الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٩ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 114 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى الله ورضوان ، ومن بنى مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم ( على شفا جرف هار ) أي : طرف حفيرة مثاله ( في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ) أي : لا يصلح عمل المفسدين .
قال جابر بن عبد الله : رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن جريج ذكر لنا أن رجالا حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه .
وكذا قال قتادة .
وقال خلف بن ياسين الكوفي : رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن ، وفيه جحر يخرج منه الدخان ، وهو اليوم مزبلة .
رواه ابن جرير رحمه الله .
وقوله : ( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ) أي : شكا ونفاقا بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع ، أورثهم نفاقا في قلوبهم ، كما أشرب عابدو العجل حبه .
القول في تأويل قوله : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: (أفمن أسس بنيانه).
فقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة: (أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ)، على وجه ما لم يسمَّ فاعله في الحرفين كليهما.
* * * وقرأت ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: " أَفَمَنْ أُسِّس بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أُسِّس بُنْيَانَهُ " ، على وصف " من " بأنه الفاعل الذي أسس بنيانه.
(46) * * * قال أبو جعفر: وهما قراءتان متفقتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى " من "، إذ كان هو المؤسس، (47) أعجبُ إليّ.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أيُّ هؤلاء الذين بنوا المساجد خير، أيها الناس، عندكم: الذين ابتدءوا بناء مسجدهم على اتقاء الله، بطاعتهم في بنائه، وأداء فرائضه ورضًى من الله لبنائهم ما بنوه من ذلك، وفعلهم ما فعلوه = خيرٌ, أم الذين ابتدءوا بناءَ مسجدهم على شفا جُرفٍ هارٍ؟
يعني بقوله: (على شفا جرف)، على حرف جُرُف.
(48) * * * و " الجرف "، من الركايا، ما لم يُبْنَ له جُولٌ (49) * * * (هار)، يعني متهوِّر.
وإنما هو " هائر "، ولكنه قلب, فأخرت ياؤها فقيل: " هارٍ"، كما قيل: " هو شاكي السلاح "، (50) و " شائك ", وأصله من " هار يهور فهو هائر "، وقيل: " هو من هارَ يهار "، إذا انهدم.
ومن جعله من هذه اللغة قال: " هِرْت يا جرف "، ومن جعله " من هار يهور "، قال: " هُرْت يا جرف ".
* * * قال أبو جعفر: وإنما هذا مَثَلٌ.
يقول تعالى ذكره: أيّ هذين الفريقين خير؟
وأيّ هذين البناءين أثبت؟
أمَن ابتدأ أساس بنائه على طاعة الله، وعلمٍ منه بأن بناءه لله طاعة، والله به راضٍ, أم من ابتدأه بنفاق وضلال، وعلى غير بصيرة منه بصواب فعله من خطئه, فهو لا يدري متى يتبين له خطأ فعله وعظيم ذنبه، فيهدمه, كما يأتي البناءُ على جرف ركيَّةٍ لا حابس لماء السيول عنها ولغيره من المياه، ثَرِيّةِ التراب متناثرة، (51) لا تُلْبِثه السيول أن تهدمه وتنثره؟
= يقول الله جل ثناؤه: (فانهار به في نار جهنم)، يعني فانتثر الجرف الهاري ببنائه في نار جهنم.
كما:- 17244- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (فانهار به)، يعني قواعده =(في نار جهنم).
(52) 17245- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (فانهار به)، يقول: فخرَّ به.
17246- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله)، إلى قوله: (فانهار به في نار جهنم)، قال: والله ما تناهَى أنْ وقع في النار.
ذكر لنا أنه تحفَّرت بقعة منها، (53) فرُؤي منها الدخان.
17247- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: بنو عمرو بن عوف.
استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في بنيانه, فأذن لهم، ففرغوا منه يوم الجمعة، فصلوا فيه الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد.
قال: وانهار يوم الاثنين.
قال: وكان قد استنظرهم ثلاثًا، السبت والأحد والاثنين =(فانهار به في نار جهنم), مسجد المنافقين، انهار فلم يتناهَ دون أن وقع في النار = قال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالا حفروا فيه, فأبصروا الدخان يخرج منه.
17248- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار, عن عبد الله الداناج, عن طلق بن حبيب, عن جابر قوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ، قال: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
(54) 17249- حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال، حدثنا أبو سلمة قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار, عن عبد الله الداناج قال، حدثني طلق العنـزي, عن جابر بن عبد الله قال: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار.
(55) 17250- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا خلف بن ياسين الكوفي قال: حججت مع أبي في ذلك الزمان = يعني: زمان بني أمية = فمررنا بالمدينة, فرأيت مسجد القبلتين = يعني مسجد الرسول = وفيه قبلة بيت المقدس، فلما كان زمان أبي جعفر, قالوا: يدخل الجاهل فلا يعرف القبلة!
فهذا البناءُ الذي ترون، جرى على يَدِ عبد الصمد بن علي.
ورأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله في القرآن, وفيه حجر يخرج منه الدخان, وهو اليوم مَزْبَلة.
(56) * * * قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين)، يقول: والله لا يوفق للرشاد في أفعاله، من كان بانيًا بناءه في غير حقه وموضعه, ومن كان منافقًا مخالفًا بفعله أمرَ الله وأمرَ رسوله.
----------------------- الهوامش : (46) في المطبوعة : " على وصف من بناء الفاعل " ، وهو خلط في الكلام ، صوابه ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته .
(47) في المطبوعة : " إذا كان من المؤسس" وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب .
(48) انظر تفسير " الشفا " فيما سلف 7 : 85 ، 86 .
(49) في المطبوعة : " من الركي " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 269 ، وهذا نص كلامه .
و " الركايا " جمع " ركية " ، وتجمع أيضا على " ركي " ، بحذف التاء ، وهي البئر .
و " الجول " ( بضم الجيم ) ، هو جانب البئر والقبر إلى أعلاها من أسفلها .
وهذا التفسير الذي ذكره أبو عبيدة ، لم أجده في تفسير الكلمة في كتب اللغة ، ولكنه جائز صحيح المعنى ، إن صحت روايته .
(50) في المطبوعة : " شاك السلاح " ، والصواب ما في المخطوطة بالياء في آخره .
(51) في المطبوعة : " ترى به التراب متناثرا " ، غير ما في المخطوطة ، إذ كانت غير منقوطة ، ويقال : " أرض ثرية " ، إذا كانت ذات ثرى وندى .
و " ثريت الأرض فهي ثرية " ، إذا نديت ولانت بعد الجدوبة واليبس .
(52) في المطبوعة ، أسقط " يعني " .
(53) في المطبوعة : " أنه حفرت بقعة منه " ، وأثبت ما في المخطوطة .
وقوله " تحفرت " أي : صارت فيها حفرة ، وكأنه غيرها لأنها لم تذكر في كتب اللغة ، ولكنها قياس عربي عريق .
وقوله " منها " أي : من أرض مسجد الضرار .
(54) الأثر : 17248 - " عبد العزيز بن المختار الأنصاري ، الدباغ " ، ثقة ، روى له الجماعة .
مضى برقم : 1685 .
و " عبد الله الداناج " ، هو " عبد الله بن فيروز " و " دانا " بالفارسية ، العالم .
ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 136 .
و " طلق بن حبيب العنزي " ، ثقة ، سمع جابرا .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 360 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 490 .
وهذا خبر صحيح الإسناد ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 279 ، وقال : " أخرجه مسدد في مسنده ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم ، وصححه ، وابن مردويه " .
وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه .
(55) الأثر : 17249 - هو مكرر لأثر السالف .
" محمد بن مرزوق " ، هو " محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي " .
شيخ الطبري ، مضى برقم 28 : 8224 .
و " أبو سلمة " ، هو : " موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي " ، ثقة .
مضى برقم : 15202 .
(56) الأثر: 17250 - "سلام بن سالم الخزاعي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم: 252 ، 6529 .
و " خلف بن ياسين الكوفي " ، مضى برقم : 252 ، ورواية " سلام بن سالم الخراعي " عنه .
وذكر أخي السيد أحمد هناك أنه قد يكون " خلف بن ياسين بن معاذ الزيات " ، وهو كذاب .
والظاهر أنه هو هو ، لأن خلفا يروي في هذا الخبر عن أبيه ، وأبوه " ياسين بن معاذ الزيات " ، وهو أيضا ضعيف متروك الحديث ، وكان من كبار فقهاء الكوفة ، روى عن الزهري ، ومكحول ، وحماد بن أبي سليمان ، وهو مترجم في لسان الميزان 6 : 238 ، والكبير 4 / 2 / 429 ، وقال : " يتكلمون فيه ، منكر الحديث " ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 312 ، وذكر أنه قد روى عنه ابنه خلف، ولكنه لم يترجم " خلف بن ياسين بن معاذ " .
وهذا الخبر الشاهد بأن " ياسين " أبا "خلف"، كان على عهد بني أمية، ورواية خلف ابنه عنه، وشيوخ "ياسين" الذين روى عنهم ، كل ذلك دال على صواب ما ذهب إليه أخي ، من أن " خلف بن ياسين الكوفي " ، هو " خلف بن ياسين بن معاذ الزيات " .
قوله تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمينفيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى أفمن أسس أي أصل ، وهو استفهام معناه التقرير .
و ( من ) بمعنى الذي ، وهي في موضع رفع بالابتداء ، وخبره ( خير ) .
وقرأ نافع وابن عامر وجماعة ( أسس بنيانه ) على بناء ( أسس ) للمفعول ورفع ( بنيان ) فيهما .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وجماعة أسس بنيانه على بناء الفعل للفاعل ونصب ( بنيانه ) فيهما .
وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به ، وأن الفاعل سمي فيه .
وقرأ نصر بن عاصم بن علي " أفمن أسس " [ ص: 184 ] بالرفع ( بنيانه ) بالخفض .
وعنه أيضا ( أساس بنيانه ) وعنه أيضا ( أس بنيانه ) بالخفض .
والمراد أصول البناء كما تقدم .
وحكى أبو حاتم قراءة سادسة وهي ( أفمن آساس بنيانه ) قال النحاس : وهذا جمع أس ; كما يقال : خف وأخفاف ، والكثير " إساس " مثل خفاف .
قال الشاعر :أصبح الملك ثابت الأساس في البهاليل من بني العباسالثانية : قوله تعالى على تقوى من الله قراءة عيسى بن عمر - فيما حكى سيبويه - بالتنوين ، والألف ألف إلحاق كألف تترى فيما نون ، وقال الشاعر :يستن في علقى وفي مكوروأنكر سيبويه التنوين ، وقال : لا أدري ما وجهه .
على شفا الشفا : الحرف والحد ، وقد مضى في ( آل عمران ) مستوفى .
و جرف قرئ برفع الراء ، وأبو بكر وحمزة بإسكانها ; مثل الشغل والشغل ، والرسل والرسل ، يعني جرفا ليس له أصل .
والجرف : ما يتجرف بالسيول من الأودية ، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء ، وأصله من الجرف والاجتراف ; وهو اقتلاع الشيء من أصله .
هار ساقط ; يقال .
تهور البناء إذا سقط ، وأصله هائر ، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها ، فيقال : هار وهائر ، قاله الزجاج .
ومثله لاث الشيء به إذا دار ; فهو لاث أي لائث .
وكما قالوا : شاكي السلاح وشائك السلاح .
قال العجاج :لاث به الأشاء والعبريالأشاء النخل ، والعبري السدر الذي على شاطئ الأنهار .
ومعنى لاث به مطيف به .
وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور ، ثم يقال هائر مثل صائم ، ثم يقلب فيقال هار .
وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء ، وأنه يقال : تهور وتهير .قلت : ولهذا يمال ويفتح .الثالثة : قوله تعالى فانهار به في نار جهنم فاعل ( انهار ) الجرف ; كأنه قال : فانهار الجرف بالبنيان في النار ; لأن الجرف مذكر .
ويجوز أن يكون الضمير في ( به ) يعود على ( من ) وهو الباني ; والتقدير : فانهار من أسس بنيانه على غير تقوى .
وهذه الآية ضرب مثل لهم ، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق .
وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها .
والشفا : الشفير .
وأشفى على كذا أي دنا منه .الرابعة : في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه [ ص: 185 ] الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه ، ويخبر عنه بقوله : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام على أحد الوجهين .
ويخبر عنه أيضا بقوله : والباقيات الصالحات على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .الخامسة : واختلف العلماء في قوله تعالى : فانهار به في نار جهنم هل ذلك حقيقة أو مجاز على ؛ قولين ; الأول : أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أرسل إليه فهدم رئي الدخان يخرج منه ; من رواية سعيد بن جبير .
وقال بعضهم : كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة .
وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان .
وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض ، ثم تلا فانهار به في نار جهنم .
وقال جابر بن عبد الله : أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( والثاني ) أن ذلك مجاز ، والمعنى : صار البناء في نار جهنم ، فكأنه انهار إليه وهوى فيه ; وهذا كقوله تعالى : فأمه هاوية .
والظاهر الأول ، إذ لا إحالة في ذلك .
والله أعلم .
ثم فاضل بين المساجد بحسب مقاصد أهلها وموافقتها لرضاه فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ} أي: على نية صالحة وإخلاص {وَرِضْوَانٌ} بأن كان موافقا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، {خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا} أي: على طرف {جُرُفٍ هَارٍ} أي: بال، قد تداعى للانهدام، {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} لما فيه مصالح دينهم ودنياهم.
( أفمن أسس بنيانه ) قرأ نافع وابن عامر " أسس " بضم الهمزة وكسر السين ، " بنيانه " برفع النون فيهما جميعا على غير تسمية الفاعل .
وقرأ الآخرون " أسس " فتح الهمزة والسين ، " بنيانه " : بنصب النون ، على تسمية الفاعل .
( على تقوى من الله ورضوان خير ) أي : على طلب التقوى ورضا الله تعالى خير ( أم من أسس بنيانه على شفا ) على شفير ، ( جرف ) قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر " جرف " ساكنة الراء ، وقرأ الباقون بضم الراء وهما لغتان ، وهي البئر التي لم تطو .
قال أبو عبيدة : هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية فينجرف بالماء فيبقى واهيا ، ( هار ) أي : هائر وهو الساقط يقال : هار يهور فهو هائر ، ثم يقلب فيقال : هار مثل شاك وشائك وعاق وعائق .
وقيل : هو من يهار : إذا انهدم ، ومعناه : الساقط الذي يتداعى بعضه في إثر بعض ، كما ينهار الرمل والشيء الرخو .
( فانهار به ) أي : سقط بالباني ( في نار جهنم ) يريد بناء هذا المسجد الضرار كالبناء على شفير جهنم فيهور بأهلها فيها .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد صيرهم النفاق إلى النار .
( والله لا يهدي القوم الظالمين ) قال قتادة : والله ما تناهى أن وقع في النار ، وذكر لنا أنه حفرت بقعة فيه ، فرئي الدخان يخرج منها .
وقال جابر بن عبد الله : رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار .
«أفمن أسَّس بنيانه على تقوى» مخافة «من الله» رجاء «ورضوان» منه «خيرٌ أم من أسَّس بنيانه على شفا» طرف «جُرُفِ» بضم الراء وسكونها، جانب «هارِ» مشرف على السقوط «فانهار به» سقط مع بانيه «في نار جهنم» خير تمثيل لبناء على ضد التقوى بما يؤول إليه، والاستفهام للتقرير، أي الأول خير وهو مثال مسجد قباء، والثاني مثال مسجد الضرار «والله لا يهدي القوم الظالمين».
لا يستوي مَن أسَّس بنيانه على تقوى الله وطاعته ومرضاته، ومن أسَّس بنيانه على طرف حفرة متداعية للسقوط، فبنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المسلمين، فأدَّى به ذلك إلى السقوط في نار جهنم.
والله لا يهدي القوم الظالمين المتجاوزين حدوده.
ثم بين - سبحانه - أنه لا يتسوى من أسس بنيانه على الحق ، ومن أسس نبيانه على الباطل فقال : ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) .قال صاحب الكشاف : قرئ أَسَّسَ بنيانَه ، وأُسِسّ بنيانهُ على البناء للفاعل والمفعول .
والشفا .
الحرف والشفير .
وحرف الوادى : جانبه الذى يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول ، فيبقى واهيا ، والهار وهو المتصدع الذى أوشك على التهدم - وهار صفة لجرف ، أى جرف موصوف بأنه هائر أى متساقط .والمعنى : أفمن أسس بنيان دنيه على قاعدة قوية محكمة ، وهى الحق الذى هو تقوى الله ورضوانه ( خَيْرٌ أَم مَّنْ ) أسسه على قاعدة هى أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء ، وهو الباطل والنفاق الذى مثله مثل ( شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ) فى قلة الثبات والاستمساك .وضع شفا الجرف فى مقابلة التقوى ، لأنه جعل مجازاً عما ينافى التقوى .فإن قلت : فما معنى قوله : ( فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) .قلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل ، قيل : فانهار به فى نار جهنم ، على معنى : فطاح به الباطل فى نار جهنم ، إلا أنه شح المجاز فجئ بلفظ الانهيار الذى هو للجرف ، وليتصور أن المبطل كأنه اسس بنيانه على شفا جرف من اودية جهنم ، فانهار به ذلك الجرف فهوى فى قعرها ، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ، ولا أدل منه على حقيقة الباطل ولكنه أمره .وقال صاحب المنار ما ملخصه : والمراد بالمثل هنا ببيان ثبات الحق الذى هو دين الإِسلام وقوته ، ودوامه ، وسعادة أهله به ، وذكره باثره وثمرته فى عمل أهله وجماعها التقوى ، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله وقرب زواله ، وخيبة صاحبه ، وسرعة انقطاع آماله .وقد ذكر فى وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به لأنه هو المقصود بالذات ، وذكر من وصف الفريق الثانى - وهم المنافقون - الهيئة المشبه بها دون المشبه ، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء مسجد الضرار .
وهذا من دقائق إيجاز القرآن .وقوله : ( والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) أى مضت سنة الله - تعالى - فى خلقه أنه - سبحانه - لا يهدى إلى طريق الخير ، أولئك الذين استحبوا العمى على الهدى وظلموا أنفسهم بوضعهم الأمور فى غير مواضعها .
قال المفسرون: إن المنافقين لما بنوا ذلك المسجد لتلك الأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، قالوا: يا رسول الله بنينا مسجداً لذي العلة والليلة الممطرة والشاتية، ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.
فقال عليه السلام: «إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه»، فلما رجع من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت هذه الآية، فدعا بعض القوم وقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وخربوه، ففعلوا ذلك وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقي فيها الجيف والقمامة.
وقال الحسن: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل عليه السلام لا تقم فيه أبداً.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ ﴾ نهي له عليه السلام عن أن يقوم فيه.
قال ابن جريج: فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة، فصلوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد، وانهار في يوم الاثنين.
ثم إنه تعالى بين العلة في هذا النهي، وهي أن أحد المسجدين لما كان مبنياً على التقوى من أول يوم، وكانت الصلاة في مسجد آخر تمنع من الصلاة في مسجد التقوى، كان من المعلوم بالضرورة أن يمنع من الصلاة في المسجد الثاني.
فإن قيل: كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد الثاني.
قلنا: التعليل وقع بمجموع الأمرين، أعني كون مسجد الضرار سبباً للمفاسد الأربعة المذكورة، ومسجد التقوى مشتملاً على الخيرات الكثيرة.
ومن الروافض من يقول: بين الله تعالى أن المسجد الذي بني من أول الأمر على التقوى أحق بالقيام فيه من المسجد الذي لا يكون كذلك.
وثبت أن علياً ما كفر بالله طرفة عين، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالإمامة ممن كفر بالله في أول أمره.
وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة، فزال هذا السؤال.
واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو؟
قيل: إنه مسجد قباء، وكان عليه السلام يأتيه في كل سنة فيصلي فيه، والأكثرون أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال سعيد بن المسيب: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول عليه السلام، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه، فقال أحدهما: مسجد الرسول، وقال آخر: قباء.
فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدي هذا.
وقال القاضي: لا يمنع دخولهما جميعاً تحت هذا الذكر لأن قوله: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى ﴾ هو كقول القائل، لرجل صالح أحق أن تجالسه.
فلا يكون ذلك مقصوراً على واحد.
فإن قيل: لم قال أحق أن تقوم فيه، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟
قلنا: المعنى أنه لو كان ذلك جائزاً لكان هذا أولى، للسبب المذكور.
ثم قال تعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين: أحدهما: أنه بني على التقوى، وهو الذي تقدم تفسيره.
والثاني: إن فيه رجالاً يحبون أن يتطهروا، وفي تفسير هذه الطهارة قولان: الأول: المراد منه التطهر عن الذنوب والمعاصي، وهذا القول متعين لوجوه: أولها: أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه.
والثاني: أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين المسلمين، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم.
وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي.
والثالث: أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، أما لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، ولم تحصل نظافة الظاهر، كأن طهارة الباطن لها أثر، فكان طهارة الباطن أولى.
الرابع: روى صاحب الكشاف: أنه لما نزلت هذه الآية مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال: «أمؤمنون أنتم» فسكت القوم ثم أعادها.
فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم؛ فقال عليه السلام: «أترضون بالقضاء» قالوا نعم.
قال: «أتصبرون على البلاء» قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرخاء» قالوا: نعم، قال عليه السلام: «مؤمنون ورب الكعبة» ثم قال: «يا معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء» قالوا: نتبع الماء الحجر.
فقرأ النبي عليه السلام: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ الآية.
والقول الثاني: أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر.
وهو قول أكثر المفسرين من أهل الأخبار.
والقول الثالث: أنه محمول على كلا الأمرين، وفيه سؤال: وهو أن لفظ الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينية، ومجاز في البراءة عن المعاصي والذنوب، واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً لا يجوز.
والجواب: أن لفظ النجس اسم للمستقذر، وهو القدر مفهوم مشترك فيه بين القسمين وعلى هذا التقدير، فإنه يزول السؤال، ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول، وهو كون المسجد مبنياً على التقوى، فقال: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ ﴾ وفيه مباحث.
البحث الأول: البنيان مصدر كالغفران، والمراد هاهنا المبني، وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور، يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد، والمراد مضروبه ومنسوجه، وقال الواحدي: يجوز أن يكون لبيان جمع بنيانة إذا جعلته اسماً، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد.
البحث الثاني: قرأ نافع وابن عامر ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ﴾ على فعل ما لم يسم فاعله، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس، أما قوله: ﴿ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ﴾ أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه، وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه، والرغبة في ثوابه، كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار بعباد الله، أما قوله: ﴿ أمِن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم ﴿ جُرُفٍ ﴾ ساكنة الراء والباقون بضم الراء وهما لغتان، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق.
البحث الثاني: قال أبو عبيدة: الشفا الشفير، وشفا الشيء حرفه، ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة.
فذلك الشيء هو الجرف، وقوله: ﴿ هَارٍ ﴾ قال الليث: الهور مصدر هار الجرف يهور، إذا انصدع من خلفه، وهو ثابت بعد في مكانه، وهو جرف هار هائر، فإذا سقط فقد انهار وتهور.
إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول: المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء، وهو الباطل؟
والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فلكونه ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم، كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم، ولا نرى في العالم مثالاً أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال!
وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر، فكان البناء الأول شريفاً واجب الإبقاء، وكان الثاني خسيساً واجب الهدم.
ثم قال تعالى: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والمعنى: أن بناء ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سبباً للريبة.
وفي كونه سبباً للريبة وجوه: الأول: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار، فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته.
الثاني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم؟
الثالث: أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه؟
الرابع: بقوا شاكين مرتابين في أن الله تعالى هل يغفر تلك المعصية؟
أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد، والصحيح هو الوجه الأول.
ثم قال: ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة ﴿ أَن تَقَطَّعَ ﴾ بفتح التاء والطاء مشددة بمعنى تتقطع، فحذفت إحدى التاءين، والباقون بضم التاء وتشديد الطاء على ما لم يسم فاعله، وعن ابن كثير ﴿ تُقَطَّعَ ﴾ بفتح الطاء وتسكين القاف ﴿ قُلُوبِهِمْ ﴾ بالنصب أي تفعل أنت بقلوبهم هذا القطع، وقوله: ﴿ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي تجعل قلوبهم قطعاً، وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالحزن والبكاء، فحينئذ تزول تلك الريبة.
والمقصود أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبداً ويموتون على هذا النفاق.
وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
وقيل حتى تنشق قلوبهم غماً وحسرة، وقرأ الحسن ﴿ إلى أَن ﴾ وفي قراءة عبد الله ﴿ وَلَوْ قُطّعَتْ قُلُوبِهِمْ ﴾ وعن طلحة ﴿ وَلَوْ قُطّعَتْ قُلُوبِهِمْ ﴾ على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل مخاطب.
ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ والمعنى: عليم بأحوالهم، حكيم في الأحكام التي يحكم بها عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ أسس بنيانه ﴾ و ﴿ أُسس بنيانه ﴾ ، على البناء للفاعل والمفعول.
وأسس بنيانه، جمع أساس على الأضافة، وأساس بنيانه، بالفتح والكسر: جمع أس؛ وآساس بنيانه على أفعال، جمع أس أيضاً، وأس بنيانه.
والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه ﴿ خَيْرٌ أَم مَّنْ ﴾ أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ في قلة الثبات والاستمساك، وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى؛ لأنه جعل مجازاً عما ينافي التقوى.
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ؟
قلت: لما جعل الجرف الهائر مجازاً عن الباطل قيل: فانهار به في نار جهنم، على معنى: فطاح به الباطل في نار جهنم، إلاّ أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليصور أنّ المبطل كأنه أسس بنياناً على شفا جرف من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها.
والشفا: الحرف والشفير.
وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهياً.
والهار: الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.
ووزنه فعل، قصر عن فاعل، كخلف من خالف.
ونظيره: شاك وصات، في شائك وصائت.
وألفه ليست بألف فاعل، إنما هي عينه.
وأصله هور وشوك وصوت.
ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدلّ على حقيقة الباطل وكنه أمره.
وقرئ: جرف، بسكون الراء: فإن قلت: فما وجه ما روى سيبويه عن عيسى بن عمر: على تقوىً من الله، بالتنوين؟
قلت: قد جعل الألف للإلحاق لا للتأنيث، كتترى فيمن نوّن، ألحقها بجعفر.
وفي مصحف أبيّ: فانهارت به قواعده.
وقيل: حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.
وروي أن مجمع بن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار، فكلم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء عمر بن الخطاب في خلافته أن يأذن لمجمع فيؤمهم في مسجدهم فقال: لا، ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضرار؟
فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليّ، فوالله لقد صليت بهم والله يعلم أني لا أعلم ما أضمروا فيه، ولو علمت ما صليت معهم فيه، كنت غلاماً قارئاً للقرآن وكانوا شيوخاً لا يقرؤون من القرآن شيئاً، فعذره وصدّقه وأمره بالصلاة بقومه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ ﴾ بُنْيانَ دِينِهِ.
﴿ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ ﴾ عَلى قاعِدَةٍ مُحْكَمَةٍ هي التَّقْوى مِنَ اللَّهِ وطَلَبُ مَرْضاتِهِ بِالطّاعَةِ.
﴿ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ ﴾ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأرْخاها.
﴿ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ فَأدّى بِهِ لِخَوْرِهِ وقِلَّةِ اسْتِمْساكِهِ إلى السُّقُوطِ في النّارِ، وإنَّما وضَعَ شَفا الجَرْفِ وهو ما جَرَفَهُ الوادِي الهائِرُ في مُقابَلَةِ التَّقْوى تَمْثِيلًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ أمْرَ دِينِهِمْ في البُطْلانِ وسُرْعَةِ الِانْطِماسِ، ثُمَّ رَشَّحَهُ بِانْهِيارِهِ بِهِ في النّارِ ووَضَعَهُ في مُقابَلَةِ الرِّضْوانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَأْسِيسَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَحْفَظُهُ مِنَ النّارِ ويُوَصِّلُهُ إلى رِضْوانِ اللَّهِ ومُقْتَضَياتِهِ الَّتِي الجَنَّةُ أدْناها، وتَأْسِيسُ هَذا عَلى ما هم بِسَبَبِهِ عَلى صَدَدِ الوُقُوعِ في النّارِ ساعَةً فَساعَةً ثُمَّ إنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ لا مَحالَةَ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (أُسِّسَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقُرِئَ « أساسَ بُنْيانِهِ» و « أسَسَ بُنْيانِهِ» عَلى الإضافَةِ و « أسَّسَ» و « آساسَ» بِالفَتْحِ والمَدِّ و « إساسَ» بِالكَسْرِ وثَلاثَتُها جَمْعُ أسَّ، و « تَقْوى» بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّ الألِفَ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ كَتَتْرى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ﴿ جُرُفٍ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ إلى ما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاتُهم.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} وضع أساس ما يبنيه {على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم من أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} هذا سؤال تقرير وجوابه مسكوت عنه لوضوحه والمعنى أفمن أساس بنيان دينه على قاعدة محكمة وهي تقوى الله ورضوانه خير أم من أسسه على قاعدة أضعف
القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازاً عما ينافي التقوى والشفا الحرف والشفير وجرف الوادي جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهياً والهار الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط ووزنه فعل قصر عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليس بألف فاعل وإنما هي عينه وأصله هور فقلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره أفمن أسس بنيانه امن أُسَّسَ بُنْيَانَهُ شامي ونافع جرْف شامي وحمزة ويحيى هارِ بالإمالة أبو عمرو وحمزة في رواية يحيى {فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ} فطاح به الباطل في نار جهنم ولما جعل الجرف الهائر مجازاً عن الباطل رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها قال جابر رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم
﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ ﴾ أيْ مَبْنِيَّهُ فَهو مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المَفْعُولِ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ البُنْيانَ جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ واحِدُهُ ما ذُكِرَ وإلّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
والتَّأْسِيسُ وضْعُ الأساسِ وهو أصْلُ البَنّاءِ وأوَّلُهُ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإحْكامِ وبِهِ فَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا، واخْتارَ آخَرُونَ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ لِتَعْدِيَةٍ بِعَلى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ ﴾ فَإنَّ المُتَبادَرَ تَعَلُّقُهُ بِهِ وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في أسَّسَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى والمُرادُ مِنَ الرِّضْوانِ طَلَبُهُ بِالطّاعَةِ مَجازًا وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ المُضافَ لِيَكُونَ المُتَعاطِفانِ مِن أعْمالِ العَبْدِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما قالُوا في نَظائِرِهِ أيْ أبْعَدَ ما عُلِمَ حالُهم فَمَن أسَّسَ بُنْيانُهَ عَلى تَقْوى وخَوْفٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ مَرْضاتَهُ بِالطّاعَةِ ﴿ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ ﴾ أيْ طَرَفَهُ ومِنهُ أشَفى عَلى الهَلاكِ أيْ صارَ عَلى شَفاءٍ وشَفى المَرِيضُ لِأنَّهُ صارَ عَلى شَفا البُرْءِ والسَّلامَةِ ويُثَنّى عَلى شَفَوانِ والجُرُفُ بِضَمَّتَيْنِ البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ وقِيلَ: هو الهُوَّةُ وما يَجْرُفُهُ السَّيْلُ مِنَ الأوْدِيَةِ لِجَرْفِ الماءِ لَهُ أيْ أكْلِهِ وإذْهابِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ﴿ جُرُفٍ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وهو لُغَةٌ فِيهِ ﴿ هارٍ ﴾ أيْ مُتَصَدِّعٍ مُشْرِفٍ عَلى السُّقُوطِ وقِيلَ: ساقِطٌ وهو نَعْتٌ لِجُرُفٍ وأصْلُهُ هاوِرٍ أوْ هايِرٍ فَهو مَقْلُوبٌ ووَزْنُهُ فالِعٌ وقِيلَ: إنَّهُ حُذِفَتْ عَيْنُهُ اعْتِباطًا فَوَزْنُهُ فالٍ والإعْرابُ عَلى رائِهِ كَبابٍ وقِيلَ: إنَّهُ لا قَلْبَ فِيهِ ولا حَذْفَ وأصْلُهُ هَوْرٌ أوْ هِيرٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ كَكَتِفٍ فَلَمّا تَحَرَّكَ حَرْفُ العِلَّةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَهُ قُلِبَ ألِفًا والظّاهِرُ أنَّهُ وضَعَ شَفا الجُرُفِ في مُقابَلَةِ التَّقْوى فِيما سَبَقَ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ الباطِلَ والنِّفاقَ بِشَفا جُرُفٍ هارٍ في قِلَّةِ الثَّباتِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ والقَرِينَةُ المُقابِلَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ تَرْشِيحٌ وباؤُهُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُصاحَبَةِ ووُضِعَ في مُقابَلَةِ الرِّضْوانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَأْسِيسَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَحْفَظُهُ مِمّا يَخافُ ويُوَصِّلُهُ إلى ما أدْنى مُقْتَضَياتِهِ الجَنَّةُ، وتَأْسِيسُ هَذا عَلى ما هو بِصَدَدِ الوُقُوعِ في النّارِ ساعَةً فَساعَةً ثُمَّ المَصِيرُ إلَيْها لا مَحالَةَ، والِاسْتِعارَةُ فِيما تَقَدَّمَ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتْ فِيهِ التَّقْوى بِقَواعِدِ البِناءِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ ودَلَّ عَلَيْهِ ما هو مِن رَوادِفِهِ ولَوازِمِهِ وهو التَّأْسِيسُ والبُنْيانُ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ مُحْكَمَةٍ هي التَّقْوى وطَلَبَ الرِّضا بِالطّاعَةِ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأرْخاها فَأدّى بِهِ ذَلِكَ لِخَوْرِهِ وقِلَّةِ اسْتِمْساكِهِ إلى السُّقُوطِ في النّارِ، وإنَّما اخْتِيرَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لِما أنَّهُ أنْسَبُ بِتَوْصِيفِ أهْلِ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِمُضارَّةِ المُسْلِمِينَ والكُفْرِ والتَّفْرِيقِ والإرْصادِ وتَوْصِيفِ أهْلِ مَسْجِدِ التَّقْوى بِأنَّهم يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ التَّطْهِيرُ عَنِ المَعاصِي والخِصالِ المَذْمُومَةِ لِأنَّ المُقْتَضى بِزَعْمِ البَعْضِ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لا التَّطْهِيرِ المَذْكُورِ في الأخْبارِ وأمْرُ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ عَلى طَرْزِ ما تَقَدَّمَ في التَّوْجِيهِ الأوَّلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الجُمْلَةِ الأُولى تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى وعَمِلَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ بِحالِ مَن بَنى بِناءً مُحْكَمًا يَسْتَوْطِنُهُ ويَتَحَصَّنُ بِهِ وأنْ يَكُونَ البُنْيانُ اسْتِعارَةً أصْلِيَّةً والتَّأْسِيسُ تَرْشِيحًا أوْ تَبَعِيَّةً وكَذا جُوِّزَ التَّمْثِيلُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وإجْراءُ ذَلِكَ فِيها ظاهِرٌ بَعْدَ اعْتِبارِ إجْرائِهِ في مُقابِلِهِ وفاعِلُ (انْهارَ) إمّا ضَمِيرُ البُنْيانِ وضَمِيرُ (بِهِ) لِلْمُؤَسِّسِ وإمّا لِلشَّفا وضَمِيرُ - بِهِ - لِلْبُنْيانِ وإلَيْهِ يَمِيلُ ظاهِرُ التَّفْسِيرِ المارِّ آنِفًا وظاهِرُ الأخْبارِ أنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ إذا وقَعَ وقَعَ في النّارِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: واللَّهِ ما تَناهى أنْ وقَعَ في النّارِ، وذَكَرَ لَنا أنَّهُ حُفِرَتْ فِيهِ بُقْعَةٌ فَرُئِيَ مِنهُ الدُّخانُ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ فِيها: مَضى حِينَ خُسِفَ بِهِ إلى النّارِ.
وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ يُقالُ: إنَّهُ بُقْعَةٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنِّي والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى مُؤْمِنٌ بِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ لَكِنِّي لا أُؤْمِنُ بِمِثْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ ما لَمْ يَرِدْ فَيا خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ (أُسِّسَ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ وقُرِئَ (أساسُ بُنْيانِهِ وأُسُّ بُنْيانِهِ) عَلى الإضافَةِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ وأسَسَ بِفَتَحاتٍ ونُسِبَتْ إلى عاصِمٍ وإساسُ بِالكَسْرِ قِيلَ: وثَلاثَتُها جَمْعُ أُسٍّ وفِيهِ نَظَرٌ فَفي الصِّحاحِ الأُسُّ أصْلُ البِناءِ وكَذَلِكَ الأساسُ والأسَسُ مَقْصُورٌ مِنهُ وجَمْعُ الأُسِّ أساسٌ مِثْلَ عُسٍّ وعِساسٍ وجَمْعُ الأساسِ أُسُسٌ مِثْلَ قَذالٍ وقُذُلٍ وجَمَعَ الأُسُسَ آساسٌ مِثْلَ سَبَبٍ وأسْبابٍ انْتَهى.
وجُوِّزٍ في في أُسُسٍ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو (وتَقْوًى) بِالتَّنْوِينِ وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّ الألِفَ لِلْإلْحاقِ كَما في أرْطى ألْحَقَ بِجَعْفَرٍ لا لِلتَّأْنِيثِ كَألِفِ تَتْرى في رَأى وإلّا لَمْ يَجُزْ تَنْوِينُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (فانْهارَ بِهِ قَواعِدُهُ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ 108﴾ أيْ لِأنْفُسِهِمْ أوِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها أيْ يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ صَلاحُهم إرْشادًا مُوجِبًا لا مَحالَةَ <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ، يعني: أصَّل بنيانه يعني: مسجد قباء وقيل: مسجد رسول الله عَلى تَقْوى، يعني: على توحيد الله تعالى، وَرِضْوانٍ من الله.
قرأ نافع وابن عامر أَفَمَنْ أَسَّسَ بضم الألف وكسر السين بُنْيانَهُ بضم النون على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون أَسَّسَ بنصب الألف وبُنْيانَهُ بنصب النون ومعنى الآية: إن البناء الذي يراد به الخير ورضاء الرب تبارك وتعالى خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ، يعني: مسجد الضرار الذي أَسَّسَ بُنْيانَهُ يعني: أصَّل بنيانه عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، يعني: على طرف هوة ليس له أصل.
قرأ حمزة وابن عامر وأبي بكر، عن عاصم عَلى شَفا جُرُفٍ بجزم الراء، والباقون بالضم ومعناهما واحد.
وقال القتبي: يعني: على حرف جرف هائر.
والجرف: ما ينجرف بالسيول من الأودية.
والهائر: الساقط.
يقال: تهور البناء وانهار وهار، إذا سقط.
وهذا على سبيل المثل، يعني: إن الذي بنى المسجد، إنّما بنى على جرف جهنم، فانهار بأهله في نار جهنم.
وقال الكلبي: بعث رسول الله رجلين بعد رجوعه من غزوة تبوك، فأحرقاه وهدماه.
ثم قال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يعني: لا يرشدهم إلى دينه، وهم: الذين كفروا في السر.
قوله تعالى: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ، يعني: حسرة وندامة بما أنفقوا فيه، وبما ظهر من أمرهم ونفاقهم.
إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ، يعني: لا يزال حسرة في قلوبهم إلى أن يموتوا، لأنهم إذا ماتوا انقطعت قلوبهم.
ويقال: إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ يعني: في القبر.
قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ بالنصب فيكون الفعل للقلوب، يعني: إلاَّ أنْ تَتَقَطعَ قلوبهم وتتفرق، والباقون بالرفع على فعل ما لم يسم فاعله وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ بهدم مسجدهم.
<div class="verse-tafsir"
فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء: المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها: أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله سبحانه: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: معناه: ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا قال ابنُ زَيْدٍ: يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين «١» ، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قال الزَّجَّاج «٢» : معناه: ويقبل الصدقات «٣» ، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية منها حديثُ أبي هريرة: «إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» «٤» ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد.
وقوله: عَنْ عِبادِهِ: هي بمعنى «من» .
وقوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ...
الآية: هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ.
وقال الطبري «١» : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا.
قال ع «٢» : والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير أَلَمْ يَعْلَمُوا، ومعنى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، أي: موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ.
وقال ابنُ العرَبِيِّ «٣» في «أحكامه» : قوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٩٤] فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها: التهديد وذلك لأن/ النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: عَطْفٌ على قوله أولاً: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا: ومعنى الإِرجاء: التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ: الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه «٤» على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل: إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا: يكون الَّذِينَ اتَّخَذُوا بإسقاط واو العطف بدلاً من آخَرُونَ، أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم «٥» وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قطر إلّا ب «المدينة» :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا- بإسقاط الواو- على أنه مبتدأ، والخبر: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ وأما الجماعة المرادة ب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً، فهم منافقو بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عوف، وأسند الطبريُّ «١» ، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال: أقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ- بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار- وكان أصحاب مسجد الضّرار، قد أتوه صلّى الله عليه وسلّم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّهِ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال: «إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ» ، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شأن مسجد الضّرار، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ: «انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاهُ» فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ «٢» ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلّى الله عليه وسلّم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطاً لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها: لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ: واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فحزّب على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب «مكة» مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة» ، هَرَبَ إِلى «الطائف» ، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجداً، مقاومةً لمسجد «قُبَاء» ، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من «المدينة» ، فبَنُوهُ وقالوا: سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ: سيأتي أبو عامر، وقوله: ضِراراً أي: داعيةً للتضارر من/ جماعتين.
وقوله: تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريدُ: تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء» ، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل: أراد بقوله: بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ جماعة مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروي: أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزلَتْ: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها.
وقوله: لَمَسْجِدٌ: قيل: إن اللام لام قسمٍ، وقيل: هي لام ابتداء، كما تقول:
لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب «مسجد أسس على التقوى» : مسجد «قباء» «١» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثاني مرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي «٣» في «أحكامِه» : وقَدْ رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ أن المراد ب «مسجد أُسس على التقوى» : مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى: وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء» ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» .
قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم «٤» انتهى.
ومعنى: أَنْ تَقُومَ فِيهِ: أي: بصلاتك وعبادتك.
وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا اختلف في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو على مسجد «قُبَاءَ» ؟
روي أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ» «١» .
والبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ: هو مسجدُ الضِّرار بإِجماع، و «الشّفا» :
الحاشية والشّفير، وهارٍ: معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من: هَارَ يَهُورُ «٢» البخاريُّ: هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله.
انتهى.
وتأسيسُ البناء علَى تقوى إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه كما صنع في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي مسجدِ «قُبَاء» ، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ.
وقوله سبحانه: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ: الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج «٣» ، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره أنه قال: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «٤» ، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلّى الله عليه وسلّم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ/ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ: رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان «٥» وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جريج «٦» : أسنده الطبري.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "أسَّسَ" بِفَتْحِ الألِفِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا وفَتْحِ النُّونِ فِيهِما.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ "أُسِّسَ: بِضَمِّ الألِفِ "بُنْيانُهُ" بِرَفْعِ النُّونِ.
والبُنْيانُ مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ المَبْنِيُّ.
والتَّأْسِيسُ: إحْكامُ أُسِّ البِناءِ، وهو أصْلُهُ، والمَعْنى: المُؤَسِّسُ بُنْيانَهُ مُتَّقِيًا يَخافُ اللَّهَ ويَرْجُو رِضْوانَهُ خَيْرٌ، أمِ المُؤَسِّسُ بُنْيانَهُ غَيْرَ مُتَّقٍ؟
قالالزَّجّاجُ: وشَفا الشَّيْءَ: حَرَّفَهُ وحْدَّهُ.
والشَّفا، مَقْصُورٌ، يُكْتَبُ بِالألْفِ، ويُثَنّى شَفَوانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جُرُفٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ "جُرُفٍ" مُثَقَّلًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "جُرْفٍ" ساكِنَةَ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالضَّمُّ الأصْلُ، والإسْكانُ تَخْفِيفٌ، ومِثْلُهُ: الشَّغْلُ والشُّغْلُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: عَلى حَرْفِ جُرْفٍ هائِرٍ.
والجَرْفُ: ما يَتَجَرَّفُ بِالسُّيُولِ مِنَ الأوْدِيَةِ.
والهائِرُ: السّاقِطُ.
ومِنهُ: تَهَوَّرَ البَنّاءُ وانْهارَ: إذا سَقَطَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ "هارٍ" بِفَتْحِ الهاءِ.
وأمالَ الهاءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْهارَ بِهِ ﴾ أيْ: بِالبانِي في ﴿ نارِ جَهَنَّمَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مَثَلٌ، والمَعْنى: أنَّ بِناءَ هَذا المَسْجِدِ كَبِناءٍ عَلى جُرْفِ جَهَنَّمَ يَتَهَوَّرُ بِأهْلِهِ فِيها.
وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهم حَفَرُوا فِيهِ حُفْرَةً، فَرُؤُيَ فِيها الدُّخانُ.
قالَ جابِرٌ: رَأيْتُ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ضِرارًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُّخانُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مِنَ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ كانَ لا يَمُرُّ بِالطَرِيقِ الَّتِي فِيها المَسْجِدُ، وهَذا النَهْيُ إنَّما هو لِأنَّ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا خادَعُوا رَسُولَ اللهِ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِلضَّرُوراتِ والسَيْلِ الحايِلِ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا فَنُرِيدُ أنْ تُصَلِّي لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ بِالمَشْيِ مَعَهم إلى ذَلِكَ، واسْتَدْعى قَمِيصَهُ لِيَنْهَضَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ لَمَسْجِدٌ ﴾ قِيلَ: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ، وقِيلَ: هي لامُ الِابْتِداءِ كَما تَقُولُ: لَزَيْدٌ أحْسَنُ الناسِ فِعْلًا، وهي مُقْتَضِيَةٌ تَأْكِيدًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِرْقَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ:رَضِيَ اللهُ عنهُمُ:المُرادُ بِالمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى: هو مَسْجِدُ قُباءٍ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ بِالمَدِينَةِ، ويَلِيقُ القَوْلُ الأوَّلُ بِالقِصَّةِ، إلّا أنَّ القَوْلَ الثانِيَ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ ورَجُلٌ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ الرَسُولِ ، وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللهِ فَسَألاهُ فَقالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذا، وفي الآخَرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ"» إلى كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ في هَذا عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ كانَ في بُقْعَتِهِ نَخْلٌ وقُبُورُ مُشْرِكِينَ ومِرْبَدٍ لِيَتِيمَيْنِ كانا في حِجْرِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، وبَناهُ رَسُولُ اللهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ: الأولى بِالسَمِيطِ وهي لَبِنَةٌ أمامَ لَبِنَةٍ، والثانِيَةُ بِالصَعِيدَةِ، وهي لَبِنَةٌ ونِصْفٌ في عَرْضِ الحائِطِ، والثالِثَةُ بِالأُنْثى والذَكَرِ، وهي لَبِنَتانِ تُعْرَضُ عَلَيْهِما لَبِنَتانِ، وكانَ في طُولِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، وكانَ عُمُدُهُ النَخْلُ، وكانَ عَرِيشًا يَكُفُّ المَطَرَ، وعُرِضَ عَلى رَسُولِ اللهِ بُنْيانُهُ ورَفْعُهُ فَقالَ: « "لا، بَلْ يَكُونُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ أخِي مُوسى كانَ إذا قامَ ضَرَبَ رَأْسُهُ في سَقْفِهِ".» وكانَ رَسُولُ اللهِ يَنْقُلُ فِيهِ اللَبِنَ عَلى صَدْرِهِ، ويُقالُ إنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ في أساسِهِ حَجَرًا رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ وضَعَ أبُو بَكْرٍ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُمَرُ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُثْمانُ حَجَرًا، ثُمَّ رَمى الناسُ بِالحِجارَةِ فَتَفاءَلَ بِذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ في أنَّها الخِلافَةُ فَصَدَقَ فَأْلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ مِن أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وإنَّما دَعا إلى هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مِن أُصُولِ النَحْوِيِّينَ أنَّ "مِن" لا تُجَرُّ بِها الأزْمانُ، وإنَّما تُجَرُّ الأزْمانُ بِمُنْذُ، تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ أو سَنَةٍ أو يَوْمٍ، ولا تَقُولُ: مِن شَهْرٍ ولا مِن سَنَةٍ، ولا مِن يَوْمٍ، فَإذا وقَعَتْ "مِن" في الكَلامِ وهي تَلِي زَمَنًا فَيُقَدَّرُ مُضْمَرٌ يَلِيقُ أنْ تَجُرَّهُ "مِن" كَقَوْلِ الشاعِرِ: لِمَنِ الدِيارُ كَقُنَّةِ الحِجْرِ ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ؟
و"مِن شَهْرٍ" رِوايَةٌ، فَقَدَّرُوهُ: "مِن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ دَهْرٍ"، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَّلِ يَوْمٍ ﴾ يَوْمًا وهو اسْمُ زَمانٍ احْتاجُوا فِيهِ إلى تَقْدِيرِ "مِن تَأْسِيسِ"، ويَحْسُنُ عِنْدِي أنْ يُسْتَغْنى في هَذِهِ الآيَةِ عن تَقْدِيرٍ، وأنْ تَكُونَ "مِن" تَجُرُّ لَفْظَةَ "أوَّلِ" لِأنَّها بِمَعْنى البُداءَةِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن مُبْتَدَإ الأيّامِ، وهي هُنا- تَقُومُ مَقامَ "المَرِّ" في البَيْتِ المُتَقَدِّمِ، وهي كَما تَقُولُ: "جِئْتُ مِن قَبْلِكَ ومِن بَعْدِكَ" وأنْتَ لا تَدُلُّ بِهاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ إلّا عَلى الزَمَنِ، وقَدْ حُكِيَ لِي هَذا الَّذِي اخْتَرْتُهُ عن بَعْضِ أئِمَّةِ النَحْوِ.
ومَعْنى ﴿ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ أيْ بِصَلاتِكَ وعِبادَتِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ" بِكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهُ" بِضَمِّ الهاءِ الثانِيَةِ عَلى الأصْلِ، ويُحَسِّنُهُ تَجَنُّبُ تَكْرارِ لَفْظٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ الرَسُولِ ، والرِجالُ: جَماعَةُ الأنْصارِ.
ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لَهُمْ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنِّي رَأيْتُ اللهَ أثْنى عَلَيْكم بِالطُهُورِ فَماذا تَفْعَلُونَ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: إنّا رَأيْنا جِيرانَنا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، (قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ)، فَفَعَلْنا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ نَدَعْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "فَلا تَدَعُوهُ أبَدًا".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، والمُرادُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ إنَّما قالَ المُقالَةَ المُتَقَدِّمَةَ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأفْضَلِ بَيْنَ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ أو بِالحِجارَةِ، فَقِيلَ هَذا وقِيلَ هَذا، ورَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَهُما، فَيُنَقِّي بِالحِجارَةِ ثُمَّ يُتْبِعُ بِالماءِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ عُلَماءِ القَيْرَوانِ كانُوا يَتَّخِذُونَ في مُتَوَضَّياتِهِمْ أحْجارًا في تُرابٍ يُنَقُّونَ بِها ثُمَّ يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ أخْذًا بِهَذا القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُتَصَوَّرُ الخِلافُ في البِلادِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيها أنْ تُنَقَّيَ الحِجارَةُ، وابْنُ حَبِيبٍ لا يُجِيزُ الِاسْتِنْجاءَ بِالحِجارَةِ حَيْثُ يُوجَدُ الماءُ، وهو قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَتَطَهَّرُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "يَطَّهَّرُوا" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُتَطَهِّرِينَ" بِالتاءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: أحْدَثَ قَوْمٌ مِن أهْلِ قُباءٍ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ» " ولَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم غَيْرُ عُوَيْمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ ﴾ الآيَةُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى تَقْرِيرٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجَماعَةٌ: "أُسِّسَ بُنْيانُهُ" عَلى بِناءِ "أسَّسَ" لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "أسَّسَ بُنْيانَهُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ عِمارَةُ بْنُ ضَبّا -رَواهُ يَعْقُوبُ- الأوَّلُ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ والثانِي عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، والآيَةُ تَتَضَمَّنُ مُعادَلَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَإمّا بَيْنَ البِناءَيْنِ وإمّا بَيْنَ البانِينَ، فالمُعادَلَةُ الأولى هي بِتَقْدِيرٍ: "أبِناءُ مَن أسَّسَ؟".
وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ -وَرُوِيَتْ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ -: "أفَمَن أسَّ بُنْيانَهُ" عَلى إضافَةِ "أسَّ" إلى "بُنْيانٍ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو حَيَوَةَ أيْضًا: "أساسُ بُنْيانِهِ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: "أُسُسُ بُنْيانِهِ" عَلى وزْنِ "فُعُلُ" بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وهو جَمْعُ أساسٍ كَقَذالٍ وقُذُلٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لِنَصْرٍ إنَّما هِيَ: "أسَسٌ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ، وعَلى الحِكايَتَيْنِ فالإضافَةُ إلى البُنْيانِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا: "أساسٌ" عَلى جَمْعِ "أُسٍّ"، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: بَنى يَبْنِي بِناءً وبُنْيانًا كالغُفْرانِ والطُغْيانِ فَسُمِّيَ بِهِ المَبْنى مِثْلُ الخَلْقِ إذا أرَدْتَ بِهِ المَخْلُوقَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُنْيانَةِ القارِي مَوْضِعُ رِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ وآثارِ نَسْعَيْها مِنَ الدَفِّ أبْلَقُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى تَقْوى"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى تَقْوًى" بِتَنْوِينِ الواوِ، حَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ ورَدَّها الناسُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: قِياسُها أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى ونَحْوِهِ.
وأمّا المُرادُ بِالبُنْيانِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى والرِضْوانِ فَهو -فِي ظاهِرِ اللَفْظِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ- المَسْجِدُ المَذْكُورُ قَبْلُ، ويَطَّرِدُ فِيهِ الخِلافُ المُتَقَدِّمُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ، والمُرادُ بِأنَّهُ أُسِّسَ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ، ورِضْوانٍ خَيْرٌ هو مَسْجِدٌ قُباءٍ، وأمّا البُنْيانُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَهو مَسْجِدُ الضِرارِ بِإجْماعٍ.
والشَفا: الحاشِيَةُ والشَفِيرُ.
والجُرُفُ: الحَفِيرُ حَوْلَ البِئْرِ ونَحْوُهُ مِمّا جَرَفَتْهُ السُيُولُ والنَدْوَةُ والبِلى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "جُرُفٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وجَماعَةٌ: "جُرْفٍ" بِسُكُونِ الراءِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الأصْلُ بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِها بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ.
و"هارٍ" مَعْناهُ: مُتَهَدِّمٌ مُنْهالٌ، مَن هارَ يَهُورُ، ويُقالُ: هارَ يَهِيرُ ويَهارُ، وأصْلُهُ: هايِرٌ أو هاوِرٌ، فَقِيلَ: قُلِبَتْ راؤُهُ قَبْلَ حَرْفِ العِلَّةِ فَجاءَ هارُو أو هارِي، فَصُنِعَ بِهِ ما صُنِعَ بِقاضٍ وغازٍ، وعَلى هَذا يُقالُ في حالِ النَصْبِ: هارِيًا، ومِثْلُهُ "فِي يَوْمٍ راحٍ" أصْلُهُ: رائِحٍ، ومِثْلُهُ "شاكِي السِلاحِ" أصْلُهُ: شائِكٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَجّاجِ: لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِي أصْلُهُ: لائِثٌ.
ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................
∗∗∗ ∗∗∗ خَفَضُوا أسِنَّتَهم فَكُلٌّ ناعٍ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن "نَعى يَنْعِي" والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ: "يا ثارّاتِ فُلانٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فَكُلُّهم نائِعٌ" أيْ عاطِشٌ كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ شِيَيْمِ: .........................
∗∗∗ ∗∗∗ والأسَلَ النِياعا وقِيلَ في "هارٍ": إنَّ حَرْفَ عِلَّتِهِ حُذِفَ حَذْفًا، فَعَلى هَذا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: جَرْفٌ هارٌ، ورَأيْتَ جَرْفًا هارًا، ومَرَرْتُ بِحَرْفٍ هارٍ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إمالَةِ "هارٍ" و"انْهارَ".
وتَأْسِيسُ البِناءِ عَلى تَقْوى إنَّما هو بِحُسْنِ النِيَّةِ فِيهِ وقَصْدِ وجْهِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإظْهارِ شَرْعِهِ، كَما صَنَعَ في مَسْجِدِ النَبِيِّ وفي مَسْجِدِ قُباءٍ.
والتَأْسِيسُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ إنَّما هو بِفَسادِ النِيَّةِ وقَصْدِ الرِياءِ والتَفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ تَشْبِيهاتٌ صَحِيحَةٌ بارِعَةٌ.
و"خَيْرٌ" في هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلٌ، ولا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في خَيْرٍ إلّا عَلى مُعْتَقَدِ بانِي مَسْجِدِ الضِرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَفْضِيلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ الظاهِرُ مِنهُ ومِمّا صَحَّ مِن خَبَرِهِمْ وهَدْمِ رَسُولِ اللهِ مَسْجِدَهم أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، أيْ: مَثَلُ هَؤُلاءِ المُضارِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ في قَصْدِهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ وحُصُولِهِمْ مِن ذَلِكَ عَلى سُخْطِهِ كَمَن يَنْهارُ بُنْيانُهُ في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ اقْتُضِبَ الكَلامُ اقْتِضابًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ.
وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وإنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
ورُوِيَ «عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الدُخانَ يَخْرُجُ مِنهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ .» ورُوِيَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ رَآهُ حِينَ انْهارَ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ السابِعَةَ فَفَزِعَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ .
ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، أكْمَلُوهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ وصَلَّوْا فِيهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ السَبْتِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بِإسْنادٍ لَيِّنٍ، وما قَدَّمْناهُ أصْوَبُ وأصَحُّ، وكَذَلِكَ بَقِيَ أمْرُهُ والصَلاةُ فِيهِ مِن قَبْلِ سَفَرِ رَسُولِ اللهِ إلى تَبُوكَ إلى أنْ أقْفَلَ مِنها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ طَعْنٌ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وإشارَةٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم ظالِمُونَ، أو يَكُونُ المُرادُ الخُصُوصَ فِيمَن يُوافِي عَلى ظُلْمِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن خَلَفِ بْنِ ياسِينَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ مَسْجِدَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُ اللهُ في القُرْآنِ فَرَأيْتُ فِيهِ مَكانًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُخانُ، وذَلِكَ في زَمَنِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ.
ورُوِيَ شَبِيهٌ بِهَذا أو نَحْوِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على قوله: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ﴾ [التوبة: 108] لزيادة بيان أحقية المسجد المؤسَّس على التقوى بالصلاة فيه.
وبيان أن تفضيل ذلك المسجد في أنه حقيق بالصلاة فيه تفضيل مسلوب المشاركة لأن مسجد الضرار ليس حقيقاً بالصلاة فيه بعد النهي، لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لو وقعت لأكسبت مَقصدَ وَاضعيه رواجاً بين الأمة وهو غرضهم التفريق بين جماعات المسلمين كما تقدم.
والفاء مؤخرة عن همزة الاستفهام لأحقية حرف الاستفهام بالتصدير.
والاستفهام تقريري.
والتأسيس: بناءُ الأساس، وهو قاعدة الجدار المبني من حجر وطين أو جص.
والبنيان في الأصل مصدر بوزن الغُفران والكفران، اسم لإقامة البيت ووضعه سواء كان البيت من أثواب أم من أدم أم كان من حجر وطين فكل ذلك بناء.
ويطلق البنيان على المبني من الحجر والطين خاصة.
وهو هنا مطلق على المفعول، أي المبني.
وما صدق (من) صاحبُ البناء ومستحقه، فإضافة البنيان إلى ضمير (مَن) إضافة على معنى اللام.
وشُبه القصد الذي جعل البناء لأجله بأساس البناء، فاستعير له فعل ﴿ أسس ﴾ في الموضعين.
ولما كان من شأن الأساس أن تطلب له صلابة الأرض لدوامه جعلت التقوى في القصد الذي بني له أحد المسجدين، فشبهت التقوى بما يرتكز عليه الأساس على طريقة المكنية، ورُمز إلى المشبه به المحذوف بشيء من ملائماته وهو حرف الاستعلاء.
وفُهم أن هذا المشبه به شيء راسخ ثابت بطريق المقابلة في تشبيه الضد بما أسس على شفاً جُرُف هار، وذلك بأن شبه المقصد الفاسد بالبناء بجرْف جُرف منهار في عدم ثبات ما يقام عليه من الأساس بله البناء على طريقة الاستعارة التصريحية.
وحرف الاستعلاء ترشيح.
وفرع على هذه الاستعارة الأخيرة تمثيل حالة هدمه في الدنيا وإفضائه ببانيه إلى جهنم في الآخرة بانهيار البناء المُؤسس على شفَا جُرف هارَ بساكنه في هوّة.
وجعل الانهيار به إلى نار جهنم إفضاء إلى الغاية من التشبيه.
فالهيئة المشبهة مركبة من محسوس ومعقول وكذلك الهيئة المشبه بها.
ومقصود أن البنيان الأول حصل منه غرض بانيه لأن غرض الباني دوام ما بناه.
فهم لما بنوه لقصد التقوى ورضى الله تعالى ولم يُذكر ما يقتضي خيبتهم فيه كما ذُكر في مقابله عُلم أنهم قد اتقوا الله بذلك وأرضوه ففازوا بالجنة، كما دلت عليه المقابلة، وأن البنيان الثاني لم يَحصل غرضُ بانيه وهو الضرار والتفريق فخابوا فيما قصدوه فلم يثبت المقصد، وكان عدم ثباته مفضياً بهم إلى النار كما يفضي البناء المنهار بساكنه إلى الهلاك.
والشَّفا بفتح الشين وبالقصر: حرف البئر وحرف الحفرة.
والجُرف بضمتين: جانب الوادي وجانب الهُوة.
وهارٍ: اسم مشتق من هَارَ البناءُ إذا تصدع، فقيل: أصله هَوَر بفتحتين كما قالوا خَلَف في خالف.
وليست الألف التي بعد الهاء ألف فاعل بل هي عين الكلمة منقلبة عن الواو لأن الواو متحركة وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وقيل هو اسم فاعل من هار البناء وأصل وزنه هاور، فوقع فيه قلب بين عينه ولامه تخفيفاً.
وقد وقع ذلك في ألفاظ كثيرة من اللغة مثل قولهم: شاكي السلاح، أصله شائِك.
ورجل صاتٌ عالي الصوت أصله صائتٌ.
ويدل لذلك قولهم: انهار ولم يقولوا انهرى.
وهَرٍ مبالغةً في هَار.
وقرأ نافع وابن عامر وحدهما فعل ﴿ أسس ﴾ في الموضعين بصيغة البناء للمفعول ورفع ﴿ بنيانُه ﴾ في الموضعين.
وقرأها الباقون بالبناء للفاعل ونصب ﴿ بنيانَه ﴾ في الموضعين.
وقرأ الجمهور ﴿ جُرُف ﴾ بضم الراء.
وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم وخلفٌ بسكون الراء.
وجملة: ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ تذييل، وهو عام يشمل هؤلاء الظالمين الذين بنوا مسجد الضرار وغيرهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ والألِفُ مِن ( أفَمَن ) ألْفُ إنْكارٍ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّقْوى اجْتِنابُ مَعاصِيهِ، والرِّضْوانُ فِعْلُ طاعَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ التَّقْوى اتِّقاءُ عَذابِهِ، والرِّضْوانَ طَلَبُ ثَوابِهِ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ يَحْمِلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى ﴾ عَلى مَسْجِدِ المَدِينَةِ، ويَحْتَمِلُ ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ ﴾ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ المُرادِ بِهِما في المَوْضِعَيْنِ.
﴿ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ ﴾ يَعْنِي شَفِيرَ جُرُفٍ وهو حَرْفُ الوادِي الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ البِناءُ لِرَخاوَتِهِ وأكْلِ الماءِ لَهُ ﴿ هارٍ ﴾ يَعْنِي: هائِرٌ، والهائِرُ: السّاقِطُ.
وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَسْجِدِ الضِّرارِ.
وَيَحْتَمِلُ المَقْصُودُ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِناؤُهُمُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ حَتّى سَقَطَ كَما يَسْقُطُ ما بُنِيَ عَلى حَرْفِ الوادِي.
الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَخْفَ ما أسَرُّوهُ مِن بِنائِهِ حَتّى ظَهَرَ كَما يَظْهَرُ فَسادُ ما بُنِيَ عَلى حَرْفِ الوادِي بِالسُّقُوطِ.
﴿ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بِبُنْيانِهِمْ لَهُ سَقَطُوا في نارِ جَهَنَّمَ.
الثّانِي: أنَّ بُقْعَةَ المَسْجِدِ مَعَ بِنائِها وبُناتِها سَقَطَتْ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ حُفِرَتْ مِنهُ بُقْعَةٌ فَرُئِيَ فِيها الدُّخانُ وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ حِينَ انْهارَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ الضِّرارِ.
﴿ رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرِّيبَةَ فِيها عِنْدَ بِنائِهِ.
الثّانِي: أنَّ الرِّيبَةَ عِنْدَ هَدْمِهِ.
فَإنْ قِيلَ بِالأوَّلِ فَفي الرِّيبَةِ الَّتِي في قُلُوبِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: غِطاءٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.
الثّانِي: أنَّهُ شَكٌّ في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ تَكُونَ الرِّيبَةُ ما أضْمَرُوهُ مِنَ الإضْرارِ بِرَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ.
وَإنْ قِيلَ بِالثّانِي أنَّ الرِّيبَةَ بَعْدَ هَدْمِهِ فَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها حَزازَةٌ في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: نَدامَةٌ في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ حَمْزَةُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ تَكُونَ الرِّيبَةُ الخَوْفَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا أنْ يَمُوتُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: إلّا أنْ يَتُوبُوا، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَكانَ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقْرَأُونَها: ولَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير ﴾ قال: هذا مسجد قباء ﴿ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ﴾ قال: هذا مسجد الضرار.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: مسجد الرضوان أول مسجد بني بالمدينة في الإِسلام.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لما أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الذي أسسه على التقوى كان كلما رفع لبنة قال «اللهمَّ إن الخير خير الآخرة.
ثم يناولها أخاه، فيقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنتهي اللبنة منتهاها، ثم يرفع الأخرى فيقول: اللهمَّ اغفر للأنصار والمهاجرة، ثم يناولها أخاه، فيقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنتهي اللبنة منتهاها» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ﴾ قال: بنى قواعده في نار جهنم.
وأخرج مسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فانهار به في نار جهنم ﴾ قال: والله ما تناهى أن وقع في النار، ذكر لنا أنه حفرت فيه بقعة فرؤي منها الدخان.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فانهار به في نار جهنم ﴾ قال: مسجد المنافقين انهار فلم يتناه دون أن وقع في النار.
ولقد ذكر لنا: إن رجالاً حفروا فيه فرأوا الدخان يخرج منه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فانهار به في نار جهنم ﴾ قال: فمضى حين خسف به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة.
أنه لا يزال منه دخان يفور لقوله: ﴿ فانهار به في نار جهنم ﴾ ويقال: إنه بقعة في نار جهنم.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: في قراءة عبدالله بن مسعود ﴿ فانهار به قواعده في نارجهنم ﴾ يقول: خر من قواعده في نار جهنم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ﴾ الآية، البنيان: مصدر الغفران، يراد به المبني هاهنا، نحو ضرب الأمير ونسج اليمن، قال أدو زيد: (يقال بني يبنى بنيًا وبناءً وبنية وبنيانًا، وأنشد: بني السماء فسواها ببنيتها ...
ولم تُمد بأطناب ولا عُمُد (١) (٢) وجمع البنية: بني، ويجوز أن يكون البنيان جمع بنيانة إذا جعلته اسمًا؛ لأنهم قد قالوا: بنيانة في الواحد، قال الشاعر (٣) كبنيانة القريي موضع رحلها ...
وآثار نسعيها من الدف أبلق (٤) وقرأ نافع وابن عامر (أُسِّس) بضم الألف، (بنيانُه) رفعًا (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ﴾ ، ومن بني الفعل للمفعول لم يبعد أن يكون في المعني كالأول؛ لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد مخافة من الله، ورجاء ثوابه ورضوانه) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ قال الحسن: (هذا مثل لنفاقهم، أي مثلهم كمثل من أسس بنيانه على سهل وتراب ليس له أجل، فانهار ولم يثبت (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق: (المعنى أن من أُسس بنيانه على التقوى خير ممن أُسس بنيانه على الكفر، وهذا مَثَل، المعنى: إن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا كبناءٍ على جرف جهنم تتهور بأهلها فيها) (١٥) قال ابن عباس في قوله: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ، يريد: صيرهم النفاق إلى النار (١٦) وشرح أبو علي الفارسي هذه الآية أبلغ شرح فقال: (يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البانئين ويجوز أن يكون بين البناءين، فإذا عادلت بين البانئين كان المعنى: المؤسس بنيانه متقيًا خير أم المؤسس بنيانه غير متق؟
لأن قوله: ﴿ عَلَى شَفَا جُرُفٍ ﴾ يدل على أن بانيه غير متق لله، ولا خاش له، وإن عادلت بين البناءين قدرت حذف المضاف كأنه قيل: أبناء من (١٧) (١٨) ﴿ عَلَى تَقْوَى ﴾ في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسس بنيانه متقيًا، وكذلك قوله: ﴿ عَلَى شَفَا جُرُفٍ ﴾ لأ ن معناه غير متق، أو معاقبًا على بنائه) (١٩) قال أبو عبيدة: (الشفا: هو الشفير) (٢٠) (٢١) ﴿ جُرُفٍ ﴾ مخففًا ومثقلًا (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ هَارٍ ﴾ ، قال الليث: (الهور: مصدر هار [الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد مكانه وهو (٢٣) (٢٤) (٢٥) [وقال الزجاج: (هار: هائر] (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أبو علي: (الهمزة من (٢٩) (٣٠) خيلان من قومي ومن أعدائهم ...
خفضوا أسنتهم فكلٌّ ناعي (٣١) أن يكون مقلوبا من النائع الذي يراد به العطشان، من قوله: والأسلَ النياعا (٣٢) (٣٣) أي العطاش إلى دماء من يغزون (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقرى (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ الانهيار والانهيال متقاربان في المعنى كما تقاربا في اللفظ، قال الشاعر (٤٠) كمثل هيل نقًا طاف الوليد به ...
ينهار حينًا وينهاه الثرى حينا وفاعل (انهار): البنيان، والكناية في ﴿ بِهِ ﴾ تعود إلى الباني أي انهار البنيان بالباني ﴿ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ؛ لأنه معصية وفعل لما كرهه الله من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، وهذه الآية بيان عما يوجبه تأسيس البنيان على التقوى من الله والرضوان من أن صاحبه هو الأفضل، مما يجب له من ثواب الله وكرامته، خلاف من أسسه على الفساد، فكان كمن بني على شفير النار، قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل على أن جهنم في الأرض؛ لأن البناء إنما ينهار إلى أسفل) (٤١) (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في المصدر التالي بلا نسبة.
(٢) انظر قول أبي زيد في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 219.
(٣) من (م).
(٤) البيت لكعب بن زهير كما في ديوان أبيه زهير بشرح ثعلب 257 من قصيدة مشتركة بينهما، وليس في ديوان كعب، و"الأغاني" 17/ 89، و"البحر المحيط" 5/ 103، و"المحرر الوجيز" 3/ 84 بلفظ: القاري، ونسبه الفارسي في "الحجة" 4/ 219، و"إيضاح الشعر" ص 343 إلى أوس بن حجر، وليس في ديوانه.
والقريي: ساكن القرية، والدف: الجنب، والنسع: سير تشد به الرحال، والأبلق: الأبيض في سواد.
والشاعر يصف دابته، ويشهها ببنيان القرية.
انظر: "شرح الديوان"، الموضع السابق، و"لسان العرب" (نسع) و (بلق).
(٥) وقرأ الباقون (أسس) بفتح الألف والسين (بنيانه) بنصب النون.
انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 167، و"إرشاد المبتدي" ص 356، و"تقريب النشر" ص 121.
(٦) في (م): اللفظ)، وهو خطأ.
(٧) في (ح): (الثا)، وفي (م): (الثاني)، وكلاهما خطأ.
(٨) ساقط من (ح) وفي (م): (يكون الفعل مبنيًّا).
(٩) في (خ) و (ى): (كبنائه).
(١٠) لعله يعني من حيث المعنى، وقد قال ابن جرير في "تفسيره" 11/ 32: (وهما قراءتان متفقتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى (من) إذ كان هو المؤسس أعجب إلى).
(١١) "تنوير المقباس" ص 204 بمعناه.
(١٢) في (خ) و (ى): (بنائه).
(١٣) في (ى) و (م): (لم يلبث)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.
(١٤) ذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 169 بنحوه.
(١٥) جمع المؤلف بين قولين للزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469، 470.
(١٦) رواه البغوي في "تفسيره" 4/ 97.
(١٧) ساقط من (ى).
(١٨) في (ى): (جرف هار)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.
(١٩) اهـ.
كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 222، 223 باختصار، ونصب قوله (أو معاقبًا) بناء على أنه حال، والجملة مقدرة، ونص عبارة أي علي: (والمعنى: أمن أسس بنيانه غير متق، أو: من أسس بنيانه معاقبًا على بنائه).
(٢٠) أهـ.
كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 269.
(٢١) أهـ.
كلام شمر، انظر: "تهذيب اللغة" (جرف (1/ 585.
(٢٢) قرأ ابن عامر وحمزة وخلف وأبو بكر عن عاصم (جرف) بإسكان الراء، والباقون بضمها.
انظر: "كتاب السبعة" ص 318، وكتاب "إرشاد المبتدي" ص 356، و"تحبير التيسير" ص 121.
(٢٣) هكذا، وكذلك هو في "تهذيب اللغة"، وفي كتاب "العين" (فهو) وهو أليق بالسياق.
(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٥) "تهذيب اللغة" (هور) 4/ 3691، والنص في كتاب "العين" (هور) 4/ 82.
(٢٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٧) في (ح): (أراد)، وهو خطأ.
(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 470.
(٢٩) في (ى): (في)، والمثبت موافق للمصدر التالي.
(٣٠) كررت في (ح).
(٣١) البيت للأجدع بن مالك الهمداني كما في "اللسان" (نوع) 8/ 4579 و (نعا) 8/ 4486، و"الأصمعيات" ص 69، و"التنبيه" للبكري ص 25.
(٣٢) في (ى): (النياعيا).
(٣٣) البيت بتمامه: لعمر بني شهاب ما أقاموا ...
صدور الخيل والأسل النياعا وهو للقطامي كما في "المخصص" 14/ 35، و"لسان العرب" (نوع) 8/ 4579 أو لدريد بن الصمة كما في "الصحاح" (نوع) 3/ 1294.
والأسل: أطراف الأسنة.
(٣٤) في (ح): (لا يغزون)، وهو خطأ.
(٣٥) ساقط من (ى).
(٣٦) ما بين العلامين ليس من كلام أبي علي في "الحجة".
(٣٧) أهـ.
كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 225 - 227 باختصار وتصرف، ولم أجد كلام الأخفثس في كتابه "معاني القرآن".
(٣٨) في (ى): (ويقال).
(٣٩) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويحيى عن أبي بكر عن عاصم، وقالون عن نافع، والداجوني عن ابن عامر.
انظر: "كتاب السبعة" ص 319، و"إرشاد المبتدي" ص 356، و"تحبير التيسير" ص 121.
(٤٠) هو: تميم بن أُبي بن مقبل، والبيت في "ديوانه" ص326، و"الشعر والشعراء" ص 299، ورواية البيت فيهما: يمشين هيل النقا مالت جوانبه ...
ينهال حينًا وينهاه الثرى حينًا وانظر: البيت بلا نسبة بمثل رواية المؤلف في "الحجة" 4/ 229.
والشاعر يصف نسوة كما في "الشعر والشعراء"، الموضع السابق، والنقا: الكثيب من الرمل.
انظر: "لسان العرب" (نقا) 8/ 4532.
(٤١) لم أجد من ذكر هذا القول، ولم يتبين لي من أبو إسحاق هذا، ويبعد أن يكون الزجاج؛ لأنه يرى الانهيار -المذكور من باب التمثيل حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ : وهذا مثل، المعنى: (أن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا وكفرًا كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها).
"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 470، كما يبعد أن يكون أبا إسحاق الثعلبي؛ لأنه فسر الآية بمثل تفسير الزجاج فقال: (هذا مثل لضعف نياتهم وقلة بصيرتهم في عملهم)، "تفسير الثعلبي" 6/ 150 أوإلى مثل قولهما ذهب كثير من المفسرين كابن جرير 11/ 32، والسمرقندي 2/ 75، والزمخشري 2/ 215، وذهب بعض المفسرين إلى ظاهر اللفظ، قال القرطبي في "تفسيره" 8/ 265: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين: الأول: أن ذلك حقيقة، وأن النبي إذ أرسل إليه فهدم رؤي الدخان يخرج منه، من رواية سعيد بن جبير، وقال بعضهم: (كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة)، وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان، وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال: (جهنم في الأرض ثم تلا ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ وقال جابر ابن عبد الله: (أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ).
والثاني: أن ذلك مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم فكأنه انهار إليه، وهوى فيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ ، والظاهر الأول؛ إذ لا إحالة في ذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ نهي عن إتيانه والصلاة فيه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر بطريقه ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى ﴾ قيل: هو مسجد قباء، وقيل: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وقد رُوي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ كانوا يستنجون بالماء ونزلت في الأنصار على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد المدينة، ونزلت في بني عمرو بن عوف خاصة على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بنيانه على تقوى مِنَ اللَّهِ ورضوان خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بنيانه على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ الآية: استفهام بمعنى التقرير، والذي أسس على التقوى والرضوان: مسجد المدينة أو مسجد قباء، والذي أسس على شفا جرف هار: هو مسجد الضرار، وتأسيس البناء على التقوى والرضوان: هو بحسن النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه، والتأسيس على شفا جرف هار: هو بفساد النية، وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين، فلذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البديع، ومعنى شفا جرف: طرفه، ومعنى هار: ساقط أو واهي، بحيث أشفى على السقوط، وأصل هار: هائر، فهو في من المقلوب، لأن لامه جعلت في موضع العين ﴿ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ أي طاح في جهنم، وهذا ترشيح للمجاز، فإنه لما شُبه بالجرف وُصف بالإنهيار؛ الذي هو من شأن الخوف، وقيل: إن ذلك حقيقة، وأنه سقط في نار جهنم وخرج الدخان من موضعه، والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهدمه فهدم ﴿ لاَ يَزَالُ بنيانهم الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار ريبة من بنيانه: أي شك في الإسلام بسبب بنيانه، لاعتقادهم صواب فعلهم: أو غيظ بسبب هدمه ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي إلا أن يموتوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.
والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.
﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.
﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.
الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.
﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.
الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.
الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.
﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.
الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.
الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: { م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.
وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.
والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.
قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله عنهم بأنه رضي عنهم.
ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.
قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.
وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.
وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.
وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله وما كان بينهم؟
فقال لي: إن الله قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.
قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟
قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟
أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.
قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.
ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.
فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.
ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.
روى السدي عن أبي مالك أنه قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.
وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.
وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.
وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.
وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.
وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.
﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.
قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.
ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.
و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.
وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.
وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.
عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله وأصحابه في الجهاد.
روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.
وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقنا ويعذرنا.
فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.
فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.
فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.
والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.
﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.
وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.
لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.
وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.
ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.
قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.
وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.
وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.
وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.
ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.
ثم قال ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.
وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.
ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.
وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.
وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.
وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.
قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.
قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.
وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.
فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.
وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.
وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.
قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟
ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟
وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟
﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟
احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.
ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.
روي أن رسول الله لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.
وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.
وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.
وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.
وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.
وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.
ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.
والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.
وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.
ولا شك أن رؤية الله شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.
أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.
واعلم أنه قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.
وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.
وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.
وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.
وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.
قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.
ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.
في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.
وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.
واعلم أنه حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.
وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.
وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.
وقال الأكثرون: إنه الإعداد.
والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.
ثم أخبر الله عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.
قال المفسرون.
إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.
فقال رسول الله : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.
فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.
وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.
ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.
ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟
قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.
واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله عن المسجد الذي أسس على التقوى.
فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.
وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.
وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.
وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.
ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.
وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.
"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟
فسكت القوم.
ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.
فقال : أترضون بالقضاء؟
قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟
قالوا: نعم.
قال: أتشكرون في الرخاء؟
قالوا: نعم.
فقال : مؤمنون ورب الكعبة.
فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟
فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.
فتلا النبي : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.
ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.
ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.
والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.
قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.
وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.
ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.
والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.
قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.
وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .
﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان { م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.
﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.
فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.
﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.
﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.
﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.
﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.
﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.
﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.
﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.
ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
عن ابن عباس - - أن المنافقين اتخذوا مسجداً، فلما فرغوا منه جاءوا إلى نبي الله وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: يا رسول الله، بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، [و] إنا نحب يا رسول الله أن تأتينا فتصلي فيه، قال رسول الله: "إنا على سفر وحال شغل، ولو قدمنا من سفرنا أتيناكم فصلينا لكم فيه إن شاء الله"، فأنزل الله على رسوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً...
﴾ الآية؛ أخبر فيه أنهم لم يقصدوا ببناء مسجدهم ذلك ما ذكروا: إنا بنينا [مسجداً] لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والإشفاق على الدين، وحفظ الصلاة بالجماعة، ولكن يقصدون به ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين.
وقوله: ﴿ ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يكون قوله: ﴿ وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ ضِرَاراً ﴾ يقصدون ببناء المسجد الذي بنوا ريبة أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله، حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم، والظفر بهم من أن كانوا مجموعين.
روي عن رسول الله أنه قال: "لن يغلب اثنا عشر ألفاً كلمتهم واحدة" وقوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ جعل الاجتماع في الدين نعمة، ونهاهم عن التفرق وهم كانوا يقصدون قصد التفريق بينهم؛ لما ذكرنا، أو كانوا يقصدون بذلك أن يفرقوا بين ضعفة من المؤمنين وبين رسول الله، فيلبسوا عليهم الدين؛ لأنهم كانوا أهل لسان وجدل، وذلك كله كفر على ما ذكر.
وفيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد ؛ لأنه معلوم أنهم أسرّوا وأضمروا فيما بينهم الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأطلع الله نبيه على ما أسرّوا؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
أي: بنوا ذلك المسجد إرصاداً لمن حارب الله ورسوله.
قال عامة أهل التأويل: هو أبو عامر؛ ذكر أن أبا عامر حارب رسول الله، ثم فرّ منه، فقال للمنافقين: ابنوا مسجداً واستعدوا، فإني ذاهب إلى قيصر بالشام، [فآتي بجند فنخرج محمداً وأصحابه من المدينة.
فذهب إلى قيصر بالشام]، فبنوا مسجداً إرصاداً لمن حارب الله ورسوله، يعني: أبا عامر.
قال القتبي: ضراراً، أي: مضارة، وإرصاداً، أي: ترقباً بالعداوة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ضِرَاراً ﴾ ، أي: مضارة، ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، أي: وقوفاً وانتظار الفرصة لمن حارب الله على المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا ﴾ .
أي: حلفوا ما أردنا باتخاذ المسجد.
﴿ إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ والخير.
﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
فيه ما ذكرنا من الدلالة على إثبات [رسالة محمد ].
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ .
قيل: لا تصل فيه؛ لأنهم سألوه أن يصلي فيه.
وقيل: ﴿ لاَ تَقُمْ ﴾ ، اي: لا تأته، ولا تدخل؛ وهو واحد.
﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: هو مسجد قُباء.
وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله .
روي عن أبي سعيد الخدري قال: "اختصم - أو قال: اختصمنا - [في] المسجد الذي أسس على التقوى؛ فقال النبي صلى الله عليه سلم: هو مسجدي هذا" وعن أبي بن كعب قال: "إن النبي سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: هو مسجدي هذا" وظاهر ما ذكر "أن يكون مسجد قباء؛ لأنه ذكر لما نزل قوله: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ ﴾ ، قال لأهل قباء: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فماذا تصنعون؟
قالوا: نغسل عنا أثر الغائط والبول" .
وفي بعض الأخبار "قالوا: يا رسول الله، إنا نجد مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء، فلا ندعه، فقال: لا تدعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ .
يحتمل: أي: فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان والتوحيد، والصلاة فيه، وكل مسجد هذا فيه فهو مؤسس على التقوى، أي: تقوى الشرك والخلاف لأمر الله ومناهيه.
أو يقول: فيه رجال يحبون، أي: يؤثرون التطهر بالتقوى والأعمال الصالحة على غيرها من الأعمال التي تنجسهم.
ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقدار والأنجاس؛ كأنه قال: فيه رجال يؤثرون الإبلاغ في التطهير من الأقذار والأنجاس التي تصيبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ ﴾ .
أي: على الطاعة لله والإخلاص له.
﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .
له وطلب مرضاته.
﴿ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
أي: بني للاختلاف والتفريق بين المؤمنين والكفر بالله؛ هذا المثل مقابلة مكان بمكان؛ يقول: من بنى بناء على قرار من الأرض مما يقر به وينتفع به خير ممن بنى بناء على المكان الذي لا يقر، ويؤدي إلى الهلاك، ولا ينتفع به، والأول مقابلة فعل بفعل، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ كالذي بنى الضد من ذلك، أي: ليسا بسواء، ثم قال: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ هذا مقابلة فعل بفعل؛ يقول: الذين بنوا المسجد على الطاعة لله، والإخلاص له، وطلب مرضاته، والاجتماع فيه خير ممن بنى للكفر بالله، والتفريق بين المؤمنين، وضراراً بهم؛ هذا مقابلة فعل بفعل.
وقوله: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
هذا مقابلة مكان بمكان؛ لما ذكرنا.
وقوله: ﴿ أُسِّسَ ﴾ .
أصل الأس والأسس والتأسيس واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
قال أبو عوسجة: ﴿ شَفَا جُرُفٍ ﴾ قال: شفاه: فمه، والجمع: أشفاء، وجرف: أرض يسيل فيها السيل حتى يحفرها، والجِرَفة جمع.
وقوله: ﴿ هَارٍ ﴾ قال: الهار: الهش الذي ليس بصلب، ويقال: انهار ينهار، أي: انهدم، ويقال: رجل هار، أي: ضعيف، وهي أرض هشة، أي: رخوة، سريعة الانهدام، والهش: الرخو.
وقال القتبي: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ \[أي حرف جرف هار\] والجرف: ما ينجرف بالسيول [من] الأودية، والهائر: الساقط، ومنه يقال: تهور البناء: إذا سقط وانهار.
وقال أبو عبيدة: ﴿ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ ﴾ الشفا: هو الشفير، والجرف: ما ينجرف من السيول من الأودية، وهار، يريد: هائر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ .
قال بعضهم: خسف الله مسجدهم في نار جهنم.
وفي حرف ابن مسعود: (فخر من قواعده في نار جهنم) وقال: حفرت فيه بقعة فرؤي منها دخان سطع، وقال: يهوي ببنائهم الذي بنوا في نار، ولا ندري كيف هو؟
وما معناه؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ بَنَوْاْ رِيبَةً ﴾ ، أي: حسرة وندامة.
وقال بعضهم: ريبة: أي شكّاً وريباً.
ومن قال: حسرة وندامة، فهو على وجهين: الأول: يحتمل: أنهم تابوا وندموا على ما صنعوا.
والثاني: يحتمل: حسرة وندامة؛ لما افتضحوا بما صنعوا، وبما أرادوا بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
ومن قال: شكّاً ونفاقاً ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى الممات، أي: هم على الشك والنفاق إلى الموت، وهو كقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ .
وأصل الريبة: التهمة؛ يقال: فلان مريب: إذا كانت به تهمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ ﴾ .
هذا - أيضاً - على وجهين: أحدهما: على التمثيل أن الخوف والحزن إذا بلغ غايته؛ يقال: فلان متقطع القلب.
<div class="verse-tafsir"
أيستوي مَن أَسَّس بنيانه على تقوى من الله بامتثال أوامر جتناب نواهيه، ورضوان الله بالتوسع في أعمال البر مع من بنى مسجدًا للإضرار بالمسلمين وتقوية الكفر، والتفريق بين المؤمنين؟!
لا يستويان أبدًا، فالأول بنيانه قوي متماسك لا يخشى عليه السقوط، وهذا مثله كمثل من بنى بنيانًا على شفير حفرة فتهدم وسقط، فانهار به بنيانه في قعر جهنم، والله لا يوفق القوم الظالمين بالكفر والنفاق وغير ذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.7BlwQ"