الآية ١٠٨ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٨ من سورة التوبة

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ ١٠٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٨ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لا تقم فيه أبدا ) نهي من الله لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، والأمة تبع له في ذلك ، عن أن يقوم فيه ، أي : يصلي فيه أبدا .

ثم حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى ، وهي طاعة الله ، وطاعة رسوله ، وجمعا لكلمة المؤمنين ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله ؛ ولهذا قال تعالى : ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ) والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء ؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة في مسجد قباء كعمرة " .

وفي الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء راكبا وماشيا وفي الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف ، كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة فالله أعلم .

وقال أبو داود : حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن يونس بن الحارث ، عن إبراهيم بن أبي ميمونة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نزلت هذه الآية في أهل قباء : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) قال : كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت فيهم الآية .

ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث يونس بن الحارث ، وهو ضعيف ، وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه .

وقال الطبراني : حدثنا الحسن بن علي المعمري ، حدثنا محمد بن حميد الرازي ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال : " ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم ؟

" .

فقال : يا رسول الله ، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه - أو قال : مقعدته - فقال النبي صلى الله عليه وسلم .

" هو هذا " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا أبو أويس ، حدثنا شرحبيل ، عن عويم بن ساعدة الأنصاري : أنه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء ، فقال : " إن الله تعالى قد أحسن [ عليكم الثناء ] في الطهور في قصة مسجدكم ، فما هذا الطهور الذي تطهرون به ؟

" فقالوا : والله - يا رسول الله - ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود ، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط ، فغسلنا كما غسلوا .

ورواه ابن خزيمة في صحيحه .

وقال هشيم ، عن عبد الحميد المدني ، عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة .

" ما هذا الذي أثنى الله عليكم : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) قالوا : يا رسول الله ، إنا نغسل الأدبار بالماء .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا محمد بن سعد ، حدثنا إبراهيم بن محمد ، عن شرحبيل بن سعد قال : سمعت خزيمة بن ثابت يقول : نزلت هذه الآية : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) قال : كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط .

حديث آخر : قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا مالك - يعني : ابن مغول - سمعت سيارا أبا الحكم ، عن شهر بن حوشب ، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني : قباء ، فقال : " إن الله ، عز وجل ، قد أثنى عليكم في الطهور خيرا ، أفلا تخبروني ؟

" .

يعني : قوله تعالى : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) فقالوا : يا رسول الله ، إنا نجده مكتوبا علينا في التوراة : الاستنجاء بالماء .

وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف ، رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس .

ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير .

وقاله عطية العوفي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والشعبي ، والحسن البصري ، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير ، وقتادة .

وقد ورد في الحديث الصحيح : أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو في جوف المدينة ، هو المسجد الذي أسس على التقوى .

وهذا صحيح .

ولا منافاة بين الآية وبين هذا ؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى ؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد ، عن أبي بن كعب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا " .

تفرد به أحمد .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد الساعدي قال : اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الآخر : هو مسجد قباء .

فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه ، فقال : " هو مسجدي هذا " تفرد به أحمد أيضا .

حديث آخر : قال أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ليث ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو مسجدي هذا " تفرد به أحمد .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثنا ليث ، حدثني عمران بن أبي أنس ، عن ابن أبي سعيد ، عن أبيه أنه قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، فقال رجل : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو مسجدي " .

وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة ، عن الليث وصححه الترمذي ، ورواه مسلم كما سيأتي .

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى ، عن أنيس بن أبي يحيى ، حدثني أبي قال : سمعت أبا سعيد الخدري قال : اختلف رجلان : رجل من بني خدرة ، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال الخدري : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال العمري : هو مسجد قباء ، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك ، فقال : " هو هذا المسجد " لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : " في ذاك [ خير كثير ] يعني : مسجد قباء .

طريق أخرى : قال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد - حدثنا حميد الخراط المدني ، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت : كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى ؟

فقال أبي : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه ، فقلت : يا رسول الله ، أين المسجد الذي أسس على التقوى ؟

قال : فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ، ثم قال : " هو مسجدكم هذا " .

ثم قال : [ فقلت له : هكذا ] سمعت أباك يذكره ؟

.

رواه مسلم منفردا به عن محمد بن حاتم ، عن يحيى بن سعيد ، به ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن حميد الخراط ، به .

وقد قال بأنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف والخلف ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وزيد بن ثابت ، وسعيد بن المسيب .

واختاره ابن جرير .

وقوله : ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له ، وعلى استحباب الصلاة مع جماعة الصالحين ، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء ، والتنزه عن ملابسة القاذورات .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، سمعت شبيبا أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح فقرأ بهم الروم فأوهم ، فلما انصرف قال : " إنه يلبس علينا القرآن ، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء ، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء " .

ثم رواه من طريقين آخرين ، عن عبد الملك بن عمير ، عن شبيب أبي روح من ذي الكلاع : أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة ، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها .

وقال أبو العالية في قوله تعالى : ( والله يحب المطهرين ) إن الطهور بالماء لحسن ، ولكنهم المطهرون من الذنوب .

وقال الأعمش : التوبة من الذنب ، والتطهير من الشرك .

وقد ورد في الحديث المروي من طرق ، في السنن وغيرها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء : " قد أثنى الله عليكم في الطهور ، فماذا تصنعون ؟

" فقالوا : نستنجي بالماء .

وقد قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عبد الله بن شبيب ، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال : وجدته في كتاب أبي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء .

( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نتبع الحجارة الماء .

ثم قال : تفرد به محمد بن عبد العزيز ، عن الزهري ، ولم يرو عنه سوى ابنه .

قلت : وإنما ذكرته بهذا اللفظ لأنه مشهور بين الفقهاء ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين ، أو كلهم ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه هؤلاء المنافقون، ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله.

ثم أقسم جل ثناؤه فقال: (لمسجد أسِّس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم)، أنت =(فيه).

* * * يعني بقوله: (أسس على التقوى)، ابتدئ أساسه وأصله على تقوى الله وطاعته =(من أول يوم)، ابتدئ في بنائه =(أحق أن تقوم فيه)، يقول: أولى أن تقوم فيه مصلِّيًا.

* * * وقيل: معنى قوله: (من أول يوم)، مبدأ أول يوم كما تقول العرب: " لم أره من يوم كذا ", بمعنى: مبدؤه = و " من أول يوم "، يراد به: من أول الأيام, كقول القائل: " لقيت كلَّ رجل ", بمعنى كل الرجال.

* * * واختلف أهل التأويل في المسجد الذي عناه بقوله: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم).

فقال بعضهم: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه منبره وقبره اليوم.

* * * * ذكر من قال ذلك: 17201- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن إبراهيم بن طهمان, عن عثمان بن عبيد الله قال: أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر، أسأله عن المسجد الذي أسس على التقوى، أيّ مسجد هو؟

مسجد المدينة, أو مسجد قباء؟

قال: لا مسجد المدينة.

(18) 17202-......

قال، حدثنا القاسم بن عمرو العنقزي, عن الدراوردي, عن عثمان بن عبيد الله, عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد قالوا: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد الرسول.

(19) 17203-......

قال، حدثنا أبي, عن ربيعة بن عثمان, عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع قال: سألت ابن عمر عن المسجد الذي أسس على التقوى؟

قال: هو مسجد الرسول.

(20) 17204-......

قال، حدثنا ابن عيينة, عن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد, عن زيد قال: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

17205-......

قال، حدثنا أبي, عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان, عن أبيه, عن خارجة بن زيد, عن زيد قال: هو مسجد الرسول.

17206- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا حميد الخراط المدني قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟

فقال لي: [قال أبي] (21) أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه في بيت بعض نسائه, فقلت: يا رسول الله, أيُّ مسجدٍ الذي أسس على التقوى؟

قال: فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض, ثم قال: هو مسجدكم هذا!

= [فقلت]: (22) هكذا سمعت أباك يذكره.

(23) 17207- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أسامة بن زيد, عن عبد الرحمن بن أبي سعيد, عن أبيه قال: المسجد الذي أسس على التقوى، هو مسجدُ النبيِّ الأعظمُ.

17208- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود, عن سعيد بن المسيب قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم, هو مسجد المدينة الأكبر.

17209- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود قال، قال سعيد بن المسيب, فذكر مثله = إلا أنه قال: الأعظم.

17210- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان, عن ابن حرملة, عن سعيد بن المسيب قال: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

17211- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد = قال: أحسبه عن أبيه = قال: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أسس على التقوى.

* * * وقال آخرون: بل عني بذلك مسجد قُباء.

* ذكر من قال ذلك: 17212- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم)، يعني مسجد قُباء.

17213- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, نحوه.

17214- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم)، هو مسجد قباء.

17215- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن صالح بن حيان, عن ابن بريدة قال: مسجد قُباء، الذي أسس على التقوى, بناه نبي الله صلى الله عليه وسلم.

(24) 17216- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد قباء.

17217- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري, عن عروة بن الزبير: الذين بُني فيهم المسجدُ الذي أسس على التقوى, بنو عمرو بن عوف.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، لصحة الخبَر بذلك عن رسول الله.

(25) * ذكر الرواية بذلك.

17218- حدثنا أبو كريب وابن وكيع = قال أبو كريب: حدثنا وكيع = وقال ابن وكيع: حدثنا أبي = عن ربيعة بن عثمان التيمي, عن عمران بن أبي أنس، رجل من الأنصار, عن سهل بن سعد قال، اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى, فقال أحدهما: هو مسجد النبيّ!

وقال الآخر: هو مسجد قباء!

فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه, فقال: هو مسجدي هذا = اللفظ لحديث أبي كريب, وحديث سفيان نحوه.

(26) 17219- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم, عن عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس, عن سهل بن سعد, عن أبيّ بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: مسجدي هذا.

(27) 17220- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، حدثني الليث, عن عمران بن أبي أنس, عن ابن أبي سعيد, عن أبيه, قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم, فقال رجل: هو مسجد قباء!

وقال آخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم!

فقال رسول الله: هو مسجدي هذا.

(28) 17221- حدثني بحر بن نصر الخولاني قال، قرئ على شعيب بن الليث, عن أبيه, عن عمران بن أبي أنس, عن سعيد بن أبي سعيد الخدري قال: تمارى رجلان, فذكر مثله.

(29) 17222- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني سَحْبَل بن محمد بن أبي يحيى قال، سمعت عمي أنيس بن أبي يحيى يحدث, عن أبيه, عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجدي هذا, وفي كلٍّ خيرٌ.

(30) 17223- حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثنا عبد العزيز, عن أنيس, عن أبيه, عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

(31) 17224- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا صفوان بن عيسى قال، أخبرنا أنيس بن أبي يحيى, عن أبيه, عن أبي سعيد: أن رجلا من بني خُدْرة ورجلا من بني عمرو بن عوف، امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى, فقال الخدريُّ: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال العوفي: هو مسجد قباء.

فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه فقال: هو مسجدي هذا, وفي كلٍّ خيرٌ.

(32) * * * القول في تأويل قوله : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: في حاضري المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، رجال يحبُّون أن ينظفوا مقاعدَهم بالماء إذا أتوا الغائط، والله يحبّ المتطهّرين بالماء.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17225- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة, عن شهر بن حوشب قال: لما نـزل: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الطُّهور الذي أثنى الله عليكم؟

قالوا: يا رسول الله، نغسل أثر الغائط.

(33) 17226- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل قُباء: " إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطُّهور, فما تصنعون؟

" قالوا: إنا نغسل عنَّا أثر الغائط والبوْل.

17227- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: لما نـزلت: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، ما هذا الطُّهور الذي أثنى الله عليكم فيه؟

قالوا: إنا نَسْتطيب بالماء إذا جئنا من الغائط.

17228- حدثني جابر بن الكردي قال، حدثنا محمد سابق قال، حدثنا مالك بن مغول, عن سيَّارٍ أبي الحكم, عن شهر بن حوشب, عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: قام علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أخبروني, فإن الله قد أثنى عليكم بالطُّهور خيرًا؟

فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد عندنا مكتوبًا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء.

(34) 17229- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا [يحيى بن رافع], عن مالك بن مغول قال، سمعت سيارًا أبا الحكم غير مرة, يحدث، عن شهر بن حوشب, عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم على أهل قُباء قال: إن الله قد أثنى عليكم بالطهور خيرا = يعني قوله: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، قالوا: إنا نجده مكتوبًا عندنا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء.

(35) 17230- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا [يحيى بن رافع]، قال، حدثنا مالك بن مغول, عن سيار, عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام = قال يحيى: ولا أعلمه إلا عن أبيه = قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا!

قالوا: إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء.

وفيه نـزلت: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا).

(36) 17231- حدثني عبد الأعلى بن واصل قال، حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري قال، حدثنا أبو أويس المدني, عن شرحبيل بن سعد, عن عويم بن ساعدة، وكان من أهل بدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: إني أسمع الله قد أثنى عليكم الثَّناء في الطهور, (37) فما هذا الطهور؟

قالوا: يا رسول الله، ما نعلم شيئًا، إلا أن جيرانًا لنا من اليهود رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط, فغسلنا كما غسلوا.

(38) 17232- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا محمد بن سعيد قال، حدثنا إبراهيم بن محمد, عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نـزلت هذه الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)، قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط.

17233- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي ليلى, عن عامر قال: كان ناس من أهل قُباء يستنجون بالماء, فنـزلت: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين).

17234- حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا شبابة بن سوار, عن شعبة, عن مسلم القُرِّيّ قال: قلت لابن عباس: أصبُّ على رأسي؟

= وهو محرم = قال: ألم تسمع الله يقول: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ؟

(39) 17235- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص, عن داود، وابن أبي ليلى, عن الشعبي, قال، لما نـزلت: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: ما هذا الذي أثنى الله عليكم؟

قالوا: ما منَّا من أحدٍ إلا وهو يستنجي من الخلاء.

17236- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن عبد الحميد المدني, عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة: ما هذا الذي أثنى الله عليكم: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) ؟

قال: نوشك أن نغسل الأدبار بالماء!

(40) 17237- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر, عن حصين, عن موسى بن أبي كثير قال: بدء حديث هذه الآية في رجال من الأنصار من أهل قباء: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم, قالوا: نستنجي بالماء.

(41) 17238- حدثني المثنى قال، حدثنا أصبغ بن الفرج قال، أخبرني ابن وهب قال، أخبرني يونس, عن أبي الزناد قال: أخبرني عروة بن الزبير, عن عويم بن ساعدة، من بني عمرو بن عوف, ومعن بن عدي، من بني العجلان, وأبي الدحداح = فأما عويم بن ساعدة، فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنِ الذين قال الله فيهم: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجال، منهم عويم بن ساعدة = لم يبلغنا أنه سمّى منهم رجلا غير عويم.

(42) 17239- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن هشام بن حسان قال، حدثنا الحسن قال: لما نـزلت هذه الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي ذكركم الله به في أمر الطهور, فأثنى به عليكم؟

قالوا: نغسل أثر الغائِطِ والبول.

17240- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد, قال: أخبرنا ابن المبارك, عن مالك بن مغول قال، سمعت سيارًا أبا الحكم يحدّث، عن شهر بن حوشب, عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة = أو قال: قدم علينا رسول الله = فقال: إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا أفلا تخبروني؟

" قالوا: يا رسول الله, إنا نجد علينا مكتوبًا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء = قال مالك: يعني قوله: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا).

(43) 17241- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية قال: لما نـزلت هذه الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما طهوركم هذا الذي ذكرَ الله؟

قالوا: يا رسول الله، كنا نستنجي بالماء في الجاهلية, فلما جاء الإسلام لم ندعْه.

قال: فلا تدَعوه.

17242- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان في مسجد قُباء رجال من الأنصار يوضِّئون سَفِلَتهم بالماء، (44) يدخلون النخل والماء يجري فيتوضئون، فأثنى الله بذلك عليهم فقال: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، الآية.

17243- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء قال: أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء, فنـزلت فيهم: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين).

* * * وقيل: (والله يحب المطهرين)، وإنما هو: " المتطهِّرين ", ولكن أدغمت التاء في الطاء, فجعلت طاء مشددة، لقرب مخرج إحداهما من الأخرى.

(45) ---------------------- الهوامش : (18) الأثر : 17201 - " إبراهيم بن طهمان الخراساني " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 3762 ، 3727 ، 4931 .

و " عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع " ، مولى سعيد بن العاص .

رأى أبا هريرة ، وأبا قتادة ، وابن عمر ، وأبا أسيد ، يضفرون لحاهم .

مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 156 .

وسيأتي في الأثرين التاليين رقم : 17202 ، 17203 .

وأما قوله : " أرسلني محمد بن أبي هريرة " ، فإني أرتاب فيه كل الارتياب ، وأرجح أنه : " محرر بن أبي هريرة " ، ولم أجد لأبي هريرة ولد يقال له " محمد " ، بل ولده هم " المحرر بن هريرة " ، و " وعبد الرحمن بن أبي هريرة " ، و " بلال بن أبي هريرة " .

ومضى " المحرر بن أبي هريرة " برقم : 2863 ، 16368 - 16370 .

(19) الأثر : 17202 - " القاسم بن عمرو بن محمد العنقزي " ، مولى قريش ، سمع أباه .

مترجم في الكبير 4 / 1 / 172 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 115 ، ولم يذكرا فيه جرحا .

" الدراوردي " ، هو " عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 10676 ، 15714 .

و " عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع " ، مضى في الأثر السالف .

(20) الأثر : 17203 - " ربيعة بن عثمان بن ربيعة التيمي " ، ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 264 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 476 .

و " عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع " ، مضى في الأثرين السالفين .

(21) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من لفظ حديث مسلم .

ولو قلت " قال قال أبي " ، لكان مطابقا لما في المسند .

(22) في المخطوطة : " ثم هكذا سمعت أباك يذكر " ، وفي المطبوعة حذف " ثم " وجعل " يذكر " ، " يذكره " .

فزدت ما بين القوسين إتماما للسياق .

ونص روايته مسلم : " قالت فقلت : أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره " .

(23) الأثر : 17206 - رواه مسلم في صحيحه 9 : 168 ، 169 من هذه الطريق نفسها ، مع اختلاف يسير في بعض لفظه .

ورواه أحمد في مسنده 3 : 24 ، من هذه الطريق ، نفسها مع خلاف في بعض لفظه .

(24) الأثر : 17215 - " صالح بن حيان القرشي " ، ضعيف الحديث ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 276 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 398 ، وميزان الاعتدال 1 : 455 .

" ابن بريدة " ، هو " عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي " ، ثقة ، مضى برقم : 12523 .

(25) يعني الخبر الذي رواه أحمد ومسلم وأبو جعفر آنفا برقم : 17206 ، وما سيأتي من الأخبار .

(26) الأثر : 17218 - " ربيعة بن عثمان التيمي " ، ثقة ، مضى برقم : 17203 .

و " عمران بن أبي أنس العامري المصري " ثقة .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 2 294 .

وأما قول أبي جعفر " رجل من الأنصار " ، فظني أن ذلك لأنه يقال إنه مولى " أبي خراش السلمي ، أو الأسلمي " ، قال ابن سعد : " كانوا يزعمون أنهم من بني عامر بن لؤى ، والناس يقولون إنهم موالي ، ثم انتموا بعد ذلك إلى اليمن " .

ولم أجدهم ذكروا له سماعا من سهل بن سعد الأنصاري ، وهو خليق أن يروى عنه ، لأن سهل بن سعد مات سنة 88 ، وعمران مات سنة 117 .

و " سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري " ، له ولأبيه صحبة ، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن أبي بن كعب ، وعاصم بن عدي ، وعمرو بن عبسة ، ومروان بن الحكم ، وهو دونه .

وهذا الخبر تفرد به أحمد من هذه الطريق نفسها ، في مسنده 5 : 331 ، ثم رواه في ص : 335 ، من طريق عبد الله بن عامر ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد ، وانظر الخبر التالي .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 34 ، وقال : " رواه أحمد والطبراني باختصار ، ورجالهما رجال الصحيح " .

(27) الأثر : 17219 - " عبد الله بن عامر الأسلمي " ، ضعيف ، ذاهب الحديث ، مضى برقم : 15586 .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 117 ، من طريق أبي نعيم ، عن عبد الله بن عامر الأسلمي ، ومن طريق عبد الله بن الحارث الأسلمي ، عن عبد الله بن عامر .

وهذا إسناد ضعيف ، لضعف " عبد الله بن عامر الأسلمي " .

(28) الأثر : 17220 - هذا حديث صحيح ، رواه الترمذي في كتاب التفسير ، ورواه أحمد في مسنده 3 : 8 ، 89 ، وقال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح .

وقد روى هذا عن أبي سعيد من غير هذا الوجه ، رواه أنيس بن أبي يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد " ، وهو ما سيرويه ، أبو جعفر من رقم : 17222 - 17224 .

(29) الأثر : 17221 - " بحر بن نصر بن سابق الخولاني " ، شيخ أبي جعفر ، مضى برقم : 10588 ، 10647 .

وهذا الخبر ، ذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 243 ، من مسند أحمد قال : " حدثنا موسى بن داود قال ، حدثنا ليث ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سعيد بن أبي سعيد قال : تمارى رجلان " .

ولم أستطع أن أستخرجه من المسند في ساعتي هذه ، وقال ابن كثير : " تفرد به أحمد " .

(30) الأثر : 17222 - " سحبل بن محمد بن أبي يحيى سمعان الأسلمي " ، هو " عبد الله بن محمد بن أبي يحيى " ، وقد ينسب إلى جده .

ثقة .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 156 .

وفي بعض الكتب غير مضبوط " سحيل " بالياء ، وضبطه في التقريب بفتح السين المهملة ، وسكون الحاء ، بعدها موحدة .

وكان في المطبوعة : " سجل " ، والصواب ما في المخطوطة .

و " أنيس بن أبي يحيى سمعان الأسلمي " ، ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 43 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 334 .

وأبوه " سمعان " ، " أبو يحيى ، الأسلمي " ، تابعي ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 205 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 316 .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 3 : 23 من طريق : يحيى ، عن أنيس بن أبي يحيى ، بنحوه .

ثم رواه أيضا 3 : 91 من طريق صفوان ، عن أنيس ، بنحوه ( رواه أبو جعفر برقم : 17224 ) .

وإسناده صحيح .

وسيأتي من طرق أخرى بعده .

(31) الأثر : 17223 - مكرر الذي قبله .

(32) الأثر : 17224 - رواه أحمد في مسنده ، كما أشرت إليه في التعليق على رقم : 17222 .

و " صفوان بن عيسى الزهري " ، من شيوخ أحمد ، ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 310 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 425 .

(33) الأثر : 17225 - حديث شهر بن حوشب المرسل ، سيأتي ذكره في التعليق على رقم : 17228 ، بعده .

(34) الأثر : 17228 - حديث شهر بن حوشب ، عن محمد بن عبد الله بن سلام ، سيأتي من طرق ، هذا ثم : 17229 - 17231 ، 17240 .

" جابر بن الكردي بن جابر الواسطي "، شيخ الطبري، ثقة مضى برقم: 7216.

و"محمد بن سابق التميمي"، ثقة ، قيل إنه ليس ممن يوصف بالضبط في الحديث .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 111 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 283 ، ولم يذكرا فيه جرحا .

و " مالك بن مغول بن عاصم البجلي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 5431 ، 10872 ، 14268 .

و " سيار ، أبو الحكم العنزي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 39 .

و " شهر بن حوشب الأشعري " ، ثقة ، مضى برقم : 1489 ، 5244 ، 6650 - 6652 ، وبعدها كثير .

و " محمد بن عبد الله بن سلام بن الحارث الخزرجي الإسرائيبلي " ، له رؤية ورواية محفوظة .

مترجم في تعجيل المنفعة : 366 ، 367 ، والكبير 1 / 1 / 18 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 297 ، والاستيعاب : 234 ، 235 ، وأسد الغابة 4 : 324 ، والإصابة ، في ترجمته .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 6 : 6 ، من طريق " يحيى بن آدم ، حدثنا مالك - يعني ابن مغول - قال سمعت سيارا أبا الحكم غير مرة يحدث عن شهر بن حوشب ، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال : لما قدم رسول الله .

.

.

" .

ورواه البخاري في التاريخ الكبير 1 / 1 / 18 من طريق محمد بن يوسف ، عن مالك بن مغول ، بنحوه ، ثم قال : " وقال إسحاق ، عن جرير ، عن ليث ، عن رجل من الأنصار من أهل قباء : لما نزلت ، بهذا " .

فبين الاختلاف فيه على شهر بن حوشب ، وأنه أبهم الرجل من الأنصار .

وأشار إليه الحافظ ابن عبد البر في ترجمته وقال : " حديثه مخرج في التفسير ، ويختلف في إسناد حديثه هذا ، ومنهم من يجعله مرسلا " ، والمرسل هو رواية الطبري السالفة رقم : 17225 ، وقال ابن حجر في الإصابة : " قال ابن منده : رواه داود بن أبي هند ، عن شهر مرسلا ، لم يذكر محمد ولا أباه " .

ورواه ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمته .

وسيأتي في رقم : 17230 ، قول يحيى بن آدم " ولا أعلم إلا عن أبيه " .

فانظر التعليق على الأثر هناك .

(35) الأثر : 17229 - " يحيى بن رافع " ، هكذا جاء في الموضعين في مطبوعة الطبري ومخطوطته ، ولا أدري كيف وقع هذا ، فليس في هذه الطبقة من الرواة من أعرفه يقال له " يحيى بن رافع " ، وأما "يحيى بن رافع الثقفي" ، فهذا قديم جدا سمع عثمان وأبا هريرة ، ومضى برقم : 5777 ، ولكنه لما وقع هكذا في الموضعين أثبته على حاله .

أما الذي لا أكاد أشك فيه ، فالصواب أنه " يحيى بن آدم " ، كما جاء في مسند أحمد ، وكما ذكره الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة ، والإصابة ، وذكر أيضا رواية أبي هشام الرفاعي عن يحيى بن آدم ، كما سترى بعد ، من طريق البغوي .

وهذا الخبر ، رواه ابن حجر في الإصابة ، وقال : " أخرجه أحمد ، والبخاري في تاريخه ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وابن قانع ، والبغوي " .

وانظر التعليق على رقم : 17228 ، وعلى رقم : 17230 .

(36) الأثر : 17230 - هكذا " يحيى بن رافع " ، والصواب المرجح " يحيى بن آدم " كما سلف في التعليق الماضي .

ومن هذا الطريق ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة وتعجيل المنفعة ، وفيه زيادة " ولا أعلمه إلا عن أبيه " ، ونسبه إلى البغوي في الصحابة ، ثم أعقبه بقوله : " قال قال أبو هشام ( يعني الرفاعي ) ، وكتبته من أصل كتاب يحيى بن آدم ، ليس فيه عن أبيه " ثم قال : " وقال البغوي : حدث به الفريابي ، عن مالك بن مغول ، عن سيار ، عن شهر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يذكر أباه " .

ثم قال : " روى سلمة بن رجاء ، عن مالك بن مغول ، فزاد فيه : عن أبيه .

وقال أبو زرعة الرازي : الصحيح عندنا عن محمد ، ليس فيه : عن أبيه " .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 212 ، 213 على محمد بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، ثم قال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه شهر بن حوشب ، وقد اختلفوا فيه .

ولكنه وثقه أحمد وابن معين ، وأبو زرعة ، ويعقوب بن أبي شيبة " ثم خرجه عن محمد بن عبد الله بن سلام ، ثم قال : " رواه أحمد عن محمد بن عبد الله بن سلام ، ولم يقل : عن أبيه ، كما قال الطبراني .

وفيه شهر أيضا " .

فهذا الذي ذكرته دال ، أولا ، على أن صواب الاسم " يحيى بن آدم " ، لا " يحيى بن رافع " كما وقع في المخطوطة والمطبوعة .

ودال أيضا على الاختلاف في هذا الخبر اختلافا يوجب النظر .

ثم بقي شيء آخر ، لم أجد من ذكره في الكلام على هذا الخبر ، أرجو أن أكون أصبت في ذكره وبيانه .

وذلك أن الثناء من الله على رجال يحبون أن يتطهروا ، كانوا يلزمون المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، وهو مسجد قباء بلا شك .

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سأل هؤلاء عن ثناء الله عليهم .

وهؤلاء الرجال هم من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، ومنزلهم بقباء .

وهم قوم عرب على دينهم في الجاهلية ، لم يذكر أحد أنهم كانوا يهودا .

وخبر شهر بن حوشب هذا ، عن محمد بن عبد الله بن سلام ، ذكر فيه ثناء الله على هؤلاء الرجال ، وأن جوابهم كان : " إنا نجد عندنا مكتوبا في التوراة ، الاستنجاء بالماء " ، فظاهر هذا الخبر يدل على أن دينهم كان اليهودية .

وذلك ما لم أجد قائلا قال به .

و " محمد بن عبد الله بن سلام " ، وأبوه " عبد الله بن سلام بن الحارث " ، من بني قينقاع ، من اليهود ، من ذرية يوسف النبي عليه السلام ، وكان عبد الله بن سلام حليف القواقل من الخزرج ، وهم بنو عمرو بن عوف بن الخزرج ، وليسوا من " بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس " في شيء ، ومنازل هؤلاء غير منازل هؤلاء.

وفي إسلام عبد الله بن سلام (سيرة ابن هشام 2 : 163) ، أنه قال، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرته : " فلما نزل بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها " ، فعبد الله بن سلام ، وولده لم يكن منهم أحد بقباء .

فقوله في الخبر رقم : 17228 " قام علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا أخبروني .

.

.

" ، إلى آخر الخبر ، مشكل جدا ، لأن الخبر خبر محمد بن عبد الله بن سلام ، والضمير فيه راجع إليه وإلى قومه أو حلفائه بني عمرو بن عوف بن الخزرج ، وهذا لا يصح البتة ، بدليل قوله في الذي يليه : أن ذلك كان " لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم على أهل قباء " .

وهذا الذي ذكرت اضطراب شديد في صلب الخبر ، لا يرفعه شيء .

ومهما يكن من أمر إسناده ، واختلاف المختلفين فيه على شهر بن حوشب ، فإن علته في سياقه ، أشد من علته في إسناده عندي .

والله أعلم من أين أتى هذا الاضطراب ؟

والذي لا شك فيه : أنه بعيد جدا أن يكون هذا الجواب من كلام بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، وأنه أشبه بأن يكون كلام أحد من حلفائهم اليهود .

وأوضح منه ما جاء في خبر عويم بن ساعدة ( رقم : 17231 ) ، وهو : " ما نعلم شيئا ، إلا أن جيرانا لنا من اليهود ، رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط ، فغسلنا كما غسلوا " .

فهذا أبين ، وأقرب إلى سياق ما سئلوا عنه ، وأدنى إلى رفع الاضطراب .

والله تعالى أعلم .

(37) في المسند : " قد أحسن عليكم الثناء " ، ولو قرئ ما في المخطوطة : " قد أسنى " بمعنى : رفع ، لكان حسنا .

(38) الأثر : 17231 - " عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 11125 .

و " إسماعيل بن صبيح اليشكري " ، ثقة ، مضى برقم : 2996 ، 8640 ، 11158 .

و " أبو أويس المدني " ، هو " عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك الصبحي " ، صدوق ، ليس بحجة ، مضى برقم : 8640 .

و " شرحبيل بن سعد الخطمي " ، قال أخي السيد أحمد فيما سلف رقم : 8396 : " الحق أنه ثقة ، إلا أنه اختلط في آخر عمره ، إذ جاوز المئة .

وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند : 2104 .

وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما ، والكلام في تضعيفه شديد ، وذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب ، روايته عن عويم بن ساعدة فقال : " وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر ، لأن عويما مات في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقال : في خلافة عمر رضي الله عنه ".

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 3 : 422 من طريق حسين بن محمد ، عن أبي أويس ، بنحوه .

وذكره ابن كثير في تفسير 4 : 41 ، ثم قال : " ورواه ابن خزيمة في صحيحه " .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 212 ، وقال : " رواه أحمد ، والطبراني في الثلاثة .

وفيه شرحبيل بن سعد ، ضعفه مالك ، وابن معين ، وأبو زرعة ، وثقه ابن حبان " .

(39) الأثر : 17234 - " مسلم القري " بضم القاف وتشديد الراء ، نسبة إلى بني قرة ، من عبد القيس وهو مولاهم = هو : " مسلم بن مخراق العبدي الفريابي " ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 271 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 194 .

(40) الأثر : 17236 - " عبد الحميد المدني " .

ظني أنه " عبد الحميد بن سليمان الخزاعي ، أبو عمر المدني الضرير " ، روى عن أبي حازم ، وأبي الزناد ، وروى عنه هشيم ، وهو من أقرانه ، ضعيف الحديث .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 14 .

و " إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري " ، ظني أيضا أنه " إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري المدني " ، روى عن الزهري وغيره ، وهو ضعيف أيضا ، كثير الوهم .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 271 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 84 .

وفي تفسير ابن كثير 4 : 241 " عن إبراهيم بن المعلى الأنصاري " ، ولم أجد له ذكرا في كتب الرجال .

