الآية ١١١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١١١ من سورة التوبة

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

خبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة ، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه ، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له ؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة : بايعهم والله فأغلى ثمنهم .

وقال شمر بن عطية : ما من مسلم إلا ولله ، عز وجل ، في عنقه بيعة ، وفى بها أو مات عليها ، ثم تلا هذه الآية .

ولهذا يقال : من حمل في سبيل الله بايع الله ، أي : قبل هذا العقد ووفى به .

وقال محمد بن كعب القرظي وغيره : قال عبد الله بن رواحة ، رضي الله عنه ، لرسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني ليلة العقبة - : اشترط لربك ولنفسك ما شئت !

فقال : " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " .

قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟

قال : " الجنة " .

قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل ، فنزلت : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) الآية .

وقوله : ( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) أي : سواء قتلوا أو قتلوا ، أو اجتمع لهم هذا وهذا ، فقد وجبت لهم الجنة ؛ ولهذا جاء في الصحيحين : " وتكفل الله لمن خرج في سبيله ، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي ، وتصديق برسلي ، بأن توفاه أن يدخله الجنة ، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه ، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " .

وقوله : ( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) تأكيد لهذا الوعد ، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة ، وأنزله على رسله في كتبه الكبار ، وهي التوراة المنزلة على موسى ، والإنجيل المنزل على عيسى ، والقرآن المنزل على محمد ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

وقوله : ( ومن أوفى بعهده من الله ) [ أي : ولا واحد أعظم وفاء بما عاهد عليه من الله ] فإنه لا يخلف الميعاد ، وهذا كقوله تعالى : ( ومن أصدق من الله حديثا ) [ النساء : 87 ] ( ومن أصدق من الله قيلا ) [ النساء : 122 ] ؛ ولهذا قال : ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) أي : فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد ، بالفوز العظيم ، والنعيم المقيم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله ابتاعَ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة =(وعدًا عليه حقًّا) = يقول: وعدهم الجنة جل ثناؤه, وعدًا عليه حقًّا أن يوفِّي لهم به، في كتبه المنـزلة: التوراة والإنجيل والقرآن, إذا هم وَفَوا بما عاهدوا الله، فقاتلوا في سبيله ونصرةِ دينه أعداءَه، فقَتَلوا وقُتِلوا =(ومن أوفى بعهده من الله)، يقول جل ثناؤه: ومن أحسن وفاءً بما ضمن وشرط من الله =(فاستبشروا)، يقول ذلك للمؤمنين: فاستبشروا، أيها المؤمنون، الذين صَدَقوا الله فيما عاهدوا، ببيعكم أنفسكم وأموالكم بالذي بعتموها من ربكم به, فإن ذلك هو الفوز العظيم، (61) كما:- 17266- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن حفص بن حميد, عن شمر بن عطية قال: ما من مسلم إلا ولله في عنقه بَيْعة، وَفى بها أو مات عليها، في قول الله: (إن الله اشترى من المؤمنين)، إلى قوله: (وذلك هو الفوز العظيم)، ثم حَلاهم فقال: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ، إلى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .

17267- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)، يعني بالجنة.

17268-......

قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن محمد بن يسار, عن قتادة: أنه تلا هذه الآية: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)، قال: ثامَنَهُم الله، فأغلى لهم الثمن.

(62) 17269- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن: أنه تلا هذه الآية: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)، قال: بايعهم فأغلى لهم الثمن.

17270- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربِّك ولنفسك ما شئت !

قال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا, وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأموالكم.

قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فماذا لنا؟

قال: الجنة!

قالوا: ربح البيعُ، لا نُقيل ولا نستقيل !

(63) فنـزلت: (إن الله اشترى من المؤمنين)، الآية.

17271-......

قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبيد بن طفيل العبسي قال، سمعت الضحاك بن مزاحم, وسأله رجل عن قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم)، الآية, قال الرجل: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل؟

قال: ويلك!

أين الشرط؟

التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ .

(64) ------------------------ الهوامش: (61) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

(62) " ثامنت الرجل في المبيع " ، إذا قاولته في ثمنه وفاوضته ، وساومته على بيعه واشترائه .

(63) " أقاله البيع يقيله إقالة " ، و " تقايلا البيعان " ، إذا فسخا البيع ، وعاد المبيع إلى مالكه ، والثمن إلى المشتري ، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما .

وتكون " الإقالة " في البيعة والعهد .

و " استقاله " طلب إليه أن يقيله .

(64) الأثر : 17271 - " عبيد بن طفيل العبسي " ، هو " الغطفاني " ، " أبو سيدان " ، و " عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان " ، ولكنه في كتب الرجال " الغطفاني " .

وقد مضى برقم : 2547 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيمفيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم قيل : هذا تمثيل ; مثل قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى .

ونزلت الآية في البيعة الثانية ، وهي بيعة العقبة الكبرى ، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين ، وكان أصغرهم سنا عقبة بن عمرو ; وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ، فقال عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم .

قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟

قال : الجنة .

قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل ; فنزلت : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة الآية .

ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة .الثانية : هذه الآية دليل على جواز معاملة السيد مع عبده ، وإن كان الكل للسيد لكن إذا [ ص: 187 ] ملكه عامله فيما جعل إليه .

وجائز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين غيره ; لأن ماله له وله انتزاعه .الثالثة : أصل الشراء بين الخلق أن يعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع ; فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته ، وإهلاكها في مرضاته ، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك .

وهو عوض عظيم لا يدانيه المعوض ولا يقاس به ، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء فمن العبد تسليم النفس والمال ، ومن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء .

وروى الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فوق كل بر بر حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك .

وقال الشاعر في معنى البر :الجود بالماء جود فيه مكرمة والجود بالنفس أقصى غاية الجودوأنشد الأصمعي لجعفر الصادق رضي الله عنه :أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمنبها تشترى الجنات إن أنا بعتها بشيء سواها إن ذلكم غبنلئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمنقال الحسن : ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم فقال : كلام من هذا ؟

قال : كلام الله .

قال : بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله .

فخرج إلى الغزو واستشهد .الرابعة : قال العلماء : كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم ; لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين ، فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحا وأقل فسادا منهم عند ألم الأطفال ، وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ويتعلق بهم من التربية والكفالة .

ثم هو عز وجل يعوض هؤلاء الأطفال عوضا إذا صاروا إليه .

ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم وأذى ، ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر .الخامسة : قوله تعالى يقاتلون في سبيل الله بيان لما يقاتل له وعليه ; وقد تقدم .[ ص: 188 ] فيقتلون ويقتلون قرأ النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل ; ومنه قول امرئ القيس :فإن تقتلونا نقتلكم .

.

.

وإن تقصدوا لدم نقصدأي إن تقتلوا بعضنا يقتلكم بعضنا .

وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول .السادسة : قوله تعالى وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن إخبار من الله تعالى أن هذا كان في هذه الكتب ، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى عليه السلام .

و ( وعدا ) و ( حقا ) مصدران موكدان .السابعة : قوله تعالى ومن أوفى بعهده من الله أي لا أحد أوفى بعهده من الله .

وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد ، ولا يتضمن وفاء البارئ بالكل ; فأما وعده فللجميع ، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب وفي بعض الأحوال .

وقد تقدم هذا المعنى مستوفى .الثامنة : قوله تعالى فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به أي أظهروا السرور بذلك .

والبشارة إظهار السرور في البشرة .

وقد تقدم .

وقال الحسن : والله ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة .وذلك هو الفوز العظيم أي الظفر بالجنة والخلود فيها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى خبرا صدقا، ويعد وعدا حقا بمبايعة عظيمة، ومعاوضة جسيمة، وهو أنه ‏{‏اشْتَرَى‏}‏ بنفسه الكريمة ‏{‏مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ‏}‏ فهي المثمن والسلعة المبيعة‏.‏ ‏{‏بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ‏}‏ التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من أنواع اللذات والأفراح، والمسرات، والحور الحسان، والمنازل الأنيقات‏.‏ وصفة العقد والمبايعة، بأن يبذلوا للّه نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه، لإعلاء كلمته وإظهار دينه فـ ‏{‏يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ‏}‏ فهذا العقد والمبايعة، قد صدرت من اللّه مؤكدة بأنواع التأكيدات‏.‏ ‏{‏وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ‏}‏ التي هي أشرف الكتب التي طرقت العالم، وأعلاها، وأكملها، وجاء بها أكمل الرسل أولو العزم، وكلها اتفقت على هذا الوعد الصادق‏.‏ ‏{‏وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا‏}‏ أيها المؤمنون القائمون بما وعدكم اللّه، ‏{‏بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ لتفرحوا بذلك، وليبشر بعضكم بعضًا، ويحث بعضكم بعضًا‏.‏ ‏{‏وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏ الذي لا فوز أكبر منه، ولا أجل، لأنه يتضمن السعادة الأبدية، والنعيم المقيم، والرضا من اللّه الذي هو أكبر من نعيم الجنات، وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة، فانظر إلى المشتري من هو‏؟‏ وهو اللّه جل جلاله، وإلى العوض، وهو أكبر الأعواض وأجلها، جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها، وهو النفس، والمال، الذي هو أحب الأشياء للإنسان‏.‏ وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع، وهو أشرف الرسل، وبأي كتاب رقم، وهي كتب اللّه الكبار المنزلة على أفضل الخلق‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) الآية .

قال محمد بن كعب القرظي : لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسا ، قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت .

فقال : أشترط لربي عز وجل : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي ، أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم .

قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟

قال : الجنة ، قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) .

وقرأ الأعمش : " بالجنة " .

( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) قرأ حمزة والكسائي : " فيقتلون " بتقديم المفعول على الفاعل بمعنى يقتل بعضهم بعضا ، ويقتل الباقون .

وقرأ الآخرون بتقديم الفاعل .

( وعدا عليه حقا ) أي : ثواب الجنة لهم وعد وحق ( في التوراة والإنجيل والقرآن ) يعني أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد ، وبينه في هذه الكتب .

وقيل : فيه دليل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد على ثواب الجنة ، ثم هنأهم فقال : ( ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ) فافرحوا ( ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) قال عمر رضي الله عنه : إن الله عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك .

وقال قتادة : ثامنهم الله عز وجل فأغلى لهم .

وقال الحسن : اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن .

وعنه أنه قال : إن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم» بأن يبذلوها في طاعته كالجهاد «بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون» جملة استئناف بيان للشراء، وفي قراءة بتقديم المبني للمفعول، أي فيقتل بعضهم ويقاتل الباقي «وعدا عليه حقا» مصدران منصوبان بفعلهما المحذوف «في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفي بعهده من الله» أي لا أحد أوفى منه «فاستبشروا» فيه التفات عن الغيبة «ببيعكم الذي بايعتم به وذلك» البيع «هو الفوز العظيم» المنيل غاية المطلوب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأن لهم في مقابل ذلك الجنة، وما أعد الله فيها من النعيم لبذلهم نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه لإعلاء كلمته وإظهار دينه، فيَقْتلون ويُقتَلون، وعدًا عليه حقًا في التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، والإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام، والقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

ولا أحد أوفى بعهده من الله لمن وفَّى بما عاهد الله عليه، فأظهِروا السرور-أيها المؤمنون- ببيعكم الذي بايعتم الله به، وبما وعدكم به من الجنة والرضوان، وذلك البيع هو الفلاح العظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - أنواع المتخلفين عن غزوة تبوك ، تبع ذلك بالترغيب فى الجهاد وفى بيان فضله فقال - تعالى - : ( إِنَّ الله اشترى .

.

) .قال الفخر الرازى : أعلم الله - تعالى - لما شرع فى شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك ، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم وفرع كل قسم ما كان لائقا به ، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحيقته فقال - تعالى - : ( إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين ) الآية .وقال القرطبى : " نزلت هذه الآية فى البيعة الثانية ، وهى بيعة العقبة الكبرى وهى التى أناف فيها رجال الأنصار على السبعين ، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة ، فقال عبد الله بن رواحة للنبى - صلى الله عليه وسلم - : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أشترط لربى أن تعبدوه ولا تشكروا به شيئا ، وأشترط لنفسى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا : فإذا فعلنا فمالنا؟

قال :" لكم الجنة " قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقبل فنزلت هذه الآية " .ثم هى بعد ذلك عامة فى كل مجاهد فى سبيل الله من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة .

تثميل للثواب الذى منحه الله - تعالى - للمجاهدين فى سبيله .فقد صور - سبحانه - جهاد المؤمنين ، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه ، وإثابته - سبحانه - لهم على ذلك بالجنة ، صور كل ذلك بالبيع والشراء .أى : أن الله - تعالى - وهو المالك لكل شئ ، قد اشترى من المجاهدين أنسهم وأموالهم التى بذلوها فى سبيله ، وأعطاهم فى مقابل ذلك الجنة .قال أبو السعود : الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين فى الجهاد .

.

وقد بلوغ فى ذلك على وجه لا مزيد عليه ، حيث عبّر عن قبول الله - تعالى - من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التى بذلوا فى سبيله - تعالى - وإثباته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية .

ثم جعل المبيع الذى هو العمدة والمقصد فى العقد : أنفس المؤمنين وأموالهم ، والثمن الذى هو الوسيلة فى الصفقة : الجنة .ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال : إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم؛ ليدل على أن المقصد فى العقد هو الجنة ، وما بله المؤمنون فى مقابلتها من الأنفس والأمول وسيلة إليها ، إيذانا بتعليق كمال العناية بهم وبأوالهم .ثم إن لم يقل " بالجنة " بل قل : ( بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ) مبالغة فى تقرير وصول الثمن إليهم " واختصاصه بهم " فكأنه قيل : بالجنة الثابتة لهم ، المختصة بهم .وقوله : ( يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) جملة مستأنفة جئ بها لبيان الوسيلة التى توصلهم إلى الجنة وهى القتال فى سبيل الله .أى : أنهم يقاتلون فى سبيل الله ، فمنهم من يقتل أعداء الله ، ومنهم من يقتل على أيدى هؤلاء الأعداء ، وكلا الفريقين القاتل والمقتول جزاؤه الجنة .وقرأ حمزة والكسائى " فيقتلون ويقتلون " بتقديم الفعل المبنى للمفعول على الفعل المبنى للفاعل .وهذه القراءة فيها إشارة إلا أن حرص هؤلاء المؤمنين الصادقين على الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل؛ لأن هذا الاستشهاد يوصلهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، وإلى الحياة الباقية الدائمة .

.وقوله : ( وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والإنجيل والقرآن ) تأكيد للثمن الذى وعدهم الله به .أى : أن هذه الجنة التى هى جزاء المجاهدين ، قد جعلها - سبحانه - تفضلا منه وكرما ، حقا لهم عليه ، وأثبت لهم ذلك فى الكتب السماوية التى أنزلها على رسله .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : " وعدا عليه " مصدر مؤكد لمضمون الجملة وقوله " حقا " نعت له ، وقوله " عليه " فى موضع الحال من قوله " حقا " لتقدمه عليه ، وقوله : ( فِي التوراة والإنجيل والقرآن ) متعلق بمذحوف وقع نعتا لقوله " وعدا " أيضاً .أى : وعدا مثبتاً فى التوراة والإِنجيل كما هو مثبت فى القرآن فالمراد إلحاق مالا يعرف بما يعرف .

إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم فى القرآن .

ثم إن ما فى الكتابين إما أن يكون أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بذلك ، أو أن من جاهد بنفسه وماله .

من حقه ذلك ، وفى كلا الأمرين ثبوت موافق لما فى القرآن .

.وقوله : ( وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ) جملة معترضة مسوقة لتأكيد مضمون ما قبلها من حقية الوعد وتقريره : والاستفهام للنفى .أى : لا أحد أوفى بعهده من الله - تعالى - لأنه إذا كان خلف الوعد لا يكاد يصدر من كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم ، فكيف يكون الحال من جانب الخالق - عز وجل - المنزه عن كل نقص ، المتصف بكل كمال .وقوله : ( فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم ) تحريض على القتال ، وإعلام لهم بأنهم رابحون فى هذه الصفقة .والاستبشار : الشعور بفرح البشرى ، شعورا تنبسط له أسارير الوجه .أى : إذا كان الأمر كذلك فافرحوا ببيعكم الذى بايعتم به غاية الفرح ، وارضوا به نهاية الرضى ، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الذى لا فوز أعظم منه .قال بعض العلماء : ولا ترى ترغيبا فى الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية لأنه أبرزه فى صورة عقد عقده رب العزة ، وثمنه مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ولم يجعل المقعود عليه كونهم مقتولين فقط بل إذا كانوا قاتلين أيضاً لإعلاء كلمته ، ونصر دينه ، وجعله مسجلا فى الكتب السماوية ، وناهيك به من صك .وجعل وعده حقاً ، ولا أحد أوفى من وعده فنسيئته أقوى من نقد غيره ، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلية ، حيث صور جهاد المؤمنين ، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثباة الله لهم على ذلك الجنة ، بالبيع والشراء وأتى بقوله : " يقاتلون " .

.

بيانا لمكان التسليم وهو المعركة وإليه الإِشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم - " الجنة تحت ظلال السيوف " ، ثم أمضاه بقوله ( وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم ) .ويروى عن الحسن البصرى أنه قرأ هذه الآية فقال : انظروا إلى كرم الله .

تعالى .

أنفس هو خالقها ، وأموال هو رازقها ، ثم يكافئنا عليها متى بذلناها فى سبيله بالجنة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم، وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته فقال: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القرطبي: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟

قال: الجنة قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل.

فنزلت هذه الآية.

قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم.

المسألة الثانية: قال أهل المعاني: لا يجوز أن يشتري الله شيئاً في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك، ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها، وأموالاً هو رزقها، لكن هذا ذكره تعالى لحسن التلطف في الدعاء إلى الطاعة، وحقيقة هذا، أن المؤمن متى قاتل في سبيل الله حتى يقتل، فتذهب روحه، وينفق ماله في سبيل الله، أخذ من الله في الآخرة الجنة جزاء لما فعل.

فجعل هذا استبدالاً وشراء.

هذا معنى قوله: ﴿ اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ﴾ أي بالجنة، وكذا قراءة عمر بن الخطاب والأعمش.

قال الحسن: اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة، بايع الله بها كل مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة.

وقال الصادق عليه الصلاة والسلام: «ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها».

وقوله: ﴿ وأموالهم ﴾ يريد التي ينفقونها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم، وفي الآية لطائف: اللطيفة الأولى المشتري لابد له من بائع، وهاهنا البائع هو الله والمشتري هو الله، وهذا إنما يصح في حق القيم بأمر الطفل الذي لا يمكنه رعاية المصالح في البيع والشراء، وصحة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة العظيمة، فهذا المثل جار مجرى التنبيه على كون العبد شبيهاً بالطفل الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه، وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه بشرط الغبطة التامة، والمقصود منه التنبيه على السهولة والمسامحة، والعفو عن الذنوب، والإيصال إلى درجات الخيرات ومراتب السعادات.

واللطيفة الثانية: أنه تعالى أضاف الأنفس والأموال إليهم فوجب أن كون الأنفس والأموال مضافة إليهم يوجب أمرين مغايرين لهم، والأمر في نفسه كذلك، لأن الإنسان عبارة عن الجوهر الأصلي الباقي، وهذا البدن يجري مجرى الآلة والأدوات والمركب، وكذلك المال خلق وسيلة إلى رعاية مصالح هذا المركب، فالحق سبحانه اشترى من الإنسان هذا المركب وهذا المال بالجنة، وهو التحقيق.

لأن الإنسان ما دام يبقى متعلق القلب بمصالح عالم الجسم المتغير المتبدل، وهو البدن والمال، امتنع وصوله إلى السعادات العالية والدرجات الشريفة، فإذا انقطع التفاته إليها وبلغ ذلك الانقطاع إلى أن عرض البدن للقتل، والمال للإنفاق في طلب رضوان الله، فقد بلغ إلى حيث رجح الهدى على الهوى، والمولى على الدنيا، والآخرة على الأولى، فعند هذا يكون من السعداء الأبرار والأفاضل الأخيار، فالبائع هو جوهر الروح القدسية والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الثاني الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والهم والغم زائل، ولهذا قال: ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ .

ثم قال: ﴿ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ فيه معنى الأمر كقوله: ﴿ تجاهدون فِي سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ ﴾ وقيل جعل ﴿ يقاتلون ﴾ كالتفسير لتلك المبايعة، وكالأمر اللازم لها.

قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل وهو كونهم مقتولين على كونهم قاتلين، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول.

أما تقديم الفاعل على المفعول فظاهر، لأن المعنى أنهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم إلى أن يصيروا مقتولين.

وأما تقديم المفعول على الفاعل، فالمعنى: أن طائفة كبيرة من المسلمين، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة، بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء.

قاتلين لهم بقدر الإمكان، وهو كقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله  ﴾ أي ما وهن من بقي منهم.

واختلفوا في أنه هل دخل تحت هذه الآية مجاهدة الأعداء بالحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا؟

فمنهم من قال: هو مختص بالجهاد بالمقاتلة، لأنه تعالى فسر تلك المبايعة بالمقاتلة بقوله: ﴿ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ ومنهم من قال: كل أنواع الجهاد داخل فيه، بدليل الخبر الذي رويناه عن عبد الله بن رواحة.

وأيضاً فالجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل آثاراً من القتال، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس» ولأن الجهاد بالمقاتلة لا يحسن أثرها إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة.

وأما الجهاد بالحجة فإنه غني عن الجهاد بالمقاتلة.

والأنفس جوهرها جوهر شريف خصه الله تعالى بمزيد الإكرام في هذا العالم، ولا فساد في ذاته، إنما الفساد في الصفة القائمة به، وهي الكفر والجهل.

ومتى أمكن إزالة الصفة الفاسدة، مع إبقاء الذات والجوهر كان أولى.

ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه، لا جرم حث الشرع على إبقائه، فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به» فالجهاد بالحجة يجري مجرى الدباغة، وهو إبقاء الذات مع إزالة الصفة الفاسدة، والجهاد بالمقاتلة يجري مجرى إفناء الذات، فكان المقام الأول أولى وأفضل.

ثم قال تعالى: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي التوراة والإنجيل والقرءان ﴾ قال الزجاج: نصب ﴿ وَعْداً ﴾ على المعنى، لأن معنى قوله: ﴿ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ﴾ أنه وعدهم الجنة، فكان وعداً مصدراً مؤكداً.

واختلفوا في أن هذا الذي حصل في الكتب ما هو؟

فالقول الأول: أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت، فقد أثبته الله في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن.

والقول الثاني: المراد أن الله تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، كما بين في القرآن.

والقول الثالث: أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ﴾ والمعنى: أن نقض العهد كذب.

وأيضاً أنه مكر وخديعة، وكل ذلك من القبائح، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزهاً عنها.

وقوله: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، أي لا أحد أوفى بما وعد من الله.

ثم قال: ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات: فأولها: قوله: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم ﴾ فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد.

والثاني: أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد.

وثالثها: قوله: ﴿ وَعْداً ﴾ ووعد الله حق.

ورابعها: قوله: ﴿ عَلَيْهِ ﴾ وكلمة على للوجوب.

وخامسها: قوله: ﴿ حَقّاً ﴾ وهو التأكيد للتحقيق.

وسادسها: قوله: ﴿ فِي التوراة والإنجيل والقرءان ﴾ وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة.

وسابعها: قوله: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ﴾ وهو غاية في التأكيد.

وثامنها: قوله: ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ وهو أيضاً مبالغة في التأكيد.

وتاسعها: قوله: ﴿ وذلك هُوَ الفوز ﴾ .

وعاشرها: قوله: ﴿ العظيم ﴾ فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق.

ونختم الآية بخاتمة وهي أن أبا القاسم البلخي استدل بهذه الآية على أنه لابد من حصول الأعواض عن آلام الأطفال والبهائم.

قال لأن الآية دلت على أنه لا يجوز إيصال ألم القتل وأخذ الأموال إلى البالغين إلا بثمن هو الجنة، فلا جرم قال: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ﴾ فوجب أن يكون الحال كذلك في الأطفال والبهائم، ولو جاز عليهم التمني لتمنوا أن آلامهم تتضاعف حتى تحصل لهم تلك الأعواض الرفيعة الشريفة، ونحن نقول: لا ننكر حصول الخيرات للأطفال والحيوانات في مقابلة هذه الآلام، وإنما الخلاف وقع في أن ذلك العوض عندنا غير واجب، وعندكم واجب، والآية ساكتة عن بيان الوجوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشروى.

وروى: تاجرهم فأغلى لهم الثمن.

وعن عمر رضي الله عنه فجعل لهم الصفقتين جميعاً.

وعن الحسن: أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها.

وروي: أنّ الأنصار حين بايعوه على العقبة قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

قال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم.

قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟

قال: لكم الجنة.

قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل.

ومرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابيّ وهو يقرؤها فقال: كلام من؟

قال كلام الله.

قال: بيع الله مربح لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو فاستشهد ﴿ يقاتلون ﴾ فيه معنى الأمر، كقوله: ﴿ وتجاهدون فِي سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ ﴾ [الصف: 11] .

وقرئ: ﴿ فيقتلون ﴾ و ﴿ يقتلون ﴾ على بناء الأوّل للفاعل والثاني للمفعول، وعلى العكس ﴿ وَعْدًا ﴾ مصدر مؤكد.

أخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته ﴿ فِي التوراة والإنجيل ﴾ كما أثبته في القرآن، ثم قال: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ﴾ لأنّ إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكرام من الخلق مع جوازه عليهم لحاجتهم، فكيف بالغني الذي لا يجوز عليه القبيح قط، ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ تَمْثِيلٌ لِإثابَةِ اللَّهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ عَلى بَذْلِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ في سَبِيلِهِ.

﴿ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما لِأجْلِهِ الشِّراءُ.

وقِيلَ يُقاتِلُونَ في مَعْنى الأمْرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وأنَّ فِعْلَ البَعْضِ قَدْ يُسْنَدُ إلى الكُلِّ.

﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الشِّراءُ فَإنَّهُ في مَعْنى الوَعْدِ.

﴿ فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ﴾ مَذْكُورًا فِيهِما كَما أُثْبِتَ في القُرْآنِ.

﴿ وَمَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ مُبالَغَةٌ في الإنْجازِ وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا.

﴿ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ﴾ فافْرَحُوا بِهِ غايَةَ الفَرَحِ فَإنَّهُ أوْجَبَ لَكم عَظائِمَ المَطالِبِ كَما قالَ: ﴿ وَذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)

{إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة} مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء ورُوي تاجرهم فأغلى لهم الثمن وعن الحسن أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي وهو يقرؤها فقال بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو واستشهد {يقاتلون فِى سَبِيلِ الله} بيان محل التسليم {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} أي تارة يقتلون العدو وطوراً يقتلهم العدو فَيُقتلون وَيَقْتلون حمزة وعلي {وَعْدًا عَلَيْهِ} مصدر أي وعدهم بذلك وعداً {حقا} صفته أخبر أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته {فِي التوراة والإنجيل والقرآن} وهو دليل على أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه ثم قال {وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله} لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين ولا نرى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ {فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ} فافرحوا غاية الفرح فإنكم تبيعون فانياً بباقٍ {وذلك هُوَ الفوز العظيم} قال الصادق ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ إلَخْ تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجِهادِ بِبَيانِ حالِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْهُ، ولا تَرى كَما نَقَلَ الشِّهابُ تَرْغِيبًا في الجِهادِ أحْسَنَ ولا أبْلَغَ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ عَقْدٍ عاقِدُهُ رَبُّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ وثَمَنُهُ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولَمْ يَجْعَلِ المَعْقُودُ عَلَيْهِ كَوْنَهم مَقْتُولِينَ فَقَطْ بَلْ كُونُهم قاتِلِينَ أيْضًا لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَةِ دِينِهِ سُبْحانَهُ، وجَعَلَهُ مُسَجَّلًا في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وناهِيكَ بِهِ مِن صَكٍّ، وجَعَلَ وعْدَهُ حَقًّا ولا أحَدَ أوْفى مِن واعِدِهِ فَنَسِيئَتُهُ أقْوى مِن نَقْدِ غَيْرِهِ وأشارَ إلى ما فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ والفَوْزِ العَظِيمِ وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ صَوَّرَ جِهادَ المُؤْمِنِينَ وبَذْلَ أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِيهِ وإثابَةَ اللَّهِ تَعالى لَهم عَلى ذَلِكَ الجَنَّةَ بِالبَيْعِ والشِّراءِ وأتى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُقاتِلُونَ ﴾ إلَخْ بَيانًا لِمَكانِ التَّسْلِيمِ وهو المَعْرَكَةُ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» ثُمَّ أمْضاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ومِن هُنا أعْظَمَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أمْرَ هَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو في المَسْجِدِ ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى ﴾ إلَخْ فَكَثُرَ النّاسُ في المَسْجِدِ فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَيْ رِدائِهِ عَلى عاتِقِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؟

قالَ: نَعَمْ فَقالَ الأنْصارِيُّ: بَيْعٌ رَبِيحٌ لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ.

ومِنَ النّاسِ مَن قَرَّرَ وجْهَ المُبالَغَةِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَبَّرَ عَنْ قَبُولِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمُ الَّتِي بَذَلُوها في سَبِيلِهِ تَعالى وإثابَتِهِ إيّاهم بِمُقابَلَتِها الجَنَّةَ بِالشِّراءِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ ثُمَّ جَعَلَ المَبِيعَ الَّذِي هو العُمْدَةُ والمَقْصِدُ في العَقْدِ أنْفُسَ المُؤْمِنِينَ وأمْوالَهم والثَّمَنَ الَّذِي هو الوَسِيلَةُ في الصَّفْقَةِ الجَنَّةَ، ولَمْ يَعْكِسْ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الَّلَهَ باعَ الجَنَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَقْصِدَ بِالعَقْدِ هو الجَنَّةُ وما بَذَلَهُ المُؤْمِنُونَ في مُقابَلَتِها وسِيلَةٌ إلَيْها بِكَمالِ العِنايَةِ بِهِمْ وبِأمْوالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ بِالجَنَّةِ بَلْ قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ مُبالَغَةً في تَقْرِيرِ وُصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِمْ واخْتِصاصِهِ بِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: بِالجَنَّةِ الثّابِتَةِ لَهُمُ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبْلَغُ مِن قِراءَةِ الأعْمَشِ ونُسِبَتْ أيْضًا إلى عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالجَنَّةِ عَلى أنَّها أوْفَقُ بِسَبَبِ النُّزُولِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهم قالُوا: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ.

قالَ: أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم وأمْوالَكم.

قالُوا: فَما لَنا؟

قالَ: الجَنَّةُ.

قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ.

فَنَزَلَتْ: إنَّ اللَّهَ اشْتَرى» الآيَةَ وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ مَدْحًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم بَذَلُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ لِكَمالِ ثِقَتِهِمْ بِوَعْدِهِ تَعالى مَعَ أنَّ تَمامَ الِاسْتِعارَةِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ إذْ لَوْ قِيلَ بِالجَنَّةِ لاحْتَمَلَ كَوْنَ الشِّراءِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّها صالِحَةٌ لِلْعِوَضِيَّةِ بِخِلافِ الوَعْدِ بِها واعْتُرِضَ بِأنَّ مَناطَ دَلالَةِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ عَلى الوَعْدِ لَيْسَ كَوْنَهُ جُمْلَةً ظَرْفِيَّةً مُصَدَّرَةً بِأنْ فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ بَلْ هو الجَنَّةُ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُجُودُها في عالَمِ الدُّنْيا ولَوْ سَلِمَ ذَلِكَ بِكَوْنِ العِوَضِ الجَنَّةَ المَوْعُودَ بِها لا نَفْسَ الوَعْدِ بِها عَلى أنَّ حَدِيثَ احْتِمالِ كَوْنِ الشِّراءِ حَقِيقَةً لَوْ قِيلَ بِالجَنَّةِ يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ كَما قِيلَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الشِّراءِ مِمّا لا يَصِحُّ مِنهُ تَعالى لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مالِكُ الكُلِّ والشِّراءُ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ، ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ: طَلَبُ الشِّراءِ يُبْطِلُ دَعْوى المِلْكِيَّةِ نَعَمْ قَدْ لا يُبْطِلُ في بَعْضِ الصُّوَرِ كَما إذا اشْتَرى الأبُ دارًا لِطِفْلِهِ مِن نَفْسِهِ فَكَبِرَ الطِّفْلُ ولَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ باعَها الأبُ وسَلَّمَها لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ طَلَبَ الِابْنُ شِراءَها مِنهُ ثُمَّ عَلِمَ بِما صَنَعَ أبُوهُ فادَّعى الدّارَ فَإنَّهُ تُقْبَلُ دَعْواهُ ولا يُبْطِلُها ذَلِكَ الطَّلَبُ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الأسْتُرُوشْنِيِّ لَكِنَّ هَذا لا يَضُرُّنا فِيما نَحْنُ فِيهِ.

ومِنَ المُحَقِّقِينَ مِن وجْهِ دَلالَةِ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الوَعْدِ بِأنَّهُ يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ عَدَمَ التَّسْلِيمِ وهو عَيْنُ الوَعْدِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ مِنكَ كَذا بِكَذا احْتَمَلَ النَّقْدَ بِخِلافِ ما إذا قُلْتَ: بِأنَّ لَكَ كَذا فَإنَّهُ في مَعْنى لَكَ عَلَيَّ كَذا وفي ذِمَّتِي واللّامُ هُنا لَيْسَتْ لِلْمِلْكِ إذْ لا يُناسِبُ شِراءَ مِلْكِهِ بِمِلْكِهِ كالمَمْهُورَةِ إحْدى خَدَمَتَيْها فَهي لِلِاسْتِحْقاقِ وفِيهِ إشْعارٌ بِعَدَمِ القَبْضِ، وأمّا كَوْنُ تَمامِ الِاسْتِعارَةِ مَوْقُوفًا عَلى ذَلِكَ فَلَهُ وجْهٌ أيْضًا حَيْثُ كانَ المُرادُ بِالِاسْتِعارَةِ الِاسْتِعارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ إذْ لَوْلاهُ لَصَحَّ جَعْلُ الشِّراءِ مَجازًا عَنِ الِاسْتِبْدالِ مَثَلًا وهو مِمّا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ مَعَ تَأتِّي التَّمْثِيلِ مِنَ البَلاغَةِ واللَّطائِفِ عَلى ما لا يَخْفى لَكِنْ أنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الكَلامَ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ومِمّا أشَرْنا إلَيْهِ مِن فَضِيلَةِ التَّمْثِيلِ يُعْلَمُ انْحِطاطُ القَوْلِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ في ﴿ اشْتَرى ﴾ وحْدَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: بَيانٌ لِمَكانِ التَّسْلِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ البَيْعَ سَلِمَ كَما قالَ الطِّيبِيُّ وغَيْرُهُ وقِيلَ: بَيانٌ لِما لِأجْلِهِ الشِّراءُ كَأنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى ﴾ إلَخْ قِيلَ: لِماذا فَعَلَ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: لِيُقاتِلُوا في سَبِيلِهِ تَعالى وقِيلَ: بَيانٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَبِيعُونَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ؟

فَقِيلَ: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وذَلِكَ بَذْلٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ إلى جِهَتِهِ تَعالى وتَعْرِيضٌ لَهُما لِلْهَلاكِ.

وقِيلَ: بَيانٌ لِنَفْسِ الِاشْتِراءِ وقِيلَ: ذِكْرٌ لِبَعْضِ ما شَمِلَهُ الكَلامُ السّابِقُ اهْتِمامًا بِهِ عَلى أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم بِصَرْفِها في العَمَلِ الصّالِحِ وأمْوالَهم بِبَذْلِها فِيما يُرْضِيهِ وهو في جَمِيعِ ذَلِكَ خَبَرٌ لَفْظًا ومَعْنًى ولا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.

وقِيلَ: إنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وتُجاهِدُونَ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ) ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أتى بِالمُضارِعِ بَعْدَ الماضِي لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَرَيْتُ مِنكم أنْفُسَكم في الأزَلِ وأعْطَيْتُ ثَمَنَها الجَنَّةَ فَسَلِّمُوا المَبِيعَ واسْتَمِرُّوا عَلى القِتالِ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ النَّظَرِ.

وانْظُرْ هَلْ ثَمَّ مانِعٌ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَرى مِنهم ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ مُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ فَإنِّي لَمْ أقِفْ عَلى مَن صَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ أوْفَقُ الأوْجُهِ بِالِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، تَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بَذْلًا لِلنَّفْسِ وأنَّ المُقاتِلَ في سَبِيلِهِ تَعالى باذِلٌ لَها وإنْ كانَتْ سالِمَةً غانِمَةً، فَإنَّ الإسْنادَ في الفِعْلَيْنِ لَيْسَ بِطَرِيقِ اشْتِراطِ الجَمْعِ بَيْنَهُما ولا اشْتِراطِ الِاتِّصافِ بِأحَدِهِما البَتَّةَ بَلْ بِطَرِيقِ وصْفِ الكُلِّ بِحالِ البَعْضِ، فَإنَّهُ يَتَحَقَّقُ القِتالُ مِنَ الكُلِّ سَواءٌ وُجِدَ الفِعْلانِ أوْ أحَدُهُما مِنهم أوْ مِن بَعْضِهِمْ بَلْ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم أحَدُهُما أيْضًا، كَما إذا وجَدَ المُضارَبَةَ ولَمْ يُوجَدِ القَتْلُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ، ويُفْهَمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يَتَحَقَّقُ الجِهادُ بِمُجَرَّدِ العَزِيمَةِ والنَّفِيرِ وتَكْثِيرِ السَّوادِ وإنْ لَمْ تُوجَدْ مُضارَبَةٌ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ لِما أنَّ في ذَلِكَ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ أُجُورَ المُجاهِدِينَ مُخْتَلِفَةٌ قِلَّةً وكَثْرَةً وإنْ كانَ هُناكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم.

فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِن غازِيَةٍ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ إلّا تَعَجَّلُوا ثُلْثَيْ أجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، ويَبْقى لَهُمُ الثُّلُثُ، وإنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهم أجْرُهم» .

وفي رِوايَةٍ أُخْرى: «ما مِن غازِيَةٍ أوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو وتَسْلَمُ إلّا كانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلْثَيْ أُجُورِهِمْ، وما مِن غازِيَةٍ أوْ سَرِيَّةٍ تُحْنَقُ وتُصابُ إلّا أتَمَّ أُجُورَهم» .

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم في الأجْرِ سَواءٌ ولا يَنْقُصُ أجْرُهم بِالغَنِيمَةِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن أنَّ المُجاهِدَ يَرْجِعُ بِما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ، وبِأنْ أهْلَ بَدْرٍ غَنِمُوا وهم هم ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ خَبَرَ الصَّحِيحَيْنِ مُطْلَقٌ وخَبَرَ مُسْلِمٍ مُقَيَّدٌ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ لِمَ يَجِئْ نَصٌّ في أهْلِ بَدْرٍ أنَّهم لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكانَ أجْرُهم عَلى قَدْرِ أجْرِهِمْ وقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ، وكَوْنُهم هم هم لا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ وراءَ مَرْتَبَتِهِمْ مَرْتَبَةٌ أُخْرى أفْضَلُ مِنها، والقَوْلُ بِأنَّ في السَّنَدِ أبا هانِئٍ وهو مَجْهُولٌ فَلا يُعَوَّلُ عَلى خَبَرِهِ غَلَطٌ فاحِشٌ فَإنَّهُ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وحَيْوَةُ وابْنُ وهْبٍ وخَلائِقُ مِنَ الأئِمَّةِ ويَكْفِي في تَوْثِيقِهِ احْتِجاجُ مُسْلِمٍ بِهِ في صَحِيحِهِ، ومِثْلَ هَذا ما حَكاهُ القاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أنَّ تَعَجُّلَ ثُلْثَيِ الأجْرِ إنَّما هو في غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلى غَيْرِ وجْهِها إذْ لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثُلُثُ الأجْرِ، وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ الحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلى مَن خَرَجَ بِنِيَّةِ الغَزْوِ والغَنِيمَةِ مَعًا فَإنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ ثَوابَهُ لا مَحالَةَ، فالصَّوابُ أنَّ أجْرَ مَن لَمْ يَغْنَمْ أكْثَرُ مِن أجْرِ مَن غَنِمَ لِصَرِيحِ ما ذَكَرْناهُ المُوافِقِ لِصَرائِحِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشْهُورَةِ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ أجْرَ مَن قُتِلَ أكْثَرُ مِن أجْرِ مَن قَتَلَ لِكَوْنِ الأوَّلِ مِنَ الشُّهَداءِ دُونَ الثّانِي، وظاهِرُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: «مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو شَهِيدٌ» .

أنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى والمَوْتَ فِيها سَواءٌ في الأجْرِ وهو المُوافِقُ لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ واسْتَدَلَّ لَهُ أيْضًا بَعْضُ العُلَماءِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وتَقْدِيمُ حالَةِ القاتِلِيَّةِ في الآيَةِ عَلى حالَةِ المَقْتُولِيَّةِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَهُما في كَوْنِهِما مِصْداقًا لِكَوْنِ القِتالِ بَذْلًا لِلنَّفْسِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ رِعايَةً لِكَوْنِ الشَّهادَةِ عَرِيقَةً في هَذا البابِ إيذانًا بِعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِالمَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بَلْ بِكَوْنِهِ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ السَّلامَةِ كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ في حَقِّهِمْ: لا يَفْرَحُونَ إذا نالَتْ رِماحُهم قَوْمًا ولَيْسُوا مَجازِيعا إذا نِيلُوا لا يَقَعُ الطَّعْنُ إلّا في نُحُورِهِمْ ∗∗∗ وما لَهم عَنْ حِياضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ دَلالَةٌ عَلى جَراءَتِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَنْكَسِرُوا لِأنْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ، ومِنَ النّاسِ مَن دَفَعَ السُّؤالَ بِعَدَمِ مُراعاةِ التَّرْتِيبِ في هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِيهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِي لِأنَّ تَقْدِيمَ ما حَقُّهُ التَّأْخِيرُ في أبْلَغِ الكَلامِ لا يَكُونُ بِسَلامَةِ الأمِيرِ كَما لا يَخْفى ﴿ وعْدًا عَلَيْهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لِأنَّ مَعْنى الشِّراءِ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وعْدٌ لَهم بِها عَلى الجِهادِ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: (حَقًّا) نَعْتٌ لَهُ و(عَلَيْهِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ حَقًّا ﴾ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ: وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِوَعْدًا أيْضًا أيْ وعْدًا مُثْبَتًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَما هو مُثْبَتٌ في القُرْآنِ فالمُرادُ إلْحاقُ ما لًا يُعْرَفُ بِما يُعْرَفُ إذْ مِنَ المَعْلُومِ ثُبُوتُ هَذا الحُكْمِ في القُرْآنِ ثُمَّ إنَّ ما في الكِتابَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اشْتَرى اللَّهُ تَعالى مِنهم أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِذَلِكَ أوْ أنَّ مَن جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ لَهُ ذَلِكَ وفي كِلا الأمْرَيْنِ ثُبُوتٌ مُوافِقٌ لِما في القُرْآنِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ بِاشْتَرى ووَعْدًا وحَقًّا ﴿ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونٍ ما قَبْلَهُ مِن حَقِيقَةِ الوَعْدِ والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عُرْفًا نَفْيُ المُساواةِ أيْ لا أحَدَ مِثْلُهُ تَعالى في الوَفاءِ بِعَهْدِهِ وهَذا كَما يُقالُ: لَيْسَ في المَدِينَةِ أفْقَهُ مِن فُلانٍ فَإنَّهُ يُفِيدُ عُرْفًا أنَّهُ أفْقَهُ أهْلِها، ولا يَخْفى ما في جَعْلِ الوَعْدِ عَهْدًا ومِيثاقًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ﴿ فاسْتَبْشِرُوا ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِهِمْ لِزِيادَةِ التَّشْرِيفِ والِاسْتِبْشارُ إظْهارٌ لِسُرُورِهِمْ ولَيْسَتِ السِّينُ فِيهِ لِلطَّلَبِ والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ أوْ تَرْتِيبِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَأظْهِرُوا السُّرُورَ بِما فُزْتُمْ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ بِبَيْعِكُمُ ﴾ مَعَ أنَّ الِابْتِهاجَ بِهِ بِاعْتِبارِ أدائِهِ إلى الجَنَّةِ لِأنَّ المُرادَ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالبَيْعِ ولَمْ يُذْكَرِ العَقْدُ بِعُنْوانِ الشِّراءِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ سُبْحانَهُ لا مِن قِبَلِهِمْ والتَّرْغِيبُ عَلى ما قِيلَ إنَّما يَتِمُّ فِيما هو مِن قِبَلِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ بَيْعِهِمْ ولِلْإشْعارِ بِتَمَيُّزِهِ عَلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ بَيْعُ الفانِي بِالباقِي ولِأنَّ كِلا البَدَلَيْنِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِن هُنا كانَ الحَسَنُ إذا قَرَأ الآيَةَ يَقُولُ: أنْفُسٌ هو خَلَقَها وأمْوالٌ هو رَزَقَها ﴿ وذَلِكَ ﴾ أيِ البَيْعُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ 111﴾ الَّذِي لا فَوْزَ أعْظَمُ مِنهُ وما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ إشارَةٌ إلى بُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وسُمُوِّ رُتْبَتِهِ في الكَمالِ والجُمْلَةُ تَذْلِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الأمْرِ السّابِقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْلِيلًا لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ، والإشارَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ ثَمَنًا بِمُقابَلَةِ ما بَذَلُوا مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلثَّمَنِ ومِنهُ يُعْلَمُ حالُ المُثَمِّنِ ونُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنْهُ أنْشَدَ لِلصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أُثامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّها ∗∗∗ فَلَيْسَ لَها في الخَلْقِ كُلِّهِمْ ثَمَنُ بِها أشْتَرِي الجَنّاتِ إنْ أنا بِعْتُها ∗∗∗ بِشَيْءٍ سِواها إنَّ ذَلِكم غَبْنُ إذا ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْيا أصَبْتُها ∗∗∗ فَقَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي وقَدْ ذَهَبَ الثَّمَ نُ والمَشْهُورُ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِأبْدانِكم ثَمَنٌ إلّا الجَنَّةُ فَلا تَبِيعُوها إلّا بِها، وهو ظاهِرٌ في أنَّ المَبِيعَ هو الأبْدانُ وبِذَلِكَ صَرَّحَ بَعْضُ الفُضَلاءِ في حَواشِيهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الجَوْهَرِ الباقِي بَدَنُهُ الَّذِي هو مَرْكَبُهُ وآلَتُهُ والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِالجَوْهَرِ الباقِي الجَوْهَرَ المُجَرَّدَ المَخْصُوصَ وهو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، ولا يَخْفى أنَّ جُمْهُورَ المُتَكَلِّمِينَ عَلى نَفْيِ المُجَرَّداتِ وإنْكارِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وأنَّ الإنْسانَ هو هَذا الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ وبِذَلِكَ أبْطَلَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُتَأخِّرِينَ مِن أفاضِلِ المُعاصِرِينَ القَوْلَ بِخَلْقِ الأفْعالِ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ الفاعِلِ والقابِلِ واحِدًا، وقَدْ قالُوا: بِامْتِناعِ اتِّحادِهِما والإنْصافُ إثْباتُ شَيْءٍ مُغايِرٍ لِلْبَدَنِ والهَيْكَلِ المَحْسُوسِ في الإنْسانِ، والمَبِيعُ إمّا ذاكَ ومَعْنى بَيْعِهِ تَعْرِيضُهُ لِلْمَهالِكِ والخُرُوجِ عَنِ التَّعَلُّقِ الخاصِّ بِالبَدَنِ، وإمّا البَدَنُ ومَعْنى بَيْعِهِ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ رُبَّما يَدَّعِي أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ النَّفْسِ غَيْرُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، معناه: إنه طلب من المؤمنين أن يفدوا أنفسهم وأموالهم، ويخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله، ليثيبهم الجنة.

وذكر الشراء على وجه المثل، لأن الأموال والأنفس كلها لله تعالى، وهي عند أهلها عارية، ولكنه أراد به التحريض والترغيب في الجهاد.

وهذا كقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة: 245] ثم قال: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: في طاعة الله تعالى مع العدو.

فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، يعني: يقتلون العدو ويقتلهم العدو.

قرأ حمزة والكسائي فَيَقْتُلُونَ بالرفع وَيُقْتَلُونَ بالنصب على معنى التقديم والتأخير، وقرأ الباقون يُقْتَلُونَ بالنصب وَيُقْتَلُونَ بالرفع.

وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا، يعني: واجباً لهم ذلك، بأن يفي لهم ما وعد، وبين لهم ذلك فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، يعني: ليس أحد أوفى من الله تعالى في عهده وشرطه، لأنه عهد أن مَنْ قتل في سبيل الله، فله الجنة، فيفي عهده ذلك وينجز وعده.

ثم قال: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وهذا إعلام لهم أنهم يربحون في مبايعتهم.

ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يعني: الثواب الوافر والنجاة الوافرة.

قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ إلى آخره يعني: لهم الجنة، ويقال: هم التائبون، ويقال: صار رفعاً بالابتداء وجوابه مضمر، قرأ عاصم التّائبين العابدين يعني: اشترى من المؤمنين التائبين العابدين إلى آخره، ويقال: اشترى من عشرة نفر أولهم الغزاة، ومن التائبين الذين يتوبون عن الذنوب، والذين هم الْعَابِدُونَ، يعني: الموحدون، ويقال: المطيعون لله تعالى في الطاعة والجهاد.

الْحامِدُونَ، الذين يحمدون الله على كل حال، السَّائِحُونَ، قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والحسن: يعني الصائمين، وأصله: السائح في الأرض، لأن السائح في الأرض يكون ممنوعاً عن الشهوات، فشبّه الصائم به.

وذكر عن بعضهم أنه قال: هم الذين يصومون شهر الصبر وهو شهر رمضان، وأيام البيض الرَّاكِعُونَ، يعني: الذين يحافظون على الصلوات السَّاجِدُونَ، الذين يسجدون لله تعالى في الصلوات.

الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، يعني: يأمرون الناس بالتوحيد وأعمال الخير.

وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، الذين ينهون الناس عن الشرك والأعمال الخبيثة وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، يعني: العاملين بما فرض الله عليهم.

وذكر عن خلف بن أيوب: أنه أمر امرأته في بعض الليل أن تمسك الرضاع عن الولد، فقالت: لم؟

فقال: لأنه قد تمت سنتان.

فقيل له: لو تركتها حتى ترضع تلك الليلة، وأيش يكون؟

فقال: أين قول الله تعالى وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، ثم قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، يعني: المصدقين بهذا الشرط والعاملين به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» وفي قوله تعالَى: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، مع قوله: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [القارعة: ٩] إِشَارَةٌ إِلَى أَن النار تَحْتُ كما أن الجَنَّةَ فَوْقُ.

انتهى.

والرِّيبة: الشَّكُّ، وقد يسمى ريبةً فسادُ المعتقدِ، ومعنى الرِّيبةِ، في هذه الآية: أمرٌ يعمُّ الغيظَ والحَنَقَ، ويعمُّ اعتقاد صَوَابِ فعْلهم ونحو هذا ممَّا يُؤدِّي كلُّه إِلى الارتياب في الإِسلامِ، فمقصدُ الكلام: لا يَزَالُ هذا البنيانُ الذي هُدِّم لهم، يُبْقِي في قلوبهم حَزَازَةً وأَثَرَ سُوءٍ، وبالشكِّ فسَّر ابن عباس الريبةَ هنا «٢» .

وبالجملة إِن الريبة هنا تعمُّ معانيَ كثيرةً يأخذ كلُّ منافق منها بحَسَب قَدْره من النِّفاق.

وقوله: «أَلا أَنْ تُقطَّع قلوبهم» - بضم التاء- يعني: بالموت، قاله ابن عباس وغيره «٣» وفي مُصْحَف «٤» أُبَيٍّ: «حَتَّى المَمَاتِ» ، وفيه: «حتّى تقطّع» .

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)

وقوله عزَّ وجلَ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ...

الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ في البَيْعة الثالثة، وهي بيعةُ العَقَبة الكُبْرَى، وهي التي أَنَافَ فيها رجالُ الأنصار على السبعين وذلك أنهم اجتمعوا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند العقبة، فقالوا: اشترط لك، وَلَرَبِّكَ، والمتكلِّمُ بذلك عبدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَة «٥» فاشترط نبيُّ الله

حمايته ممَّا يحمُونَ منه أنفسهم، واشترط لربِّهِ التزام الشريعةِ، وقِتَالَ الأَحمَرِ والأَسْوَدِ في الدَّفْع عن الحَوْزَة، فقالوا: مَا لَنَا عَلَى ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟

فَقَالَ: الجَنَّةُ، فَقَالُوا: نَعَمْ، رَبحَ البَيْعُ، لاَ تَقِيلُ وَلاَ تُقَالُ، وفي بعض الرواياتِ: «وَلاَ نَسْتَقِيلُ» فنزلَتِ الآية في ذلك.

وهكذا نقله ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» ، عن عبد اللَّه بن رَوَاحَة، ثم ذكر من طريق الشعبيِّ، عن أبي أمامة أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ نحو كلام ابنِ رَوَاحَةَ.

قال ابن العربيِّ «٢» : وهذا وإن كان سنده مقطوعاً، فإن معناه ثابتٌ مِنْ طرق.

انتهى.

ثم الآية بَعْدَ ذلك عامَّة في كلِّ من جَاهَدَ في سبيلِ اللَّهِ مِنْ أمة نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى يوم القيامة، قال بعضُ العلماء: مَا مِنْ مُسْلِم إلا وللَّه في عُنُقِهِ هذه البَيْعَةُ، وفى بِهَا أو لم يَفِ، وفي الحديث: «إِنَّ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرًّا حَتَّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ، فَإِذَا فَعَلَ، فَلاَ بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ» .

وأسند الطبريُّ عن كثير من أهْلِ العِلْم أنهم قالوا: ثَامَنَ اللَّه تَعَالَى في هذه الآية عِبَادَهُ، فَأَغْلَى لهم وقاله ابن عباس وغيره «٣» ، وهذا تأويلُ الجمهور.

وقال ابن عُيَيْنَة: معنى الآية: اشترى منهم أنفسهم ألاَّ يُعْمِلُوهَا إلا في طاعته، وأموالَهُمْ أَلاَّ يُنْفِقُوها إِلاَّ في سبيله، فالآية علَى هذا: أعمُّ من القَتْلِ في سبيل اللَّه.

وقوله: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ على تأويل ابْنِ عُيَيْنة: مقطوعٌ، ومستأنفٌ، وأما على تأويل الجمهور مِنْ أَنَّ الشراء والبَيْع إِنما هو مع المجاهدين، فهو في موضع الحال.

وقوله سبحانه: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ: قال المفسِّرون:

يظهر من قوله: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أن كلَّ أُمَّة أُمِرَتْ بالجهاد، ووُعِدَتْ عليه.

قال ع «٤» : ويحتملُ أَنَّ ميعاد أمّة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، تقدَّم ذكره في هذهِ الكُتُب، واللَّه أعلم.

قال ص: وقوله: فَاسْتَبْشِرُوا: ليس للطلب، بل بمعنى: أَبْشِرُوا كاستوقد، قال أبو عُمَرَ بْنُ عبد البر في كتابه المسمى ب «بهجة المجالس» : وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له» «١» .

وعن ابن عباس مثله.

انتهى.

وباقي الآية بَيِّن.

قال الفَخْر: واعلم أَنَّ هذه الآية مشتملةٌ على أنواع من التأكيدات:

فأولها: قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ، فكون المشتَرِي هو اللَّه المقدَّس عن الكَذِبِ والحِيلَة مِنْ أَدَلِّ الدلائل على تأكيد هذا العَهْد.

والثاني: أنه عبر عن إِيصال هذا الثواب بالبَيْعِ والشراءِ، وذلك حَقٌّ مُؤَكَد.

وثالثها: قوله: وَعْداً، ووعد اللَّه حقٌّ.

ورابعها: قوله: عَلَيْهِ، وكلمةُ «عَلى» للوجوب.

وخامسها: قوله: حَقًّا، وهو تأكيد للتحقيق.

وسادسها: قوله: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وذلك يجري مَجْرَى إِشهاد جميع الكُتُب الإِلهية، وجمِيعِ الأَنبياء والمُرْسلين عَلى هذه المبايعة.

وسابعها: قوله: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، وهو غايةُ التأكيد.

وثامنها: قوله: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وهو أيضاً مبالغةٌ في التأكيد.

وتاسعها: قوله: وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ.

وعاشرها: قوله: الْعَظِيمُ.

فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوهِ العَشَرةِ في التأكيدِ والتقريرِ والتحقيق.

انتهى.

وقوله عزَّ وجلَّ: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ، إلى قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، هذه الأوصافُ هي مِنْ صفات المؤمنين الذين ذكر اللَّه أنَّه اشترى منهم أنفُسَهُمْ وأموالهم، ومعنى الآية، على ما تقتضيه أقوالُ العلماء والشَّرْعُ: أنها أوصافُ الكَمَلَةِ من المؤمنين، ذكرها سبحانه، لِيَسْتَبِقَ إِليها أهْلُ التوحيد حتى يكُونوا في أعْلَى رتبةٍ، والآية الأولى مستقلّة

بنفسها، يقع تَحْتَ تلك المبايعة كلُّ موحِّد قاتَلَ في سبيل اللَّهِ، لتكونَ كلمة اللَّه هي العليا، وإِنْ لم يتَّصفْ بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها، وقالَتْ فرقةٌ: بل هذه الصفاتُ جاءت علَى جهة الشَّرْط، والآيتان مرتبطتان، فلا يَدْخُلُ في المبايعة إِلا المؤْمِنُونَ الذين هُمْ عَلى هذه الأوصاف، وهذا تحريجٌ وتضييقٌ، والأول أصوبُ، واللَّه أعلم.

والشهادة ماحيةٌ لكلِّ ذنب إلا لمظالِمِ العِبَادِ، وقد روي أن اللَّه عِزَّ وجلَّ يحمل على الشَّهِيدِ مَظَالِمَ العبادِ، ويجازِيهِمْ عنه، ختم الله لنا بالحسنى.

والسَّائِحُونَ: معناه: الصائمون، وروي عن عائشة، أَنها قالَتْ: سِيَاحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيَام «١» أسنده الطبريُّ «٢» ، وروي أنه من كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٣» .

قَالَ الفَخْر: ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذَّهاب في الأرض، سُمِّي الصائم سائحاً لاستمراره على فِعْل الطاعة وترك المَنْهِيِّ عنه مِنْ المفطِّرات.

قال الفَخْر «٤» : عندي فيه وجْهٌ آخر، وهو أن الإِنسان إذا امتنع مِنَ الأَكل والشُّرب والوِقاع، وسَدَّ عَلَى نفسه بَابَ الشهواتِ، انفتحت له أبوابُ الحكمةُ وتجَلَّتْ له أنوار عالم الجلال ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أَخْلَصَ للَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ «٥» فَيَصير من السائحين في عالَمِ جلالِ اللَّه المنتقلينِ مِنْ مقام إلى مقام، ومن

درجةٍ إلى درجةٍ» .

انتهى.

قال ع «١» : وقال بعضُ النَّاس، وهو في كتاب النَّقَّاش: السَّائِحُونَ: هم الجائلون بأفكارهم في قُدْرة اللَّه ومَلَكُوتهُ وهذا قولٌ حَسَن، وهو من أفضل العباداتِ، والرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ: هم المصلُّون الصَّلوات كذا قال أهل العلم، ولكن لا يختلف في أنَّ من يكثر النَّوافلَ هو أَدْخَلُ في الاسم، وأَعْرَقُ في الاتصاف.

وقوله: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ لفظٌ عامٌّ تحته/ التزام الشريعة.

ت: قال البخاريُّ: قال ابن عباس: الحدود: الطاعة «٢» .

قال ابن العربيُّ «٣» في «أحكامه» ، وقوله: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ خَاتمةُ البيان، وعمومُ الاشتمال لكلِّ أمْر ونهْي.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ الأنْصارَ لَمّا بايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ  لَيْلَةَ العَقَبَةِ وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ، فَقالَ "أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكُمْ"، قالُوا: فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ، فَما لَنا؟

قالَ: "الجَنَّةُ" قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ، لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتْ ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى.

.

.

﴾ الآَيَةُ،» قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.

فَأمّا اشْتِراءُ النَّفْسِ فَبِالجِهادِ.

وَفِي اشْتِراءِ الأمْوالِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: بِالإنْفاقِ في الجِهادِ.

والثّانِي: بِالصَّدَقاتِ.

وذِكْرُ الشِّراءِ هاهُنا مَجازٌ، لِأنَّ المُشْتَرِيَ حَقِيقَةً هو الَّذِي لا يَمْلِكُ المُشْتَرى، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ  ﴾ .

والمُرادُ مِنَ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالجِهادِ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لَيُجازِيهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِالجَنَّةِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشِّراءِ لِما تَضْمَّنَ مِن عِوَضٍ ومُعَوِّضٍ.

وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: لا واللَّهِ، إنَّ في الدُّنْيا مُؤْمِنٌ إلّا وقَدْ أُخِذَتْ بَيْعَتُهُ.

وقالَ قَتادَةُ: ثامَنَهم واللَّهِ فَأغْلى لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ "فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ" فاعِلٌ ومَفْعُولٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "فَيُقْتَلُونَ ويَقْتُلُونَ" مَفْعُولٌ وفاعِلٌ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: القِراءَةُ الأوْلى بِمَعْنى أنَّهم يَقْتُلُونَ أوَّلًا ويُقْتَلُونَ، والأُخْرى يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في المَعْنى كالأوْلى، لِأنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّقْدِيمُ؛ فَإنْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ التَّقْدِيمَ، فالمَعْنى: يَقْتُلُ مَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ قَتْلِ، مَن قُتِلَ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ  ﴾ ما وهَنَ مَن بَقِيَ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ.

ومَعْنى الكَلامِ: إنَّ الجَنَّةَ عِوَضٌ عَنْ جِهادِهِمْ، قَتَلُوا أوْ قُتِلُوا.

"وَعَدًا عَلَيْهِ"، قالَ الزَّجّاجُ: نَصَبَ "وَعْدًا" بِالمَعْنى، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ : ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ كُلِّ مِلَّةٍ أمَرُوا بِالقِتالِ ووَعَدُوا عَلَيْهِ الجَنَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أوْفى ﴾ أيْ: لا أحَدَ أوْفى بِما وعَدَ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا أيْ: فافْرَحُوا بِهَذا البَيْعِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهَ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهَ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ الضَمِيرُ في بُنْيانُهُمُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ البانِينَ لِلْمَسْجِدِ ومَن شارَكَهم في غَرَضِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي بَنَوْا ﴾ تَأْكِيدٌ وتَصْرِيحٌ بِأمْرِ المَسْجِدِ ورَفْعٌ لِلْإشْكالِ، والرِيبَةُ: الشَكُّ، وقَدْ يُسَمّى رِيبَةً فَسادُ المُعْتَقَدِ واضْطِرابُهُ والِاعْتِراضُ في الشَيْءِ والتَخَبُّطُ فِيهِ والحَزازَةُ مِن أجْلِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَكًّا، فَقَدْ يَرْتابُ مَن لا يَشُكُّ، ولَكِنَّها في مُعْتادِ اللُغَةِ تَجْرِي مَعَ الشَكِّ، ومَعْنى الرِيبَةِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- أمْرٌ يَعُمُّ الغَيْظَ والحَنَقَ ويَعُمُّ اعْتِقادَ صَوابِ فِعْلِهِمْ ونَحْوَ هَذا مِمّا يُؤَدِّي كُلُّهُ إلى الرِيبَةِ في الإسْلامِ، فَمَقْصِدُ الكَلامِ: لا يَزالُ هَذا البُنْيانُ الَّذِي هُدِمَ لَهم يُبْقِي في قُلُوبِهِمْ حَزازَةً وأثَرَ سُوءٍ وبِالشَكِّ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الرِيبَةَ هُنا، وفَسَّرَها السُدِّيُّ بِالكُفْرِ، وقِيلَ لَهُ: أفَكَفَرَ مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ؟

قالَ: لا ولَكِنَّها حَزازَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَجْمَعُ رَحِمَهُ اللهُ قَدْ أقْسَمَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ ما عَلِمَ باطِنَ القَوْمِ ولا قَصَدَ سُوءًا، والآيَةُ إنَّما عَنَتْ مَن أبْطَنَ سُوءًا، فَلَيْسَ مَجْمَعٌ مِنهم.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَزالُونَ مُرِيبِينَ بِسَبَبِ بِنائِهِمُ الَّذِي اتَّضَحَ فِيهِ نِفاقُهُمْ، وجُمْلَةُ هَذا أنَّ الرِيبَةَ في الآيَةِ تَعُمُّ مَعانِيَ كَثِيرَةً يَأْخُذُ كُلُّ مُنافِقٍ مِنها بِحَسَبِ قَدْرِهِ مِنَ النِفاقِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" بِضَمِّ التاءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ-: "إلّا أنْ تَقَطَّعَ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: "إلى أنْ تَقَطَّعَ" عَلى مَعْنى: إلى أنْ يَمُوتُوا، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إلى أنْ تَقْطَعَ"، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ "إلّا أنْ يُقْطِعَ" بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الطاءِ ونَصْبِ القُلُوبِ، أيْ: بِالقَتْلِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقِيلَ: بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: بِالتَوْبَةِ، ولَيْسَ هَذا بِالظاهِرِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ: أو يَتُوبُوا تَوْبَةً نَصُوحًا يَكُونُ مَعَها مِنَ النَدَمِ والحَسْرَةِ عَلى الذَنْبِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ هَمًّا وفِكْرَةً، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ"، وكَذَلِكَ قَرَأها أصْحابُهُ وحَكاها أبُو عَمْرٍو: "وَإنْ قُطِعَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "حَتّى المَماتِ"، وفِيهِ "تُقْطَعُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْعَةِ الثالِثَةِ وهي بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، وهي الَّتِي أنافَ فِيها رِجالُ الأنْصارِ عَلى السَبْعِينَ، وكانَ أصْغَرُهم سِنًّا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، وذَلِكَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ  عِنْدَ العَقَبَةِ فَقالُوا: اشْتَرِطْ لَكَ ولِرَبِّكَ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ، فاشْتَرَطَ رَسُولُ اللهِ  حِمايَتَهُ مِمّا يَحْمُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ، واشْتَرَطَ لِرَبِّهِ التِزامَ الشَرِيعَةِ وقِتالَ الأحْمَرِ والأسْوَدِ في الدَفْعِ عَنِ الحَوْزَةِ، فَقالُوا: ما لَنا عَلى ذَلِكَ؟

قالَ: الجَنَّةُ، فَقالُوا: نَعَمْ، رَبِحَ البَيْعُ لا نُقِيلُ ولا نُقالَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

ثُمَّ الآيَةُ -بَعْدَ ذَلِكَ- عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولِلَّهِ في عُنُقِهِ هَذِهِ البَيْعَةُ وفى بِها أو لَمْ يَفِ، وفي الحَدِيثِ: « "أنْ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرٌّ حَتّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَلا بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ"،» وهَذا تَمْثِيلٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ جَمِيلٌ صُنْعُهُ بِالمُبايَعَةِ، وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المُبايَعَةِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ نَفْسَيْنِ بِقَصْدٍ مِنهُما وتَمَلُّكٍ صَحِيحٍ، وهَذِهِ القِصَّةُ وَهَبَ اللهُ عِبادَهُ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِبَذْلِها في ذاتِهِ، ووَعَدَهم عَلى ذَلِكَ ما هو خَيْرٌ مِنها، فَهَذا غايَةُ التَفَضُّلِ، ثُمَّ شَبَّهَ القِصَّةَ بِالمُبايَعَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا: ثامَنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عِبادَهُ فَأعْلى لَهُمْ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنى الآيَةِ: اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم ألّا يُعْمِلُوها إلّا في طاعَةِ اللهِ، وأمْوالَهم ألّا يُنْفِقُوها إلّا في سَبِيلِ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- أعَمُّ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ، ومُبايَعَةُ الخُلَفاءِ هي مُنْتَزَعَةٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

كانَ الناسُ يُعْطُونَ الخُلَفاءَ طاعَتَهم ونَصائِحَهم وجِدَّهُمْ، ويُعْطِيهِمُ الخُلَفاءُ عَدْلَهم ونَظَرَهم والقِيامَ بِأُمُورِهِمْ.

وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ: ناهِيكَ مِن صَفْقَةٍ البائِعُ فِيها رَبُّ العُلا، والثَمَنُ جَنَّةُ المَأْوى، والواسِطَةُ مُحَمَّدٌ المُصْطَفى  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ ﴾ مَقْطُوعٌ ومُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وأمّا عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الشِراءَ والبَيْعَ إنَّما هو مَعَ المُجاهِدِينَ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وغَيْرُهُمْ: "فَيَقْتُلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، "وَيُقْتَلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَعْنى واحِدٌ إذِ الغَرَضُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ فَيُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَقْتُلُ وفِيهِمْ مَن يُقْتَلُ، وفِيهِمْ مَن يَجْتَمِعانِ لَهُ، وفِيهِمْ مَن لا تَقَعُ لَهُ واحِدَةٌ مِنهُما، ولَيْسَ الغَرَضُ أنْ يَجْتَمِعَ ولا بُدَّ لِكُلٍّ واحِدٍ واحِدٌ، وإذا اعْتُبِرَ هَذا بانَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ هو في مَعْنى الوَعْدِ فَجاءَ هو مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ .

وقالَ المُفَسِّرُونَ: يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ﴾ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُمِرَتْ بِالجِهادِ ووُعِدَتْ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنَّ مِيعادَ أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ  تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الكُتُبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، أيْ: لا أحَدَ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاسْتَبْشِرُوا ﴾ فِعْلٌ جاءَ فِيهِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، ولَيْسَ هَذا مِن مَعْنى طَلَبِ الشَيْءِ، كَما تَقُولُ: اسْتَوْقَدَ نارًا، واسْتَهْدى مالًا، واسْتَدْعى نَصْرًا، بَلْ هو كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَلِكَ البَيْعَ بِأنَّهُ ﴿ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ، أيْ أنَّهُ الحُصُولُ عَلى الحَظِّ الأغْبَطِ مِن حَطِّ الذُنُوبِ ودُخُولِ الجَنَّةِ بِلا حِسابٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للتنويه بأهل غزوة تبوك وهم جيش العُسْرة، ليكون توطئة وتمهيداً لذكر التوبة على الذين تخلفوا عن الغزوة وكانوا صادقين في أيمانهم، وإنْبَاءِ الذين أضمروا الكفر نفاقاً بأنهم لا يتوب الله عليهم ولا يستغفر لهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمناسبة ما تقدم من ذكر أحوال المنافقين الذين تسلسل الكلام عليهم ابتداءً من قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38] الآيات، وما تولد على ذلك من ذكر مختلف أحوال المخلفين عن الجهاد واعتلالهم وما عقب ذلك من بناء مسجد الضرار.

وافتتحت الجملة بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر، المتضمنة على أنه لما كان فاتحة التحريض على الجهاد بصيغة الاستفهام الإنكاري وتمثيلهم بحال من يُستنهض لعمل فيتثاقل إلى الأرض في قوله تعالى: ﴿ مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38] ناسب أن ينزل المؤمنون منزلة المتردد الطالب في كون جزاء الجهاد استحقاق الجنة.

وجيء بالمسند جملة فعلية لإفادتها معنى المضي إشارة إلى أن ذلك أمر قد استقر من قبل، كما سيأتي في قوله: ﴿ وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ ، وأنهم كالذين نسوه أو تناسوه حين لم يخفُوا إلى النفير الذي استنفروه إشارة إلى أن الوعد بذلك قديم متكرر معروف في الكتب السماوية.

والاشتراء: مستعار للوعد بالجزاء عن الجهاد، كما دل عليه قوله: ﴿ وعداً عليه حقاً ﴾ بمشابهة الوعدِ الاشتراءَ في أنه إعطاء شيء مقابل بذل من الجانب الآخر.

ولما كان شأن الباء أن تدخل على الثمن في صِيغ الاشتراء أدخلت هنا في ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ لمشابهة هذا الوعد الثمنَ.

وليس في هذا التركيب تمثيل إذ ليس ثمة هيئة مشبهة وأخرى مشبه بها.

والمراد بالمؤمنين في الأظهر أن يكون مؤمني هذه الأمة.

وهو المناسب لقوله بعد: ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ .

ويكون معنى قوله: ﴿ وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل ﴾ ما جاء في التوراة والإنجيل من وصف أصحاب الرسول الذي يختِم الرسالة.

وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ [الفتح: 29].

ويجوز أن يكون جميع المؤمنين بالرسل عليهم الصلاة والسلام وهو أنسب لقوله: ﴿ في التوراة والإنجيل ﴾ ، وحينئذٍ فالمراد الذين أمروا منهم بالجهاد ومن أمروا بالصبر على اتباع الدين من أتباع دين المسيحية على وجهها الحق فإنهم صبروا على القتل والتعذيب.

فإطلاق المقاتلة في سبيل الله على صبرهم على القتل ونحوه مجاز، وبذلك يكون فعل ﴿ يقاتلون ﴾ مستعملاً في حقيقته ومجازه.

واللام في ﴿ لهم الجنة ﴾ للملك والاستحْقاق.

والمجرور مصدر، والتقدير: بتحقيق تملكهم الجنة، وإنما لم يقل بالجنة لأن الثمن لما كان آجلاً كان هذا البيع من جنس السلم.

وجملة: ﴿ يقاتلون في سبيل الله ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن اشتراء الأنفس والأموال لغرابته في الظاهر يثير سؤال من يقول: كيف يبذلون أنفسهم وأموالهم؟

فكان جوابه ﴿ يقاتلون في سبيل الله ﴾ الخ.

قال الطيبي: «فقوله ﴿ يقاتلون ﴾ بيان، لأن مكان التسليم هو المعركة، لأن هذا البيع سَلَم، ومن ثَم قيل ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ ولم يقل بالجنة.

وأتي بالأمر في صورة الخبر ثم ألزم الله البيع من جانبه وضمن إيصال الثمن إليهم بقوله: ﴿ وعداً عليه حقاً ﴾ ، أي لا إقالة ولا استقالة من حضرة العزة.

ثم ما اكتفى بذلك بل عين الصكوك المثبت فيها هذه المبايعة وهي التوراة والإنجيل والقرآن» اه.

وهو يرمي بهذا إلى أن تكون الآية تتضمن تمثيلاً عكس ما فسرنا به آنفاً.

وقوله: ﴿ فيَقتُلُون ويُقتلون ﴾ تفريع على ﴿ يُقاتلون ﴾ ، لأن حال المقاتل لا تخلو من أحد هذين الأمرين.

وقرأ الجمهور ﴿ فيَقتلون ﴾ بصيغة المبني للفاعل وما بعده بصيغة المبني للمفعول.

وقرأ حمزة والكسائي بالعكس.

وفي قراءة الجمهور اهتمام بجهادهم بقتل العدو، وفي القراءة الأخرى اهتمام بسبب الشهادة التي هي أدخل في استحقاق الجنة.

و ﴿ وَعدا ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة من ﴿ اشترى ﴾ ، لأنه بمعنى وعد إذ العِوض مؤجل.

و ﴿ حقاً ﴾ صفة ﴿ وعْداً ﴾ .

و ﴿ عليه ﴾ ظرف لغو متعلق ب ﴿ حقاً ﴾ ، قُدم على عامله للاهتمام بما دل عليه حرف (على) من معنى الوجوب.

وقوله: ﴿ في التوراة ﴾ حال من ﴿ وعداً ﴾ .

والظرفية ظرفية الكتاب للمكتوب، أي مكتوباً في التوارة والإنجيل والقرآن.

وجملة: ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ في موضع الحال من الضمير المجرور في قوله: ﴿ وعداً عليه حقاً ﴾ ، أي وعداً حقاً عليه ولا أحد أوفى بعهده منه، فالاستفهام إنكاري بتنزيل السامع منزلة من يجعل هذا الوعد محتملاً للوفاء وعدمه كغالب الوعود فيقال: ومن أوفى بعهده من الله إنكاراً عليه.

و ﴿ أوفى ﴾ اسم تفضيل من وفّى بالعهد إذا فعل ما عاهد على فعله.

و ﴿ مِن ﴾ تفضيلية، وهي للابتداء عند سيبويه، أي للابتداء المجازي.

وذُكر اسم الجلالة عوضاً عن ضميره لإحضار المعنى الجامع لصفات الكمال.

والعهد: الوعد بحلف والوعد الموكد، والبيعة عهد، والوصية عهد.

وتفرع على كون الوعد حقاً على الله، وعلى أن الله أوفى بعهده من كل واعد، أنْ يستبشر المؤمنون ببيعهم هذا، فالخطاب للمؤمنين من هذه الأمة.

وأضيف البيع إلى ضميرهم إظهاراً لاغتباطهم به.

ووصفه بالموصول وصلته ﴿ الذي بايعتم به ﴾ تأكيداً لمعنى ﴿ بيعكم ﴾ ، فهو تأكيد لفظي بلفظ مرادف.

وجملة: ﴿ وذلك هو الفوز العظيم ﴾ تذييل جامع، فإن اسم الإشارة الواقع في أوله جامع لصفات ذلك البيع بعوضيْه.

وأكد بضمير الفصل وبالجملة الاسمية والوصف ب ﴿ العظيم ﴾ المفيد للأهمية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ ﴾ اشْتَرى أنْفُسَهم بِالجِهادِ، ﴿ وَأمْوالَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: نَفَقاتُهم في الجِهادِ.

والثّانِي: صَدَقاتُهم عَلى الفُقَراءِ.

﴿ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي الجَنَّةَ، وهَذا الكَلامُ مَجازٌ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِالجِهادِ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِالجَنَّةِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشِّراءِ لِما فِيهِ مِن عِوَضٍ ومُعَوِّضٍ مَضارٍّ في مَعْناهُ، ولِأنَّ حَقِيقَةَ الشِّراءِ لِما لا يَمْلِكُهُ المُشْتَرِي.

﴿ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الثَّوابَ عَلى الجِهادِ إنَّما يُسْتَحَقُّ إذا كانَ في طاعَتِهِ ولِوَجْهِهِ.

﴿ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ﴾ يَعْنِي أنَّ الجَنَّةَ عِوَضٌ عَنْ جِهادِهِمْ سَواءٌ قَتَلُوا أوْ قُتِلُوا.

فَرَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وهو في المَسْجِدِ فَكَبَّرَ النّاسُ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَ رِدائِهِ عَلى أحَدِ عاتِقَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؟

فَقالَ: نَعَمْ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: بَيْعٌ رَبِيحٌ لا نَقْبَلُ ولا نَسْتَقْبِلُ.

» وقالَ بَعْضُ الزُّهّادِ: لِأنَّهُ اشْتَرى الأنْفُسَ الفانِيَةَ بِالجَنَّةِ الباقِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال عبدالله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

قال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.

قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟

قال: الجنة.

قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل.

فنزلت ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: «نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ﴾ الآية.

فكبر الناس في المسجد.

فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟

قال: نعم.

فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقبل ولا نستقيل» .

وأخرج ابن مردويه عن أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله» .

وأخرج ابن سعد عن عباد بن الوليد بن عبادة بن الصامت «أن أسعد بن زرارة أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة فقال: يا أيها الناس هل تدرون علام تبايعون محمداً؟

إنكم تبايعونه على أن تحاربوا العرب والعجم والجن والإِنس كافة.

فقالوا: نحن حرب لمن حارب وسلم لمن سالم.

فقال أسعد بن زرارة: يا رسول الله اشترط عليَّ، فقال: تبايعوني على أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا تنازعوا الأمر أهله، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم.

قالوا: نعم.

قال قائل الأنصار: نعم هذا لك يا رسول الله فما لنا؟

قال: الجنة والنصر» .

وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم بالعباس بن عبد المطلب- وكان ذا رأي- إلى السبعين من الأنصار عند العقبة فقال العباس: ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة، فإن عليكم للمشركين عيناً وإن يعلموا بكم يفضحوكم.

فقال قائلهم وهو أبو أمامة أسعد: يا محمد سل لربك ما شئت ثم سل لنفسك وأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك.

فقال «أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم.

قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟

قال: الجنة.

فكان الشعبي إذا حدث هذا الحديث قال: ما سمع الشيب والشبان بخطبة أقصر ولا أبلغ منها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان إذا قرأ هذه الآية ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ قال: أنفس هو خلقها وأموال هو رزقها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة ﴾ قال: ثامنهم- والله- وأعلى لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: ما على ظهر الأرض مؤمن إلا قد دخل في هذه البيعة.

وفي لفظ: اسعوا إلى بيعة بايع الله بها كل مؤمن ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر من طريق عياش بن عتبة الحضرمي عن إسحاق بن عبدالله المدني قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله نزلت هذه الآية؟

فقال: نعم.

فقال الأنصار: بيع رابح لا نقيل ولا نستقيل قال عياش: وحدثني اسحق أن المسلمين كلهم قد دخلوا في هذه الآية، ومن كان منهم إذا احتيج إليه نفع وأغار، ومن كان منهم لا يغير إذا احتيج إليه فقد خرج من هذه البيعة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون ﴾ يعني يقاتلون المشركين ﴿ في سبيل الله ﴾ يعني في طاعة الله ﴿ فيقتلون ﴾ العدو ﴿ ويقتلون ﴾ يعني المؤمنين ﴿ وعداً عليه حقاً ﴾ يعني ينجز ما وعدهم من الجنة ﴿ في التوراة والإِنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ﴾ فليس أحد أوفى بعهده من الله ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ الرب تبارك بإقراركم بالعهد الذي ذكره في هذه الآية ﴿ وذلك ﴾ الذي ذكر من الثواب في الجنة للقاتل والمقتول ﴿ هو الفوز العظيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ قال: ثامنهم- والله- فأعلى لهم الثمن ﴿ وعداً عليه حقاً في التوراة والإِنجيل والقرآن ﴾ قال: وعدهم في التوراة والإِنجيل أنه من قتل في سبيل الله أدخله الجنة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: ما من مسلم إلا ولله تعالى في عنقه بيعة وفّى بها أو مات عليها ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين ﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن الربيع قال: في قراءة عبدالله رضي الله عنه «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة» .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله اشترى...

﴾ الآية.

قال: نسخها ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ [ التوبة: 91] الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن سليمان بن موسى رضي الله عنه: وجبت نصرة المسلمين على كل مسلم لدخوله في البيعة التي اشترى الله بها من المؤمنين أنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى ﴾ الآية، قال القرظي: (لما بايعت الأنصار رسول الله -  - ليلة العقبة بمكة، وهم سبعون نفسًا، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم" قالوا فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا قال: (الجنة) قالوا ربح البيع لا نقيل (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال أبو إسحاق: (وهذا مثل، كما قال: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾ \[البقر: 16\] (٦) قال أهل المعاني: (لا يجوز أن يشتري الله شيئًا في الحقيقة (٧) (٨) (٩) (١٠) ﴿ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد بالجنة) (١١) (١٢) قال الحسن: (اسمعوا والله بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة) (١٣) وقال الصادق (١٤) (١٥) وقال ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَمْوَاَلَهُم ﴾ : (يريد التي ينفقونها في سبيل الله، وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالاتهم (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (فيقتلون عدو المه ويقتلون في طاعتي ومحبتي) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا  ﴾ ، أي ما وهن من بقي منهم.

وقوله تعالى: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ هو [قال أبو إسحاق: (نصب ﴿ وَعْدًا ﴾ للمعني؛ لأن معنى قوله: ﴿ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾ وعدهم الجنة) (٢٢) ﴿ حَقًّا ﴾ ]، (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ﴾ ، قال الزجاج: (هذا يدل على أن كل أهل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة) (٢٦) وقال ابن عباس: (يريد شهدت لهم بهذه الشهادة وهذا الثواب في التوراة والإنجيل والقرآن الذي أنزل على محمد  ) (٢٧)  أنفسهم وأموالهم بالجنة، كما بين في القرآن، والقول هذا (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد بوعده) (٢٩) (١) ساقط من (ى).

ومعنى لا نقيل ولا نستقيل: لا نفسخ البيعة ولا نطلب فسخها، يقال: أقاله يقيله إقالة، وتقايلا: إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري.

انظر: "لسان العرب" (قيل) 6/ 3798.

(٢) رواه ابن جرير 11 - 35 - 36، والثعلبي 6/ 150 ب، والبغوي 4/ 98، ورواه عن جابر بنحوه مطولًا أحمد في "المسند" 3/ 222، والحاكم في "المستدرك" 2/ 624، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

(٣) ساقط من (ى).

(٤) أي قرر معهم ثمنه، يقال: ثامنت الرجل في المبيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه واشترائه.

"النهاية في غريب الحديث والأثر" (ثمن) 1/ 223.

(٥) ذكره عنهما الرازي في "تفسيره" 16/ 199 ومقاتل هذا يبدو أنه ابن حيان إذ لم أجد هذا القول في تفسير مقاتل بن سليمان، وعندي شك في صحة نسبته إلى مجاهد، إذ أن المؤلف في "الوسيط" 2/ 526، وغيره من المفسرين ذكروه عن قتادة، انظر مثلاً: "تفسير ابن جرير" 11/ 35، والثعلبي 6/ 151 أ، والبغوي 4/ 98، وابن الجوزي 3/ 504، وابن كثير 2/ 430، و"الدر المنثور" 3/ 502.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 471.

(٧) في (ح) و (ى): (بالحقيقة).

(٨) ساقط من (ى).

(٩) في (ح): (يمكنه)، وفي (ى): (يملك).

(١٠) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 199، والخازن في "تفسيره" 2/ 264 عن أهل المعاني.

وانظر: "المحرر الوجيز" 7/ 50، و"تفسير القرطبي" 8/ 267.

(١١) رواه ابن جرير 11/ 35، وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 505، وهو من طريق علي بن أبي طلحة.

(١٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 151 أ، والبغوي 4/ 98، وهي قراءة شاذة ولم يذكرها ابن خالويه ولا ابن جني.

(١٣) رواه ابن أبي حاتم 6/ 1886، والثعلبي 6/ 151 أ، ورواه البغوي 4/ 98 مختصرًا.

(١٤) هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف بالصادق.

(١٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 151 أ، والرازي: 16/ 199.

(١٦) كذا، والمعروف في جمع العيال: عيائل.

انظر: "لسان العرب" (عول) 5/ 3176.

(١٧) هكذا في جميع النسخ، والجملة غير متناسقة مع ما قبلها، ولعل الصواب: اشتروا بها الجنة ..

الخ.

(١٨) لم أقف عليه.

(١٩) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 526، ونحوه في "تنوير المقباس"، ص 204.

(٢٠) من (م).

(٢١) قرأ حمزة والكسائي وخلف (فيُقتَلون ويَقتُلون) ببناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، وقرأ الباقون ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول.

انظر: "إرشاد المبتدي" ص 357، و"تقريب النشر" ص 103، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 245.

(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 471.

(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٤) في (ى): (له).

(٢٥) " تنوير المقباس" ص 204 بمعناه.

(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 471.

(٢٧) لم أقف عليه.

(٢٨) وهو ما ذهب إليه أيضًا ابن جرير 11/ 35 والبغوي 4/ 98.

(٢٩) "تنوير المقباس" ص 204 بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم ﴾ قيل: إنها نزلت في بيعة العقبة، وحكمها عام في كل مؤمن مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة.

قال بعضهم: ما أكرَمَ الله، فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة ﴿ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله ﴾ جملة في موضع الحال بيان للشراء ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ قال بعضهم: ناهيك عن بيع البائع فيه رب العلا والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ﴿ التائبون ﴾ وما بعده: أوصاف للمؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم؛ تقديره: هم التائبون ﴿ السائحون ﴾ وقيل معناه الصائمون، ويقال ساح في الأرض: أي ذهب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فيقتلون ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ويقتلون ﴾ مبنياً للفاعل: حمزة علي وخلف الآخرون على العكس.

﴿ ويقتلون ﴾ بالتشديد: أبو عون عن قنبل.

﴿ إبراهام ﴾ وكذلك ما بعده: هشام ﴿ يزيغ ﴾ بياء الغيبة.

حمزة وحفص والمفضل.

والباقون بتاء التأنيث.

﴿ خلفوا ﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس.

الباقون بالتشديد مجهولاً.

الوقوف: ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ ويقتلون ﴾ ط ﴿ والقرآن ﴾ ط ﴿ بايعتهم به ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لحدود الله ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ إياه ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ج ﴿ حليم ﴾ ه ط ﴿ ما يتقون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ تاب عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿ خلفوا ﴾ ط ﴿ إلا إليه ﴾ ط ﴿ ليتوبوا ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه فقال: ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.

قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله  ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.

قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟

قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.

قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم.

وقال جعفر الصادق  : والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.

واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه.

ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها.

والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع.

وههنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه  هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات.

وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات العاليات؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ وفي قوله ﴿ يقاتلون ﴾ معنى الأمر كقوله ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  ﴾ وهو كالتفسير لتلك المبايعة ﴿ فيقتلون ويقتلون ﴾ أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين.

ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان.

ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ .

والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال  لعلي  : " لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس" ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال: "هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قوله ﴿ وعداً عليه ﴾ قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ كأنه قيل: وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال ﴿ ومن أوفى ﴾ استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد ﴿ من الله ﴾ لأنه الغني عن كل الحاجات القادر على كل المقدورات.

وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: ﴿ إن الله اشترى ﴾ وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً.

ومنها أنه قال ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة.

ومنها قوله ﴿ وعداً ﴾ و ﴿ إنه لا يخلف الميعاد ﴾ .

ومنها قوله ﴿ عليه ﴾ وكلمة "على" للوجوب ظاهراً.

ومنها قوله: ﴿ حقاً ﴾ وهو تأكيد التحقيق.

ومنها قوله: ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة.

ومنها قوله: ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف ألبتة.

ومنها قوله: ﴿ فاستبشروا ﴾ والبشارة الخبر الصدق الأول.

ومنها قوله: ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ ثم وصف الفوز بـ ﴿ العظيم ﴾ واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها ﴿ ذلك الفوز ﴾ بغير "هو" وإنه في ستة مواضع: في "براءة" موضعان، وفي "النساء والمائدة والصف والتغابن" وما في "النساء" بزيادة واو.

والآخر ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ بزيادة "هو" وذلك في ستة مواضع أخرى في "براءة" موضعان و "يونس" و "المؤمن" و "الدخان" و "الحديد" وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في "المؤمن".

وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها.

وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة.

وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد.

وكذلك في "المؤمن" وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية ﴿ فاغفر ﴾ ﴿ وقهم ﴾ ﴿ وأدخلهم ﴾ قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله  للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة.

ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: ﴿ التائبون ﴾ قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى  ﴾ وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في ﴿ يقاتلون ﴾ وقيل: مبتدأ خبره ﴿ العابدون ﴾ وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.

أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق.

ومال آخرون الى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص ﴿ والعابدون ﴾ قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم.

وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع.

وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.

و ﴿ الحامدون ﴾ هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ و ﴿ السائحون ﴾ قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله: " سياحة أمتي الصيام" .

ثم قيل: هذا صوم الفرض.

وقيل: الذين يديمون الصيام.

قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم.

وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع.

وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول.

وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل.

قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثراً عظيماً في تكميل النفس لأنه يلقى أنواعاً من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على الله فيصير ذلك ملكه له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال والأخلاق والسير والآثار ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ يعني المصلين قال بعض العلماء: إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود.

وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع.

ثم قال: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن ههنا بحثاً آخر وهو أنه لم أدخل الواو في قوله: ﴿ والناهون ﴾ ﴿ والحافظون ﴾ دون سائر الأوصاف؟

وأجيب بأن النسق يجيء بالواو وبغيرها كقوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب  ﴾ أو المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه الواو تنبيهاً على هذه المخالفة والمباينة.

ولبعض النحويين جواب عام يشمل هذه الآية وما في "الكهف" في قوله: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم  ﴾ وما في "الزمر" في قوله في ذكر الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وما في "التحريم" في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وذلك أنهم سموا هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها في القرآن والأخبار.

فالثمانية تجري مجرى استنئاف كلام فلهذا فصل بالواو.

وأما قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ فكإجمال بعد تفصيل؛ وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات.

وإنها إما لجلب المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية.

فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها.

والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها كحالة الإحرام.

ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في المسجد.

والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال والبحث عنها إما من جهة الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بيع العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئاً في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع الكاليء بالكالىء المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس.

وأما دفع المضار والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو السرقة.

وههنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولاً إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى والبينات.

فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله  وأحكامه وحدوده، وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.

ولكن قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ يشمل ذلك أيضاً بل رعايته أهم من رعاية أحوال الظواهر.

ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه.

ولما بين من أول السورة إلى ههنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضاً وإن كانوا أقارب فقال: ﴿ ما كان للنبي ﴾ ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك.

ثم علل المنع بقوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال  : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فطلب غفرانهم جارٍ مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا يستجاب له.

وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا بالغ فيه بقوله: ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله  - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية - فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.

فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟

فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب.

فقال النبي  : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآيتان.

وقيل عن ابن عباس: لما افتتح  مكة سأل أي أبويه أحدث به  عهداً أي آخرهما موتاً؟

فقيل: أمك آمنة.

فزار  قبرها ثم قام باكياً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل عليّ ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآية.

فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة في آخر القرآن نزولاً، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام.

ويمكن أن يوجه الأول بأنه  لعله بقي مستغفراً إلى حين نزول الآية.

ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد.

﴿ فلما تبين ﴾ لإبراهيم ﴿ أنه عدو لله ﴾ إما بإصراره على الكفر أو بموته على ذلك أو بطريق الوحي ﴿ تبرأ منه ﴾ وترك الاستغفار.

ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم  ويوافقه قراءة الحسن ﴿ وعدها أباه ﴾ بالباء الموحدة وذلك في قوله: ﴿ لأستغفرن لك  ﴾ وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه.

وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع إلى الله  أن يرزقه الإيمان.

وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة فكان قوله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم  ﴾ في حق المنافقين خاصة وهذه في حق الكافرين عامة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال أهل اللغة: أوّاه "فعال" مأخوذ من حروف "أوه" كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، وعن النبي  أنه قال: "الأوّاه الخاشع المتضرع" والحلم ضد السفه، وصفه  بشدّة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى أولى.

ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال أو يخذلهم أو يوقع الضالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به العقاب ﴿ بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ ما يجب عليهم أن يحترزوا عنه.

والحاصل أن الله لا يسمي قوماً ضلالاً بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب الخمر والربا قبل تحريمهما.

وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض المحظورات داخلاً في حكم الضلال.

ثم قال: ﴿ إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ﴾ والمراد أن من كان عالماً قادراً هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب.

وأجيب بأن له ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر عادة، وفي قوله: ﴿ إن الله له ملك السموات والأرض ﴾ فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية نصرته لمن أراد استظهاراً للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب والأنصار كأنه قال: وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي.

ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الآية.

ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها.

فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم.

الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى.

والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي  بقوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم  ﴾ ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله  أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص.

ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب.

السؤال الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟

فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته.

والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد.

وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿ لا تنفروا في الحر  ﴾ وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله  في غزوة الخندق ﴿ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر  ﴾ الثالث: ما معنى ﴿ كاد يزيغ ﴾ وكيف إعرابه؟

والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد.

معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر.

وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان.

وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا.

وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية.

الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ ؟

الجواب إن عاد الضمير في ﴿ عليهم ﴾ الى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي  والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك.

وإليه الإشارة بقوله:  : "إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" .

وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ يريد ازداد عنهم رضا.

ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿ إنه بهم رؤوف رحيم ﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة.

أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.

الخامس: الثلاثة الذين خلفوا من هم؟

الجواب هم المرجون لأمر الله كما مرّ، سّمُّوا مخلفين كما سمو مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد أولئك.

وقيل: لأنهم خلفوا عن الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين.

وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، وقرأ جعفر الصادق  : ﴿ خالفوا ﴾ .

﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ﴾ مع سعتها وهو مثل للحيره في الأمر، ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور ﴿ وظنوا ﴾ أي علموا وتيقنوا ﴿ أن لا ملجأ من ﴾ سخط ﴿ الله إلا ﴾ إلى استغفاره كقوله  : "أعوذ بك منك" .

وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون المدة قصيرة وجواب "إذا" محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، وحسن حذفه لتقدم ذكره.

عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله  سلمت عليه فرد عليّ كالمغضب بعدما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه.

فقال: معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا - أيها الثلاثة - فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع - وهو جبل بالمدينة - أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي ﴿ وضاقت عليهم الأرض بما رحبت  ﴾ وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله  فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة.

وقال رسول الله  وهو يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية.

سئل أبو بكر الورّاق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.

السادس: قد عرفنا فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ ؟

الجواب معناه رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علماً منهم بأن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم.

وقالت الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله  حتى إنه لو لم يتب عليهم لم يتوبوا.

وأيضاً قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر، ثم إنه  لم يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوماً.

ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أوّل الأمر فلهذا تأخر القبول دليله قوله  : ﴿ حتى إذا ضاقت ﴾ الآية.

ثم حث  المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل الصدق لا النفاق فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية.

قال بعض العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة.

والكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين.

ثم إنه ثبت بالتواتر من دين محمد  أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة علىالمكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصاً بالكون مع الرسول وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك.

ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصراً في الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على شيء كانوا صادقين فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهراً وباطناً.

وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا عليه من الطاعة نية وقولاً وعملاً.

وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في الصدق والثبات.

وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، وقيل: الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري.

وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته.

ومن خصائص الصدق ما روي أن أعرابياً جاء إلى رسول الله  وقال: إني أريد أن أؤمن بك إلا إني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم.

فلما خرج من عند رسول الله  عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله  عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله  وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل.

ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرّده وكفره استنكف منه حتى استثنى في قوله ﴿ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين  ﴾ .

ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذباً عند المعتزلة وكونه مفضياً إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم.

التأويل: ﴿ إن الله اشترى ﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة.

﴿ التائبون ﴾ عما سوى الله ﴿ العابدون ﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿ الحامدون ﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿ السائحون ﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿ الراكعون ﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿ الساجدون ﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿ الآمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي ﴿ الناهون ﴾ عما سواه ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره.

﴿ ما كان للنبي ﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿ إن إبراهيم لأواه ﴾ الأواه هو المتبرىء من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق.

﴿ حليم ﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال  لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا ﴿ وما كان الله ليضل قوماً ﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿ بعد إذ هداهم ﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن الله  بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.

﴿ إن الله له ملك السموات ﴾ سموات القلوب ﴿ والأرض ﴾ أرض النفوس ﴿ يحيي ﴾ بنور ربوبيته ﴿ من يشاء ويميت ﴾ عن صفات بشريته ﴿ من يشاء ومالكم من دون الله من ولي ﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي  على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها.

أو نقول ﴿ لقد تاب الله ﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿ والأنصار ﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل.

﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم ﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ ﴾ ، أي استام؛ لأن قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ ﴾ خبر، ولكن يحتمل الاستيام، أي: استام أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم لله؛ ليجعل لهم الجنة.

ثم بين فقال: ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ ؛ خبراً عن قوم باعوا أنفسهم وأموالهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...

 ﴾ الآية، فإذا صاروا بائعين أنفسهم، كان الله - عز جل - مشتريها منهم.

ثم بين أن كيف تباع وكيف تُشترى فقال: ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ﴾ ، أي: يقتلون العدو، ﴿ وَيُقْتَلُونَ ﴾ أي: يقتلهم العدو.

وقد قرئ الأول بالرفع: فيقتلون، والثاني بنصب الياء، فهو ليس على الجمع أن يَقتلوا ويُقتلوا، ولكن أن يقتلوا العدو أو يقتلهم العدو، أيهما كان، أو يقاتلون العدو وإن لم يقتلوا؛ كقوله: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً  ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...

 ﴾ الآية؛ سمي الإيمان بالله والمجاهدة في سبيله تجارة، ثم قال: ﴿ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ بحق الوعد لهم فضلاً منه، لا بحق البذل.

ثمّ قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ .

ذكر شراء أنفسهم وأموالهم منهم، وأنفسهم في الحقيقة لله أن يأخذ منهم أنفسهم وأموالهم، وأن يتلفهم بأي وجه ما شاء، لكنه عامل عباده معاملة من لا ملك له في ذلك، ولا حق؛ كرماً منه [وفضلاً] وجوداً، ووعدهم على ذلك أجراً وبدلاً، وكذلك ما ذكر من القرض له، ووعدهم على ذلك الأجر مضاعفاً، وكذلك ما وعدهم من الثواب فيما يعملون لأنفسهم كالعاملين له؛ حيث قال: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً  ﴾ ونحوه، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم بقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...

 ﴾ الآية، ذكر ما ذكر فضلاً منه وإكراماً؛ إذ هي له في الحقيقة، وهو كما قال: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ  ﴾ ، فإنما طلب بذل حق أنفسهم وأموالهم، أو ذكر - والله أعلم - شرى ماله في الحقيقة؛ ليعلم الخلق أن كيف يعامل بعضهم [بعضاً]، وكذلك قال الله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً  ﴾ ، عاملهم معاملة من لا حق له في أموالهم وأنفسهم؛ ليعامل الناس بعضهم بعضاً في أموالهم وأنفسهم، كمن لا حق له في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .

أي: وعداً واجباً [حقّاً].

﴿ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ ﴾ .

أي: وعد ذلك في التوراة والإنجيل والقرآن.

وفي حرف ابن مسعود: (عهداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والفرقان).

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ .

هذه الآية تنقض قول من يقول بأن الإنجيل نزل على التخفيف والتيسير والتوراة بالشدائد، وكذلك قوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ  ﴾ ، وذلك مذكور في حكم الإنجيل، إلا أن يقال بأن قوله: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ ، أي: كان هذا مذكوراً لهذه الأمة في التوراة والإنجيل وما ذكر.

[ثم] قال: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .

هذا على أن قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...

﴾ الآية إنما هو عهد إليهم؛ حيث قال: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا أحد أوفى وأصدق بعهده من الله إن وفيتم أنتم بعهده الذي عهد عليكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ .

يشبه أن يكون الاستبشار الذي ذكر وقت الموت أن تقول لهم الملائكة: استبشروا ببيعكم الذي بايعتم به في الحياة؛ [و] هذا يدل أن البيع يكون بيعاً بالبدل وإن لم يتلفظ بلفظة البيع، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأحكام لم تتعلق بالألفاظ والأسامي؛ إنما علقت بمعاني فيها، فإذا وجدت المعاني حكم بها.

﴿ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ الذي ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ...

﴾ إلى آخره.

قال بعضهم: [هو] على الصلة بالأول فيما ذكر من الشرى والوعد لهم الجنة إذا كانوا على الوصف الذي ذكر.

وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي -  ما -: (إن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين الحامدين)، على الصلة بالأول بالكسر إلى قوله: ﴿ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ﴾ ، قرآها: (والقائمين على حدود الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة).

ومنهم من قال على الابتداء بالرفع: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ...

﴾ إلى آخره.

ويشبه أن يكون الشراء الذي ذكر في أول الآية وما وعد لهم ببذل أنفسهم وأموالهم في الجهاد، يكون ذلك أيضاً في غيره من الطاعات والخيرات، من بذل نفسه لله فيما ذكر من العبادة له والجهد، وما ذكر في الآية - فهو بائع نفسه منه؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ﴾ .

يحتمل: التائبون من الشرك، أو من جميع المعاصي.

﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ .

يحتمل: الموحدون.

ويحتمل: العابدون: جميع أنواع العبادة.

﴿ ٱلْحَامِدُونَ ﴾ .

قيل: الشاكرون.

وقيل: المثنون على الله.

فإن كان قوله: ﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ من العبادة، فيكون الحامدون: المثنون على الله؛ لأن العبادات كلها شكر.

وإن كان قوله: ﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ : الموحدون، فيكون قوله: ﴿ ٱلْحَامِدُونَ ﴾ الشاكرون للنعم التي أنعمها الله عليهم.

﴿ ٱلسَّائِحُونَ ﴾ .

قيل: الصائمون؛ وعلى ذلك روي عن نبي الله  : "أنه سئل عن السائحين؟

فقال: هم الصائمون" ، وقال: "وسياحة أمتي الصيام" وقال القتبي: وأصل السائح الذاهب في الأرض، ومنه يقال: ساح إذا جرى وذهب، والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات، فشبه الصيام به؛ لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب وجميع اللذات.

وقال أبو عوسجة: هم الذين يمضون على وجوههم في الأرض ليست لهم منازل، يقال: ساح يسيح سيحاً وسياحة.

﴿ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ﴾ .

قيل: المصلون.

وقيل: الخاضعون لله والخاشعون له؛ وكذلك ذكر في حرف حفصة.

﴿ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .

يحتمل التوحيد، أي: آمرون الناس بتوحيد الله.

ويحتمل: الآمرون لهم بالخيرات والمعروف كله.

﴿ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ﴾ .

الشرك، ويحتمل: كل معصية.

﴿ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: لفرائض الله التي فرضها على عباده.

وقال بعضهم: لسنن الله، ولكن حافظون جميع أحكام الله، لا يجاوزون ما حد لهم [و] لا يفرطون فيها.

[ ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل البشارة لهؤلاء الذين سبق ذكرهم.

ويحتمل: على الابتداء، أي: بشر جميع المؤمنين؛ كقوله]: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الله سبحانه اشترى من المؤمنين أنفسهم -مع أنهم ملكه؛ تفضُّلًا منه- بثمن غال هو الجنّة، حيث يقاتلون الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، فيقتلون الكفار، ويقتلهم الكفار، وعبد الله بذلك وعدًا صدقًا في التوراة: كتاب موسى، والإنجيل: كتاب عيسى  ، والقرآن: كتاب محمد  ، ولا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه؛ فافرحوا وسروا -أيها المؤمنون- ببيعكم الَّذي بايعتم به الله، فقد ربحتم فيه ربحًا عظيمًا، وذلك البيع هو الفلاح العظيم.

من فوائد الآيات محبة الله ثابتة للمتطهرين من الأنجاس البدنية والروحية.

لا يستوي من عمل عملًا قصد به وجه الله؛ فهذا العمل هو الَّذي سيبقى ويسعد به صاحبه، مع من قصد بعمله نصرة الكفر ومحاربة المسلمين؛ وهذا العمل هو الَّذي سيفنى ويشقى به صاحبه.

مشروعية الجهاد والحض عليه كانت في الأديان التي قبل الإسلام أيضًا.

كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.LrqBp"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله