الآية ٨ من سورة البروج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 85 البروج > الآية ٨ من سورة البروج

وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة البروج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٨ من سورة البروج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) أي وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به فهو العزيز الحميد وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: وما وجد هؤلاء الكفار الذين فتنوا المؤمنين على المؤمنين والمؤمنات بالنار في شيء، ولا فعلوا بهم ما فعلوا بسبب، إلا من أجل أنهم آمنوا بالله، وقال: ( إلا أن يؤمنوا بالله ) لأن المعنى إلا إيمانهم بالله، فلذلك حَسُنَ في موضعه ( يؤمنوا ) ، إذ كان الإيمان لهم صفة ( الْعَزِيزِ ) يقول: الشديد في انتقامه ممن انتقم منه ( الْحَمِيدِ ) يقول: المحمود بإحسانه إلى خلقه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما نقموا منهم وقرأ أبو حيوة ( نقموا ) بالكسر ، والفصيح هو الفتح ، وقد مضى في ( براءة ) القول فيه : أي ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرقهم .

إلا أن يؤمنوا أي إلا أن يصدقوا .

بالله العزيز أي الغالب المنيع .

الحميد أي المحمود في كل حال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم فسر الأخدود بقوله: { النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله ومعاندتها، ومحاربة أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب، الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة يمدحون عليها، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد أي: الذي له العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وما نقموا منهم"، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كرهوا منهم، "إلا أن يؤمنوا بالله"، قال مقاتل ما عابوا منهم.

وقيل: ما علموا فيهم عيباً.

قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنباً إلا إيمانهم بالله، "العزيز الحميد".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز» في ملكه «الحميد» المحمود.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أقسم الله تعالى بالسماء ذات المنازل التي تمر بها الشمس والقمر، وبيوم القيامة الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه، وشاهد يشهد، ومشهود يشهد عليه.

ويقسم الله- سبحانه- بما يشاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير الله، فإن القسم بغير الله شرك.

لُعن الذين شَقُّوا في الأرض شقًا عظيمًا؛ لتعذيب المؤمنين، وأوقدوا النار الشديدة ذات الوَقود، إذ هم قعود على الأخدود ملازمون له، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين من تنكيل وتعذيب حضورٌ.

وما أخذوهم بمثل هذا العقاب الشديد إلا أن كانوا مؤمنين بالله العزيز الذي لا يغالَب، الحميد في أقواله وأفعاله وأوصافه، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو- سبحانه- على كل شيء شهيد، لا يخفى عليه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال : ( وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد .

الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) .والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية .

يقال : نقَم فلان هذا الشئ ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره .أى : أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين ، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب ، إلا لشئ واحد ، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة ، والحمد المطلق ، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض ، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب ، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده ، أو حال من أحوالهم .فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين ، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين ، حيث عذبوا المؤمنين ، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم ، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار .وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان ، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - ( أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) والاستثناء فى قوله : ( إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله .

.

.

) استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر ، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ...

بهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) قال الإِمام ابن كثير : وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟

فعن على ابن أبى طالب : أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم ، فامتنع عليه علماؤهم ، فعمد إلى حفر أخدود ، فقذف فيه من أنكر عليه منهم .وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن ، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم ، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم ، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين ، فخذا لهم الأخاديد ، وأحرقوهم فيها .ثم ذكر - رحمه الله - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت .وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة ، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم ، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى ، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين ، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم ، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المعنى وما عابوا منهم وما أنكروا الإيمان، كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب ونظيره قوله تعالى: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بالله  ﴾ وإنما قال: ﴿ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ ﴾ لأن التعذيب إنما كان واقعاً على الإيمان في المستقبل، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى، فكأنه قيل: إلا أن يدوموا على إيمانهم، وقرأ أبو حيوة: ﴿ نَقَمُواْ ﴾ بالكسر، والفصيح هو الفتح، ثم إنه ذكر الأوصاف التي بها يستحق الإله أن يؤمن به ويعبد فأولها: العزيز وهو القادر الذي لا يغلب، والقاهر الذي لا يدفع، وبالجملة فهو إشارة إلى القدرة التامة.

وثانيها: الحميد وهو الذي يستحق الحمد والثناء على ألسنة عباده المؤمنين وإن كان بعض الأشياء لا يحمده بلسانه فنفسه شاهدة على أن المحمود في الحقيقة هو هو، كما قال: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ  ﴾ وذلك إشارة إلى العلم لأن من لا يكون عالماً بعواقب الأشياء لا يمكنه أن يفعل الأفعال الحميدة، فالحميد يدل على العلم التام من هذا الوجه.

وثالثها: الذي له ملك السموات والأرض وهو مالكها والقيم بهما ولو شاء لأفناهما، وهو إشارة إلى الملك التام وإنما أخر هذه الصفة عن الأولين لأن الملك التام لا يحصل إلا عند حصول الكمال في القدرة والعلم، فثبت أن من كان موصوفاً بهذه الصفات كان هو المستحق للإيمان به وغيره لا يستحق ذلك ألبتة، فكيف حكم أولئك الكفار الجهال يكون مثل هذا الإيمان ذنباً.

واعلم أنه تعالى أشار بقوله: ﴿ العزيز ﴾ إلى أنه لو شاء لمنع أولئك الجبابرة من تعذيب أولئك المؤمنين، ولأطفأ نيرانهم ولأماتهم وأشار بقوله: ﴿ الحميد ﴾ إلى أن المعتبر عنده سبحانه من الأفعال عواقبها فهو وإن كان قد أمهل لكنه ما أهمل، فإنه تعالى يوصل ثواب أولئك المؤمنين إليهم، وعقاب أولئك الكفرة إليهم، ولكنه تعالى لم يعالجهم بذلك لأنه لم يفعل إلا على حسب المشيئة أو المصلحة على سبيل التفضل، فلهذا السبب قال: ﴿ والله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ فهو وعد عظيم للمطيعين ووعيد شديد للمجرمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: أين جواب القسم؟

قلت: محذوف يدل عليه قوله: ﴿ قُتِلَ أصحاب الاخدود ﴾ كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون، يعني كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود؛ وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدّمهم: من التعذيب على الإيمان.

وإلحاق أنواع الأذى، وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرّقين بالنار، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش، كما قيل: قتل أصحاب الأخدود وقتل: دعاء عليهم، كقوله: ﴿ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ ﴾ [عبس: 17] وقرئ ﴿ قتل ﴾ بالتشديد.

والأخدود: الخدّ في الأرض وهو الشق، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق.

ومنه فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضمّ إليه غلاماً ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب: فسمع منه، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس.

فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر فاقتلها فقتلها؛ وكان الغلام بعد ذلك يبريء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله فقال: من ردّ عليك بصرك؟

فقال: ربي، فغضب فعذبه.

فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه، فقدّ بالمنشار وأبي الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجف بالقوم، فطاحوا ونجا، فذهب به إلى قرقور فلججوا به ليغرقوه، فدعا فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فرقع في صدغه فوضع يده عليه ومات؛ فقال الناس: أمنا برب الغلام؛ فقيل للملك.

نزل بك ما كنت تحذر؛ فأمر بأخاديد في أفواه السكك وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه، أصبري فإنك على الحق؛ فاقتحمت.

وقيل: قال لها قعى ولا تنافقي.

وقيل: قال لها ما هي إلا غميضة فصبرت» وعن علي رضي الله عنه: أنهم حين اختفلوا في أحكام المجوس قال: هم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناولها بعض ملوكهم فسكر، فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: يا أيها الناس، إنّ الله قد أحل نكاح الأخوات، ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول: إن الله حرّمه؛ فخطب فلم يقبلوا منه فقالت له: ابسط فيهم السوط؛ فلم يقبلوا؛ فقالت له: ابسط فيهم السيف، فلم يقبلوا؛ فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها؛ فهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ قُتِلَ أصحاب الاخدود (44) ﴾ وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى عليه السلام، فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد.

وقيل: سبعين ألفاً؛ وذكر أنّ طول الأخدود: أربعون ذراعاً وعرضه اثنا عشر ذراعاً.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوّذ من جهد البلاء» ﴿ النار ﴾ بدل اشتمال ممن الأخدود ﴿ ذَاتِ الوقود ﴾ وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس، وقرئ ﴿ الوقود ﴾ بالضم ﴿ إِذْ ﴾ ظرف لقتل، أي لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها.

ومعنى ﴿ عَلَيْهَا ﴾ على ما يدنو منها من حافات الأخدود، كقوله: وَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى وَالْمُحَلِّقُ وكما تقول: مررت عليه، تريد: مستعليا لمكان يدنو منه، ومعنى شهادتهم على إحراق المؤمنين: أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهوداً يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنّ أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب.

ويجوز أن يراد: أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين، يؤدّون شهادتهم يوم القيامة ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24] ، ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ وما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان كقوله: وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنْ سُيُوفَهُمْ قال ابن الرقيات: مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إلاَّ ** أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وقرأ أبو حيوة ﴿ نقموا ﴾ بالكسر، والفصيح: هو الفتح.

وذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزاً غالباً قادراً يخشى عقابه حميداً منعماً.

يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه ﴿ لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض ﴾ فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقديراً، لأن ﴿ مَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغيّ، وإن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب لا يعدله عذاب ﴿ والله على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ وعيد لهم، يعني أنه علم ما فعلوا، وهو مجازيهم عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما نَقَمُوا مِنهُمْ ﴾ وما أنْكَرُوا.

﴿ إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ اسْتِثْناءٌ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا غالِبًا يُخْشى عِقابُهُ حَمِيدًا مُنْعِمًا يُرْجى ثَوابُهُ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ لِلْإشْعارِ بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُعْبَدَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ} وما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان كقوله ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم وقوله ...

ما نقموا من بنى امية ...

انهم يحلمون ان غضبوا ...

وقرئ نَقَمُواْ بالكسر والفصيح هو الفتح {بالله العزيز الحميد} ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به وهو كونه عزيزاً غالباً قادرا يخشى عقابه حميداً منعماً يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما نَقَمُوا مِنهُمْ ﴾ أيْ: ما أنْكَرُوا مِنهم وما عابُوا.

وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ يُقالُ: نَقِمْتُ الشَّيْءَ إذا أنْكَرْتَهُ بِلِسانِكَ أوْ بِعُقُوبَةٍ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وما: «نِقِمُوا» بِكَسْرِ القافِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ كَوْنُ تِلْكَ الِاسْمِيَّةِ لِوُقُوعِها في حَيِّزِ إذْ ماضَوِيَّةٌ فَكانَ العَطْفُ عَطْفَ فِعْلِيَّةٍ عَلى فِعْلِيَّةٍ.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الفِعْلِيَّةَ بِتَقْدِيرِ: وهم ما نَقَمُوا مِنهم.

﴿ إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْصِحٌ عَنْ بَراءَتِهِمْ عَمّا يُعابُ ويُنْكَرُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وكَوْنُ الكَفَرَةِ يَرَوْنَ الإيمانَ أمْرًا مُنْكَرًا والشّاعِرُ لا يَرى الفُلُولَ كَذَلِكَ لا يَضُرُّ عَلى ما أرى في كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ جارِيًا عَلى ذَلِكَ المِنهاجِ مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ إنْ كانُوا مُشْرِكِينَ فالمُنْكَرُ عِنْدَهم لَيْسَ هو الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى بَلْ نَفْيَ ما سِواهُ مِن مَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ، وإنْ كانُوا مُعَطِّلَةٍ فالمُنْكَرُ عِنْدَهم لَيْسَ إلّا إثْباتَ مَعْبُودٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ لَهُمْ، لَكِنْ لَمّا كانَ مَآلُ الأمْرَيْنِ إنْكارَ المَعْبُودِ بِحَقِّ المَوْصُوفِ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ عَبَّرَ بِما ذُكِرَ مُفْصِحًا عَمّا سَمِعْتَ فَتَأمَّلْ.

ولِبَعْضِ الأعْلامِ كَلامٌ في هَذا المَقامِ قَدْ رَدَّهُ الشِّهابُ فَإنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ.

وفي المُنْتَخَبِ إنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا أنْ يُؤْمِنُوا ﴾ لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ ولَوْ كَفَرُوا فِيهِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى فَكَأنَّهُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: إلّا أنْ يَدُومُوا عَلى إيمانِهِمُ انْتَهى.

وكَأنَّهُ حَمَلَ النِّقَمَ عَلى الإنْكارِ بِالعُقُوبَةِ، ووَصْفُهُ عَزَّ وجَلَّ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا غالِبًا يُخْشى عِقابُهُ، وحَمِيدًا مُنْعِمًا يُرْجى ثَوابُهُ، وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِذْ هُمْ عَلَيْها يعني: القوم عند النار حضور.

قال سفيان: إذ هم عليها على السرر قُعُودٌ عند النار وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يعني: أن خدامهم وأعوانهم، يفعلون بالمؤمنين ذلك، وهم هناك شهود.

يعني: حضوراً.

ويقال: يفعلون بالمؤمنين ذلك، وهم شهود.

يعني: يشهدون بأن المؤمنين في ضلال، تركوا عبادة آلهتهم.

ويقال: على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، يشهدون على أنفسهم يوم القيامة.

وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ يعني: وما طعنوا فيهم.

إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يعني: سوى أنهم صدقوا بتوحيد الله تعالى الْعَزِيزِ في ملكه الْحَمِيدِ في فعاله.

ويقال وما نقموا منهم يعني: وما أنكروا عليهم، إلا أن يؤمنوا بالله يعني: إلا إيمانهم بالله الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ثم بيّن ما أعد الله لأولئك الكفار.

فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا يعني: عذبوا وأحرقوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: في الدنيا ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا يعني: لم يرجعوا عن دينهم، ولم يتوبوا إلى الله تعالى فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخرة وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ يعني: العذاب الشديد.

وقال الزجاج: المعنى والله أعلم، لهم عذاب بكفرهم، ولهم عذاب بما حرقوا المؤمنين.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ جزاءً لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هو الجوابُ فهو خَبَرٌ انتهى، وصَاحِبُ الأخدودِ: مذكورٌ في السِّيَرِ وغيرِها وحديثُه في مُسْلِمٍ مُطَوَّلٌ وهو مَلكٌ دَعَا المؤمنينَ باللَّهِ إلى الرجوعِ عن دينِهم إلى دينهِ، وخَدَّ لَهُمْ في الأرْضِ أخَادِيدَ طويلةً وأضْرَمَ لهم ناراً وجَعَلَ يَطْرَحُ فيها من لم يرجعْ عن دينه حتى جاءت امرأة معها صبيٌّ فَتَقَاعَسَتْ فقال لها الطفل: يا أُمَّهْ اصْبِرِي فِإنَّكِ عَلى الحق، فاقْتَحَمَتِ النارَ.

وقوله: النَّارِ بدلٌ من الأخدودِ وهو بدلُ اشتمالٍ، قال ع «١» : وقال الربيع بن أنس وأبو إسحاق وأبو العالية: بعثَ اللَّهُ على أولئك المؤمنين ريحا فقبضت أرواحهم أبو نحوَ هذا، وخَرَجَتِ النارُ فأحْرَقَتِ الكافرينَ الذينَ كانُوا على حَافَّتَيِ الأخْدُودِ وعلى هذا يجيءُ قُتِلَ خبرا لا دعاء «٢» .

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ...

الآية، فَتَنُوهُمْ، أي:

أحرقوهم، ت: قال الهروي: قولُه تعالى: فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ أي: لهم/ عذابٌ لكفرِهم وعذابٌ بِإحْرَاقِهم المؤمنينَ، انتهى، قال ع «٣» :

ومَنْ قَال: إنَّ هذه الآياتِ الأواخِرَ في قريشٍ جَعلَ الفِتنةَ الامتحانَ والتعذيبَ، ويقوِّي هذا التأويلَ بعضَ التقويةِ قولُه تعالى: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، لأنَّ هذا اللفظُ في قريشٍ أشْبَهُ منه في أولئك، والبطش: الأخذ بقوة.

إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)

وقوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ قال الضحاك وابن زيد: معناه: يُبْدِىءُ الخلقَ بالإنْشَاءِ، ويُعيدُهم بالحَشْرِ «٤» ، وقال ابن عباس ما معناه: إنَّ ذلكَ عامُّ في جميع الأشياء،

فهي عبارةٌ على أنَّه يفعلُ كلَّ شيءٍ، أي: يُبْدِىءُ كل ما يُبْدَأُ ويُعِيدُ كلَّ مَا يُعَادُ، وهذانِ قسمانِ يستوفيانِ جميعَ الأشياءِ «١» ، والْجُنُودِ الجموع، وفِرْعَوْنَ وَثَمُودَ في موضعِ خفضٍ على البدلِ من الجنودِ، ثم تركَ القولَ بحالِهِ، وأضْرَبَ عنه إلى الإخبارِ بأن هؤلاء الكفارَ بمحمدٍ وشرعِه لا حجةَ لهم ولا برهانَ بلْ هُو تكذيبٌ مُجرَّدٌ سببُه الحسَدُ، ثم تَوَعَّدَهم سبحانَه بقوله: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ أي: عذابُ اللَّهِ ونقمتُه مِن ورائهم، أي: يأتي بَعْدَ كفرِهم وعِصْيانهم، وقَرأ الجمهورُ: «في لوح محفوظٍ» بالخفضِ صفةً ل «لوح» وقرأ نافعٌ «٢» : «محفوظٌ» بالرفعِ، أي: محفوظ في القلوبِ لاَ يدركُه الخطأ والتبديل.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ البُرُوجِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا البُرُوجَ في [الحِجْرِ: ١٦] ﴿ واليَوْمِ المَوْعُودِ ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ بِإجْماعِهِمْ ﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قَوْلًا.

أحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  وبِهِ قالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

فَعَلى هَذا سُمِّيَ يَوْمُ الجُمُعَةِ شاهِدًا، لِأنَّهُ يَشْهَدُ عَلى كُلِّ عامِلٍ بِما فِيهِ، وسُمِّي يَوْمُ عَرَفَةَ مَشْهُودًا، لِأنَّ النّاسَ يَشْهَدُونَ فِيهِ مَوْسِمَ الحَجِّ، وتَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ.

والثّانِي: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّ الشّاهِدَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ  ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ.

والسّادِسُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ القِيامَةِ، والمَشْهُودَ: النّاسُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

والسّابِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّامِنُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والتّاسِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: هو اللَّهُ، والمَشْهُودَ: بَنُو آدَمَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والعاشِرُ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والحادِي عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّانِي عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: ابْنُ آدَمَ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، والمَشْهُودَ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ.

والرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: الإنْسانُ، والمَشْهُودَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والخامِسَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ النَّحْرِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

والسّادِسَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: أُمَّتُهُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا  ﴾ .

والسّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ  ، والمَشْهُودَ: أمَّتُهُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، وبَيانُهُ ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  ﴾ .

الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، والمَشْهُودَ: سائِرُ النّاسِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، ودَلِيلُهُ ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ  ﴾ .

والتّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَفَظَةُ، والمَشْهُودَ: بَنُو آدَمَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ، وحُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوُهُ.

والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَقُّ، والمَشْهُودَ: الكَوْنُ، قالَهُ الجُنَيْدُ.

والحادِي والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ، والمَشْهُودَ: الحاجُّ.

والثّانِي والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَشْهُودَ: مُحَمَّدٌ  ، وبَيانُهُ ﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.

.

.

﴾ الآيَةُ [آلُ عِمْرانَ: ٨١] .

والثّالِثُ والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَلائِكَةُ، وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبَيانُهُ ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ  ﴾ ، حَكى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الثَّعْلَبِيُّ.

والرّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: الأُمَمُ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.

وَفِي جَوابِ القَسَمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ ، كَما أنَّ القَسَمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ أيْ: لُعِنُوا.

والأُخْدُودُ: شَقٌّ يُشَقُّ في الأرْضِ، والجَمْعُ: أخادِيدُ.

وهَؤُلاءِ قَوْمٌ حَفَرُوا حَفائِرَ في الأرْضِ وأوْقَدُوا فِيها النّارَ، وألْقَوْا فِيها مَن لَمْ يَكْفُرْ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِمْ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ كانَ لَهُ ساحِرٌ فَبَعَثَ إلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ، وكانَ الغُلامُ يَمُرُّ عَلى راهِبٍ، فَأعْجَبَهُ أمْرُهُ، فَتَبِعَهُ، فَعَلِمَ بِهِ المَلِكُ، فَأمَرَهُ أنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فاجْتَهَدَ المَلِكُ في إهْلاكِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ، فَقالَ الغُلامُ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ بِهِ.

اجْمَعِ النّاسَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، واصْلُبْنِي عَلى جِذْعٍ، وارْمِنِي بِسَهْمٍ مِن كِنانَتِي، وقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، فَفَعَلَ، فَماتَ الغُلامُ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَخَدَّ الأخادِيدَ، وأضْرَمَ فِيها النّارَ، وقالَ: مَن لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأقْحِمُوهُ فِيها، فَفَعَلُوا، وهَذا مُخْتَصَرُ الحَدِيثِ، وفِيهِ طُولٌ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ في " المُغْنِي " و " الحَدائِقِ " بِطُولِهِ مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّ مَلِكًا مِنَ المُلُوكِ سَكِرَ، فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ، فَلَمّا أفاقَ قالَ لَها: وَيْحَكِ: كَيْفَ المَخْرَجُ؟

فَقالَتْ لَهُ: اجْمَعْ أهْلَ مَمْلَكَتِكَ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ، فَإذا ذَهَبَ هَذا في النّاسِ وتَناسَوْهُ، خَطَبْتَهم فَحَرَّمْتَهُ.

فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهُ، فَبَسَطَ فِيهِمُ السَّوْطَ، ثُمَّ جَرَّدَ السَّيْفَ، فَأبَوْا، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وأوْقَدَ فِيهِ النّارَ، وقَذَفَ مَن أبى قَبُولَ ذَلِكَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم ناسٌ اقْتَتَلَ مُؤْمِنُوهم وكُفّارُهُمْ، فَظَهَرَ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ تَعاهَدُوا أنْ لا يَغْدِرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَغَدَرَ كُفّارُهُمْ، فَأخَذُوهُمْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أوْقِدُوا نارًا، واعْرِضُوا عَلَيْها، فَمَن تابَعَكم عَلى دِينِكُمْ، فَذاكَ الَّذِي تُحِبُّونَ، ومَن لَمْ يَتْبَعْكم أُقْحِمَ النّارَ فاسْتَرَحْتُمْ مِنهُ، فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ يَقْتَحِمُونَها، ذَكَرَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُؤْمِنِينَ اعْتَزَلُوا النّاسَ في الفَتْرَةِ، فَأُرْسِلَ إلَيْهِمْ جَبّارٌ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في دِينِهِ فَأبَوْا، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وألْقاهم فِيهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والخامِسُ: أنَّ جَماعَةً آمَنُوا مِن قَوْمِ يُوسُفَ بْنِ ذِي نُواسٍ بَعْدَما رُفِعَ عِيسى، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وأوْقَدَ فِيهِ النّارَ، فَأحْرَقَهم كُلَّهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ وهُمْ: يُوسُفُ بْنُ ذِي نُواسٍ وأصْحابُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والسّادِسُ: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا، ومَعَهم قَوْمٌ يَكْتُمُونَ إيمانَهُمْ، فَعَلِمُوا بِهِمْ، فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، وقَذَفُوهم فِيهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُحْرِقُوا عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

والثّانِي: مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: مِن أهْلِ اليَمَنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا مِن نَصارى اليَمَنِ، وذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ  بِأرْبَعِينَ سَنَةً.

والرّابِعُ: مِن أهْلِ نَجْرانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: مِنَ النَّبَطِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي عَدَدِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ وهْبٌ.

والثّانِي: سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: ثَمانُونَ رَجُلًا، وتِسْعَةُ نِسْوَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النّارِ ذاتِ الوَقُودِ ﴾ هَذا بَدَلٌ مِنَ " الأُخْدُودِ " كَأنَّهُ قالَ: قُتِلَ أصْحابُ النّارِ.

و " الوَقُودُ " مُفَسَّرٌ في [البَقَرَةِ: ٢٤] .

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الوُقُودِ " بِضَمِّ الواوِ ﴿ إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ ﴾ أيْ: عِنْدَ النّارِ.

وكانَ المَلِكُ وأصْحابُهُ جُلُوسًا عَلى الكَراسِيِّ عِنْدَ الأُخْدُودِ يَعْرِضُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفْرِ، فَمَن أبى ألْقَوْهُ ﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ أيْ: حُضُورٌ، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآياتِ بِقِصَّةِ قَوْمٍ بَلَغَ مِن إيمانِهِمْ ويَقِينِهِمْ أنْ صَبَرُوا عَلى التَّحْرِيقِ بِالنّارِ، ولَمْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا مِنهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " نَقِمُوا " بِكَسْرِ القافِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ إيمانُهم.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " نَقَمُوا " في [المائِدَةِ: ٥٩] و [بَراءَةٍ: ٧٤] وشَرَحْنا مَعْنى ﴿ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ في [البَقَرَةِ: ١٢٩، ٢٦٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أيْ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ ما صَنَعُوا، فَهو شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيْ: أحْرَقُوهُمْ، وعَذَّبُوهم.

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ مِن شِرْكِهِمْ وفِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿ فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ بِكَفْرِهِمْ ﴿ وَلَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ بِما أحْرَقُوا المُؤْمِنِينَ، وكِلا العَذابَيْنِ في جَهَنَّمَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.

وذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ في جَماعَةٍ إلى أنَّ النّارَ ارْتَفَعَتْ إلى المَلِكِ وأصْحابِهِ فَأحْرَقَتْهُمْ، فَذَلِكَ عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا.

قالَ الرَّبِيعُ: وقَبَضَ اللَّهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُمُ النّارُ.