(41) الأثر : 17237 - " عبد الرحمن بن سعد " ، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي " ، مضى برقم : 10666 ، 10855 ، 17011 .

و " أبو جعفر " هو " أبو جعفر الرازي " ، مضى مرارا كثيرة.

و " حصين " هو " حصين بن عبد الرحمن السلمي " ، مضى مرارا آخرها : 16671 .

و " موسى بن أبي كثير الأنصاري " ، ثقة ، في الحديث : مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 293 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 7 .

(42) الأثر : 17238 - " أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الأموي " ، الفقيه المصري ، ثقة كان وراق ابن وهب ، وكان من أجل أصحابه ، وكان من أعلم خلق الله كلهم برأي مالك، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 37 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 321 .

وهذا الخبر جزء من حديث السقيفة ( الفتح 12 : 133 ) ، وعلق عليه الحافظ ابن حجر هناك ، وذكر طرقه .

وذكره في الإصابة في ترجمة " عويم بن ساعدة " ، وذكر هذه الزيادة عن الإسماعيلي قال : " وزاد الإسماعيلي في روايته قال الزهري ، فأخبرني عروة بن الزبير أن الرجلين اللذين لقياهما ، هما : عويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، فأما عويم ، فهو الذي بلغنا .

.

.

" ، بنحوه .

وخبر السقيفة ، رواه البخاري ( الفتح 12 : 128 - 139 ) من طريق عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس .

ورواه أحمد في مسنده رقم : 391 ، من طريق مالك بن أنس ، عن ابن شهاب الزهري .

( وفي المسند : " عويمر بن ساعدة " ، وهو خطأ ، صوابه : عويم بن ساعدة ) .

ورواه ابن سعد الطبقات 3 / 2 / 31 ، مختصرا ، وفيه نحو خبر لفظ أبي جعفر ، من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري ، عن أبيه ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، وفيه " قال ابن شهاب : وأخبرني عروة بن الزبير أن الرجلين اللذين لقومهما ، عويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي .

فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا .

.

.

" ، بنحوه .

(43) الأثر : 17240 - هذا مكرر الآثار السالفة من رقم : 17225 ، ثم رقم : 17228 - 17230 ، فانظر التعليق عليها هناك .

(44) قوله : " يوضئون سفلتهم " يعني ، يغسلون أدبارهم .

و " السفلة " بمعنى المقعدة والدبر ، لم تذكر في كتب اللغة ، والمذكور بهذا المعنى " السافلة " .

وضبطتها " بفتح السين وكسر الفاء " قياسا على قولهم : " سفلة البعير " ، وهي قوائمه ، لأنها أسفل .

(45) انظر تفسير " المطهر " فيما سلف 4 : 384 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرينفيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى لا تقم فيه أبدا يعني مسجد الضرار ; أي لا تقم فيه للصلاة .

وقد يعبر عن الصلاة بالقيام ; يقال : فلان يقوم الليل أي يصلي ; ومنه الحديث الصحيح : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .

أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال .

.

.

، فذكره .

وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر [ ص: 179 ] بالطريق التي فيها المسجد ، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والأقذار والقمامات .الثانية : قوله تعالى ( أبدا ) أبدا : ظرف زمان .

وظرف الزمان على قسمين : ظرف مقدر كاليوم ، وظرف مبهم كالحين والوقت ; والأبد من هذا القسم ، وكذلك الدهر .

وتنشأ هنا مسألة أصولية ، وهي أن ( أبدا ) وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم ، فلو قال : لا تقم ، لكفى في الانكفاف المطلق .

فإذا قال : ( أبدا ) فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان .

فأما النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا عن واقع لم تعم ، وقد فهم ذلك أهل اللسان وقضى به فقهاء الإسلام فقالوا : لو قال رجل لامرأته أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة .الثالثة : قوله تعالى لمسجد أسس على التقوى أي بنيت جدره ورفعت قواعده .

والأس أصل البناء ; وكذلك الأساس .

والأسس مقصور منه .

وجمع الأس إساس ; مثل عس وعساس .

وجمع الأساس أسس ; مثل قذال وقذل .

وجمع الأسس آساس ; مثل سبب وأسباب .

وقد أسست البناء تأسيسا .

وقولهم : كان ذلك على أس الدهر ، وأس الدهر ، وإس الدهر ; ثلاث لغات ; أي على قدم الدهر ووجه الدهر .

واللام في قوله ( لمسجد ) لام قسم .

وقيل لام الابتداء ; كما تقول : لزيد أحسن الناس فعلا ; وهي مقتضية تأكيدا .

أسس على التقوى نعت لمسجد .

( أحق ) خبر الابتداء الذي هو " لمسجد " ومعنى " التقوى " هنا الخصال التي تتقى بها العقوبة ، وهي فعلى من وقيت ، وقد تقدم .الرابعة : واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى ; فقالت طائفة : هو مسجد قباء ; يروى عن ابن عباس والضحاك والحسن .

وتعلقوا بقوله : من أول يوم ، ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم ; فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ; قاله ابن عمر وابن المسيب ، ومالك فيما رواه عنه ابن وهب وأشهب وابن القاسم .

وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري : قال تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ; فقال رجل هو مسجد قباء ، وقال آخر هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو مسجدي هذا .

قال حديث صحيح .

والقول الأول أليق بالقصة ; لقوله : ( فيه ) وضمير الظرف يقتضي الرجال [ ص: 180 ] المتطهرين ; فهو مسجد قباء .

والدليل على ذلك حديث أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين قال : كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية .

قال الشعبي : هم أهل مسجد قباء ، أنزل الله فيهم هذا .

وقال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء : إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء في التطهر فما تصنعون ؟

قالوا : إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء رواه أبو داود .

وروى الدارقطني عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين فقال : يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ؟

قالوا : يا رسول الله ، نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهل مع ذلك من غيره ؟

فقالوا : لا غير ، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء .

قال : هو ذاك فعليكموه وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء ، إلا أن حديث أبي سعيد الخدري نص فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أنه مسجده فلا نظر معه .

وقد روى أبو كريب قال : حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صالح بن حيان قال حدثنا عبد الله بن بريدة في قوله عز وجل : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه قال : إنما هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي : الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وبيت أريحا بيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ، ومسجد المدينة ومسجد قباء اللذين أسسا على التقوى ، بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .[ ص: 181 ] الخامسة : قوله تعالى من أول يوم ( من ) عند النحويين مقابلة " منذ " ; ف " منذ " في الزمان بمنزلة ( من ) في المكان .

فقيل : إن معناها هنا معنى " منذ " ; والتقدير : منذ أول يوم ابتدئ بنيانه .

وقيل : المعنى من تأسيس أول الأيام ، فدخلت على مصدر الفعل الذي هو أسس ; كما قال :لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن دهرأي من مر حجج ومن مر دهر .

وإنما دعا إلى هذا أن من أصول النحويين أن " من " لا يجر بها الأزمان ، وإنما تجر الأزمان بمنذ ، تقول ما رأيته منذ شهر أو سنة أو يوم ، ولا تقول : من شهر ولا من سنة ولا من يوم .

فإذا وقعت في الكلام وهي يليها زمن فيقدر مضمر يليق أن يجر بمن ; كما ذكرنا في تقدير البيت .

ابن عطية .

ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير ، وأن تكون " من " تجر لفظة ( أول ) لأنها بمعنى البداءة ; كأنه قال : من مبتدأ الأيام .السادسة : قوله تعالى أحق أن تقوم فيه أي بأن تقوم ; فهو في موضع نصب .

و ( أحق ) هو أفعل من الحق ، وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين ، لأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه مزية على الآخر ; فمسجد الضرار وإن كان باطلا لا حق فيه ، فقد اشتركا في الحق من جهة اعتقاد بانيه ، أو من جهة اعتقاد من كان يظن أن القيام فيه جائز للمسجدية ; لكن أحد الاعتقادين باطل باطنا عند الله ، والآخر حق باطنا وظاهرا ; ومثل هذا قوله تعالى : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ومعلوم أن الخيرية من النار مبعودة ، ولكنه جرى على اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه خير ; إذ كل حزب بما لديهم فرحون .

وليس هذا من قبيل : العسل أحلى من الخل ; فإن العسل وإن كان حلوا فكل شيء ملائم فهو حلو ; ألا ترى أن من الناس من يقدم الخل على العسل مفردا بمفرد ومضافا إلى غيره بمضاف .السابعة : قوله تعالى ( فيه ) من قال : إن المسجد يراد به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالهاء في أحق أن تقوم فيه عائد إليه .

و فيه رجال له أيضا .

ومن قال : إنه مسجد قباء ، فالضمير في ( فيه ) عائد إليه على الخلاف المتقدم .الثامنة : أثنى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة ، وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية ; وفي الترمذي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت : مرن [ ص: 182 ] أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم .

قال : حديث صحيح .

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الماء معه في الاستنجاء ; فكان يستعمل الحجارة تخفيفا والماء تطهيرا .

ابن العربي : وقد كان علماء القيروان يتخذون في متوضآتهم أحجارا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء .التاسعة : اللازم من نجاسة المخرج التخفيف ، وفي نجاسة سائر البدن والثوب التطهير .

وذلك رخصة من الله لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه ; وبه قال عامة العلماء .

وشذ ابن حبيب فقال : لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم الماء .

والأخبار الثابتة في الاستجمار بالأحجار مع وجود الماء ترده .العاشرة : واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب ، بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحش على ثلاثة أقوال : الأول : أنه واجب فرض ، ولا تجوز صلاة من صلى بثوب نجس عالما كان بذلك أو ساهيا ; روي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين ، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور ، ورواه ابن وهب عن مالك ، وهو قول أبي الفرج المالكي والطبري ; إلا أن الطبري قال : إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة .

وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم قياسا على حلقة الدبر .

وقالت طائفة : إزالة النجاسة واجبة بالسنة من الثياب والأبدان ، وجوب سنة وليس بفرض .

قالوا : ومن صلى بثوب نجس أعاد الصلاة في الوقت فإن خرج الوقت فلا شيء عليه ; هذا قول مالك وأصحابه إلا أبا الفرج ، ورواية ابن وهب عنه .

وقال مالك في يسير الدم : لا تعاد منه الصلاة في الوقت ولا بعده ، وتعاد من يسير البول والغائط ; ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث .

وقال ابن القاسم عنه : تجب إزالتها في حالة الذكر دون النسيان ; وهي من مفرداته .

والقول الأول أصح إن شاء الله ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله .

.

.

.

الحديث ، خرجه [ ص: 183 ] البخاري ومسلم ، وحسبك .

وسيأتي في سورة ( سبحان ) .

قالوا : ولا يعذب الإنسان إلا على ترك واجب ; وهذا ظاهر .

وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أكثر عذاب القبر من البول .

احتج الآخرون بخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه في الصلاة لما أعلمه جبريل عليه السلام أن فيهما قذرا وأذى .

.

.

الحديث .

خرجه أبو داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ، وسيأتي في سورة ( طه ) إن شاء الله تعالى .

قالوا : ولما لم يعد ما صلى دل على أن إزالتها سنة وصلاته صحيحة ، ويعيد ما دام في الوقت طلبا للكمال .

والله أعلم .الحادية عشرة : قال القاضي أبو بكر بن العربي : وأما الفرق بين القليل والكثير بقدر الدرهم البغلي ; يعني كبار الدراهم التي هي على قدر استدارة الدينار قياسا على المسربة - ففاسد من وجهين ; أحدهما : أن المقدرات لا تثبت قياسا فلا يقبل هذا التقدير .

الثاني : أن هذا الذي خفف عنه في المسربة رخصة للضرورة ، والحاجة والرخص لا يقاس عليها ; لأنها خارجة عن القياس فلا ترد إليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا‏}‏ أي‏:‏ لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا‏.‏ فاللّه يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه‏.‏ ‏{‏لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏}‏ ظهر فيه الإسلام في ‏"‏قباء‏"‏ وهو مسجد ‏"‏قباء‏"‏ أسس على إخلاص الدين للّه، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل ‏{‏أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏}‏ وتتعبد، وتذكر اللّه تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم اللّه بقوله‏:‏ ‏{‏فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا‏}‏ من الذنوب، ويتطهروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث‏.‏ ومن المعلوم أن من أحب شيئا لا بد أن يسعى له ويجتهد فيما يحب، فلا بد أنهم كانوا حريصين على التطهر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد، مع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرزون من مخالفة اللّه ورسوله‏.‏ وسألهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم، فأخبروه أنهم يتبعون الحجارة الماء، فحمدهم على صنيعهم‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏}‏ الطهارة المعنوية، كالتنزه من الشرك والأخلاق الرذيلة، والطهارة الحسية كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لا تقم فيه أبدا ) قال ابن عباس : " لا تصل فيه " منع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مسجد الضرار .

( لمسجد أسس على التقوى ) اللام لام الابتداء .

وقيل : لام القسم ، تقديره : والله لمسجد أسس ، أي : بني أصله على التقوى ، ( من أول يوم ) أي : من أول يوم بني ووضع أساسه ، ( أحق أن تقوم فيه ) مصليا .

واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى : فقال ابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وأبو سعيد الخدري : هو مسجد المدينة ، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، والدليل عليه : ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا محمد بن حاتم ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن حميد الخراط قال : سمعت أبا سلمة عبد الرحمن قال : مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد ، قال : فقلت له : كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟

فقال : قال أبي : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت : يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟

قال : فأخذ كفا من الحصباء فضرب به الأرض ، ثم قال : هو مسجدكم هذا ، مسجد المدينة ، قال : فقلت : أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره .

وأخبرنا أبو الحسن الشيرزي أنبأنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنبأنا أبو مصعب ، عن مالك عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ، ومنبري على حوضي " .

وذهب قوم إلى أنه مسجد قباء ، وهو رواية عطية عن ابن عباس ، وهو قول عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وقتادة : أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا ، وكان عبد الله بن عمر يفعله .

وزاد نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه ركعتين .

قوله تعالى : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) من الأحداث والجنابات والنجاسات .

وقال عطاء : كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على الجنابة .

أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني ، أنبأنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي ، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، أخبرنا محمد بن العلاء ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن يونس بن الحارث ، عن إبراهيم بن أبي ميمونة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نزلت هذه الآية في أهل قباء " : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) قال : " كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية " .

( والله يحب المطهرين ) أي المتطهرين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(لا تقم) تصل (فيه أبدا) فأرسل جماعة هدموه وحرقوه وجعلوا مكانه كناسة تلقى فيها الجيف (لمسجد أسس) بنيت قواعده (على التقوى من أول يوم) وضع يوم حللت بدار الهجرة، وهو مسجد قباء كما في البخاري (أحق) منه (أن) أي بأن (تقوم) تصلي (فيه، فيه رجال) هم الأنصار (يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) أي يثيبهم، فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء، روي ابن خزيمة في صحيحه عن عويمر بن ساعدة: "" أنه صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟

قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا "" وفي حديث رواه البزار فقالوا نتبع الحجارة بالماء "" فقال هو ذاك فعليكموه "".

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا تقم -أيها النبي- للصلاة في ذلك المسجد أبدًا؛ فإن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم -وهو مسجد (قباء)- أولى أن تقوم فيه للصلاة، ففي هذا المسجد رجال يحبون أن يتطهروا بالماء من النجاسات والأقذار، كما يتطهرون بالتورع والاستغفار من الذنوب والمعاصي.

والله يحب المتطهرين.

وإذا كان مسجد (قباء) قد أُسِّسَ على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كذلك بطريق الأولى والأحرى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نهى الله - تعالى - ورسوله والمؤمنين عن الصلاة فى هذا المسجد نهيا مؤكداً فقال - سبحانه - : ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ) .أى : لا تصل .

أيها الرسول الكريم .

فى هذا المسجد فى أى وقت من الأوقات لأنه لم يبين لعبادة الله ، وإنما بنى للشقاق والنفاق .قال القرطبى : قوله - تعالى - ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ) يعنى مسجد الضرار .

لا تقم فيه للصلاة ، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام .

يقال : فلان يقوم الليل أى : يصلى ، ومنه الحديث الصحيح : " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " .وقد روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التى فيها هذا المسجد ، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والأقذار .

.وقوله : ( لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ) جملة مسوقة لمدح مسجد قباء وتشريفه .أى : لمسجد بنى أساسه ، ووضعت قواعده لعى تقوى الله وإخلاص العبادة له منذ أول يوم بدئ فى بنائه ، أحق أن تقوم للصلاة فيه من غيره .قال الآلوسى ما ملخصه : واللام فى قوله " لمسجد " إما للابتداء أو للقسم .

أى : والله لمسجد ، وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ ، والجملة بعده صفته ، وقوله ( أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ) خبر المبتدأ : " وأحق " أفعل تفضيل ، والمفضل عليه كل مسجد .

أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير ، أو على زعمهم ، وقيل إنه بمعنى حقيق ، أى : ذلك المسجد بأن تصلى فيه .

.وقوله : ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين ) جملة مسوقة لتكريم رواد هذا المسجد ومديحهم .أى : فى هذا المسجد رجال أتقياء الظاهر والباطن ، إذهم يحبون الطهارة من كل رجس حسى ومعنوى ، ومن كان كذلك أحبه الله ورضى عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال المفسرون: إن المنافقين لما بنوا ذلك المسجد لتلك الأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، قالوا: يا رسول الله بنينا مسجداً لذي العلة والليلة الممطرة والشاتية، ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.

فقال عليه السلام: «إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه»، فلما رجع من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت هذه الآية، فدعا بعض القوم وقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وخربوه، ففعلوا ذلك وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقي فيها الجيف والقمامة.

وقال الحسن: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل عليه السلام لا تقم فيه أبداً.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ ﴾ نهي له عليه السلام عن أن يقوم فيه.

قال ابن جريج: فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة، فصلوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد، وانهار في يوم الاثنين.

ثم إنه تعالى بين العلة في هذا النهي، وهي أن أحد المسجدين لما كان مبنياً على التقوى من أول يوم، وكانت الصلاة في مسجد آخر تمنع من الصلاة في مسجد التقوى، كان من المعلوم بالضرورة أن يمنع من الصلاة في المسجد الثاني.

فإن قيل: كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد الثاني.

قلنا: التعليل وقع بمجموع الأمرين، أعني كون مسجد الضرار سبباً للمفاسد الأربعة المذكورة، ومسجد التقوى مشتملاً على الخيرات الكثيرة.

ومن الروافض من يقول: بين الله تعالى أن المسجد الذي بني من أول الأمر على التقوى أحق بالقيام فيه من المسجد الذي لا يكون كذلك.

وثبت أن علياً ما كفر بالله طرفة عين، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالإمامة ممن كفر بالله في أول أمره.

وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة، فزال هذا السؤال.

واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو؟

قيل: إنه مسجد قباء، وكان عليه السلام يأتيه في كل سنة فيصلي فيه، والأكثرون أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال سعيد بن المسيب: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول عليه السلام، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه، فقال أحدهما: مسجد الرسول، وقال آخر: قباء.

فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدي هذا.

وقال القاضي: لا يمنع دخولهما جميعاً تحت هذا الذكر لأن قوله: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى ﴾ هو كقول القائل، لرجل صالح أحق أن تجالسه.

فلا يكون ذلك مقصوراً على واحد.

فإن قيل: لم قال أحق أن تقوم فيه، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟

قلنا: المعنى أنه لو كان ذلك جائزاً لكان هذا أولى، للسبب المذكور.

ثم قال تعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين: أحدهما: أنه بني على التقوى، وهو الذي تقدم تفسيره.

والثاني: إن فيه رجالاً يحبون أن يتطهروا، وفي تفسير هذه الطهارة قولان: الأول: المراد منه التطهر عن الذنوب والمعاصي، وهذا القول متعين لوجوه: أولها: أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه.

والثاني: أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين المسلمين، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم.

وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي.

والثالث: أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، أما لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، ولم تحصل نظافة الظاهر، كأن طهارة الباطن لها أثر، فكان طهارة الباطن أولى.

الرابع: روى صاحب الكشاف: أنه لما نزلت هذه الآية مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال: «أمؤمنون أنتم» فسكت القوم ثم أعادها.

فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم؛ فقال عليه السلام: «أترضون بالقضاء» قالوا نعم.

قال: «أتصبرون على البلاء» قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرخاء» قالوا: نعم، قال عليه السلام: «مؤمنون ورب الكعبة» ثم قال: «يا معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء» قالوا: نتبع الماء الحجر.

فقرأ النبي عليه السلام: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ الآية.

والقول الثاني: أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر.

وهو قول أكثر المفسرين من أهل الأخبار.

والقول الثالث: أنه محمول على كلا الأمرين، وفيه سؤال: وهو أن لفظ الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينية، ومجاز في البراءة عن المعاصي والذنوب، واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً لا يجوز.

والجواب: أن لفظ النجس اسم للمستقذر، وهو القدر مفهوم مشترك فيه بين القسمين وعلى هذا التقدير، فإنه يزول السؤال، ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول، وهو كون المسجد مبنياً على التقوى، فقال: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ ﴾ وفيه مباحث.

البحث الأول: البنيان مصدر كالغفران، والمراد هاهنا المبني، وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور، يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد، والمراد مضروبه ومنسوجه، وقال الواحدي: يجوز أن يكون لبيان جمع بنيانة إذا جعلته اسماً، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد.

البحث الثاني: قرأ نافع وابن عامر ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ﴾ على فعل ما لم يسم فاعله، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس، أما قوله: ﴿ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ﴾ أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه، وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه، والرغبة في ثوابه، كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار بعباد الله، أما قوله: ﴿ أمِن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم ﴿ جُرُفٍ ﴾ ساكنة الراء والباقون بضم الراء وهما لغتان، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق.

البحث الثاني: قال أبو عبيدة: الشفا الشفير، وشفا الشيء حرفه، ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة.

فذلك الشيء هو الجرف، وقوله: ﴿ هَارٍ ﴾ قال الليث: الهور مصدر هار الجرف يهور، إذا انصدع من خلفه، وهو ثابت بعد في مكانه، وهو جرف هار هائر، فإذا سقط فقد انهار وتهور.

إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول: المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء، وهو الباطل؟

والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فلكونه ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم، كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم، ولا نرى في العالم مثالاً أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال!

وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر، فكان البناء الأول شريفاً واجب الإبقاء، وكان الثاني خسيساً واجب الهدم.

ثم قال تعالى: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والمعنى: أن بناء ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سبباً للريبة.

وفي كونه سبباً للريبة وجوه: الأول: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار، فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته.

الثاني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم؟

الثالث: أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه؟

الرابع: بقوا شاكين مرتابين في أن الله تعالى هل يغفر تلك المعصية؟

أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد، والصحيح هو الوجه الأول.

ثم قال: ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة ﴿ أَن تَقَطَّعَ ﴾ بفتح التاء والطاء مشددة بمعنى تتقطع، فحذفت إحدى التاءين، والباقون بضم التاء وتشديد الطاء على ما لم يسم فاعله، وعن ابن كثير ﴿ تُقَطَّعَ ﴾ بفتح الطاء وتسكين القاف ﴿ قُلُوبِهِمْ ﴾ بالنصب أي تفعل أنت بقلوبهم هذا القطع، وقوله: ﴿ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي تجعل قلوبهم قطعاً، وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالحزن والبكاء، فحينئذ تزول تلك الريبة.

والمقصود أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبداً ويموتون على هذا النفاق.

وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.

وقيل حتى تنشق قلوبهم غماً وحسرة، وقرأ الحسن ﴿ إلى أَن ﴾ وفي قراءة عبد الله ﴿ وَلَوْ قُطّعَتْ قُلُوبِهِمْ ﴾ وعن طلحة ﴿ وَلَوْ قُطّعَتْ قُلُوبِهِمْ ﴾ على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل مخاطب.

ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ والمعنى: عليم بأحوالهم، حكيم في الأحكام التي يحكم بها عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في مصاحف أهل المدينة والشام: الذين اتخذوا بغير واو، لأنها قصة على حيالها.

وفي سائرها بالواو على عطف قصة مسجد الضرار الذي أحدثه المنافقون على سائر قصصهم.

روي: أنّ بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي فيه، ويصلّي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد: لا أجد قوماً يقاتلوك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين.

أن استعدّوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر وآت بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً بجنب مسجد قباء، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، ونحن نحبّ أن تصلّي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر وحال شغل.

وإذا قدمنا إن شاء الله صلّينا فيه، فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت عليه، فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عديّ وعامر بن السكن ووحشي قاتل حمزة، فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه، ففعلوا، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين ﴿ ضِرَارًا ﴾ مضارْة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ومعازة ﴿ وَكُفْراً ﴾ وتقوية للنفاق ﴿ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين ﴾ لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فيغتص بهم، فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم ﴿ وَإِرْصَادًا ﴾ وإعداداً ﴿ ل ﴾ أجل ﴿ منْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وهو الراهب: أعدوه له ليصلّي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله أو بمال غير طيب، فهو لاحق بمسجد الضرار.

وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر؛ فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحبّ أن أصلّي فيه، فإنّه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فإنّ أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضراراً.

وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر رضي الله عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضارّ أحدهما صاحبه، فإن قلت: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ ما محله من الإعراب؟

قلت: محله النصب على الاختصاص.

كقوله: ﴿ المقيمين الصلاة ﴾ [النساء: 162] وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، معناه: وفيمن وصفنا الذين اتخذوا كقوله: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ [المائدة: 38] .

فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ؟

قلت: باتخذوا، أي اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف ﴿ إِنْ أَرَدْنَا ﴾ ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إِلاَّ ﴾ إلا الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ أو الإرادة الحسنة، وهي الصلاة.

وذكر الله والتوسعة على المصلين ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى ﴾ قيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج يوم الجمعة، وهو أولى، لأنّ الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.

وقيل: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وعن أبي سعيد الخدري: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأخذ حصباء فضرب بها الأرض وقال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» ﴿ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ من أول يوم من أيام وجوده ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ قيل: لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟

فسكت القوم، ثم أعادها: فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.

فقال صلى الله عليه وسلم: «أترضون بالقضاء؟» قالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟» قالوا: نعم.

قال: «أتشكرون في الرخاء؟» قالوا: نعم.

قال صلى الله عليه وسلم: «مؤمنون ورب الكعبة» .

فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار، إنّ الله عزّ وجلّ قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط، فقالوا: يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء.

فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ .

وقرئ: ﴿ أن يطهروا ﴾ بالإدغام.

وقيل: هو عام في التطهر من النجاسات كلها.

وقيل: كانوا لا ينامون الليل على الجنابة، ويتبعون الماء أثر البول.

وعن الحسن: هو التطهر من الذنوب بالتوبة.

وقيل: يحبّون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم، فحموا عن آخرهم.

فإن قلت: ما معنى المحبتين؟

قلت: محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحبّ للشيء المشتهى له على إيثاره.

ومحبة الله تعالى إياهم: أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم، كما يفعل المحبّ بمحبوبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ لِلصَّلاةِ.

﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ قِباءَ أسَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ  وصَلّى فِيهِ أيّامَ مَقامِهِ بِقِباءَ مِنَ الِاثْنَيْنِ إلى الجُمُعَةِ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلْقِصَّةِ، أوْ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ  لِقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْهُ فَقالَ هو مَسْجِدُكم هَذا مَسْجِدُ المَدِينَةِ» .

﴿ مِن أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ مِن أيّامِ وُجُودِهِ ومِن يَعُمُّ الزَّمانَ والمَكانَ كَقَوْلِهِ: لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحَجَرِ.

.

.

أقَوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن دَهْرٍ ﴿ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ أوْلى بِأنْ تُصَلِّيَ فِيهِ.

﴿ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ مِنَ المَعاصِي والخِصالِ المَذْمُومَةِ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ مِنَ الجَنابَةِ فَلا يَنامُونَ عَلَيْها.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ يَرْضى عَنْهم ويُدْنِيهِمْ مِن جَنابِهِ تَعالى إدْناءَ المُحِبِّ حَبِيبَهُ.

قِيلَ «لَمّا نَزَلَتْ مَشى رَسُولُ اللَّهِ  ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قِباءَ فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ» ؟

فَسَكَتُوا.

فَأعادَها فَقالَ عُمَرُ: إنَّهم مُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهم، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أتَرْضَوْنَ بِالقَضاءِ» ؟

قالُوا: نَعَمْ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ» ؟

قالُوا: نَعَمْ، قالَ: « أتُشْكَرُونَ في الرَّخاءِ» ؟

قالُوا: نَعَمْ.

فَقالَ  : « أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ» .

فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: « يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ عِنْدَ الوُضُوءِ وعِنْدَ الغائِطِ» ؟

فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نُتْبِعُ الغائِطَ الأحْجارَ الثَّلاثَةَ ثُمَّ نُتْبِعُ الأحْجارَ الماءَ فَتَلا ﴿ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ .» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} للصلاة {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ على التقوى} اللام للابتداء وأسس نعت له وهو مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى

فيه أيام مقامه بقباء وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة أو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} من أيام وجوده قيل القياس فيه مذلأنه الغاية فى الزمان ومن لابتداء الغاية في المكان والجواب إن من

التوبة (١٠٨ _ ١١٠)

عام في الزمان والمكان {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} مصلياً {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين} قيل لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقفوا على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال أمؤمنون أنتم فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم فقال عليه السلام أترضون بالقضاء قالوا نعم قال أتصبرون على البلاء قالوا نعم قال أتشكرون في الرخاء قالوا نعم قال عليه السلام مؤمنون أنتم ورب الكعبة فجلس ثم قال يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط قالوا يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا النبي عليه السلام {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} قيل هو عام في التطهر عن النجاسات كلها وقيل هو التطهر من الذنوب بالتوبة ومعنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب للشيء ومعنى محبة الله إياهم أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا تَقُمْ ﴾ أيْ لِلصَّلاةِ ﴿ فِيهِ ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ﴿ أبَدًا ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ ﴿ لا تَقُمْ ﴾ بِلا تُصَلِّ عَلى أنَّ القِيامَ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَقُومُ اللَّيْلَ.

وفي الحَدِيثِ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ» .

﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ ﴾ أيْ بُنِيَ أساسُهُ ﴿ عَلى التَّقْوى ﴾ أيْ تَقْوى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ، و(عَلى) عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها، ولا يَخْفى ما في جَعْلِ التَّقْوى وهي - هي - أساسًا مِنَ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى مَعَ وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ لِاعْتِبارِهِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الِاتِّخاذِ واللّامُ إمّا لِلِابْتِداءِ أوْ لِلْقَسَمِ أيْ واللَّهِ لَمَسْجِدٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَمَسْجِدٌ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَتُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُسِّسَ ومِن لِابْتِداءِ الزَّمانِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْكُوفِيِّينَ في أنَّها تَكُونُ لِلِابْتِداءِ مُطْلَقًا، ولا تَتَقَيَّدُ بِالمَكانِ، وخالَفَ في ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ ومَنَعُوا دُخُولَها عَلى الزَّمانِ وخَصُّوهُ بِمُذْ ومُنْذُ وتَأوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّها عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وتَعَقَّبَهُ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّأْسِيسَ المُقَدَّرَ لَيْسَ بِمَكانٍ حَتّى تَكُونَ - مِن - لِابْتِداءِ الغايَةِ فِيهِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ مُرادَهم مِنَ التَّأْوِيلِ الفِرارُ مِن كَوْنِها لِابْتِداءِ الغايَةِ في الزَّمانِ وقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ التَّقْدِيرُ ولَيْسَ في كَلامِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ إلّا في المَكانِ، وقالَ الرَّضِيُّ: لا أرى في الآيَةِ ونَظائِرِها مَعْنى الِابْتِداءِ إذِ المَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ شَيْئًا مُمْتَدًّا كالسَّيْرِ والمَشْيِ ومَجْرُورُ مِن مِنهُ الِابْتِداءُ نَحْوَ: سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ أوْ يَكُونُ أصْلًا لِشَيْءٍ مُمْتَدٍّ نَحْوَ: خَرَجْتُ مِنَ الدّارِ إذِ الخُرُوجُ لَيْسَ مُمْتَدًّا ولَيْسَ التَّأْسِيسُ مُمْتَدًّا ولا أصْلًا لِمُمْتَدٍّ بَلْ هُما حَدَثانِ واقِعانِ فِيما بَعْدُ (مِن) وهَذا مَعْنى في و(مِن) في الظُّرُوفِ كَثِيرًا ما تَقَعُ بِمَعْنى في انْتَهى.

وفِي كَوْنِ التَّأْسِيسِ لَيْسَ أصْلًا لِمُمْتَدٍّ مَنعٌ ظاهِرٌ.

نَعَمْ ذَهَبَ إلى احْتِمالِ الظَّرْفِيَّةِ العَلّامَةُ الثّانِي ولَهُ وجْهٌ وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الِاسْتِدْلالُ ولا يَكُونُ في الآيَةِ شاهِدٌ لِلْكُوفِيِّينَ، والحَقُّ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ وكَلامِ العَرَبِ يَشْهَدُ لَهم والتِزامُ تَأْوِيلِ كُلِّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ و(أحَقُّ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ كُلُّ مَسْجِدٍ أوْ مَسْجِدُ الضِّرارِ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرُ أوْ هو عَلى زَعْمِهِمْ وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى حَقِيقٌ أيْ حَقِيقٌ ذَلِكَ المَسْجِدُ بِأنْ تُصَلِّيَ فِيهِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهُ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ أنَّهُ مَسْجِدُ قُباءٍ، وقَدْ جاءَتْ أخْبارٌ في فَضْلِ الصَّلاةِ فِيهِ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِ قُباءٍ كَعُمْرَةٍ».

قالَ التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُ لِأُسَيْدٍ هَذا شَيْئًا غَيْرَ هَذا الحَدِيثِ.

وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رافِعٍ الحارِثِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن صَلّى في مَسْجِدِ قُباءٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ والخَمِيسِ انْقَلَبَ بِأجْرِ عُمْرَةٍ».

وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مَسْجِدُ المَدِينَةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَدَلُّوا بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والنِّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلانِ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى فَقالَ أحَدُهُما: هو مَسْجِدُ قُباءٍ وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ والسَّلامُ فَسَألاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو هَذا المَسْجِدُ لِمَسْجِدِهِ  وقالَ: في ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ» .

وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو مَسْجِدِي هَذا، وأيَّدَ القَوْلَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِالسِّباقِ واللِّحاقِ وبِأنَّهُ بُنِيَ قَبْلَ مَسْجِدِ المَدِينَةِ وجَمَعَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ بَيْنَ الأخْبارِ وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وقالَ: كُلٌّ مِنَ المَسْجِدَيْنِ مُرادٌ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمِ تَأْسِيسِهِ، والسِّرُّ في إجابَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّؤالَ عَنْ ذَلِكَ بِما في الحَدِيثِ دَفْعُ ما تَوَهَّمَهُ السّائِلُ مِنِ اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ قُباءٍ والتَّنْوِيهُ بِمَزِيَّةِ هَذا عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا الجَمْعِ فَإنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ الجَماعَةُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِمَراحِلَ عَنْهُ، ولِهَذا اخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ القَوْلَ الثّانِيَ وأيَّدَهُ بِأنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَقُّ بِالوَصْفِ بِالتَّأْسِيسِ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ وبِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالقِيامِ عَنِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ يَسْتَدْعِي المُداوَمَةَ ويُعَضِّدُهُ تَوْكِيدُ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أبَدًا ﴾ ومُداوَمَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تُوجَدْ إلّا في مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمّا ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِن أنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ قُباءٍ وكانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ فَهو لا يُعارِضُ نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا مًا رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي أيُّوبَ وجابِرٍ وأنَسٍ مِن «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطُّهُورِ فَما طُهُورُكم هَذا؟

قالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ.

قالَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ؟

قالُوا: لا غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» .

فَلا يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ أهْلِ قُباءٍ ولا يُنافِي الحَمْلَ عَلى أهْلِ مَسْجِدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ، وأنا أقُولُ: قَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في أهْلِ قُباءٍ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ خُزَيْمَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ الأنْصارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكم فَما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَهَّرُونَ بِهِ؟

فَذَكَرُوا أنَّهم يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ» وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأهْلِ قُباءٍ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي خُصِّصْتُمْ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ ؟

قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مِنّا أحَدٌ يَخْرُجُ مِنَ الغائِطِ إلّا غَسَلَ مَقْعَدَتَهُ».

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَرْثِ بْنِ نَوْفَلٍ نَحْوَهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورُوِيَ القَوْلُ بِنُزُولِها في أهْلِ قُباءٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ كابْنِ عُمَرَ وسَهْلٍ الأنْصارِيِّ وعَطاءٍ وغَيْرِهِمْ، وأمّا الأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالمَسْجِدِ المَذْكُورِ في الآيَةِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَكَثِيرَةٌ أيْضًا وكَذا الذّاهِبُونَ إلى ذَلِكَ كَثِيرُونَ أيْضًا والجَمْعُ فِيما أرى بَيْنَ الأخْبارِ والأقْوالِ مُتَعَذِّرٌ، ولَيْسَ عِنْدِي أحْسَنُ مِنَ التَّنْقِيرِ عَنْ حالِ تِلْكَ الرِّواياتِ صِحَّةً وضَعْفًا فَمَتى ظَهَرَ قُوَّةُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى عُوِّلَ عَلى الأقْوى.

وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ يُشْعِرُ بِأنَّ الأقْوى رِوايَةُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مَسْجِدُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَعْنى تَأْسِيسِهِ عَلى التَّقْوى مَن أوَّلِ يَوْمٍ أنَّ تَأْسِيسَهُ عَلى ذَلِكَ كانَ مُبْتَدَأً مِن أوَّلِ يَوْمٍ مِن أيّامِ وُجُودِهِ لا حادِثًا بَعْدَهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِن أوَّلِ الأيّامِ مُطْلَقًا ضَرُورَةً.

نَعَمْ قالَ الذّاهِبُونَ إلى أنَّ المُرادَ بِالمَسْجِدِ مَسْجِدُ قُباءٍ إنَّ المُرادَ مِن أوَّلِ أيّامِ الهِجْرَةِ ودُخُولِ المَدِينَةِ قالَ السُّهَيْلِيُّ: ويُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ صِحَّةُ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ شاوَرَهم في التّارِيخِ فاتَّفَقَ رَأْيُهم عَلى أنْ يَكُونَ مِن عامِ الهِجْرَةِ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي أعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الإسْلامَ والحِينُ الَّذِي أمَّنَ فِيهِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبُنِيَتِ المَساجِدُ، وعُبِدَ اللَّهُ تَعالى كَما يَجِبُ، فَوافَقَ رَأْيُهم هَذا ظاهِرَ التَّنْزِيلِ، وفَهِمْنا الآنَ بِنَقْلِهِمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِن أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو أوَّلُ أيّامِ التّارِيخِ الَّذِي نُؤَرِّخُ بِهِ الآنَ فَإنْ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أخَذُوهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ فَهو الظَّنُّ بِهِمْ لِأنَّهم أعْلَمُ النّاسِ بِتَأْوِيلِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى وأفْهَمُهم بِما فِيهِ مِنَ الإشاراتِ وإنْ كانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيٍ واجْتِهادٍ فَقَدْ عَلِمَهُ تَعالى وأشارَ إلى صِحَّتِهِ قَبْلَ أنْ يُفْعَلَ إذْ لا يُعْقَلُ قَوْلُ القائِلِ فَعَلْتُهُ أوَّلَ يَوْمٍ إلّا بِالإضافَةِ إلى عامٍ مَعْلُومٍ أوْ شَهْرٍ مَعْلُومٍ أوْ تارِيخٍ كَذَلِكَ ولَيْسَ هَهُنا إضافَةٌ في المَعْنى إلّا إلى هَذا التّارِيخِ المَعْلُومِ لِعَدَمِ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى غَيْرِهِ مِن قَرِينَةِ لَفْظٍ أوْ حالٍ فَتَدَبَّرْهُ فَفِيهِ مُعْتَبَرٌ لِمَنِ ادَّكَرَ وعَلِمَ لِمَن رَأى بِعَيْنِ فُؤادِهِ واسْتَبْصَرَ انْتَهى.

ولا يَخْفى عَلى المُطَّلِعِ عَلى التّارِيخِ أنَّ ما وقَعَ كانَ عَنِ اجْتِهادٍ وأنَّ قَوْلَهُ: ولَيْسَ هَهُنا إضافَةٌ إلَخْ مَحَلُّ نَظَرٍ، ويُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ أيْضًا عَلى ما قِيلَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ في مَساجِدَ بُنِيَتْ مُباهاةً أوْ رِياءً وسُمْعَةً أوْ لِغَرَضٍ سِوى ابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وأُلْحِقَ بِذَلِكَ كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ بِمالٍ غَيْرِ طَيِّبٍ ورُوِيَ عَنْ شَقِيقٍ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ لَمّا فَتَحَ اللَّهُ الأمْصارَ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَرَ المُسْلِمِينَ أنْ يَبْنُوا المَساجِدَ وأنْ لا يَتَّخِذُوا في مَدِينَةٍ مَسْجِدَيْنِ يُضارُّ أحَدُهُما صاحِبَهُ، ومَن حَمَلَ التَّطْهِيرَ فِيها عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ السّابِقَةُ قالَ: يُسْتَفادُ مِنها سُنِّيَّةُ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ، وجاءَ مِن حَدِيثِ البَزّارِ تَفْسِيرُهُ بِالجَمْعِ بَيْنَ الماءِ والحَجَرِ وهو أفْضَلُ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى أحَدِهِما، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالتَّخَلُّصِ عَنِ المَعاصِي والخِصالِ المَذْمُومَةِ وهو مَعْنى مَجازِيٌّ لَهُ، وإذا فُسِّرَ بِما يَشْمَلُ التَّطْهِيرَ مِنَ الحَدَثِ الأكْبَرِ والخَبَثِ والتَّنَزُّهَ مِنَ المَعاصِي ونَحْوِها كانَ فِيهِ مِنَ المَدْحِ ما فِيهِ، وجُوِّزَ في جُمْلَةِ ﴿ فِيهِ رِجالٌ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مُبَيِّنَةً لِأحَقِّيَّةِ القِيامِ في ذَلِكَ المَسْجِدِ مِن جِهَةِ الحالِ بَعْدَ بَيانِ الأحَقِّيَّةِ مِن جِهَةِ المَحَلِّ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ جاءَتْ بَعْدَ خَبَرِهِ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (فِيهِ) وعَلى كُلٍّ حالٌ فَفِيها تَحْقِيقٌ وتَقْرِيرٌ لِاسْتِحْقاقِ القِيامِ فِيهِ، وقُرِئَ (أنْ يَطَّهَّرُوا) بِالإدْغامِ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ 108﴾ أيْ يَرْضى عَنْهم ويُكْرِمُهم ويُعْظِمُ ثَوابَهم وهو المُرادُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأشاعِرَةِ وأشْياعِهِمْ وذَكَرُوا أنَّ المَحَبَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا يُوصَفُ بِها سُبْحانَهُ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ التَّعْبِيرَ بِها هُنا عَلى المُشاكَلَةِ، والمُرادُ مِنَ المُطَّهِّرِينَ إمّا أُولَئِكَ الرِّجالُ أوِ الجِنْسُ ويُدْخِلُونَ فِيهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً، يعني: بنوا مسجداً مضرة للمسلمين.

وقال القتبي: يعني مضارة، ليضاروا به مخالفيهم، أي: ليدخلوا عليهم المضرة، وَكُفْراً يعني: وإظهاراً للكفر، وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

قرأ نافع وابن عامر الَّذِينَ اتَّخَذُوا بغير واو، وقرأ الباقون بالواو ومعناهما واحد، إلا أن الواو للعطف.

نزلت الآية في سبعة عشر من المنافقين من بني عمرو بن عوف، قالوا: تعالوا نبني مسجداً يكون فيه متحدثنا ومجمع رأينا.

فانطلقوا إلى رسول الله  ، فسألوه أن يأذن لهم في بناء المسجد، وقالوا: قد بعُد علينا المسير إلى الصلاة معك، فتفوتنا الصلاة، فاذن لنا أن نبني مسجداً لذوي العلّة والليلة المطيرة.

فأذن لهم، وكانوا ينتظرون رجوع أبي عامر الراهب من الشام، وكان النبي  سماه فاسقاً، وقال: «لا تَقُولُوا رَاهِبٌ ولكن قُولُوا فَاسِقٌ» ، وقد كان آمن بالنبي  مرتين ثم رجع عن الإسلام، فدعا عليه رسول الله  فمات كافراً.

فلما ظهر أمرهم ونفاقهم، جاءوا يحلفون إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى أي: أردنا ببنيانه خيرا فنزل وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً يعني: بنوا المسجد للضرار والكفر وللتفريق بين المؤمنين، لكي يصلي بعضهم في مسجد قباء، وبعضهم في مسجدهم، وليجتمع الناس إلى مسجدهم ويتفرق أصحاب رسول الله  .

وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، يعني: انتظاراً لمن هو كافر بالله ورسوله من قبل بناء المسجد، أن يقدم عليهم لهم من قبل الشام، وهو أبو عامر الراهب.

وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى، يعني: ما أردنا ببناء المسجد إلاَّ صواباً، لكيلا تفوتنا الصلاة بالجماعة، ولكي يرجع أبو عامر الراهب ليسلم.

وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما حلفوا، وإنَّما اجتمعوا فيه لإظهار النفاق والكفر.

ثم قال تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً، يعني: لا تصلِّ فيه أبداً، لأنهم طلبوا من رسول الله  أن يأتي ويصلي فيه، لكي يتبركوا بصلاته فيه، فنهاه الله تعالى عن ذلك، ونزل لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً حتى للصلاة فيه ثم قال: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، يعني: المسجد الذي بني على التوحيد من أول يوم.

قال الأخفش: بني لوجه الله تعالى يعني: منذ أول يوم، ويقال: بني للذكر والتكبير والتهليل ولإظهار الإسلام وقهر الشرك من أول يوم بني.

ثم قال: أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، يعني: أولى وأجدر أن تصلي فيه.

ثم قال: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، يعني: الاستنجاء بالماء، ويقال: يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا يعني: يطهروا أنفسهم من الذنوب.

وذلك أن ناساً من أهل قباء كانوا إذا أتوا الخلاء، استنجوا بالماء وهم أول من فعل ذلك واقتدى بهم من بعدهم.

وروي في الخبر أن النبي  وقف بباب المسجد بعد نزول الآية وقال لمن فيه: «إنّ الله قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي طَهُورِكُمْ فَبِمَ تَطَهَّرُونَ» ؟

قالوا: نستنجي بالماء، فقرأ عليهم رسول الله  الآية (١) وقال سعيد بن المسيب: «المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد المدينة الأعظم» (٢) وعن سهل بن سعد الساعدي قال: «اختلف رجلان على عهد رسول الله  في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله  ، وقال الآخر: هو مسجد قباء.

فذكر ذلك للنبي  ، فقال: «هُوَ مَسْجِدِي هذا» .

وروي، عن ابن عباس أنه قال: «هُوَ مَسْجِدُ قباء» (٣) (١) عزاه السيوطي: 4/ 289 إلى ابن شيبة، وأحمد والبخاري وابن جرير والبغوي في معجمه والطبراني، وابن مردويه وابن نعيم.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 288 إلى ابن شيبة وأبي الشيخ.

(٣) عزاه السيوطي: 4/ 288 إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء: المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها: أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله سبحانه: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: معناه: ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا قال ابنُ زَيْدٍ: يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين «١» ، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قال الزَّجَّاج «٢» : معناه: ويقبل الصدقات «٣» ، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية منها حديثُ أبي هريرة: «إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» «٤» ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد.

وقوله: عَنْ عِبادِهِ: هي بمعنى «من» .

وقوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ...

الآية: هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ.

وقال الطبري «١» : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا.

قال ع «٢» : والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير أَلَمْ يَعْلَمُوا، ومعنى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، أي: موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ.

وقال ابنُ العرَبِيِّ «٣» في «أحكامه» : قوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٩٤] فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها: التهديد وذلك لأن/ النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: عَطْفٌ على قوله أولاً: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا: ومعنى الإِرجاء: التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ: الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه «٤» على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل: إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا: يكون الَّذِينَ اتَّخَذُوا بإسقاط واو العطف بدلاً من آخَرُونَ، أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم «٥» وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قطر إلّا ب «المدينة» :

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا- بإسقاط الواو- على أنه مبتدأ، والخبر: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ وأما الجماعة المرادة ب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً، فهم منافقو بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عوف، وأسند الطبريُّ «١» ، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال: أقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ- بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار- وكان أصحاب مسجد الضّرار، قد أتوه صلّى الله عليه وسلّم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّهِ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال: «إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ» ، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شأن مسجد الضّرار، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ: «انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاهُ» فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ «٢» ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلّى الله عليه وسلّم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطاً لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها: لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ: واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فحزّب على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب «مكة» مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة» ، هَرَبَ إِلى «الطائف» ، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجداً، مقاومةً لمسجد «قُبَاء» ، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من «المدينة» ، فبَنُوهُ وقالوا: سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ: سيأتي أبو عامر، وقوله: ضِراراً أي: داعيةً للتضارر من/ جماعتين.

وقوله: تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريدُ: تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء» ، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل: أراد بقوله: بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ جماعة مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروي: أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزلَتْ: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها.

وقوله: لَمَسْجِدٌ: قيل: إن اللام لام قسمٍ، وقيل: هي لام ابتداء، كما تقول:

لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب «مسجد أسس على التقوى» : مسجد «قباء» «١» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثاني مرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي «٣» في «أحكامِه» : وقَدْ رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ أن المراد ب «مسجد أُسس على التقوى» : مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى: وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء» ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» .

قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم «٤» انتهى.

ومعنى: أَنْ تَقُومَ فِيهِ: أي: بصلاتك وعبادتك.

وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا اختلف في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو على مسجد «قُبَاءَ» ؟

روي أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ» «١» .

والبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ: هو مسجدُ الضِّرار بإِجماع، و «الشّفا» :

الحاشية والشّفير، وهارٍ: معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من: هَارَ يَهُورُ «٢» البخاريُّ: هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله.

انتهى.

وتأسيسُ البناء علَى تقوى إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه كما صنع في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي مسجدِ «قُبَاء» ، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ.

وقوله سبحانه: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ: الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج «٣» ، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره أنه قال: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «٤» ، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلّى الله عليه وسلّم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ/ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ: رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان «٥» وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جريج «٦» : أسنده الطبري.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ ﴾ أيْ: لا تُصَلِّ فِيهِ أبَدًا.

﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى ﴾ أيْ: بُنِيَ عَلى الطّاعَةِ، وبَناهُ المُتَّقُونَ (مِن أوَّلِ يَوْمٍ) أيْ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: "مِن" في الزَّمانِ، والأصْلُ: مُنْذُ ومُذْ، وهو الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ.

وجائِزٌ دُخُولُ "مِن" لِأنَّها الأصْلُ في ابْتِداءِ الغايَةِ والتَّبْعِيضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٌ: لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحَجَرِ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن شَهْرِ وَقِيلَ مَعْناهُ: مَن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ شَهْرٍ.

وفي هَذا المَسْجِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ  بِالمَدِينَةِ الَّذِي فِيهِ مِنبَرُهُ وقَبْرُهُ.

رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ أحَدُهُما: هو مَسْجِدُ الرَّسُولِ، وقالَ الآَخَرُ: هو مَسْجِدُ قِباءٍ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَلنَّبِيِّ  ، فَقالَ "هُوَ مَسْجِدِي هَذا"» وبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَسْجِدُ قَباءٍ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعُرْوَةُ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ في المَدِينَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رِجُالًا مِن أهْلِ قَباءٍ كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، أتاهم رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ "ما الَّذِي أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ" فَقالُوا: إنّا نَسْتَنْجِي بِالماءِ.» فَعَلى هَذا، المُرادُ بِهِ الطَّهارَةُ بِالماءِ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: أنْ يَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مِنَ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ كانَ لا يَمُرُّ بِالطَرِيقِ الَّتِي فِيها المَسْجِدُ، وهَذا النَهْيُ إنَّما هو لِأنَّ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا خادَعُوا رَسُولَ اللهِ  وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِلضَّرُوراتِ والسَيْلِ الحايِلِ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا فَنُرِيدُ أنْ تُصَلِّي لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ  بِالمَشْيِ مَعَهم إلى ذَلِكَ، واسْتَدْعى قَمِيصَهُ لِيَنْهَضَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ لَمَسْجِدٌ ﴾ قِيلَ: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ، وقِيلَ: هي لامُ الِابْتِداءِ كَما تَقُولُ: لَزَيْدٌ أحْسَنُ الناسِ فِعْلًا، وهي مُقْتَضِيَةٌ تَأْكِيدًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِرْقَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ:رَضِيَ اللهُ عنهُمُ:المُرادُ بِالمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى: هو مَسْجِدُ قُباءٍ.

ورُوِيَ عن عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ  بِالمَدِينَةِ، ويَلِيقُ القَوْلُ الأوَّلُ بِالقِصَّةِ، إلّا أنَّ القَوْلَ الثانِيَ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ ورَجُلٌ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ الرَسُولِ  ، وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللهِ  فَسَألاهُ فَقالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذا، وفي الآخَرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ"» إلى كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ في هَذا عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ  كانَ في بُقْعَتِهِ نَخْلٌ وقُبُورُ مُشْرِكِينَ ومِرْبَدٍ لِيَتِيمَيْنِ كانا في حِجْرِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، وبَناهُ رَسُولُ اللهِ  ثَلاثَ مَرّاتٍ: الأولى بِالسَمِيطِ وهي لَبِنَةٌ أمامَ لَبِنَةٍ، والثانِيَةُ بِالصَعِيدَةِ، وهي لَبِنَةٌ ونِصْفٌ في عَرْضِ الحائِطِ، والثالِثَةُ بِالأُنْثى والذَكَرِ، وهي لَبِنَتانِ تُعْرَضُ عَلَيْهِما لَبِنَتانِ، وكانَ في طُولِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، وكانَ عُمُدُهُ النَخْلُ، وكانَ عَرِيشًا يَكُفُّ المَطَرَ، وعُرِضَ عَلى رَسُولِ اللهِ  بُنْيانُهُ ورَفْعُهُ فَقالَ: « "لا، بَلْ يَكُونُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ أخِي مُوسى كانَ إذا قامَ ضَرَبَ رَأْسُهُ في سَقْفِهِ".» وكانَ رَسُولُ اللهِ  يَنْقُلُ فِيهِ اللَبِنَ عَلى صَدْرِهِ، ويُقالُ إنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ في أساسِهِ حَجَرًا رَسُولُ اللهِ  ، ثُمَّ وضَعَ أبُو بَكْرٍ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُمَرُ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُثْمانُ حَجَرًا، ثُمَّ رَمى الناسُ بِالحِجارَةِ فَتَفاءَلَ بِذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ في أنَّها الخِلافَةُ فَصَدَقَ فَأْلُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ مِن أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وإنَّما دَعا إلى هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مِن أُصُولِ النَحْوِيِّينَ أنَّ "مِن" لا تُجَرُّ بِها الأزْمانُ، وإنَّما تُجَرُّ الأزْمانُ بِمُنْذُ، تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ أو سَنَةٍ أو يَوْمٍ، ولا تَقُولُ: مِن شَهْرٍ ولا مِن سَنَةٍ، ولا مِن يَوْمٍ، فَإذا وقَعَتْ "مِن" في الكَلامِ وهي تَلِي زَمَنًا فَيُقَدَّرُ مُضْمَرٌ يَلِيقُ أنْ تَجُرَّهُ "مِن" كَقَوْلِ الشاعِرِ: لِمَنِ الدِيارُ كَقُنَّةِ الحِجْرِ ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ؟

و"مِن شَهْرٍ" رِوايَةٌ، فَقَدَّرُوهُ: "مِن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ دَهْرٍ"، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ يَوْمًا وهو اسْمُ زَمانٍ احْتاجُوا فِيهِ إلى تَقْدِيرِ "مِن تَأْسِيسِ"، ويَحْسُنُ عِنْدِي أنْ يُسْتَغْنى في هَذِهِ الآيَةِ عن تَقْدِيرٍ، وأنْ تَكُونَ "مِن" تَجُرُّ لَفْظَةَ "أوَّلِ" لِأنَّها بِمَعْنى البُداءَةِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن مُبْتَدَإ الأيّامِ، وهي هُنا- تَقُومُ مَقامَ "المَرِّ" في البَيْتِ المُتَقَدِّمِ، وهي كَما تَقُولُ: "جِئْتُ مِن قَبْلِكَ ومِن بَعْدِكَ" وأنْتَ لا تَدُلُّ بِهاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ إلّا عَلى الزَمَنِ، وقَدْ حُكِيَ لِي هَذا الَّذِي اخْتَرْتُهُ عن بَعْضِ أئِمَّةِ النَحْوِ.

ومَعْنى ﴿ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ أيْ بِصَلاتِكَ وعِبادَتِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ" بِكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهُ" بِضَمِّ الهاءِ الثانِيَةِ عَلى الأصْلِ، ويُحَسِّنُهُ تَجَنُّبُ تَكْرارِ لَفْظٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ الرَسُولِ  ، والرِجالُ: جَماعَةُ الأنْصارِ.

ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لَهُمْ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنِّي رَأيْتُ اللهَ أثْنى عَلَيْكم بِالطُهُورِ فَماذا تَفْعَلُونَ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: إنّا رَأيْنا جِيرانَنا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، (قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ)، فَفَعَلْنا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ نَدَعْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "فَلا تَدَعُوهُ أبَدًا".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، والمُرادُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  إنَّما قالَ المُقالَةَ المُتَقَدِّمَةَ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأفْضَلِ بَيْنَ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ أو بِالحِجارَةِ، فَقِيلَ هَذا وقِيلَ هَذا، ورَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَهُما، فَيُنَقِّي بِالحِجارَةِ ثُمَّ يُتْبِعُ بِالماءِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ عُلَماءِ القَيْرَوانِ كانُوا يَتَّخِذُونَ في مُتَوَضَّياتِهِمْ أحْجارًا في تُرابٍ يُنَقُّونَ بِها ثُمَّ يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ أخْذًا بِهَذا القَوْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُتَصَوَّرُ الخِلافُ في البِلادِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيها أنْ تُنَقَّيَ الحِجارَةُ، وابْنُ حَبِيبٍ لا يُجِيزُ الِاسْتِنْجاءَ بِالحِجارَةِ حَيْثُ يُوجَدُ الماءُ، وهو قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَتَطَهَّرُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "يَطَّهَّرُوا" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُتَطَهِّرِينَ" بِالتاءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: أحْدَثَ قَوْمٌ مِن أهْلِ قُباءٍ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ» " ولَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم غَيْرُ عُوَيْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ ﴾ الآيَةُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى تَقْرِيرٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجَماعَةٌ: "أُسِّسَ بُنْيانُهُ" عَلى بِناءِ "أسَّسَ" لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "أسَّسَ بُنْيانَهُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ عِمارَةُ بْنُ ضَبّا -رَواهُ يَعْقُوبُ- الأوَّلُ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ والثانِي عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، والآيَةُ تَتَضَمَّنُ مُعادَلَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَإمّا بَيْنَ البِناءَيْنِ وإمّا بَيْنَ البانِينَ، فالمُعادَلَةُ الأولى هي بِتَقْدِيرٍ: "أبِناءُ مَن أسَّسَ؟".

وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ -وَرُوِيَتْ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ -: "أفَمَن أسَّ بُنْيانَهُ" عَلى إضافَةِ "أسَّ" إلى "بُنْيانٍ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو حَيَوَةَ أيْضًا: "أساسُ بُنْيانِهِ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: "أُسُسُ بُنْيانِهِ" عَلى وزْنِ "فُعُلُ" بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وهو جَمْعُ أساسٍ كَقَذالٍ وقُذُلٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لِنَصْرٍ إنَّما هِيَ: "أسَسٌ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ، وعَلى الحِكايَتَيْنِ فالإضافَةُ إلى البُنْيانِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا: "أساسٌ" عَلى جَمْعِ "أُسٍّ"، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: بَنى يَبْنِي بِناءً وبُنْيانًا كالغُفْرانِ والطُغْيانِ فَسُمِّيَ بِهِ المَبْنى مِثْلُ الخَلْقِ إذا أرَدْتَ بِهِ المَخْلُوقَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُنْيانَةِ القارِي مَوْضِعُ رِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ وآثارِ نَسْعَيْها مِنَ الدَفِّ أبْلَقُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى تَقْوى"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى تَقْوًى" بِتَنْوِينِ الواوِ، حَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ ورَدَّها الناسُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: قِياسُها أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى ونَحْوِهِ.

وأمّا المُرادُ بِالبُنْيانِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى والرِضْوانِ فَهو -فِي ظاهِرِ اللَفْظِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ- المَسْجِدُ المَذْكُورُ قَبْلُ، ويَطَّرِدُ فِيهِ الخِلافُ المُتَقَدِّمُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ  ، والمُرادُ بِأنَّهُ أُسِّسَ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ، ورِضْوانٍ خَيْرٌ هو مَسْجِدٌ قُباءٍ، وأمّا البُنْيانُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَهو مَسْجِدُ الضِرارِ بِإجْماعٍ.

والشَفا: الحاشِيَةُ والشَفِيرُ.

والجُرُفُ: الحَفِيرُ حَوْلَ البِئْرِ ونَحْوُهُ مِمّا جَرَفَتْهُ السُيُولُ والنَدْوَةُ والبِلى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "جُرُفٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وجَماعَةٌ: "جُرْفٍ" بِسُكُونِ الراءِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الأصْلُ بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِها بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ.

و"هارٍ" مَعْناهُ: مُتَهَدِّمٌ مُنْهالٌ، مَن هارَ يَهُورُ، ويُقالُ: هارَ يَهِيرُ ويَهارُ، وأصْلُهُ: هايِرٌ أو هاوِرٌ، فَقِيلَ: قُلِبَتْ راؤُهُ قَبْلَ حَرْفِ العِلَّةِ فَجاءَ هارُو أو هارِي، فَصُنِعَ بِهِ ما صُنِعَ بِقاضٍ وغازٍ، وعَلى هَذا يُقالُ في حالِ النَصْبِ: هارِيًا، ومِثْلُهُ "فِي يَوْمٍ راحٍ" أصْلُهُ: رائِحٍ، ومِثْلُهُ "شاكِي السِلاحِ" أصْلُهُ: شائِكٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَجّاجِ: لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِي أصْلُهُ: لائِثٌ.

ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................

∗∗∗ ∗∗∗ خَفَضُوا أسِنَّتَهم فَكُلٌّ ناعٍ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن "نَعى يَنْعِي" والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ: "يا ثارّاتِ فُلانٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فَكُلُّهم نائِعٌ" أيْ عاطِشٌ كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ شِيَيْمِ: .........................

∗∗∗ ∗∗∗ والأسَلَ النِياعا وقِيلَ في "هارٍ": إنَّ حَرْفَ عِلَّتِهِ حُذِفَ حَذْفًا، فَعَلى هَذا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: جَرْفٌ هارٌ، ورَأيْتَ جَرْفًا هارًا، ومَرَرْتُ بِحَرْفٍ هارٍ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إمالَةِ "هارٍ" و"انْهارَ".

وتَأْسِيسُ البِناءِ عَلى تَقْوى إنَّما هو بِحُسْنِ النِيَّةِ فِيهِ وقَصْدِ وجْهِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإظْهارِ شَرْعِهِ، كَما صَنَعَ في مَسْجِدِ النَبِيِّ  وفي مَسْجِدِ قُباءٍ.

والتَأْسِيسُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ إنَّما هو بِفَسادِ النِيَّةِ وقَصْدِ الرِياءِ والتَفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ تَشْبِيهاتٌ صَحِيحَةٌ بارِعَةٌ.

و"خَيْرٌ" في هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلٌ، ولا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في خَيْرٍ إلّا عَلى مُعْتَقَدِ بانِي مَسْجِدِ الضِرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَفْضِيلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ الظاهِرُ مِنهُ ومِمّا صَحَّ مِن خَبَرِهِمْ وهَدْمِ رَسُولِ اللهِ  مَسْجِدَهم أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، أيْ: مَثَلُ هَؤُلاءِ المُضارِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ في قَصْدِهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ وحُصُولِهِمْ مِن ذَلِكَ عَلى سُخْطِهِ كَمَن يَنْهارُ بُنْيانُهُ في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ اقْتُضِبَ الكَلامُ اقْتِضابًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ.

وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وإنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

ورُوِيَ «عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الدُخانَ يَخْرُجُ مِنهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  .» ورُوِيَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  رَآهُ حِينَ انْهارَ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ السابِعَةَ فَفَزِعَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  .

ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، أكْمَلُوهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ وصَلَّوْا فِيهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ السَبْتِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بِإسْنادٍ لَيِّنٍ، وما قَدَّمْناهُ أصْوَبُ وأصَحُّ، وكَذَلِكَ بَقِيَ أمْرُهُ والصَلاةُ فِيهِ مِن قَبْلِ سَفَرِ رَسُولِ اللهِ  إلى تَبُوكَ إلى أنْ أقْفَلَ مِنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ طَعْنٌ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وإشارَةٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم ظالِمُونَ، أو يَكُونُ المُرادُ الخُصُوصَ فِيمَن يُوافِي عَلى ظُلْمِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن خَلَفِ بْنِ ياسِينَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ مَسْجِدَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُ اللهُ في القُرْآنِ فَرَأيْتُ فِيهِ مَكانًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُخانُ، وذَلِكَ في زَمَنِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ.

ورُوِيَ شَبِيهٌ بِهَذا أو نَحْوِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا كلام على فريق آخر من المؤاخَذين بأعمال عملوها غضب الله عليهم من أجلها، وهم فريق من المنافقين بنوا مسجداً حول قباء لغرض سيء لينصرف إخوانهم عن مسجد المؤمنين وينفردوا معهم بمسجد يخصهم.

فالجملة مستأنفة ابتدائية على قراءة من قرأها غيرَ مفتتحة بواو العطف، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر.

ونكتة الاستئناف هنا التنبيه على الاختلاف بين حال المراد بها وبين حال المراد بالجملة التي قبلها وهم المرجون لأمر الله.

وقرأها البقية بواو العطف في أولها، فتكون معطوفةً على التي قبلها لأنها مثلها في ذكر فريق آخر مثل مَن ذكر فيما قبلها.

وعلى كلتا القراءتين فالكلام جملة أثر جملة وليس ما بعد الواو عطف مفرد.

وقوله ﴿ الذين ﴾ مبتدأ وخبره جملة: ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ كما قاله الكسائي.

والرابط هو الضمير المجرور من قوله: ﴿ لا تقم فيه ﴾ لأن ذلك الضمير عائد إلى المسجد وهو مفعولُ صلةِ الموصول فهو سببي للمبتدأ، إذ التقدير: لا تقم في مسجد اتخذوه ضراراً، أو في مسجدهم، كما قدره الكسائي.

ومن أعربوا ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ [التوبة: 109] خبراً فقد بعدوا عن المعنى.

والآية أشارت إلى قصة اتخاذ المنافقين مسجداً قُرب مسجد قُباء لقصد الضرار، وهم طائفة من بني غُنْم بن عَوف وبني سالم بن عَوف من أهل العوالي.

كانوا اثني عشر رجلاً سماهم ابن عطية.

وكان سبب بنائهم إيَّاه أن أبا عامر واسمه عبد عمرو، ويلقب بالراهب من بني غنم بن عوف كان قد تنصر في الجاهلية فلما جاء الإسلام كان من المنافقين.

ثم جاهر بالعداوة وخرج في جماعة من المنافقين فحزَّب الأحزاب التي حاصرت المدينة في وقعة الخندق فلما هزمهم الله أقام أبو عامر بمكة.

ولما فتحت مكة هرب إلى الطائف، فلما فتحت الطائف وأسلمت ثقيف خرج أبو عامر إلى الشام يستنصر بقيصر، وكتب إلى المنافقين من قومه يأمرهم بأن يبنوا مسجداً ليخلصوا فيه بأنفسهم، ويعِدهم أنه سيأتي في جيش من الروم ويخرج المسلمين من المدينة.

فانتدب لذلك اثنا عشر رجلاً من المنافقين بعضهم من بني عمرو بن عوف وبعضهم من أحلافهم من بني ضبيعَة بن زيد وغيرهم، فبنوه بجانب مسجد قباء، وذلك قُبيل مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تَبوك.

وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.

فلما قفل من غزوة تبوك سألوه أن يأتي مسجدهم فأنزل الله هذه الآية، وحلفوا أنهم ما أرادوا به إلا خيراً.

والضرار: مصدر ضار مبالغة في ضر، أي ضِراراً لأهل الإسلام.

والتفريق بين المؤمنين هو ما قصدوه من صرف بني غُنم وبني سالم عن قباء.

والإرصاد: التهيئة.

والمراد بمن حارب الله ورسوله أبو عامر الراهب، لأنه حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب وحاربه مع ثقيف وهوازنَ، فقوله: ﴿ من قبلُ ﴾ إشارة إلى ذلك، أي من قبل بناء المسجد.

وجملة: ﴿ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ﴾ معترضة، أو في موضع الحال.

والحسنى: الخير.

وجملة: ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾ معترضة.

وجملة: ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ هي الخبر عن اسم الموصول كما قدمْنا.

والمراد بالقيام الصلاة لأن أولها قيام.

ووجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه تكسبه يُمْناً وبَركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه فيقتصر بنو غُنم وبنو سالم على الصلاة فيه لقربه من منازلهم، وبذلك يحصل غرض المنافقين من وضعه للتفريق بين جماعة المسلمين.

فلما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه مفضية إلى ترويج مقصدهم الفاسد صار ذلك وسيلة إلى مفسدة فتوجه النهي إليه.

وهذا لا يطلع على مثله إلا الله تعالى.

وهذا النهي يعم جميع المسلمين لأنه لما نهي النبي عن الصلاة فيه علم أن الله سلب عنه وصف المسجدية فصارت الصلاة فيه باطلة لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بنَ ياسر ووحشياً مولى المُطعم بن عدي ومالكَ بن الدخشم ومعنَ بن عدي فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه»، ففعلوا.

وتحريقه تحريق الأعواد التي يتخذ منها السَّقف، والجذوععِ التي تجعل له أعمدة.

وقوله: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ﴾ احتراس مما يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادةٍ في الوقت الذي رغبوه للصلاة فيه فأمره الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعَوه فيه للصلاة في مسجد الضرار أن يصلي في مسجده أو في مسجد قُباء، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه، وهذا أدب نفساني عظيم.

وفيه أيضاً دفع مكيدةِ المنافقين أن يطعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع، فقوله: ﴿ أحقُّ ﴾ وإن كان اسم تفضيل فهو مسلوب المفاضلة لأن النهي عن صلاته في مسجد الضرار أزال كونه حقيقاً بصلاته فيه أصلاً.

ولعل نكتة الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين بمُجازاتهم ظاهراً في دعوتهم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقاً بصلاته بمسجد أسس على التقوى أحق منه، فيعرف من وصفه بأنه ﴿ أسس على التقوى ﴾ أن هذا أسس على ضدها.

وثبت في «صحيح مسلم» وغيره عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن المراد من المسجد الذي أسس على التقوى في هذه الآية فقال: «هو مسجدكم هذا».

يعني المسجد النبوي بالمدينة.

وثبت في الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا بأنهم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء.

وذلك يقتضي أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم هو مسجدهم، لقوله: ﴿ فيه رجالٌ ﴾ .

ووجه الجمع بين هذين عندي أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم ﴾ المسجد الذي هذه صفته لا مسجداً واحداً معيناً، فيكون هذا الوصف كلياً انحصر في فَردين المسجدِ النبوي ومسجدِ قُباء، فأيهما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجدِ الضرار كانَ ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مَسجدهم، ومن مطاعنهم أيضاً، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين.

وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبَه.

ومن جليل المنازع من هذه الآية ما فيها من حجة لصحة آراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جعلوا العام الذي كان فيه يوم الهجرة مبدأ التاريخ في الإسلام.

وذلك ما انتزعه السهيلي في «الروض الأنف» في فصل تأسيس مسجدِ قباء إذ قال: «وفي قوله سبحانه: ﴿ من أول يوم ﴾ (وقد علم أنه ليس أولَ الأيام كلها ولا أضافَه إلى شيء في اللفظ الظاهر فيه) من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم مع عمر حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عَام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام وأمِن فيه النبي صلى الله عليه وسلم فوافق هذا ظاهر التنزيل».

وجملة: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ ثناء على مؤمني الأنصار الذين يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمسجد قباء.

وجاء الضمير مفرداً مراعاة للفظ (مَسجد) الذي هو جنس، كالإفراد في قوله تعالى: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ [آل عمران: 119].

وفيه تعريض بأن أهل مسجد الضرار ليسوا كذلك.

وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين الاستجمار بالأحجار والغسل بالماء كما دل عليه حديث رواه الدارقطني عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقال: " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطُهور فما طُهوركم؟

قالوا: إنَّ أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء.

قال: هو ذلك فعليكموه "، فهذا يعم الأنصار كلهم.

ولا يعارضه حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن طهارتهم لأن أهل قباء هم أيضاً من الأنصار، فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في قبائل الأنصار.

وأطلقت المحبة في قوله: ﴿ يحبون ﴾ كناية عن عمل الشيء المحبوب لأن الذي يحب شيئاً ممكناً يعمله لا محالة.

فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقرباً إلى الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها، بحيث صارت الطهارة خُلقاً لهم فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم.

وجملة: ﴿ والله يحب المطهرين ﴾ تذييل.

وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خلقاً يحبه الله تعالى.

وكفى بذلك تنويهاً بزكاء أنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا ﴾ هَؤُلاءِ هم بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: هم خِذامُ بْنُ خالِدٍ ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِّقاقِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قَشِيرٍ، وأبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ أخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ مُجَمِّعٌ وزَيْدٌ ابْنا جارِيَةَ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وبَحْرَجٌ وهو جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ، ولَهُ قالَ النَّبِيُّ  : « (وَيْلَكَ يا بَحْرَجُ ماذا أرَدْتَ بِما أرى؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى، وهو كاذِبٌ، فَصَدَّقَهُ، فَبَنى هَؤُلاءِ مَسْجِدَ الشِّقاقِ والنِّفاقِ قَرِيبًا مِن مَسْجِدِ قُباءٍ.

» ﴿ ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي ضِرارًا، وكُفْرًا بِاللَّهِ، وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَجْتَمِعُوا كُلُّهم في مَسْجِدِ قُباءٍ فَتَجْتَمِعَ كَلِمَتُهم، ويَتَفَرَّقُوا فَتَتَفَرَّقَ كَلِمَتُهم، ويَخْتَلِفُوا بَعْدَ ائْتِلافِهِمْ.

﴿ وَإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ وفي الإرْصادِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ انْتِظارُ سُوءٍ يُتَوَقَّعُ.

الثّانِي: الحِفْظُ المَقْرُونُ بِفِعْلٍ.

وَفي مُحارَبَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُخالَفَتُهُما.

الثّانِي: عَداوَتُهُما.

والمُرادُ بِهَذا الخِطابِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ والِدُ حَنْظَلَةَ بْنِ الرّاهِبِ كانَ قَدْ حَزَّبَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، ثُمَّ خافَ فَهَرَبَ إلى الرُّومِ وتَنَصَّرَ واسْتَنْجَدَ هِرَقْلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  .

فَبَنَوْا هَذا المَسْجِدَ لَهُ حَتّى إذا عادَ مِن هِرَقْلَ صَلّى فِيهِ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ إذا صَلّى فِيهِ نُصِرَ، وكانُوا ابْتَدَأُوا بُنْيانَهُ ورَسُولُ اللَّهِ  خارِجٌ إلى تَبُوكَ، فَسَألُوهُ أنْ يُصَلِّيَ لَهم فِيهِ فَقالَ: « (أنا عَلى سَفَرٍ ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ أتَيْناكم وصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا قَدِمَ مِن تَبُوكَ أتَوْهُ وقَدْ فَرَغُوا مِنهُ وصَلَّوْا فِيهِ الجُمُعَةَ والسَّبْتَ والأحَدَ، وقالُوا قَدْ فَرَغْنا مِنهُ، فَأتاهُ خَبَرُ المَسْجِدِ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ما أُنْزِلَ.

» وحَكى مُقاتِلٌ أنَّ الَّذِي أمَّهم فِيهِ مُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ وكانَ قارِئًا، ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى الكُوفَةِ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنَ، وهو عَلَّمَ ابْنَ مَسْعُودٍ بَقِيَّةَ القُرْآنِ.

﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: طاعَةُ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: الجَنَّةُ.

والثّالِثُ: فِعْلُ الَّتِي هي أحْسَنُ، مِن إقامَةِ الدِّينِ والجَماعَةِ والصَّلاةِ، وهي يَمِينُ تَحَرُّجٍ.

﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ خائِنُونَ في إيمانِهِمْ.

والثّانِي: واللَّهُ يُعْلِمُكَ أنَّهم لَكاذِبُونَ خائِنُونَ.

فَصارَ إعْلامُهُ لَهُ كالشَّهادَةِ مِنهُ عَلَيْهِمْ.

﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ أيْ لا تُصَلِّ فِيهِ أبَدًا، يَعْنِي مَسْجِدَ الشِّقاقِ والنِّفاقِ «فَعِنْدَ ذَلِكَ أنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ  مالِكَ بْنَ الدَّخْشَمِ وعاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ.

فَذَهَبا إلَيْهِ وأخَذا سَعَفًا وحَرَقاهُ.

» وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بَلِ انْهارَ المَسْجِدُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ولَمْ يُحَرَّقْ.

﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ  بِالمَدِينَةِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ورَواهُ مَرْفُوعًا.

الثّانِي: أنَّهُ مَسْجِدُ قُباءٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ وهو أوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ في المَدِينَةِ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ﴿ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ واللَّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِنها بِالتَّوْبَةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا مِنَ البَوْلِ والغائِطِ بِالِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ.

واللَّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ بِذَلِكَ.

رَوى أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لِلْأنْصارِ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: « (يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطَّهُورِ فَما طَهُورُكم هَذا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ؟

قالُوا: لا، غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ، فَقالَ: هو ذَلِكَ فَعَلَيْكُمُوهُ) .» الثّالِثُ: أنَّهُ عَنى المُتَطَهِّرِينَ عَنْ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، وهو مَجْهُولٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» .

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة قال «ما هذا الطهور الذي اثنى الله عليكم؟

فقالوا: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه، أو قال: مقعدته.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو هذا» .

وأخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عويم بن ساعدة الأنصاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟

قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا» .

وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الجارود في المنتقى والدارقطني والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عن طلحة بن نافع قال: حدثني أبو أيوب، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، إن هذه الآية لما نزلت ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟

قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال: فهل مع ذلك غيره؟

قالوا: لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء.

قال: هو ذاك فعليكموه» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجمع بن يعقوب بن مجمع «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟

فقالوا: نغسل الأدبار» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وابن جرير والبغوي في معجمه والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن محمد بن عبدالله بن سلام عن أبيه قال: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الذي أسس على التقوى فقال «إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيراً أفلا تخبروني؟

يعني قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾ فقالوا: يا رسول الله إنا لنجد مكتوباً في التوراة الاستنجاء بالماء، ونحن نفعله اليوم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء «ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم؟

قالوا: ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء من الخلاء» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه أن هذه الآية نزلت في أهل قباء ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء «ما هذا الطهور الذي خصصتم به في هذه الآية ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ ؟قالوا: يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته» .

وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال «سأل النبي صلى الله عليه وسلم أهل قباء فقال: إن الله قد أثنى عليكم فقالوا: إنا نستنجي بالماء.

فقال: إنكم قد أثنى عليكم فدوموا» .

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء، فأنزلت فيهم ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن خزيمة بن ثابت قال: كان رجال منا إذا خرجوا من الغائط يغسلون أثر الغائط، فنزلت فيهم هذه الآية ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قالوا: «يا رسول الله، من هؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾ ؟

قال: كانوا يستنجون بالماء، وكانوا لا ينامون الليل كله وهم على الجنابة» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عروة بن الزبير أن عويم بن ساعدة قال: يا رسول الله من الذين قال الله فيهم ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾ ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم القوم منهم عويم بن ساعدة، ولم يبلغنا أنه سمى رجلاً غير عويم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الأنصار «إن الله قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم؟

قالوا: نستنجي بالماء من البول والغائط» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في هذه الآية ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا...

﴾ الآية.

قال «سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طهورهم الذي أثنى الله به عليهم.

قالوا: كنا نستنجي بالماء في الجاهلية، فلما جاء الله بالإِسلام لم ندعه.

قال: فلا تدعوه» .

وأخرج ابن مردويه من طريق يعقوب بن مجمع عن عبد الرحمن بن يزيد عن مجمع بن جارية عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن هذه الآية نزلت في أهل قباء ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ وكانوا يغسلون أدبارهم بالماء» .

وأخرج ابن سعد من طريق موسى بن يعقوب عن السري بن عبد الرحمن عن عبادة بن حمزة.

أنه سمع جابر بن عبدالله يخبر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم العبد من عباد الله والرجل من أهل الجنة عويم بن ساعدة.

قال موسى: وبلغني أنه لما نزلت ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منهم عويم أول من غسل مقعدته بالماء فيما بلغني» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل الخلاء إلا توضأ أو مس ماء.

وأخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق الوليد بن سندر الأسلمي عن يحيى بن سهل الأنصاري عن أبيه.

إن هذه الآية نزلت في أهل قباء، كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض الأنصار: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ ؟

قالوا: نستطيب بالماء إذا جئنا من الغائط» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ الآية، قال المفسرون: (إن أهل مسجد الضرار قالوا للنبي  : إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فنهاه الله عن ذلك، وقال: ﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ (١) (٢) ثم بين أي المسجدين أحق بالقيام فيه، فقال: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ﴾ اللام تأكيد للقسم، كأنه قيل: والله لمسجد أسس، أي (٣) (٤) (٥) ﴿ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ (من) هاهنا: تدل على البداية؛ لأنها نقيضة (إلى) كقولك من كذا إلى كذا، قال زهير: لمن الديار بقُنَّة الحِجْر (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ معناه أول الأيام إذا ميزت يومًا يومًا، كما تقول: أعطيت كل رجل في الدار، أي كل الرجال إذا ميزوا رجلاً رجلاً (٨) ﴿ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ ، قال الزجاج: (أن) في موضع نصب، المعنى: أحق بأن تقوم فيه) (٩) ﴿ وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا  ﴾ فإن قيل لم قال: ﴿ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟

قيل: للمظاهرة في الحجة بأنه لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا أحق.

واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال ابن عُمر، وزيد ابن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وابن المسيب: هو مسجد رسول الله -  - بالمدينة) (١٠)  - أنه قال: "هو مسجدي" رواه الخدري (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد الأنصار) (١٨) ﴿ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ ، قال الحسن: (أي من الذنوب) (١٩) (٢٠)  - أتاهم وهم في مسجدهم فقال: "إن الله قد أحسن الثناء عليكم في طهوركم فبم تتطهرون؟

" فقالوا: نغسل أثر الغائط بالماء، فقال النبي  "دوموا عليه" (٢١) قال المفسرون: (كان من عادة هؤلاء في الاستنجاء [استعمال الأحجار ثم الماء بعدها وهو الأكمل والأفضل في باب الاستنجاء) (٢٢) (٢٣) ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ أي: من الشرك والنفاق والأنجاس، قالوا: فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله  أصحابه (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) رواه عن ابن عباس بنحوه ابن جرير 11/ 24، وابن أبي حاتم 6/ 1881، وانظر "الدر المنثور" 3/ 494 - 495.

(٢) رواه البغوي 4/ 95، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 204، وانظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 26، وابن الجوزي 3/ 500.

(٣) في (ى): (أو بني أر بنيت)، وهو خطأ.

(٤) "تهذيب اللغة" (تقي) 1/ 443.

(٥) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 204 مختصرًا.

(٦) ساقط من (ى).

(٧) البيت مطلع قصيدة في "شرح ديوان زهير" ص 86، ونسب إليه أيضاً في "زاد المسير" 3/ 500، و"خزانة الأدب" 9/ 443.

والقنة: الجبل الصغير الذي ليس بمنتشر، أر الجبل السهل المنبسط على الأرض.

وأقوين: خلون من السكان.

وقوله: من شهر: أراد: من شهور، ورواية ثعلب: ومن دهر.

والحجر: بكسر الحاء، موضع، والمعروف بهذا الاسم منازل ثمود، أما بفتح الحاء فهي مدينة اليمامة.

انظر: "شرح الديوان" و"خزانه الأدب" نفس الموضعين السابقين، و"لسان العرب" (قنن).

(٨) ذكر ابن جرير معنيين لقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ فقال: (من أول يوم): ابتدئ في بنائه ..

وقيل: معنى قوله (من أول يوم) مبدأ أول يوم، كما تقول العرب: لم أره من يوم كذا، بمعنى: مبدؤه، و (من أول يوم) يراد به: من أول الأيام، كقول القائل: (لقيت كل رجك)، بمعنى (كل الرجال).

"تفسير ابن جرير" 11/ 26.

(٩) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469.

(١٠) انظر آثارهم في "تفسير ابن جرير" 11/ 26 - 27، والثعلبي 6/ 148/ ب، و"الدر المنثور" 3/ 496.

(١١) رواه عنه مسلم (1398)، كتاب: الحج، باب: بيان أن المسجد الذي أسس ..

إلخ، والترمذي (3599)، كتاب: تفسير القرآن، والنسائي في "سننه"، كتاب: المساجد، ذكر المسجد الذي أسس على التقوى 2/ 36، وأحمد في المسند 3/ 8.

(١٢) رواه عنه أحمد في "المسند" 5/ 116، وابن جرير 11/ 28، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب والضياء في "المختارة" كما في "الدر المنثور" 3/ 496.

(١٣) أخرج رواية الوالبي، ابن جرير في "تفسيره" 11/ 27، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1886، والبيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 262، وأخرج رواية العوفي، ابن جرير 11/ 27، والثعلبي 6/ 149/ أ، والبغوي 4/ 96.

(١٤) انظر: "تفسير هود بن محكم" 2/ 168، و"البحر المحيط" 5/ 97.

(١٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 28، والثعلبي 6/ 149/ أ، وابن أبي حاتم 6/ 1882.

(١٦) انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469.

(١٨) لم أقف عليه.

(١٩) انظر: "تفسير هود بن محكم" 2/ 168.

(٢٠) رواه عن ابن عباس، الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 204، ورواه عن الكلبي، الثعلبي في "تفسيره" 6/ 149 ب، وانظر: "الوسيط" 2/ 525، و"تفسير البغوي" 4/ 96، و"الدر المنثور" 3/ 497.

(٢١) رواه بنحوه ابن ماجه في (354)، في الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء، وأحمد 3/ 422، والحاكم في "المستدرك"، في الطهارة 1/ 155 وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح باعتبار شواهده.

انظر: "إرواء الغليل" 1/ 85.

(٢٢) ذكره الزمخشري في "الكشاف" 2/ 214 بغير سند.

(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٢٤) من (ى).

(٢٥) رواه بنحوه ابن جرير 11/ 23، والثعلبي 6/ 147 ب، والبغوي 4/ 94، وانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 185، و"الدر المنثور" 3/ 495.

(٢٦) انظر: "تفسير الثعلبي" والبغوي، الموضعين السابقين.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ نهي عن إتيانه والصلاة فيه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر بطريقه ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى ﴾ قيل: هو مسجد قباء، وقيل: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وقد رُوي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ كانوا يستنجون بالماء ونزلت في الأنصار على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد المدينة، ونزلت في بني عمرو بن عوف خاصة على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بنيانه على تقوى مِنَ اللَّهِ ورضوان خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بنيانه على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ الآية: استفهام بمعنى التقرير، والذي أسس على التقوى والرضوان: مسجد المدينة أو مسجد قباء، والذي أسس على شفا جرف هار: هو مسجد الضرار، وتأسيس البناء على التقوى والرضوان: هو بحسن النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه، والتأسيس على شفا جرف هار: هو بفساد النية، وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين، فلذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البديع، ومعنى شفا جرف: طرفه، ومعنى هار: ساقط أو واهي، بحيث أشفى على السقوط، وأصل هار: هائر، فهو في من المقلوب، لأن لامه جعلت في موضع العين ﴿ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ أي طاح في جهنم، وهذا ترشيح للمجاز، فإنه لما شُبه بالجرف وُصف بالإنهيار؛ الذي هو من شأن الخوف، وقيل: إن ذلك حقيقة، وأنه سقط في نار جهنم وخرج الدخان من موضعه، والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهدمه فهدم ﴿ لاَ يَزَالُ بنيانهم الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار ريبة من بنيانه: أي شك في الإسلام بسبب بنيانه، لاعتقادهم صواب فعلهم: أو غيظ بسبب هدمه ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي إلا أن يموتوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.

والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.

﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.

﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.

الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.

﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.

الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.

الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.

﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.

الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.

الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: {  م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.

وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.

والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.

قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله  عنهم بأنه رضي عنهم.

ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.

قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.

وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.

وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.

وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله  وما كان بينهم؟

فقال لي: إن الله  قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.

قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟

قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله  : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟

أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.

قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.

ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.

فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.

ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.

روى السدي عن أبي مالك أنه  قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.

وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.

وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.

وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.

وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.

وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.

﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.

قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.

ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.

و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.

وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.

وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.

عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله  وأصحابه في الجهاد.

روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.

وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله  هو الذي يطلقنا ويعذرنا.

فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.

فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.

فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.

والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.

﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.

وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.

لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.

وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.

ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.

قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.

وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.

وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.

وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.

ثم قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.

وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.

ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.

وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.

وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.

وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.

قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه  جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.

قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.

وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.

فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.

وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي  إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.

وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.

وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده  وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.

قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟

ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟

وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟

﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟

احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.

ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.

روي أن رسول الله  لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.

وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.

وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.

وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.

وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.

وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.

ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.

والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.

وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.

ولا شك أن رؤية الله  شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.

أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.

واعلم أنه  قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه  ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.

وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.

وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.

وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.

وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.

قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.

ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.

في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.

وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله  أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.

واعلم أنه  حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي  وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.

وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.

قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.

وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.

وقال الأكثرون: إنه الإعداد.

والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله  عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله  يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.

ثم أخبر الله  عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.

قال المفسرون.

إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.

فقال رسول الله  : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.

فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.

وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.

ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.

ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟

قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ  لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.

واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله  بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله  عن المسجد الذي أسس على التقوى.

فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.

وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله  وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.

وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.

وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.

ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.

وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.

"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟

فسكت القوم.

ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.

فقال  : أترضون بالقضاء؟

قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟

قالوا: نعم.

قال: أتشكرون في الرخاء؟

قالوا: نعم.

فقال  : مؤمنون ورب الكعبة.

فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟

فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.

فتلا النبي  : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.

ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.

ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.

والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.

قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.

وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.

ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.

والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.

وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.

التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي  وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .

﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان {  م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.

﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال  : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.

فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال  : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.

﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.

﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.

﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.

﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.

﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.

﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.

﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.

ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

عن ابن عباس -  - أن المنافقين اتخذوا مسجداً، فلما فرغوا منه جاءوا إلى نبي الله وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: يا رسول الله، بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، [و] إنا نحب يا رسول الله أن تأتينا فتصلي فيه، قال رسول الله: "إنا على سفر وحال شغل، ولو قدمنا من سفرنا أتيناكم فصلينا لكم فيه إن شاء الله"، فأنزل الله على رسوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً...

﴾ الآية؛ أخبر فيه أنهم لم يقصدوا ببناء مسجدهم ذلك ما ذكروا: إنا بنينا [مسجداً] لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والإشفاق على الدين، وحفظ الصلاة بالجماعة، ولكن يقصدون به ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين.

وقوله: ﴿ ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يكون قوله: ﴿ وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ ضِرَاراً ﴾ يقصدون ببناء المسجد الذي بنوا ريبة أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله، حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم، والظفر بهم من أن كانوا مجموعين.

روي عن رسول الله  أنه قال: "لن يغلب اثنا عشر ألفاً كلمتهم واحدة" وقوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ جعل الاجتماع في الدين نعمة، ونهاهم عن التفرق وهم كانوا يقصدون قصد التفريق بينهم؛ لما ذكرنا، أو كانوا يقصدون بذلك أن يفرقوا بين ضعفة من المؤمنين وبين رسول الله، فيلبسوا عليهم الدين؛ لأنهم كانوا أهل لسان وجدل، وذلك كله كفر على ما ذكر.

وفيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه معلوم أنهم أسرّوا وأضمروا فيما بينهم الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأطلع الله نبيه على ما أسرّوا؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

أي: بنوا ذلك المسجد إرصاداً لمن حارب الله ورسوله.

قال عامة أهل التأويل: هو أبو عامر؛ ذكر أن أبا عامر حارب رسول الله، ثم فرّ منه، فقال للمنافقين: ابنوا مسجداً واستعدوا، فإني ذاهب إلى قيصر بالشام، [فآتي بجند فنخرج محمداً وأصحابه من المدينة.

فذهب إلى قيصر بالشام]، فبنوا مسجداً إرصاداً لمن حارب الله ورسوله، يعني: أبا عامر.

قال القتبي: ضراراً، أي: مضارة، وإرصاداً، أي: ترقباً بالعداوة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ضِرَاراً ﴾ ، أي: مضارة، ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، أي: وقوفاً وانتظار الفرصة لمن حارب الله على المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا ﴾ .

أي: حلفوا ما أردنا باتخاذ المسجد.

﴿ إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ والخير.

﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

فيه ما ذكرنا من الدلالة على إثبات [رسالة محمد  ].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ .

قيل: لا تصل فيه؛ لأنهم سألوه أن يصلي فيه.

وقيل: ﴿ لاَ تَقُمْ ﴾ ، اي: لا تأته، ولا تدخل؛ وهو واحد.

﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: هو مسجد قُباء.

وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله  .

روي عن أبي سعيد الخدري قال: "اختصم - أو قال: اختصمنا - [في] المسجد الذي أسس على التقوى؛ فقال النبي صلى الله عليه سلم: هو مسجدي هذا" وعن أبي بن كعب قال: "إن النبي  سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: هو مسجدي هذا" وظاهر ما ذكر "أن يكون مسجد قباء؛ لأنه ذكر لما نزل قوله: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ ﴾ ، قال لأهل قباء: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فماذا تصنعون؟

قالوا: نغسل عنا أثر الغائط والبول" .

وفي بعض الأخبار "قالوا: يا رسول الله، إنا نجد مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء، فلا ندعه، فقال: لا تدعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ .

يحتمل: أي: فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان والتوحيد، والصلاة فيه، وكل مسجد هذا فيه فهو مؤسس على التقوى، أي: تقوى الشرك والخلاف لأمر الله ومناهيه.

أو يقول: فيه رجال يحبون، أي: يؤثرون التطهر بالتقوى والأعمال الصالحة على غيرها من الأعمال التي تنجسهم.

ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقدار والأنجاس؛ كأنه قال: فيه رجال يؤثرون الإبلاغ في التطهير من الأقذار والأنجاس التي تصيبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

أي: على الطاعة لله والإخلاص له.

﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .

له وطلب مرضاته.

﴿ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .

أي: بني للاختلاف والتفريق بين المؤمنين والكفر بالله؛ هذا المثل مقابلة مكان بمكان؛ يقول: من بنى بناء على قرار من الأرض مما يقر به وينتفع به خير ممن بنى بناء على المكان الذي لا يقر، ويؤدي إلى الهلاك، ولا ينتفع به، والأول مقابلة فعل بفعل، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ كالذي بنى الضد من ذلك، أي: ليسا بسواء، ثم قال: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ هذا مقابلة فعل بفعل؛ يقول: الذين بنوا المسجد على الطاعة لله، والإخلاص له، وطلب مرضاته، والاجتماع فيه خير ممن بنى للكفر بالله، والتفريق بين المؤمنين، وضراراً بهم؛ هذا مقابلة فعل بفعل.

وقوله: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .

هذا مقابلة مكان بمكان؛ لما ذكرنا.

وقوله: ﴿ أُسِّسَ ﴾ .

أصل الأس والأسس والتأسيس واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ شَفَا جُرُفٍ ﴾ قال: شفاه: فمه، والجمع: أشفاء، وجرف: أرض يسيل فيها السيل حتى يحفرها، والجِرَفة جمع.

وقوله: ﴿ هَارٍ ﴾ قال: الهار: الهش الذي ليس بصلب، ويقال: انهار ينهار، أي: انهدم، ويقال: رجل هار، أي: ضعيف، وهي أرض هشة، أي: رخوة، سريعة الانهدام، والهش: الرخو.

وقال القتبي: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ \[أي حرف جرف هار\] والجرف: ما ينجرف بالسيول [من] الأودية، والهائر: الساقط، ومنه يقال: تهور البناء: إذا سقط وانهار.

وقال أبو عبيدة: ﴿ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ ﴾ الشفا: هو الشفير، والجرف: ما ينجرف من السيول من الأودية، وهار، يريد: هائر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ .

قال بعضهم: خسف الله مسجدهم في نار جهنم.

وفي حرف ابن مسعود: (فخر من قواعده في نار جهنم) وقال: حفرت فيه بقعة فرؤي منها دخان سطع، وقال: يهوي ببنائهم الذي بنوا في نار، ولا ندري كيف هو؟

وما معناه؟.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بَنَوْاْ رِيبَةً ﴾ ، أي: حسرة وندامة.

وقال بعضهم: ريبة: أي شكّاً وريباً.

ومن قال: حسرة وندامة، فهو على وجهين: الأول: يحتمل: أنهم تابوا وندموا على ما صنعوا.

والثاني: يحتمل: حسرة وندامة؛ لما افتضحوا بما صنعوا، وبما أرادوا بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

ومن قال: شكّاً ونفاقاً ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى الممات، أي: هم على الشك والنفاق إلى الموت، وهو كقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ  ﴾ .

وأصل الريبة: التهمة؛ يقال: فلان مريب: إذا كانت به تهمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ ﴾ .

هذا - أيضاً - على وجهين: أحدهما: على التمثيل أن الخوف والحزن إذا بلغ غايته؛ يقال: فلان متقطع القلب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مسجد هذه صفته لا تستجب -أيها النبي- لدعوة المنافقين لك للصلاة فيه، فإن مسجد قباء الَّذي أُسِّس أول ما أُسِّس على التقوى أولى بأن تصلي فيه من هذا المسجد الَّذي أُسِّس على الكفر، في مسجد قباء رجال يحبون أن يتطهروا من الأحداث والأخباث بالماء، ومن المعاصي بالتوبة والاستغفار، والله يحب المتطهرين من الأحداث والأخباث والذنوب.

<div class="verse-tafsir" id="91.Kl8nr"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد