ خبرا لا دعاء «٢» .
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ...
الآية، فَتَنُوهُمْ، أي:
أحرقوهم، ت: قال الهروي: قولُه تعالى: فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ أي: لهم/ عذابٌ لكفرِهم وعذابٌ بِإحْرَاقِهم المؤمنينَ، انتهى، قال ع «٣» :
ومَنْ قَال: إنَّ هذه الآياتِ الأواخِرَ في قريشٍ جَعلَ الفِتنةَ الامتحانَ والتعذيبَ، ويقوِّي هذا التأويلَ بعضَ التقويةِ قولُه تعالى: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، لأنَّ هذا اللفظُ في قريشٍ أشْبَهُ منه في أولئك، والبطش: الأخذ بقوة.
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)
وقوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ قال الضحاك وابن زيد: معناه: يُبْدِىءُ الخلقَ بالإنْشَاءِ، ويُعيدُهم بالحَشْرِ «٤» ، وقال ابن عباس ما معناه: إنَّ ذلكَ عامُّ في جميع الأشياء،
فهي عبارةٌ على أنَّه يفعلُ كلَّ شيءٍ، أي: يُبْدِىءُ كل ما يُبْدَأُ ويُعِيدُ كلَّ مَا يُعَادُ، وهذانِ قسمانِ يستوفيانِ جميعَ الأشياءِ «١» ، والْجُنُودِ الجموع، وفِرْعَوْنَ وَثَمُودَ في موضعِ خفضٍ على البدلِ من الجنودِ، ثم تركَ القولَ بحالِهِ، وأضْرَبَ عنه إلى الإخبارِ بأن هؤلاء الكفارَ بمحمدٍ وشرعِه لا حجةَ لهم ولا برهانَ بلْ هُو تكذيبٌ مُجرَّدٌ سببُه الحسَدُ، ثم تَوَعَّدَهم سبحانَه بقوله: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ أي: عذابُ اللَّهِ ونقمتُه مِن ورائهم، أي: يأتي بَعْدَ كفرِهم وعِصْيانهم، وقَرأ الجمهورُ: «في لوح محفوظٍ» بالخفضِ صفةً ل «لوح» وقرأ نافعٌ «٢» : «محفوظٌ» بالرفعِ، أي: محفوظ في القلوبِ لاَ يدركُه الخطأ والتبديل.
سُورَةُ البُرُوجِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا البُرُوجَ في [الحِجْرِ: ١٦] ﴿ واليَوْمِ المَوْعُودِ ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ بِإجْماعِهِمْ ﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قَوْلًا.
أحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وبِهِ قالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
فَعَلى هَذا سُمِّيَ يَوْمُ الجُمُعَةِ شاهِدًا، لِأنَّهُ يَشْهَدُ عَلى كُلِّ عامِلٍ بِما فِيهِ، وسُمِّي يَوْمُ عَرَفَةَ مَشْهُودًا، لِأنَّ النّاسَ يَشْهَدُونَ فِيهِ مَوْسِمَ الحَجِّ، وتَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ.
والثّانِي: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّ الشّاهِدَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ.
والسّادِسُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ القِيامَةِ، والمَشْهُودَ: النّاسُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والسّابِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّامِنُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والتّاسِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: هو اللَّهُ، والمَشْهُودَ: بَنُو آدَمَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والعاشِرُ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والحادِي عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّانِي عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: ابْنُ آدَمَ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، والمَشْهُودَ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ.
والرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: الإنْسانُ، والمَشْهُودَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والخامِسَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ النَّحْرِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
والسّادِسَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: أُمَّتُهُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ .
والسّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ ، والمَشْهُودَ: أمَّتُهُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، وبَيانُهُ ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ .
الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، والمَشْهُودَ: سائِرُ النّاسِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، ودَلِيلُهُ ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ .
والتّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَفَظَةُ، والمَشْهُودَ: بَنُو آدَمَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ، وحُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوُهُ.
والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَقُّ، والمَشْهُودَ: الكَوْنُ، قالَهُ الجُنَيْدُ.
والحادِي والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ، والمَشْهُودَ: الحاجُّ.
والثّانِي والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَشْهُودَ: مُحَمَّدٌ ، وبَيانُهُ ﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
.
.
﴾ الآيَةُ [آلُ عِمْرانَ: ٨١] .
والثّالِثُ والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَلائِكَةُ، وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبَيانُهُ ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ ، حَكى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الثَّعْلَبِيُّ.
والرّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: الأُمَمُ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَفِي جَوابِ القَسَمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ ، كَما أنَّ القَسَمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ أيْ: لُعِنُوا.
والأُخْدُودُ: شَقٌّ يُشَقُّ في الأرْضِ، والجَمْعُ: أخادِيدُ.
وهَؤُلاءِ قَوْمٌ حَفَرُوا حَفائِرَ في الأرْضِ وأوْقَدُوا فِيها النّارَ، وألْقَوْا فِيها مَن لَمْ يَكْفُرْ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِمْ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ كانَ لَهُ ساحِرٌ فَبَعَثَ إلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ، وكانَ الغُلامُ يَمُرُّ عَلى راهِبٍ، فَأعْجَبَهُ أمْرُهُ، فَتَبِعَهُ، فَعَلِمَ بِهِ المَلِكُ، فَأمَرَهُ أنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فاجْتَهَدَ المَلِكُ في إهْلاكِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ، فَقالَ الغُلامُ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ بِهِ.
اجْمَعِ النّاسَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، واصْلُبْنِي عَلى جِذْعٍ، وارْمِنِي بِسَهْمٍ مِن كِنانَتِي، وقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، فَفَعَلَ، فَماتَ الغُلامُ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَخَدَّ الأخادِيدَ، وأضْرَمَ فِيها النّارَ، وقالَ: مَن لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأقْحِمُوهُ فِيها، فَفَعَلُوا، وهَذا مُخْتَصَرُ الحَدِيثِ، وفِيهِ طُولٌ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ في " المُغْنِي " و " الحَدائِقِ " بِطُولِهِ مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: أنَّ مَلِكًا مِنَ المُلُوكِ سَكِرَ، فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ، فَلَمّا أفاقَ قالَ لَها: وَيْحَكِ: كَيْفَ المَخْرَجُ؟
فَقالَتْ لَهُ: اجْمَعْ أهْلَ مَمْلَكَتِكَ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ، فَإذا ذَهَبَ هَذا في النّاسِ وتَناسَوْهُ، خَطَبْتَهم فَحَرَّمْتَهُ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهُ، فَبَسَطَ فِيهِمُ السَّوْطَ، ثُمَّ جَرَّدَ السَّيْفَ، فَأبَوْا، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وأوْقَدَ فِيهِ النّارَ، وقَذَفَ مَن أبى قَبُولَ ذَلِكَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم ناسٌ اقْتَتَلَ مُؤْمِنُوهم وكُفّارُهُمْ، فَظَهَرَ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ تَعاهَدُوا أنْ لا يَغْدِرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَغَدَرَ كُفّارُهُمْ، فَأخَذُوهُمْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أوْقِدُوا نارًا، واعْرِضُوا عَلَيْها، فَمَن تابَعَكم عَلى دِينِكُمْ، فَذاكَ الَّذِي تُحِبُّونَ، ومَن لَمْ يَتْبَعْكم أُقْحِمَ النّارَ فاسْتَرَحْتُمْ مِنهُ، فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ يَقْتَحِمُونَها، ذَكَرَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُؤْمِنِينَ اعْتَزَلُوا النّاسَ في الفَتْرَةِ، فَأُرْسِلَ إلَيْهِمْ جَبّارٌ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في دِينِهِ فَأبَوْا، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وألْقاهم فِيهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والخامِسُ: أنَّ جَماعَةً آمَنُوا مِن قَوْمِ يُوسُفَ بْنِ ذِي نُواسٍ بَعْدَما رُفِعَ عِيسى، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وأوْقَدَ فِيهِ النّارَ، فَأحْرَقَهم كُلَّهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ وهُمْ: يُوسُفُ بْنُ ذِي نُواسٍ وأصْحابُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا، ومَعَهم قَوْمٌ يَكْتُمُونَ إيمانَهُمْ، فَعَلِمُوا بِهِمْ، فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، وقَذَفُوهم فِيهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُحْرِقُوا عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
والثّانِي: مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مِن أهْلِ اليَمَنِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا مِن نَصارى اليَمَنِ، وذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً.
والرّابِعُ: مِن أهْلِ نَجْرانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: مِنَ النَّبَطِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفِي عَدَدِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ وهْبٌ.
والثّانِي: سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: ثَمانُونَ رَجُلًا، وتِسْعَةُ نِسْوَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النّارِ ذاتِ الوَقُودِ ﴾ هَذا بَدَلٌ مِنَ " الأُخْدُودِ " كَأنَّهُ قالَ: قُتِلَ أصْحابُ النّارِ.
و " الوَقُودُ " مُفَسَّرٌ في [البَقَرَةِ: ٢٤] .
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الوُقُودِ " بِضَمِّ الواوِ ﴿ إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ ﴾ أيْ: عِنْدَ النّارِ.
وكانَ المَلِكُ وأصْحابُهُ جُلُوسًا عَلى الكَراسِيِّ عِنْدَ الأُخْدُودِ يَعْرِضُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفْرِ، فَمَن أبى ألْقَوْهُ ﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ أيْ: حُضُورٌ، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآياتِ بِقِصَّةِ قَوْمٍ بَلَغَ مِن إيمانِهِمْ ويَقِينِهِمْ أنْ صَبَرُوا عَلى التَّحْرِيقِ بِالنّارِ، ولَمْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا مِنهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " نَقِمُوا " بِكَسْرِ القافِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ إيمانُهم.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " نَقَمُوا " في [المائِدَةِ: ٥٩] و [بَراءَةٍ: ٧٤] وشَرَحْنا مَعْنى ﴿ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ في [البَقَرَةِ: ١٢٩، ٢٦٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أيْ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ ما صَنَعُوا، فَهو شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيْ: أحْرَقُوهُمْ، وعَذَّبُوهم.
كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ مِن شِرْكِهِمْ وفِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿ فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ بِكَفْرِهِمْ ﴿ وَلَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ بِما أحْرَقُوا المُؤْمِنِينَ، وكِلا العَذابَيْنِ في جَهَنَّمَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.
وذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ في جَماعَةٍ إلى أنَّ النّارَ ارْتَفَعَتْ إلى المَلِكِ وأصْحابِهِ فَأحْرَقَتْهُمْ، فَذَلِكَ عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا.
قالَ الرَّبِيعُ: وقَبَضَ اللَّهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُمُ النّارُ.
وحَكى الفَرّاءُ أنَّ المُؤْمِنِينَ نَجَوْا مِنَ النّارِ، وأنَّها ارْتَفَعَتْ فَأحْرَقَتِ الكَفَرَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ ﴾ لِأنَّهم فازُوا بِالجَنَّةِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: فازُوا مِن عَذابِ الكُفّارِ، وعَذابِ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أخْذَهُ بِالعَذابِ إذا أخَذَ الظَّلَمَةَ والجَبابِرَةَ لَشَدِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يُبْدِئُ الخَلْقَ ويُعِيدُهُمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: يُبْدِئُ العَذابَ في الدُّنْيا عَلى الكُفّارِ ثُمَّ يُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ شَرَحْنا في [هُودٍ: ٩٠] مَعْنى " الوَدُودِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ " المَجِيدِ " بِالخَفْضِ، وقَرَأ غَيْرُهم بِالرَّفْعِ، فَمَن رَفَعَ " المَجِيدُ " جَعَلَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَن كَسَرَ جَعَلَهُ مِن صِفَةِ العَرْشِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ حَدِيثُ ﴿ الجُنُودِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَن هُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ فِي تَكْذِيبٍ ﴾ لَكَ والقُرْآنِ، أيْ: لَمْ يَعْتَبِرُوا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ أيْ: كَرِيمٌ، لِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، ولَيْسَ كَما يَقُولُونَ بِشِعْرٍ، ولا كِهانَةٍ، ولا سِحْرٍ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وبِخَفْضِ " مَجِيدِ " ﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، مِنهُ نُسِخَ القُرْآنُ وسائِرُ الكُتُبِ، فَهو مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ، مَحْرُوسٌ بِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، ومِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ.
وقَرَأ نافِعٌ " مَحْفُوظٌ " رَفَعًا عَلى نَعْتِ القُرْآنِ.
فالمَعْنى: أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ ﴾ ﴿ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ ﴾ ﴿ واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ ﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ ﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ بِمَعْنى: فاجْعَلْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُخالِفُونَكَ وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَهْتَمَّ، فَقَدِ انْتَقَمَ اللهَ تَعالى مِن أُولَئِكَ الأقْوِياءِ الأشِدّاءِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ؟
و"الجُنُودُ": الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ والجَرْيِ نَحْوُ غَرَضٍ واحِدٍ، ونابَ فِرْعَوْنُ الذِكْرَ مَنابَ قَوْمِهِ وآلِهِ إذْ كانَ رَأْسَهُمْ، و"فِرْعَوْنَ وثَمُودَ" في مَوْضِعِ حَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن "الجُنُودِ".
ثُمَّ تَرَكَ القَوْلَ بِحالِهِ، وأضْرَبَ عنهُ إلى الإخْبارِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمُحَمَّدٍ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، بَلْ هو تَكْذِيبٌ مُجَرَّدٌ سَبَبُهُ الحَسَدُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ ، أيْ وعَذابُ اللهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِهِمْ ﴾ ، مَعْناهُ ما يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عن تَكْذِيبِهِمْ مُبْطِلًا لَهُ ورَدًّا عَلَيْهِ، أنَّهُ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، أيْ: لا مَذَمَّةَ فِيهِ، وهَذا مِمّا تَقَدَّمَ مِن وصْفٍ غَيْرِ اللهِ تَعالى بِالمَجْدِ والتَمَجُّدِ.
وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "قُرْآنُ مَجِيدٍ" عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، هو المَجِيدُ و"اللَوْحُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" بِالخَفْضِ صِفَةٌ للَّوْحِ المَشْهُورِ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ: "مَحْفُوظٌ" بِالرَفْعِ صِفَةُ القُرْآنِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ لا يُدْرِكُهُ الخَطَأُ والتَبْدِيلُ.
وقالَ أنَسٌ: إنَّ اللَوْحَ المَحْفُوظَ هو في جَبْهَةِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هو مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا قَصَرَتْ بِهِ الأسانِيدُ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فِي لُوحٍ" بِضَمِّ اللامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [البُرُوجِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
متصل بقوله: ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ [البروج: 12] فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم للاستدلال على كون بطشه تعالى شديداً ببطشَيْننِ بَطَشَهُما بفرعون وثمود بعد أن علل ذلك بقوله: ﴿ إنه هو يبدئ ويعيد ﴾ [البروج: 13] فذلك تعليل، وهذا تمثيل ودليل.
والاستفهام مستعمل في إرادة لتهويل حديث الجنود بأنه يسأل عن علمه، وفيه تعريض للمشركين بأنهم قد يحلّ بهم ما حَلّ بأولئك: ﴿ وأنه أهلك عاداً الأولى وثمودا فما أبقى ﴾ إلى قوله: ﴿ فبأي ءآلاء ربك تتمارى ﴾ [النجم: 50 55].
والخطاب لغير معين ممن يراد موعظته من المشركين كناية عن التذكير بخبرهم لأن حال المتلبسين بمثل صنيعهم الراكبين رؤوسهم في العناد، كحال من لا يعلم خبرهم فيُسْأل هل بلغه خبرهم أوْ لا، أو خطاباً لغير معيّن تعجيباً من حال المشركين في إعراضهم عن الاتعاظ بذلك فيكون الاستفهام مستعملاً في التعجيب.
والإِتيان: مستعار لبلوغ الخبر، والحديث: الخبرُ.
وتقدم في سورة النازعات.
و ﴿ الجنود ﴾ : جمع جند وهو العسكر المتجمع للقتال.
وأطلق على الأمم التي تجمعت لمقاومة الرسل كقوله تعالى: ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ [ص: 11] واستعير الجند للملأ لقوله: ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ [ص: 6] ثم رشحت الاستعارة باستعارة مهزوم وهو المغلوب في الحرب فاستعير للمهلك المستأصل من دون حرب.
وأُبدل فرعونَ وثمودَ من الجنود بدلاً مطابقاً لأنه أريد العبرة بهؤلاء.
و ﴿ فرعون ﴾ : اسم لملك مصر من القِبط وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه ﴾ في سورة الأعراف (103).
والكلام على حذف مضاف لأن فرعون ليس بجند ولكنه مضاف إليه الجند الذين كذبوا موسى عليه السلام وآذوه.
فحذف المضاف لنكتة المزاوجة بين اسمين علمين مفردين في الإبدال من الجنود.
وضُرب المثل بفرعون لأبي جهل وقد كان يلقّب عند المسلمين بفرعون هذه الأمة، وضرب المثل للمشركين بقوم فرعون لأنهم أكبر أمة تألبت على رسول من رسل الله بعثه الله لإعتاق بني إسرائيل من ذل العبودية لفرعون، وناووه لأنه دعا إلى عبادة الرب الحق فغاظ ذلك فرعون الزاعم أنه إله القبط وابن آلهتهم.
وتخصيص ثمودَ بالذكر من بقية الأمم التي كذَّبت الرسل من العرب مثل عاد وقوم تبّع، ومن غيرهم مثل قوم نوح وقوم شعيب.
لما اقتضته الفاصلة السابعة الجارية على حرف الدال من قوله: ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ [البروج: 12] فإن ذلك لما استقامت به الفاصلة ولم يكن في ذكره تكلف كان من محاسن نظم الكلام إيثارُه.
وتقدم ذكر ثمود عند قوله تعالى: ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحاً ﴾ في سورة الأعراف (73).
وهو اسم عربي ولكن يُطلق على القبيلة التي ينتهي نسبها إليه فيمنع من الصرف بتأويل القبيلة كما هنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُحْيِي ويُمِيتُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: يُمِيتُ ثُمَّ يُحْيِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: يَخْلُقُ ثُمَّ يَبْعَثُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الرّابِعُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: يُبْدِئُ ما كَلَّفَ مِن أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، ويُعِيدُ ما جَزى عَلَيْهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.
﴿ وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ﴾ في الغَفُورِ وجْهانِ: أحَدُهُما: السّاتِرُ لِلْعُيُوبِ.
الثّانِي: العافِي عَنِ الذُّنُوبِ.
وَفي الوَدُودِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُحِبُّ.
الثّانِي: الرَّحِيمُ.
وَفِيهِ ثالِثٌ: حَكاهُ المُبَرِّدُ عَنِ إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ القاضِي أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ذَلُولَ الجَناحِ لَقاحًا ودُودًا ايْ لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ، ويَكُونُ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَغْفِرُ لِعِبادِهِ، ولَيْسَ ولَدٌ يَغْفِرُ لَهم مِن أجْلِهِ، لِيَكُونَ بِالمَغْفِرَةِ مُتَفَضِّلًا مِن غَيْرِ جَزاءٍ.
﴿ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الكَرِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: العالِي، ومِنهُ المَجْدُ لِعُلُوِّهِ وشَرَفِهِ.
ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن صِفَةِ العَرْشِ، وهو قَوْلُ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ.
وَيَحْتَمِلُ إنْ كانَ صِفَةً لِلْعَرْشِ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ المُحْكَمُ.
﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ ﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّوْحَ هو المَحْفُوظُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالخَفْضِ.
الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ هو المَحْفُوظُ، وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ وفِيما هو مَحْفُوظٌ مِنهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الشَّياطِينِ.
الثّانِي: مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ.
وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اللَّوْحَ شَيْءٌ يَلُوحُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَقْرَؤُونَهُ.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قسم ﴿ والسماء ذت البروج ﴾ إلى قوله: ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: هذا قسم على أن بطش ربك لشديد إلى آخرها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ قال: هاهنا القسم ﴿ إنه هو يبدئ ويعيد ﴾ قال: يبدئ الخلق ثم يعيده ﴿ وهو الغفور الودود ﴾ قال: يود على طاعته من أطاعه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ إنه هو يبدئ ويعيد ﴾ قال: يبدئ العذاب ويعيده.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسين بن واقد في قوله: ﴿ وهو الغفور الودود ﴾ قال: الغفور للمؤمنين الودود لأوليائه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ الودود ﴾ قال: الحبيب، وفي قوله: ﴿ ذو العرش المجيد ﴾ قال: الكريم.