وحَكى الفَرّاءُ أنَّ المُؤْمِنِينَ نَجَوْا مِنَ النّارِ، وأنَّها ارْتَفَعَتْ فَأحْرَقَتِ الكَفَرَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ ﴾ لِأنَّهم فازُوا بِالجَنَّةِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: فازُوا مِن عَذابِ الكُفّارِ، وعَذابِ الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أخْذَهُ بِالعَذابِ إذا أخَذَ الظَّلَمَةَ والجَبابِرَةَ لَشَدِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُبْدِئُ الخَلْقَ ويُعِيدُهُمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: يُبْدِئُ العَذابَ في الدُّنْيا عَلى الكُفّارِ ثُمَّ يُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ شَرَحْنا في [هُودٍ: ٩٠] مَعْنى " الوَدُودِ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ " المَجِيدِ " بِالخَفْضِ، وقَرَأ غَيْرُهم بِالرَّفْعِ، فَمَن رَفَعَ " المَجِيدُ " جَعَلَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَن كَسَرَ جَعَلَهُ مِن صِفَةِ العَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ حَدِيثُ ﴿ الجُنُودِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَن هُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ فِي تَكْذِيبٍ ﴾ لَكَ والقُرْآنِ، أيْ: لَمْ يَعْتَبِرُوا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ أيْ: كَرِيمٌ، لِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، ولَيْسَ كَما يَقُولُونَ بِشِعْرٍ، ولا كِهانَةٍ، ولا سِحْرٍ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وبِخَفْضِ " مَجِيدِ " ﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، مِنهُ نُسِخَ القُرْآنُ وسائِرُ الكُتُبِ، فَهو مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ، مَحْرُوسٌ بِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، ومِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ.

وقَرَأ نافِعٌ " مَحْفُوظٌ " رَفَعًا عَلى نَعْتِ القُرْآنِ.

فالمَعْنى: أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴾ ﴿ واليَوْمِ المَوْعُودِ ﴾ ﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ ﴿ النارِ ذاتِ الوَقُودِ ﴾ ﴿ إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ ﴾ ﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ ﴿ وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ  ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ  ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا  ﴾ ، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ  ﴾ .

وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا  ﴾ ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  : « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ.

وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  ﴾ ، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا  ﴾ .

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ: وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ.

وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ ، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ  ﴾ ، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ.

و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها.

وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿ إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.

و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

في افتتاح السورة بهذا القسم تشويق إلى ما يرد بعده وإشعار بأهمية المقسم عليه، وهو مع ذلك يَلفت ألبابَ السّامعين إلى الأمور المقسم بها، لأن بعضها من دلائل عظيم القدرة الإلهية المقتضية تفرد الله تعالى بالإلهية وإبطالَ الشريك، وبعضها مذكِّر بيوم البعث الموعود، ورمز إلى تحقيق وقوعه، إذ القسم لا يكون إلا بشيء ثابت الوقوع وبعضها بما فيه من الإِبهام يوجِّه أنفُس السامعين إلى تطلب بيانه.

ومناسبةُ القسم لما أقسم عليه أن المقسم عليه تضمن العبرة بقصة أصحاب الأخدود ولما كانت الأخاديد خُطوطاً مجعولة في الأرض مستَعِرَة بالنار أقسم على ما تضمنها بالسماء بقيد صفة من صفاتها التي يلوح فيها للناظرين في نجومها ما سماه العرب بروجاً وهي تشبه دارات متلألئة بأنوار النجوم اللامعة الشبيهة بتلهب النار.

والقسم بالسماء بوصف ذات البروج يتضمن قسماً بالأمرين معاً لتلتفت أفكارُ المتدبرين إلى ما في هذه المخلوقات وهذه الأحوال من دلالة على عظيم القدرة وسعة العلم الإلهي إذ خلقها على تلك المقادير المضبوطة لينتفع بها الناس في مواقيت الأشهر والفصل.

كما قال تعالى في نحو هذا: ﴿ ذلك لتعلموا أن اللَّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن اللَّه بكل شيء عليم ﴾ [المائدة: 97].

وأما مناسبة القسم باليوم الموعود فلأنه يوم القيامة باتفاق أهل التأويل لأن الله وعد بوقوعه قال تعالى: ﴿ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ﴾ [المعارج: 44] مع ما في القَسم به من إدماج الإِيماء إلى وعيد أصحاب القصة المقسَم على مضمونها، ووعيد أمثالهم المعرَّض بهم.

ومناسبة القسم ب ﴿ شاهد ومشهود ﴾ على اختلاف تأويلاته، ستُذكر عند ذكر التأويلات وهي قريبة من مناسبة القَسم باليوم الموعود، ويقابله في المقسم عليه قوله: ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ .

والبروج: تطلق على علامات من قبة الجَو يتراءى للناظر أن الشمس تكون في سمتها مدة شهر من أشهر السنة الشمسية، فالبرج: اسم منقول من اسم البُرج بمعنى القصر لأن الشمس تنزله أو منقول من البرج بمعنى الحصن.

والبرج السماوي يتألف من مجمُوعة نجوم قريب بعضها من بعض لا تختلف أبعادها أبداً، وإنما سُمِّي بُرجاً لأن المصطلحين تخيلوا أن الشمس تحلّ فيه مُدّة فهو كالبرج، أي القصر، أو الحصن، ولما وجدوا كل مجموعة منها يُخَال منها شكلٌ لو أحيط بإطار لخط مفروض لأشبَهَ محيطُها محيط صورة تخيلية لبعض الذوات من حيوان أو نبات أو آلات، ميّزوا بعض تلك البروج من بعض بإضافته إلى اسم ما تشبهه تلك الصورة تقريباً فقالوا: برج الثَّور، برج الدلو، برج السنبلة مثلاً.

وهذه البروج هي في التّحقيق: سُموت تقابلها الشمس في فلكها مدة شهر كامل من أشهُر السنة الشمسية يوقتون بها الأشهر والفصول بموقع الشمس نهاراً في المكان الذي تطلع فيه نجوم تلك البروج ليلاً، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجاً ﴾ في سورة الفرقان (61).

وشاهد ومشهود } مراد بهما النوع.

فالشاهد: الرائي، أو المخبر بحق لإِلزام منكره.

والمشهود: المَرئي أو المشهود عليه بحق.

وحذف متعلق الوصفين لدلالة الكلام عليه فيجوز أن يكون الشاهد حاضرَ ذلك اليوم الموعود من الملائكة قال تعالى: ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ [ق: 21].

ويجوز أن يكون الشاهد الله تعالى ويؤيده قوله: ﴿ واللَّه على كل شيء شهيد ﴾ أو الرسل والملائكة.

والمشهود: الناس المحشورون للحساب وهم أصحاب الأعمال المعرَّضون للحساب لأن العرف في المجامع أن الشاهد فيها: هو السالم من مشقتها وهم النظارة الذين يطَّلعون على ما يجري في المجمع، وأن المشهود: هو الذي يطَّلعُ الناسُ على ما يجري عليه.

ويجوز أن يكون الشاهد: الشاهدين من الملائكة، وهم الحفظة الشاهدون على الأعمال.

والمشهود: أصحاب الأعمال.

وأن يكون الشاهد الرسل المبلغين للأمم حين يقول الكفار: ما جاءنا من بشير ولا نذير ومحمد صلى الله عليه وسلم يشهد على جميعهم وهو ما في قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ [النساء: 41].

وعلى مختلف الوجوه فالمناسبة ظاهرة بين ﴿ شاهد ومشهود ﴾ وبين ما في المقسم عليه من قوله: ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ ، وقوله: ﴿ إذ هم عليها قعود ﴾ أي حضور.

وروى الترمذي من طريق موسى بن عبيدة إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة ".

أي فالتقدير: ويوممٍ شاهد ويوممٍ مشهود.

قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قِبَل حفظه اه.

ووصف «يوم» بأنه «شاهد» مجاز عقلي، ومحمل هذا الحديث على أن هذا مما يراد في الآية من وصف ﴿ شاهد ﴾ ووصف ﴿ مشهود ﴾ فهو من حَمْل الآية على ما يحتمله اللفظ في حقيقة ومجاز كما تقدم في المقدمة التاسعة.

وجواب القسم قيل محذوف لدلالة قوله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ عليه والتقدير أنهم ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.

وقيل: تقديره: أن الأمر لحق في الجزاء على الأعمال: أو لتبعثن.

وقيل: الجواب مذكور فيما يلي فقال الزجاج: هو ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ [البروج: 12] (أي والكلام الذي بينهما اعتراض قصد به التوطئة للمقسم عليه وتوكيد التحقيق الذي أفاده القسم بتحقيق ذكر النظير).

وقال الفراء: الجواب: ﴿ قُتل أصحاب الأخدود ﴾ (أي فيكون قُتِلَ خَبَراً لادعاء وَلا شتماً ولا يلزم ذكر (قد) في الجواب مع كون الجواب ماضياً لأن (قد) تحذف بناء على أن حذفها ليس مشروطاً بالضرورة).

ويتعين على قول الفراء أن يكون الخبر مستعملاً في لازم معناه من الإِنذار للذين يَفتنون المؤمنين بأن يحلّ بهم ما حلّ بفاتني أصحاب الأخدود، وإلا فإن الخبر عن أصحاب الأخدود لا يحتاج إلى التوكيد بالقسم إذ لا ينكره أحد فهو قصة معلومة للعرب.

وانتساق ضمائر جمع الغائب المرفوعة من قوله: ﴿ إذ هم عليها قعود ﴾ إلى قوله: ﴿ وما نقموا ﴾ يقتضي أن يكون أصحاب الأخدود وَاضعيه لتعذيب المؤمنين.

وقيل: الجواب هو جملة: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ [البروج: 10] فيكون الكلام الذي بينهما اعتراضاً وتوطئة على نحو ما قررناه في كلام الزجاج.

وقوله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ صيغته تشعر بأنه إنشاء شتم لهم شتم خزي وغضب وهؤلاء لم يُقتلوا ففعل قُتِل ليس بخبر بل شتم نحو قوله تعالى: ﴿ قُتل الخرّاصون ﴾ [الذاريات: 10].

وقولهم قاتله الله، وصدوره من الله يفيد معنى اللعن ويدل على الوعيد لأن الغضب واللعن يستلزمان العقاب على الفعل الملعون لأجله.

وقيل: هو دعاء على أصحاب الأخدود بالقتل كقوله تعالى: ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ [عبس: 17] والقَتل مستعار لأشد العذاب كما يقال: أهلكه الله، أي أوقعه في أشد العناء، وأيَّاً مَّا كان فجملة ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ على هذا معترضة بين القسم وما بعده.

ومَن جَعل ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ جواب القسم جعل الكلام خبراً وقدَّره لقد قتل أصحاب الأخدود، فيكون المراد من أصحاب الأخدود الذين أُلقوا فيه وعُذبوا به ويكون لفظ أصحاب مستعملاً في معنى مجرد المقارنة والملازمة كقوله تعالى: ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ [يوسف: 39] وقد علمتَ آنفاً تَعيُّن تأويل هذا القول بأن الخبر مستعمل في لازم معناه.

ولفظ ﴿ أصحاب ﴾ يُعمّ الآمرين بجعل الأخدود والمباشرين لِحفره وتسعيره، والقائمين على إلقاء المؤمنين فيه.

وهذه قصة اختلف الرواة في تعيينها وفي تعيين المراد منها في هذه الآية.

والروايات كلها تقتضي أن المفتونين بالأخدود قوم اتبَعوا النصرانية في بلاد اليمن على أكثر الروايات، أو في بلاد الحبشة على بعض الروايات، وذُكرتْ فيها روايات متقاربة تختلف بالإِجمال والتفصيل، والترتيب، والزيادة، والتعيين وأصحّها ما رواه مسلم والترمذي عن صُهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قصَّ هذه القصة على أصحابه.

وليس فيما رُوي تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم ساقها تفسيراً لهذه الآية والترمذي ساق حديثها في تفسير سورة البروج.

وعن مقاتل كان الذين اتخذوا الأخاديد في ثلاث من البلاد بنجران، وبالشام، وبفارس، أما الذي بالشام ف (انطانيوس) الرومي وأما الذي بفارس فهو (بختنصر) والذي بنجران فيوسف ذو نواس ولنذكر القصة التي أشار إليها القرآن تؤخذ من «سيرة ابن إسحاق» على أنها جرت في نجران من بلاد اليمن، وأنه كان مَلِكٌ وهو ذو نواس له كاهن أو ساحر.

وكان للساحر تلميذ اسمه عبد الله بن الثامر وكان يَجِد في طريقه إذا مشى إلى الكاهن صومعة فيها راهب كان يعبد الله على دين عيسى عليه السّلام ويقرأ الإنجيل اسمه (فَيْمِيُون) بفاء، فتحتية، فميم، فتحتية (وضبط في الطبعة الأوروبية من «سيرة ابن إسحاق» التي يلوح أن أصلها المطبوعة عليه أصل صحيح، بفتح فسكون فكسر فضم) قال السهيلي: ووقع للطبري بقاف عوض الفاء.

وقد يحرف فيقال ميمون بميم في أوله وبتحتية واحدة، أصله من غسان من الشام ثم سَاح فاستقر بنجران، وكان منعزلاً عن الناس مختفياً في صومعته وظهرت لعبد الله في قومه كرامات.

وكان كلما ظهرت له كرامة دعا من ظهرتْ لهم إلى أن يتبعوا النصرانية، فكثر المتنصرون في نجران وبلغ ذلك المَلكَ ذا نُواس وكان يهودياً وكان أهل نجران مشركين يعبدون نخلة طويلة، فقتل الملك الغلامَ وقَتَل الراهب وأمر بأخاديد وجُمع فيها حَطب وأُشعلت، وعُرض أهل نجران عليها فمن رجع عن التوحيد تركه ومن ثبت على الدين الحق قذفه في النار.

فكان أصحاب الأخدود ممن عُذِّب من أهللِ دين المسيحية في بلاد العرب.

وقِصص الأخاديد كثيرة في التاريخ، والتعذيب بالحرق طريقة قديمة، ومنها: نار إبراهيم عليه السلام.

وأما تحريق عَمرو بن هند مائةً من بني تميم وتلقيبُه بالمحرق فلا أعرف أن ذلك كان باتخاذ أخدود.

وقال ابن عطية: رأيت في بعض الكتب أن أصحاب الأخدود هو مُحرق وآله الذي حَرق من بني تميم مائةً.

و ﴿ الأخدود ﴾ : بوزن أُفعول وهو صيغة قليلة الدوران غيرُ مقيسة، ومنها قولهم: أفحوص مشتق من فحصت القطاة والدجاجةُ إذا بحثت في التراب موضعاً تَبيض فيه، وقولُهم أسلوب اسم لطريقة، ولسطر النّخل، وأقنوم اسم لأصل الشيء.

وقد يكون هذا الوزن مع هاء تأنيث مثل أكرومة، وأعجوبة، وأُطروحة وأضحوكة.

وقوله: ﴿ النار ﴾ بدل من الأخدود بدلَ اشتمال أو بعضضٍ من كل لأن المراد بالأخدود الحفير بما فيه.

و ﴿ الوقود ﴾ : بفتح الواو اسم ما تُوقد به النار من حطب ونفط ونحوه.

ومعنى ﴿ ذات الوقود ﴾ : أنها لا يخمد لهبها لأن لها وقوداً يُلقى فيها كلّما خبت.

ويتعلق: ﴿ إذ هم عليها قعود ﴾ بفعل قُتل، أي لعنوا وغضب الله عليهم حين قعدوا على الأخدود.

وضمير ﴿ هم ﴾ عائد إلى أصحاب الأخدود فإن الملك يحضر تنفيذ أمره ومعه ملأه، أو أريد بهم المأمورون من الملك.

فعلى احتمال أنهم أعوان الملك فالقُعود الجلوس كني به عن الملازمة للأخدود لئلا يتهاون الذين يحشون النار بتسعيرها، و(على) للاستعلاء المجازي لأنهم لا يقعدون فوق النار ولكن حولها.

وإنما عبر عن القرب والمراقبة بالاستعلاء كقول الأعشى: وبات على النار الندى والمحلق *** ومثله قوله تعالى: ﴿ وجد عليه أمة من الناس يسقون ﴾ [القصص: 23]، أي عنده.

وعلى احتمال أن يكون المراد ب ﴿ أصحاب الأخدود ﴾ المؤمنين المعذَّبين فيه، فالقُعود حقيقة و(على) للاستعلاء الحقيقي، أي قاعدون على النار بأن كانوا يحرقونهم مربوطين بهيئة القعود لأن ذلك أشد تعذيباً وتمثيلاً، أي بعد أن يقعدوهم في الأخاديد يوقدون النار فيها وذلك أروع وأطول تعذيباً.

وأعيد ضمير ﴿ هم ﴾ في قوله: ﴿ وهم على ما يفعلون ﴾ ليتعيّن أن يكون عائداً إلى بعض أصحاب الأخدود.

وضمير ﴿ يفعلون ﴾ يجوز أن يعود إلى ﴿ أصحاب الأخدود ﴾ ، فمعنى كونهم شهوداً على ما يفعلونه: أن بعضهم يشهد لبعض عند الملك بأن أحداً لم يفرط فيما وكّل به من تحريق المؤمنين، فضمائر الجمع وصيغته موزعة.

ويجوز أن يعود الضمير إلى ما تقتضيه دلالة الاقتضاء من تقسيم أصحاب الأخدود إلى أمراء ومأمورين شأن الأعمال العظيمة، فلمّا أخبر عن أصحاب الأخدود بأنهم قعود على النار عُلم أنهم الموكلون بمراقبة العمال.

فعُلم أن لهم أتباعاً من سَعَّارين ووزَعَة فهم معاد ضمير يفعلون.

وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون شهود جمع شاهد بمعنى مخبر بحق، وأن يكون بمعنى حاضر ومراقب لظهور أن أحداً لا يشهد على فعل نفسه.

وجملة ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ إذ هم عليها قعود ﴾ كأنه قيل: قعود شاهدين على فِعلهم بالمؤمنين على الوجهين المتقدّمين في معاد ضمير ﴿ يفعلون ﴾ ، وفائدة هذه الحال تفظيع ذلك القعود وتعظيمُ جُرمه إذ كانوا يشاهدون تعذيب المؤمنين لا يرأفون في ذلك ولا يشمئزون، وبذلك فارقَ مضمون هذه الجملة مضمون جملة: ﴿ إذ هم عليها قعود ﴾ باعتبار تعلق قوله: ﴿ بالمؤمنين شهود ﴾ .

وفي الإِتيان بالموصول في قوله: ﴿ ما يفعلون بالمؤمنين ﴾ من الإِبْهام ما يفيد أن لِمُوقِدِي النارِ من الوزَعَة والعملة ومن يباشرون إلقاء المؤمنين فيها غلظةً وقسوة في تعذيب المؤمنين وإهانتهم والتمثيل بهم، وذلك زائد على الإِحراق.

وجملة ﴿ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللَّه ﴾ في موضع الحال والواو واو الحال أو عاطفة على الحال التي قبلها.

والمقصود التعجيب من ظلم أهل الأخدود أنهم يأتون بمثل هذه الفظاعة لا لجرم من شأنه أن يُنقَم من فاعله فإن كان الذين خددواً الأخدود يهوداً كما كان غالب أهل اليمن يومئذ فالكلام من تأكيد الشيء بما يشبه ضده أي ما نقموا منهم شيئاً ينقم بل لأنهم آمنوا بالله وحده كما آمن به الذين عذبوهم.

ومحل التعجيب أن المَلك ذا نواس وأهل اليمن كانوا متهودين فهم يؤمنون بالله وحده ولا يشركون به فكيف يعذِّبون قوماً آمنوا بالله وحده مثلهم وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ﴾ [المائدة: 59] وإن كان الذين خدّدوا الأخدود مشركين (فإن عرب اليمن بقي فيهم من يعبد الشمس) فليس الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده لأنّ شأن تأكيد الشيء بما يشبه ضده أن يكون ما يشبه ضد المقصود هو في الواقع من نوع المقصود فلذلك يؤكد به المقصود وما هنا ليس كذلك لأن الملك وجنده نقموا منهم الإِيمان بالله حقيقة إن كان الملك مشركاً.

وإجراء الصفات الثلاث على اسم الجلالة وهي: ﴿ العزيز.

الحميد.

الذي له ملك السماوات والأرض ﴾ لزيادة تقرير أن ما نقموه منهم ليس من شأنه أن ينقم بل هو حقيق بأن يُمدحُوا به لأنهم آمنوا بربّ حقيق بأن يؤمن به لأجل صفاته التي تقتضي عبادته ونبذَ ما عداه لأنه ينصُر مواليه ويثيبهم ولأنه يَمْلِكهم، وما عداه ضعيف العزة لا يضر ولا ينفع ولا يَملك منهم شيئاً فيقوى التعجيب منهم بهذا.

وجملة: ﴿ واللَّه على كل شيء شهيد ﴾ تذييل بوعيد للذين اتخذوا الأخدود وبوعد الذين عُذبوا في جنب الله، ووعيد لأمثال أولئك من كفار قريش وغيرهم من كل من تصدَّوْا لأذى المؤمنين ووعد المسلمين الذين عذبهم المشركون مثل بلاللٍ وعمار وصُهيب وسُمَيَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ البُرُوجِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴾ هَذا قَسَمٌ، وفي البُرُوجِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ذاتُ النُّجُومِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: ذاتُ القُصُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: ذاتُ الخُلُقِ الحَسَنِ، قالَهُ المُنْهالُ بْنُ عَمْرٍو.

الرّابِعُ: ذاتُ المَنازِلِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ وهي اثْنا عَشَرَ بُرْجًا رَصَدَتْها العَرَبُ والعَجَمُ، وهي مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ.

﴿ واليَوْمِ المَوْعُودِ ﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهم وُعِدُوا فِيهِ بِالجَزاءِ بَعْدَ البَعْثِ.

﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، رَوى ذَلِكَ أبُو عَرَفَةَ، رَوى ذَلِكَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ النَّحْرِ، والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: أنَّ الشّاهِدَ المَلائِكَةُ، والمَشْهُودَ الإنْسانُ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الرّابِعُ: أنَّ الشّاهِدَ الجَوارِحُ، والمَشْهُودَ النَّفْسُ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الخامِسُ: أنَّ المَشْهُودَ يَوْمُ القِيامَةِ.

وَفي الشّاهِدِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو اللَّهُ تَعالى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

الرّابِعُ: هو مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ الزُّبَيْرِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ الخامِسُ: هو الإنْسانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ، وقالَ غَيْرُهُ: الجَوابُ ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ والأُخْدُودُ: الشَّقُّ العَظِيمُ في الأرْضِ، وجَمْعُهُ أخادِيدُ، ومِنهُ الخَدُّ لِمَجارِي الدُّمُوعِ فِيهِ، والمِخَدَّةِ لِأنَّ الخَدَّ يُوضَعُ عَلَيْها، وهي حَفائِرُ شُقَّتْ في الأرْضِ وأُوقِدَتْ نارًا وأُلْقِيَ فِيها مُؤْمِنُونَ امْتَنَعُوا مِنَ الكُفْرِ.

واخْتُلِفَ فِيهِمْ، فَقالَ عَلِيٌّ: إنَّهم مِنَ الحَبَشَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا مِن أهْلِ نَجْرانَ، وقالَ عِكْرِمَةُ كانُوا نَبَطًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: هم دانْيالُ وأصْحابُهُ، وقالَ الحَسَنُ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ زَمانَ قُسْطَنْطِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا بِاليَمَنِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ  بِأرْبَعِينَ سَنَةً، أخَذَهم يُوسُفُ بْنُ شَراحِيلَ بْنِ تُبَّعٍ الحَمِيرِيُّ وكانُوا نَيِّفًا وثَمانِينَ رَجُلًا، وحَفَرَ لَهم أُخْدُودًا أحْرَقَهم فِيهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: الأُخْدُودُ ثَلاثَةٌ: واحِدٌ بِالشّامِ وواحِدٌ بِالعِراقِ، وواحِدٌ بِاليَمَنِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أُهْلِكَ المُؤْمِنُونَ.

الثّانِي: لُعِنَ الكافِرُونَ الفاعِلُونَ، وقِيلَ إنَّ النّارَ صَعِدَتْ إلَيْهِمْ وهم شُهُودٌ عَلَيْها فَأحْرَقَتْهم، فَلِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.

﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هم عَلى عَذابِ المُؤْمِنِينَ فِيها شُهُودٌ، وهو ظاهِرٌ مِن قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهم شُهُودٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالضَّلالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: البروج قصور في السماء.

وأخرج ابن المنذر عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقولون في قوله: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ ذات القصور.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ ذات البروج ﴾ قال: النجوم العظام.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ فقال: الكواكب، وسئل عن ﴿ الذي جعل في السماء بروجاً ﴾ فقال: الكواكب.

قيل: فبروج مشيدة فقال: قصور» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ قال: بروجها نجومها ﴿ واليوم الموعود ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: يومان عظيمان عظمهما الله من أيام الدنيا كنا نحدث أن الشاهد يوم القيامة والمشهود يوم عرفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ قال: حبكت بالخلق الحسن، ثم حبكت بالنجوم ﴿ واليوم الموعود ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ قال: ذات النجوم ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قول الله: ﴿ واليوم الموعود وشاهد ومشهود ﴾ قال: اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو الحج الأكبر، فيوم الجمعة جعله الله عيداً لمحمد وأمته، وفضّلهم بها على الخلق أجمعين، وهو سيد الأيام عند الله، وأحب الأعمال فيه إلى الله، وفيه ساعة لا يوافقها عبد قائم يصلي يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن أبي الدنيا في الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس، ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ بشيء إلا أعاذه الله منه» .

وأخرج الحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة رفعه ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد يوم عرفة ويوم الجمعة، والمشهود هو الموعود يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طريق شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة دخره الله لنا، والصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج سعيد بن منصور عن شريح بن عبيد مرسلاً.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: «الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وأبي هريرة موقوفاً مثله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة» .

وأخرج ابن جرير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب في قوله: ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن بن علي أن رجلاً سأله عن قوله: ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: هل سألت أحداً قبلي؟

قال: نعم، سألت ابن عمرو وابن الزبير فقالا: يوم الريح ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ﴾ [ الأحزاب: 45] ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ [ النحل: 89] والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ [ هود: 103] ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ [ هود: 103] .

وأخرج الطبراني في الأوسط وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن ابن عباس ﴿ واليوم الموعود ﴾ يوم القيامة ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد محمد والمشهود يوم القيامة، وتلا ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ [ هود: 103] ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ [ هود: 103] .

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال: الشاهد الله والمشهود يوم القيامة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: الشاهد الذي يشهد على الإِنسان بعمله والمشهود يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نجي عن عليّ بن أبي طالب قال: كان نبي أصحاب الأخدود حبشياً.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق الحسن عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ أصحاب الأخدود ﴾ قال: هم الحبشة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ قال: كانوا من النبط.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ قال: هم ناس من بني إسرائيل خددوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الأخدود شق بنجران كانوا يعذبون الناس فيه.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن نفير قال: كانت الأخدود زمان تبع.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ قال: هم قوم خددوا في الأرض، ثم أوقدوا فيه ناراً ثم جاؤوا بأهل الإِسلام فقالوا: اكفروا بالله واتبعوا ديننا، وإلا ألقيناكم في هذه النار، فاختاروا النار على الكفر فألقوا فيها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ قال: حدثنا أن علي بن أبي طالب كان يقول: هم أناس بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر مؤمنوهم على كفارهم، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق لا يغدر بعضهم ببعض، فغدرهم الكفار فأخذوهم، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال: هل لكم إلى خير، توقدون ناراً ثم تعرضوننا عليه فمن بايعكم على دينكم، فذلك الذي تشتهون، ومن لا اقتحم فاسترحتم منه، فأججوا لهم ناراً وعرضوهم عليها، فجعلوا يقتحمونها حتى بقيت عجوز فكأنها تلكأت، فقال طفل في حجرها: امضي ولا تقاعسي، فقص الله عليكم نبأهم وحديثهم فقال: ﴿ النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود ﴾ قال: يعني بذلك المؤمنين ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ﴾ يعني بذلك الكفار.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ قال: حرقوا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ قال: عذبوا.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كان بعض الجبابرة خد أخدوداً في الأرض، وجعل فيها النيران، وعرض المؤمنين على ذلك فمن تابعه على كفره خلى عنه، ومن أبى ألقاه في النار، فجعل يلقي حتى أتى على امرأة ومعها بني لها صغير، فكأنها أنفت النار فكلمها الصبيّ فقال: يا أمه قعي في النار ولا تقاعسي، فألقيت في النار، والله ما كانت إلا نقطة من نار حتى أفضوا إلى رحمة الله تعالى.

قال: الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فما ذكرت أصحاب الأخدود إلا تعوذت بالله من جهد البلاء» .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نجي قال: شهدت علياً وأتاه أسقف نجران فسأله عن أصحاب الأخدود، فقص عليه القصة، فقال عليّ: أنا أعلم بهم منك بعث نبي من الحبشة إلى قومه ثم قرأ علي ﴿ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ [ غافر: 78] فدعاهم فتابعه الناس فقاتلهم فقتل أصحابه، وأخذ فأوثق، فانفلت فأنس إليه رجال، يقول: اجتمع إليه رجال فقاتلهم فقتلوا وأخذ فأوثق فخدوا أخدوداً في الأرض وجعلوا فيه النيران، فجعلوا يعرضون الناس فمن تبع النبي رمي به فيها، ومن تابعهم ترك، وجاءت امرأة في آخر من جاء معها صبي لها، فجزعت، فقال الصبي: يا أمه اطمري ولا تماري فوقعت.

وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن كهيل قال: ذكروا أصحاب الأخدود عند عليّ فقال: أما إن فيكم مثلهم فلا تكونن أعجز من قوم.

وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: كان المجوس أهل كتاب، وكانوا مستمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناول منها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته أو ابنته فوقع عليها، فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت؟

وما المخرج منه؟

قالت: المخرج منه أن تخطب الناس فتقول أيها الناس إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات والبنات، فإذا ذهب ذا في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيباً فقال: يا أيها الناس إن الله أحل لكم نكاح الأخوات أو البنات، فقال الناس جماعتهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقر به، أو جاءنا به نبي، أو نزل علينا في كتاب، فرجع إلى صاحبته فقال: ويحك إن الناس قد أبوا عليّ ذلك.

قالت: إذا أبوا عليك ذلك فابسط فيهم السوط، فبسط فيهم السوط، فأبوا أن يقروا، فرجع إليها فقال: قد بسطت فيهم السوط فأبوا أن يقروا.

قالت: فجرد فيهم السيف، فجرد فيهم السيف، فأبوا أن يقروا.

قالت: خدّ لهم الأخدود، ثم أوقد فيه النيران فمن تابعك فخلّ عنه.

فخدَّ لهم أخدوداً وأوقد فيه النيران، وعرض أهل مملكته على ذلك، فمن أبى قذفه في النار، ومن لم يأب خلّى عنه، فأنزل الله فيهم ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ إلىقوله: ﴿ ولهم عذاب الحريق ﴾ .

أخرج ابن أبي شيبة عن عوف قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والنسائي والترمذي عن صهيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس، فقيل له: إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست، فقال: «إن نبياً من الأنبياء كان أعجب بأمته، فقال: من يقوم لهؤلاء فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن ينتقم منهم، وبين أن يسلط عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفاً قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال له ذلك الكاهن: انظروا إلى غلاماً فهماً أو قال: فطناً لقناً فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت فينقطع هذا العلم منكم، ولا يكون فيكم من يعلمه قال: فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وإن يختلف إليه، فجعل الغلام يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعته، فجعل الغلام يسأل الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله، فجعل الغلام يمكث عند الراهب ويبطيء على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك: أين كنت؟

فقل: عند أهلي، وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟

فقل: عند الكاهن.

فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثيرة قد حبستهم دابة يقال كانت أسداً، فأخذ الغلام حجراً فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقاً فأسألك أن أقتل هذه الدابة، وإن كان ما يقوله الكاهن حقاً فأسألك أن لا أقتلها، ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس: من قتلها؟

فقالوا: الغلام.

ففزع الناس وقالوا: قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد، فسمع أعمى فجاءه، فقال له: إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا، فقال الغلام: لا أريد منك هذا ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك؟

قال: نعم، فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم، فأتى بهم فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه.

فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع الغلام فأمر الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلق به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه الله.

فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني إلا أن تصلبني وترميني وتقول: بسم الله رب الغلام، فأمر به فصلب ثم رماه وقال: بسم الله رب الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات.

فقال الناس: لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك؟

قال: فخدّ أخدوداً ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار.

فجعل يلقيهم في تلك الأخدود فقال: يقول الله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ﴾ حتى بلغ ﴿ العزيز الحميد ﴾ فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرج» ، فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب واصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك ممن كان قبلكم، وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إليّ غلاماً أعلمه السحر.

فدفع إليه غلاماً فكان يعلمه السحر.

وكان بين الساحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، فكان إذا أتى على الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟

فإذا أتى أهله جلس عند الراهب فيبطئ فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟

فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر.

فبينما هو كذلك إذ أتى ذات يوم على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال الغلام: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر.

فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى لك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يجوز الناس.

فرماها فقتلها، ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ.

وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان جليس الملك قد عمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة، فقال له: اشفني ولك ما هاهنا أجمع، فقال: ما أشفي أنا أحداً إنما يشفي الله، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا له فشفاه.

ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟

قال: ربي، قال: أنا.

قال: لا.

قال: أو لك رب غيري؟

قال: نعم.

فلم يزل به يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه الملك فقال: أي بني قد بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟

قال: ما أشفي أنا أحداً ما يشفي غير الله.

قال: أنا؟

قال: لا.

قال: وإن لك رباً غيري؟

قال: نعم ربي وربك الله.

فأخذه أيضاً بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب.

فقال له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرقه حتى وقع شقاه على الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه من فوقه، فذهبوا به، فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت.

فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعين.

وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟

قال: كفانيهم الله.

فبعث به في قرقور مع نفر فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فأغرقوه.

فلجوا به البحر فقال الغلام: اللهم أكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعين.

وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك.

فقال: ما فعل أصحابك؟

قال: كفانيهم الله.

ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لن تستطيع قتلي.

قال: وما هو؟

قال: تجمع الناس في صعيد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني.

ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثم رماه، وقال: بسم الله رب الغلام.

فوقع السهم في صدغه.

فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات.

فقال الناس: آمنا برب الغلام.

فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك هذا من الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخدود، وأضرمت فيها النيران وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فاقحموه فيها.

فكانوا يتقارعون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها صغير فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي: يا أمه اصبري فإنك على الحق» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ .

قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا (١) وقال مقاتل: مَا عَابوا منهم (٢) وقال أبو إسحاق: أي ما أنكروا عليهم ذنباً إلا إيمانهم (٣) ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ  ﴾ ، ﴿ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ  ﴾ وقد مر.

قوله (عز وجل) (٤) ﴿ وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ (٥) أي من فعلهم بالمؤمنين شهود، لم يخف عليه ما صنعوا.

ثم أعلم مَا أعد لأولئك فقال: (١) "معالم التنزيل" 4/ 470، "لباب التأويل" 4/ 367.

(٢) "معالم التنزيل" 4/ 470، وقد ورد بمعناه في تفسيره: 235/ ب، قال: أي ريبة رأوا منهم فأعذبهم.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 308.

(٤) ساقط من (ع).

(٥) ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ النار ذَاتِ الوقود ﴾ النار بدل من الأخدود، وهو بدل اشتمال، والوقود ما توقد به النار، والقصد وصف النار بالشدة والعظم ﴿ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴾ الضمير للكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود، وهم أصحاب الأخدود على الأظهر.

والعامل في ﴿ إذ ﴾ قوله: ﴿ قتل ﴾ فروي أن النار أحرقت من المؤمنين عشرين ألفاً، وقيل: سبعين ألفاً، فقتل على هذا بمعنى لعن أي لعنوا حين قعدوا على النار لتحريق المؤمنين، وروي أن الله بعث على المؤمنين ريحاً فقبضت أرواحهم وخرجت النار فأحرقت الكفار الذين كانوا عليها، فقتل على هذا بمعنى القتل الحقيقي أي قتلتهم النار؛ وقيل: الضمير في إذ هم للمؤمنين، والأول أشهر وأظهر لقوله: ﴿ وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الشهادة أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه فعل ما أمره الملك من التحريق، أو يشهدون بذلك على أنفسهم يوم القيامة، أو يكون بمعنى الحضور أي كانوا حاضرين على ذلك الفعل ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله ﴾ أي ما أنكر الكفار على المؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله، وهذا لا ينبغي أن ينكر.

فإن قيل: لم قال أن يؤمنوا بلفظ المضارع ولم يقل آمنوا بلفظ الماضي لأن القصة قد وقعت؟

فالجواب: أن التعذيب إنما كان على دوامهم على الإيمان، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوهم، فلذلك ذكره بلفظ المستقبل فكأنه قال: إلا أن يدوموا على الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت ﴿ المجيد ﴾ بالجر صفة للعرش: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الآخرون: بالرفع خبراً بعد خبر ﴿ محفوظ ﴾ بالرفع صفة للقرآن: نافع.

الوقوف ﴿ البروج ﴾ ه لا ﴿ ألموعود ﴾ ه ﴿ ومشهود ﴾ ه ط بناء على أن جواب القسم محذوف وأن معنى قتل لعن وأصحاب الأخدود هم أهل الظلم، وإن جعل قتل بمعناه الأصلي وأصحاب الأخدود هم المظلومون صح جواباً للقسم بتقدير: لقد قتل ولا وقف على ﴿ الأخدود ﴾ لأن النار بدل اشتمال منه ﴿ الوقود ﴾ ه لا ﴿ قعود ﴾ ه لا ﴿ شهود ﴾ ه ط ﴿ الحميد ﴾ ه لا ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ط ﴿ الحريق ﴾ ه ط ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط إلا لمن جعل ﴿ إن بطش ربك ﴾ جواباً للقسم وسائر الوقوف ههنا لا بد منها لطول الكلام ﴿ لشديد ﴾ ه ك ﴿ ويعيد ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ الودود ﴾ ه لا ﴿ المجيد ﴾ ه لا ﴿ يريد ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام ﴿ الجنود ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ وثمود ﴾ ه ط للإضراب ﴿ تكذيب ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ محيط ﴾ ه ج ﴿ مجيد ﴾ ه لا ﴿ محفوظ ﴾ ه.

التفسير: لما أخبر في خاتمة السورة المتقدمة أن في الأمة مكذبين سلى نبيه  بأن سائر الأمم السالفة كانوا كذلك كأصحاب الأخدود وكفرعون وثمود.

أما البروج فأشهر الأقوال أنها الأقسام الاثنا عشر من الفلك الحمل والثور إلى آخرها.

وإنما أقسم بها لشرفها حيث نيط تغيرات العالم السفلي بحلول الكواكب فيها.

وقيل: هي منازل القمر الثمانية والعشرون.

وقيل: وقت انشقاق السماء وانفطارها وبطلان بروجها.

أما الشاهد والمشهود فأقوال المفسرين فيهما كثيرة، وقد ضبطها القفال بأن اشتقاقهما إما من الشهود الحضور، وإما من الشهادة والصلة محذوفة أي مشهود عليه أو به.

والاحتمال الأول فيه وجوه الأول: وهو مروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن بن عليّ وابن المسيب والنخعي والثوري، أن المشهود يوم القيامة والشاهد الجمع الذي يحضرون فيه من الملائكة والثقلين الأولين والآخرين لقوله ﴿ من مشهد يوم عظيم  ﴾ ﴿ ذلك ﴾ ﴿ يوم مجموع له الناس  ﴾ قال جار الله: وطريق تنكيرهما ما مرّ في قوله ﴿ علمت نفس ما أحضرت  ﴾ كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود.

ويجوز أن يكون للتعظيم أي شاهد ومشهود لا يكتنه وضفهما.

وإنما حسن القسم بيوم القيامة لأنه يوم الفصل والجزاء وتفرد الله بالحكم والقضاء.

الثاني وهو قول ابن عمر وابن الزبير أن المشهود يوم الجمعة وأن الشاهد الملائكة.

روى أبو الدرداء أن رسول الله  قال " "أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة " .

الثالث أنّه يوم عرفة والشاهد من يحضرة من الحجاج فقال الله  ﴿ يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم  ﴾ وحسن القسم به تعظيماً لأمر الحج.

يروى أنه  يقول للملائكة يوم عرفة " انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب على رأسه لما يرى في ذلك اليوم من نزول الرحمة" " الرابع أنه يوم النحر لأن أهل الدنيا يحضرون في ذلك اليوم بمنى والمزدلفة.

الخامس أنهما كل يوم فيه اجتماع عظيم للناس فيتناول الأقوال المذكورة كلها، والدليل عليه تنكيرهما لأن القصد لم يكن فيه إلى يوم بعينه.

والاحتمال الثاني فيه أيضاً وجوه أحدها: أن الشاهد هو الله  والمشهود به هو التوحيد لقوله ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو  ﴾ وثانيها الشاهد هو الأنبياء والمشهود عليه النبي  لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ وثالثها العكس لقوله ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ ورابعها الشاهد الحفظة والمشهود عليه المكلفون لقوله ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  ﴾ ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ وخامسها وهو قول عطاء الخراساني: الشاهد الجوارح والمشهود عليه الإنسان ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم  ﴾ وسادسها الشاهد والمشهود عيسى وأمته كقوله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم  ﴾ وسابعها أمة محمد  وسائر الأمم ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ وثامنها قال الإمام في تفسيره: الشاهد جميع الممكنات والمشهود له واجب الوجود أخذاً من قول الأصوليين إنه استدلال بالشاهد على الغائب.

وتاسعها الحجر الأسود والحجيج للحديث " الحجر الأسود يمين الله في أرضه يؤتى به يوم القيامة له عينان يبصر بهما يشهد على من زاره" أو لفظ هذا معناه.

وعاشرها الأيام والليالي وأعمال بني آدم كما روي عن الحسن: ما من يوم إلا وينادي إني يوم جديد وإني على ما تعمل فيّ شهيد.

أما جواب القسم فعن الأخفش أنه ﴿ قتل ﴾ واللام مقدّر والكلام على التقديم والتأخير أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج.

وعن ابن مسعود وقتادة واختاره الزجاج أن الجواب هو قوله ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ وقيل: إن الذين فتنوا وما بينهما اعتراض.

واختار الزمخشري وطائفة من المتقدمين أنه محذوف.

ثم اختلفوا فقال المتقدمون: المحذوف هو إن الأمر حق في الجزاء على الأعمال.

وقال في الكشاف: هو ما دل عليه قتل فكأنه أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن يقال فيهم قتلت قريش، أي لعنوا كما قتل أصحاب الأخدود وهو الخد أي الشق في الأرض يحفر مستطيلاً ونحوهما بناء.

ومعنى الخق والأخقوف بالخاء الفوقانية منه الحديث " فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان" " عني به فرس سراقة حين تبع رسول الله  بعد خروجه من الغار.

والمعتمد من قصص أصحاب الأخدود ما جاء في الصحاح عن النبي  أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه السحر.

وكان في طريق الغلام راهب يتكلم بالمواعظ لأجل الناس، فمال قلب الغلام إلى حديثه.

فرأى في طريقه ذات يوم دابة أوحية قد حبست الناس فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها بهذا الحجر فقتلها.

وكان الغلام بعد ذلك يتعلم من الراهب إلى أن صار بحيث يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الداء، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله: من ردّ عليك بصرك؟

فقال: ربي.

فغضب فعذبه فدل على الغلام، فعذب الغلام حتى دل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقدّ بالمنشار، وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قرقور وهي سفينة صغيرة فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا.

قوال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام.

ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام.

فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد في أفواه السكك، وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غميضة فصبرت واقتحمت.

وعن علي  أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس، وكان بعض ملوكهم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها فسكر فوقع على أخته، فلما صحا ندم وطلب المخرج فقال: إن المخرج أن تخطب الناس فتقول: إن الله عز وجل أحل لكم نكاح الأخوات ثم تخطبهم إن الله حرمه.

فخطب فلم يقبلوا منه قالت له: ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا.

فقالت: ابسط فيهم السيف فلم يقبلوا.

فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها.

وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد.

وقيل: سبعين ألفاً.

وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه اثنا عشر وقد أشار  إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله ﴿ ذات الوقود ﴾ أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس.

وهذه الروايات لا تعارض بينها ولا منافاة فيحتمل أن يكون الكل واقعاً والمجموع مراد الله أو بعضه هو أعلم به.

وعن النبي  أنه كان إذا وصل إلى ذكر أصحاب الأخدود قال: نعوذ بالله من جهد البلاء.

و ﴿ إذ ﴾ ظرف لقتل و ﴿ هم ﴾ عائد إلى الأصحاب و ﴿ قعود ﴾ جمع قاعد فإن كانوا مقتولين فمعنى قعودهم على النار إما أن يكون هو أن طرحوا عليها وقعدوا حواليها للإحراق وذلك أنهم كانوا يعرضون المؤمنين على النار فكل من ترك دينه تركوه ومن صبر على دينه ألقوه في النار، وإما أن يكون " على " بمعنى " عند " كقوله ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ أي عندي فالمراد بالقتل على هذا التفسير اللعن ويعضده قوله ﴿ وهم ﴾ أي الظالمون ﴿ على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ أي حضور، وفيه وصفهم بقسوة القلب، ووصف المؤمنين بالصلابة في دينهم حيث لم يلتفتوا إليهم وبقوا مصرين عل الحق، أو هو من الشهادة والمعنى أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهوداً يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به من التعذيب، ويجوز أن يراد شهادة جوارحهم على ذلك يوم القيامة.

ثم ذم أولئك الجبابرة بما في ضمنه مدح المؤمنين قائلاً ﴿ وما نقموا منه ﴾ أي وما عابوا وما أنكروا عليهم ﴿ إلا أن يؤمنوا ﴾ وإنما اختير بناء الاستقبال رمزاً إلى أنهم كانوا يطلبون منهم ترك الإيمان في المستقبل ولم يعذبوهم على الإيمان في الماضي أي عذبوهم على ثباتهم وصبرهم على إيمانهم بمن يستحق أن يؤمنوا به لكونه إلهاً قادراً لا يغالب بليغاً في الكمال بحيث استأهل الحمد كله مالكاً لجميع المخلوقات.

وفيه إشارة إلى أنه لو شاء لمنعهم عن ذلك التعذيب لكنه أخرهم إلى يوم الجزاء ودل عليه بقوله ﴿ والله على كل شيء شهيد ﴾ ثم عم الوعيد في آيتين أخريين والفتنة البلاء والإيذاء والإحراق.

وفي قوله ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ دلالة على أن توبة القاتل عمداً مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس.

وعذاب جهنم وعذاب الحريق أما متلازمان كقوله: إلى الملك القرم *** وابن الهمام والغرض التأكيد وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم، والثاني لأنهم فتنوا أهل الإيمان.

وجوز أن يكون الحريق في الدنيا لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.

ثم رغب ورهب بوجه آخر في آيات والبطش الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدّة كان نهاية.

ثم أكده بقوله ﴿ إنه هو يبدىء ﴾ البطش ﴿ ويعيد ﴾ أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة.

ويجوز أن يدل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه وقوته.

وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم كما بدأهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء وكذوبوا بالإعادة.

قال ابن عباس: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً ثم يعيدهم خلقاً جديداً فذلك قوله ﴿ هو يبدىء ويعيد ﴾ والودود بليغ الودادة والمراد به إيصال الثواب لأهل طاعته إلى الوجه الأتم فيكون كقوله ﴿ ويحبهم  ﴾ وإن شئت قلت: هو بمعنى مفعول فيكون كقوله ﴿ ويحبونه  ﴾ وقال القفال: ويكون بمعنى الحليم من قولهم " فرس ودود " وهو المطيع القياد.

قال في الكشاف ﴿ فعال ﴾ خبر مبتدأ محذوف.

قلت: الأصل عدم الإضمار فالأولى أن يكون خبراً آخر بعد الأخبار السابقة، ولعله حمله على ذلك كونه نكرة وما قبله معارف والعذر عنه من وجهين: أحدهما قطع النسق بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ ولا سيما عند من يجوّز ﴿ المجيد ﴾ صفة العرش.

والثاني تخصيص ﴿ فعال لما يريد ﴾ فإنه صيره مضارعاً للمضاف.

قال: وإنما قيل ﴿ فعال ﴾ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.

قلت: ويجوز أن يكون المعنى أن ما يريده فإنه يفعله ألبتة لا يصرفه عنه صارف.

ثم ذكرهم وسلى نبيه  بقصة ﴿ فرعون وثمود ﴾ من متأخري الكفار ومتقدميهم، والمراد بفرعون هو وجنوده.

ثم أضرب عن التذكير إلى التصريح بتكذيب كفار قريش والتنبيه على أنه محيط أي عالم بهم فيجازيهم، ويجوز أن يكون مثلاً لغاية اقتداره عليهم وأنهم في قبضة حكمه كالمحاط إذا أحيط به من روائه فسدّ عليه مسلكه بحيث لا يجد مهرباً.

ويجوز أن تكون الإحاطة بمعنى الإهلاك ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم  ﴾ ثم سلى رسول  بوجه آخر وهو أن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حد الإعجاز وهو مصون عن التغيير والتحريف بقوله ﴿ وإنا له لحافظون  ﴾ قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرأونه وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ ﴾ ، فقوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ ﴾ على القسم، وكذلك ما ذكر عقبيه.

ثم اختلف في موضع القسم في هذه السورة: فمنهم من ذكر أن القسم لمكان قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ﴾ .

ومنهم من يقول: القسم موضعه على قوله: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ  ﴾ ، وهو أشبه؛ لأنه في موضع الاحتجاج على الكفرة.

ولو حمل القسم على قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ﴾ ، كان ذلك منصرفا إلى المؤمنين، والمسلمون قد تيقنوا بصدق ما يأتي به الرسول من الأنباء، والقسم يذكر على تأكيد ما يقصد إليه؛ ليزال عنه الريب، فإذا كان المسلمون غير مرتابين من نبئه استغنوا عن تأكيده بالقسم؛ فلذلك قلنا: إن صرفه إلى قوله -  -: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ  ﴾ أليق؛ فيكون فيه تحذير لمن كذب رسوله  أن بطشه لمن كذب رسوله لشديد، وقد علموا ذلك بما وصل إليهم من نبأ عاد، وثمود، وفرعون، و غيرهم.

وجائز أن يكون موضع القسم على قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ﴾ ، وذلك أن أهل مكة كانوا أهل تعذيب، وصبر أولئك المعذبين على دينهم، وضنهم به، وحسن ثناء الله -  - عليهم تصبير لهم، وتهوين على ما يلقون من العذاب؛ لينالوا من حسن ثناء الله -  - عليهم ما ناله من صبر تقدمهم من السلف.

وكذلك ذكر سحرة فرعون، وأحسن الثناء عليهم بصبرهم على تعذيب فرعون، فقالوا: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ  ﴾ ؛ ليكون ذلك عونا لهم على الصبر بما يلقون من الكفرة من التعذيب، ثم أكد الأمر بالقسم؛ لأنه لا كل مسلم يبتلى بتعذيبهم يبلغ يقينه مبلغا لا يعتريه الشك، ولا يتخالجه شبهة في ذلك؛ فأكد الأمر بالقسم؛ لرفع الريب والإشكال.

وقال -  -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ  ﴾ ، وفي بعض القراءات (قتل معه ربيون كثير)، ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ  ﴾ ، فذكّر المؤمنين ما لقي السلف من الكفرة، وابتلوا بقتل الرسل وثباتهم على الدين؛ ليستعينوا به على ما يصيبهم في سبيل الله، ولا ينقلبوا على أعقابهم إذا أخبروا بقتل الرسول.

وفي ذكر هذه الأنباء دلالة أن قول الرسول -  - لعمار  : "إن عادوا فعد" حين أكره على إجراء كلمة الكفر على لسانه، فأجرى وقلبه مطمئن بالإيمان - ليس لعى الأمر به والإيجاب عليه، والتحصيل بطريق العزم؛ بل معناه: إن عادوا فلك العود؛ على سبيل الرخصة؛ لأنه لو كان على الأمر، لم يكن في ذكر نبأ أصحاب الأخدود وسحرة فرعون فائدة، سوى أن يترك العمل بهما، ومعلوم أن تلك الأنباء إنما ذكرت؛ ليعلم به لا ليترك بها العمل؛ لذلك حمل قوله: "فعد" على الرخصة، لا على الأمر به، ويكون المراد من قوله -  - أيضا: "من لم يقبل رخصنا كما يقبل عزائمنا فليس منا" ، أي: لم ير العمل به موسعا بل استنكره، وأبى قبوله، لا أن يكون فيه أمر بترك العزيمة وإيجاب العمل بالرخصة، والله أعلم.

ثم نرجع إلى قوله -  -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ ﴾ .

فقال بعضهم: هي البروج المعروفة وهي أطراف البناء، وإذا بني بناء اتخذ على طرفه برج؛ ليشدد بناؤه به.

ومنهم من قال: البروج: القصور.

ومنهم من قال: البروج: النجوم؛ لقوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ  ﴾ ، وزينة السماء هي الكواكب بقوله: ﴿ بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ  وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ  ﴾ .

ومنهم من قال: هي مجاري الشمس والقمر والكواكب، فمنازلها هي البروج.

ثم ذكر السماء بالبروج؛ ليعرف حدثها ودخولها تحت تدبير الغير؛ إذ ذكرها بالمنافع المجعولة فيها؛ ليعلم الخلق أنها سخرت للمنافع؛ فيعرفوا بها حدثها؛ إذ المسخر لمنافع الغير دخال تحت قدرة من سخره، والمقدور محدث، وهم لم يشهدوا بدأها؛ ليعرفوا به حثدها، ولا كل أحد يعرف حديثه الشيء؛ لكونه محدودا في نفسه إذا لم يشاهدوا بدأه، فذكرها حيث ذكرها بما فيها من المنافع المجعولة للخلق؛ إذ ذلك أظهر وجوه الدلالة على الحديثة؛ ليعلموا بها حدثها؛ ألا ترى إن إبراهيم -  - احتج على قومه بنفي الإلهية عن الكواكب بأفولها؛ إذ ذلك أظهر وجوه الحديثة، ولم يحتج عليها بانتقالها من موضع إلى موضع، ولا بكونها محدودة في نفسها؛ بل احتج عليهم بما ذكرنا؛ ليتحقق عندهم حدوثها ودخولها تحت سلطان الغير.

وقوله: ﴿ وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ ﴾ قيل: هو يوم القيامة؛ فسمي: موعودا؛ لما وعد من جميع الأولين والآخرين في ذلك اليوم، ثم أقسم بذلك اليوم وإن كانوا منكرين له؛ لما قرره عليهم بالحجج، وألزمهم القول به.

وقيل: اليوم الموعود، هو كل يوم يأتي، فيأتي بما عد فيه من الرزق وغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ اختلف في تأويله: فمنهم من قال: الشاهد هو الله  ، والمشهود هوالخلق، واستدل على ذلك بقوله: ﴿ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  ﴾ .

وقيل: الشاهد الرسول  ، والمشهود أمته؛ قال الله -  -: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ  ﴾ .

ومنهم من يقول: الشاهد هو الكاتبان اللذان يكتبان على بني آدم أعمالهم، والمشهود هو الإنسان الذي يكتب عليه.

ومنهم من يقول: الشاهد والمشهود هو الإنسان نفسه؛ أي: جعل عليه من نفسه شهودا بقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

ومنهم من يقول: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة؛ فسمي يوم الجمعة شاهدا؛ لأنه هو الذي يشهدهم ويأتيهم، وسمي يوم عرفة: مشهودا؛ لأن عرفة اسم مكان، والناس يأتونها ويشهدونها، ولا يأتيهم؛ فعظم شأن عرفة لما يعظمها أهل الأديان كلها، وعظم يوم الجمعة؛ لأنه يوم عيد المسلمين، ولكل أهل دين يوم يعظمونه، فأكرم الله -  - المؤمنين بهذا اليوم؛ ليعظموه مكان اليوم الذي يعظمه غيرهم من أهل الأديان، فأقسم بهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ﴾ ا ختلف في تأويله: فمنهم من صرفه إلى المعَذَّبين.

ومنهم من صرفه إلى المعَذِّبين.

فمن صرف إلى المعذِّبين حمل قوله: ﴿ قُتِلَ ﴾ على اللعن؛ أي: لعنوا؛ كقوله  : ﴿ قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ  ﴾ ، أي: لعنوا.

ومن صرفه [إلى] الذين عذبوا، حمله على القتل المعروف.

ثم اختلف في قصة أولئك الذين عذبوا؛ فإن كان القسم في الكفرة، فما ينبغي أن يفسر على وجه من ذلك ما لم يتواتر فيه الخبر عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، بل حقه أن يقتصر على ما جاء به الكتاب؛ لأن هذه الأناء حجة لرسالة نبيه -  - لأنهم وجدوها موافقة للأنباء المذكورة في كتبهم، وقد علموا أنه لم يصل إلى تعرفها إلا بالله  ؛ إذ لم يروه يختلف إلى من عنده علم الأنباء؛ ليصل إلى معرفتها بهم، فإذا فسرت على وجه أمكن أن يقع فيها زيادة أو نقصان على ما ذكر في الكتاب؛ فيجدوا به موضع الطعن والقدح؛ لذلك لم يسع أن يزاد على القدر الذي جرى ذكره في الكتاب إلا من الوجه الذي ذكرنا.

وإن كان القسم في المؤمنين، وسع القول بحمل التأويلات التي ذكرها أصحاب التفسير؛ لارتفاع المعنى الذي ذكرنا في الكفرة، والله أعلم.

[ثم في ذكر هذه الأنباء] تقرير رسالته ونبوته -  - عند الكفرة؛ لما ذكرنا أنه لم يختلف، إلى من عنده علم هذه الأنباء؛ ليعلم بها، فإذا أنبأهم [بها] على وجهها، تيقنوا أنه بالله  علم.

وفيه تصبير لرسول الله  ، وتخفيف الأمر عليه؛ لأنه يخبره أن قومك ليسوا بأول من آذوك وعاندوك، بل لم يزل سلفهم تلك عادتهم بأهل الإسلام.

وفادئة أخرى: ما ذكرنا أن في ذكره بعض ما يستعين به من ابتلي بأذى الكفرة.

وفيه أن أولئك الكفرة بلغ من ضنهم بدينهم ما يقاتلون عليه من أظهر مخالفتهم في الدين؛ ليعلموا أن القتال لمكان الدين ليس بأمر شاق خارج من الطباع؛ بل الطباع جبلت على القتال مع من عاداهم في الدين؛ فيكون فيه ترغيب للمسلمين على القتال مع الكفرة إذا امتحنوا به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ ﴾ منه من جعل الوقود من ألقي فيها من المؤمنين.

ومنهم من جعل الوقود صفة تلك النار التي عذبوا بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴾ ، أي: عظماؤهم وكبراؤهم جلوس عند الأخدود؛ ففيه أتباعهم هم الذين كانوا يتولون إلقاء المؤمنين في النار، وكبراؤهم جلوس هنالك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الشهود هم العظماء والفراعنة.

أو يكون منصرفا إلى الأتباع، وهو أن الأتباع كانوا يلقون المؤمنين في النار، ويشهدون أنهم على الضلال، وأنهم ورؤساؤهم على الهدى والحق، وهو كما قال في موضع آخر: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ : ذكر ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ ليعلم أنه لا يلحقه ذل بما يحل من الذل بأوليائه وأهل طاعته، ولا في حمده قصور بقهر أوليائه، خلافا لما عليه ملوك الدنيا، وذلك أن ملوك الدنيا إذا حل بأولياء واحد منهم ذل، كان الذل حالا فيه أيضا، وإذا قهر بعض أتباعه فترك نصرهم وهو قادر على نصرهم واستنقاذهم لم يحمد ذلك مه، ولحقته المذمة؛ وذلك لأن الملك إنما استفاد العز بأتباعه وأنصاره، فإذا استذل أتباعه، زال ما به نال العز؛ فلحقه الذل، ونال الحمد - أيضا - بالإحسان إلى مملكته، فإذا ترك نصرهم وهو ممكن من ذلك، فقد ترك إحسانه إليهم؛ فصار به غير ممدوح و لامحمود، والله -  - استحق العز والحمد بذاته لا بأحد من خلائقه؛ فلم يكن في إذلال أوليائه ما يوجب النقص في وصف الحمد، ولا ما يوجب قصورا في العز.

والثاني: [أن] الدنيا وما فيها أنشئت للأهلاك، ولعل الإهلاك بما ذكر أيسر عليهم من هلاكهم حتف أنفهم، وكان في ذلك النوع من الهلاك نيل درجة الشهداء، وهي التي ذكرها الله -  - في قوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ...

 ﴾ ، ولا ينال تلك الدرجة بموتهم حتف أنفهم، فهذا أبلغ نصرا منه إياهم.

ثم للجزاء والعقاب دار أخرى فيها يظهر تعزيز الأولياء وقمع الأعداء؛ فلم يكن [في] ترك النصر في الدنيا ما يوجب وها ولا ذلا، وأما ملوك الدنيا إذا تركوا نصرهم وقت ملكهم لأوليائهم، لم يتوقع منهم النصر بعد ذلك؛ إذ ليست في أيديهمه إلا المنافع الحاضرة؛ لذلك لحقتهم المذمة بترك النصر، والله أعلم.

ثم ليس في إهلاك أولئك القوم الذين آمنوا واقتدارهم عليهم إيهام أنهم كانوا على الحق والصواب، وأن المؤمنين كانوا على الخطأ؛ لأن الإهلاك إنما يصير آية إذا كان على خلاف المعتاد، وإهلاكهم لم يكن كذلك؛ لأن عددهم كان كثيرا، وكان في المؤمنين قلة، وإهلاك الكثير للقليل غير مستبعد؛ بل هو أمر معتاد، وغلبة الفئة القليلة الفئة الكثيرة هي التي تخرج من حد الاعتياد؛ فيكون فيها آية: أن الفئة القليلة على الحق والأخرى على الباطل، وذلك نحو غلبة رسول الله  يوم بدر بمن معه من المسلمين مع قلة أعدادهم وضعفهم في أنفسهم، وكثرة أتباع الكفرة وقوتهم وجلادتهم في أنفسهم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ ، أي: لم يكن من المؤمنين بمكانهم جرم لينتقم منهم بالإحراق سوى أن آمنوا بالله  .

وقيل: ما عابوا عليهم، وما أنكروا منهم سوى أن آمنوا بالله  ، وفي هذا تبيين سفههم وعتوهم؛ لأنهم علموا أن مالهم من النعم كلها من الله  ، وكن الذي يحق عليهم أن يؤمنوا بالله -  - ويشكروه بما خولهم من النعم، ويدعوا غيرهم إلى الإيمان به، لا أن يقتلوا ويعذبا من آمن به.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ العزيز: هو الذي لا وجود له، أو هو عزيز لا يلحقه ذل؛ فيكون العز مقابل الذل.

وقال أهل التفسير: العزيز: المنيع، والعزيز هو الذي لا يعجزه شيء، وهو الحميد المستوجب للحمد من كل أحد بذاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ \[الآية\].

ذكر هذا؛ ليعلم أنه لا يدخل في ملكه قصور بقتل أوليائه وأنصار دينه؛ لأن الخلق كلهم عبيد لله -  - وإماؤه، والسيد إذا قتل بعض مماليكه بعضا، لم يلحق السيد بذلك ذل ولا نقص، وإما يدخل عليه الذل إذا قتلهم غير مماليكه، فإذا كان الخلق بأجمعهم عبيداً لله -  - لم يكن في قتل بعض بعضا نقص يدخل في ملكه.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ، أي: يحفظ عليهم أعمالهم؛ فيجازيهم بها، لا يعزب عنه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ القتنة: المحنة، وهي مأخوذة من فتن الذهب إذا أذابه؛ لأنه يذيبه؛ ليميز به بين ما خبث منه وبين ما صفا، وبين الذهب وبين ما ليس بذهب؛ فاستعملت في موضع المحنة؛ لأن المحنة هي الابتلاء؛ ليتبين بها الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، وذلك يكون بالأمر والنهي؛ فسمي الأمر والنهي من الله -  - امتحانا لهذا، وإن كان الله -  - لا يخفى عليه شيء.

ثم وجه فتنتهم: أنهم اتخذوا الأخاديد وأوقدوا فيها النيران؛ ليلقوا فيها من ثبت على الإيمان ودام عليه، ويتركوا إلقاء من رجع عن دينه، فقيل: فتنوا؛ لهذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ ﴾ : فيه أنهم لو تابوا لكان يعفى عنهم، ولا يعاقبون مع عظم جرمهم بربهم في ذات الله -  - فيكون فيه إظهار كرمه وعطفه على خلقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ ﴾ : منهم من صرف قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ ﴾ إلى الدنيا، فقال بأن تلك النار التي عذبوا بها المؤمنين سلطت عليم حتى أحرقتهم.

وجائز أن يكون ذلك في جهنم أيضا؛ فيكون فيه إخبار [بأن] نار جهنم تدوم عليهم بالإحراق، ولا تفتر عنهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : منهم من صرف هذا الخطاب إلى الذين عذبوا من المؤمنين.

ومنهم من صرفه إلى المعذبين، وهو أنهم لو آمنوا مع عظم جرمهم وإساءتهم بأولياء الله -  - لكان يعفو عنهم، وتسعهم رحمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ فقوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من تحت أهلها.

والثاني: من تحت أشجارها.

والجنة: اسم للمكان الذي في الأشجار الملتفة؛ فيخبر أن الماء يجري من تحت ما به صار جنة هي الأشجار، وليس يراد بقوله: تحت الجنة، أي: تحت تربتها؛ لأن تحتها تكون قناة أو بئرا، وليس بهما كثير نزهة.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ الفائد هو الذي يظفر بما يأمل، وينجو عما يخاف، ويحذر، ووصف أه كبير؛ لأنه ليس لما أنعم زوال ولا انقطاع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما علي هؤلاء الكفار على المؤمنين شيئًا إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، المحمود في كل شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.9oAy7"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(البروج): جمع برج، يطلق في اللغة على الحصن وعلى القصر، وعلى البروج الاثني عشر التي ترى صورها في الأشكال الحاصلة من اجتماع بعض الكواكب على نسب خاصة، وتنتقل فيها الشمس في ظاهرة الرؤية، وهي ستة في شمال خط الاستواء وستة أخرى في جنوبه، فأما التي في شماله فهي: الحمل والثور والجوزاء، وهذه الثلاثة تقطعها الشمس في ثلاثة أشهر، وهي فصل الربيع: أوله عندما تكون الشمس في الحمل في ٢٠ مارس، أو ٢١ مارس، أو ١٢ برهمات، أو ١٣ برهمات، وتنتهي عمدما تكون في آخر الجوزاء في ٢٠ أو ٢١ يونيه، و١٤ بؤنة ثم تبتدئ أشهر الصيف من ٢١ أو ٢٢ يونيه عندما تدخل الشمس في برج السرطان، ثم تنتقل إلى الأسد، ومن الأسد إلى السنبلة، وتكون في نهاية هذا البرج في ٢٢ سبتمبر وهو آخر فصل الصيف، وبالسنبلة تتم الستة الشمالية.

وأول لستة الجنوبية برج الميزان، وبحلول الشمس فيه يبتدئ الخريف في ٢٣ أو ٢٤ سبتمبر و١٤ توت، ثم تنتقل منه إلى العقرب، ومن العقرب إلى القوس، وفي نهايته ينتهي الخريف، ويبتدئ الشتاء عند حلول الشمس في برج الجدي في ٢٢ أو ٢٣ ديسمبر و١٣ أو ١٤ كيهك، ثم تصعد منه إلى الدلو ومن الدلو إلى الحوت، وهو آخر البروج الجنوبية، وفي نهايته ينتهي الشتاء.

ويبتدئ الربيع الثاني عند حلول الشمس في الحمل مرة ثانية وهكذا.

وقد فسرت البروج في الآية بالنجوم، وبالبروج المذكورة، وبالقصور على التشبيه.

ولا ريب في أن النجوم أبنية فخيمة عظيمة، فيصح إطلاق البروج عليها تشبيهًا لها بما يبنى من الحصون والقصور في الأرض، (واليوم الموعود) هو يوم القيامة لأن الله وعد به ولما نصل إليه..

(والشاهد والمشهود) كل ما له حس يشهد به، وكل محس يشهد بالحس، كما هو حقيقة معنى اللفظ.

أقسم سبحانه أولًا بما فيه غيب وشهود، وهو السماء ذات البروج: فإن كواكبها مشهود نورها، مرئي ضوؤها، معروفة حركاتها في طلوعها ومغيبها بحس البصر.

(والسماء) ما علاك مما تسميه بهذا الاسم، وفيه البروج تشاهدها، ولكن فيها غيب لا تعرفه بالحس، وهو حقيقة الكواكب، وما أودع الله فيها من القوى، وما أسكنها من الملك أو غيره.

كل ذلك غيب لا تدركه حواسنا، وإن وصل إلى الاعتقاد بشيء منه عقلنا.

ثم اقسم -جل شأنه- بما هو غيب صرف، وهو اليوم الموعود، لأنه أخبرنا بأنه سيكون، وعما يكون فيه من حوادث البعث والحساب والعقاب والثواب، ولكن شيئًا من ذلك لا يمكن أن نشهده في حياتنا هذه.

وبعد ذلك أقسم بما هو شهادة صرفة، وهو الشاهد: أي صاحب الحس، فإنه مرئي، والمشهود هو ما وقع عليه الحس.

فكأنه -جل شأنه- أقسم بالعوالم كلها -مع هذا التقسيم البديع- ليلفتك إلى ما فيها من العظم والفخامة لتعتبر بما حضرك، وتبذل الوسع في درك ما استتر عمك، وتستعد لما يستقبلك.

روي عن الحسن في تفسير قوله ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ  ﴾ ، أنه قال "ما من يوم إلا وينادي: إني يوم جديد، وإني على ما يعمل في شهيد.

فاغتنمني، فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة".

أما المقسم عليه فمحذوف دل عليه ما ذكره في قوله ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ  ﴾ إلخ وحذفه لطوله مع تبادره للذهن عند أهل اللسان، فكأنه قال: أقسم بهذا الكون العظيم، وبذلك اليوم الذي يهلك فيه ما يهلك ويقوم الناس لرب العالمين -لقد ابتلى من قبلكم من المؤمنين الموحدين ببطش أعدائهم، واشتدادهم في إيذائهم، حتى خدوا لهم الأخاديد، وملأوها بالنيران، وقذفوهم فيها، ولم تأخذهم بهم رأفة، بل كانوا يتشفون برؤية ما يحل بالمؤمنين.

وأقسم: لقد صبروا، ولقد انتقم الله ممن أوقع بهم، وأخذه بذنبه أخذ العزيز المقتدر.

ولئن صبرتم ليوفينكم أجركم، وليأخذن الله أعداءكم، ولينزلن بهم من بطشه ما لا قبل لهم به- فهذا كله قد فهم من الآيات الآتية جوابًا للقسم.

وقد أقام مقام الجواب حكاية مثل الماضين، ووعيده للكافرين، ووعده للصالحين، وما بعد ذلك تثبيتًا لقلوب المؤمنين، وحملًا لهم على الصبر والمجاهدة في سبيله.

(الأخدود): الخد في الأرض، وهو الشق، وقتل أصحابه: أي أخذوا بذنوبهم ونزل بهم نكال الدنيا وعذاب الآخرة.

وأصحاب الأخدود، قوم كافرون، ذوو بأس وقوة، أصابوا قومًا مؤمنين غاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر، وأكرهوهم أن يرتدوا إليه، فأبوا فشقوا لهم شقًا في الأرض، وحشوه بالنار وجاءوا بالمؤمنين واحدًا واحدًا وألقوهم في النار، وهؤلاء القساة قعود على جوانب الشق حول النار يشاهدون احتراق الأجساد الحية وما تفعل بها النيران.

فقوله (النار) بدلًا من الأخدود: أي أن أصحاب الأخدود، هم أصحاب النار ذات الوقود، أي الشديدة لها من الحطب الكثير ما يشتد به لهبها.

(والقعود) جمع قاعد: أي قاعدون حولها ينظرون إلى ما يصلاه المؤمنون، لا يغمضون جفنًا ولا يصرفون نظرًا، حتى كأنهم يريدون أن يستثبتوا في أذهانهم أطوار العذاب ووقائعه ليؤدوا به شهادة، وذلك منتهى القسوة (وما نقموا منهم) أي ما عابوا عليهم، ولا كان للمؤمنين ذنب إليهم سوى أنهم آمنوا بالله (العزيز)، الذي لا تغلب قوته، ولا يفلت أحد من قدرته (الحميد)، الذي يحمد على كل حال، وكل فعاله حسان، حتى لو أصابك، وأنت مؤمن به -ما ظاهره النقمة، فهو: إما تهذيب لك ليربيك بالصبر، أو ابتلاء لقلبك ليعظم لك فيه الأجر.

أما تعيين أصحاب الأخدود، وأنى كانوا، ومن هم أولئك المؤمنون، وأين كان منزلهم من الأرض؟

فقد كثرت فيه الروايات.

والأشهر أن المؤمنين كانوا نصارى نجران عندما كان دينهم دين توحيد ليس فيه حدث ولا بدعة.

وأن الكافرين كانوا أمراء اليمن أو اليهود الذين لا يبعدون عن هؤلاء في حقيقة الوثنية.

غير أن المؤمن لا يحتاج في الاعتبار وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم والجهة -وخاصة الدين الذي كان عليه أولئك أو هؤلاء- حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات.

وإنما الذي عليه: هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولًا.

ولو علم الله خيرًا في أكثر من ذلك لتفضل علينا به.

وقال ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ ليدل على أنه لا مفر لأولئك الظالمين من سلطانه.

وقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  ﴾ ليقرر أنه عليم بكل ما يكون من خلقه، فلا تخفى عليه خافية من أفعالهم، وهومجازيهم عليها.

(فتنوا المؤمنين) أي بلوهم بالأذى، وامتحنوهم بالتعذيب ليردوهم عن دينهم.

(ولهم عذاب الحريق) معطوف على قوله: (فلهم عذاب جهنم) عطف التفسير والتوضيح مع التأكد وزيادة التهويل كما تقول -لمن قرف ذنبًا- ستلقى ما يستحقه جرمك، وستلقى حبسًا في السجن وغلًا بالحديد.

فالعذاب الذي أُعد لهم في جهنم هو عذاب الحريق.

والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يكفوا عن إيذائهم، وثبتوا على كفرهم وعنادهم، حتى أخذهم الموت، وأوعدهم الله أن يعذبهم في جهنم بالحريق: هم الضالون من كل قوم، الذين يؤذون أهل الحق والدعاة إليه من كل أمة، حرصًا على ما ألفوا من الباطل، وتشيعًا للذي وجدوا عليه أنفسهم وآباءهم الأقربين على غير بصيرة ولا استشارة للعقل الصحيح.

(البطش): الأخذ بالعنف.

وقوله: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ  ﴾ إلخ، تعظيم لأمر الله، جل ذكره، بما فيه وعيد لأعدائه وتعزية لأوليائه.

فذكر شدة بطشه ليرهب قريشًا ومن معها ويعزي النبي  ومن معه، وبرهن على سعة القدرة بقوله إنه هو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده، وهو في كل يوم يبتدئ خلقًا من نبات وحيوان وغيرهما، ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى.

ثم هو يعيد الناس في اليوم الآخر على النحو الذي يعلمه، ثم هو الغفور لمن يرجع إليه بالتوبة.

وهو الودود لمن خلصت نفسه له بالمحبة.

و(ذو العرش) أي صاحب العظمة والسلطان.

و(المجيد) السامي الرفيع.

وأصل المجد في كلام العرب: الشرف الواسع.

(فعال) خبر لمبتدأ محذوف، وهو من صيغ المبالغة أي إنه كثير الفعل لما يريده، فلا يريد شيئًا إلا فعله طبق إرادته.

فإذا أراد إهلاك الجاحدين المماحكين، ونصر أهل الحق الصادقين، لم يعجزه ذلك.

وأين هؤلاء ممن سبقهم ممن كانوا أضل منهم، وأشد قوة.

(هل أتاك حديث الجنود) أي هل بلغك قصص أولئك الجنود، وأولي البأس من الأشداء الأقوياء، مثل فرعون وقومه وثمود وأبطالها؟

فقد كانوا أشد بأسًا وأعظم قوة من قومك، ومع ذلك فقد أخذهم الله بذنوبهم -وهكذا كل من تعلق بالباطل سقط به الباطل في الدمار.

وثمود قبيلة عظيمة من بائدة العرب لا يعرف من أخبارها -على الحقيقة- إلا ما قص الله علينا منها.

وقد أرسل الله إليها نبيه صالحًا فكفرت به، واستمرت في تمردها على الحق والعدل حتى أهلكها الله بظلمها.

فقوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ  ﴾ استئناف قول في ذكر عبر ماضية لو نظر فيها العاقل لاهتدى إلى سنن الله في خلقه.

فهل نظر منكرو أمره  في سير من قبلهم، والتفتوا ببصائرهم إلى حال من تقدمهم، ثم أقبلوا على ما يذكرهم به، فإن وجدوا خيرًا قبلوه وإن وجدوا شرًا نبذوه؟

لا.

لم يكن منهم شيء من ذلك بل انحصر أمر أولئك الذين كفروا في التكذيب، أي أنهم غرقوا في شهوة التكذيب فغمرهم التكذيب، والولوع به حتى لم يدع لعقلهم مجالًا لنظر، او متسعًا لتدبر، ولا يزالون في تلك الغمرة حتى يؤخذوا على غرة.

﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ  ﴾ تميل لحالهم مع القهر الإلهي، وأنهم في قبضة العزة لا يفلتون منها ولا يفوتون الله ولا يعجزونه، كما لا يفوت الشيء ما يحيط به.

﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ  ﴾ : أي شريف، رفعه على غيره علو أسلوبه، وخلوص ما فيه للحق الذي لا يشوبه باطل.

وإتيانه بالجملة مصحوبة بحرف الإضراب يشير إلى ما أشعر به استغراقهم في التكذيب من التماسهم العذر في عدم الإيمان به من أنه أساطير الأولين، وأن ما جاء به بدعة في الدين لم يعرفها آباؤهم السابقون.

فدفع ذلك بقوله: بل هو، إلخ.

(واللوح المحفوظ): شيء أخبر الله به، وأنه أودعه كتابه ولم يعرفنا حقيقته.

فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود، وأن الله قد حفظ فيه كتابه إيمانًا بالغيب.

وأما دعوى أنه جرم مخصوص في سماء معينة، ووصفه بما جاء في روايات مختلفة، هو مما لم يثبت عن المعصوم بالتواتر، فلا ينبغي أن يدخل في عقائد أهل اليقين من المؤمنين.

وما أجدرنا -لو أردنا التأويل- بأن نأخذ بما قيل من أن اللوح المحفوظ، هو لوح الوجود الحق، ومعاني القرآن وقضاياه الشريفة: لما كانت لا يأتيها الباطل ولا يدانيها الخطأ، كانت ثابتة في لوح الواقع المحفوظ الذي لا حق إلا ما وافقه، ولا باطل إلا ما خالفه، ولا باقي إلا ما رسم فيه، ولا ضائع إلا ما لم يتطبق عليه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد