الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٧ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 146 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
سبب نزول هذه الآيات الكريمات : أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له : " أبو عامر الراهب " ، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب ، وكان فيه عبادة في الجاهلية ، وله شرف في الخزرج كبير .
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة ، واجتمع المسلمون عليه ، وصارت للإسلام كلمة عالية ، وأظهرهم الله يوم بدر ، شرق اللعين أبو عامر بريقه ، وبارز بالعداوة ، وظاهر بها ، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام أحد ، فكان من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم الله ، وكانت العاقبة للمتقين .
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصيب ذلك اليوم ، فجرح في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى ، وشج رأسه ، صلوات الله وسلامه عليه .
وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار ، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته ، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله ، ونالوا منه وسبوه .
فرجع وهو يقول : والله لقد أصاب قومي بعدي شر .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره ، وقرأ عليه من القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا ، فنالته هذه الدعوة .
وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ، ورأى أمر الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه في ارتفاع وظهور ، ذهب إلىهرقل ، ملك الروم ، يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم ، فوعده ومناه ، وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه ، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك ، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ، ليحتجوا بصلاته ، عليه السلام ، فيه على تقريره وإثباته ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية ، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال : " إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله " .
فلما قفل ، عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضرار ، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء ، الذي أسس من أول يوم على التقوى .
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا [ وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ] ) وهم أناس من الأنصار ، ابتنوا مسجدا ، فقال لهم أبو عامر ، ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح ، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم ، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدا وأصحابه .
فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا ، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة .
فأنزل الله ، عز وجل : ( لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ) إلى ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) .
وكذا روي عن سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعروة بن الزبير ، وقتادة وغير واحد من العلماء .
وقال محمد بن إسحاق بن يسار ، عن الزهري ، ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبي بكر ، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم ، قالوا : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني : من تبوك - حتى نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ، والليلة المطيرة ، والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه .
فقال : " إني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه " .
فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن عدي - أو : أخاه عامر بن عدي - أخا بلعجلان فقال : " انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدماه وحرقاه " .
فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدخشم ، فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي .
فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل ، فأشعل فيه نارا ، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله ، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه .
ونزل فيهم من القرآن ما نزل : ( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ) إلى آخر القصة .
وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا خذام بن خالد ، من بني عبيد بن زيد ، أحد بني عمرو بن عوف ، ومن داره أخرج مسجد الشقاق ، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وهو إلى بني أمية بن زيد ، ومعتب بن قشير ، من [ بني ] ضبيعة بن زيد ، وأبو حبيبة بن الأذعر ، من بني ضبيعة بن زيد ، وعباد بن حنيف ، أخو سهل بن حنيف ، من بني عمرو بن عوف ، وجارية بن عامر ، وابناه : مجمع بن جارية ، وزيد بن جارية ونبتل [ بن ] الحارث ، وهم من بني ضبيعة ، وبحزج وهو من بني ضبيعة ، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة ، [ ووديعة بن ثابت ، وهو إلى بني أمية ] رهط أبي لبابة بن عبد المنذر .
وقوله : ( وليحلفن ) أي : الذين بنوه ( إن أردنا إلا الحسنى ) أي : ما أردناه ببنيانه إلا خيرا ورفقا بالناس ، قال الله تعالى : ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) أي : فيما قصدوا وفيما نووا ، وإنما بنوه ضرارا لمسجد قباء ، وكفرا بالله ، وتفريقا بين المؤمنين ، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ، وهو أبو عامر الفاسق ، الذي يقال له : " الراهب " لعنه الله .
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين ابتنوا مسجدًا ضرارًا, وهم، فيما ذكر، اثنا عشر نفسًا من الأنصار.
* ذكر من قال ذلك: 17186- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن الزهريّ، ويزيد بن رومان, وعبد الله بن أبي بكر, وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم = يعني: من تبوك = حتى نـزل بذي أوان = بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار.
وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهّز إلى تبوك, فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلّة والحاجة والليلة المطِيرة والليلة الشاتية, وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه !
فقال: إني على جناح سفر وحال شُغْلٍ = أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم = ولو قَدْ قَدمنا أتيناكم إن شاء الله، فصلَّينا لكم فيه.
فلما نـزل بذي أوان، أتاه خبرُ المسجد, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدُّخْشُم، أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي = أو أخاه: عاصم بن عدي = أخا بني العجلان فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه !
فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف, وهم رهط مالك بن الدخشم, فقال مالك لمعن: أنْظِرني حتى أخرج إليك بنارٍ من أهلي !
فدخل [إلى] أهله، فأخذ سَعفًا من النخل, فأشعل فيه نارًا, ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله, فحرّقاه وهدماه, وتفرقوا عنه.
ونـزل فيهم من القرآن ما نـزل: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، إلى آخر القصة.
وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا خِذَام بن خالد، من بني عبيد بن زيد، (1) أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق = وثعلبة بن حاطب، من بني عبيد، وهو إلى بني أمية بن زيد = ومعتب بن قشير، من بني ضبيعة بن زيد = وأبو حبيبة بن الأزعر، من بني ضبيعة بن زيد = وعباد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف، من بني عمرو بن عوف = وجارية بن عامر، وابناه: مجمع بن جارية, وزيد بن جارية, ونبتل بن الحارث، وهم من بني ضبيعة = وبَحْزَج، (2) وهو إلى بني ضبيعة = وبجاد بن عثمان، وهو من بني ضبيعة = ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أمية، رهط أبي لبابة بن عبد المنذر.
(3) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: والذين ابتنوا مسجدًا ضرارًا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرًا بالله لمحادّتهم بذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ويفرِّقوا به المؤمنين، ليصلي فيه بعضهم دون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعضهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا =(وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، يقول: وإعدادًا له, لأبي عامر الكافر الذي خالف الله ورسوله, وكفر بهما، وقاتل رسول الله =(من قبل)، يعني من قبل بنائهم ذلك المسجد.
وذلك أن أبا عامر هو الذي كان حزَّب الأحزاب = يعني: حزّب الأحزاب لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم = فلما خذله الله, لحق بالروم يطلب النَّصْر من ملكهم على نبي الله, وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار (4) يأمرهم ببناء المسجد الذي كانوا بنوه، فيما ذكر عنه، ليصلي فيه، فيما يزعم، إذا رجع إليهم.
ففعلوا ذلك.
وهذا معنى قول الله جل ثناؤه: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل).
=(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى)، يقول جل ثناؤه: وليحلفن بانوه: " إن أردنا إلا الحسنى "، ببنائناه، إلا الرفق بالمسلمين، والمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة ومن عجز عن المصير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه، (5) وتلك هي الفعلة الحسنة =(والله يشهد إنهم لكاذبون)، في حلفهم ذلك, وقيلهم: " ما بنيناه إلا ونحن نريد الحسنى!"، ولكنهم بنوه يريدون ببنائه السُّوآى، ضرارًا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرًا بالله، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لأبي عامر الفاسق.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 17187- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن ابن عباس قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا)، وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا, فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم, واستعدُّوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح, فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدًا وأصحابه !
فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا, فنحبُّ أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة!
فأنـزل الله فيه: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ، إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .
17188- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين)، قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قُباء, خرج رجالٌ من الأنصار، منهم: بحزج، (6) جدُّ عبد الله بن حنيف, (7) ووديعة بن حزام, ومجمع بن جارية الأنصاري, فبَنوا مسجد النفاق, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبحزج (8) ويلك!
ما أردت إلى ما أرى!
فقال: يا رسول الله, والله ما أردت إلا الحسنى !
وهو كاذب، فصدَّقه رسول الله وأراد أن يعذِره, فأنـزل الله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله)، يعني رجلا منهم يقال له " أبو عامر " كان محاربًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان قد انطلق إلى هرقل, فكانوا يرصدون [إذا قدم] أبو عامر أن يصلي فيه, (9) وكان قد خرج من المدينة محاربًا لله ولرسوله =(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون).
17189- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، قال: أبو عامر الراهب، انطلق إلى قيصر, فقالوا: " إذا جاء يصلي فيه "، كانوا يرون أنه سيظهر على محمد صلى الله عليه وسلم.
17190- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا )، قال المنافقون =(لمن حارب الله ورسوله)، لأبي عامر الراهب.
17191- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
17192-......
قال، حدثنا أبو إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين)، قال: نـزلت في المنافقين = وقوله: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، قال: هو أبو عامر الراهب.
17193- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.
17194- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن سعيد بن جبير: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، قال: هم بنو غنم بن عوف.
17195- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن سعيد بن جبير: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، قال: هم حيّ يقال لهم: " بنو غنم ".
17196- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، قال: هم حي يقال لهم: " بنو غنم " = قال أخبرنا معمر, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة قالت: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله)، أبو عامر الراهب انطلق إلى الشأم, فقال الذين بنوا مسجد الضرار: إنما بنيناه ليصلي فيه أبو عامر.
17197- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا)، الآية, عمد ناسٌ من أهل النفاق, فابتنوا مسجدًا بقباء، ليضاهوا به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم بعثوا إلى رسول الله ليصلِّي فيه.
ذكر لنا أنه دعا بقميصه ليأتيهم، حتى أطلعه الله على ذلك = وأما قوله: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله)، فإنه كان رجلا يقال له: " أبو عامر ", فرّ من المسلمين فلحق بالمشركين، فقتلوه بإسلامه.
(10) قال: إذا جاء صلى فيه, فأنـزل الله: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ، الآية.
17198- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، هم ناس من المنافقين، بنوا مسجدًا بقباء يُضارُّون به نبيّ الله والمسلمين =(وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله)، كانوا يقولون: إذا رجع أبو عامر من عند قيصر من الروم صلى فيه!
وكانوا يقولون: إذا قدم ظهر على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.
17199- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، قال: مسجد قباء, كانوا يصلون فيه كلهم.
وكان رجل من رؤساء المنافقين يقال له: " أبو عامر "، أبو: " حنظلة غسيل الملائكة "، و " صيفي", [واحق].
(11) وكان هؤلاء الثلاثة من خيار المسلمين، فخرج أبو عامر هاربًا هو وابن عبد ياليل، من ثقيف، (12) وعلقمة بن علاثة، من قيس، من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لحقوا بصاحب الروم.
فأما علقمة وابن عبد ياليل، (13) فرجعا فبايعا النبي صلى الله عليه وسلم وأسلما.
وأما أبو عامر، فتنصر وأقام.
قال: وبنى ناسٌ من المنافقين مسجد الضرار لأبي عامر, قالوا: " حتى يأتي أبو عامر يصلي فيه "، وتفريقًا بين المؤمنين، يفرقون به جماعتهم، (14) لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء.
وجاءوا يخدعون النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ربما جاء السيلُ، فيقطع بيننا وبين الوادي، (15) ويحول بيننا وبين القوم، ونصلي في مسجدنا، (16) فإذا ذهب السيل صلينا معهم !
قال: وبنوه على النفاق.
قال: وانهار مسجدهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وألقى الناس عليه التِّبن والقُمامة، (17) فأنـزل الله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين)، لئلا يصلي في مسجد قباء جميعُ المؤمنين =(وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، أبي عامر =(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون).
17200- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون, عن أبي جعفر, عن ليث: أن شقيقًا لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر, فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلُّوا بعدُ !
فقال: لا أحب أن أصلي فيه، فإنه بُني على ضرار, وكل مسجد بُنِيَ ضرارًا أو رياءً أو سمعة، فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني على ضرار.
-------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة والمخطوطة : " خذام بن خالد بن عبيد " ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام .
(2) في المطبوعة : " وبخدج " ، والصواب ما في المخطوطة وسيرة ابن هشام .
(3) الأثر : 17186 - سيرة ابن هشام 4 : 173 ، 174 .
(4) انظر تفسير " الضرار " فيما سلف 5 : 7 ، 8 ، 46 ، 53 / 6 : 85 - 91 .
(5) في المطبوعة : " ومن عجز عن المسير " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .
(6) في المطبوعة : " بخدج " ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام 4 : 174 ، كما سلف في رقم : 17186 .
ورأيت بعد في المحبر : 47 : " بخدج " ولم أتمكن من تصحيحه .
ثم انظر جمهرة الأنساب لابن حزم : 316 في نسب " سهل بن حنيف " ، و " عثمان بن حنيف " ، و " عباد بن حنيف " .
وانظر التعليق التالي .
(7) ما أدري قوله : " جد عبد الله بن حنيف " ، ولست أدري أهو من كلام ابن عباس أو من كلام غيره ، وإن كنت أرجح أنه من كلام غيره ، لأني لم أجد في الصحابة ولا التابعين " عبد الله بن حنيف " ، وجده " بحزج " .
والمذكور في المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار : " عباد بن حنيف " ، أخو " سهل بن حنيف " .
فأخشى أن يكون سقط من الخبر شيء ، فاختلط الكلام .
وفي نسب " سهل بن حنيف " " عمرو ، وهو بحزج ، بن حنش بن عوف بن عمرو " ( انظر ابن سعد 3 / 2 / 39 ، ثم : 5 : 59 ) ، وجمهرة الأنساب لابن حزم : 316 ، ولكن هذا قديم جدا في الجاهلية ، وهو بلا شك غير " بحزج " ، الذي كان من أمره ما كان في مسجد الضرار .
فهذا الذي هنا يحتاج إلى فضل تحقيق ، لم أتمكن من بلوغه .
(8) في المطبوعة : " لبخدج " ، وانظر التعليقات السالفة .
(9) في المطبوعة ، ساق الكلام سياقا واحدا هكذا: " وكانوا يرصدون أبو عامر أن يصلي فيه " ، وفي المخطوطة: "وكانوا يرصدون أبو عامر أن يصلي فيه"، وبين الكلامين بياض ، وفي الهامش حرف ( ط ) دلالة على الخطأ ، وأثبت ما بين القوسين من الدر المنثور 1 : 276 ، وروى الخبر من طريق ابن مردويه ، وابن أبي حاتم .
وهذا الذي أثبته يطابق في معناه ما سيأتي في الآثار التالية .
(10) قوله : " فقتلوه بإسلامه " ، كلام صحيح ، وإن ظن بعضهم أنه لا يستقيم ، وذلك أن أبا عامر الراهب ، لما خرج إلى الروم مات هناك سنة تسع أو عشر .
( الإصابة في ترجمة ولده : حنظلة غسيل الملائكة بن أبي عامر ) .
فكأنه يقال أيضا أن الروم قتلته بإسلامه ، كما جاء في هذا الخبر .
وأما قوله بعد : " قال : إذا جاء صلى فيه " ، فهو من كلام قتادة .
وانظر الأخبار التالية ، فإنه يقال إنه تنصر .
(11) في المطبوعة : " وأخيه " ، والذي في المخطوطة كما أثبته غير مقروء قراءة ترتضي .
وممكن أن تكون " وأخوه " ، ولكنه عندئذ خطأ ، صوابه أن يكون و " أخيه " ، كما أثبته ناشر المطبوعة .
بيد أن السياق يدل على أن ما بين القوسين اسم ثالث ، وهو اسم أخي حنظلة ، وصيفي ، ولم استطع أن أجد خبر ذلك .
وأما " صيفي " ، فقد ذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمة " صيفي " ، وأنه كان ممن شهد أحدا ، ونسب ذلك إلى ابن سعد والطبراني ، ولم أجده في المطبوع من طبقات ابن سعد .
(12) الذي جاء في المخطوطة والمطبوعة : " ابن بالين " ، وإن كان في المخطوطة غير منقوط .
وهو خطأ لا شك فيه عندي ، وأن صوابه : " وابن عبد ياليل " كما أثبته .
فإن ابن عبد البر في الاستيعاب : 105 ، في ترجمة " حنظلة الغسيل " ، ذكر أن أبا عمر الفاسق لما فتحت مكة ، لحق بهرقل هاربا إلى الروم ، فمات كافرا عند هرقل ، وكان معه هناك " كنانة بن عبد ياليل " و " علقمة بن علاثة " ، فاختصما في ميراثه إلى هرقل ، فدفعه إلى كنانة بن عبد ياليل ، وقال لعلقمة : هما من أهل المدر ، وأنت من أهل الوبر .
و " كنانة بن عبد ياليل الثقفي " ، ترجم له ابن حجر في القسم الرابع ، وذكره ابن سلام الجمحي ، في طبقات فحول الشعراء ص : 217 ، في شعراء الطائف ، ولم يورد له خبرا بعد ذكره .
(13) في المطبوعة والمخطوطة : " وابن بالين " ، وفي المخطوطة غير منقوطة .
انظر التعليق السالف .
(14) في المطبوعة : " بين جماعتهم " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(15) في المطبوعة : " يقطع " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(16) في المطبوعة : " فنصلي " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(17) في المطبوعة : " النتن والقامة " والصواب ما في المخطوطة .
و " التبن " عصيفة الزرع ، فهو الذي يلقى .
وأما " النتن " فالرائحة الكريهة ، فكأنه ظن أن " النتن " مجاز لمعنى " الأقذار " ، لنتن رائحتها !
وهو باطل .
قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون [ ص: 174 ] فيه عشر مسائل :الأولى والذين اتخذوا مسجدا معطوف ، أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ، عطف جملة على جملة .
ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء والخبر محذوف ك " إنهم يعذبون " أو نحوه .
ومن قرأ " الذين " بغير واو وهي قراءة المدنيين فهي عنده رفع بالابتداء ، والخبر ( لا تقم ) التقدير : الذين اتخذوا مسجدا لا تقم فيه أبدا ; أي لا تقم في مسجدهم ; قاله الكسائي .
وقال النحاس : يكون خبر الابتداء لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم .
وقيل : الخبر ( يعذبون ) كما تقدم .
ونزلت الآية فيما روي في أبي عامر الراهب ; لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم ، فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه ; قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ، وقد تقدمت قصته في الأعراف وقال أهل التفسير : إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه ; فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا : نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا ، ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام ; فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله ، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة ، والعلة والليلة المطيرة ، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد ، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار ; فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة ، فقال : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا مسرعين ، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار ، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه ، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الضرار ، ومعتب بن قشير ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، وعباد بن الأزعر ، وعبادة بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف .
وجارية بن عامر ، وابناه مجمع وزيد ابنا جارية ، ونبتل بن الحارث ، وبحزج ، وبجاد بن عثمان ، ووديعة بن ثابت ، وثعلبة بن حاطب مذكور فيهم .
قال أبو عمر بن عبد البر : وفيه نظر ; لأنه شهد بدرا .
وقال عكرمة : سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد ؟
فقال : أعنت فيه بسارية .
فقال : أبشر بها سارية في عنقك من نار جهنم .[ ص: 175 ] الثانية : قوله تعالى ( ضرارا ) مصدر مفعول من أجله .
وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا عطف كله .
وقال أهل التأويل : ضرارا بالمسجد ، وليس للمسجد ضرار ، إنما هو لأهله .
وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ، من ضار ضار الله به ، ومن شاق شاق الله عليه .
قال بعض العلماء : الضرر : الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة .
والضرار : الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة .
وقد قيل : هما بمعنى واحد ، تكلم بهما جميعا على جهة التأكيد .الثالثة : قال علماؤنا : لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد ، ويجب هدمه ; والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا ، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ .
وكذلك قالوا .
لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة ، ويجب منع الثاني ، ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه .
وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وهدمه .
وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته ، فقيل له : إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد ; فقال : لا أحب أن أصلي فيه ; لأنه بني على ضرار .
قال علماؤنا : وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه .
وقال النقاش : يلزم من هذا ألا يصلى في كنيسة ونحوها ; لأنها بنيت على شر .قلت : هذا لا يلزم ; لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير ، وإن كان أصل بنائها على شر ، وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعا يتعبدون فيه بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا .
وقد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة .
وقد ذكر البخاري أن ابن عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل .
وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم .[ ص: 176 ] الرابعة : قال العلماء : إن من كان إماما لظالم لا يصلى وراءه إلا أن يظهر عذره أو يتوب فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم ; فقال : لا ولا نعمة عين! أليس بإمام مسجد الضرار!فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين ، لا تعجل علي فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه ولو علمت ما صليت بهم فيه ، كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا قد عاشوا على جاهليتهم وكانوا لا يقرءون من القرآن شيئا فصليت ولا أحسب ما صنعت إثما ولا أعلم بما في أنفسهم .
فعذره عمر رضي الله عنهما وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء .الخامسة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه فقال : من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره ، فما ظنك بسواه ، بل هو أحرى أن يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم .
وذلك كمن بنى فرنا أو رحى أو حفر بئرا أو غير ذلك مما يدخل به الضرر على الغير .
وضابط هذا الباب : أن من أدخل على أخيه ضررا منع .
فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما كان له فعله في ماله فأضر ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل ; فإن كان تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل قطع أكبر الضررين وأعظمهما حرمة في الأصول .
مثال ذلك : رجل فتح كوة في منزله يطلع منها على دار أخيه وفيها العيال والأهل ، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن ، ومعلوم أن الاطلاع على العورات محرم وقد ورد النهي فيه ، فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح الباب والكوة ما فتح مما له فيه منفعة وراحة وفي غلقه عليه ضرر لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين ، إذ لم يكن بد من قطع أحدهما ، وهكذا الحكم في هذا الباب ، خلافا للشافعي ومن قال بقوله .
قال أصحاب الشافعي : لو حفر رجل في ملكه بئرا وحفر آخر في ملكه بئرا يسرق منها ماء البئر الأولة جاز ; لأن كل واحد منهما حفر في ملكه فلا يمنع من ذلك .
[ ص: 177 ] ومثله عندهم : لو حفر إلى جنب بئر جاره كنيفا يفسده عليه لم يكن له منعه ; لأنه تصرف في ملكه .
والقرآن والسنة يردان هذا القول .
وبالله التوفيق .ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع العلماء منه ، كدخان الفرن والحمام وغبار الأندر والدود المتولد من الزبل المبسوط في الرحاب ، وما كان مثل هذا فإنه يقطع منه ما بان ضرره وخشي تماديه .
وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض الثياب والحصر عند الأبواب ; فإن هذا مما لا غنى بالناس عنه ، وليس مما يستحق به شيء ; فنفي الضرر في منع مثل هذا أعظم وأكبر من الصبر على ذلك ساعة خفيفة .
وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر على أذاه على ما يقدر كما عليه ألا يؤذيه وأن يحسن إليه .السادسة : ومما يدخل في هذا الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه سئل عن امرأة عرض لها ، يعني مسا من الجن ، فكانت إذا أصابها زوجها وأجنبت أو دنا منها يشتد ذلك بها .
فقال مالك : لا أرى أن يقربها ، وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينها .السابعة : قوله تعالى ( وكفرا ) لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد ; قاله ابن العربي .
وقيل : ( وكفرا ) أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ; قاله القشيري وغيره .الثامنة : قوله تعالى وتفريقا بين المؤمنين أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا يدلك على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة ، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الأنس بالمخالطة ، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد .التاسعة : تفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال : لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين ; خلافا لسائر العلماء .
وقد روي عن الشافعي المنع ; حيث كان تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول : من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام ، وخفي ذلك عليهم .
قال ابن العربي : وهذا كان شأنه معهم ، وهو أثبت قدما منهم في الحكمة وأعلم بمقاطع الشريعة .العاشرة : قوله تعالى وإرصادا لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر الراهب ; [ ص: 178 ] وسمي بذلك لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ; فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ; فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين .
فلما انهزمت هوازن خرج إلى الروم يستنصر ، وأرسل إلى المنافقين وقال : استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة ; فبنوا مسجد الضرار .
وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل الملائكة .
والإرصاد : الانتظار ; تقول : أرصدت كذا إذا أعددته مرتقبا له به .
قال أبو زيد : يقال رصدته وأرصدته في الخير ، وأرصدت له في الشر .
وقال ابن الأعرابي : لا يقال إلا أرصدت ، ومعناه ارتقبت .وقوله تعالى ( من قبل ) أي من قبل بناء مسجد الضرار .وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى ، وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي العلة والحاجة .
وهذا يدل على أن الأفعال تختلف بالمقصود والإرادات ; ولذلك قال : وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى .
والله يشهد إنهم لكاذبون أي يعلم خبث ضمائرهم وكذبهم فيما يحلفون عليه .
كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين للّه ورسوله، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه، فبين تعالى خزيهم، وأظهر سرهم فقال: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} أي: مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه {وَكُفْرًا} أي: قصدهم فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان. {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا، {وَإِرْصَادًا} أي: إعدادا {لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} أي: إعانة للمحاربين للّه ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهاجر إلى المدينة، كفر به، وكان متعبدا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ . فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعد وممالأة، هو والمنافقون. فكان مما أعدوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، وصار بعد ذلك مزبلة. قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا} في بنائنا إياه {إِلَّا الْحُسْنَى} أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير. {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فشهادة اللّه عليهم أصدق من حلفهم.
قوله تعالى : ( والذين اتخذوا ) قرأ : أهل المدينة والشام " الذين " بلا واو ، وكذلك هو في مصاحفهم ، وقرأ الآخرون : " والذين " بالواو .
( مسجدا ضرارا ) نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين ، بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء ، وكانوا اثني عشر رجلا من أهل النفاق : وديعة بن ثابت ، وجذام بن خالد ، ومن داره أخرج هذا المسجد ، وثعلبة بن حاطب ، وجارية بن عامر ، وابناه مجمع وزيد ، ومعتب بن قشير ، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، ونبتل بن الحارث ، وبجاد بن عثمان ، ورجل يقال له : بحزج ، بنوا هذا المسجد ضرارا ، يعني : مضارة للمؤمنين ، ( وكفرا ) بالله ورسوله ، ( وتفريقا بين المؤمنين ) ؛ لأنهم كانوا جميعا يصلون في مسجد قباء ، فبنوا مسجد الضرار ، ليصلي فيه بعضهم ، فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة ، وكان يصلي بهم مجمع بن جارية .
فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ، والليلة المطيرة والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا وتصلي بنا فيه وتدعو لنا بالبركة ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني على جناح سفر ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه " .
( وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ) أي : انتظارا وإعدادا لمن حارب الله ورسوله .
يقال : أرصدت له : إذا أعددت له .
وهو أبو عامر الراهب وكان أبو عامر هذا رجلا منهم ، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة ، وكان قد ترهب في الجاهلية وتنصر ولبس المسوح ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر : ما هذا الذي جئت به؟
قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم ، قال أبو عامر : فإنا عليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنك لست عليها " ، قال : بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية " ، فقال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " آمين " .
وسماه أبا عامر الفاسق .
فلما كان يوم أحد قال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج هاربا إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح ، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآت بجند من الروم ، فأخرج محمدا وأصحابه ، فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء ، فذلك قوله تعالى : ( وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ) وهو أبو عامر الفاسق ، ليصلي فيه إذا رجع من الشام .
قوله : ( من قبل ) يرجع إلى أبي عامر يعني حارب الله ورسوله من قبل أي : من قبل بناء مسجد الضرار .
( وليحلفن إن أردنا ) ما أردنا ببنائه ، ( إلا الحسنى ) إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن المسير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( والله يشهد إنهم لكاذبون ) في قيلهم وحلفهم .
روي لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ونزل بذي أوان موضع قريب من المدينة أتوه فسألوه إتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم ، فنزل عليه القرآن وأخبره الله تعالى خبر مسجد الضرار وما هموا به ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ، ومعن بن عدي ، وعامر بن السكن ، ووحشيا قاتل حمزة ، وقال لهم : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه ، فخرجوا سريعا حتى أتوا بني سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدخشم ، فقال مالك : أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي ، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ، ثم خرجوا يشتدون ، حتى دخلوا المسجد وفيه أهله ، فحرقوه وهدموه ، وتفرق عنه أهله ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف والنتن والقمامة .
ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا فريدا غريبا .
وروي أن بني عمرو بن عوف ، الذين بنوا مسجد قباء ، أتوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة فيؤمهم في مسجدهم ، فقال : لا ولا نعمة عين ، أليس بإمام مسجد الضرار؟
فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين : لا تعجل علي ، فوالله لقد صليت فيه وإني لا أعلم ما أضمروا عليه ، ولو علمت ما صليت معهم فيه ، كنت غلاما قارئا للقرآن ، وكانوا شيوخا لا يقرؤون القرآن فصليت ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله تعالى ، ولم أعلم ما في أنفسهم ، فعذره عمر وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء .
وقال عطاء : لما فتح الله على عمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد ، وأمرهم أن لا يبنوا في مدينتهم مسجدين يضار أحدهما صاحبه .
«و» منهم «الذين اتخذوا مسجدا» وهم اثنا عشر من المنافقين «ضرارا» مضارة لأهل مسجد قباء «وكفرا» لأنهم بنوه بأمر أبي عامر الراهب ليكون معقلا له يقدم فيه من يأتي من عنده وكان ذهب ليأتي بجنود من قيصر لقتال النبي صلى الله عليه وسلم «وتفريقا بين المؤمنين» الذين يصلون بقباء بصلاة بعضهم في مسجدهم «وإرصادا» ترقبا «لمن حارب الله ورسوله من قبل» أي قبل بنائه، وهو أبو عامر المذكور «وليحلفن إن» ما «أردنا» ببنائه «إلا» الفعلة «الحسنى» من الرفق بالمسكين في المطر والحر والتوسعة على المسلمين «والله يشهد إنهم لكاذبون» في ذلك، وكانوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه فنزل.
والمنافقون الذين بنوا مسجدًا؛ مضارة للمؤمنين وكفرًا بالله وتفريقًا بين المؤمنين، ليصلي فيه بعضهم ويترك مسجد (قباء) الذي يصلي فيه المسلمون، فيختلف المسلمون ويتفرقوا بسبب ذلك، وانتظارا لمن حارب الله ورسوله من قبل -وهو أبو عامر الراهب الفاسق- ليكون مكانًا للكيد للمسلمين، وليحلفنَّ هؤلاء المنافقون أنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخير والرفق بالمسلمين والتوسعة على الضعفاء العاجزين عن السير إلى مسجد (قباء)، والله يشهد إنهم لكاذبون فيما يحلفون عليه.
وقد هُدِم المسجد وأُحرِق.
ثم ختم السورة الكريمة حديثها الطويل المتنوع عن النفاق والمنافقين ، بالحديث عن مسجد الضرار الذى بناه المنافقون ليكون مكانا للإِضرار بالإِسلام والمسلمين ، فقال - تعالى - .
( والذين اتخذوا مَسْجِداً .
.
.
والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .قال الإِمام ابن كثير : سبب نزول هذه الآيات الكريمات ، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها ، رجل من الخروج يقال له أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصر فى الجاهلية ، وقرأ علم أهل الكتاب ، وكان فيه عبادة فى الجاهلية ، وله شرف فى الخزرج كبير ، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا إلى المدينة ، واجتمع المسلمون عليه وصار للإِسلام كلمة عالية ، وأظهرهم الله يوم بدر ، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارزة العداوة ، وطاهر بها ، وخرج فارا إلى كفار مكة ليمالئهم على حرب المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام " أحد " فكان من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم الله - تعالى - وكانت العاقبة للمتقين .وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع فى إحداهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصيب فى ذلك اليوم ، فجرح وجهه وكسرت رباعتيه اليمنى والسفلى وشج رأسه .
وتقدم أبو عامر فى أول المبارزة إلى قومه من الأنصار ، فخاطبهم ، واستمالهم إلى نصره وموافقته ، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم الله لك عينا يا فاسق يا عدو الله ، ونالوا منه وسبوه .وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعاه إلى الله قبل فراره - إلى مكة - وقرأ عليه القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد .
فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يموت بعيدا طريداً فنالته هذه الدعوة .وذلك أنه لما فرغ الناس من " أحد " ورأى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فوعده ومناه ، وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم ، أنه سيقدم بجيش ليقاتل به النبى - صلى الله عليه وسلم - ويغلبه ، ويرده عما هو فيه .
وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ، ويكون مرصدا له إذا قد عليه بعد ذلك .فشرعوا فى بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك وجاءوا فسألوه أن يأتى إليهم فيصلى فى مسجدهم ، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم ، وأهل العلة فى الليلة الشاتية!!
فعصمه الله من الصلاة فيه فقال : " إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا - إن شاء الله - آتيناكم فصلينا لكم فيه " .فلما قفل راجعاً إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل عليه جبريل بخير مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر ، والتفريق بين جماع المؤمنين فى مسجدهم .
مسجد قباء ، الذى أسس من أول يوم على التقوى فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مجسد الضرار من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة .وقوله : ( والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين ) منصوب على الذم .أى : وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضراراً .
.
أو معطوف على ما سبق من أحوال المنافقين ، والتقدير : ومنهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً .وقوله " ضراراً " مفعول لأجله أى : اتخذوا هذا المسجد لا من أجل العبادة والطاعة لله تعالى .
وإنما اتخذوه من أجل الإِضرار بالمؤمنين .
وإيقاع الأذى بهم .وقوله " وكفرا " معطوف على " ضراراً "؛ وهو علة ثانية لاتخاذ هذا المسجد .أى : اتخذوه للإِضرار بالمؤمنين ، وللازدياد من الكفر الذى يضمرونه من الغل الذى يحفونه .وقوله : ( وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين ) علة ثالثة .أى : واتخذوه أيضاً للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا يصلون فى مسجد واحد هو مسجد قباء ، فأراد هؤلاء المنافقون من بناء مسجد الضرار إلى جوار مسجد قباء ، أن يفرقوا وحدة المؤمنين ، بأن يجعلهوهم يصلون فى أماكن متفرقة .
حسدا لهم على نعمة الإِخاء والتآلف والاتحاد التى غرسها الإِسلام فى قلوب أتباعه .وقوله : ( وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ ) علة رابعة لاتخاذ هذا المسجد .أى : واتخذوه ليكون مكانا يرقبون فيه قوم ( مَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ ) وهو أبو عامر الراهب ، الذى أعلن عداوته لدعوة الإِسلام " من قبل " بناء مسجد الضرار .فقد سبق أن ذكرنا فى أسباب نزول هذه الآيات ، أن أبا عامر هذا ، كتب إلى جماعة من قومه .
وهو عند هرقل .
يعدهم ويمنيهم ، ويطلب منهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا فى بناء هذا المسجد .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد ذكرت أربعة من الأغراض الخبيثة التى حملت المنافقين على بناء هذا المسجد ، وهى : مضارة المؤمنين ، وتقوية الكفر ، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله معقلا لالتقاء المحاربين لله ولرسوله .وقد خيب الله تعالى مساعيهم؛ وأبطل كيدهم ، بأن أمر نبيه - بهدمه وإزالته .وقوله : ( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى ) ذم لهم على أيمانهم الفاجرة ، وأقوالهم الكاذبة .أى : أن هؤلاء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة .
ومع ذلك فهم يقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخصلة الحسنى التى عبروا عنها قبل ذلك .
كذبا .
بقولهم : " إننا بنيناه للضعفاء ، وأهل العلة فى الليلة الشاتية " .وقوله : ( والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) زيادة فى مذمتهم وتحقيرهم .أى : والله - تعالى - يعلم ويشهد أن هؤلاء المنافقين لكاذبون فى أيمانهم بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إلا الحسنى ، فانهم فى الحقيقة لم يريدوا ذلك ، وإنما أرادوا تلك الأغراض القبيحة السابقة ، وهى مضارة المؤمنين ، وتفريق كلمتهم .
اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر ﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة، والباقون بالواو، وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق.
فالأول: على أنه بدل من قوله: ﴿ وءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ والثاني أن يكون التقدير: ومنهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً.
المسألة الثانية: قال الواحدي: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير رضي الله عنهم: الذين اتخذوا مسجداً ضراراً كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين بنوا مسجداً يضارون به مسجد قباء، وأقول إنه تعالى وصفه بصفات أربعة: الصفة الأولى: ضراراً، والضرار محاولة الضر، كما أن الشقاق محاولة ما يشق.
قال الزجاج: وانتصب قوله: ﴿ ضِرَارًا ﴾ لأنه مفعول له، والمعنى: اتخذوه للضرار ولسائر الأمور المذكورة بعده، فلما حذفت اللام اقتضاه الفعل فنصب.
قال وجائز أن يكون مصدراً محمولاً على المعنى، والتقدير: اتخذوا مسجداً ضروا به ضراراً.
والصفة الثانية: قوله: ﴿ وَكُفْراً ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد به ضرراً للمؤمنين وكفراً بالنبي عليه السلام، وبما جاء به.
وقال غيره اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على النبي عليه السلام والإسلام.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين ﴾ أي يفرقون بواسطته جماعة المؤمنين، وذلك لأن المنافقين قالوا نبني مسجداً فنصلي فيه، ولا نصلي خلف محمد، فإن أتانا فيه صلينا معه.
وفرقنا بينه وبين الذين يصلون في مسجده، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة، وبطلان الألفة.
والصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ قالوا: المراد أبو عامر الراهب، والد حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وكان قد تنصر في الجاهلية، وترهب وطلب العلم، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه، لأنه زالت رياسته وقال: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشأم، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجداً فإن ذاهب إلى قيصر، وآت من عنده بجند، فأخرج محمداً وأصحابه.
فبنوا هذا المسجد، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلى بهم في ذلك المسجد.
قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.
وقال ابن قتيبة: الإرصاد الانتظار مع العداوة.
وقال الأكثرون: الإرصاد، الأعداد.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد ﴾ وقوله: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يعني من قبل بناء مسجد الضرار، ثم إنه تعالى لما وصف هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال: ﴿ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى ﴾ أي ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز، عن المصير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية.
ثم قال تعالى: ﴿ والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ والمعنى: أن الله تعالى أطلع الرسول على أنهم حلفوا كاذبين.
واعلم أن قوله: ﴿ والذين ﴾ محله الرفع على الابتداء وخبره محذوف، أي وممن ذكرنا الذين.
<div class="verse-tafsir"
في مصاحف أهل المدينة والشام: الذين اتخذوا بغير واو، لأنها قصة على حيالها.
وفي سائرها بالواو على عطف قصة مسجد الضرار الذي أحدثه المنافقون على سائر قصصهم.
روي: أنّ بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي فيه، ويصلّي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد: لا أجد قوماً يقاتلوك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين.
أن استعدّوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر وآت بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً بجنب مسجد قباء، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، ونحن نحبّ أن تصلّي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر وحال شغل.
وإذا قدمنا إن شاء الله صلّينا فيه، فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت عليه، فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عديّ وعامر بن السكن ووحشي قاتل حمزة، فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه، ففعلوا، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين ﴿ ضِرَارًا ﴾ مضارْة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ومعازة ﴿ وَكُفْراً ﴾ وتقوية للنفاق ﴿ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين ﴾ لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فيغتص بهم، فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم ﴿ وَإِرْصَادًا ﴾ وإعداداً ﴿ ل ﴾ أجل ﴿ منْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وهو الراهب: أعدوه له ليصلّي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله أو بمال غير طيب، فهو لاحق بمسجد الضرار.
وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر؛ فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحبّ أن أصلّي فيه، فإنّه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فإنّ أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضراراً.
وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر رضي الله عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضارّ أحدهما صاحبه، فإن قلت: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ ما محله من الإعراب؟
قلت: محله النصب على الاختصاص.
كقوله: ﴿ المقيمين الصلاة ﴾ [النساء: 162] وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، معناه: وفيمن وصفنا الذين اتخذوا كقوله: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ [المائدة: 38] .
فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ؟
قلت: باتخذوا، أي اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف ﴿ إِنْ أَرَدْنَا ﴾ ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إِلاَّ ﴾ إلا الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ أو الإرادة الحسنة، وهي الصلاة.
وذكر الله والتوسعة على المصلين ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى ﴾ قيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج يوم الجمعة، وهو أولى، لأنّ الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.
وقيل: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وعن أبي سعيد الخدري: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأخذ حصباء فضرب بها الأرض وقال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» ﴿ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ من أول يوم من أيام وجوده ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ قيل: لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟
فسكت القوم، ثم أعادها: فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.
فقال صلى الله عليه وسلم: «أترضون بالقضاء؟» قالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟» قالوا: نعم.
قال: «أتشكرون في الرخاء؟» قالوا: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: «مؤمنون ورب الكعبة» .
فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار، إنّ الله عزّ وجلّ قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط، فقالوا: يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء.
فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ .
وقرئ: ﴿ أن يطهروا ﴾ بالإدغام.
وقيل: هو عام في التطهر من النجاسات كلها.
وقيل: كانوا لا ينامون الليل على الجنابة، ويتبعون الماء أثر البول.
وعن الحسن: هو التطهر من الذنوب بالتوبة.
وقيل: يحبّون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم، فحموا عن آخرهم.
فإن قلت: ما معنى المحبتين؟
قلت: محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحبّ للشيء المشتهى له على إيثاره.
ومحبة الله تعالى إياهم: أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم، كما يفعل المحبّ بمحبوبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ وفِيمَن وصَفْنا الَّذِينَ اتَّخَذُوا أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ الواوِ ﴿ ضِرارًا ﴾ مُضارَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَرُوِيَ: « (أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لَمّا بَنَوْا مَسْجِدَ قِباءَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَأْتِيَهم فَأتاهم فَصَلّى فِيهِ فَحَسَدَتْهم إخْوانُهم بَنُو غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، فَبَنَوْا مَسْجِدًا عَلى قَصْدِ أنْ يَؤُمَّهم فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ فَلَمّا أتَمُّوهُ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ فَقالُوا: إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي الحاجَةِ والعِلَّةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ والشّاتِيَةِ فَصَلِّ فِيهِ حَتّى نَتَّخِذَهُ مُصَلًّى فَأخَذَ ثَوْبَهُ لِيَقُومَ مَعَهم فَنَزَلَتْ، فَدَعا بِمالِكِ بْنِ الدِّخْشَمِ ومَعْنِ بْنِ عُدَيٍّ وعامِرِ بْنِ السَّكَنِ والوَحْشِيِّ فَقالَ لَهم: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ فَفُعِلَ واتُّخِذَ مَكانَهُ كُناسَةٌ.» ﴿ وَكُفْرًا ﴾ وتَقْوِيَةً لِلْكُفْرِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ.
﴿ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ الَّذِي كانُوا يَجْتَمِعُونَ لِلصَّلاةِ في مَسْجِدِ قِباءَ.
﴿ وَإرْصادًا ﴾ تَرَقُّبًا.
﴿ لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي الرّاهِبَ فَإنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهم، فَلَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ حَتّى انْهَزَمَ مَعَ هَوازِنَ وهَرَبَ إلى الشّامِ لِيَأْتِيَ مِن قَيْصَرَ بِجُنُودٍ يُحارِبُ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ، وماتَ بِقَنْسَرِينَ وحِيدًا، وقِيلَ كانَ يَجْمَعُ الجُيُوشَ يَوْمَ الأحْزابِ فَلَمّا انْهَزَمُوا خَرَجَ إلى الشّامِ.
(وَمِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ حارَبَ ﴾ أوْ بِـ ﴿ اتَّخَذُوا ﴾ أيِ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا مِن قَبْلِ أنْ يُنافِقَ هَؤُلاءِ بِالتَّخَلُّفِ، لِما رُوِيَ «أنَّهُ بُنِيَ قُبَيْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَأْتِيَهُ فَقالَ: أنا عَلى جَناحِ سَفَرٍ وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ فَلَمّا قَفَلَ كَرَّرَ عَلَيْهِ.
فَنَزَلَتْ» ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى ﴾ ما أرَدْنا بِبِنائِهِ إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى أوِ الإرادَةَ الحُسْنى وهي الصَّلاةُ والذِّكْرُ والتَّوْسِعَةُ عَلى المُصَلِّينَ ﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ في حَلِفِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين اتخذوا مَسْجِدًا} تقديره ومنهم الذين اتخذوا الذين بغير واو مدني وشامي وهو مبتدأ خبره محذوف أي جازيناهم رُوي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله يصلي فيه ويصلي فيه
أبو عامر الراهب إذ قدم من الشام وهو الذي قال لرسول الله عليه السلام يوم أحد لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء وقالوا للنبى صلى الله عليه وسلم بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه فقال إني على جناح سفر وإذا قدمنا من تبوك إن شاء الله صلينا فيه فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت عليه فقال لوحشي قاتل حمزة ومعن بن عدي وغيرهما انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة ومات أبو عامر بالشام {ضِرَارًا} مفعول له وكذا ما بعده أي مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء {وَكُفْراً} وتقوية للنفاق {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين} لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ} وإعداداً لأجل من {حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ} وهو الراهب أعدوه له ليصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل كل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله أو بمال غير طيب فهو لا حق بمسجد بنى الضرار {من قبل} متعلق بحارب أي من قبل بناء هذا المسجد يعني يوم الخندق {وَلَيَحْلِفُنَّ} كاذبين {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى} ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين {والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون} في حلفهم
﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ أيْ ﴿ ومِنهُمُ الَّذِينَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿ أفَمَن أسَّسَ ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ مِنهم أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيمَن وصَفْنا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ كَأذُمُّ وأعْنِي وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ، وفِيهِ الِاحْتِمالاتُ السّابِقَةُ إلّا العَطْفَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آخَرُونَ) عَلى التَّفْسِيرِ المَرْجُوحِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ضِرارًا ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ وكَذا ما بَعْدَهُ وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِاتَّخَذُوا عَلى أنَّهُ بِمَعْنى صَيَّرُوا أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يُضارُّونَ بِذَلِكَ المُؤْمِنِينَ ضِرارًا، والضِّرارُ طَلَبُ الضَّرَرِ ومُحاوَلَتُهُ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ قالَ لَهم أبُو عامِرٍ: ابْنُوا مَسْجِدًا واسْتَمِدُّوا ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابَهُ فَلَمّا فَرَغُوا مِن مَسْجِدِهِمْ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: قَدْ فَرَغْنا مِن بِناءِ مَسْجِدِنا فَنُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحَقَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «أتى أصْحابُ مَسْجِدِ الضِّرارِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ أوْ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَأتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ فَلَمّا رَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن سَفَرِهِ ونَزَلَ بِذِي أوانٍ بَلَدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ أتاهُ خَبَرُ المَسْجِدِ فَدَعا مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ أخا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ وأخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أحَدَ بَلْعَجانَ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وأحْرِقاهُ فَخَرَجا سَرِيعَيْنِ حَتّى أتَيا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ وهم رَهْطُ مالِكٍ فَقالَ مالِكٌ لِصاحِبِهِ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ لَكَ بِنارٍ مِن أهْلِي فَدَخَلَ إلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأشْعَلَ فِيهِ نارًا ثُمَّ خَرَجا يَشْتَدّانِ حَتّى دَخَلاهُ وفِيهِ أهْلُهُ فَأحْرَقاهُ وهَدَماهُ وتَفَرَّقُوا عَنْهُ ونَزَلَ فِيهِمْ مِنَ القُرْآنِ ما نَزَلَ» وكانَ البانُونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ مِن بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ أحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ومِن دارِهِ أُخْرِجَ المَسْجِدُ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أيْضًا، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ وهُما مِن بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ رَهْطِ أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأبُو حُبَيْبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وحارِثَةُ بْنُ عامِرٍ وابْناهُ مُجَمِّعٌ وزَيْدٌ، ونَبِيلُ بْنُ الحَرْثِ، ونِجادُ بْنُ عُثْمانَ، وبَجَدْحٌ مِن بَنِي ضُبَيْعَةَ.
وذَكَرَ البَغَوِيُّ مِن حَدِيثٍ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ - كَما قالَ العِراقِيُّ - بِدُونِ سَنَدٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمَرَ بَعْدَ حَرْقِ المَسْجِدِ وهَدْمِهِ أنْ يُتَّخَذَ كُناسَةً يُلْقى فِيها الجِيَفُ والنَّتْنُ والقُمامَةُ إهانَةً لِأهْلِهِ لَمّا أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ ضِرارًا ﴿ وكُفْرًا ﴾ أيْ ولِيَكْفُرُوا فِيهِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ التَّقْوِيَةَ أيْ وتَقْوِيَةَ الكُفْرِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الكُفْرَ يَصْلُحُ عِلَّةً فَما الحاجَةُ إلى التَّقْدِيرِ.
واعْتَذَرَ بِأنَّهُ يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِما أنَّ اتِّخاذَهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ مَقُولُهُ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ ﴿ وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ وهم كَما قالَ السُّدِّيُّ أهْلُ قُباءٍ فَإنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ في مَسْجِدِهِمْ جَمِيعًا فَأرادَ هَؤُلاءِ حَسَدًا أنْ يَتَفَرَّقُوا وتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ﴿ وإرْصادًا ﴾ أيْ تَرَقُّبًا وانْتِظارًا ﴿ لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ وهو أبُو عامِرٍ والِدُ حَنْظَلَةَ غِسِّيلِ المَلائِكَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «وكانَ قَدْ تَرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ وتَنَصَّرَ فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ قالَ لَهُ أبُو عامِرٍ: ما هَذا الدِّينُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟
فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: الحَنِيفِيَّةُ البَيْضاءُ دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ: فَأنا عَلَيْها.
فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّكَ لَسْتَ عَلَيْها.
فَقالَ: بَلى ولَكِنَّكَ أنْتَ أدْخَلْتَ فِيها ما لَيْسَ مِنها.
فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما فَعَلْتُ ولَكِنْ جِئْتُ بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً.
فَقالَ أبُو عامِرٍ: أماتَ اللَّهُ تَعالى الكاذِبَ مِنّا طَرِيدًا وحِيدًا.
فَأمَّنَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَمّاهُ النّاسُ أبا عامِرٍ الكَذّابَ،» وسَمّاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الفاسِقَ فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهم فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوازِنُ يَوْمَئِذٍ ولّى هارِبًا إلى الشّامِ وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ يَحُثُّهم عَلى بِناءِ مَسْجِدٍ كَما ذَكَرْنا آنِفًا عَنِ الحَبْرِ فَبَنَوْهُ وبَقُوا مُنْتَظَرِينَ قُدُومَهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ ويَظْهَرَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهُدِمَ كَما مَرَّ وماتَ أبُو عامِرٍ وحِيدًا بِقَنْسَرِينَ وبَقِيَ ما أضْمَرُوهُ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحارَبَ أيْ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ هَذا الِاتِّخاذِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّخَذُوا أيِ اتَّخَذُوهُ مِن قَبْلِ أنْ يُنافِقُوا بِالتَّخَلُّفِ حَيْثُ كانُوا بَنَوْهُ قَبْلَ غَرْوَةِ تَبُوكَ كَما سَمِعْتَ، والمُرادُ المُبالَغَةُ في الذَّمِّ ﴿ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا ﴾ أيْ ما أرَدْنا بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ ﴿ إلا الحُسْنى ﴾ أيْ إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى وهي الصَّلاةُ، وذِكْرَ اللَّهِ تَعالى والتَّوْسِعَةَ عَلى المُصَلِّينَ، فالحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ وهو في الأصْلِ صِفَةُ الخَصْلَةِ وقَدْ وقَعَ مَفْعُولًا بِهِ لِأرَدْنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قائِمًا مَقامَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيِ الإرادَةَ الحُسْنى ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ 107﴾ فِيما حَلَفُوا عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً، يعني: بنوا مسجداً مضرة للمسلمين.
وقال القتبي: يعني مضارة، ليضاروا به مخالفيهم، أي: ليدخلوا عليهم المضرة، وَكُفْراً يعني: وإظهاراً للكفر، وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
قرأ نافع وابن عامر الَّذِينَ اتَّخَذُوا بغير واو، وقرأ الباقون بالواو ومعناهما واحد، إلا أن الواو للعطف.
نزلت الآية في سبعة عشر من المنافقين من بني عمرو بن عوف، قالوا: تعالوا نبني مسجداً يكون فيه متحدثنا ومجمع رأينا.
فانطلقوا إلى رسول الله ، فسألوه أن يأذن لهم في بناء المسجد، وقالوا: قد بعُد علينا المسير إلى الصلاة معك، فتفوتنا الصلاة، فاذن لنا أن نبني مسجداً لذوي العلّة والليلة المطيرة.
فأذن لهم، وكانوا ينتظرون رجوع أبي عامر الراهب من الشام، وكان النبي سماه فاسقاً، وقال: «لا تَقُولُوا رَاهِبٌ ولكن قُولُوا فَاسِقٌ» ، وقد كان آمن بالنبي مرتين ثم رجع عن الإسلام، فدعا عليه رسول الله فمات كافراً.
فلما ظهر أمرهم ونفاقهم، جاءوا يحلفون إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى أي: أردنا ببنيانه خيرا فنزل وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً يعني: بنوا المسجد للضرار والكفر وللتفريق بين المؤمنين، لكي يصلي بعضهم في مسجد قباء، وبعضهم في مسجدهم، وليجتمع الناس إلى مسجدهم ويتفرق أصحاب رسول الله .
وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، يعني: انتظاراً لمن هو كافر بالله ورسوله من قبل بناء المسجد، أن يقدم عليهم لهم من قبل الشام، وهو أبو عامر الراهب.
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى، يعني: ما أردنا ببناء المسجد إلاَّ صواباً، لكيلا تفوتنا الصلاة بالجماعة، ولكي يرجع أبو عامر الراهب ليسلم.
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما حلفوا، وإنَّما اجتمعوا فيه لإظهار النفاق والكفر.
ثم قال تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً، يعني: لا تصلِّ فيه أبداً، لأنهم طلبوا من رسول الله أن يأتي ويصلي فيه، لكي يتبركوا بصلاته فيه، فنهاه الله تعالى عن ذلك، ونزل لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً حتى للصلاة فيه ثم قال: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، يعني: المسجد الذي بني على التوحيد من أول يوم.
قال الأخفش: بني لوجه الله تعالى يعني: منذ أول يوم، ويقال: بني للذكر والتكبير والتهليل ولإظهار الإسلام وقهر الشرك من أول يوم بني.
ثم قال: أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، يعني: أولى وأجدر أن تصلي فيه.
ثم قال: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، يعني: الاستنجاء بالماء، ويقال: يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا يعني: يطهروا أنفسهم من الذنوب.
وذلك أن ناساً من أهل قباء كانوا إذا أتوا الخلاء، استنجوا بالماء وهم أول من فعل ذلك واقتدى بهم من بعدهم.
وروي في الخبر أن النبي وقف بباب المسجد بعد نزول الآية وقال لمن فيه: «إنّ الله قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي طَهُورِكُمْ فَبِمَ تَطَهَّرُونَ» ؟
قالوا: نستنجي بالماء، فقرأ عليهم رسول الله الآية (١) وقال سعيد بن المسيب: «المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد المدينة الأعظم» (٢) وعن سهل بن سعد الساعدي قال: «اختلف رجلان على عهد رسول الله في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله ، وقال الآخر: هو مسجد قباء.
فذكر ذلك للنبي ، فقال: «هُوَ مَسْجِدِي هذا» .
وروي، عن ابن عباس أنه قال: «هُوَ مَسْجِدُ قباء» (٣) (١) عزاه السيوطي: 4/ 289 إلى ابن شيبة، وأحمد والبخاري وابن جرير والبغوي في معجمه والطبراني، وابن مردويه وابن نعيم.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 288 إلى ابن شيبة وأبي الشيخ.
(٣) عزاه السيوطي: 4/ 288 إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل.
<div class="verse-tafsir"
فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء: المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها: أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله سبحانه: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: معناه: ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا قال ابنُ زَيْدٍ: يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين «١» ، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قال الزَّجَّاج «٢» : معناه: ويقبل الصدقات «٣» ، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية منها حديثُ أبي هريرة: «إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» «٤» ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد.
وقوله: عَنْ عِبادِهِ: هي بمعنى «من» .
وقوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ...
الآية: هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ.
وقال الطبري «١» : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا.
قال ع «٢» : والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير أَلَمْ يَعْلَمُوا، ومعنى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، أي: موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ.
وقال ابنُ العرَبِيِّ «٣» في «أحكامه» : قوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٩٤] فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها: التهديد وذلك لأن/ النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: عَطْفٌ على قوله أولاً: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا: ومعنى الإِرجاء: التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ: الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه «٤» على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل: إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا: يكون الَّذِينَ اتَّخَذُوا بإسقاط واو العطف بدلاً من آخَرُونَ، أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم «٥» وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قطر إلّا ب «المدينة» :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا- بإسقاط الواو- على أنه مبتدأ، والخبر: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ وأما الجماعة المرادة ب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً، فهم منافقو بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عوف، وأسند الطبريُّ «١» ، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال: أقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ- بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار- وكان أصحاب مسجد الضّرار، قد أتوه صلّى الله عليه وسلّم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّهِ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال: «إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ» ، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شأن مسجد الضّرار، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ: «انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاهُ» فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ «٢» ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلّى الله عليه وسلّم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطاً لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها: لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ: واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فحزّب على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب «مكة» مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة» ، هَرَبَ إِلى «الطائف» ، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجداً، مقاومةً لمسجد «قُبَاء» ، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من «المدينة» ، فبَنُوهُ وقالوا: سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ: سيأتي أبو عامر، وقوله: ضِراراً أي: داعيةً للتضارر من/ جماعتين.
وقوله: تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريدُ: تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء» ، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل: أراد بقوله: بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ جماعة مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروي: أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزلَتْ: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها.
وقوله: لَمَسْجِدٌ: قيل: إن اللام لام قسمٍ، وقيل: هي لام ابتداء، كما تقول:
لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب «مسجد أسس على التقوى» : مسجد «قباء» «١» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثاني مرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي «٣» في «أحكامِه» : وقَدْ رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ أن المراد ب «مسجد أُسس على التقوى» : مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى: وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء» ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» .
قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم «٤» انتهى.
ومعنى: أَنْ تَقُومَ فِيهِ: أي: بصلاتك وعبادتك.
وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا اختلف في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو على مسجد «قُبَاءَ» ؟
روي أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ» «١» .
والبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ: هو مسجدُ الضِّرار بإِجماع، و «الشّفا» :
الحاشية والشّفير، وهارٍ: معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من: هَارَ يَهُورُ «٢» البخاريُّ: هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله.
انتهى.
وتأسيسُ البناء علَى تقوى إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه كما صنع في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي مسجدِ «قُبَاء» ، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ.
وقوله سبحانه: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ: الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج «٣» ، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره أنه قال: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «٤» ، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلّى الله عليه وسلّم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ/ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ: رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان «٥» وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جريج «٦» : أسنده الطبري.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "والَّذِينَ" بِواوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الَّذِينَ" بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالواوِ، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ ﴾ ، ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ ﴾ ، ﴿ وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﴾ ، والمَعْنى: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا.
ومَن حَذَفَ الواوَ، فَعَلى وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يُضْمِرَ - ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا كَقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، المَعْنى: فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ.
والثّانِي: أنْ يُضْمِرَ الخَبَرَ بَعْدُ، كَما أُضْمِرُ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ ، المَعْنى يَنْتَقِمُ مِنهم ويُعَذَّبُونَ.
قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: لَمّا اتَّخَذَ بَنُو عَمْرٍو بْنُ عَوْفٍ مَسْجِدَ قِباءٍ، وبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَأتاهم، فَصَلّى فِيهِ؛ حَسَدَهم إخْوَتُهم بَنُو غُنْمِ بْنُ عَوْفٍ، وكانُوا مِن مُنافِقِي الأنْصارِ فَقالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا، ونُرْسِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَيُصَلِّي فِيهِ ويُصَلِّي فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ؛ وكانَ أبُو عامِرٍ قَدْ تُرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ وتَنْصَّرَ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ المَدِينَةَ، عاداهُ، فَخَرَجَ إلى الشّامِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنْ أعِدُّوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ، وابْنُوا لِي مَسْجِدًا، فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ فَآَتِي بِجُنْدِ الرُّومِ فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَبَنَوْا هَذا المَسْجِدَ إلى جَنْبِ مَسْجِدِ قَباءٍ؛ وكانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ ومِن دارِهِ أُخِرَجَ المَسْجِدُ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وجارِيَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ يَزِيدُ ومُجَمِّعٌ؛ وكانَ مُجَمِّعٌ إمامَهم فِيهِ، ثُمَّ صَلَحَتْ حالُهُ، وبَحْزَجُ جَدُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْفٍ، وهو الَّذِي قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : "ما أرَدْتَ بِما أرى"؟
فَقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى، وهو كاذِبٌ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الَّذِي حَلَفَ مُجَمِّعٌ.
وقِيلَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ؛ فَلَمّا فَرَغُوا مِنهُ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ فَقالُوا: إنّا قَدِ ابْتَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ فِيهِ؛ فَدَعى بِقَمِيصِهِ لِيَلْبِسَهُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ وأخْبَرَهُ اللَّهُ خَبَرَهُمْ، فَدَعا مَعْنُ بْنُ عُدَيٍّ، ومالِكُ بْنُ الدَّخْشَمِ في آَخَرِينَ، وقالَ: "انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ، فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ"، وأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ أنْ يُتَّخَذَ كُناسَةً تُلْقى فِيها الجِيَفُ.
وماتَ أبُو عامِرٍ بِالشّامِ وحِيدًا غَرِيبًا.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا.
و"ضِرارًا" انْتَصَبَ مَفْعُولًا لَهُ المَعْنى: اتَّخَذُوهُ لِلضِّرارِ والكُفْرِ والتَّفْرِيقِ والإرْصادِ.
فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ، أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ قالَ المُفَسِّرُونَ: والضِّرارُ بِمَعْنى المُضارَّةِ لِمَسْجِدِ قِباءٍ، (وَكَفْرًا) بِاللَّهِ ورَسُولِهِ (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ) لِأنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ في مَسْجِدِ قَباءٍ جَمِيعًا، فَأرادُوا تَفْرِيقَ جَماعَتِهِمْ، والإرْصادُ: الِانْتِظارُ فانْتَظَرُوا بِهِ مَجِيءَ أبِي عامِرٍ، وهو الَّذِي حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ.
﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا ﴾ أيْ: ما أرَدْنا (إلّا الحُسْنى) أيْ: ما أرَدْنا بِابْتِنائِهِ إلّا الحُسْنى؛ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: طاعَةُ اللَّهِ.
والثّانِي: الجَنَّةُ.
والثّالِثُ: فِعْلُ الَّتِي هي أحْسَنُ مِن إقامَةِ الدِّينِ والِاجْتِماعِ لِلصَّلاةِ.
وقَدْ ذَكَرْنا اسْمَ الحالِفِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: وآخَرُونَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: وآخَرُونَ، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ نَصاحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وأهْلُ الحِجازِ: "مُرْجَوْنَ" مِن أرْجى يُرْجى دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأهْلُ البَصْرَةِ: "مُرْجَؤُونَ" مِن أرْجَأ يُرْجِئُ بِالهَمْزِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما التَأْخِيرُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ لِأنَّهم أخَّرُوا الأعْمالَ، أيْ أخَّرُوا حُكْمَها ومَرْتَبَتَها، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ تَرْكَ الهَمْزِ في مَعْنى التَأْخِيرِ، ولَيْسَ كَما قالَ.
والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ -فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ - الثَلاثَةُ الَّذِينَ خَلِّفُوا، وهم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومَرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ التَوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مُعَرَّضِينَ لِلتَّوْبَةِ مَعَ بِنائِهِمْ مَسْجِدِ الضِرارِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ بِإسْقاطِ واوِ العَطْفِ بَدَلًا مِن ﴿ آخَرُونَ ﴾ أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- فِيها تَرَجٍّ لَهم واسْتِدْعاءٌ إلى الإيمانِ والتَوْبَةِ، وعَلِيمٌ مَعْناهُ: بِمَن يَهْدِي إلى الرُشْدِ، وحَكِيمٌ فِيما يُنَفِّذُهُ مِن تَنْعِيمِ مَن شاءَ وتَعْذِيبِ مَن شاءَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وعَوامُّ القُرّاءِ، والناسُ في كُلِّ قُطْرٍ إلّا بِالمَدِينَةِ: "والَّذِينَ اتَّخَذُوا"، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" بِإسْقاطِ الواوِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِهِمْ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: هي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وهي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ بِغَيْرِ واوٍ.
فَأمّا مَن قَرَأ بِالواوِ فَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرُونَ" أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا، وأمّا مَن قَرَأ بِإسْقاطِها فَرَفَعَ الَّذِينَ بِالِابْتِداءِ.
واخْتُلِفَ في الخَبَرِ فَقِيلَ: الخَبَرُ: "لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا"، قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَتَّجِهُ بِإضْمارٍ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ وإمّا في آخِرِها بِتَقْدِيرِ: "لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ"، وقِيلَ: الخَبَرُ: "لا يَزالُ بُنْيانُهُمْ"، قالَهُ النَحّاسُ، وهَذا أفْصَحُ، وقَدْ ذَكَرْتُ كَوْنَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِن "آخَرُونَ"، آنِفًا، وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "مُعَذَّبُونَ" أو نَحْوُهُ.
وأمّا الجَماعَةُ المُرادَةُ بِـ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" فَهم مُنافِقُو بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ عَنِ الزُهْرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ -بَلَدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ- وقَدْ كانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، فَقالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا أقْبَلَ ونَزَلَ بِذِي أوانٍ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ مالِكَ بْنَ الدُخْشُمِ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فانْطَلَقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلا، وحَرَّقاهُ بِنارٍ في سَعَفٍ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ لِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ووَحْشِيًّا مَوْلى المُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ».
وكانَ بانُوهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِقاقِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُتْعَبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأبُو حُبَيْبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حَنِيفٍ أخُو سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، وابْناهُ: مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ وهو كانَ إمامَهُمْ، وحَلَفَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في خِلافَتِهِ أنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِأمْرِهِمْ، وزَيْدُ بْنُ جارِيَةَ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبَحْزَجُ مِن بَنِي ضَبِيعَةَ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ.
وبَحْزَجُ مِنهم هو الَّذِي حَلَفَ لِرَسُولِ اللهِ : ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى والتَوْسِعَةَ عَلَيْنا وعَلى مَن عَجَزَ أو ضَعُفَ عَنِ المَسِيرِ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما أرَدْنا إلّا الحُسْنى".
والآيَةُ تَقْتَضِي شَرْحَ شَيْءٍ مِن أمْرِ هَذِهِ المَساجِدِ، فَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ وقْتَ الهِجْرَةِ بَنى مَسْجِدًا في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهو مَسْجِدُ قُباءٍ،» وقِيلَ: وَجَدَهُ مَبْنِيًّا قَبْلَ وُرُودِهِ، وقِيلَ: وجَدَهُ مَوْضِعَ صَلاةٍ فَبَناهُ، وتَشَرَّفَ القَوْمُ بِذَلِكَ فَحَسَدَهم مِن حِينِئِذٍ رِجالٌ مِن بَنِي عَمِّهِمْ مِن بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَكانَ فِيهِمْ نِفاقٌ، وكانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ قُباءٍ مَرْبَطًا لِحِمارِ امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ اسْمُها لِيَةُ، فَكانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: واللهِ لا نَصْبِرُ عَلى الصَلاةِ في مَرْبَطِ حِمارِ لِيَةَ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ، وكانَ أبُو عامِرٍ عَبْدُ عَمْرٍو المَعْرُوفُ بِالراهِبِ مِنهُمْ، وكانَتْ أُمُّهُ مِنَ الرُومِ، فَكانَ يَتَعَبَّدُ في الجاهِلِيَّةِ فَسُمِّي الراهِبَ، وهو أبُو حَنْظَلَةَ غِسِّيلِ المَلائِكَةِ، وكانَ سَيِّدًا نَظِيرًا وقَرِيبًا مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، فَلَمّا جاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإسْلامِ نافَقَ ولَمْ يَزَلْ مُجاهِرًا بِذَلِكَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ الفاسِقَ، ثُمَّ خَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحِزَّبَ عَلى رَسُولِ اللهِ الأحْزابَ، فَلَمّا رَدَّهُمُ اللهُ بِغَيْظِهِمْ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ مَظْهِرًا لِعَداوَتِهِ، فَلَمّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ هَرَبَ إلى الطائِفِ.
فَلَمّا أسْلَمْ أهْلُ الطائِفِ خَرَجَ هارِبًا إلى الشامِ يُرِيدُ قَيْصَرَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلى رَسُولِ اللهِ ، وكَتَبَ إلى قَوْمِهِ المُنافِقِينَ مِنهم أنِ ابْنُوا مَسْجِدًا مُقاوَمَةً لِمَسْجِدِ قُباءٍ وتَحْقِيرًا لَهُ، فَإنِّي سَآتِي بِجَيْشٍ مِنَ الرُومِ أُخْرِجُ بِهِ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ فَبَنَوْهُ وقالُوا: سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ ويُصَلِّي فِيهِ ويَتَّخِذُهُ مُتَعَبَّدًا ويُسَرُّ بِهِ، ثُمَّ إنَّ أبا عامِرٍ هَلَكَ عِنْدَ قَيْصَرَ.
ونَزَلَ القُرْآنُ في أمْرِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ يَعْنِي أبا عامِرٍ وقَوْلُهُمْ: "سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ "، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِلَّذِينِ حارَبُوا اللهَ" وقَوْلُهُ: ﴿ ضِرارًا ﴾ أيْ داعِيَةً لِلتَّضارِّ بَيْنَ جَماعَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ: "ضِرارًا" وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ما يَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ كانَ المَصْدَرُ المُلازِمُ لِذَلِكَ مُفاعَلَةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ونُصِبَ "ضِرارٌ" وما بَعْدَهُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ: بَيْنَ الجَماعَةِ الَّتِي كانَتْ تُصَلِّي في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ مَن جاوَزَ مَسْجِدَهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى صَرْفِهِ عَنِ الإيمانِ.
وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ جَماعَةَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ، وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ في المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى، وسَيَأْتِي ذَلِكَ، قالَ النَقّاشُ: يَلْزَمُ مِن هَذا ألّا يُصَلّى عَلَيْهِ في كَنِيسَةٍ ونَحْوِها لِأنَّها بُنِيَتْ عَلى شَرٍّ مِن هَذا كُلِّهِ، وقَدْ قِيلَ في هَذا: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفَقُّهٌ غَيْرُ قَوِيٍّ.
والإرْصادُ: الإعْدادُ والتَهْيِئَةُ، والَّذِي حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ: هو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يُرِيدُ: في غَزْوَةِ الأحْزابِ وغَيْرِها، والحالِفُ المُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ ﴾ هو بَحْزَجٌ ومَن حَلَفَ مِن أصْحابِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن قَوْلِهِ: "إنَّهم لَكاذِبُونَ" لِأنَّ الشَهادَةَ في مَعْنى القَوْلِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شَقِيقٍ أنَّهُ جاءَ لِيُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ بُنِيَ غاضِرَةً فَوَجَدَ الصَلاةَ قَدْ فاتَتْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مَسْجِدَ بَنِي فُلانٍ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ بَعْدُ، فَقالَ: لا أُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَإنَّهُ بُنِيَ عَلى ضِرارٍ، وكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ ضِرارًا ورِياءً وسُمْعَةً فَهو في حُكْمِ مَسْجِدِ الضِرارِ، ورُوِيَ أنَّ مَسْجِدَ الضِرارِ لَمّا هُدِمَ وأُحْرِقَ اتُّخِذَ مَزْبَلَةً تُرْمى فِيهِ الأقْذارُ والقِماماتُ.
<div class="verse-tafsir"
هذا كلام على فريق آخر من المؤاخَذين بأعمال عملوها غضب الله عليهم من أجلها، وهم فريق من المنافقين بنوا مسجداً حول قباء لغرض سيء لينصرف إخوانهم عن مسجد المؤمنين وينفردوا معهم بمسجد يخصهم.
فالجملة مستأنفة ابتدائية على قراءة من قرأها غيرَ مفتتحة بواو العطف، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر.
ونكتة الاستئناف هنا التنبيه على الاختلاف بين حال المراد بها وبين حال المراد بالجملة التي قبلها وهم المرجون لأمر الله.
وقرأها البقية بواو العطف في أولها، فتكون معطوفةً على التي قبلها لأنها مثلها في ذكر فريق آخر مثل مَن ذكر فيما قبلها.
وعلى كلتا القراءتين فالكلام جملة أثر جملة وليس ما بعد الواو عطف مفرد.
وقوله ﴿ الذين ﴾ مبتدأ وخبره جملة: ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ كما قاله الكسائي.
والرابط هو الضمير المجرور من قوله: ﴿ لا تقم فيه ﴾ لأن ذلك الضمير عائد إلى المسجد وهو مفعولُ صلةِ الموصول فهو سببي للمبتدأ، إذ التقدير: لا تقم في مسجد اتخذوه ضراراً، أو في مسجدهم، كما قدره الكسائي.
ومن أعربوا ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ [التوبة: 109] خبراً فقد بعدوا عن المعنى.
والآية أشارت إلى قصة اتخاذ المنافقين مسجداً قُرب مسجد قُباء لقصد الضرار، وهم طائفة من بني غُنْم بن عَوف وبني سالم بن عَوف من أهل العوالي.
كانوا اثني عشر رجلاً سماهم ابن عطية.
وكان سبب بنائهم إيَّاه أن أبا عامر واسمه عبد عمرو، ويلقب بالراهب من بني غنم بن عوف كان قد تنصر في الجاهلية فلما جاء الإسلام كان من المنافقين.
ثم جاهر بالعداوة وخرج في جماعة من المنافقين فحزَّب الأحزاب التي حاصرت المدينة في وقعة الخندق فلما هزمهم الله أقام أبو عامر بمكة.
ولما فتحت مكة هرب إلى الطائف، فلما فتحت الطائف وأسلمت ثقيف خرج أبو عامر إلى الشام يستنصر بقيصر، وكتب إلى المنافقين من قومه يأمرهم بأن يبنوا مسجداً ليخلصوا فيه بأنفسهم، ويعِدهم أنه سيأتي في جيش من الروم ويخرج المسلمين من المدينة.
فانتدب لذلك اثنا عشر رجلاً من المنافقين بعضهم من بني عمرو بن عوف وبعضهم من أحلافهم من بني ضبيعَة بن زيد وغيرهم، فبنوه بجانب مسجد قباء، وذلك قُبيل مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تَبوك.
وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.
فلما قفل من غزوة تبوك سألوه أن يأتي مسجدهم فأنزل الله هذه الآية، وحلفوا أنهم ما أرادوا به إلا خيراً.
والضرار: مصدر ضار مبالغة في ضر، أي ضِراراً لأهل الإسلام.
والتفريق بين المؤمنين هو ما قصدوه من صرف بني غُنم وبني سالم عن قباء.
والإرصاد: التهيئة.
والمراد بمن حارب الله ورسوله أبو عامر الراهب، لأنه حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب وحاربه مع ثقيف وهوازنَ، فقوله: ﴿ من قبلُ ﴾ إشارة إلى ذلك، أي من قبل بناء المسجد.
وجملة: ﴿ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ﴾ معترضة، أو في موضع الحال.
والحسنى: الخير.
وجملة: ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾ معترضة.
وجملة: ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ هي الخبر عن اسم الموصول كما قدمْنا.
والمراد بالقيام الصلاة لأن أولها قيام.
ووجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه تكسبه يُمْناً وبَركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه فيقتصر بنو غُنم وبنو سالم على الصلاة فيه لقربه من منازلهم، وبذلك يحصل غرض المنافقين من وضعه للتفريق بين جماعة المسلمين.
فلما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه مفضية إلى ترويج مقصدهم الفاسد صار ذلك وسيلة إلى مفسدة فتوجه النهي إليه.
وهذا لا يطلع على مثله إلا الله تعالى.
وهذا النهي يعم جميع المسلمين لأنه لما نهي النبي عن الصلاة فيه علم أن الله سلب عنه وصف المسجدية فصارت الصلاة فيه باطلة لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بنَ ياسر ووحشياً مولى المُطعم بن عدي ومالكَ بن الدخشم ومعنَ بن عدي فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه»، ففعلوا.
وتحريقه تحريق الأعواد التي يتخذ منها السَّقف، والجذوععِ التي تجعل له أعمدة.
وقوله: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ﴾ احتراس مما يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادةٍ في الوقت الذي رغبوه للصلاة فيه فأمره الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعَوه فيه للصلاة في مسجد الضرار أن يصلي في مسجده أو في مسجد قُباء، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه، وهذا أدب نفساني عظيم.
وفيه أيضاً دفع مكيدةِ المنافقين أن يطعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع، فقوله: ﴿ أحقُّ ﴾ وإن كان اسم تفضيل فهو مسلوب المفاضلة لأن النهي عن صلاته في مسجد الضرار أزال كونه حقيقاً بصلاته فيه أصلاً.
ولعل نكتة الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين بمُجازاتهم ظاهراً في دعوتهم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقاً بصلاته بمسجد أسس على التقوى أحق منه، فيعرف من وصفه بأنه ﴿ أسس على التقوى ﴾ أن هذا أسس على ضدها.
وثبت في «صحيح مسلم» وغيره عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن المراد من المسجد الذي أسس على التقوى في هذه الآية فقال: «هو مسجدكم هذا».
يعني المسجد النبوي بالمدينة.
وثبت في الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا بأنهم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء.
وذلك يقتضي أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم هو مسجدهم، لقوله: ﴿ فيه رجالٌ ﴾ .
ووجه الجمع بين هذين عندي أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم ﴾ المسجد الذي هذه صفته لا مسجداً واحداً معيناً، فيكون هذا الوصف كلياً انحصر في فَردين المسجدِ النبوي ومسجدِ قُباء، فأيهما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجدِ الضرار كانَ ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مَسجدهم، ومن مطاعنهم أيضاً، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين.
وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبَه.
ومن جليل المنازع من هذه الآية ما فيها من حجة لصحة آراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جعلوا العام الذي كان فيه يوم الهجرة مبدأ التاريخ في الإسلام.
وذلك ما انتزعه السهيلي في «الروض الأنف» في فصل تأسيس مسجدِ قباء إذ قال: «وفي قوله سبحانه: ﴿ من أول يوم ﴾ (وقد علم أنه ليس أولَ الأيام كلها ولا أضافَه إلى شيء في اللفظ الظاهر فيه) من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم مع عمر حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عَام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام وأمِن فيه النبي صلى الله عليه وسلم فوافق هذا ظاهر التنزيل».
وجملة: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ ثناء على مؤمني الأنصار الذين يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمسجد قباء.
وجاء الضمير مفرداً مراعاة للفظ (مَسجد) الذي هو جنس، كالإفراد في قوله تعالى: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ [آل عمران: 119].
وفيه تعريض بأن أهل مسجد الضرار ليسوا كذلك.
وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين الاستجمار بالأحجار والغسل بالماء كما دل عليه حديث رواه الدارقطني عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقال: " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطُهور فما طُهوركم؟
قالوا: إنَّ أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء.
قال: هو ذلك فعليكموه "، فهذا يعم الأنصار كلهم.
ولا يعارضه حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن طهارتهم لأن أهل قباء هم أيضاً من الأنصار، فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في قبائل الأنصار.
وأطلقت المحبة في قوله: ﴿ يحبون ﴾ كناية عن عمل الشيء المحبوب لأن الذي يحب شيئاً ممكناً يعمله لا محالة.
فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقرباً إلى الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها، بحيث صارت الطهارة خُلقاً لهم فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم.
وجملة: ﴿ والله يحب المطهرين ﴾ تذييل.
وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خلقاً يحبه الله تعالى.
وكفى بذلك تنويهاً بزكاء أنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا ﴾ هَؤُلاءِ هم بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: هم خِذامُ بْنُ خالِدٍ ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِّقاقِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قَشِيرٍ، وأبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ أخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ مُجَمِّعٌ وزَيْدٌ ابْنا جارِيَةَ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وبَحْرَجٌ وهو جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ، ولَهُ قالَ النَّبِيُّ : « (وَيْلَكَ يا بَحْرَجُ ماذا أرَدْتَ بِما أرى؟
فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى، وهو كاذِبٌ، فَصَدَّقَهُ، فَبَنى هَؤُلاءِ مَسْجِدَ الشِّقاقِ والنِّفاقِ قَرِيبًا مِن مَسْجِدِ قُباءٍ.
» ﴿ ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي ضِرارًا، وكُفْرًا بِاللَّهِ، وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَجْتَمِعُوا كُلُّهم في مَسْجِدِ قُباءٍ فَتَجْتَمِعَ كَلِمَتُهم، ويَتَفَرَّقُوا فَتَتَفَرَّقَ كَلِمَتُهم، ويَخْتَلِفُوا بَعْدَ ائْتِلافِهِمْ.
﴿ وَإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ وفي الإرْصادِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ انْتِظارُ سُوءٍ يُتَوَقَّعُ.
الثّانِي: الحِفْظُ المَقْرُونُ بِفِعْلٍ.
وَفي مُحارَبَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُخالَفَتُهُما.
الثّانِي: عَداوَتُهُما.
والمُرادُ بِهَذا الخِطابِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ والِدُ حَنْظَلَةَ بْنِ الرّاهِبِ كانَ قَدْ حَزَّبَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ خافَ فَهَرَبَ إلى الرُّومِ وتَنَصَّرَ واسْتَنْجَدَ هِرَقْلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ .
فَبَنَوْا هَذا المَسْجِدَ لَهُ حَتّى إذا عادَ مِن هِرَقْلَ صَلّى فِيهِ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ إذا صَلّى فِيهِ نُصِرَ، وكانُوا ابْتَدَأُوا بُنْيانَهُ ورَسُولُ اللَّهِ خارِجٌ إلى تَبُوكَ، فَسَألُوهُ أنْ يُصَلِّيَ لَهم فِيهِ فَقالَ: « (أنا عَلى سَفَرٍ ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ أتَيْناكم وصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا قَدِمَ مِن تَبُوكَ أتَوْهُ وقَدْ فَرَغُوا مِنهُ وصَلَّوْا فِيهِ الجُمُعَةَ والسَّبْتَ والأحَدَ، وقالُوا قَدْ فَرَغْنا مِنهُ، فَأتاهُ خَبَرُ المَسْجِدِ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ما أُنْزِلَ.
» وحَكى مُقاتِلٌ أنَّ الَّذِي أمَّهم فِيهِ مُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ وكانَ قارِئًا، ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى الكُوفَةِ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنَ، وهو عَلَّمَ ابْنَ مَسْعُودٍ بَقِيَّةَ القُرْآنِ.
﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: طاعَةُ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: الجَنَّةُ.
والثّالِثُ: فِعْلُ الَّتِي هي أحْسَنُ، مِن إقامَةِ الدِّينِ والجَماعَةِ والصَّلاةِ، وهي يَمِينُ تَحَرُّجٍ.
﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ خائِنُونَ في إيمانِهِمْ.
والثّانِي: واللَّهُ يُعْلِمُكَ أنَّهم لَكاذِبُونَ خائِنُونَ.
فَصارَ إعْلامُهُ لَهُ كالشَّهادَةِ مِنهُ عَلَيْهِمْ.
﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ أيْ لا تُصَلِّ فِيهِ أبَدًا، يَعْنِي مَسْجِدَ الشِّقاقِ والنِّفاقِ «فَعِنْدَ ذَلِكَ أنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ مالِكَ بْنَ الدَّخْشَمِ وعاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ.
فَذَهَبا إلَيْهِ وأخَذا سَعَفًا وحَرَقاهُ.
» وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بَلِ انْهارَ المَسْجِدُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ولَمْ يُحَرَّقْ.
﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ورَواهُ مَرْفُوعًا.
الثّانِي: أنَّهُ مَسْجِدُ قُباءٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ وهو أوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ في المَدِينَةِ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ﴿ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ واللَّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِنها بِالتَّوْبَةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا مِنَ البَوْلِ والغائِطِ بِالِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ.
واللَّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ بِذَلِكَ.
رَوى أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِلْأنْصارِ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: « (يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطَّهُورِ فَما طَهُورُكم هَذا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ؟
قالُوا: لا، غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ، فَقالَ: هو ذَلِكَ فَعَلَيْكُمُوهُ) .» الثّالِثُ: أنَّهُ عَنى المُتَطَهِّرِينَ عَنْ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، وهو مَجْهُولٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً ﴾ قال: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنده من الروم فأخرج محمداً وأصحابه.
فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة.
فأنزل الله: ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء خرج رجال من الأنصار منهم يخدج جد عبدالله بن حنيف، ووديعة بن حزام، ومجمع بن جارية الأنصاري، فبنوا مسجد النفاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخدج «ويلك يا يخدج...
!
ما أردت إلى ما أرى؟
قال: يا رسول الله، والله ما أردت إلا الحسنى- وهو كاذب- فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يعذره، فأنزل الله: ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ يعني رجلاً يقال له أبو عامر، كان محارباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد انطلق إلى هرقل وكانوا يرصدون إذا قدم أبو عامر أن يصلي فيه، وكان قد خرج من المدينة محارباً لله ولرسوله» .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال «ذكر أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجداً، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي في مسجدهم، فأتاهم فصلى فيه، فلما رأوا ذلك اخوتهم بنو غنم بن عوف حسدوهم، فقالوا: نبني نحن أيضاً مسجداً كما بنى اخواننا فنرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه، ولعل أبا عامر أن يمر بنا فيصلي فيه.
فبنوا مسجداً فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي في مسجدهم كما صلى في مسجد اخوتهم، فلما جاء الرسول قام ليأتيهم أو همَّ ليأتيهم، فأنزل الله: ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ﴾ قال: المنافقون.
وفي قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ قال: لأبي عامر الراهب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً ﴾ قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم بنى مسجداً بقباء فعارضه المنافقون بآخر، ثم بعثوا إليه ليصلي فيه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك.
وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم فقال مالك لعاصم: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه وخرج أهله فتفرقوا عنه، فأنزل الله في شأن المسجد ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً ﴾ إلى قوله: ﴿ عليم حكيم ﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري- وكان من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة- قال: «أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان بنى مسجداً الضرار، فأتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه.
قال: إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي، وأخاه عاصم بن عدي أحد بلعجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك.
فدخل إلى أهله، فأخذ سعفاً من النخل فاشعل فيه ناراً، ثم خرج يشتدان وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، وفيهم نزل من القرآن ما نزل ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً ﴾ إلى أخر القصة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ﴾ قال: هم ناس من الأنصار، ابتنوا مسجداً قريباً من مسجد قباء، بلغنا أنه أول مسجد بُنيَ في الإِسلام.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق قال: كان الذين بنوا مسجد الضرار اثني عشر رجلاً.
جذام بن خالد بن عبيد بن زيد، وثعلبة بن حاطب، وهزال بن أمية، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف، وجارية بن عامر، وأبناء محمع، وزيد، ونبتل بن الحارث، ويخدج بن عثمان، ووديعة بن ثابت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ والذين اتخذوا مسجداً ضراراً ﴾ قال: ضاروا أهل قباء ﴿ وتفريقاً بين المؤمنين ﴾ قال: فإن أهل قباء كانوا يصلون في مسجد قباء كلهم، فلما بني أقصر من مسجد قباء من كان يحضره وصلوا فيه ﴿ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ﴾ فحلفوا ما أرداوا به إلا الخير.
أما قوله تعالى: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ﴾ .
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة، وفي لفظ: تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى.
فقال الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال العمري: هو مسجد قباء.
فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال «هو هذا المسجد، لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: في ذلك خير كثير، يعني مسجد قباء» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والزبير بن بكار في أخبار المدينة وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم في الكنى وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى.
فقال أحدهما: هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال الآخر: هو مسجد قباء.
فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال «هو مسجدي هذا» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال «هو مسجدي هذا» .
وأخرج الطبراني والضياء المقدسي في المختارة عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال «هو مسجدي هذا» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني من طريق عروة عن زيد بن ثابت قال: المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عروة: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خير منه، إنما أنزلت في مسجد قباء.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عمر قال: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الزبير بن بكار وابن جرير وابن المنذر من طريق عثمان بن عبيدالله عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وزيد بن ثابت قالوا: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد المدينة الأعظم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ لمسجد أسس على التقوى ﴾ يعني مسجد قباء.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ لمسجد أسس على التقوى ﴾ قال: هو مسجد قباء.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم وصححه وابن ماجة عن أسيد بن ظهيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدة قباء كعمرة» قال الترمذي: لا نعرف لأسيد بن ظهيرة شيئاً يصح غير هذا الحديث.
وأخرج ابن سعد عن ظهير بن رافع الحارثي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى في قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الاختلاف إلى قباء راكباً وماشياً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج حتى يأتي هذا المسجد- مسجد قباء- فيصلي فيه كان كعدل عمرة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين.
أنه كان يرى كل مسجد بني بالمدينة أسس على التقوى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمار الذهبي قال: دخلت مسجد قباء أصلي فيه فأبصرني أبو سلمة فقال: أحببت أن تصلي في مسجد أسس على التقوى من أول يوم.
فأخبرني أن ما بين الصومعة إلى القبلة زيادة زادها عثمان.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ﴾ الآية، قرأ نافع وابن عامر: (الذين) بغير واو (١) (٢) (٣) ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ﴾ [(وآخرون اعترفوا)] [[[التوبة: 102] وهي ساقطة من النسخة (ح).]] ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ أي ومنهم آخرون، ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ أي: ومنهم الذين اتخذوا، ومن لم يلحق الواو لم (٤) ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ كما تبدل المعرفة من النكرة؛ لأن أولئك غير هؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا (٥) (٦) ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ ﴾ أي فيقال لهم: أكفرتم؛ فكذلك حذف الخبر مع الحرف اللاحق له هاهنا.
والثاني: أن تضمر الخبر على تقدير: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ﴾ إلى قوله: ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ منهم، وحسن حذف الخبر لطول الكلام بالمبتدأ وصلته، ومثله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وَالْبَادِ ﴾ والمعنى فيه: ينتقم منهم، أو يعذبون، ونحو ذلك مما يليق بهذا المبتدأ (٧) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: (هؤلاء كانوا اثني (٨) (٩) والضرار محاولة التفسير، كما أن الشقاق محاولة ما يشق، قال أبو إسحاق: (وانتصب (ضرارًا) لأنه (١٠) (١١) ﴿ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ﴾ : ضاروا به ضرارًا (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكُفْرًا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد ضرارًا للمؤمنين وكفرًا بالنبي وما جاء به) (١٤) وقال الزجاج: (لأن عناد النبي كفر) (١٥) والإسلام) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، قال المفسرون: (يفرقون به جماعتهم؛ لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيختلفوا (١٧) (١٨) ، فيؤدي إلى التحزب، واختلاف الكلمة وبطلان الألفة) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ قالوا: يعني أبا عامر الراهب (٢٠) الفاسق، وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب، فلما خرج رسول الله عاداه، وقال: لا أجد قوماً يقاتلونك (٢١) (٢٢) (٢٣) قال الزجاج: (والإرصاد: الانتظار) (٢٤) وقال ابن قتيبة: ( ﴿ وَإِرْصَادًا ﴾ أي ترقبًا بالعداوة (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ...
ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ...
وأنك لم ترصد كما كان أرصدا (٢٩) وقال الليث: (يقال أنا لك مُرصد بإحسانك حتى أكافئك به) (٣٠) (٣١) (٣٢) [وقوله تعالى: ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ يعني من قبل بناء مسجد الضرار] (٣٣) ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى ﴾ أي: ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى مسجد رسول الله [وذلك أنهم قالوا لرسول الله - -] (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، قال الزجاج: (أطلع الله نبيه - - على طويتهم وعلى أنهم سيحلفون كاذبين) (٣٦) (١) وكذلك قرأ أبو جعفر المدني، وقرأ الباقون بالواو، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 167، و"التبصرة في القراءات" ص 216، و"تقريب النشر" ص 121.
(٢) انظر: "كتاب المصاحف" لأبي بكر ابن أبي داود ص 49، و"كتاب السبعة في القراءات" ص 318.
(٣) في (ح): لحق.
(٤) في (ح): (ولم)، وهو خطأ.
(٥) ساقط من (ى).
(٦) في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 240 الذي نقل منه هذا النص: جاز قوله على ...
إلخ.
(٧) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 240 - 241.
(٨) في (ح): (اثنا).
(٩) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 22 - 26، وابن أبي حاتم 6/ 1898، والبغوي 4/ 93، وابن الجوزي 3/ 499، والرازي 16/ 193، و"الدر المنثور" 3/ 494 - 495.
(١٠) في (ى): (كأنه)، وهو خطأ.
(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٢) عبارة الزجاج: لأن اتخاذهم المسجد على غير التقوى معناه ضاروا به ضرارًا.
أهـ.
وعبارة الواحدي لا تؤدي هذا المعنى.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 468 بتصرف.
(١٤) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 193، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 524.
(١٥) " معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469.
(١٦) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 193 دون تعيين القائل ولم أجد من عينه.
(١٧) في (ح): (فيتخلفوا)، والصواب ما في (م) و (ى) وهو موافق لما في "تفسير ابن جرير" والثعلبي.
(١٨) في (ى): (بشرك)، وهو خطأ.
(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 11/ 23، والثعلبي 6/ 148 أ، والبغوي 4/ 92 بمعناه.
(٢٠) هو: عبد عمرو ويقال عمرو بن صيفي بن مالك بن أمية الأوسي، المعروف بأبي عامر الراهب، كان في الجاهلية يذكر البعث ودين الحنيفية، فلما بُعث الرسول عانده وحسده وخرج عن المدينة، وشهد مع قريش وقعة أحد، ثم خرج إلى الروم فمات هناك سنة تسع أو عشر.
انظر: "السيرة النبوية" 3/ 12، و"الإصابة" 1/ 360 - 361.
(٢١) في (ى): (يقاتلونكم).
(٢٢) في (ى): (السلاح).
(٢٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 24، والبغوي 4/ 94، و"الدر المنثور" 3/ 494.
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه " 2/ 468.
(٢٥) في (ى): (للعداوة)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.
(٢٦) "تفسير غريب القرآن" ص 199.
(٢٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 23، والثعلبي 6/ 148 أ، والبغوي 4/ 94، والزمخشري 2/ 214، و"المفردات في غريب القرآن" (رصد) ص 196، و"تهذيب اللغة" (رصد) 2/ 1414.
(٢٨) "تهذيب اللغة" (رصد) 2/ 1413.
(٢٩) البيتان في ديوان أعشي قيس ص 46 من قصيدة طويلة يمدح بها النبي ويذكر بعض أساسيات الدين، ومعالم الأخلاق.
(٣٠) ساقط من (ح).
(٣١) "تهذيب اللغة" (رصد) 2/ 1414، والنصان في كتاب: العين (رصد) 7/ 96.
(٣٢) "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 253 بنحوه.
(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٣٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى).
(٣٥) رواه ابن إسحاق وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 495، وانظر: "السيرة النبوية" 4/ 185.
(٣٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين اتخذوا مَسْجِداً ﴾ قرئ الذين بغير واو صفة لقوله وآخرون مرجون أو على تقديرهم الذين وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجون لأمر الله هم أهل مسجد الضرار، وقرئ والذين بالواو عطف على آخرون مرجون وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجئين أنهم الثلاثة الذين خلفوا ﴿ ضِرَاراً وَكُفْراً ﴾ كانوا بنو عمرو بن عوف من الأنصار قد بنوا مسجد قباء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه ويصلي فيه، فحسدهم على ذلك قومهم بنو غنم بن عوف وبنو سالم بن عوف؛ فبنوا مسجداً آخر مجاوراً له ليقطعوا الناس عن الصلاة في مسجد قباء، وذلك هو الضرار الذي قصدوا وسألوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، ويصلي لهم فيه فنزلت عليه في هذه الآية ﴿ وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين ﴾ أرادوا أن يتفرق المؤمنون عن مسجد قباء ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ﴾ أي انتظاراً لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الراهب الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق وكان من أهل المدينة، فلما قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهر بالكفر والنفاق، ثم خرج إلى مكة فحزَّب الأحزاب من المشركين، فلما فتحت مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام، ليستنصر بقيصر فهلك هناك.
وكان أهل مسجد الضرار يقولون: إذا قدم أبو عامر المدينة يصلي في هذا المسجد.
والإشارة بقوله من قبل إلى ما فعل معه الأحزاب ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى ﴾ أي الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله فأكذبهم الله في ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.
والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.
﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.
﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.
الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.
﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.
الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.
الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.
﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.
الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.
الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: { م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.
وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.
والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.
قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله عنهم بأنه رضي عنهم.
ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.
قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.
وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.
وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.
وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله وما كان بينهم؟
فقال لي: إن الله قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.
قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟
قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟
أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.
قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.
ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.
فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.
ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.
روى السدي عن أبي مالك أنه قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.
وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.
وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.
وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.
وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.
وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.
﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.
قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.
ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.
و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.
وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.
وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.
عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله وأصحابه في الجهاد.
روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.
وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقنا ويعذرنا.
فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.
فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.
فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.
والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.
﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.
وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.
لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.
وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.
ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.
قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.
وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.
وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.
وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.
ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.
ثم قال ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.
وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.
ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.
وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.
وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.
وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.
قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.
قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.
وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.
فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.
وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.
وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.
قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟
ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟
وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟
﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟
احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.
ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.
روي أن رسول الله لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.
وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.
وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.
وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.
وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.
وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.
ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.
والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.
وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.
ولا شك أن رؤية الله شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.
أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.
واعلم أنه قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.
وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.
وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.
وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.
وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.
قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.
ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.
في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.
وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.
واعلم أنه حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.
وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.
وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.
وقال الأكثرون: إنه الإعداد.
والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.
ثم أخبر الله عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.
قال المفسرون.
إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.
فقال رسول الله : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.
فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.
وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.
ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.
ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟
قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.
واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله عن المسجد الذي أسس على التقوى.
فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.
وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.
وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.
وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.
ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.
وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.
"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟
فسكت القوم.
ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.
فقال : أترضون بالقضاء؟
قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟
قالوا: نعم.
قال: أتشكرون في الرخاء؟
قالوا: نعم.
فقال : مؤمنون ورب الكعبة.
فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟
فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.
فتلا النبي : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.
ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.
ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.
والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.
قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.
وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.
ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.
والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.
قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.
وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .
﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان { م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.
﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.
فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.
﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.
﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.
﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.
﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.
﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.
﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.
﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.
ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
عن ابن عباس - - أن المنافقين اتخذوا مسجداً، فلما فرغوا منه جاءوا إلى نبي الله وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: يا رسول الله، بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، [و] إنا نحب يا رسول الله أن تأتينا فتصلي فيه، قال رسول الله: "إنا على سفر وحال شغل، ولو قدمنا من سفرنا أتيناكم فصلينا لكم فيه إن شاء الله"، فأنزل الله على رسوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً...
﴾ الآية؛ أخبر فيه أنهم لم يقصدوا ببناء مسجدهم ذلك ما ذكروا: إنا بنينا [مسجداً] لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والإشفاق على الدين، وحفظ الصلاة بالجماعة، ولكن يقصدون به ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين.
وقوله: ﴿ ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يكون قوله: ﴿ وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ ضِرَاراً ﴾ يقصدون ببناء المسجد الذي بنوا ريبة أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله، حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم، والظفر بهم من أن كانوا مجموعين.
روي عن رسول الله أنه قال: "لن يغلب اثنا عشر ألفاً كلمتهم واحدة" وقوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ جعل الاجتماع في الدين نعمة، ونهاهم عن التفرق وهم كانوا يقصدون قصد التفريق بينهم؛ لما ذكرنا، أو كانوا يقصدون بذلك أن يفرقوا بين ضعفة من المؤمنين وبين رسول الله، فيلبسوا عليهم الدين؛ لأنهم كانوا أهل لسان وجدل، وذلك كله كفر على ما ذكر.
وفيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد ؛ لأنه معلوم أنهم أسرّوا وأضمروا فيما بينهم الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأطلع الله نبيه على ما أسرّوا؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
أي: بنوا ذلك المسجد إرصاداً لمن حارب الله ورسوله.
قال عامة أهل التأويل: هو أبو عامر؛ ذكر أن أبا عامر حارب رسول الله، ثم فرّ منه، فقال للمنافقين: ابنوا مسجداً واستعدوا، فإني ذاهب إلى قيصر بالشام، [فآتي بجند فنخرج محمداً وأصحابه من المدينة.
فذهب إلى قيصر بالشام]، فبنوا مسجداً إرصاداً لمن حارب الله ورسوله، يعني: أبا عامر.
قال القتبي: ضراراً، أي: مضارة، وإرصاداً، أي: ترقباً بالعداوة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ضِرَاراً ﴾ ، أي: مضارة، ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، أي: وقوفاً وانتظار الفرصة لمن حارب الله على المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا ﴾ .
أي: حلفوا ما أردنا باتخاذ المسجد.
﴿ إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ والخير.
﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
فيه ما ذكرنا من الدلالة على إثبات [رسالة محمد ].
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ .
قيل: لا تصل فيه؛ لأنهم سألوه أن يصلي فيه.
وقيل: ﴿ لاَ تَقُمْ ﴾ ، اي: لا تأته، ولا تدخل؛ وهو واحد.
﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: هو مسجد قُباء.
وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله .
روي عن أبي سعيد الخدري قال: "اختصم - أو قال: اختصمنا - [في] المسجد الذي أسس على التقوى؛ فقال النبي صلى الله عليه سلم: هو مسجدي هذا" وعن أبي بن كعب قال: "إن النبي سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: هو مسجدي هذا" وظاهر ما ذكر "أن يكون مسجد قباء؛ لأنه ذكر لما نزل قوله: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ ﴾ ، قال لأهل قباء: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فماذا تصنعون؟
قالوا: نغسل عنا أثر الغائط والبول" .
وفي بعض الأخبار "قالوا: يا رسول الله، إنا نجد مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء، فلا ندعه، فقال: لا تدعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ .
يحتمل: أي: فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان والتوحيد، والصلاة فيه، وكل مسجد هذا فيه فهو مؤسس على التقوى، أي: تقوى الشرك والخلاف لأمر الله ومناهيه.
أو يقول: فيه رجال يحبون، أي: يؤثرون التطهر بالتقوى والأعمال الصالحة على غيرها من الأعمال التي تنجسهم.
ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقدار والأنجاس؛ كأنه قال: فيه رجال يؤثرون الإبلاغ في التطهير من الأقذار والأنجاس التي تصيبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ ﴾ .
أي: على الطاعة لله والإخلاص له.
﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .
له وطلب مرضاته.
﴿ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
أي: بني للاختلاف والتفريق بين المؤمنين والكفر بالله؛ هذا المثل مقابلة مكان بمكان؛ يقول: من بنى بناء على قرار من الأرض مما يقر به وينتفع به خير ممن بنى بناء على المكان الذي لا يقر، ويؤدي إلى الهلاك، ولا ينتفع به، والأول مقابلة فعل بفعل، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ كالذي بنى الضد من ذلك، أي: ليسا بسواء، ثم قال: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ هذا مقابلة فعل بفعل؛ يقول: الذين بنوا المسجد على الطاعة لله، والإخلاص له، وطلب مرضاته، والاجتماع فيه خير ممن بنى للكفر بالله، والتفريق بين المؤمنين، وضراراً بهم؛ هذا مقابلة فعل بفعل.
وقوله: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
هذا مقابلة مكان بمكان؛ لما ذكرنا.
وقوله: ﴿ أُسِّسَ ﴾ .
أصل الأس والأسس والتأسيس واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
قال أبو عوسجة: ﴿ شَفَا جُرُفٍ ﴾ قال: شفاه: فمه، والجمع: أشفاء، وجرف: أرض يسيل فيها السيل حتى يحفرها، والجِرَفة جمع.
وقوله: ﴿ هَارٍ ﴾ قال: الهار: الهش الذي ليس بصلب، ويقال: انهار ينهار، أي: انهدم، ويقال: رجل هار، أي: ضعيف، وهي أرض هشة، أي: رخوة، سريعة الانهدام، والهش: الرخو.
وقال القتبي: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ \[أي حرف جرف هار\] والجرف: ما ينجرف بالسيول [من] الأودية، والهائر: الساقط، ومنه يقال: تهور البناء: إذا سقط وانهار.
وقال أبو عبيدة: ﴿ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ ﴾ الشفا: هو الشفير، والجرف: ما ينجرف من السيول من الأودية، وهار، يريد: هائر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ .
قال بعضهم: خسف الله مسجدهم في نار جهنم.
وفي حرف ابن مسعود: (فخر من قواعده في نار جهنم) وقال: حفرت فيه بقعة فرؤي منها دخان سطع، وقال: يهوي ببنائهم الذي بنوا في نار، ولا ندري كيف هو؟
وما معناه؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ بَنَوْاْ رِيبَةً ﴾ ، أي: حسرة وندامة.
وقال بعضهم: ريبة: أي شكّاً وريباً.
ومن قال: حسرة وندامة، فهو على وجهين: الأول: يحتمل: أنهم تابوا وندموا على ما صنعوا.
والثاني: يحتمل: حسرة وندامة؛ لما افتضحوا بما صنعوا، وبما أرادوا بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
ومن قال: شكّاً ونفاقاً ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى الممات، أي: هم على الشك والنفاق إلى الموت، وهو كقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ .
وأصل الريبة: التهمة؛ يقال: فلان مريب: إذا كانت به تهمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ ﴾ .
هذا - أيضاً - على وجهين: أحدهما: على التمثيل أن الخوف والحزن إذا بلغ غايته؛ يقال: فلان متقطع القلب.
<div class="verse-tafsir"
ومن المنافقين أيضًا أولئك الذين ابتنوا مسجدًا لغير طاعة الله، بل للإضرار بالمسلمين، وإظهار الكفر بتقوية أهل النفاق، وللتفريق بين المؤمنين، وللإعداد والانتظار لمن حارب الله ورسوله من قبل بناء المسجد، وليحلفن هؤلاء المنافقون لكم: ما قصدنا إلا الرفق بالمسلمين، والله يشهد إنهم لكاذبون في دعواهم هذه.
<div class="verse-tafsir" id="91.pMB10"