وأخرج ابن جرير عن أنس قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في القرآن في قوله: ﴿ بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ﴾ في جبهة اسرافيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ في لوح محفوظ ﴾ قال: في أم الكتاب.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ في لوح محفوظ ﴾ قال: أخبرت أن لوح الذكر لوح واحد فيه الذكر، وإن ذلك اللوح من نور، وإنه مسيرة ثلاثمائة سنة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ محفوظ ﴾ قال: محفوظ عند الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ في لوح محفوظ ﴾ قال: في صدور المؤمنين.
وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن بريدة ﴿ في لوح محفوظ ﴾ قال: لوح عند الله وهو أم الكتاب.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة بسند جيد عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم: قبل أن يخلق اكتب علمي في خلقي، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه من طريق حلال القسلي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله لوحاً من زبرجدة خضراء جعله تحت العرش، وكتب فيه: إني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت ثلاثمائة وبضعة عشر خلقاً، من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة» .
وأخرج عبد بن حميد في مسنده وأبو يعلى بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الرحمن تبارك وتعالى لوحاً فيه ثلاثمائة وخمس عشرة شريعة، يقول الرحمن: وعزتي وجلالي لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئاً فيه واحدة منكن إلا أدخلته الجنة» .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله لوحاً أحد وجهيه ياقوتة والوجه الثاني زبرجدة خضراء، قلمه النور، فيه يخلق وفيه يرزق، وفيه يحيي وفيه يميت، وفيه يعز، وفيه يفعل ما يشاء في كل يوم وليلة» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله لوحاً من درة بيضاء، دفتاه من زبرجدة خضراء، كتابه من نور، يلحظ إليه في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة يحيي ويميت ويخلق ويعز ويذل ويفعل ما يشاء» .
قوله تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴾ قال مقاتل: يريد قد أتاك (١) ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ وقد مر (٢) قال عطاء: يعني الذين تجندوا على أنبياء الله وأصفيائه، يعزي نبيه بذلك (٣) (١) "تفسير مقاتل" 234/ أ، "فتح القدير" 5/ 414.
(٢) يراجع سورة الإنسان: 1.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله غير منسوب في: "معالم التنزيل" 4/ 471، "زاد المسير" 2218، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 289.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلُ أَتَاكَ ﴾ توقيف يراد به التنبيه وتعظيم الأمر، والمراد بذكر الجنود تهديد الكفار وتأنيس النبي صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراآت ﴿ المجيد ﴾ بالجر صفة للعرش: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الآخرون: بالرفع خبراً بعد خبر ﴿ محفوظ ﴾ بالرفع صفة للقرآن: نافع.
الوقوف ﴿ البروج ﴾ ه لا ﴿ ألموعود ﴾ ه ﴿ ومشهود ﴾ ه ط بناء على أن جواب القسم محذوف وأن معنى قتل لعن وأصحاب الأخدود هم أهل الظلم، وإن جعل قتل بمعناه الأصلي وأصحاب الأخدود هم المظلومون صح جواباً للقسم بتقدير: لقد قتل ولا وقف على ﴿ الأخدود ﴾ لأن النار بدل اشتمال منه ﴿ الوقود ﴾ ه لا ﴿ قعود ﴾ ه لا ﴿ شهود ﴾ ه ط ﴿ الحميد ﴾ ه لا ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ط ﴿ الحريق ﴾ ه ط ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط إلا لمن جعل ﴿ إن بطش ربك ﴾ جواباً للقسم وسائر الوقوف ههنا لا بد منها لطول الكلام ﴿ لشديد ﴾ ه ك ﴿ ويعيد ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ الودود ﴾ ه لا ﴿ المجيد ﴾ ه لا ﴿ يريد ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام ﴿ الجنود ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ وثمود ﴾ ه ط للإضراب ﴿ تكذيب ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ محيط ﴾ ه ج ﴿ مجيد ﴾ ه لا ﴿ محفوظ ﴾ ه.
التفسير: لما أخبر في خاتمة السورة المتقدمة أن في الأمة مكذبين سلى نبيه بأن سائر الأمم السالفة كانوا كذلك كأصحاب الأخدود وكفرعون وثمود.
أما البروج فأشهر الأقوال أنها الأقسام الاثنا عشر من الفلك الحمل والثور إلى آخرها.
وإنما أقسم بها لشرفها حيث نيط تغيرات العالم السفلي بحلول الكواكب فيها.
وقيل: هي منازل القمر الثمانية والعشرون.
وقيل: وقت انشقاق السماء وانفطارها وبطلان بروجها.
أما الشاهد والمشهود فأقوال المفسرين فيهما كثيرة، وقد ضبطها القفال بأن اشتقاقهما إما من الشهود الحضور، وإما من الشهادة والصلة محذوفة أي مشهود عليه أو به.
والاحتمال الأول فيه وجوه الأول: وهو مروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن بن عليّ وابن المسيب والنخعي والثوري، أن المشهود يوم القيامة والشاهد الجمع الذي يحضرون فيه من الملائكة والثقلين الأولين والآخرين لقوله ﴿ من مشهد يوم عظيم ﴾ ﴿ ذلك ﴾ ﴿ يوم مجموع له الناس ﴾ قال جار الله: وطريق تنكيرهما ما مرّ في قوله ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود.
ويجوز أن يكون للتعظيم أي شاهد ومشهود لا يكتنه وضفهما.
وإنما حسن القسم بيوم القيامة لأنه يوم الفصل والجزاء وتفرد الله بالحكم والقضاء.
الثاني وهو قول ابن عمر وابن الزبير أن المشهود يوم الجمعة وأن الشاهد الملائكة.
روى أبو الدرداء أن رسول الله قال " "أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة " .
الثالث أنّه يوم عرفة والشاهد من يحضرة من الحجاج فقال الله ﴿ يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ﴾ وحسن القسم به تعظيماً لأمر الحج.
يروى أنه يقول للملائكة يوم عرفة " انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب على رأسه لما يرى في ذلك اليوم من نزول الرحمة" " الرابع أنه يوم النحر لأن أهل الدنيا يحضرون في ذلك اليوم بمنى والمزدلفة.
الخامس أنهما كل يوم فيه اجتماع عظيم للناس فيتناول الأقوال المذكورة كلها، والدليل عليه تنكيرهما لأن القصد لم يكن فيه إلى يوم بعينه.
والاحتمال الثاني فيه أيضاً وجوه أحدها: أن الشاهد هو الله والمشهود به هو التوحيد لقوله ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وثانيها الشاهد هو الأنبياء والمشهود عليه النبي لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ وثالثها العكس لقوله ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ ورابعها الشاهد الحفظة والمشهود عليه المكلفون لقوله ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ ﴿ وإن عليكم لحافظين ﴾ وخامسها وهو قول عطاء الخراساني: الشاهد الجوارح والمشهود عليه الإنسان ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ﴾ وسادسها الشاهد والمشهود عيسى وأمته كقوله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ﴾ وسابعها أمة محمد وسائر الأمم ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وثامنها قال الإمام في تفسيره: الشاهد جميع الممكنات والمشهود له واجب الوجود أخذاً من قول الأصوليين إنه استدلال بالشاهد على الغائب.
وتاسعها الحجر الأسود والحجيج للحديث " الحجر الأسود يمين الله في أرضه يؤتى به يوم القيامة له عينان يبصر بهما يشهد على من زاره" أو لفظ هذا معناه.
وعاشرها الأيام والليالي وأعمال بني آدم كما روي عن الحسن: ما من يوم إلا وينادي إني يوم جديد وإني على ما تعمل فيّ شهيد.
أما جواب القسم فعن الأخفش أنه ﴿ قتل ﴾ واللام مقدّر والكلام على التقديم والتأخير أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج.
وعن ابن مسعود وقتادة واختاره الزجاج أن الجواب هو قوله ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ وقيل: إن الذين فتنوا وما بينهما اعتراض.
واختار الزمخشري وطائفة من المتقدمين أنه محذوف.
ثم اختلفوا فقال المتقدمون: المحذوف هو إن الأمر حق في الجزاء على الأعمال.
وقال في الكشاف: هو ما دل عليه قتل فكأنه أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن يقال فيهم قتلت قريش، أي لعنوا كما قتل أصحاب الأخدود وهو الخد أي الشق في الأرض يحفر مستطيلاً ونحوهما بناء.
ومعنى الخق والأخقوف بالخاء الفوقانية منه الحديث " فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان" " عني به فرس سراقة حين تبع رسول الله بعد خروجه من الغار.
والمعتمد من قصص أصحاب الأخدود ما جاء في الصحاح عن النبي أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه السحر.
وكان في طريق الغلام راهب يتكلم بالمواعظ لأجل الناس، فمال قلب الغلام إلى حديثه.
فرأى في طريقه ذات يوم دابة أوحية قد حبست الناس فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها بهذا الحجر فقتلها.
وكان الغلام بعد ذلك يتعلم من الراهب إلى أن صار بحيث يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الداء، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله: من ردّ عليك بصرك؟
فقال: ربي.
فغضب فعذبه فدل على الغلام، فعذب الغلام حتى دل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقدّ بالمنشار، وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قرقور وهي سفينة صغيرة فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا.
قوال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام.
ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام.
فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد في أفواه السكك، وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غميضة فصبرت واقتحمت.
وعن علي أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس، وكان بعض ملوكهم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها فسكر فوقع على أخته، فلما صحا ندم وطلب المخرج فقال: إن المخرج أن تخطب الناس فتقول: إن الله عز وجل أحل لكم نكاح الأخوات ثم تخطبهم إن الله حرمه.
فخطب فلم يقبلوا منه قالت له: ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا.
فقالت: ابسط فيهم السيف فلم يقبلوا.
فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها.
وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد.
وقيل: سبعين ألفاً.
وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه اثنا عشر وقد أشار إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله ﴿ ذات الوقود ﴾ أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس.
وهذه الروايات لا تعارض بينها ولا منافاة فيحتمل أن يكون الكل واقعاً والمجموع مراد الله أو بعضه هو أعلم به.
وعن النبي أنه كان إذا وصل إلى ذكر أصحاب الأخدود قال: نعوذ بالله من جهد البلاء.
و ﴿ إذ ﴾ ظرف لقتل و ﴿ هم ﴾ عائد إلى الأصحاب و ﴿ قعود ﴾ جمع قاعد فإن كانوا مقتولين فمعنى قعودهم على النار إما أن يكون هو أن طرحوا عليها وقعدوا حواليها للإحراق وذلك أنهم كانوا يعرضون المؤمنين على النار فكل من ترك دينه تركوه ومن صبر على دينه ألقوه في النار، وإما أن يكون " على " بمعنى " عند " كقوله ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ أي عندي فالمراد بالقتل على هذا التفسير اللعن ويعضده قوله ﴿ وهم ﴾ أي الظالمون ﴿ على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ أي حضور، وفيه وصفهم بقسوة القلب، ووصف المؤمنين بالصلابة في دينهم حيث لم يلتفتوا إليهم وبقوا مصرين عل الحق، أو هو من الشهادة والمعنى أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهوداً يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به من التعذيب، ويجوز أن يراد شهادة جوارحهم على ذلك يوم القيامة.
ثم ذم أولئك الجبابرة بما في ضمنه مدح المؤمنين قائلاً ﴿ وما نقموا منه ﴾ أي وما عابوا وما أنكروا عليهم ﴿ إلا أن يؤمنوا ﴾ وإنما اختير بناء الاستقبال رمزاً إلى أنهم كانوا يطلبون منهم ترك الإيمان في المستقبل ولم يعذبوهم على الإيمان في الماضي أي عذبوهم على ثباتهم وصبرهم على إيمانهم بمن يستحق أن يؤمنوا به لكونه إلهاً قادراً لا يغالب بليغاً في الكمال بحيث استأهل الحمد كله مالكاً لجميع المخلوقات.
وفيه إشارة إلى أنه لو شاء لمنعهم عن ذلك التعذيب لكنه أخرهم إلى يوم الجزاء ودل عليه بقوله ﴿ والله على كل شيء شهيد ﴾ ثم عم الوعيد في آيتين أخريين والفتنة البلاء والإيذاء والإحراق.
وفي قوله ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ دلالة على أن توبة القاتل عمداً مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس.
وعذاب جهنم وعذاب الحريق أما متلازمان كقوله: إلى الملك القرم *** وابن الهمام والغرض التأكيد وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم، والثاني لأنهم فتنوا أهل الإيمان.
وجوز أن يكون الحريق في الدنيا لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.
ثم رغب ورهب بوجه آخر في آيات والبطش الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدّة كان نهاية.
ثم أكده بقوله ﴿ إنه هو يبدىء ﴾ البطش ﴿ ويعيد ﴾ أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة.
ويجوز أن يدل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه وقوته.
وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم كما بدأهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء وكذوبوا بالإعادة.
قال ابن عباس: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً ثم يعيدهم خلقاً جديداً فذلك قوله ﴿ هو يبدىء ويعيد ﴾ والودود بليغ الودادة والمراد به إيصال الثواب لأهل طاعته إلى الوجه الأتم فيكون كقوله ﴿ ويحبهم ﴾ وإن شئت قلت: هو بمعنى مفعول فيكون كقوله ﴿ ويحبونه ﴾ وقال القفال: ويكون بمعنى الحليم من قولهم " فرس ودود " وهو المطيع القياد.
قال في الكشاف ﴿ فعال ﴾ خبر مبتدأ محذوف.
قلت: الأصل عدم الإضمار فالأولى أن يكون خبراً آخر بعد الأخبار السابقة، ولعله حمله على ذلك كونه نكرة وما قبله معارف والعذر عنه من وجهين: أحدهما قطع النسق بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ ولا سيما عند من يجوّز ﴿ المجيد ﴾ صفة العرش.
والثاني تخصيص ﴿ فعال لما يريد ﴾ فإنه صيره مضارعاً للمضاف.
قال: وإنما قيل ﴿ فعال ﴾ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.
قلت: ويجوز أن يكون المعنى أن ما يريده فإنه يفعله ألبتة لا يصرفه عنه صارف.
ثم ذكرهم وسلى نبيه بقصة ﴿ فرعون وثمود ﴾ من متأخري الكفار ومتقدميهم، والمراد بفرعون هو وجنوده.
ثم أضرب عن التذكير إلى التصريح بتكذيب كفار قريش والتنبيه على أنه محيط أي عالم بهم فيجازيهم، ويجوز أن يكون مثلاً لغاية اقتداره عليهم وأنهم في قبضة حكمه كالمحاط إذا أحيط به من روائه فسدّ عليه مسلكه بحيث لا يجد مهرباً.
ويجوز أن تكون الإحاطة بمعنى الإهلاك ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ ثم سلى رسول بوجه آخر وهو أن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حد الإعجاز وهو مصون عن التغيير والتحريف بقوله ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرأونه وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ ، أي: أخذه للانتفام شديد، يشتد على الذي يعذب؛ كقوله - -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ ﴾ .
قال بعضهم: يبدئ العذاب، ثم يعيده.
وقال بعضهم: يبدئ الخلق، ثم يعيده بعدما أماته.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ ﴾ الغفور: هو الستور يستر على المعذب ذنبه إذا تاب حتى لا يذكر به، ولولا ذلك لم يكن يصفو له نعيم الآخرة عن التنغيص.
[وقوله]: ﴿ ٱلْوَدُودُ ﴾ : الذي يتودد إلى خلقه فيما ينعم عليهم ويحسن إليهم؛ قال [النبي] - -: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها"؛ فجعل الإحسان سبب التودد.
والثاني: أن كل من واد آخر، فالحق عليه أن يوده في الله - - لأنه به نال ما به يتودد؛ قال الله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً ﴾ ، فكأنه يقول: هو المستوجب للمودة من الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ ﴾ منهم من جعل المجيد نعتا للعرش.
ومنهم من جعله نعتا لله .
فمن جعله نعتا للعرش فهو مستقيم؛ لأنه وصفه في مكان آخر بالكريم بقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ﴾ \[المؤمنون: 116\]، والمجيد يقرب معناه [من] معنى الكريم؛ لأن الكريم هو الذي عظم قدره وشرفه، والمجيد كذلك هو الشريف المعظم، وعظم قدر العرش في قلوب الخلق وعلا حتى زعم بعض الناس أنه مكان الرب ، والكريم الشاهد هو الذي يطمع عنده وجود ما يرجى ويؤمل، ويؤمن منه ما يتقى ويحذر، وسمى الله - - النبات: كريما بقوله: ﴿ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ ؛ لما فيه من عظم المنافع، والكريم: هو النافع للخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ ، أي: ما يريد تكوينه بكونه؛ فيكون فيه إيجاب القول بخلق أفعال العباد، وأنه شاء لكل أحد ما علم أنه يكون منه؛ لأنه امتدح - رجل وعلا - بالفعل لما يريد، ولو لم يثبت له صنع في أفعال العباد، لكان لا يختص بهذا الامتداح؛ بل يكون واحد مستوجبا لهذا المدح؛ فثبت أن كون حقائق الأشياء بما لله - - فيه صنع.
والثاني: أن إحداث شيء في سلطان آخر وفي مملكته من حيث لا يشاؤه ولا يريده آية الضعف والقهر، ومن ذلك وصفه، لم يجز أن يكون ربّاً؛ لذلك لزم وصف الله - - بذلك.
وجائز أن يكون قوله - -: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ ، أي: البعث، وهو أنه أنشأ هذا الخلق للعاقبة، وهكذا فعل كل مختار أنه يقصد بفعله العاقبة إلا أن يكون جاهلا بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴾ \[الآية\].
قد وصفنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد، وقد ذكرنا أن فيها إثبات رسالته؛ على ما تقدم ذكره غير مرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ ﴾ ، أي: كفروا أنعم الله - - فهم في تكذيب بأنعم الله .
أو لما جحدوا أنعم الله - - لم يوفقهم للإيمان به؛ فجعلوا على التكذيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ ﴾ ، أي: من وراء تكذيبهم محيط بما ينزل بهم من العذاب ليس يوعدهم عن غفلة وخيال كما يفعله ملوك الدنيا؛ قد يوعدون بالعذاب، ولا يدرون أنهم يتمكنون من ذلك أم لا؟
والله - - ينزل عليهم عذابه كما أوعد.
أو يكون قوله: ﴿ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ ﴾ ، أي: عالم بما يسرون ويخفون عن الخلق، لا يعزب عنه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴾ سماه: مجيدا، وكريما، وحكيما، وهذه أوصاف من وصف بها في الشاهد فإنما استحق الوصف بفعل وجد منه، ولا يوجد من القرآن فعل يستحق به الوصف، فالوصف به يحتمل أوجها: أحدها: ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ ، أي: يصير من تبعه وعمل بما فيه مجيدا حكيما كريما؛ كقوله : ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ، أي: يبصر به أو يكون قوله: ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ ، [و] ﴿ كَرِيمٌ ﴾ ، أي: على الله .
أو سماه: كريماً، مجيداً، حكيماً؛ لعظم قدره.
أو سماه: كريماً، حكيماً، مجيداً؛ لما يوجد منه ما يوجد من الكرماء والحكماء والأمجاد.
وقوله: ﴿ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ﴾ : منهم من حقق اللوح والقلم، وقد وصفه أهل التفسير.
ومنهم من جعل اللوح عبارة عن ما يلوح - أي: يظهر - للملك من الأمر، لا على تحقيق اللوح، وسمت الباطنية [القلم: المبدع] الأول، واللوح: المبدع الثاني، وجعلوا المبدع الأول علة كون المبدع الأول: بارئا، والمبدع الثاني: خالقا ورحمانا، وسمت الفلاسفة المبدع الأول: عقلا والثاني: نفسا، ثم حدث التوالد من الأنفس.
فأما جعلهم الأول أصلا وعلة ليس كما ذكروا، فذلك يحتمل أن يجعل الأول أصلا للثاني وعلة كما استقام أن تجعل النطفة أصلا لخلق البشر، ولكنه لا يجوز أن يسمى بواحد من الاسمين اللذين ذكرتهما الباطنية والفلاسفة؛ لأنه لا يجوز إنشاء الأسماء لهذه الأشياء اختراعا، بل تسميهما بما جاءت بهما التسمية من عند الحجة، وإنما جاءت التسمية من عند الحجة باللوح والقلم؛ فلا تسميهما بغيرهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّحْفُوظٍ ﴾ ، أي: عن أعدائه؛ فلا يتمكنون من تغييره وتبديله.
وأخبر أنه أنزل إليه على يدي رسول قوي؛ فلا يقدر أحد أن يغلبه؛ فيحرف ما فيه.
ووصفه بالأمنة في نفسه بقوله: ﴿ ذِي قُوَّةٍ...
﴾ إلى قوله: ﴿ أَمِينٍ ﴾ ؛ ليؤمن تغييره بنفسه، والله الهادي للعباد والموفق للرشاد، [ولا حول ولا قوة إ لا بالله العلي العظيم].
هل جاءك -أيها الرسول- خبر الجنود الذين تجنَّدوا لمحاربة الحق، والصدّ عنه؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.jjYlN"
(البروج): جمع برج، يطلق في اللغة على الحصن وعلى القصر، وعلى البروج الاثني عشر التي ترى صورها في الأشكال الحاصلة من اجتماع بعض الكواكب على نسب خاصة، وتنتقل فيها الشمس في ظاهرة الرؤية، وهي ستة في شمال خط الاستواء وستة أخرى في جنوبه، فأما التي في شماله فهي: الحمل والثور والجوزاء، وهذه الثلاثة تقطعها الشمس في ثلاثة أشهر، وهي فصل الربيع: أوله عندما تكون الشمس في الحمل في ٢٠ مارس، أو ٢١ مارس، أو ١٢ برهمات، أو ١٣ برهمات، وتنتهي عمدما تكون في آخر الجوزاء في ٢٠ أو ٢١ يونيه، و١٤ بؤنة ثم تبتدئ أشهر الصيف من ٢١ أو ٢٢ يونيه عندما تدخل الشمس في برج السرطان، ثم تنتقل إلى الأسد، ومن الأسد إلى السنبلة، وتكون في نهاية هذا البرج في ٢٢ سبتمبر وهو آخر فصل الصيف، وبالسنبلة تتم الستة الشمالية.
وأول لستة الجنوبية برج الميزان، وبحلول الشمس فيه يبتدئ الخريف في ٢٣ أو ٢٤ سبتمبر و١٤ توت، ثم تنتقل منه إلى العقرب، ومن العقرب إلى القوس، وفي نهايته ينتهي الخريف، ويبتدئ الشتاء عند حلول الشمس في برج الجدي في ٢٢ أو ٢٣ ديسمبر و١٣ أو ١٤ كيهك، ثم تصعد منه إلى الدلو ومن الدلو إلى الحوت، وهو آخر البروج الجنوبية، وفي نهايته ينتهي الشتاء.
ويبتدئ الربيع الثاني عند حلول الشمس في الحمل مرة ثانية وهكذا.
وقد فسرت البروج في الآية بالنجوم، وبالبروج المذكورة، وبالقصور على التشبيه.
ولا ريب في أن النجوم أبنية فخيمة عظيمة، فيصح إطلاق البروج عليها تشبيهًا لها بما يبنى من الحصون والقصور في الأرض، (واليوم الموعود) هو يوم القيامة لأن الله وعد به ولما نصل إليه..
(والشاهد والمشهود) كل ما له حس يشهد به، وكل محس يشهد بالحس، كما هو حقيقة معنى اللفظ.
أقسم سبحانه أولًا بما فيه غيب وشهود، وهو السماء ذات البروج: فإن كواكبها مشهود نورها، مرئي ضوؤها، معروفة حركاتها في طلوعها ومغيبها بحس البصر.
(والسماء) ما علاك مما تسميه بهذا الاسم، وفيه البروج تشاهدها، ولكن فيها غيب لا تعرفه بالحس، وهو حقيقة الكواكب، وما أودع الله فيها من القوى، وما أسكنها من الملك أو غيره.
كل ذلك غيب لا تدركه حواسنا، وإن وصل إلى الاعتقاد بشيء منه عقلنا.
ثم اقسم -جل شأنه- بما هو غيب صرف، وهو اليوم الموعود، لأنه أخبرنا بأنه سيكون، وعما يكون فيه من حوادث البعث والحساب والعقاب والثواب، ولكن شيئًا من ذلك لا يمكن أن نشهده في حياتنا هذه.
وبعد ذلك أقسم بما هو شهادة صرفة، وهو الشاهد: أي صاحب الحس، فإنه مرئي، والمشهود هو ما وقع عليه الحس.
فكأنه -جل شأنه- أقسم بالعوالم كلها -مع هذا التقسيم البديع- ليلفتك إلى ما فيها من العظم والفخامة لتعتبر بما حضرك، وتبذل الوسع في درك ما استتر عمك، وتستعد لما يستقبلك.
روي عن الحسن في تفسير قوله ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ ، أنه قال "ما من يوم إلا وينادي: إني يوم جديد، وإني على ما يعمل في شهيد.
فاغتنمني، فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة".
أما المقسم عليه فمحذوف دل عليه ما ذكره في قوله ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾ إلخ وحذفه لطوله مع تبادره للذهن عند أهل اللسان، فكأنه قال: أقسم بهذا الكون العظيم، وبذلك اليوم الذي يهلك فيه ما يهلك ويقوم الناس لرب العالمين -لقد ابتلى من قبلكم من المؤمنين الموحدين ببطش أعدائهم، واشتدادهم في إيذائهم، حتى خدوا لهم الأخاديد، وملأوها بالنيران، وقذفوهم فيها، ولم تأخذهم بهم رأفة، بل كانوا يتشفون برؤية ما يحل بالمؤمنين.
وأقسم: لقد صبروا، ولقد انتقم الله ممن أوقع بهم، وأخذه بذنبه أخذ العزيز المقتدر.
ولئن صبرتم ليوفينكم أجركم، وليأخذن الله أعداءكم، ولينزلن بهم من بطشه ما لا قبل لهم به- فهذا كله قد فهم من الآيات الآتية جوابًا للقسم.
وقد أقام مقام الجواب حكاية مثل الماضين، ووعيده للكافرين، ووعده للصالحين، وما بعد ذلك تثبيتًا لقلوب المؤمنين، وحملًا لهم على الصبر والمجاهدة في سبيله.
(الأخدود): الخد في الأرض، وهو الشق، وقتل أصحابه: أي أخذوا بذنوبهم ونزل بهم نكال الدنيا وعذاب الآخرة.
وأصحاب الأخدود، قوم كافرون، ذوو بأس وقوة، أصابوا قومًا مؤمنين غاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر، وأكرهوهم أن يرتدوا إليه، فأبوا فشقوا لهم شقًا في الأرض، وحشوه بالنار وجاءوا بالمؤمنين واحدًا واحدًا وألقوهم في النار، وهؤلاء القساة قعود على جوانب الشق حول النار يشاهدون احتراق الأجساد الحية وما تفعل بها النيران.
فقوله (النار) بدلًا من الأخدود: أي أن أصحاب الأخدود، هم أصحاب النار ذات الوقود، أي الشديدة لها من الحطب الكثير ما يشتد به لهبها.
(والقعود) جمع قاعد: أي قاعدون حولها ينظرون إلى ما يصلاه المؤمنون، لا يغمضون جفنًا ولا يصرفون نظرًا، حتى كأنهم يريدون أن يستثبتوا في أذهانهم أطوار العذاب ووقائعه ليؤدوا به شهادة، وذلك منتهى القسوة (وما نقموا منهم) أي ما عابوا عليهم، ولا كان للمؤمنين ذنب إليهم سوى أنهم آمنوا بالله (العزيز)، الذي لا تغلب قوته، ولا يفلت أحد من قدرته (الحميد)، الذي يحمد على كل حال، وكل فعاله حسان، حتى لو أصابك، وأنت مؤمن به -ما ظاهره النقمة، فهو: إما تهذيب لك ليربيك بالصبر، أو ابتلاء لقلبك ليعظم لك فيه الأجر.
أما تعيين أصحاب الأخدود، وأنى كانوا، ومن هم أولئك المؤمنون، وأين كان منزلهم من الأرض؟
فقد كثرت فيه الروايات.
والأشهر أن المؤمنين كانوا نصارى نجران عندما كان دينهم دين توحيد ليس فيه حدث ولا بدعة.
وأن الكافرين كانوا أمراء اليمن أو اليهود الذين لا يبعدون عن هؤلاء في حقيقة الوثنية.
غير أن المؤمن لا يحتاج في الاعتبار وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم والجهة -وخاصة الدين الذي كان عليه أولئك أو هؤلاء- حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات.
وإنما الذي عليه: هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولًا.
ولو علم الله خيرًا في أكثر من ذلك لتفضل علينا به.
وقال ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ليدل على أنه لا مفر لأولئك الظالمين من سلطانه.
وقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ليقرر أنه عليم بكل ما يكون من خلقه، فلا تخفى عليه خافية من أفعالهم، وهومجازيهم عليها.
(فتنوا المؤمنين) أي بلوهم بالأذى، وامتحنوهم بالتعذيب ليردوهم عن دينهم.
(ولهم عذاب الحريق) معطوف على قوله: (فلهم عذاب جهنم) عطف التفسير والتوضيح مع التأكد وزيادة التهويل كما تقول -لمن قرف ذنبًا- ستلقى ما يستحقه جرمك، وستلقى حبسًا في السجن وغلًا بالحديد.
فالعذاب الذي أُعد لهم في جهنم هو عذاب الحريق.
والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يكفوا عن إيذائهم، وثبتوا على كفرهم وعنادهم، حتى أخذهم الموت، وأوعدهم الله أن يعذبهم في جهنم بالحريق: هم الضالون من كل قوم، الذين يؤذون أهل الحق والدعاة إليه من كل أمة، حرصًا على ما ألفوا من الباطل، وتشيعًا للذي وجدوا عليه أنفسهم وآباءهم الأقربين على غير بصيرة ولا استشارة للعقل الصحيح.
(البطش): الأخذ بالعنف.
وقوله: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ﴾ إلخ، تعظيم لأمر الله، جل ذكره، بما فيه وعيد لأعدائه وتعزية لأوليائه.
فذكر شدة بطشه ليرهب قريشًا ومن معها ويعزي النبي ومن معه، وبرهن على سعة القدرة بقوله إنه هو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده، وهو في كل يوم يبتدئ خلقًا من نبات وحيوان وغيرهما، ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى.
ثم هو يعيد الناس في اليوم الآخر على النحو الذي يعلمه، ثم هو الغفور لمن يرجع إليه بالتوبة.
وهو الودود لمن خلصت نفسه له بالمحبة.
و(ذو العرش) أي صاحب العظمة والسلطان.
و(المجيد) السامي الرفيع.
وأصل المجد في كلام العرب: الشرف الواسع.
(فعال) خبر لمبتدأ محذوف، وهو من صيغ المبالغة أي إنه كثير الفعل لما يريده، فلا يريد شيئًا إلا فعله طبق إرادته.
فإذا أراد إهلاك الجاحدين المماحكين، ونصر أهل الحق الصادقين، لم يعجزه ذلك.
وأين هؤلاء ممن سبقهم ممن كانوا أضل منهم، وأشد قوة.
(هل أتاك حديث الجنود) أي هل بلغك قصص أولئك الجنود، وأولي البأس من الأشداء الأقوياء، مثل فرعون وقومه وثمود وأبطالها؟
فقد كانوا أشد بأسًا وأعظم قوة من قومك، ومع ذلك فقد أخذهم الله بذنوبهم -وهكذا كل من تعلق بالباطل سقط به الباطل في الدمار.
وثمود قبيلة عظيمة من بائدة العرب لا يعرف من أخبارها -على الحقيقة- إلا ما قص الله علينا منها.
وقد أرسل الله إليها نبيه صالحًا فكفرت به، واستمرت في تمردها على الحق والعدل حتى أهلكها الله بظلمها.
فقوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴾ استئناف قول في ذكر عبر ماضية لو نظر فيها العاقل لاهتدى إلى سنن الله في خلقه.
فهل نظر منكرو أمره في سير من قبلهم، والتفتوا ببصائرهم إلى حال من تقدمهم، ثم أقبلوا على ما يذكرهم به، فإن وجدوا خيرًا قبلوه وإن وجدوا شرًا نبذوه؟
لا.
لم يكن منهم شيء من ذلك بل انحصر أمر أولئك الذين كفروا في التكذيب، أي أنهم غرقوا في شهوة التكذيب فغمرهم التكذيب، والولوع به حتى لم يدع لعقلهم مجالًا لنظر، او متسعًا لتدبر، ولا يزالون في تلك الغمرة حتى يؤخذوا على غرة.
﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ تميل لحالهم مع القهر الإلهي، وأنهم في قبضة العزة لا يفلتون منها ولا يفوتون الله ولا يعجزونه، كما لا يفوت الشيء ما يحيط به.
﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ : أي شريف، رفعه على غيره علو أسلوبه، وخلوص ما فيه للحق الذي لا يشوبه باطل.
وإتيانه بالجملة مصحوبة بحرف الإضراب يشير إلى ما أشعر به استغراقهم في التكذيب من التماسهم العذر في عدم الإيمان به من أنه أساطير الأولين، وأن ما جاء به بدعة في الدين لم يعرفها آباؤهم السابقون.
فدفع ذلك بقوله: بل هو، إلخ.
(واللوح المحفوظ): شيء أخبر الله به، وأنه أودعه كتابه ولم يعرفنا حقيقته.
فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود، وأن الله قد حفظ فيه كتابه إيمانًا بالغيب.
وأما دعوى أنه جرم مخصوص في سماء معينة، ووصفه بما جاء في روايات مختلفة، هو مما لم يثبت عن المعصوم بالتواتر، فلا ينبغي أن يدخل في عقائد أهل اليقين من المؤمنين.
وما أجدرنا -لو أردنا التأويل- بأن نأخذ بما قيل من أن اللوح المحفوظ، هو لوح الوجود الحق، ومعاني القرآن وقضاياه الشريفة: لما كانت لا يأتيها الباطل ولا يدانيها الخطأ، كانت ثابتة في لوح الواقع المحفوظ الذي لا حق إلا ما وافقه، ولا باطل إلا ما خالفه، ولا باقي إلا ما رسم فيه، ولا ضائع إلا ما لم يتطبق عليه.