الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١١٠ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إلا أن تقطع قلوبهم ) أي : بموتهم .
قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، والسدي ، وحبيب بن أبي ثابت ، والضحاك ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد من علماء السلف .
( والله عليم ) أي : بأعمال خلقه ، ( حكيم ) في مجازاتهم عنها ، من خير وشر .
القول في تأويل قوله : لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يزال بنيان هؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا =(ريبة)، يقول: لا يزال مسجدهم الذي بنوه =(ريبة في قلوبهم), يعني: شكًّا ونفاقًا في قلوبهم, يحسبون أنهم كانوا في بنائه مُحْسنين (57) =(إلا أن تقطع قلوبهم)، يعني: إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا =(والله عليم)، بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار، من شكهم في دينهم، وما قصدوا في بنائهموه وأرادوه، وما إليه صائرٌ أمرهم في الآخرة، وفي الحياة ما عاشوا, وبغير ذلك من أمرهم وأمر غيرهم =(حكيم)، في تدبيره إياهم، وتدبير جميع خلقه.
(58) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 17251- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، يعني شكًّا =(إلا أن تقطع قلوبهم)، يعني الموت.
17252- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ريبة في قلوبهم)، قال: شكًّا في قلوبهم =(إلا أن تقطع قلوبهم)، إلا أن يموتوا.
17253- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم)، يقول: حتى يموتوا.
17254- حدثني مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا شعبة, عن الحكم, عن مجاهد في قوله: (إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: إلا أن يموتوا.
(59) 17255- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: يموتوا.
17256- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: يموتوا.
17257- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
17258-......
قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك, عن معمر, عن قتادة والحسن: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، قالا شكًّا في قلوبهم.
17259- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الرازي قال، حدثنا أبو سنان, عن حبيب: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، قال: غيظًا في قلوبهم.
17260-......
قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: يموتوا.
17261-......
قال، حدثنا إسحاق الرازي, عن أبي سنان, عن حبيب: (إلا أن تقطع قلوبهم)، : إلا أن يموتوا.
17262-......
قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن السدي: (ريبة في قلوبهم)، قال: كفر.
قلت: أكفر مجمّع بن جارية؟
قال: لا ولكنها حَزَازة.
17263- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن السدي: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، قال: حزازة في قلوبهم.
17264- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، لا يزال ريبة في قلوبهم راضين بما صنعوا, كما حُبِّب العجل في قلوب أصحاب موسى.
وقرأ: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ، [سورة البقرة: 93] قال: حبَّه =(إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: لا يزال ذلك في قلوبهم حتى يموتوا = يعني المنافقين.
17265- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس, عن السدي, عن إبراهيم: (ريبة في قلوبهم)، قال شكًّا.
قال قلت: يا أبا عمران، تقول هذا وقد قرأت القرآن؟
قال: إنما هي حَزَازة.
* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إلا أن تقطع قلوبهم).
فقرأ ذلك بعض قرأة الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: (إِلا أَنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ)، بضم التاء من " تقطع ", على أنه لم يسمَّ فاعله, وبمعنى: إلا أن يُقَطِّع الله قلوبهم.
* * * وقرأ ذلك بعض قرأة المدينة والكوفة: ( إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ )، بفتح التاء من " تقطع "، على أن الفعل للقلوب.
بمعنى: إلا أن تتقطّع قلوبهم, ثم حذفت إحدى التاءين.
* * * وذكر أن الحسن كان يقرأ: " إِلَى أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ " ، بمعنى: حتى تتقطع قلوبهم.
(60) * * * وذكر أنها في قراءة عبد الله: (وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ)، وعلى الاعتبار بذلك قرأ من قرأ ذلك: (إلا أَنْ تُقَطَّع)، بضم التاء.
* * * قال أبو جعفر: والقول عندي في ذلك أن الفتح في التاء والضم متقاربا المعنى, لأن القلوب لا تتقطع إذا تقطعت، إلا بتقطيع الله إياها, ولا يقطعها الله إلا وهي متقطعة.
وهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.
وأما قراءة ذلك: (إلَى أَنْ تَقَطَّعَ), فقراءةٌ لمصاحف المسلمين مخالفةٌ, ولا أرى القراءة بخلاف ما في مصاحفهم جائزةً.
------------------------- الهوامش : (57) انظر تفسير " الريبة " فيما سلف ص : 275 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(58) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) ، ( حكم ) .
(59) الأثر : 17254 - " مطر بن محمد الضبي " ، انظر ما سلف رقم : 12198 ، 14610 .
(60) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 452 .
قوله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيمقوله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا يعني مسجد الضرار ريبة في قلوبهم أي شكا في قلوبهم ونفاقا ; قاله ابن عباس وقتادة والضحاك .
وقال النابغة :حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهبوقال الكلبي : حسرة وندامة ; لأنهم ندموا على بنيانه .
وقال السدي وحبيب والمبرد : ريبة أي حزازة وغيظا .إلا أن تقطع قلوبهم قال ابن عباس : أي تنصدع قلوبهم فيموتوا ; كقوله : لقطعنا منه الوتين لأن الحياة تنقطع بانقطاع الوتين ; وقاله قتادة والضحاك ومجاهد .
وقال سفيان : إلا أن يتوبوا .
عكرمة : إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم ، [ ص: 186 ] وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يقرءونها : " ريبة في قلوبهم ولو تقطعت قلوبهم " .
وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم " إلى أن تقطع " على الغاية ، أي لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا .
واختلف القراء في قوله ( تقطع ) فالجمهور " تقطع " بضم التاء وفتح القاف وشد الطاء على الفعل المجهول .
وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب كذلك إلا أنهم فتحوا التاء .
وروي عن يعقوب وأبي عبد الرحمن " تقطع " على الفعل المجهول مخفف القاف .
وروي عن شبل وابن كثير " تقطع " خفيفة القاف " قلوبهم " نصبا ، أي أنت تفعل ذلك بهم .
وقد ذكرنا قراءة أصحاب عبد الله .والله عليم حكيم تقدم .
{لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} أي: شكا، وريبا ماكثا في قلوبهم، {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} بأن يندموا غاية الندم ويتوبوا إلى ربهم، ويخافوه غاية الخوف، فبذلك يعفو اللّه عنهم، وإلا فبنيانهم لا يزيدهم إلا ريبا إلى ريبهم، ونفاقا إلى نفاقهم. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بجميع الأشياء، ظاهرها، وباطنها، خفيها وجليها، وبما أسره العباد، وأعلنوه. {حَكِيمٌ} لا يفعل ولا يخلق ولا يأمر ولا ينهى إلا ما اقتضته الحكمة وأمر به فللّه الحمد . وفي هذه الآيات فوائد عدة: منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه. ومنها: أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى. ومنها: أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها. كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن اللّه علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة للّه ورسوله. ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها. ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد " قباء" حتى قال اللّه فيه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} . ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزور قباء كل سبت يصلي فيه، وحث على الصلاة فيه. ومنها: أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، أربع قواعد مهمة، وهي: كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية للّه، فإن المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو فيه معاونة لمن عادى اللّه ورسوله، فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه. ومنها: أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات. ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره اللّه له من باب أولى وأحرى. ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم. والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، واللّه لا يهدي القوم الظالمين.
( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ) أي : شكا ونفاقا ، ( في قلوبهم ) يحسبون أنهم كانوا في بنيانه محسنين كما حبب العجل إلى قوم موسى .
قاله ابن عباس رضي الله عنهما .
وقال الكلبي : حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه .
وقال السدي : لا يزال هدم بنائهم ريبة وحزازة وغيظا في قلوبهم .
( إلا أن تقطع قلوبهم ) أي : تتصدع قلوبهم فيموتوا .
قرأ ابن عامر ، وأبو جعفر ، وحمزة ، وحفص : " تقطع " بفتح التاء أي : تتقطع .
والآخرون بضمها .
وقرأ يعقوب وحده : " إلى أن " خفيف ، على الغاية ، " تقطع " بضم التاء ، خفيف ، من القطع يدل عليه تفسير الضحاك وقتادة : لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا .
( والله عليم حكيم ) .
«لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة» شكا «في قلوبهم إلاً أن تقطَّع» تنفصل «قلوبهم» بأن يموتوا «والله عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه بهم.
لا يزال بنيان المنافقين الذي بنوه مضارَّة لمسجد (قباء) شكًا ونفاقًا ماكثًا في قلوبهم، إلى أن تتقطع قلوبهم بقتلهم أو موتهم، أو بندمهم غاية الندم، وتوبتهم إلى ربهم، وخوفهم منه غاية الخوف.
والله عليم بما عليه هؤلاء المنافقون من الشك وما قصدوا في بنائهم، حكيم في تدبير أمور خلقه.
ثم بين - سبحانه - الآثار التى ترتبت على هدم مسجد الضرار ، فى نفوس هؤلاء المنافقين الأشرار فقال - تعالى - : ( لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .الريبة : اسم من الريب بمعنى الشك والقلب والحيرة ، وتقطع - بفتح التاء - أصلها تتقطع فحذفت إحدى التاءين ، من التقطع بمعنى التمزق .
وقرأ بعضهم .
" تقطع " - بضم التاء - من التقطيع بمعنى التفريق والتمزيق .والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال ، والمستثنى منه محذوف ، والتقدير : لا يزال ما بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق فى نفسهم فى كل وقت حال إلا فى وقت واحد وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت والهلاك أى : أنهم لا يزالون فى قلق وحيرة ما داموا أحياء ، أما بعد موتهم فستتكشف لهم الحقائق ، ويجدون مصيرهم الأليم .والسبب فى أن هذا البناء كان مثار يبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه ، أنهم بنوه نبية سيئة ، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التى بينتها الآية الأولى .
فكانوا يخشون أن يطلع الله نبيهم على مقاصدهم الذميمة ، فهذه الخشية أورثتهم القلبق والريبة ، فلما أطاع الله - تعالى - نبيه على أغراضهم ، وتم هدم مسجد الضرار ، وانهار الجرف المتداعى المتساقط ، استمر قلقهم وريبهم؛ لأنهم لا يدرون بعد ذلك ماذا سيفعل المؤمنون بهم .وهكذا شأن الماكرين فى كل زمان ومكان ، إنهم يعيشون طول حياتهم فى فزع وقلق وخوف من أن ينكشف مكرهم ، ويظهر خداعهم .وقوله : ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) تذييل قصد به تهديهم وزجرهم .أى : والله - تعالى - عليم بكل شئ فى هذا الكون ، وبكل ما يقوله ويفعله هؤلاء المنافقون سرا وجهرا : حكيم فى كل تصرفاته وأفعاله وفى صنعه بهم ، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه من عقاب .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1- وجوب بناء المسجد على تقوى من الله ورضوان ، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس ، كانت محل القبول والثواب من الله ، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى مع آداب الإِسلام وأحكامه وتشريعاته ، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله - تعالى - وقبوله .قال بعض العلماء ، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد الضرار ، أن هلا حكم له ولا حركة ، ولا يصح الوقف عليه .
وقد حرق الراضى بالله - الخليفة العباسى - كثيرا من مساجد الباطنية والمشهبة والمجبرة .وقال الزمشخرى : قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة ، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله ، أو بمال غير طيب ، فهو لا حق بمسجد الضرار .وعن عطاء : لما فتح الله .
تعالى .
الأمصار على عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أمر المسلمين أن يبينوا المساجد ، وألا يتخذوا فى مدينة مسجدين ، يضار أحدهما صاحبه .2- أن مسجد قباء هو المقصود بقوله - تعالى - : ( لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ .
.
.
) وذلك لأن سياق الآيات فى الحديث عنه ، وفى بيان أحقية الصلاة فيه ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم يزوروه راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين .ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا ، وبين الأحاديث التى وردت فى أن المسجد الذى اسس من أول على تقوى من الله ورضوان ، هو المسجد النبوى ، لأن كليهما قد أسس على ذلك .قال الإِمام ابن كثير : وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس ، وعروة بن الزبير ، والحسن البصرى ، وسعيد بن جبير ، وقتادة .وقد ورد فى الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى فى جوف المدينة هو المسجد الذى أسس على التقوى ، وهذا صحيح .ولا منافة بين الآية وبين هذا ، أنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق الأولى والأحرى " .3- أن المحافظة على الطهارة من الصفات التى يحبها الله - تعالى - فقد قال - تعالى - : ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين ) .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : ما جاء " عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية ، بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عويم بن مساعدة فقال له : " ما هذا الطهور الذى أثنى الله عليه به "؟فقال : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه .
فقال - صلى الله عليه وسلم - : " هو هذا " " .4- كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة ، استحباب الصلاة فى المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له ، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحة ، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء .
والتنزه عن ملابسة القاذورات .
قال المفسرون: إن المنافقين لما بنوا ذلك المسجد لتلك الأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، قالوا: يا رسول الله بنينا مسجداً لذي العلة والليلة الممطرة والشاتية، ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.
فقال عليه السلام: «إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه»، فلما رجع من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت هذه الآية، فدعا بعض القوم وقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وخربوه، ففعلوا ذلك وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقي فيها الجيف والقمامة.
وقال الحسن: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل عليه السلام لا تقم فيه أبداً.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ ﴾ نهي له عليه السلام عن أن يقوم فيه.
قال ابن جريج: فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة، فصلوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد، وانهار في يوم الاثنين.
ثم إنه تعالى بين العلة في هذا النهي، وهي أن أحد المسجدين لما كان مبنياً على التقوى من أول يوم، وكانت الصلاة في مسجد آخر تمنع من الصلاة في مسجد التقوى، كان من المعلوم بالضرورة أن يمنع من الصلاة في المسجد الثاني.
فإن قيل: كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد الثاني.
قلنا: التعليل وقع بمجموع الأمرين، أعني كون مسجد الضرار سبباً للمفاسد الأربعة المذكورة، ومسجد التقوى مشتملاً على الخيرات الكثيرة.
ومن الروافض من يقول: بين الله تعالى أن المسجد الذي بني من أول الأمر على التقوى أحق بالقيام فيه من المسجد الذي لا يكون كذلك.
وثبت أن علياً ما كفر بالله طرفة عين، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالإمامة ممن كفر بالله في أول أمره.
وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة، فزال هذا السؤال.
واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو؟
قيل: إنه مسجد قباء، وكان عليه السلام يأتيه في كل سنة فيصلي فيه، والأكثرون أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال سعيد بن المسيب: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول عليه السلام، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه، فقال أحدهما: مسجد الرسول، وقال آخر: قباء.
فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدي هذا.
وقال القاضي: لا يمنع دخولهما جميعاً تحت هذا الذكر لأن قوله: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى ﴾ هو كقول القائل، لرجل صالح أحق أن تجالسه.
فلا يكون ذلك مقصوراً على واحد.
فإن قيل: لم قال أحق أن تقوم فيه، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟
قلنا: المعنى أنه لو كان ذلك جائزاً لكان هذا أولى، للسبب المذكور.
ثم قال تعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين: أحدهما: أنه بني على التقوى، وهو الذي تقدم تفسيره.
والثاني: إن فيه رجالاً يحبون أن يتطهروا، وفي تفسير هذه الطهارة قولان: الأول: المراد منه التطهر عن الذنوب والمعاصي، وهذا القول متعين لوجوه: أولها: أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه.
والثاني: أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين المسلمين، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم.
وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي.
والثالث: أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، أما لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، ولم تحصل نظافة الظاهر، كأن طهارة الباطن لها أثر، فكان طهارة الباطن أولى.
الرابع: روى صاحب الكشاف: أنه لما نزلت هذه الآية مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال: «أمؤمنون أنتم» فسكت القوم ثم أعادها.
فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم؛ فقال عليه السلام: «أترضون بالقضاء» قالوا نعم.
قال: «أتصبرون على البلاء» قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرخاء» قالوا: نعم، قال عليه السلام: «مؤمنون ورب الكعبة» ثم قال: «يا معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء» قالوا: نتبع الماء الحجر.
فقرأ النبي عليه السلام: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ الآية.
والقول الثاني: أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر.
وهو قول أكثر المفسرين من أهل الأخبار.
والقول الثالث: أنه محمول على كلا الأمرين، وفيه سؤال: وهو أن لفظ الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينية، ومجاز في البراءة عن المعاصي والذنوب، واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً لا يجوز.
والجواب: أن لفظ النجس اسم للمستقذر، وهو القدر مفهوم مشترك فيه بين القسمين وعلى هذا التقدير، فإنه يزول السؤال، ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول، وهو كون المسجد مبنياً على التقوى، فقال: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ ﴾ وفيه مباحث.
البحث الأول: البنيان مصدر كالغفران، والمراد هاهنا المبني، وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور، يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد، والمراد مضروبه ومنسوجه، وقال الواحدي: يجوز أن يكون لبيان جمع بنيانة إذا جعلته اسماً، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد.
البحث الثاني: قرأ نافع وابن عامر ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ﴾ على فعل ما لم يسم فاعله، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس، أما قوله: ﴿ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ﴾ أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه، وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه، والرغبة في ثوابه، كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار بعباد الله، أما قوله: ﴿ أمِن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم ﴿ جُرُفٍ ﴾ ساكنة الراء والباقون بضم الراء وهما لغتان، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق.
البحث الثاني: قال أبو عبيدة: الشفا الشفير، وشفا الشيء حرفه، ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة.
فذلك الشيء هو الجرف، وقوله: ﴿ هَارٍ ﴾ قال الليث: الهور مصدر هار الجرف يهور، إذا انصدع من خلفه، وهو ثابت بعد في مكانه، وهو جرف هار هائر، فإذا سقط فقد انهار وتهور.
إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول: المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء، وهو الباطل؟
والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فلكونه ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم، كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم، ولا نرى في العالم مثالاً أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال!
وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر، فكان البناء الأول شريفاً واجب الإبقاء، وكان الثاني خسيساً واجب الهدم.
ثم قال تعالى: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والمعنى: أن بناء ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سبباً للريبة.
وفي كونه سبباً للريبة وجوه: الأول: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار، فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته.
الثاني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم؟
الثالث: أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه؟
الرابع: بقوا شاكين مرتابين في أن الله تعالى هل يغفر تلك المعصية؟
أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد، والصحيح هو الوجه الأول.
ثم قال: ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة ﴿ أَن تَقَطَّعَ ﴾ بفتح التاء والطاء مشددة بمعنى تتقطع، فحذفت إحدى التاءين، والباقون بضم التاء وتشديد الطاء على ما لم يسم فاعله، وعن ابن كثير ﴿ تُقَطَّعَ ﴾ بفتح الطاء وتسكين القاف ﴿ قُلُوبِهِمْ ﴾ بالنصب أي تفعل أنت بقلوبهم هذا القطع، وقوله: ﴿ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي تجعل قلوبهم قطعاً، وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالحزن والبكاء، فحينئذ تزول تلك الريبة.
والمقصود أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبداً ويموتون على هذا النفاق.
وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
وقيل حتى تنشق قلوبهم غماً وحسرة، وقرأ الحسن ﴿ إلى أَن ﴾ وفي قراءة عبد الله ﴿ وَلَوْ قُطّعَتْ قُلُوبِهِمْ ﴾ وعن طلحة ﴿ وَلَوْ قُطّعَتْ قُلُوبِهِمْ ﴾ على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل مخاطب.
ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ والمعنى: عليم بأحوالهم، حكيم في الأحكام التي يحكم بها عليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رِيبَةً ﴾ شكاً في الدين ونفاقاً، وكان القوم منافقين، وإنما حملهم على بناء ذلك المسجد كفرهم ونفاقهم كما قال عزّ وجلّ: ﴿ ضِرَارًا وَكُفْرًا ﴾ [التوبة: 107] فلما هدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ازدادوا- لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم- تصميماً على النفاق ومقتاً للإسلام، فمعنى قوله: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ لا يزال هدمه سبب شكّ، ونفاق زائد على شكّهم ونفاقهم لا يزول وسمه عن قلوبهم ولا يضمحلّ أثره ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ قطعاً وتفرّق أجزاء، فحينئذٍ يسلون عنه.
وأمّا ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة، فيجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها.
ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.
وقرئ: ﴿ يقطع ﴾ ، بالياء.
و ﴿ تقطع ﴾ بالتخفيف.
و ﴿ تَقطع ﴾ بفتح التاء بمعنى تتقطع.
وتقطع قلوبهم، على أن الخطاب للرسول أي إلاّ أن تقطع أنت قلوبهم بقتلهم.
وقرأ الحسن: إلى أن، وفي قراءة عبد الله: ﴿ ولو قطعت قلوبهم ﴾ .
وعن طلحة: ولو قطعت قلوبهم على خطاب الرسول أو كل مخاطب.
وقيل: معناه إلاّ أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا ﴾ بِناؤُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ ولَيْسَ بِجَمْعٍ ولِذَلِكَ قَدْ تَدْخُلُهُ التّاءُ ووُصِفَ بِالمُفْرِدِ وأُخْبِرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ شَكًّا ونِفاقًا، والمَعْنى أنَّ بِناءَهم هَذا لا يَزالُ سَبَبَ شَكِّهِمْ وتَزايُدَ نِفاقِهِمْ فَإنَّهُ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ ثُمَّ لَمّا هَدَمَهُ الرَّسُولُ رَسَخَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ وازْدادَ بِحَيْثُ لا يَزُولُ وسْمُهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
﴿ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ قِطَعًا بِحَيْثُ لا يَبْقى لَها قابِلِيَّةُ الإدْراكِ والإضْمارِ وهو في غايَةِ المُبالَغَةِ والِاسْتِثْناءِ.
مِن أعَمِّ الأزْمِنَةِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالتَّقَطُّعِ ما هو كائِنٌ بِالقَتْلِ أوْ في القَبْرِ أوْ في النّارِ.
وقِيلَ التَّقَطُّعُ بِالتَّوْبَةِ نَدَمًا وأسَفًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ « إلى» بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ وتَقَطَّعَ بِمَعْنى تَتَقَطَّعُ وهو قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ.
وقُرِئَ « يَقْطَعُ» بِالياءِ و « تُقْطَعَ» بِالتَّخْفِيفِ و « تَقَطَّعَ قُلُوبُهم» عَلى خِطابِ الرَّسُولِ، أوْ كُلِّ مُخاطَبٍ ولَوْ قُطِّعَتْ ولَوْ قُطِّعَتْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما أمَرَ بِهَدْمِ بُنْيانِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ} لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم علمهم {إلا أن تقطع قلوبهم} شامى وحمزة
التوبة (١١٠ _ ١١٢)
وحفص اي تنقطع غيرهم تُقطّع أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعاً وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة عنها ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم {والله عَلِيمٌ} بعزائمهم {حَكِيمٌ} في جزاء جرائمهم
﴿ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا ﴾ أيْ بِناؤُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ فالبُنْيانُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ كَما مَرَّ، ووَصَّفَهُ بِالمُفْرِدِ مِمّا يَرِدُ عَلى مُدَّعِي الجَمْعِيَّةِ وكَذا الإخْبارُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ ﴾ واحْتِمالُ تَقْدِيرِ مُضافٍ وجَعْلُ الصِّفَةِ وكَذا الخَبَرِ لَهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
نَعَمْ قِيلَ: الإخْبارُ بِرِيبَةٍ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى عَدَمِ الجَمْعِيَّةِ لِأنَّهُ يُقالُ: الحِيطانُ مُنْهَدِمَةٌ والجِبالُ راسِيَةٌ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ البُنْيانِ باقِيًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ و ﴿ الَّذِي ﴾ مَفْعُولُهُ والرِّيبَةُ اسْمٌ مِنَ الرَّيْبِ بِمَعْنى الشَّكِّ وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمُرادُ بِهِ شَكُّهم في نُبُوَّتِهِ المُضْمَرُ في قُلُوبِهِمْ وهو عَيْنُ النِّفاقِ وجَعَلَ بُنْيانَهم نَفْسَ الرِّيبَةِ لِلْمُبالَغَةِ في كَوْنِهِ سَبَبًا لَها قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وُجُوهٌ أحَدُها أنَّ المُنافِقِينَ عَظُمَ فَرَحُهم بِبُنْيانِهِ فَلَمّا أمَرَ بِتَخْرِيبِهِ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ وازْدادَ غَيْظُهم وارْتِيابُهم في نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وثانِيها أنَّهُ لَمّا أمَرَ بِتَخْرِيبِهِ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لِلْحَسَدِ فارْتَفَعَ أمانُهم عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَظُمَ خَوْفُهم فارْتابُوا في أنَّهم هَلْ يُتْرَكُونَ عَلى حالِهِمْ أوْ يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِ أمْوالِهِمْ.
وثالِثُها أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهم كانُوا مُحْسِنِينَ في البِناءِ فَلَمّا أُمِرَ بِتَخْرِيبِهِ بَقُوا شاكِّينَ مُرْتابِينَ في أنَّهُ لِأيِّ سَبَبٍ أُمِرَ بِذَلِكَ والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ ويُمْكِنُ كَما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنْ يُرَجَّحَ الثّانِي بِأنْ تُحْمَلَ الرِّيبَةُ عَلى أصْلِ مَوْضُوعِها ويُرادُ مِنها قَلَقُ النَّفْسِ واضْطِرابُها وحاصِلُ المَعْنى لا يَزالُ هَدْمَ بُنْيانِهِمُ الَّذِي بَنَوْا سَبَبًا لِلْقَلَقِ والِاضْطِرابِ والوَجَلِ في القُلُوبِ ووَصَفَ بُنْيانَهم بِما وصَفَ لِلْإيذانِ بِكَيْفِيَّةِ بِنائِهِمْ لَهُ وتَأْسِيسِهِ عَلى ما عَلَيْهِ تَأْسِيسُهُ مِمّا عَلِمْتَ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وقِيلَ: وُصِفَ بِذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالبُنْيانِ ما هو المَبْنِيُّ حَقِيقَةً لا ما دَبَّرُوهُ مِنَ الأُمُورِ فَإنَّ البَنّاءَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى تَدْبِيرِ الأمْرِ وتَقْدِيرِهِ كَما في قَوْلِهِمْ: كَمْ أبْنِي وتَهْدِمُ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَتى يَبْلُغُ البُنْيانُ يَوْمًا تَمامَهُ إذا كُنْتَ تَبْنِيهِ وغَيْرُكَ يَهْدِمُ وحاصِلُهُ أنَّ الوَصْفَ لِلتَّأْكِيدِ وفائِدَتُهُ دَفْعُ المَجازِ وهَذا نَظِيرُ ما قالُوا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ الأحْوالِ وما بَعْدُ إلّا في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ لا يَزالُ بُنْيانُهم رِيبَةً في كُلِّ وقْتٍ إلّا وقْتَ تَقَطُّعِ قُلُوبِهِمْ أوْ في كُلِّ حالٍ إلّا حالَ تَقَطُّعِها أيْ تَفَرُّقِها وخُرُوجِها عَنْ قابِلِيَّةِ الإدْراكِ وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ الرِّيبَةِ في قُلُوبِهِمُ الَّتِي هي مَحَلُّ الإدْراكِ وإضْمارِ الشِّرْكِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ مِنها ما دامُوا أحْياءً إلّا إذا تَقَطَّعَتْ وفُرِّقَتْ وحِينَئِذٍ تَخْرُجُ مِنها الرِّيبَةُ وتَزُولُ، وهو خارِجٌ مَخْرَجَ التَّصْوِيرِ والفَرْضِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّقَطُّعِ ما هو كائِنٌ بِالمَوْتِ مِن تَفَرُّقِ أجْزاءِ البَدَنِ حَقِيقَةً ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أيُّوبَ قالَ: كانَ عِكْرِمَةُ يَقْرَأُ: (إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم في القُبُورِ) وقِيلَ: المُرادُ إلّا أنْ يَتُوبُوا ويَنْدَمُوا نَدامَةً عَظِيمَةً تُفَتِّتُ قُلُوبَهم وأكْبادَهم فالتَّقَطُّعُ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنْ شِدَّةِ الأسَفِ.
ورَوى ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ، وتَقَطَّعُ مِنَ التَّفَعُّلِ بِإحْدى التّاءَيْنِ والبِناءُ لِلْفاعِلِ أيْ تَتَقَطَّعُ وقُرِئَ (تُقَطَّعَ) عَلى بِناءِ المَجْهُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ وعَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِنهُ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ إلّا أنْ تَقْطَعَ أنْتَ قُلُوبَهم بِالقَتْلِ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الثُّلاثِيِّ مُذَكَّرًا ومُؤَنَّثًا وقَرَأ الحَسَنُ (إلى أنْ تَقْطَعَ) عَلى الخِطابِ وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ مَجْهُولًا إلى قُلُوبِهِمْ، وعَنْ طَلْحَةَ ولَوْ قَطَّعْتَ قُلُوبَهم عَلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَصِحُّ أنْ يُعْنى بِالخِطابِ كُلُّ مُخاطَبٍ، وكَذا يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُ تَقَطَّعَ مَعَ نَصْبِ قُلُوبِهِمْ لِلرِّيبَةِ واللَّهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِمْ ﴿حَكِيمٌ 110﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُهُ سُبْحانَهُ الوارِدُ في حَقِّهِمْ * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مَن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مَن الصّالِحِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى وصْفِ المَغْرُورِينَ الَّذِينَ ما ذاقُوا طَعْمَ المَحَبَّةِ ولا هَبَّ عَلَيْهِمْ نَسِيمُ العِرْفانِ ومِن هُنا صَحَّحُوا لِأنْفُسِهِمْ أفْعالًا فَقالُوا: لَنَصَّدَّقَنَّ ﴿ فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ﴾ أيْ أنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ لِما ظَهَرَ لَهم ما سَألُوهُ والبُخْلُ كَما قالَ أبُو حَفْصٍ: تَرْكُ الإيثارِ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ﴾ وهو ما لا يَعْلَمُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ ﴿ ونَجْواهُمْ ﴾ أيْ ما يَعْلَمُونَهُ مِنها دُونَ النّاسِ، وقِيلَ: السِّرُّ ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا عالِمُ الأسْرارِ والنَّجْوى ما يُطْلِعُ عَلَيْهِ الحَفَظَةَ ﴿ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا ﴾ أرادُوا التَّثْبِيطَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ بَعْضِ شَدائِدِ الغَزْوِ وما دَرَوُا أنَّ المُحِبَّ يَسْتَعْذِبُ المُرَّ في طَلَبِ وِصالِ مَحْبُوبِهِ ويَرى الحَزَنَ سَهْلًا والشَّدائِدَ لَذائِذَ في ذَلِكَ ولا خَيْرَ فِيمَن عاقَهُ الحَرُّ والبَرْدُ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم آثَرُوا بِمُخالَفَتِهِمُ النّارَ الَّتِي هي أشَدُّ حَرًّا ويُشَبِّهُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ في هَذا التَّثْبِيطِ أهْلَ البِطالَةِ الَّذِينَ يُثَبِّطُونَ السّالِكِينَ عَنِ السُّلُوكِ بِبَيانِ شَدائِدِ السُّلُوكِ وفَواتِ اللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ ﴾ فَأفْنَوْا كُلَّ ذَلِكَ في طَلَبِ مَوْلاهم جَلَّ جَلالُهُ ﴿ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ ﴾ المُشاهَداتُ والمُكاشَفاتُ والقُرُباتُ ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِالبُغْيَةِ.
﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ﴾ أيِ الَّذِينَ أضْعَفَهم حَمْلُ المَحَبَّةِ ﴿ ولا عَلى المَرْضى ﴾ بِداءِ الصَّبابَةِ حَتّى ذابَتْ أجْسامُهم بِحَرارَةِ الكُفْرِ وشَدائِدِ الرِّياضَةِ ﴿ ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ﴾ وهُمُ المُتَجَرِّدُونَ مِنَ الأكْوانِ ﴿ حَرَجٌ ﴾ إثْمٌ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ الأصْغَرِ ﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ بِأنْ أرْشَدُوا الخَلْقَ إلى الحَقِّ ﴿ ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ﴾ غَرامَةً وخُسْرانًا قِيلَ: كُلُّ مَن يَرى المِلْكَ لِنَفْسِهِ يَكُونُ ما يُنْفِقُ غَرامَةً عِنْدَهُ وكُلُّ مَن يَرى الأشْياءَ لِلَّهِ تَعالى وهي عارِيَّةٌ عِنْدَهُ يَكُونُ ما يُنْفِقُ غُنْمًا عِنْدَهُ ﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ ﴾ أيِ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الوَحْدَةِ مِن أهْلِ الصِّنْفِ الأوَّلِ ﴿ مِنَ المُهاجِرِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ هَجَرُوا مَواطِنَ النَّفْسِ و(الأنْصارِ) وهُمُ الَّذِينَ نَصَرُوا القَلْبَ بِالعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى النَّفْسِ ﴿ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ ﴾ في الِاتِّصافِ بِصِفاتِ الحَقِّ ﴿ بِإحْسانٍ ﴾ أيْ بِمُشاهَدَةٍ مِن مُشاهَداتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بِما أعْطاهم مِن غايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ ﴿ ورَضُوا عَنْهُ ﴾ بِقَبُولِ ما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ ومُهَجِهِمْ في سَبِيلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ ﴾ مِن جَنّاتِ الأفْعالِ والصِّفاتِ ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ وهي أنْهارُ عُلُومِ التَّوَكُّلِ والرِّضا ونَحْوِهِما ووَراءَ هَذِهِ الجَنّاتِ المُشْتَرِكَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ جَنَّةُ الذّاتِ وهي مُخْتَصَّةٌ بِالسّابِقِينَ ﴿ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ تَرْسَخْ فِيهِمْ مَلَكَةُ الذَّنْبِ وبَقِيَ مِنهم فِيهِمْ نُورُ الِاسْتِعْدادِ ولِهَذا لانَتْ شَكِيمَتُهم واعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ورَأوْا قُبْحَها وأمّا مَن رَسَخَتْ فِيهِ مَلَكَةُ الذَّنْبِ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الظُّلْمَةُ فَلا يَرى ما يَفْعَلُ مِنَ القَبائِحِ إلّا حَسَنًا ﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ حَيْثُ كانُوا في رُتْبَةِ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ الَّتِي لَمْ يَصِرِ اتِّصالُها بِالقَلْبِ وتَنُّورُها بِنُورِهِ مَلَكَةً لَها ولِهَذا تَنْقادُ لَهُ تارَةً وتَعْمَلُ أعْمالًا صالِحَةً وذَلِكَ إذا اسْتَوْلى القَلْبُ عَلَيْها وتَنْفِرُ عَنْهُ أُخْرى وتَفْعَلُ أفْعالًا سَيِّئَةً إذا احْتَجَبَتْ عَنْهُ بِظُلْمَتِها وهي دائِمًا بَيْنَ هَذا وذاكَ حَتّى يَقْوى اتِّصالُها بِالقَلْبِ ويَصِيرَ ذَلِكَ مَلَكَةً لَها وحِينَئِذٍ يَصْلُحُ أمْرُها وتَنْجُو مِنَ المُخالَفاتِ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وقَدْ تَتَراكَمُ عَلَيْها الهَيْئاتُ المُظْلِمَةُ فَتَرْجِعُ القَهْقَرى ويَزُولُ اسْتِعْدادُها وتُحْجَبُ عَنْ أنْوارِ القَلْبِ وتَهْوِي إلى سِجِّينِ الطَّبِيعَةِ فَتَهْلِكُ مَعَ الهالِكِينَ، وتَرَجُّحُ أحَدِ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ يَكُونُ بِالصُّحْبَةِ فَإنْ أدْرَكَها التَّوْفِيقُ صَحِبَتِ الصّالِحِينَ فَتَحَلَّتْ بِأخْلاقِهِمْ وعَمِلَتْ أعْمالَهم فَكانَتْ مِنهُمْ، وإنْ لَحِقَها الخِذْلانُ صَحِبَتِ المُفْسِدِينَ واخْتَلَطَتْ بِهِمْ فَتَدَنَّسَتْ بِخِلالِهِمْ وفَعَلَتْ أفاعِيلَهم فَصارَتْ مِنَ الخاسِرِينَ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: عَلَيْكَ بِأرْبابِ الصُّدُورِ فَمَن غَدا مُضافًا لِأرْبابِ الصُّدُورِ تَصَدَّرا وإيّاكَ أنْ تَرْضى صَحابَةَ ناقِصٍ ∗∗∗ فَتَنْحَطَّ قَدْرًا عَنْ عُلاكَ وتَحْقُرا فَرَفَعَ أبُو مِن ثَمَّ خَفْضٌ مُزَّمَّلٌ ∗∗∗ يُبَيِّنُ قَوْلِي مُغْرِيًا ومُحَذِّرًا وقَدْ يَكُونُ تَرَجُّحُ جانِبِ الِاتِّصالِ بِأسْبابٍ أُخَرَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ لِأنَّ المالَ مادَّةُ الشَّهَواتِ فَأمَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالأخْذِ مِن ذَلِكَ لِيَكُونَ أوَّلُ حالِهِمُ التَّجَرُّدَ لِتَنْكَسِرَ قُوى النَّفْسِ وتَضْعُفَ أهْواؤُها وصِفاتُها فَتَتَزَكّى مِنَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ وتَتَطَهَّرَ مِن خَبَثِ الذُّنُوبِ ورِجْسِ دَواعِي الشَّيْطانِ ﴿ وصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ بِإمْدادِ الهِمَّةِ وإفاضَةِ أنْوارِ الصُّحْبَةِ ﴿ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ أيْ سَبَبٌ لِنُزُولِ السَّكِينَةِ فِيهِمْ، وفَسَّرُوا السَّكِينَةَ بِنُورٍ يَسْتَقِرُّ في القَلْبِ وبِهِ يَثْبُتُ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ ويَتَخَلَّصُ عَنِ الطَّيْشِ ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ تَتَأثَّرُ فِيهِ بِصَفاءِ الوَقْتِ وطِيبِ الحالِ وذَوْقِ الوِجْدانِ بِخِلافِ ما إذا كانَ مَبْنِيًّا عَلى ضِدِّ ذَلِكَ فَإنَّها تَتَأثَّرُ فِيهِ بِالكُدُورَةِ والتَّفْرِقَةِ والقَبْضِ وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ عالَمَ المُلْكِ تَحْتَ قَهْرِ عالَمِ المَلَكُوتِ وتَسْخِيرِهِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِنِيّاتِ النُّفُوسِ وهَيْئَتِها تَأْثِيرٌ فِيما تُباشِرُهُ مِنَ الأعْمالِ، ألا تَرى الكَعْبَةَ كَيْفَ شَرُفَتْ وعَظُمَتْ وجُعِلَتْ مَحَلًّا لِلتَّبَرُّكِ لِما أنَّها كانَتْ مَبْنِيَّةً بِيَدِ خَلِيلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ ونَفْسٍ شَرِيفَةٍ، ونَحْنُ نَجِدُ أيْضًا أثَرَ الصَّفاءِ والجَمْعِيَّةِ في بَعْضِ المَواضِعِ والبِقاعِ وضِدَّ ذَلِكَ في بَعْضِها، ولَسْتُ أعْنِي إلّا وُجُودَ ذَوِي النُّفُوسِ الحَسّاسَةِ الصّافِيَةِ لِذَلِكَ وإلّا فالنُّفُوسُ الخَبِيثَةُ تَجِدُ الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما تَجِدُهُ أرْبابُ تِلْكَ النُّفُوسِ، والصَّفْراوِيُّ يَجِدُ السُّكَّرَ مُرًّا، والجُعْلُ يَسْتَخْبِثُ رائِحَةَ الوَرْدِ: ومِن هُنا كانَ المُنافِقُ في المَسْجِدِ كالسَّمَكِ في اليُبْسِ والمُخْلِصُ فِيهِ كالسَّمَكَةِ في الماءِ ﴿ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ أيْ أهْلُ إرادَةٍ وسَعْيٍ في التَّطَهُّرِ عَنِ الذُّنُوبِ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ صُحْبَةَ الصّالِحِينَ لَها أثَرٌ عَظِيمٌ، ويَتَحَصَّلُ مِن هَذا وما قَبْلَهُ الإشارَةُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي رِعايَةُ المَكانِ والإخْوانِ في حُصُولِ الجَمْعِيَّةِ وجاءَ عَنِ القَوْمِ أنَّهُ يَجِبُ مُراعاةُ ذَلِكَ مَعَ مُراعاةِ الزَّمانِ في حُصُولٍ ما ذُكِرَ ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ ولَوْ مَحَبَّتُهُ إيّاهم لَما أحَبُّوا ذَلِكَ.
وعَنْ سَهْلٍ الطَّهارَةُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: طَهارَةُ العِلْمِ مِنَ الجَهْلِ، وطَهارَةُ الذِّكْرِ مِنَ النِّسْيانِ، وطَهارَةُ الطّاعَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ وقالَ بَعْضِهِمْ: الطَّهارَةُ عَلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ: فَطَهارَةُ الإسْرارِ مِنَ الخَطَراتِ، وطَهارَةُ الأرْواحِ مِنَ الغَفَلاتِ، وطَهارَةُ القُلُوبِ مِنَ الشَّهَواتِ، وطَهارَةُ العُقُولِ مِنَ الجَهالاتِ، وطَهارَةُ النُّفُوسِ مِنَ الكُفْرِيّاتِ، وطَهارَةُ الأبْدانِ مِنَ الزَّلّاتِ وقالَ آخَرُ: الطِّهارَةُ الكامِلَةُ طَهارَةُ الإسْرارِ مِن دَنَسِ الأغْيارِ واللَّهُ تَعالى هو الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ، يعني: أصَّل بنيانه يعني: مسجد قباء وقيل: مسجد رسول الله عَلى تَقْوى، يعني: على توحيد الله تعالى، وَرِضْوانٍ من الله.
قرأ نافع وابن عامر أَفَمَنْ أَسَّسَ بضم الألف وكسر السين بُنْيانَهُ بضم النون على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون أَسَّسَ بنصب الألف وبُنْيانَهُ بنصب النون ومعنى الآية: إن البناء الذي يراد به الخير ورضاء الرب تبارك وتعالى خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ، يعني: مسجد الضرار الذي أَسَّسَ بُنْيانَهُ يعني: أصَّل بنيانه عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، يعني: على طرف هوة ليس له أصل.
قرأ حمزة وابن عامر وأبي بكر، عن عاصم عَلى شَفا جُرُفٍ بجزم الراء، والباقون بالضم ومعناهما واحد.
وقال القتبي: يعني: على حرف جرف هائر.
والجرف: ما ينجرف بالسيول من الأودية.
والهائر: الساقط.
يقال: تهور البناء وانهار وهار، إذا سقط.
وهذا على سبيل المثل، يعني: إن الذي بنى المسجد، إنّما بنى على جرف جهنم، فانهار بأهله في نار جهنم.
وقال الكلبي: بعث رسول الله رجلين بعد رجوعه من غزوة تبوك، فأحرقاه وهدماه.
ثم قال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يعني: لا يرشدهم إلى دينه، وهم: الذين كفروا في السر.
قوله تعالى: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ، يعني: حسرة وندامة بما أنفقوا فيه، وبما ظهر من أمرهم ونفاقهم.
إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ، يعني: لا يزال حسرة في قلوبهم إلى أن يموتوا، لأنهم إذا ماتوا انقطعت قلوبهم.
ويقال: إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ يعني: في القبر.
قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ بالنصب فيكون الفعل للقلوب، يعني: إلاَّ أنْ تَتَقَطعَ قلوبهم وتتفرق، والباقون بالرفع على فعل ما لم يسم فاعله وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ بهدم مسجدهم.
<div class="verse-tafsir"
فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء: المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها: أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله سبحانه: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: معناه: ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا قال ابنُ زَيْدٍ: يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين «١» ، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قال الزَّجَّاج «٢» : معناه: ويقبل الصدقات «٣» ، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية منها حديثُ أبي هريرة: «إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» «٤» ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد.
وقوله: عَنْ عِبادِهِ: هي بمعنى «من» .
وقوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ...
الآية: هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ.
وقال الطبري «١» : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا.
قال ع «٢» : والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير أَلَمْ يَعْلَمُوا، ومعنى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، أي: موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ.
وقال ابنُ العرَبِيِّ «٣» في «أحكامه» : قوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٩٤] فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها: التهديد وذلك لأن/ النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: عَطْفٌ على قوله أولاً: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا: ومعنى الإِرجاء: التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ: الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه «٤» على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل: إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا: يكون الَّذِينَ اتَّخَذُوا بإسقاط واو العطف بدلاً من آخَرُونَ، أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم «٥» وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قطر إلّا ب «المدينة» :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا- بإسقاط الواو- على أنه مبتدأ، والخبر: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ وأما الجماعة المرادة ب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً، فهم منافقو بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عوف، وأسند الطبريُّ «١» ، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال: أقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ- بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار- وكان أصحاب مسجد الضّرار، قد أتوه صلّى الله عليه وسلّم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّهِ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال: «إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ» ، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شأن مسجد الضّرار، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ: «انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاهُ» فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ «٢» ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلّى الله عليه وسلّم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطاً لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها: لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ: واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فحزّب على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب «مكة» مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة» ، هَرَبَ إِلى «الطائف» ، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجداً، مقاومةً لمسجد «قُبَاء» ، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من «المدينة» ، فبَنُوهُ وقالوا: سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ: سيأتي أبو عامر، وقوله: ضِراراً أي: داعيةً للتضارر من/ جماعتين.
وقوله: تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريدُ: تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء» ، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل: أراد بقوله: بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ جماعة مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروي: أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزلَتْ: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها.
وقوله: لَمَسْجِدٌ: قيل: إن اللام لام قسمٍ، وقيل: هي لام ابتداء، كما تقول:
لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب «مسجد أسس على التقوى» : مسجد «قباء» «١» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثاني مرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي «٣» في «أحكامِه» : وقَدْ رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ أن المراد ب «مسجد أُسس على التقوى» : مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى: وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء» ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» .
قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم «٤» انتهى.
ومعنى: أَنْ تَقُومَ فِيهِ: أي: بصلاتك وعبادتك.
وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا اختلف في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو على مسجد «قُبَاءَ» ؟
روي أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ» «١» .
والبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ: هو مسجدُ الضِّرار بإِجماع، و «الشّفا» :
الحاشية والشّفير، وهارٍ: معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من: هَارَ يَهُورُ «٢» البخاريُّ: هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله.
انتهى.
وتأسيسُ البناء علَى تقوى إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه كما صنع في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي مسجدِ «قُبَاء» ، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ.
وقوله سبحانه: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ: الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج «٣» ، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره أنه قال: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «٤» ، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلّى الله عليه وسلّم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ/ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ: رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان «٥» وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جريج «٦» : أسنده الطبري.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ الضِّرارِ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: شَكًّا ونِفاقًا، لِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في بِنائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: حَسْرَةٌ ونَدامَةٌ، لِأنَّهم نَدِمُوا عَلى بِنائِهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا يَزالُ هَدْمُ بُنْيانِهِمْ حَزازَةً وغَيْظًا في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "إلّا" وهو حَرْفُ اسْتِثْناءٍ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ "إلى أنْ" فَجَعَلَهُ حَرْفَ جَرٍّ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تُقَطَّعَ" بِضَمِّ التّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "تَقْطَّعَ" بِفَتْحِ التّاءِ ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلّا أنْ يَمُوتُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهَ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهَ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ الضَمِيرُ في بُنْيانُهُمُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ البانِينَ لِلْمَسْجِدِ ومَن شارَكَهم في غَرَضِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي بَنَوْا ﴾ تَأْكِيدٌ وتَصْرِيحٌ بِأمْرِ المَسْجِدِ ورَفْعٌ لِلْإشْكالِ، والرِيبَةُ: الشَكُّ، وقَدْ يُسَمّى رِيبَةً فَسادُ المُعْتَقَدِ واضْطِرابُهُ والِاعْتِراضُ في الشَيْءِ والتَخَبُّطُ فِيهِ والحَزازَةُ مِن أجْلِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَكًّا، فَقَدْ يَرْتابُ مَن لا يَشُكُّ، ولَكِنَّها في مُعْتادِ اللُغَةِ تَجْرِي مَعَ الشَكِّ، ومَعْنى الرِيبَةِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- أمْرٌ يَعُمُّ الغَيْظَ والحَنَقَ ويَعُمُّ اعْتِقادَ صَوابِ فِعْلِهِمْ ونَحْوَ هَذا مِمّا يُؤَدِّي كُلُّهُ إلى الرِيبَةِ في الإسْلامِ، فَمَقْصِدُ الكَلامِ: لا يَزالُ هَذا البُنْيانُ الَّذِي هُدِمَ لَهم يُبْقِي في قُلُوبِهِمْ حَزازَةً وأثَرَ سُوءٍ وبِالشَكِّ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الرِيبَةَ هُنا، وفَسَّرَها السُدِّيُّ بِالكُفْرِ، وقِيلَ لَهُ: أفَكَفَرَ مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ؟
قالَ: لا ولَكِنَّها حَزازَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَجْمَعُ رَحِمَهُ اللهُ قَدْ أقْسَمَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ ما عَلِمَ باطِنَ القَوْمِ ولا قَصَدَ سُوءًا، والآيَةُ إنَّما عَنَتْ مَن أبْطَنَ سُوءًا، فَلَيْسَ مَجْمَعٌ مِنهم.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَزالُونَ مُرِيبِينَ بِسَبَبِ بِنائِهِمُ الَّذِي اتَّضَحَ فِيهِ نِفاقُهُمْ، وجُمْلَةُ هَذا أنَّ الرِيبَةَ في الآيَةِ تَعُمُّ مَعانِيَ كَثِيرَةً يَأْخُذُ كُلُّ مُنافِقٍ مِنها بِحَسَبِ قَدْرِهِ مِنَ النِفاقِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" بِضَمِّ التاءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ-: "إلّا أنْ تَقَطَّعَ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: "إلى أنْ تَقَطَّعَ" عَلى مَعْنى: إلى أنْ يَمُوتُوا، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إلى أنْ تَقْطَعَ"، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ "إلّا أنْ يُقْطِعَ" بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الطاءِ ونَصْبِ القُلُوبِ، أيْ: بِالقَتْلِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقِيلَ: بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: بِالتَوْبَةِ، ولَيْسَ هَذا بِالظاهِرِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ: أو يَتُوبُوا تَوْبَةً نَصُوحًا يَكُونُ مَعَها مِنَ النَدَمِ والحَسْرَةِ عَلى الذَنْبِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ هَمًّا وفِكْرَةً، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ"، وكَذَلِكَ قَرَأها أصْحابُهُ وحَكاها أبُو عَمْرٍو: "وَإنْ قُطِعَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "حَتّى المَماتِ"، وفِيهِ "تُقْطَعُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْعَةِ الثالِثَةِ وهي بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، وهي الَّتِي أنافَ فِيها رِجالُ الأنْصارِ عَلى السَبْعِينَ، وكانَ أصْغَرُهم سِنًّا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، وذَلِكَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ عِنْدَ العَقَبَةِ فَقالُوا: اشْتَرِطْ لَكَ ولِرَبِّكَ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ، فاشْتَرَطَ رَسُولُ اللهِ حِمايَتَهُ مِمّا يَحْمُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ، واشْتَرَطَ لِرَبِّهِ التِزامَ الشَرِيعَةِ وقِتالَ الأحْمَرِ والأسْوَدِ في الدَفْعِ عَنِ الحَوْزَةِ، فَقالُوا: ما لَنا عَلى ذَلِكَ؟
قالَ: الجَنَّةُ، فَقالُوا: نَعَمْ، رَبِحَ البَيْعُ لا نُقِيلُ ولا نُقالَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
ثُمَّ الآيَةُ -بَعْدَ ذَلِكَ- عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولِلَّهِ في عُنُقِهِ هَذِهِ البَيْعَةُ وفى بِها أو لَمْ يَفِ، وفي الحَدِيثِ: « "أنْ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرٌّ حَتّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَلا بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ"،» وهَذا تَمْثِيلٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ جَمِيلٌ صُنْعُهُ بِالمُبايَعَةِ، وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المُبايَعَةِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ نَفْسَيْنِ بِقَصْدٍ مِنهُما وتَمَلُّكٍ صَحِيحٍ، وهَذِهِ القِصَّةُ وَهَبَ اللهُ عِبادَهُ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِبَذْلِها في ذاتِهِ، ووَعَدَهم عَلى ذَلِكَ ما هو خَيْرٌ مِنها، فَهَذا غايَةُ التَفَضُّلِ، ثُمَّ شَبَّهَ القِصَّةَ بِالمُبايَعَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا: ثامَنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عِبادَهُ فَأعْلى لَهُمْ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنى الآيَةِ: اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم ألّا يُعْمِلُوها إلّا في طاعَةِ اللهِ، وأمْوالَهم ألّا يُنْفِقُوها إلّا في سَبِيلِ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- أعَمُّ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ، ومُبايَعَةُ الخُلَفاءِ هي مُنْتَزَعَةٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
كانَ الناسُ يُعْطُونَ الخُلَفاءَ طاعَتَهم ونَصائِحَهم وجِدَّهُمْ، ويُعْطِيهِمُ الخُلَفاءُ عَدْلَهم ونَظَرَهم والقِيامَ بِأُمُورِهِمْ.
وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ: ناهِيكَ مِن صَفْقَةٍ البائِعُ فِيها رَبُّ العُلا، والثَمَنُ جَنَّةُ المَأْوى، والواسِطَةُ مُحَمَّدٌ المُصْطَفى .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ ﴾ مَقْطُوعٌ ومُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وأمّا عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الشِراءَ والبَيْعَ إنَّما هو مَعَ المُجاهِدِينَ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وغَيْرُهُمْ: "فَيَقْتُلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، "وَيُقْتَلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَعْنى واحِدٌ إذِ الغَرَضُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ فَيُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَقْتُلُ وفِيهِمْ مَن يُقْتَلُ، وفِيهِمْ مَن يَجْتَمِعانِ لَهُ، وفِيهِمْ مَن لا تَقَعُ لَهُ واحِدَةٌ مِنهُما، ولَيْسَ الغَرَضُ أنْ يَجْتَمِعَ ولا بُدَّ لِكُلٍّ واحِدٍ واحِدٌ، وإذا اعْتُبِرَ هَذا بانَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ هو في مَعْنى الوَعْدِ فَجاءَ هو مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ .
وقالَ المُفَسِّرُونَ: يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ﴾ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُمِرَتْ بِالجِهادِ ووُعِدَتْ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنَّ مِيعادَ أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الكُتُبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، أيْ: لا أحَدَ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاسْتَبْشِرُوا ﴾ فِعْلٌ جاءَ فِيهِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، ولَيْسَ هَذا مِن مَعْنى طَلَبِ الشَيْءِ، كَما تَقُولُ: اسْتَوْقَدَ نارًا، واسْتَهْدى مالًا، واسْتَدْعى نَصْرًا، بَلْ هو كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَلِكَ البَيْعَ بِأنَّهُ ﴿ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ، أيْ أنَّهُ الحُصُولُ عَلى الحَظِّ الأغْبَطِ مِن حَطِّ الذُنُوبِ ودُخُولِ الجَنَّةِ بِلا حِسابٍ.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ لا يزال بنيانهم ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة لتعدَاد مساوي مسجد الضرار بذكر سوءِ عواقبه بعد أن ذكرَ سوء الباعثثِ عليه وبعد أن ذكر سوء وقعه في الإسلام بأن نهى الله رسوله عن الصلاة فيه وأمرَه بهدمه، لأنه لما نهاه عن الصلاة فيه فقد صار المسلمون كلهم منهيين عن الصلاة فيه، فسلب عنه حكم المساجد، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه.
ويرجح هذا الوجه أنه لم يؤت بضمير المسجد أو البنيان بل جيء باسمه الظاهر.
ويجوز أن تكون خبراً ثانياً عن ﴿ الذين اتخذوا مسجداً ضراراً ﴾ [التوبة: 107] كأنه قيل: لا تقم فيه ولا يزال ريبةً في قلوبهم، ويكون إظهار لفظ ﴿ بنيانهم ﴾ لزيادة إيضاحه.
والرابط هو ضمير ﴿ قلوبهم ﴾ .
والمعنى أن ذلك المسجد لما بنوه لغرض فاسد فقد جعلهُ اللّهُ سبباً لبقاء النفاق في قلوبهم ما دامت قلوبهم في أجسادهم.
وجَعل البنيان ريبةً مبالغة كالوصف بالمصدر.
والمعنى أنه سبب للريبة في قلوبهم.
والريبة: الشك، فإن النفاق شك في الدين، لأن أصحابه يترددون بين موالاة المسلمين والإخلاص للكافرين.
وقوله: ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ استثناء تهكمي.
وهو من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه ضده كقوله تعالى: ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَم الخياط ﴾ [الأعراف: 40]، أي يبقى ريبة أبداً إلا أن تقطع قلوبهم منهم وما هي بمُقطعة.
وجملة: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ تذييل مناسب لهذا الجعل العجيب والإحكام الرشيق.
وهو أن يكون ذلك البناء سببَ حسرة عليهم في الدنيا والآخرة.
وقرأ الجمهور ﴿ تُقطع ﴾ بضم التاء.
وقرأه ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب ﴿ تَقطَّعَ ﴾ بفتح التاء على أن أصله تتقطع.
وقرأ يعقوب ﴿ إلى أن تقطع ﴾ بحرف (إلى) التي للانتهاء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ والألِفُ مِن ( أفَمَن ) ألْفُ إنْكارٍ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّقْوى اجْتِنابُ مَعاصِيهِ، والرِّضْوانُ فِعْلُ طاعَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ التَّقْوى اتِّقاءُ عَذابِهِ، والرِّضْوانَ طَلَبُ ثَوابِهِ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ يَحْمِلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى ﴾ عَلى مَسْجِدِ المَدِينَةِ، ويَحْتَمِلُ ﴿ أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ ﴾ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ المُرادِ بِهِما في المَوْضِعَيْنِ.
﴿ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ ﴾ يَعْنِي شَفِيرَ جُرُفٍ وهو حَرْفُ الوادِي الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ البِناءُ لِرَخاوَتِهِ وأكْلِ الماءِ لَهُ ﴿ هارٍ ﴾ يَعْنِي: هائِرٌ، والهائِرُ: السّاقِطُ.
وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَسْجِدِ الضِّرارِ.
وَيَحْتَمِلُ المَقْصُودُ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِناؤُهُمُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ حَتّى سَقَطَ كَما يَسْقُطُ ما بُنِيَ عَلى حَرْفِ الوادِي.
الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَخْفَ ما أسَرُّوهُ مِن بِنائِهِ حَتّى ظَهَرَ كَما يَظْهَرُ فَسادُ ما بُنِيَ عَلى حَرْفِ الوادِي بِالسُّقُوطِ.
﴿ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بِبُنْيانِهِمْ لَهُ سَقَطُوا في نارِ جَهَنَّمَ.
الثّانِي: أنَّ بُقْعَةَ المَسْجِدِ مَعَ بِنائِها وبُناتِها سَقَطَتْ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ حُفِرَتْ مِنهُ بُقْعَةٌ فَرُئِيَ فِيها الدُّخانُ وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ حِينَ انْهارَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ الضِّرارِ.
﴿ رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرِّيبَةَ فِيها عِنْدَ بِنائِهِ.
الثّانِي: أنَّ الرِّيبَةَ عِنْدَ هَدْمِهِ.
فَإنْ قِيلَ بِالأوَّلِ فَفي الرِّيبَةِ الَّتِي في قُلُوبِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: غِطاءٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.
الثّانِي: أنَّهُ شَكٌّ في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ تَكُونَ الرِّيبَةُ ما أضْمَرُوهُ مِنَ الإضْرارِ بِرَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ.
وَإنْ قِيلَ بِالثّانِي أنَّ الرِّيبَةَ بَعْدَ هَدْمِهِ فَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها حَزازَةٌ في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: نَدامَةٌ في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ حَمْزَةُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ تَكُونَ الرِّيبَةُ الخَوْفَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا أنْ يَمُوتُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: إلّا أنْ يَتُوبُوا، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَكانَ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقْرَأُونَها: ولَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ﴾ قال: يعني الشك ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ يعني الموت.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: قلت لإِبراهيم: أرأيت قول الله: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ﴾ ؟
قال: الشك.
قلت: لا.
قال: فما تقول أنت؟
قلت: القوم بنوا مسجداً ضراراً وهم كفار حين بنوا، فلما دخلوا في الإِسلام جعلوا لا يزالون يذكرون، فيقع في قلوبهم مشقة من ذلك فتراجعوا له، فقالوا: يا ليتنا لم نكن فعلنا، وكلما ذكروه وقع من ذلك في قلوبهم مشقة وندموا.
فقال إبراهيم: استغفر الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت في قوله: ﴿ ريبة في قلوبهم ﴾ قال: غيظاً في قلوبهم ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ قال: إلى أن يموتوا.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا أن تقطع ﴾ قال: الموت أن يموتوا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أيوب قال: كان عكرمة يقرأها ﴿ لا أن تقطع قلوبهم في القبر ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ إلا أن تقطّع قلوبهم ﴾ قال: إلا أن يتوبوا، وكان أصحاب عبد الله يقرأونها ﴿ ريبة في قلوبهم ولو تقطعت قلوبهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ الآية، ذكرنا الكلام في ﴿ لَا يَزَالُ ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ بُنْيَانُهُمُ ﴾ هو مصدر يراد به المفعول، وإذا كان كذلك كان المضاف محذوفًا تقديره: لا يزال بناء (٢) ﴿ الَّذِي بَنَوْا ﴾ مع قوله: ﴿ بُنْيَانُهُمُ ﴾ يبين معنى ذلك البناء، إذ قد يجوز أن يراد به المستقبل لو لم يوصف بالماضي، وقوله تعالى: ﴿ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ الريبة والريب: الشك، قال ابن عباس: (يريد شكًا في قلوبهم، كما قال في سورة البقرة لأهل العجل: ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد الموت) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَأ أَن ﴾ (إلا) هاهنا بمعنى (حتى) لأنها استثناء من الزمان المستقبل، والاستثناء منه منتهي إليه، فاجتمعت مع (حتى) في هذا الموضع على هذا المعنى، وموضع (أن) نصب، وفي ﴿ تُقَطَّعَ ﴾ قراءتان: ضم التاء (١٤) ﴿ تَقَطَّعَ ﴾ بفتح التاء (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) والقول هو الأول (٢٦) ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد بخلقه، الصادق منهم والشاك ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما جعل للصادقين من الثواب، وللكاذبين (٢٧) (٢٨) (١) انظر: النسخة الأزهرية 1/ 132 أوقد قال في هذا الموضع: (وقوله تعالى: (ولا يزالون) يعني مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له يقال: ما يزال يفعل كذا أو لا يزال، ولا يقال منه فاعل ولا مفعول، ومثله من الأفعال كثير ..
ومعنى (لا يزالون): أي يدومون، وكأن هذا مأخوذ من قولهم: زال عن الشيء، أي تركه، فقولك: ما زال يفعل كذا، أي لم يتركه).
(٢) في (ح): (بنيان).
(٣) رواه بنحوه الثعلبي 6/ 150 أ، والبغوي 4/ 97، ورواه مختصرًا من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي الإمام ابن جرير 11/ 33، وابن أبي حاتم 6/ 1884، والبيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 262.
(٤) رواه ابن جرير 11/ 34، وابن أبي حاتم 6/ 1884.
(٥) ذكره مختصرًا الماوردي في "تفسيره" 2/ 405، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 525، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 266، وأشار إليه ابن أبي حاتم 6/ 1885.
(٦) رواه ابن جرير 11/ 33، وابن أبي حاتم 6/ 1885، والبيهقي في دلائل النبوة 5/ 262.
(٧) رواه الثعلبي 6/ 150 ب، والبغوي 4/ 97، وأشار إليه ابن أبي حاتم 6/ 1885.
(٨) رواه عنهما ابن جرير 11/ 33.
(٩) لم أجد من ذكره، ولم يتبين لي من أبو عمرو هذا، والقول في "تفسير الثعلبي" 6/ 150 ب منسوبًا لقتادة والضحاك.
(١٠) في (ح): (تحبب)، وهو خطأ.
(١١) في (ى): (يرجعون)، والمثبت موافق للمصدر التالي.
(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 230 باختصار.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 470.
(١٤) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي، وأبي بكر عن عاصم، وخلف.
انظر: "كتاب السبعة" ص 319، و"تقريب النشر" 121، و"إتحاف فضلاء البشر" 245.
(١٥) وهي كذلك قراءة أبي جعفر ويعقوب، وحفص عن عاصم.
انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.
(١٦) في (ى): (وما)، وهو خطأ.
(١٧) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 231، و"البحر المحيط" 5/ 101، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف.
(١٨) "إتحاف فضلاء البشر" ص 245، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 452، و"تفسير ابن جرير" 11/ 33 - 34.
(١٩) هو: يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي مولاهم، أبو محمد البصري، أحد القراء العشرة، وإمام أهل البصرة ومقرئها، كان عالمًا بالعربية ووجوهها، والقراءات واختلافاتها، فاضلًا نقيًا تقيًا، توفي سنة 205 هـ.
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 157، و"غاية النهاية في طبقات القراء" 2/ 386.
(٢٠) انظر: "تفسير الثعلبى" 6/ 150 ب، و"تقريب النشر" 121، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 245.
(٢١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 452، وللزجاج 2/ 471، و"تفسير ابن جرير" 11/ 34 - 35، والبغوي 4/ 97، و"الدر المنثور" 3/ 500.
(٢٢) انظر قول المبرد في: "تفسير الثعلبي" 6/ 150 ب، وابن الجوزي 3/ 503، ولم أجده فيما بين يدي من كتب المبرد.
(٢٣) رواه الثعلبي 6/ 150 أ، والبغوي 4/ 97، ورواه مختصرًا ابن جرير 11/ 34.
(٢٤) هو: حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيي الكوفي، تابعي ثقة فقيه جليل، وكان مفتي الكوفة، وتوفي سنة 119 هـ.
انظر: "تذكرة الحفاظ" 1/ 116، و"تهذيب التهذيب" 1/ 347، و"تقريب التهذيب" ص150 (1084).
(٢٥) انظر قوله في "تفسير الثعلبي" 6/ 150 ب، ورواه مختصرًا ابن جرير 11/ 34، وابن أبي حاتم 6/ 1885.
(٢٦) يعني القول بأن معنى (تقطع قلوبهم) أي يموتوا، وقد رواه ابن جرير 11/ 33 - 35 عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة، وعن مجاهد وقتادة وحبيب بن أبي ثابت وابن زيد.
(٢٧) في (ى): (للكافرين).
(٢٨) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ نهي عن إتيانه والصلاة فيه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر بطريقه ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى ﴾ قيل: هو مسجد قباء، وقيل: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وقد رُوي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ كانوا يستنجون بالماء ونزلت في الأنصار على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد المدينة، ونزلت في بني عمرو بن عوف خاصة على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بنيانه على تقوى مِنَ اللَّهِ ورضوان خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بنيانه على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ الآية: استفهام بمعنى التقرير، والذي أسس على التقوى والرضوان: مسجد المدينة أو مسجد قباء، والذي أسس على شفا جرف هار: هو مسجد الضرار، وتأسيس البناء على التقوى والرضوان: هو بحسن النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه، والتأسيس على شفا جرف هار: هو بفساد النية، وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين، فلذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البديع، ومعنى شفا جرف: طرفه، ومعنى هار: ساقط أو واهي، بحيث أشفى على السقوط، وأصل هار: هائر، فهو في من المقلوب، لأن لامه جعلت في موضع العين ﴿ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ أي طاح في جهنم، وهذا ترشيح للمجاز، فإنه لما شُبه بالجرف وُصف بالإنهيار؛ الذي هو من شأن الخوف، وقيل: إن ذلك حقيقة، وأنه سقط في نار جهنم وخرج الدخان من موضعه، والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهدمه فهدم ﴿ لاَ يَزَالُ بنيانهم الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار ريبة من بنيانه: أي شك في الإسلام بسبب بنيانه، لاعتقادهم صواب فعلهم: أو غيظ بسبب هدمه ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي إلا أن يموتوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.
والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.
﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.
﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.
الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.
﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.
الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.
الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.
﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.
الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.
الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: { م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.
وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.
والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.
قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله عنهم بأنه رضي عنهم.
ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.
قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.
وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.
وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.
وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله وما كان بينهم؟
فقال لي: إن الله قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.
قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟
قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟
أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.
قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.
ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.
فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.
ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.
روى السدي عن أبي مالك أنه قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.
وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.
وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.
وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.
وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.
وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.
﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.
قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.
ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.
و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.
وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.
وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.
عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله وأصحابه في الجهاد.
روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.
وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقنا ويعذرنا.
فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.
فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.
فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.
والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.
﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.
وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.
لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.
وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.
ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.
قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.
وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.
وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.
وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.
ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.
ثم قال ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.
وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.
ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.
وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.
وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.
وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.
قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.
قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.
وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.
فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.
وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.
وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.
قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟
ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟
وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟
﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟
احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.
ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.
روي أن رسول الله لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.
وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.
وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.
وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.
وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.
وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.
ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.
والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.
وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.
ولا شك أن رؤية الله شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.
أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.
واعلم أنه قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.
وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.
وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.
وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.
وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.
قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.
ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.
في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.
وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.
واعلم أنه حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.
وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.
وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.
وقال الأكثرون: إنه الإعداد.
والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.
ثم أخبر الله عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.
قال المفسرون.
إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.
فقال رسول الله : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.
فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.
وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.
ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.
ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟
قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.
واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله عن المسجد الذي أسس على التقوى.
فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.
وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.
وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.
وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.
ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.
وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.
"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟
فسكت القوم.
ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.
فقال : أترضون بالقضاء؟
قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟
قالوا: نعم.
قال: أتشكرون في الرخاء؟
قالوا: نعم.
فقال : مؤمنون ورب الكعبة.
فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟
فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.
فتلا النبي : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.
ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.
ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.
والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.
قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.
وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.
ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.
والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.
قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.
وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .
﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان { م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.
﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.
فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.
﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.
﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.
﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.
﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.
﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.
﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.
﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.
ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
عن ابن عباس - - أن المنافقين اتخذوا مسجداً، فلما فرغوا منه جاءوا إلى نبي الله وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: يا رسول الله، بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، [و] إنا نحب يا رسول الله أن تأتينا فتصلي فيه، قال رسول الله: "إنا على سفر وحال شغل، ولو قدمنا من سفرنا أتيناكم فصلينا لكم فيه إن شاء الله"، فأنزل الله على رسوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً...
﴾ الآية؛ أخبر فيه أنهم لم يقصدوا ببناء مسجدهم ذلك ما ذكروا: إنا بنينا [مسجداً] لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والإشفاق على الدين، وحفظ الصلاة بالجماعة، ولكن يقصدون به ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين.
وقوله: ﴿ ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يكون قوله: ﴿ وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ ضِرَاراً ﴾ يقصدون ببناء المسجد الذي بنوا ريبة أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله، حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم، والظفر بهم من أن كانوا مجموعين.
روي عن رسول الله أنه قال: "لن يغلب اثنا عشر ألفاً كلمتهم واحدة" وقوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ جعل الاجتماع في الدين نعمة، ونهاهم عن التفرق وهم كانوا يقصدون قصد التفريق بينهم؛ لما ذكرنا، أو كانوا يقصدون بذلك أن يفرقوا بين ضعفة من المؤمنين وبين رسول الله، فيلبسوا عليهم الدين؛ لأنهم كانوا أهل لسان وجدل، وذلك كله كفر على ما ذكر.
وفيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد ؛ لأنه معلوم أنهم أسرّوا وأضمروا فيما بينهم الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأطلع الله نبيه على ما أسرّوا؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
أي: بنوا ذلك المسجد إرصاداً لمن حارب الله ورسوله.
قال عامة أهل التأويل: هو أبو عامر؛ ذكر أن أبا عامر حارب رسول الله، ثم فرّ منه، فقال للمنافقين: ابنوا مسجداً واستعدوا، فإني ذاهب إلى قيصر بالشام، [فآتي بجند فنخرج محمداً وأصحابه من المدينة.
فذهب إلى قيصر بالشام]، فبنوا مسجداً إرصاداً لمن حارب الله ورسوله، يعني: أبا عامر.
قال القتبي: ضراراً، أي: مضارة، وإرصاداً، أي: ترقباً بالعداوة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ضِرَاراً ﴾ ، أي: مضارة، ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، أي: وقوفاً وانتظار الفرصة لمن حارب الله على المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا ﴾ .
أي: حلفوا ما أردنا باتخاذ المسجد.
﴿ إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ والخير.
﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
فيه ما ذكرنا من الدلالة على إثبات [رسالة محمد ].
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ .
قيل: لا تصل فيه؛ لأنهم سألوه أن يصلي فيه.
وقيل: ﴿ لاَ تَقُمْ ﴾ ، اي: لا تأته، ولا تدخل؛ وهو واحد.
﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: هو مسجد قُباء.
وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله .
روي عن أبي سعيد الخدري قال: "اختصم - أو قال: اختصمنا - [في] المسجد الذي أسس على التقوى؛ فقال النبي صلى الله عليه سلم: هو مسجدي هذا" وعن أبي بن كعب قال: "إن النبي سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: هو مسجدي هذا" وظاهر ما ذكر "أن يكون مسجد قباء؛ لأنه ذكر لما نزل قوله: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ ﴾ ، قال لأهل قباء: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فماذا تصنعون؟
قالوا: نغسل عنا أثر الغائط والبول" .
وفي بعض الأخبار "قالوا: يا رسول الله، إنا نجد مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء، فلا ندعه، فقال: لا تدعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ .
يحتمل: أي: فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان والتوحيد، والصلاة فيه، وكل مسجد هذا فيه فهو مؤسس على التقوى، أي: تقوى الشرك والخلاف لأمر الله ومناهيه.
أو يقول: فيه رجال يحبون، أي: يؤثرون التطهر بالتقوى والأعمال الصالحة على غيرها من الأعمال التي تنجسهم.
ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقدار والأنجاس؛ كأنه قال: فيه رجال يؤثرون الإبلاغ في التطهير من الأقذار والأنجاس التي تصيبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ ﴾ .
أي: على الطاعة لله والإخلاص له.
﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .
له وطلب مرضاته.
﴿ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
أي: بني للاختلاف والتفريق بين المؤمنين والكفر بالله؛ هذا المثل مقابلة مكان بمكان؛ يقول: من بنى بناء على قرار من الأرض مما يقر به وينتفع به خير ممن بنى بناء على المكان الذي لا يقر، ويؤدي إلى الهلاك، ولا ينتفع به، والأول مقابلة فعل بفعل، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ كالذي بنى الضد من ذلك، أي: ليسا بسواء، ثم قال: ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ هذا مقابلة فعل بفعل؛ يقول: الذين بنوا المسجد على الطاعة لله، والإخلاص له، وطلب مرضاته، والاجتماع فيه خير ممن بنى للكفر بالله، والتفريق بين المؤمنين، وضراراً بهم؛ هذا مقابلة فعل بفعل.
وقوله: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
هذا مقابلة مكان بمكان؛ لما ذكرنا.
وقوله: ﴿ أُسِّسَ ﴾ .
أصل الأس والأسس والتأسيس واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ .
قال أبو عوسجة: ﴿ شَفَا جُرُفٍ ﴾ قال: شفاه: فمه، والجمع: أشفاء، وجرف: أرض يسيل فيها السيل حتى يحفرها، والجِرَفة جمع.
وقوله: ﴿ هَارٍ ﴾ قال: الهار: الهش الذي ليس بصلب، ويقال: انهار ينهار، أي: انهدم، ويقال: رجل هار، أي: ضعيف، وهي أرض هشة، أي: رخوة، سريعة الانهدام، والهش: الرخو.
وقال القتبي: ﴿ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ \[أي حرف جرف هار\] والجرف: ما ينجرف بالسيول [من] الأودية، والهائر: الساقط، ومنه يقال: تهور البناء: إذا سقط وانهار.
وقال أبو عبيدة: ﴿ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ ﴾ الشفا: هو الشفير، والجرف: ما ينجرف من السيول من الأودية، وهار، يريد: هائر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ .
قال بعضهم: خسف الله مسجدهم في نار جهنم.
وفي حرف ابن مسعود: (فخر من قواعده في نار جهنم) وقال: حفرت فيه بقعة فرؤي منها دخان سطع، وقال: يهوي ببنائهم الذي بنوا في نار، ولا ندري كيف هو؟
وما معناه؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ بَنَوْاْ رِيبَةً ﴾ ، أي: حسرة وندامة.
وقال بعضهم: ريبة: أي شكّاً وريباً.
ومن قال: حسرة وندامة، فهو على وجهين: الأول: يحتمل: أنهم تابوا وندموا على ما صنعوا.
والثاني: يحتمل: حسرة وندامة؛ لما افتضحوا بما صنعوا، وبما أرادوا بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
ومن قال: شكّاً ونفاقاً ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى الممات، أي: هم على الشك والنفاق إلى الموت، وهو كقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ .
وأصل الريبة: التهمة؛ يقال: فلان مريب: إذا كانت به تهمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ ﴾ .
هذا - أيضاً - على وجهين: أحدهما: على التمثيل أن الخوف والحزن إذا بلغ غايته؛ يقال: فلان متقطع القلب.
<div class="verse-tafsir"
لا يزال مسجدهم الَّذي بنوه ضرارًا شكًّا ونفاقًا ثابتًا في قلوبهم حتَّى تتقطع قلوبهم بالموت أو القتل بالسيف، والله عليم بأعمال عباده، حكيم فيما يحكم به من جزاء على الخير أو الشر.
<div class="verse-tafsir" id="91.48GMw"