الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١١٢ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 143 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة : ( التائبون ) من الذنوب كلها ، التاركون للفواحش ، ( العابدون ) أي : القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها ، وهي الأقوال والأفعال فمن أخص الأقوال الحمد ؛ فلهذا قال : ( الحامدون ) ومن أفضل الأعمال الصيام ، وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع ، وهو المراد بالسياحة هاهنا ؛ ولهذا قال : ( السائحون ) كما وصف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله تعالى : ( سائحات ) [ التحريم : 5 ] أي : صائمات ، وكذا الركوع والسجود ، وهما عبارة عن الصلاة ، ولهذا قال : ( الراكعون الساجدون ) وهم مع ذلك ينفعون خلق الله ، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه ، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه ، علما وعملا فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق ؛ ولهذا قال : ( وبشر المؤمنين ) لأن الإيمان يشمل هذا كله ، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به .
[ بيان أن المراد بالسياحة الصيام ] : قال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن مسعود قال : ( السائحون ) الصائمون .
وكذا روي عن سعيد بن جبير ، والعوفي عن ابن عباس .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : كل ما ذكر الله في القرآن السياحة : هم الصائمون .
وكذا قال الضحاك ، رحمه الله .
وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إبراهيم بن يزيد ، عن الوليد بن عبد الله ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : سياحة هذه الأمة الصيام .
وهكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، والضحاك بن مزاحم ، وسفيان بن عيينة وغيرهم : أن المراد بالسائحين : الصائمون .
وقال الحسن البصري : ( السائحون ) الصائمون شهر رمضان .
وقال أبو عمرو العبدي : ( السائحون ) الذين يديمون الصيام من المؤمنين .
وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا ، وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا حكيم بن حزام ، حدثنا سليمان ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " السائحون هم الصائمون " [ ثم رواه عن بندار ، عن ابن مهدي ، عن إسرائيل ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أنه قال : ( السائحون ) الصائمون ] .
وهذا الموقوف أصح .
وقال أيضا : حدثني يونس ، عن ابن وهب ، عن عمر بن الحارث ، عن عمرو بن دينار ، عن عبيد بن عمير قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين فقال : " هم الصائمون " .
وهذا مرسل جيد .
فهذه أصح الأقوال وأشهرها ، وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد ، وهو ما روى أبو داود في سننه ، من حديث أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله ، ائذن لي في السياحة .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " .
وقال ابن المبارك ، عن ابن لهيعة : أخبرني عمارة بن غزية : أن السياحة ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله ، والتكبير على كل شرف " .
وعن عكرمة أنه قال : هم طلبة العلم .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هم المهاجرون .
رواهما ابن أبي حاتم .
وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض ، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري ، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين ، كما ثبت في صحيح البخاري ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن " .
وقال العوفي وعلي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( والحافظون لحدود الله ) قال : القائمون بطاعة الله .
وكذا قال الحسن البصري ، وعنه رواية : ( والحافظون لحدود الله ) قال : لفرائض الله ، وفي رواية : القائمون على أمر الله .
القول في تأويل قوله : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين أنفسهم وأموالهم = ولكنه رفع, إذ كان مبتدأ به بعد تمام أخرى مثلها.
والعرب تفعل ذلك, وقد تقدَّم بياننا ذلك في قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [سورة البقرة: 18]، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(1) * * * ومعنى: " التائبون "، الراجعون مما كرهه الله وسخطه إلى ما يحبُّه ويرضاه، (2) كما:- 17272- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم, عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قول الله: (التائبون)، قال: تابوا إلى الله من الذنوب كلها.
(3) 17273- حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال، حدثني أبي, عن أبي الأشهب, عن الحسن: أنه قرأ (التائبون العابدون)، قال: تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق.
17274- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن أبي الأشهب قال: قرأ الحسن: (التائبون العابدون)، قال: تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق.
17275- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء، عن الحسن قال: التائبون من الشرك.
17276- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: (التائبون العابدون)، قال الحسن: تابوا والله من الشرك, وبرئوا من النفاق.
17277- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (التائبون)، قال: تابوا من الشرك، ثم لم ينافقوا في الإسلام.
17278- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج: (التائبون)، قال: الذين تابوا من الذنوب، ثم لم يعودوا فيها.
* * * وأما قوله: (العابدون)، فهم الذين ذلُّوا خشيةً لله وتواضعًا له, فجدُّوا في خدمته، (4) كما:- 17279- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (العابدون)، قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
17280- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قول الله (العابدون)، قال: عبدوا الله على أحايينهم كلها، في السراء والضراء.
17281- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن: (العابدون)، قال: العابدون لربهم.
* * * وأما قوله: (الحامدون)، فإنهم الذين يحمدون الله على كل ما امتحنهم به من خير وشر، (5) كما:- 17282- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (الحامدون)، قوم حمدوا الله على كل حال.
17283- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن ثعلبة قال، قال الحسن: (الحامدون)، الذين حمدوا الله على أحايينهم كلها، في السرّاء والضرّاء.
17284- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن: (الحامدون)، قال: الحامدون على الإسلام.
* * * وأما قوله: (السائحون)، فإنهم الصائمون، كما:- 17285- حدثني محمد بن عيسى الدامغاني وابن وكيع قالا حدثنا سفيان, عن عمرو, عن عبيد بن عمير = 17286- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث, عن عمرو, عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن " السائحين " فقال: هم الصائمون.
(6) 17287- حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا حكيم بن حزام قال، حدثنا سليمان, عن أبي صالح, عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " السائحون " هم الصائمون.
17288- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة قال: (السائحون)، الصائمون.
(7) 17289- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن عاصم, عن زر, عن عبد الله قال: (السائحون)، الصائمون.
(8) 17290-......
قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان قال، حدثني عاصم, عن زر, عن عبد الله, بمثله.
17291- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله قال، أخبرنا شيبان, عن أبي إسحاق, عن أبي عبد الرحمن قال: السياحةُ: الصيام.
17292- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل, عن أشعث, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: (السائحون)، : الصائمون.
17293- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبيه = وإسرائيل، عن أشعث = عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: (السائحون)، الصائمون.
17294- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا إسرائيل, عن أشعث, عن سعيد بن جبير قال: (السائحون)، الصائمون.
17295- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن أشعث بن أبي الشعثاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, مثله.
17296- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن عاصم، عن زر, عن عبد الله, مثله.
17297-......
قال، حدثنا أبي, عن أبيه, عن إسحاق, عن عبد الرحمن قال: (السائحون)، هم الصائمون.
17298- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (السائحون)، قال: يعني بالسائحين، الصائمين.
17299- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: (السائحون)، هم الصائمون.
17300- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (السائحون)، الصائمون.
17301-......
قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: كل ما ذكر الله في القرآن ذكر السياحة، هم الصائمون.
(9) 17302-......
قال، حدثنا أبي، عن المسعودي, عن أبي سنان, عن ابن أبي الهذيل, عن أبي عمرو العبدي قال: (السائحون)، الذين يُديمون الصيام من المؤمنين.
17303- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن: (السائحون)، الصائمون.
17304- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن قال: (السائحون)، الصائمون شهر رمضان.
17305- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك قال: (السائحون)، الصائمون.
17306-......
قال، حدثنا أبو أسامة, عن جويبر, عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن (السائحون)، فإنه الصائمون.
17307- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك: (السائحون)، الصائمون.
17308- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (السائحون)، يعني الصائمين.
17309- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، ويعلى، وأبو أسامة, عن عبد الملك, عن عطاء قال: (السائحون)، الصائمون.
17310- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن عبد الملك, عن عطاء, مثله.
17311-......
قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو: أنه سمع وهب بن منبه يقول: كانت السياحة في بني إسرائيل, وكان الرجل إذا ساح أربعين سنةً، رأى ما كان يرى السائحون قبله.
فساح وَلَدُ بغيٍّ أربعين سنة، فلم ير شيئًا, فقال: أي ربِّ، أرأيت إن أساء أبواي وأحسنت أنا؟
قال: فَأرِي ما رَأى السائحون قبله = قال ابن عيينة: إذا ترك الطعام والشراب والنساء، فهو السائح.
17312- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة (السائحون)، قوم أخذوا من أبدانهم، صومًا لله.
17313- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم بن يزيد, عن الوليد بن عبد الله, عن عائشة قالت: سياحةُ هذه الأمة الصيام.
(10) * * * وقوله: (الراكعون الساجدون)، يعني المصلين، الراكعين في صلاتهم، الساجدين فيها، (11) كما:- 17314- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن: (الراكعون الساجدون)، قال: الصلاة المفروضة.
* * * وأما قوله: (الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر)، فإنه يعني أنهم يأمرون الناس بالحق في أديانهم, واتباع الرشد والهدى، والعمل (12) = وينهونهم عن المنكر، وذلك نهيهم الناسَ عن كل فعل وقول نهى الله عباده عنه.
(13) * * * وقد روي عن الحسن في ذلك ما:- 17315- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن: (الآمرون بالمعروف)، لا إله إلا الله =(والناهون عن المنكر)، عن الشرك.
17316- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن ثعلبة بن سهيل قال, قال الحسن في قوله: (الآمرون بالمعروف)، قال: أمَا إنهم لم يأمروا الناس حتى كانوا من أهلها =(والناهون عن المنكر)، قال: أمَا إنهم لم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه.
17317- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية, قال: كل ما ذكر في القرآن " الأمر بالمعروف "، و " النهي عن المنكر ", فالأمر بالمعروف، دعاءٌ من الشرك إلى الإسلام = والنهي عن المنكر، نهيٌ عن عبادة الأوثان والشياطين.
* * * قال أبو جعفر: وقد دللنا فيما مضى قبل على صحة ما قلنا: من أن " الأمر بالمعروف " هو كل ما أمر الله به عباده أو رسوله صلى الله عليه وسلم, و " النهي عن المنكر "، هو كل ما نهى الله عنه عبادَه أو رسولُه.
وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أنها عُني بها خصوصٌ دون عموم، ولا خبر عن الرسول، ولا في فطرة عقلٍ, فالعموم بها أولى، لما قد بينا في غير موضع من كُتُبنا.
* * * وأما قوله: (والحافظون لحدود الله)، فإنه يعني: المؤدّون فرائض الله, المنتهون إلى أمره ونهيه, الذين لا يضيعون شيئًا ألزمهم العملَ به، ولا يرتكبون شيئًا نهاهم عن ارتكابه، (14) كالذي:- 17318- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (والحافظون لحدود الله)، يعني: القائمين على طاعة الله.
وهو شرطٌ اشترطه على أهل الجهاد، إذا وَفَوا الله بشرطه، وفى لهم بشرطهم.
(15) 17319- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (والحافظون لحدود الله)، قال: القائمون على طاعة الله.
17320- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قوله: (والحافظون لحدود الله)، قال: القائمون على أمر الله.
17321- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن: (والحافظون لحدود الله)، قال: لفرائض الله.
* * * وأما قوله: (وبشر المؤمنين)، فإنه يعني: وبشّر المصدِّقين بما وعدهم الله إذا هم وفَّوا الله بعهده، أنه مُوفٍّ لهم بما وعدهم من إدخالهم الجنة، (16) كما:- 17322- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف, عن الحسن: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ، حتى ختم الآية, قال الذين وفوا ببيعتهم =(التائبون العابدون الحامدون)، حتى ختم الآية, فقال: هذا عملهم وسيرهم في الرخاء, ثم لقوا العدوّ فصدَقوا ما عاهدوا الله عليه.
* * * وقال بعضهم: معنى ذلك: وبشر من فعل هذه الأفعال = يعني قوله: (التائبون العابدون)، إلى آخر الآية = وإن لم يغزوا.
* ذكر من قال ذلك: 17323- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن: (وبشر المؤمنين)، قال: الذين لم يغزوا.
--------------------------- الهوامش : (1) انظر ما سلف 1 : 330 ، 331 .
(2) انظر تفسير " تائب " فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) .
(3) الأثر : 17272 - " ثعلبة بن سهيل الطهوي " ، ثقة ، مضى برقم : 12273 .
مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 175 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 464 .
(4) انظر تفسير " العابد " فيما سلف من فهارس اللغة ( عبد ) .
(5) انظر تفسير " الحمد " فيما سلف 1 : 135 - 141 / 11 : 249 .
(6) الأثر : 17286 - قال ابن كثير في تفسيره 4 : 249 : " هذا مرسل جيد " ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 3 : 281 ، من طريق عبيد بن عمير ، عن أبي هريرة ، ونسبه إلى الفريابي ، ومسدد في مسنده ، وابن جرير ، والبيهقي في شعب الإيمان .
بيد أن ابن جرير لم يرفعه من هذه الطريق إلى أبي هريرة كما ترى .
(7) الأثران : 17287 ، 17288 - أولهما مرفوع ، والآخر موقوف على أبي هريرة ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 281 ، ونسبه إلى ابن جرير وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وابن النجار ، مرفوعا ، وذكره السيوطي في تفسيره 4 : 248 ، وقال : " وهذا الموقوف أصح " .
(8) الأثر : 17289 - خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 34 ، 35 ، عن عبد الله بن مسعود ، ثم قال : " رواه الطبراني ، وفيه عاصم بن بهدلة .
وثقه جماعة ، وضعفه آخرون ، وبقية رجاله رجال الصحيح " .
(9) في المطبوعة ، حذف " ذكر " من قوله : " ذكر السياحة " .
والعبارة مضطربة بعض الاضطراب .
وانظر أجود منها في رقم : 17306 .
(10) الأثر : 17313 - " إبراهيم بن يزيد الخوزي " ، متروك الحديث ، مضى برقم : 7484 ، 16259 .
و " الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث " ، ثقة ، مضى برقم : 16259 ، ولم يدرك أن يروي عن عائشة ، فهو مرسل عن عائشة .
فهذا خبر ضعيف الإسناد جدا .
(11) انظر تفسير " الركوع " ، و " السجود " فيما سلف من فهارس اللغة ( ركع ) ، ( سجد ) .
(12) انظر تفسير " المعروف " فيما سلف ص : 347 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(13) انظر تفسير " المنكر" فيما سلف ص : 347 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(14) انظر تفسير " الحفظ " فيما سلف 5 : 167 / 8 : 295 / 10 : 562 / 11 : 532 .
= وتفسير " الحدود " فيما سلف : ص : 429 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(15) في المطبوعة : " إذا وفوا الله بشرطه ، وفى لهم شرطهم " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(16) انظر تفسير " التبشير " فيما سلف ص : 174 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنينفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : التائبون العابدون التائبون هم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله .
والتائب هو الراجع .
والراجع إلى الطاعة هو أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين .
" العابدون " أي المطيعون الذين قصدوا بطاعتهم الله سبحانه .
" الحامدون " أي الراضون بقضائه المصرفون نعمته في طاعته ، الذين يحمدون الله على كل حال .
السائحون الصائمون ; عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما .
[ ص: 189 ] ومنه قوله تعالى : عابدات سائحات .
وقال سفيان بن عيينة : إنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلها من المطعم والمشرب والمنكح .
وقال أبو طالب :وبالسائحين لا يذوقون قطرة لربهم والذاكرات العواملوقال آخر :برا يصلي ليله ونهاره يظل كثير الذكر لله سائحاوروي عن عائشة أنها قالت : سياحة هذه الأمة الصيام ; أسنده الطبري .
ورواه أبو هريرة مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سياحة أمتي الصيام .
قال الزجاج : ومذهب الحسن أنهم الذين يصومون الفرض .
وقد قيل : إنهم الذين يديمون الصيام .
وقال عطاء : السائحون المجاهدون .
وروى أبو أمامة أن رجلا استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله .
صححه أبو محمد عبد الحق .
وقيل : السائحون المهاجرون قاله عبد الرحمن بن زيد .
وقيل : هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم ; قاله عكرمة .
وقيل : هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر والعلامات الدالة على توحيده وتعظيمه حكاه النقاش وحكي أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك فقال : أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل وذكرت كيف أتلقى الغل وبقيت ليلي في ذلك أجمع .قلت : لفظ " س ي ح " يدل على صحة هذه الأقوال فإن السياحة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء ; فالصائم مستمر على الطاعة في ترك ما يتركه من الطعام وغيره فهو بمنزلة السائح .
والمتفكرون تجول قلوبهم فيما ذكروا .
وفي الحديث : إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغونني صلاة أمتي ويروى صياحين بالصاد ، من الصياح .
الراكعون الساجدون يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها .
الآمرون بالمعروف أي [ ص: 190 ] بالسنة ، وقيل : بالإيمان .
والناهون عن المنكر قيل : عن البدعة .
وقيل : عن الكفر .
وقيل : هو عموم في كل معروف ومنكر .
والحافظون لحدود الله أي القائمون بما أمر به والمنتهون عما نهى عنه .الثانية : واختلف أهل التأويل في هذه الآية هل هي متصلة بما قبل أو منفصلة فقال جماعة : الآية الأولى مستقلة بنفسها يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات في هذه الآية الثانية أو بأكثرها .
وقالت فرقة : هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط ، والآيتان مرتبطتان ؛ فلا يدخل تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في سبيل الله ؛ قاله الضحاك .
قال ابن عطية : وهذا القول تحريج وتضييق ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها الله ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى مرتبة .
وقال الزجاج : الذي عندي أن قوله : التائبون العابدون رفع بالابتداء وخبره مضمر ; أي التائبون العابدون - إلى آخر الآية - لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذ لم يكن منهم عناد وقصد إلى ترك الجهاد لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد .
واختار هذا القول القشيري وقال : وهذا حسن إذ لو كان صفة للمؤمنين المذكورين في قوله : اشترى من المؤمنين لكان الوعد خاصا للمجاهدين .
وفي مصحف عبد الله " التائبين العابدين " إلى آخرها ; ولذلك وجهان : أحدهما الصفة للمؤمنين على الإتباع .
والثاني النصب على المدح .الثالثة : واختلف العلماء في الواو في قوله : والناهون عن المنكر فقيل : دخلت في صفة الناهين كما دخلت في قوله تعالى : حم .
تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم .
غافر الذنب .
وقابل التوب فذكر بعضها بالواو والبعض بغيرها .
وهذا سائغ معتاد في الكلام ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة .
وقيل : دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف فلا يكاد يذكر واحد منهما مفردا .
وكذلك قوله : ثيبات وأبكارا .
ودخلت في قوله : والحافظون لقربه من المعطوف .
وقد قيل : إنها زائدة ، وهذا ضعيف لا معنى له .
وقيل : هي واو الثمانية لأن السبعة عند العرب عدد كامل صحيح .
وكذلك قالوا في قوله : ثيبات وأبكارا .
وقوله في أبواب الجنة : وفتحت أبوابها وقوله : ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم [ ص: 191 ] وقد ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله : وفتحت أبوابها وأنكرها أبو علي .
قال ابن عطية : وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأستاذ النحوي أبي عبد الله الكفيف المالقي ، وكان ممن استوطن غرناطة وأقرأ فيها في مدة ابن حبوس أنه قال : هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدوا : واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة عشرة وهكذا هي لغتهم .
ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو .
قلت : هي لغة قريش .
وسيأتي بيانه ونقضه في سورة ( الكهف ) إن شاء الله تعالى وفي ( الزمر ) أيضا بحول الله تعالى .
كأنه قيل: من هم المؤمنون الذين لهم البشارة من اللّه بدخول الجنات ونيل الكرامات؟ فقال: هم {التَّائِبُونَ} أي: الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات. {الْعَابِدُونَ} أي: المتصفون بالعبودية للّه، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين. {الْحَامِدُونَ} للّه في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما للّه عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على اللّه بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار. {السَّائِحُونَ} فسرت السياحة بالصيام، أو السياحة في طلب العلم، وفسرت بسياحة القلب في معرفة اللّه ومحبته، والإنابة إليه على الدوام، والصحيح أن المراد بالسياحة: السفر في القربات، كالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك. {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} أي: المكثرون من الصلاة، المشتملة على الركوع والسجود. {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات. {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وهي جميع ما نهى اللّه ورسوله عنه. {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} بتعلمهم حدود ما أنزل اللّه على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلا وتركا. {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} لم يذكر ما يبشرهم به، ليعم جميع ما رتب على الإيمان من ثواب الدنيا والدين والآخرة، فالبشارة متناولة لكل مؤمن. وأما مقدارها وصفتها فإنها بحسب حال المؤمنين، وإيمانهم، قوة، وضعفا، وعملا بمقتضاه.
ثم وصفهم فقال : ( التائبون ) قال الفراء : استؤنفت بالرفع لتمام الآية وانقطاع الكلام .
وقال الزجاج : التائبون رفع للابتداء ، وخبره مضمر .
المعنى : التائبون - إلى آخر الآية - لهم الجنة أيضا .
أي : من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد ، لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد ، فمن كانت هذه صفته فله الجنة أيضا ، وهذا أحسن ، فكأنه وعد الجنة لجميع المؤمنين ، كما قال : " وكلا وعد الله الحسنى ( النساء - 95 ) ، فمن جعله تابعا للأول كان الوعد بالجنة خاصا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفة .
قوله تعالى : ( التائبون ) أي : الذين تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق ، ( العابدون ) المطيعون الذين أخلصوا العبادة لله عز وجل ( الحامدون ) الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء .
وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء " .
( السائحون ) قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما : هم الصائمون .
وقال سفيان بن عيينة : إنما سمي الصائم سائحا لتركه اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح .
وقال عطاء : السائحون الغزاة المجاهدون في سبيل الله .
روي عن عثمان بن مظعون ، رضي الله عنه ، أنه قال : يا رسول الله ائذن لي في السياحة ، فقال : " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " .
وقال عكرمة : السائحون هم طلبة العلم .
( الراكعون الساجدون ) يعني : المصلين ، ( الآمرون بالمعروف ) بالإيمان ، ( والناهون عن المنكر ) عن الشرك .
وقيل : المعروف : السنة ، والمنكر : البدعة .
( والحافظون لحدود الله ) القائمون بأوامر الله .
وقال الحسن : أهل الوفاء ببيعة الله .
( وبشر المؤمنين )
«التائبون» رفع على المدح بتقدير مبتدأ من الشرك والنفاق «العابدون» المخلصون العبادة لله «الحامدون» له على كل حال «السائحون» الصائمون «الراكعون الساجدون» أي المصلون «الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله» لأحكامه بالعمل بها «وبشر المؤمنين» بالجنة.
ومن صفات هؤلاء المؤمنين الذين لهم البشارة بدخول الجنة أنهم التائبون الراجعون عما كرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه، الذين أخلصوا العبادة لله وحده وجدوا في طاعته، الذين يحمدون الله على كل ما امتحنهم به من خير أو شر، الصائمون، الراكعون في صلاتهم، الساجدون فيها، الذين يأمرون الناس بكل ما أمر الله ورسوله به، وينهونهم عن كل ما نهى الله عنه ورسوله، المؤدون فرائض الله المنتهون إلى أمره ونهيه، القائمون على طاعته، الواقفون عند حدوده.
وبشِّر -أيها النبي- هؤلاء المؤمنين المتصفين بهذه الصفات برضوان الله وجنته.
ثم وصف الله - تعالى - هؤلاء المؤمنين الصادقين بجملة من الأوصاف الكريمة فقال : ( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون .
.
.
) .قال الجمل ما ملخصه : ذكر الله - تعالى - فى هذه الآية تسعة أوصاف للمؤمنين ، الستة الأولى منها تتعلق بمعاملة الخالق ، والوصفان السابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق ، والوصف التاسع يعم القبيلتين .وقوله : ( التائبون ) فيه وجوه من الأعراب منها : أنه مرفوع على المدح .
فهو خبر لمبتدأ محذوف وجوباً للمبالغة فى المدح أى : المؤمنون المذكورون التائبون ، ومنها أن الخبر هنا محذوف ، أى : التائبون المصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة .
.والمعنى : " التائبون " عن المعاصى وعن كل ما نهت عنه شريعة الله ، " العابِدون " لخالقهم عبادة خالصة ولجهه ، " الحامدون " له - سبحانه - فى السراء والضراء ، وفى المنشط والمكره ، وفى العسر واليسر ، " السائحون " فى الأرض للتدبر والاعتبار وطاعة الله .
والعمل على مرضاته ( الراكعون الساجدون ) لله - تعالى - عن طريق الصلاة التى هى عماد الدين وركنه الركين " الآمرون " غيرهم " بالمعروف " أى : بكل ما حسنه الشرع " والناهون " له " عن المنكر " الذى تأباه الشرائع والعقول السليمة ، ( والحافظون لِحُدُودِ الله ) أى : لشرائعهم وفرائضه وأحكامه وآدابه .
.
هؤلاء المتصفون بتلك الصفات الحميدة ، بشرهم .
يا محمد .
بكل ما يسعدهم ويشرح صدورهم ، فهم المؤمنون حقاً ، وهم الذين أعد الله - تعالى - لهم الأجر الجزيل ، والرزق الكريم .ولم يذكر - سبحانه - المبشر به فى قوله : ( وَبَشِّرِ المؤمنين ) ، للاشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به الوصف ، ولا تحده العيارة .ولم يذكر - سبحانه - فى الآية لهذه الأوصاف متعلقاً ، فلم يقل " التائبون " من كذا ، لفهم ذلك من المقام ، لأن المقام فى مدح المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا نفوسهم لله ، تعالى .
فصاروا ملتزمين طاعته فى كل أقوالهم وأعمالهم .وعبر عن كثرة صلاتهم وخشوعهم فيها بقوله .
( الراكعون الساجدون ) للاشارة إلى أن الصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم ، وكأن الركوع والسجود طابع مميز لهم بين الناس .
وإنما عطف النهى عن المنكر على الأمر بالمعروف للإِيذان بأنهما فريضة واحدة لتلازمهما فى الغالب ، أو لما بينهما من تباين إذ الأمر بالمعروف طلب فعل ، والنهى عن المنكر طلب ترك أو كف .وكذلك جاء قوله .
( والحافظون لِحُدُودِ الله ) بحرف العطف ومما قالوه فى تعليل ذلك .
أن سر العطف هنا التنبيه على أن ما قبله مفصل للفضائل وهذا مجمل لها ، لأنه شامل لما قبله وغيره ، ومثله يؤتى به معطوفاً ، نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء ، فلمغايرته لما قبله بالإِجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه .هذا ، وما ذركناه من أن المراد بقوله : " السائحون " أى : السائرون فى الأرض للتدير والاعتبار والتفكر فى خلق الله ، والعمل على مرضاته ..
هذا الذى ذكرناه رأى لبعض العلماء .
ومنهم من يرى أن المراد بهم الصائمون ومنهم من يرى أن المراد بهم : المجاهدون .قال الآلوسى : وقوله : " السائحون " أى الصائمون .
فقد أخرج ابن مردويه عن أبى هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر ، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين .
وجاء عن عائشة : " سياحة هذه الأمة الصيام " .وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون ، وليس فى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - سياحة إلا الهجرة .وعن عكرمة أنهم طلبة العمل ، لأنهم يسيحون فى الأرض لطلبه .وقيل : هم المجاهدون فى سبيل الله ، لما أخرج الحاكم وصححه والطبرانى وغيرهما ، " عن أبى أمامة أن رجلا استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى السياحة فقال : إن سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله " .
والذى نراه أقرب إلى الصواب أن المراد بالسائحين هنا : السائرون فى الأرض لمقصد شريف ، وغرض كريم .
كتحصيل العلم ، والجهادفى سبيل الله ، والتدبر فى ملكوته - سبحانه - والتفكر فى سنته فى كونه ، والاعتبار بما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب .ولعل ما يؤيد ذلك أن لفظ " السائحون " معناه السائرون ، لأنه مأخذو من السيح وهو الجرى على وجه الأرض ، والذهاب فيها .
وهذه المادة تشعر بالانتشار ، يقال : ساح الماء أى جرى وانتشر .وما دام الأمر كذلك فمن الأولى حملا للفظ على ظاهره ، ما دام لم يمنع مانع من ذلك ، وهنا لا مانع من حمل اللفظ على حقيته وظاهره .أما الأحاديث والآثار التى اشتشهد بها من قال بأن المراد بالسائحين الصائمون فقد ضعفها علماء الحديث .قال صاحب المنار : وأقول : وروى ابن جرير من حديث أبى هريرة مروفوعاً وموقوفاً حديث : " السائحون هم الصائمون " لا يصح رفعه .
.وفضلا عن كل هذا ، فإن تفسير السائحين بأنهم السائرون فى الأرض لكل مقصد شريف ، وغرض كريم .
.
.
يتناول الجهاد فى سبيل ، كما يتناول الرحلة فى طلب العلم ، وغير ذلك من وجوه الخير .وما أكثر الآيات القرآنية التى حضت على السير فى الأرض ، وعلى التكفر فى خلق الله ، ومن ذلك قوله تعالى : ( قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين ) وقوله تعالى ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ) قال الإِمام الرازى : للسياحة أثر عظيم فى تكميل النفس لأن الإِنسان يلقى الأكابر من الناس ، يفتخر نفسه فى مقابلتهم ، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة فينتقع بها ، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله .
تعالى .
فى كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته .
وبالجلمة فالسياحة لها آثار قوية فى الدين .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه ﴿ اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ﴾ بين في هذه الآية أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة.
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في رفع قوله: ﴿ التائبون العابدون الحامدون السائحون ﴾ وجوه: الأول: أنه رفع على المدح، والتقدير: هم التائبون، يعني المؤمنين المذكورين في قوله: ﴿ اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ ﴾ هم التائبون.
الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون قوله: ﴿ التائبون ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً، وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ وهذا وجه حسن.
لأن على هذا التقدير يكون الوعد بالجنة حاصلاً لجميع المؤمنين، وإذا جعلنا قوله: ﴿ التائبون ﴾ تابعاً لأول الكلام كان الوعد بالجنة حاصلاً للمجاهدين.
الثالث: ﴿ التائبون ﴾ مبتدأ أو رفع على البدل من الضمير في قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ الرابع: قوله: ﴿ التائبون ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ العابدون ﴾ إلى آخر الآية خبر بعد خبر، أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.
وقرأ أبي وعبد الله ﴿ التائبين ﴾ بالياء إلى قوله: ﴿ والحافظين ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك نصباً على المدح.
الثاني: أن يكون جراً، صفة للمؤمنين.
المسألة الثانية: في تفسير هذه الصفات التسعة.
فالصفة الأولى: قوله: ﴿ التائبون ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه: التائبون من الشرك.
وقال الحسن: التائبون من الشرك والنفاق.
وقال الأصوليون: التائبون من كل معصية، وهذا أولى، لأن التوبة قد تكون توبة من الكفر، وقد تكون من المعصية.
وقوله: ﴿ التائبون ﴾ صيغة عموم محلاة بالألف واللام، فتتناول الكل فالتخصيص بالتوبة عن الكفر محض التحكم.
واعلم أنا بالغنا في شرح حقيقة التوبة في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .
واعلم أن التوبة إنما تحصل عند حصول أمور أربعة: أولها: احتراق القلب في الحال على صدور تلك المعصية عنه.
وثانيها: ندمه على ما مضى.
وثالثها: عزمه على الترك في المستقبل.
ورابعها: أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته، فإن كان غرضه منها دفع مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو سائر الأغراض، فهو ليس من التائبين.
والصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ العابدون ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم.
وقال المتكلمون هم الذين أتوا بالعبادة، وهي عبارة عن الإتيان بفعل مشعر بتعظيم الله تعالى على أقصى الوجوه في التعظيم، ولابن عباس رضي الله عنهما: أن يقول إن معرفة الله والإقرار بوجوب طاعته عمل من أعمال القلب، وحصول الاسم في جانب الثبوت يكفي فيه حصول فرد من أفراد تلك الماهية.
قال الحسن: ﴿ العابدون ﴾ هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء.
وقال قتادة: قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ الحامدون ﴾ وهم الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه ديناً ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وقد ذكرنا التسبيح والتهليل والتحميد صفة الذين كانوا يعبدون الله قبل خلق الدنيا، وهم الملائكة، لأنه تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا قبل خلق آدم ونحن نسبح بحمدك، وهو صفة الذين يعبدون الله بعد خراب الدنيا.
لأنه تعالى أخبر عن أهل الجنة بأنهم يحمدون الله تعالى، وهو ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ وهم المرادون بقوله: ﴿ والحامدون ﴾ .
الصفة الرابعة: قوله: ﴿ السائحون ﴾ وفيه أقوال: القول الأول: قال عامة المفسرين هم الصائمون.
وقال ابن عباس: كل ما ذكر في القرآن من السياحة، فهو الصيام.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «سياحة أمتي الصيام».
وعن الحسن: أن هذا صوم الفرض.
وقيل هم الذين يديمون الصيام، وفي المعنى الذي لأجله حسن تفسير السائح بالصائم، وجهان: الأول: قال الأزهري: قيل للصائم سائح، لأن الذي يسيح في الأرض متعبداً لا زاد معه، كان ممسكاً عن الأكل، والصائم يمسك عن الأكل، فلهذه المشابهة سمي الصائم سائحاً.
الثاني: أن أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح والصائم يستمر على فعل الطاعة، وترك المشتهي، وهو الأكل والشرب والوقاع، وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب والوقاع وسد على نفسه أبواب الشهوات، انفتحت عليه أبواب الحكمة، وتجلت له أنوار عالم الجلال، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «من أخلص لله أربعين صباحاً، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فيصير من السائحين في عالم جلال الله المنتقلين من مقام إلى مقام، ومن درجة إلى درجة»، فيحصل له سياحة في عالم الروحانيات.
والقول الثاني: أن المراد من السائحين طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم، وهو قول عكرمة، وعن وهب بن منبه: كانت السياحة في بني إسرائيل، وكان الرجل إذا ساح أربعين سنة رأى ما كان يرى السائحون قبله.
فساح ولد بغي منهم أربعين سنة فلم ير شيئاً، فقال: يا رب ما ذنبي بأن أساءت أمي، فعند ذلك أراه الله ما أرى السائحين وأقول للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس، فلابد له من الصبر عليها، وقد ينقطع زاده، فيحتاج إلى التوكل على الله، وقد يلقى أفاضل مختلفين، فيستفيد من كل أحد فائدة مخصوصة، وقد يلقى الأكابر من الناس، فيستحقر نفسه في مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة، فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته، وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين.
والقول الثالث: قال أبو مسلم: ﴿ السائحون ﴾ السائرون في الأرض، وهو مأخوذ من السيح، سيح الماء الجاري، والمراد به من خرج مجاهداً مهاجراً، وتقريره أنه تعالى حث المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد، ثم ذكر هذه الآية في بيان صفات المجاهدين، فينبغي أن يكونوا موصوفين بمجموع هذه الصفات.
الصفة الخامسة والسادسة: قوله: ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ والمراد منه إقامة الصلوات.
قال القاضي: وإنما جعل ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة، وهو قيامه وقعوده.
والذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره ويمكن أن يقال: القيام أول مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها.
فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم.
الصفة السابعة والثامنة: قوله: ﴿ الأمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر ﴾ واعلم أن كتاب أحكام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ كتاب كبير مذكور في علم الأصول.
فلا يمكن إيراده هاهنا.
وفيه إشارة إلى إيجاب الجهاد، لأن رأس المعروف الإيمان بالله، ورأس المنكر الكفر بالله.
والجهاد يوجب الترغيب في الإيمان، والزجر عن الكفر.
والجهاد داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما دخول الواو في قوله: ﴿ والناهون عَنِ المنكر ﴾ ففيه وجوه: الوجه الأول: أن التسوية قد تجيء بالواو تارة وبغير الواو أخرى.
قال تعالى: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول ﴾ فجاء بعض بالواو، وبعض بغير الواو.
الوجه الثاني: أن المقصود من هذه الآيات الترغيب في الجهاد فالله سبحانه ذكر الصفات الستة، ثم قال: ﴿ الأمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر ﴾ والتقدير: أن الموصوفين بالصفات الستة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وقد ذكرنا أن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورئيسه؛ هو الجهاد، فالمقصود من إدخال الواو عليه التنبيه على ما ذكرنا.
الوجه الثالث: في إدخال الواو على هؤلاء، وذلك لأن كل ما سبق من الصفات عبادات يأتي بها الإنسان لنفسه، ولا تعلق لشيء منها بالغير.
أما النهي عن المنكر فعبادة متعلقة بالغير، وهذا النهي يوجب ثوران الغضب وظهور الخصومة، وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي وربما حاول قتله، فكان النهي عن المنكر أصعب أقسام العبادات والطاعات، فأدخل عليها الواو تنبيهاً على ما يحصل فيها من زيادة المشقة والمحنة.
الصفة التاسعة: قوله: ﴿ والحافظون لِحُدُودِ الله ﴾ والمقصود أن تكاليف الله كثيرة وهي محصورة في نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالعبادات.
والثاني: ما يتعلق بالمعاملات.
أما العبادات فهي التي أمر الله بها لا لمصلحة مرعية في الدنيا، بل لمصالح مرعية في الدين؛ وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذور وسائر أعمال البر.
وأما المعاملات فهي: إما لجلب المنافع وإما لدفع المضار.
والقسم الأول: وهو ما يتعلق بجلب المنافع: فتلك المنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية؛ أما المنافع المقصودة بالأصالة، فهي المنافع الحاصلة من طرف الحواس الخمسة: فأولها: المذوقات: ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة من الفقه.
ولما كان الطعام قد يكون نباتاً، وقد يكون حيواناً، والحيوان لا يمكن أكله إلا بعد الذبح، والله تعالى شرط في الذبح شرائط مخصوصة، فلأجل هذا دخل في الفقه كتاب الصيد والذبائح، وكتاب الضحايا.
وثانيها: الملموسات: ويدخل فيها باب أحكام الوقاع من جملتها ما يفيد حله، وهو باب النكاح، ومنه أيضاً باب الرضاع، ومنها ما هو بحث عن لوازم النكاح مثل المهر والنفقة والمسكن ويتصل به أحوال القسم والنشوز، ومنها ما هو بحث عن الأسباب المزيلة للنكاح، ويدخل فيه كتاب الطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان.
ومن الأحكام المتعلقة بالملموسات: البحث عما يحل لبسه وعما لا يحل، وعما يحل استعماله وعما لا يحل استعماله؛ وما لا يحل.
كاستعماله الأواني الذهبية والفضية؛ وطال كلام الفقهاء في هذا الباب.
وثالثها: المبصرات وهي باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل.
ورابعها: المسموعات: وهو باب هل يحل سماعه أم لا؟.
وخامسها: المشمومات، وليس للفقهاء فيها مجال.
وأما المنافع المقصودة بالتبع فهي الأموال، والبحث عنها من ثلاثة أوجه: الأول: الأسباب المفيدة للملك وهي إما البيع أو غيره.
أما البيع فهو إما بيع الأعيان، أو بيع المنافع وبيع الأعيان.
فأما أن يكون بيع العين بالعين، أو بيع الدين بالعين وهو السلم، أو بيع العين بالدين كما إذا اشترى شيئاً في الذمة، أو بيع الدين بالدين.
وقيل: إنه لا يجوز.
لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، ولكن حصل له مثال في الشرع وهو تقاضي الدينين.
وأما بيع المنفعة فيدخل فيه كتاب الإجارة، وكتاب الجعالة، وكتاب عقد المضاربة.
وأما سائر الأسباب الموجبة للملك فهي الإرث، والهبة، والوصية، وإحياء الموات، والالتقاط، وأخد الفيء والغنائم، وأخذ الزكوات وغيرها.
ولا طريق إلى ضبط أسباب الملك إلا بالاستقراء.
والنوع الثاني: من مباحث الفقهاء الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف في الشيء، وهو باب الوكالة والوديعة وغيرهما.
والنوع الثالث: الأسباب التي تمنع المالك من التصرف في ملك نفسه، وهو الرهن والتفليس والإجارة وغيرها، فهذا ضبط أقسام تكاليف الله في باب جلب المنافع.
وأما تكاليف الله تعالى في باب دفع المضار فنقول: أقسام المضار خمسة لأن المضرة إما أن تحصل في النفوس أو في الأموال أو في الأديان أو في الأنساب أو في العقول، أما المضار الحاصلة في النفوس فهي إما أن تحصل في كل النفس، والحكم فيه إما القصاص أو الدية أو الكفارة، وإما في بعض من أبعاض البدن كقطع اليد وغيرها، والواجب فيه إما القصاص أو الدية أو الأرش، وأما المضار الحاصلة في الأموال، فذلك الضرر إما أن يحصل على سبيل الإعلان والإظهار، وهو كتاب الغصب أو على سبيل الخفية وهو كتاب السرقة، وأما المضار الحاصلة في الأديان، فهي إما الكفر وإما البدعة، أما الكفر فيدخل فيه أحكام المرتدين، وليس للفقهاء كتاب مقرر في أحكام المبتدعين وأما المضار الحاصلة في الأنساب فيتصل به تحريم الزنا واللواط وبيان العقوبة المشروعة فيهما، ويدخل فيه أيضاً باب حد القذف وباب اللعان، وهاهنا بحث آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه، لأنه ربما كان ضعيفاً فلا يلتفت إليه خصمه، فلهذا السر نصب الله تعالى الإمام لتنفيذ الأحكام، ويجب أن يكون لذلك الإمام نواب وهم الأمراء والقضاة فلما لم يجز أن يكون قول الغير مقبولاً على الغير إلا بالحجة، فالشرع أثبت لإظهار الحق حجة مخصوصة وهي الشهادة، ولا بد أن يكون للدعوى ولإقامة البينة شرائط مخصوصة فلابد من باب مشتمل عليها، فهذا ضبط معاقد تكاليف الله تعالى وأحكامه وحدوده، ولما كانت كثيرة والله تعالى إنما بينها في كل القرآن تارة على وجه التفصيل، وتارة بأن أمر الرسول عليه السلام حتى يبينها للمكلفين، لا جرم أنه تعالى أجمل ذكرها في هذه الآية، فقال: ﴿ والحافظون لِحُدُودِ الله ﴾ وهو يتناول جملة هذه التكاليف.
واعلم أن الفقهاء ظنوا أن الذي ذكروه في بيان التكاليف وليس الأمر كذلك، فإن أعمال المكلفين قسمان: أعمال الجوارح وأعمال القلوب، وكتب الفقه مشتملة على شرح أقسام التكاليف المتعلقة بأعمال الجوارح، فأما التكاليف المتعلقة بأعمال القلوب فلم يبحثوا عنها ألبتة ولم يصنفوا لها كتباً وأبواباً وفصولاً.
ولم يبحثوا عن دقائقها، ولا شك أن البحث عنها أهم والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى.
لأن أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب والآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى ناطقة بذلك إلا أن قوله سبحانه: ﴿ والحافظون لِحُدُودِ الله ﴾ متناول لكل هذه الأقسام على سبيل الشمول والإحاطة.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات التسعة قال: ﴿ وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ والمقصود منه أنه قال في الآية المتقدمة: ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ فذكر هذه الصفات التسعة، ثم ذكر عقيبها قوله: ﴿ وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ تنبيهاً على أن البشارة المذكورة في قوله: ﴿ فاستبشروا ﴾ لم تتناول إلا المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات.
فإن قيل: ما السبب في أنه تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل، ثم ذكر تعالى عقيبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة التاسعة؟
قلنا: لأن التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله، والسياحة لطلب العلم، والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمور لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته، فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل، وأما البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء، ومثل معرفة أحكام الجنايات وأيضاً فتلك الأمور الثمانية أعمال القلوب وإن كانت أعمال الجوارح، إلا أن المقصود منها ظهور أحوال القلوب، وقد عرفت أن رعاية أحوال القلوب أهم من رعاية أحوال الظاهر فلهذا السبب ذكر هذا القسم على سبيل التفصيل، وذكر هذا القسم على سبيل الإجمال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ التائبون ﴾ رفع على المدح.
أي: هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين.
ويدلّ عليه قراءة عبد الله وأبيّ رضي الله عنهما: ﴿ التائبين ﴾ بالياء إلى: والحافظين، نصباً على المدح.
ويجوز أن يكون جراً صفة للمؤمنين.
وجوّز الزجاج أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أي: التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا، كقوله: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ [النساء: 95] وقيل: هو رفع على البدل من الضمير في يقاتلون.
ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره العابدون، وما بعده خبر بعد خبر، أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال.
وعن الحسن: هم الذين تابوا من الشرك وتبرؤا من النفاق.
و ﴿ العابدون ﴾ الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة وحرصوا عليها.
و ﴿ السائحون ﴾ الصائمون شبهوا بذوي السياحة في الأرض في امتناعهم من شهواتهم.
وقيل: هم طلبة العلم يسيحون في الأرض يطلبونه في مظانه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ التّائِبُونَ ﴾ رُفِعَ عَلى المَدْحِ أيْ هُمُ التّائِبُونَ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ المَذْكُورُونَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ التّائِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا لِقَوْلِهِ: ﴿ وَكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى ﴾ أوْ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيِ التّائِبُونَ عَنِ الكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الخِصالِ.
وقُرِئَ بِالياءِ نَصْبًا عَلى المَدْحِ أوْ جَرًّا صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿ العابِدُونَ ﴾ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
﴿ الحامِدُونَ ﴾ لِنَعْمائِهِ أوْ لِما نابَهم مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ.
﴿ السّائِحُونَ ﴾ الصّائِمُونَ لِقَوْلِهِ «سِياحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ» شُبِّهَ بِها لِأنَّهُ يَعُوقُ عَنِ الشَّهَواتِ أوْ لِأنَّهُ رِياضَةٌ نَفْسانِيَّةٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى الِاطِّلاعِ عَلى حَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ، أوِ السّائِحُونَ لِلْجِهادِ أوْ لِطَلَبِ العِلْمِ.
﴿ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ ﴾ في الصَّلاةِ.
﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والعاطِفُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ كَأنَّهُ قالَ: الجامِعُونَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهُ وعَيْنُهُ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما قَبْلَهُ مُفَصَّلُ الفَضائِلِ وهَذا مُجْمَلُها.
وقِيلَ إنَّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّعْدادَ قَدْ تَمَّ بِالسّابِعِ مِن حَيْثُ أنَّ السَّبْعَةَ هو العَدَدُ التّامُّ والثّامِنُ ابْتِداءُ تَعْدادٍ آخَرَ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ واوُ الثَّمانِيَةِ.
﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي بِهِ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الفَضائِلِ، ووَضَعَ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيمانَهم دَعاهم إلى ذَلِكَ، وأنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَن كانَ كَذَلِكَ وحُذِفَ المُبَشَّرُ بِهِ لِلتَّعْظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبَشِّرْهم بِما يَجِلُّ عَنْ إحاطَةِ الأفْهامِ وتَعْبِيرِ الكَلامِ.
<div class="verse-tafsir"
{التائبون} رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين أو هو مبتدأ خبره {العابدون} أي الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة وما بعد خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال وعن الحسن هم الذين تابوا من
الشرك وتبرءوا من النفاق {الحامدون} على نعمة الإسلام {السائحون} الصائمون لقوله عليه السلام سياحة أمتي الصيام أو طلبة العلم لأنهم يسيحون في الأرض يطلبونه في مظانه أو السائرون فى الأرض للاعتبار {الراكعون الساجدون} المحافظون على الصلوات {الآمرون بالمعروف} بالإيمان والمعرفة والطاعة {والناهون عَنِ المنكر} عن الشرك والمعاصى
التوبة (١١٢ _ ١١٧)
ودخلت الواو للإشعار بأن السبعة عقد تام أو للتضاد بين الأمر والنهي كما في قوله ثيبات وأبكارا {والحافظون لِحُدُودِ الله} أوامره ونواهيه أو معالم الشرع {وَبَشّرِ المؤمنين} المتصفين بهذه الصفات
﴿ التّائِبُونَ ﴾ نَعْتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَطْعٌ لِأجْلِ المَدْحِ أيْ هُمُ التّائِبُونَ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ (التّائِبِينَ) بِالياءِ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (التّائِبُونَ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى ﴾ فَإنَّ كُلًّا فِيهِ عامٌّ والحُسْنى بِمَعْنى الجَنَّةِ وقِيلَ: الخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ العابِدُونَ ﴾ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يُقاتِلُونَ ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ إلّا أنَّهُ يَكُونُ المَوْعُودُ بِالجَنَّةِ عَلَيْهِ هو المُجاهِدَ المُتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لا كُلَّ مُجاهِدٍ وبِذَلِكَ يُشْعِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: الشَّهِيدُ مَن كانَ فِيهِ الخِصالُ التِّسْعُ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُنافِي ذَلِكَ ما صَحَّ مِن حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ «مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو صابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدَبِّرٍ كُفِّرَتْ خَطاياهُ إلّا الدَّيْنَ» فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُجاهِدَ قَدْ لا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِجَمِيعِ ما في الآيَةِ مِنَ الصِّفاتِ وإلّا لا يَبْقى لِتَكْفِيرِ الخَطايا وجْهٌ، وكَأنَّهُ مِن هُنا اخْتارَ الزَّجّاجُ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَما سَمِعْتَ إذْ في الآيَةِ عَلَيْهِ تَبْشِيرُ مُطْلَقِ المُجاهِدِينَ بِما ذُكِرَ وهو المَفْهُومُ مِن ظَواهِرَ الأخْبارِ.
نَعَمْ دَلَّ كَثِيرٌ مِنها عَلى أنَّ الفَضْلَ الوارِدَ في المُجاهِدِينَ مُخْتَصٌّ بِمَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى هي العُلْيا وأنَّ مَن قاتَلَ لِلدُّنْيا والسُّمْعَةِ اسْتَحَقَّ النّارَ.
وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلْيُفْهَمْ، والمُرادُ مِنَ التّائِبِينَ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ ولَمْ يُنافِقُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُمُ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ والذُّنُوبِ، وأيَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ التّائِبِينَ في تَقْدِيرِ الَّذِينَ تابُوا وهو مِن ألْفاظِ العُمُومِ يَتَناوَلُ كُلَّ تائِبٍ فَتَخْصِيصُهُ بِالتّائِبِ عَنْ بَعْضِ المَعاصِي تَحَكُّمٌ.
وأُجِيبُ بِأنَّ ذِكْرَهم بَعْدَ ذِكْرِ المُنافِقِينَ ظاهِرٌ في حَمْلِ التَّوْبَةِ عَلى التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ وأيْضًا لَوْ حُمِلَتِ التَّوْبَةُ عَلى التَّوْبَةِ عَنِ المَعاصِي يَكُونُ ما ذُكِرَ بَعْدُ مِنَ الصِّفاتِ غَيْرَ تامِّ الفائِدَةِ مَعَ أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الظّاهِرُ اجْتِنابُهُ لِلْمَعاصِي، والمُرادُ مِنَ العابِدِينَ الَّذِينَ أتَوْا بِالعِبادَةِ عَلى وجْهِها، وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى في أحايِينِهِمْ كُلِّها أما واللَّهِ ما هو بِشَهْرٍ ولا شَهْرَيْنِ ولا سَنَةٍ ولا سَنَتَيْنِ ولَكِنْ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: ﴿ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ﴾ وقالَ قَتادَةُ: هم قَوْمٌ أخَذُوا مِن أبْدانِهِمْ في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، ﴿ الحامِدُونَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ حالٍ كَما رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فالحَمْدُ بِمَعْنى الوَصْفِ بِالجَمِيلِ مُطْلَقًا وقِيلَ: هو بِمَعْنى الشُّكْرِ فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ أيِ الحامِدُونَ لِنَعْمائِهِ تَعالى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَمْدَ في كُلِّ حالٍ أوْلى وفِيهِ تَأسٍّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الحَمّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ» .
وجاءَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أتاهُ الأمْرُ يَسُرُّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصّالِحاتُ، وإذا أتاهُ الأمْرُ يَكْرَهُهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ» .
﴿ السّائِحُونَ ﴾ أيِ الصّائِمُونَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأجابَ بِما ذُكِرَ.
وإلَيْهِ ذَهَبَ جُلَّةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وجاءَ عَنْ عائِشَةَ: «سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيامُ» وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ الصَّوْمَ يَعُوقُ عَنِ الشَّهَواتِ كَما أنَّ السِّياحَةَ تَمْنَعُ مِنها في الأكْثَرِ أوْ لِأنَّهُ رِياضَةٌ رُوحانِيَّةٌ يَنْكَشِفُ بِها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ فَشَبَّهَ الِاطِّلاعَ عَلَيْها بِالِاطِّلاعِ عَلى البُلْدانِ والأماكِنِ النّائِيَةِ إذْ لا يَزالُ المُرْتاضُ يَتَوَصَّلُ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ويَدْخُلُ مِن مَدائِنِ المَعارِفِ إلى مَدِينَةٍ بَعْدَ أُخْرى عَلى مَطايا الفِكْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ السّائِحِينَ هُمُ المُهاجِرُونَ، ولَيْسَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةُ وأخْرَجَ هو وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم طَلَبَةُ العِلْمِ لِأنَّهم يَسِيحُونَ في الأرْضِ لِطَلَبِهِ وقِيلَ: هُمُ المُجاهِدُونَ لِما أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في السِّياحَةِ فَقالَ: إنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى» .
والمُخْتارُ ما تَقَدَّمَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ تُحْمَلِ السِّياحَةُ عَلى المَعْنى المَشْهُورِ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ، وقَدْ نَهى عَنْها وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ ﴾ أيْ في الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، فالرُّكُوعُ والسُّجُودُ عَلى مَعْناهُما الحَقِيقِيِّ، وجَعَلَهُما بَعْضُهم عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: المُصَلُّونَ ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أيِ الإيمانِ ﴿ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ أيِ الشِّرْكِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في الأمْرَيْنِ، ولَوْ أبْقى لَفْظَ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى عُمُومِهِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ بَلْ قِيلَ: إنَّهُ الأوْلى والعَطْفُ هُنا عَلى ما في المُغْنِي إنَّما كانَ مِن جِهَةِ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مِن حَيْثُ هُما أمْرٌ ونَهْيٌ مُتَقابِلانِ بِخِلافِ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ لِأنَّ الآمِرَ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ وهو تَرْكُ المَعْرُوفِ والنّاهِي عَنِ المُنْكَرِ آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ فَأُشِيرَ إلى الِاعْتِدادِ بِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ وأنَّهُ لا يَكْفِي فِيهِ ما يَحْصُلُ في ضِمْنِ الآخَرِ، وحاصِلُهُ عَلى ما قِيلَ: إنَّ العَطْفَ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّقابُلِ أوْ لِدَفْعِ الإيهامِ ووَجَّهَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ذَلِكَ بِأنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا في الذِّهْنِ والخارِجِ لِأنَّ الأوامِرَ تَتَضَمَّنُ النَّواهِيَ ومُنافاةً بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّ أحَدَهُما طَلَبُ فِعْلٍ والآخَرَ طَلَبُ تَرْكٍ فَكانا بَيْنَ كَمالِ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ المُقْتَضِي لِلْعَطْفِ بِخِلافِ ما قَبْلَهُما وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: الجامِعُونَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ ويَرُدُّ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ ﴿ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ ﴾ في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ أيْضًا فَكانَ يَنْبَغِي فِيهِما العَطْفُ عَلى ما ذُكِرَ إذْ مَعْناهُ الجامِعُونَ بَيْنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ ويُدْفَعُ بِأدْنى التِفاتٍ، وأمّا العَطْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ أيْ فِيما بَيَّنَهُ وعَيَّنَهُ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ فَقِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّ العَدَدَ قَدْ تَمَّ بِالسّابِعِ مِن حَيْثُ إنَّ السَّبْعَةَ هو العَدَدُ التّامُّ والثّامِنُ ابْتِداءُ تَعْدادٍ آخَرَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ يُسَمّى واوَ الثَّمانِيَةِ وإلَيْهِ مالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ مِمَّنْ أثْبَتَ واوَ الثَّمانِيَةِ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَرْضَهُ النُّحاةُ كَما فَصَّلَهُ ابْنُ هِشامٍ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَهُ وقِيلَ: إنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما قَبْلَهُ مُفَصَّلُ الفَضائِلِ وهَذا مُجْمَلُها يَعْنِي أنَّهُ مِن ذِكْرِ أمْرٍ عامٍّ شامِلٍ لِما قَبْلَهُ وغَيْرِهِ ومِثْلُهُ يُؤْتى بِهِ مَعْطُوفًا نَحْوُ زَيْدٌ وعَمْرٌو وسائِرُ قَبِيلَتِهِ كُرَماءُ فَلِمُغايَرَتِهِ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والعُمُومِ والخُصُوصِ عُطِفَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلَيْهِ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ فِعْلُهُ قَوْلَهُ لا يُجْدِي أمْرُهُ نَفْعًا ولا يُفِيدُ نَهْيُهُ مَنعًا وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحُدُودِ ظاهِرُهُ وهي إقامَةُ الحَدِّ كالقِصاصِ عَلى مَنِ اسْتَحَقَّهُ، والصِّفاتُ الأُوَلُ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (والآمِرُونَ) صِفاتٌ مَحْمُودَةٌ لِلشَّخْصِ في نَفْسِهِ، وهَذِهِ لَهُ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ فَلِذا تَغايَرَ تَعْبِيرُ الصِّنْفَيْنِ فَتُرِكَ العاطِفُ في القِسْمِ الأوَّلِ وعُطِفَ في الثّانِي، ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِنِ اجْتِماعِ الأوَّلِ في شَيْءٍ واحِدٍ تُرِكَ فِيها العَطْفُ لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ بِخِلافِ هَذِهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ اخْتِلافُ فاعِلِها ومَن تَعَلَّقَتْ بِهِ، وهَذا هو الدّاعِي لِإعْرابِ ﴿ التّائِبُونَ ﴾ مُبْتَدَأً مَوْصُوفًا بِما بَعْدَهُ، (والآمِرُونَ) خَبَرُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الكامِلُونَ في أنْفُسِهِمُ المُكَمِّلُونَ لِغَيْرِهِمْ وقُدِّمَ الأوَّلُ لِأنَّ المُكَمِّلَ لا يَكُونُ مُكَمِّلًا حَتّى يَكُونَ كامِلًا في نَفْسِهِ، وبِهَذا يَتَّسِقُ النَّظْمُ أحْسَنَ اتِّساقٍ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وهو وجْهٌ وجِيهٌ لِلْعَطْفِ في البَعْضِ وتُرِكَ العَطْفُ في الآخَرِ خَلا أنَّ المَأْثُورَ عَنِ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِ تَفْسِيرُ الحافِظِينَ لِحُدُودِ اللَّهِ بِالقائِمِينَ عَلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ وهو مُخالِفٌ لِما في هَذا التَّوْجِيهِ ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ 112﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ ووَضْعُ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعُ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مِلاكَ الأمْرِ هو الإيمانُ وأنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَن كانَ كَذَلِكَ وحَذْفُ المُبَشَّرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أمْرٌ جَلِيلٌ لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، معناه: إنه طلب من المؤمنين أن يفدوا أنفسهم وأموالهم، ويخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله، ليثيبهم الجنة.
وذكر الشراء على وجه المثل، لأن الأموال والأنفس كلها لله تعالى، وهي عند أهلها عارية، ولكنه أراد به التحريض والترغيب في الجهاد.
وهذا كقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة: 245] ثم قال: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: في طاعة الله تعالى مع العدو.
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، يعني: يقتلون العدو ويقتلهم العدو.
قرأ حمزة والكسائي فَيَقْتُلُونَ بالرفع وَيُقْتَلُونَ بالنصب على معنى التقديم والتأخير، وقرأ الباقون يُقْتَلُونَ بالنصب وَيُقْتَلُونَ بالرفع.
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا، يعني: واجباً لهم ذلك، بأن يفي لهم ما وعد، وبين لهم ذلك فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، يعني: ليس أحد أوفى من الله تعالى في عهده وشرطه، لأنه عهد أن مَنْ قتل في سبيل الله، فله الجنة، فيفي عهده ذلك وينجز وعده.
ثم قال: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وهذا إعلام لهم أنهم يربحون في مبايعتهم.
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يعني: الثواب الوافر والنجاة الوافرة.
قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ إلى آخره يعني: لهم الجنة، ويقال: هم التائبون، ويقال: صار رفعاً بالابتداء وجوابه مضمر، قرأ عاصم التّائبين العابدين يعني: اشترى من المؤمنين التائبين العابدين إلى آخره، ويقال: اشترى من عشرة نفر أولهم الغزاة، ومن التائبين الذين يتوبون عن الذنوب، والذين هم الْعَابِدُونَ، يعني: الموحدون، ويقال: المطيعون لله تعالى في الطاعة والجهاد.
الْحامِدُونَ، الذين يحمدون الله على كل حال، السَّائِحُونَ، قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والحسن: يعني الصائمين، وأصله: السائح في الأرض، لأن السائح في الأرض يكون ممنوعاً عن الشهوات، فشبّه الصائم به.
وذكر عن بعضهم أنه قال: هم الذين يصومون شهر الصبر وهو شهر رمضان، وأيام البيض الرَّاكِعُونَ، يعني: الذين يحافظون على الصلوات السَّاجِدُونَ، الذين يسجدون لله تعالى في الصلوات.
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، يعني: يأمرون الناس بالتوحيد وأعمال الخير.
وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، الذين ينهون الناس عن الشرك والأعمال الخبيثة وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، يعني: العاملين بما فرض الله عليهم.
وذكر عن خلف بن أيوب: أنه أمر امرأته في بعض الليل أن تمسك الرضاع عن الولد، فقالت: لم؟
فقال: لأنه قد تمت سنتان.
فقيل له: لو تركتها حتى ترضع تلك الليلة، وأيش يكون؟
فقال: أين قول الله تعالى وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، ثم قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، يعني: المصدقين بهذا الشرط والعاملين به.
<div class="verse-tafsir"
قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» وفي قوله تعالَى: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، مع قوله: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [القارعة: ٩] إِشَارَةٌ إِلَى أَن النار تَحْتُ كما أن الجَنَّةَ فَوْقُ.
انتهى.
والرِّيبة: الشَّكُّ، وقد يسمى ريبةً فسادُ المعتقدِ، ومعنى الرِّيبةِ، في هذه الآية: أمرٌ يعمُّ الغيظَ والحَنَقَ، ويعمُّ اعتقاد صَوَابِ فعْلهم ونحو هذا ممَّا يُؤدِّي كلُّه إِلى الارتياب في الإِسلامِ، فمقصدُ الكلام: لا يَزَالُ هذا البنيانُ الذي هُدِّم لهم، يُبْقِي في قلوبهم حَزَازَةً وأَثَرَ سُوءٍ، وبالشكِّ فسَّر ابن عباس الريبةَ هنا «٢» .
وبالجملة إِن الريبة هنا تعمُّ معانيَ كثيرةً يأخذ كلُّ منافق منها بحَسَب قَدْره من النِّفاق.
وقوله: «أَلا أَنْ تُقطَّع قلوبهم» - بضم التاء- يعني: بالموت، قاله ابن عباس وغيره «٣» وفي مُصْحَف «٤» أُبَيٍّ: «حَتَّى المَمَاتِ» ، وفيه: «حتّى تقطّع» .
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)
وقوله عزَّ وجلَ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ...
الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ في البَيْعة الثالثة، وهي بيعةُ العَقَبة الكُبْرَى، وهي التي أَنَافَ فيها رجالُ الأنصار على السبعين وذلك أنهم اجتمعوا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند العقبة، فقالوا: اشترط لك، وَلَرَبِّكَ، والمتكلِّمُ بذلك عبدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَة «٥» فاشترط نبيُّ الله
حمايته ممَّا يحمُونَ منه أنفسهم، واشترط لربِّهِ التزام الشريعةِ، وقِتَالَ الأَحمَرِ والأَسْوَدِ في الدَّفْع عن الحَوْزَة، فقالوا: مَا لَنَا عَلَى ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟
فَقَالَ: الجَنَّةُ، فَقَالُوا: نَعَمْ، رَبحَ البَيْعُ، لاَ تَقِيلُ وَلاَ تُقَالُ، وفي بعض الرواياتِ: «وَلاَ نَسْتَقِيلُ» فنزلَتِ الآية في ذلك.
وهكذا نقله ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» ، عن عبد اللَّه بن رَوَاحَة، ثم ذكر من طريق الشعبيِّ، عن أبي أمامة أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ نحو كلام ابنِ رَوَاحَةَ.
قال ابن العربيِّ «٢» : وهذا وإن كان سنده مقطوعاً، فإن معناه ثابتٌ مِنْ طرق.
انتهى.
ثم الآية بَعْدَ ذلك عامَّة في كلِّ من جَاهَدَ في سبيلِ اللَّهِ مِنْ أمة نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى يوم القيامة، قال بعضُ العلماء: مَا مِنْ مُسْلِم إلا وللَّه في عُنُقِهِ هذه البَيْعَةُ، وفى بِهَا أو لم يَفِ، وفي الحديث: «إِنَّ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرًّا حَتَّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ، فَإِذَا فَعَلَ، فَلاَ بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ» .
وأسند الطبريُّ عن كثير من أهْلِ العِلْم أنهم قالوا: ثَامَنَ اللَّه تَعَالَى في هذه الآية عِبَادَهُ، فَأَغْلَى لهم وقاله ابن عباس وغيره «٣» ، وهذا تأويلُ الجمهور.
وقال ابن عُيَيْنَة: معنى الآية: اشترى منهم أنفسهم ألاَّ يُعْمِلُوهَا إلا في طاعته، وأموالَهُمْ أَلاَّ يُنْفِقُوها إِلاَّ في سبيله، فالآية علَى هذا: أعمُّ من القَتْلِ في سبيل اللَّه.
وقوله: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ على تأويل ابْنِ عُيَيْنة: مقطوعٌ، ومستأنفٌ، وأما على تأويل الجمهور مِنْ أَنَّ الشراء والبَيْع إِنما هو مع المجاهدين، فهو في موضع الحال.
وقوله سبحانه: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ: قال المفسِّرون:
يظهر من قوله: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أن كلَّ أُمَّة أُمِرَتْ بالجهاد، ووُعِدَتْ عليه.
قال ع «٤» : ويحتملُ أَنَّ ميعاد أمّة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، تقدَّم ذكره في هذهِ الكُتُب، واللَّه أعلم.
قال ص: وقوله: فَاسْتَبْشِرُوا: ليس للطلب، بل بمعنى: أَبْشِرُوا كاستوقد، قال أبو عُمَرَ بْنُ عبد البر في كتابه المسمى ب «بهجة المجالس» : وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له» «١» .
وعن ابن عباس مثله.
انتهى.
وباقي الآية بَيِّن.
قال الفَخْر: واعلم أَنَّ هذه الآية مشتملةٌ على أنواع من التأكيدات:
فأولها: قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ، فكون المشتَرِي هو اللَّه المقدَّس عن الكَذِبِ والحِيلَة مِنْ أَدَلِّ الدلائل على تأكيد هذا العَهْد.
والثاني: أنه عبر عن إِيصال هذا الثواب بالبَيْعِ والشراءِ، وذلك حَقٌّ مُؤَكَد.
وثالثها: قوله: وَعْداً، ووعد اللَّه حقٌّ.
ورابعها: قوله: عَلَيْهِ، وكلمةُ «عَلى» للوجوب.
وخامسها: قوله: حَقًّا، وهو تأكيد للتحقيق.
وسادسها: قوله: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وذلك يجري مَجْرَى إِشهاد جميع الكُتُب الإِلهية، وجمِيعِ الأَنبياء والمُرْسلين عَلى هذه المبايعة.
وسابعها: قوله: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، وهو غايةُ التأكيد.
وثامنها: قوله: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وهو أيضاً مبالغةٌ في التأكيد.
وتاسعها: قوله: وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ.
وعاشرها: قوله: الْعَظِيمُ.
فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوهِ العَشَرةِ في التأكيدِ والتقريرِ والتحقيق.
انتهى.
وقوله عزَّ وجلَّ: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ، إلى قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، هذه الأوصافُ هي مِنْ صفات المؤمنين الذين ذكر اللَّه أنَّه اشترى منهم أنفُسَهُمْ وأموالهم، ومعنى الآية، على ما تقتضيه أقوالُ العلماء والشَّرْعُ: أنها أوصافُ الكَمَلَةِ من المؤمنين، ذكرها سبحانه، لِيَسْتَبِقَ إِليها أهْلُ التوحيد حتى يكُونوا في أعْلَى رتبةٍ، والآية الأولى مستقلّة
بنفسها، يقع تَحْتَ تلك المبايعة كلُّ موحِّد قاتَلَ في سبيل اللَّهِ، لتكونَ كلمة اللَّه هي العليا، وإِنْ لم يتَّصفْ بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها، وقالَتْ فرقةٌ: بل هذه الصفاتُ جاءت علَى جهة الشَّرْط، والآيتان مرتبطتان، فلا يَدْخُلُ في المبايعة إِلا المؤْمِنُونَ الذين هُمْ عَلى هذه الأوصاف، وهذا تحريجٌ وتضييقٌ، والأول أصوبُ، واللَّه أعلم.
والشهادة ماحيةٌ لكلِّ ذنب إلا لمظالِمِ العِبَادِ، وقد روي أن اللَّه عِزَّ وجلَّ يحمل على الشَّهِيدِ مَظَالِمَ العبادِ، ويجازِيهِمْ عنه، ختم الله لنا بالحسنى.
والسَّائِحُونَ: معناه: الصائمون، وروي عن عائشة، أَنها قالَتْ: سِيَاحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيَام «١» أسنده الطبريُّ «٢» ، وروي أنه من كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٣» .
قَالَ الفَخْر: ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذَّهاب في الأرض، سُمِّي الصائم سائحاً لاستمراره على فِعْل الطاعة وترك المَنْهِيِّ عنه مِنْ المفطِّرات.
قال الفَخْر «٤» : عندي فيه وجْهٌ آخر، وهو أن الإِنسان إذا امتنع مِنَ الأَكل والشُّرب والوِقاع، وسَدَّ عَلَى نفسه بَابَ الشهواتِ، انفتحت له أبوابُ الحكمةُ وتجَلَّتْ له أنوار عالم الجلال ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أَخْلَصَ للَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ «٥» فَيَصير من السائحين في عالَمِ جلالِ اللَّه المنتقلينِ مِنْ مقام إلى مقام، ومن
درجةٍ إلى درجةٍ» .
انتهى.
قال ع «١» : وقال بعضُ النَّاس، وهو في كتاب النَّقَّاش: السَّائِحُونَ: هم الجائلون بأفكارهم في قُدْرة اللَّه ومَلَكُوتهُ وهذا قولٌ حَسَن، وهو من أفضل العباداتِ، والرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ: هم المصلُّون الصَّلوات كذا قال أهل العلم، ولكن لا يختلف في أنَّ من يكثر النَّوافلَ هو أَدْخَلُ في الاسم، وأَعْرَقُ في الاتصاف.
وقوله: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ لفظٌ عامٌّ تحته/ التزام الشريعة.
ت: قال البخاريُّ: قال ابن عباس: الحدود: الطاعة «٢» .
قال ابن العربيُّ «٣» في «أحكامه» ، وقوله: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ خَاتمةُ البيان، وعمومُ الاشتمال لكلِّ أمْر ونهْي.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ التّائِبُونَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتِ الَّتِي قَبْلَها، قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنا وإنْ شَرِبَ الخَمْرَ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ الرَّفْعُ هاهُنا عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: المَدْحُ، كَأنَّهُ قالَ: هَؤُلاءِ التّائِبُونَ، أوْ هُمُ التّائِبُونَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى البَدَلِ، والمَعْنى: يُقاتِلُ التّائِبُونَ؛ فَهَذا مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، المَعْنى: التّائِبُونَ ومَن ذُكِرَ مَعَهم لَهُمُ الجَنَّةُ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا إذا لَمْ يَقْصِدُوا تَرْكَ الجِهادِ ولا العِنادَ، لِأنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ يُجْزِئُ عَنْ بَعْضٍ في الجِهادِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: "التّائِبُونَ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الرّاجِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والمَعاصِي.
والثّانِي: الرّاجِعُونَ إلى اللَّهِ في فِعْلِ ما أمَرَ واجْتِنابِ ما حَظَرَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ العابِدُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المُطِيعُونَ لِلَّهِ بِالعِبادَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: المُقِيمُونَ الصَّلاةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: المُوَحِّدُونَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحامِدُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ.
وَفِي السّائِحِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الصّائِمُونَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويَرى أهْلُ النَّظَرِ أنَّ الصّائِمَ إنَّما سُمِّيَ سائِحًا تَشْبِيهًا بِالسّائِحِ، لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ لَلْفَرَسِ إذا كانَ قائِمًا لا عَلَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ: صائِمٌ وذَلِكَ أنَّ لَهُ قُوَّتَيْنِ، غَدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، فَشُبِّهَ بِهِ صِيامُ الآَدَمِيِّ لِتَسَحُّرِهِ وإفْطارِهِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الغُزاةُ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: طُلّابُ العِلْمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: المُهاجِرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ ﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ.
﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وهو طاعَةُ اللَّهِ.
﴿ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ وهو مَعْصِيَةُ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ دُخُولِ الواوِ في قَوْلِهِ: "والنّاهُونَ" فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الواوَ إنَّما دَخَلَتْ هاهُنا لِأنَّها الصِّفَةُ الثّامِنَةُ، والعَرَبُ تَعْطِفُ بِالواوِ عَلى السَّبْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّ الواوَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى النّاهِينَ لِأنَّ الآَمِرَ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ في حالِ أمْرِهِ، فَكانَ دُخُولُ الواوِ دَلالَةً عَلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ لا يَنْفَرِدُ دُونَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كَما يَنْفَرِدُ الحامِدُونَ بِالحَمْدِ دُونَ السّائِحِينَ، والسّائِحُونَ بِالسِّياحَةِ دُونَ الحامِدِينَ في بَعْضِ الأحْوالِ والأوْقاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: القائِمُونَ بِأمْرِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ التائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السائِحُونَ الراكِعُونَ الساجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ هَذِهِ الأوصافُ هي مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ أنَّهُ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهُمْ، وارْتَفَعَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمّا جاءَتْ مَقْطُوعَةً في ابْتِداءِ آيَةٍ عَلى مَعْنى: هُمُ التائِبُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أقْوالُ العُلَماءِ والشَرْعِ أنَّها أوصافُ الكَمَلَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَها اللهُ تَعالى لِيَسْتَبِقَ إلَيْها أهْلُ التَوْحِيدِ حَتّى يَكُونُوا في أعْلى رُتْبَةٍ، والآيَةُ الأولى مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، يَقَعُ تَحْتَ تِلْكَ المُبايَعَةِ كُلُّ مُوَحِّدٍ قاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا وإنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ أو بِأكْثَرِها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذِهِ الأوصافُ جاءَتْ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ، والآيَتانِ مُرْتَبِطَتانِ فَلا يَدْخُلُ في المُبايَعَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى هَذِهِ الأوصافِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللهِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى ﴾ الآيَةُ، وقالَ الرَجُلُ: ألا أحْمِلُ عَلى المُشْرِكِينَ فَأُقاتِلَ حَتّى أقْتُلَ؟
فَقالَ الضَحّاكُ: ويْلَكَ، أيْنَ الشَرْطُ: ﴿ التائِبُونَ العابِدُونَ ﴾ الآيَةُ؟
وهَذا القَوْلُ تَحْرِيجٌ وتَضْيِيقٌ واللهُ أعْلَمُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، والشَهادَةُ ماحِيَةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ إلّا لِمَظالِمِ العِبادِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَحْمِلُ عَنِ الشَهِيدِ مَظالِمَ العِبادِ ويُجازِيهِمْ عنهُ، خَتَمَ اللهُ لَنا بِالحُسْنى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَفْعَ التائِبِينَ إنَّما هو عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ إلّا قَوْلَهُ: "الآمِرُونَ" فَإنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: "هُمُ الآمِرُونَ"، وهَذا حَسَنٌ إلّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَنْفَصِلُ مِن مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، وذَلِكَ قَلِقٌ فَتَأمَّلْهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "التائِبِينَ العابِدِينَ" إلى آخِرِها، ولِذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: الصِفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اتِّباعِ اللَفْظِ، والآخَرُ: النَصْبُ عَلى المَدْحِ.
و"التائِبُونَ" يَعُمُّ الرُجُوعَ مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ كانَ ذَلِكَ مِن كُفْرٍ أو مَعْصِيَةٍ، والرُجُوعُ مِن حالَةٍ إلى ما هي أحْسَنُ مِنها وإنْ لَمْ تَكُنِ الأُولى شَرًّا بَلْ خَيْرًا، وهَكَذا كانَتْ تَوْبَةُ النَبِيِّ واسْتِغْفارُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً في اليَوْمِ، والتائِبُ هو المُقْلِعُ عَنِ الذَنْبِ العازِمُ عَلى التَمادِي عَلى الإقْلاعِ النادِمُ عَلى ما سَلَفَ، والتائِبُ عن ذَنْبٍ يُسَمّى تائِبًا وإنْ قامَ عَلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِهِ فَلَيْسَ بِتائِبٍ، والتَوْبَةُ ونَقْضُها دائِبًا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ، ومَن تابَ ثُمَّ نَقَضَ ووافى عَلى النَقْضِ فَإنَّ ذُنُوبَهُ الأُولى تَبْقى عَلَيْهِ لِأنَّ تَوْبَتَهُ مِنها عَلِمَ اللهُ أنَّها مَنقُوضَةٌ، ويَحْتَمِلُ الأمْرُ غَيْرَ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ.
وقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: "التائِبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ الشِرْكِ.
و"العابِدُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ القِيامَ بِعِبادَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والتِزامَ شَرْعِهِ ومُلازَمَةَ ذَلِكَ والمُثابَرَةَ عَلَيْهِ والدَوامَ، والعابِدُ هو المُحْسِنُ الَّذِي فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ في قَوْلِهِ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"، وبِأدْنى عِبادَةٍ يُؤَدِّيها المَرْءُ المُسْلِمُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عابِدٍ ويَحْصُلُ في أدْنى رُتْبَتِهِ، وعَلى قَدْرِ زِيادَتِهِ في العِبادَةِ يَحْصُلُ الوَصْفُ.
وَ"الحامِدُونَ" مَعْناهُ: الذاكِرُونَ لِلَّهِ بِأوصافِهِ الحُسْنى في كُلِّ حالٍ وعَلى السَرّاءِ والضَرّاءِ، وحَمْدُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ إذِ الشُكْرُ إنَّما هو عَلى النِعَمِ الخاصَّةِ بِالشاكِرِ.
و"السائِحُونَ" مَعْناهُ: الصائِمُونَ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: "سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِيامُ"، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن كَلامِ النَبِيِّ ، وفي الحَدِيثِ: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيّاحِينَ مَشّائِينَ في الآفاقِ يُبَلِّغُونِي صَلاةَ أُمَّتِي عَلَيَّ"، ويُرْوى الحَدِيثُ "صَيّاحِينَ" بِالصادِّ مِنَ الصِياحِ، والسِياحَةُ في الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَيْحِ وهو الماءُ الجارِي عَلى الأرْضِ إلى غَيْرِ غايَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ -وَهُوَ في كِتابِ النَقّاشِ -: ﴿ السائِحُونَ ﴾ هُمُ الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في قُدْرَةِ اللهِ ومَلَكُوتِهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وهي مِن أفْضَلِ العِباداتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "اقْعُدْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً"، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ العُبّادِ أخَذَ القَدَحَ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ وجَعَلَ يُفَكِّرُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أدْخَلْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ ﴾ ، وفَكَّرْتُ كَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ وبَقِيتُ في ذَلِكَ لَيْلِي أجْمَعَ.
و ﴿ الراكِعُونَ الساجِدُونَ ﴾ هُمُ المُصَلُّونَ الصَلَواتِ الخَمْسَ، كَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ، ولَكِنْ لا يُخْتَلَفُ في أنَّ مَن يُكْثِرُ النَوافِلَ هو أدْخَلُ في الِاسْمِ وأغْرَقُ في الِاتِّصافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ هو أمْرُ فَرْضٍ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالجُمْلَةِ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ الناسُ فِيهِ مَعَ التَعْيِينِ، فَأمّا وُلاةُ الأمْرِ والرُؤَساءُ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ، وأمّا سائِرُ الناسِ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ بِشُرُوطٍ، مِنها: ألّا تَلْحَقَهُ مَضَرَّةٌ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّ قَوْلَهُ يُسْمَعُ ويُعْمَلُ بِهِ ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ مَن تَحَمَّلَ بَعْدُ في ذاتِ اللهِ مَشَقَّةُ فَهو أعْظَمُ أجْرًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَهو الأمْرُ بِالإسْلامِ والنَهْيُ عَنِ الكُفْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَتَناوَلُ هَذا وهو أحْرى أنْ يَتَناوَلَ ما دُونَهُ فَتَعْمِيمُ اللَفْظِ أولى، وأمّا هَذِهِ الواوُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ والناهُونَ ﴾ ولَمْ يَتَقَدَّمْ في واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ قَبْلُ، فَقِيلَ: مَعْناها الرَبْطُ بَيْنَ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ وهي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ إذْ هُما مِن غَيْرِ قَبِيلِ الصِفاتِ الأُوَلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الأوَّلَ فِيما يَخُصُّ المَرْءَ، وهاتانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ووَجَبَ الرَبْطُ بَيْنَهُما لِتَلازُمِهِما وتَناسُبِهِما، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا مَعْنى لَهُ، وقِيلَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الصِفَةَ جاءَتْ ثامِنَةً في الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في أبْوابِ الجَنَّةِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ ، ومِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذِهِ تُعْتَرَضُ حَتّى لا يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ واوُ ثَمانِيَةٍ أنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ فَصْلَيْنِ يَعُمّانِ بِمَجْمُوعِهِما جَمِيعَ النِساءِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ثَيِّباتٍ أبْكارًا"، فَهي فاصِلَةٌ ضَرُورَةً، وواوُ الثَمانِيَةِ قَدْ ذَكَرَها ابْنُ خالَوَيْهِ في مُناظَرَتِهِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ الأُسْتاذِ النَحْوِيِّ أبِي عَبْدِ اللهِ الكَفِيفِ المالِقِيِّ - وكانَ مِمَّنِ اسْتَوْطَنَ غِرْناطَةَ وأقْرَأ فِيها في مُدَّةِ ابْنِ حَبُوسٍ- أنَّهُ قالَ: "هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا إذا عَدُّوا: واحِدٌ، اثْنانِ، ثَلاثَةٌ، أرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ، تِسْعَةٌ، عَشْرَةٌ، فَهَكَذا هي لُغَتُهُمْ، ومَتى جاءَ في كَلامِهِمْ أمْرُ ثَمانِيَةٍ أدْخَلُوا الواوَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ تَحْتَهُ إلْزامُ الشَرِيعَةِ والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى اللهُ في كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ فَنٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قِيلَ: هو لَفْظٌ عامٌّ أُمِرَ بِهِ النَبِيُّ أنْ يُبَشِّرَ أُمَّتَهُ جَمِيعًا بِالخَيْرِ مِنَ اللهِ، وقِيلَ: بَلْ هَذِهِ الألْفاظُ خاصَّةً لِمَن لَمْ يَغْزُ، أيْ: لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ وعْدُ المُجاهِدِينَ وفَضْلُهم أمَرَ أنْ يُبَشِّرَ سائِرَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يَغْزُ بِأنَّ الإيمانَ مُخَلِّصٌ مِنَ النارِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي التَأْنِيبَ ومَنعَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ اليَأْسِ عن إيمانِهِمْ، إمّا بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في العاصِ بْنِ وائِلٍ: "لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وإمّا بِنَصٍّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى أحَدٍ كَأبِي لَهَبٍ وغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو حَيٌّ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ -وَمَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ -: نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ عَلَيْهِ حِينَ احْتُضِرَ ووَعَظَهُ وقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ تَعالى"، وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟
فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ عَلى ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ النَبِيُّ ما قالَ لِلْعَبّاسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "واللهِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عنكَ"، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ، ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوا رَسُولَ اللهِ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهُمْ، فَلِذَلِكَ دَخَلُوا في التَأْنِيبِ والنَهْيِ.
والآيَةُ -عَلى هَذا- ناسِخَةٌ لِفِعْلِ النَبِيِّ إذْ أفْعالُهُ في حُكْمِ الشَرْعِ المُسْتَقِرِّ.
وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أصْحابَهُ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، فَما رُئِيَ باكِيًا أكْثَرَ مِن يَوْمِئِذٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ في المُنافِقِينَ: "واللهِ لِأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفي وُرُودِ النَهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَوْضِعُ اعْتِراضٍ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، فَنَزَلَ رَفْعُ ذَلِكَ الِاعْتِراضِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ ﴾ يُرِيدُ: مِن بَعْدِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، فَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ، أيْ سُكّانُها وعَمَرَتُها، والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ وأُمِّهِ"، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ قالَ: لا، إنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَهْيِ عَنِ الصَلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هاهُنا يُرادُ بِهِ الصَلاةُ.
<div class="verse-tafsir"
اسماء الفاعلين هنا أوصاف للمؤمنين من قوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين ﴾ [التوبة: 111] فكان أصلها الجر، ولكنها قطعت عن الوصفية وجعلت أخباراً لمبتدأ محذوف هو ضمير الجمع اهتماماً بهذه النعوت اهتماماً أخرجها عن الوصفية إلى الخبرية، ويسمى هذا الاستعمال نعتاً مقطوعاً، وما هو بنعت اصطلاحي ولكنه نعت في المعنى.
ف ﴿ التائبون ﴾ مراد منه أنهم مفارقون للذنوب سواء كان ذلك من غير اقتراففِ ذنب يقتضي التوبة كما قال تعالى: ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ﴾ [التوبة: 117] الآية أم كان بعد اقترافه كقوله تعالى: ﴿ فإن يتوبوا يك خيراً لهم ﴾ [التوبة: 74] بعد قوله: ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ﴾ [التوبة: 74] الآية المتقدمة آنفاً.
وأول التوْبة الإيمان لأنه إقلاع عن الشرك، ثم يدخل منهم من كان له ذنب مع الإيمان وتاب منه.
وبذلك فارق النعت المنعوت وهو ﴿ المؤمنين ﴾ [التوبة: 111].
و ﴿ العابدون ﴾ : المؤدّون لما أوجب الله عليهم.
و ﴿ الحامدون ﴾ : المعترفون لله تعالى بنعمه عليهم الشاكرون له.
و ﴿ السائحون ﴾ : مشتق من السياحة.
وهي السير في الأرض.
والمراد به سير خاص محمود شرعاً.
وهو السفر الذي فيه قربة لله وامتثال لأمره، مثل سفر الهجرة من دار الكفر أو السفر للحج أو السفر للجهاد.
وحمله هنا على السفر للجهاد أنسب بالمقام وأشمل للمؤمنين المأمورين بالجهاد بخلاف الهجرة والحج.
و ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ : هم الجامعون بينهما، أي المصلون، إذ الصلاة المفروضة لا تخلو من الركوع والسجود.
و ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ : الذين يَدْعون الناس إلى الهدى والرشاد وينهونهم عما ينكره الشرع ويأباه.
وإنما ذكر الناهون عن المنكر بحرف العطف دون بقية الصفات، وإن كان العطف وتركه في الأخبار ونحوها جائزين، إلا أن المناسبة في عطف هذين دون غيرهما من الأوصاف أن الصفات المذكورة قبلها في قوله: ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ ظاهرة في استقلال بعضها عن بعض.
ثم لما ذكر ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ علم أن المراد الجامعون بينهما، أي المصلون بالنسبة إلى المسلمين.
ولأن الموصوفين بالركوع والسجود ممن وعدهم الله في التوارة والإنجيل كانت صلاة بعضهم ركوعاً فقط، قال تعالى في شأن داود عليه السلام: ﴿ وخر راكعاً وأناب ﴾ [ص: 24]، وبعض الصلوات سجوداً فقط كبعض صلاة النصارى، قال تعالى: ﴿ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ﴾ [آل عمران: 43].
ولما جاء بعده ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ وكانا صفتين مستقلتين عطفتا بالواو لئلا يتوهم اعتبار الجمع بينهما كالوصفين اللذين قبلهما وهما ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ فالواو هنا كالتي في قوله تعالى: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ [التوبة: 112].
و ﴿ الحافظون لحدود الله ﴾ : صفة جامعة للعمل بالتكاليف الشرعية عند توجهها.
وحقيقة الحفظ توخي بقاء الشيء في المكان الذي يراد كونه فيه رغبة صاحبه في بقائه ورعايته عن أن يضيع.
ويطلق مجازاً شائعاً على ملازمة العمل بما يؤمر به على نحو ما أمر به وهو المراد هنا، أي والحافظون لما عين الله لهم، أي غير المضيعين لشيء من حدود الله.
وأطلقت الحدود مجازاً على الوصايا والأوامر.
فالحدود تشمل العبادات والمعاملات لما تقدم في قوله تعالى: ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ في سورة البقرة (229).
ولذلك ختمت بها هذه الأوصاف.
وعطفت بالواو لئلا يوهم ترك العطف أنها مع التي قبلها صفتان متلازمتان معدودتان بعد صفة الأمر بالمعروف.
وقال جمع من العلماء: إن الواو في قوله: والناهون عن المنكر } واو يكثر وقوعها في كلام العرب عند ذكر معدود ثامن، وسمَّوها واوَ الثَّمانية.
قال ابن عطية: ذكرها ابن خَالويه في مناظرتِه لأبي علي الفارسي في معنى قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ﴾ [الزمر: 73].
وأنكرها أبو علي الفارسي.
وقال ابن هشام في «مغني اللبيب» «وذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا أن العرب إذا عَدّوا قالوا: ستة سبعة وثمانية، إيذاناً بأن السبعة عدد تام وأن ما بعدها عدد مستأنف، واستدلُّوا بآيات إحداها: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ [الكهف: 22].
ثم قال: الثانية آيةُ الزمر (71) إذ قيل: ﴿ فُتحت ﴾ في آية النار لأن أبواب جهنم سبعة، ﴿ وفتحت ﴾ [الزمر: 73] في آية الجنة إذ أبوابها ثمانية.
ثم قال: الثالثة: ﴿ والناهون عن المنكر ﴾ فإنه الوصف الثامن.
ثم قال: والرابعة: ﴿ وأبكاراً ﴾ في آية التحريم (5) ذكرها القاضي الفاضل وتبجح باستخراجها وقد سبقه إلى ذكرها الثعلبي...
وأما قول الثعلبي: أن منها الواو في قوله تعالى: ﴿ سبعَ ليال وثمانيةَ أيام حسوماً ﴾ [الحاقة: 7] فسهو بيّن وإنما هذه واو العطف اه.
وأطَال في خلال كلامه بردود ونقوض.
وقال ابن عطية «وحدثني أبي عن الأستاذ النحوي أبي عبد الله الكفيف المالقي وأنه قال: هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدّوا: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، تسعة، عشرة، فهكذا هي لغتهم.
ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو» اه.
وقال القرطبي: هي لغة قريش.
وأقول: كثر الخوض في هذا المعنى للواو إثباتاً ونفياً، وتوجيهاً ونقضاً.
والوجه عندي أنه استعمال ثابت، فأما في المعدود الثامن فقد اطرد في الآيات القرآنية المستدَل بها.
ولا يريبك أن بعض المقترن بالواو فيها ليس بثامن في العدة لأن العبرة بكونه ثامناً في الذكر لا في الرتبة.
وأما اقتران الواو بالأمر الذي فيه معنى الثامن كما قالوا في قوله تعالى: ﴿ وفُتحت أبوابها ﴾ [الزمر: 73].
فإن مجيء الواو لِكون أبواب الجنة ثمانية، فلا أحسبه إلا نكتة لطيفة جاءت اتفاقية.
وسيجيء هذا عند قوله تعالى في سورة الزمر ﴿ حتى إذا جاءها وفتحت أبوابها ﴾ [الزمر: 73].
وجملة: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ عطف على جملة ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين ﴾ [التوبة: 111] عطفَ إنشاء على خبر.
ومما حسَّنه أن المقصود من الخبر المعطوففِ عليه العمل به فأشبه الأمر.
والمقصود من الأمر بتبشيرهم إبلاغُهم فكان كلتا الجملتين مراداً منها معنيان خبريّ وإنشائي.
فالمراد بالمؤمنين هم المؤمنون المعهودون من قوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ [التوبة: 111].
والبشارة تقدمت مراراً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ التّائِبُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الذُّنُوبِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الرّاجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في فِعْلِ ما أمَرَ واجْتِنابِ ما حَظَرَ لِأنَّها صِفَةُ مُبالَغَةٍ في المَدْحِ، والتّائِبُ هو الرّاجِعُ، والرّاجِعُ إلى الطّاعَةِ أفْضَلُ مِنَ الرّاجِعِ عَنِ المَعْصِيَةِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
﴿ العابِدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: العابِدُونَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: العابِدُونَ بِطُولِ الصَّلاةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: العابِدُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ الحامِدُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحامِدُونَ لِلَّهِ تَعالى عَلى دِينِ الإسْلامِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: الحامِدُونَ لِلَّهِ تَعالى عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، رَواهُ سَهْلُ بْنُ كَثِيرٍ.
﴿ السّائِحُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُجاهِدُونَ رَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ في السِّياحَةِ فَقالَ: (إنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ).» والثّانِي: الصّائِمُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (سِياحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ)» .
الثّالِثُ: المُهاجِرُونَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: هم طَلَبَةُ العِلْمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ ﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ.
﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: بِالإسْلامِ.
﴿ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الشِّرْكِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَوْا عَنْهُ حَتّى انْتَهَوْا قَبْلَ ذَلِكَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القائِمُونَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: الحافِظُونَ لِفَرائِضِ اللَّهِ تَعالى مِن حَلالِهِ وحَرامِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: الحافِظُونَ لِشَرْطِ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي المُصَدِّقِينَ بِما وعَدَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ.
قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: العامِلِينَ بِما نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآياتِ، وهَذا أشْبَهُ بِقَوْلِ الحَسَنِ.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ ﴾ الآيَةَ.
أتى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ وإنْ شَرِبَ الخَمْرَ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ ﴾ الآيَةَ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله ﴿ التائبون العابدون ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الشهيد من كان فيه التسع خصال ﴿ التائبون العابدون ﴾ إلى قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ التائبون ﴾ قال: تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق.
وفي قوله: ﴿ العابدون ﴾ قال: عبدوا الله في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن كما قال العبد الصالح ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ﴾ [ مريم: 31] وفي قوله: ﴿ الحامدون ﴾ قال: يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء.
وفي قوله: ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ قال: في الصلوات المفروضات.
وفي قوله: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ قال: لم يأمروا بالمعروف حتى ائتمروا به، ولم ينهوا الناس عن المنكر حتى انتهوا عنه.
وفي قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ قال: القائمون بأمر الله عز وجل ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ قال: الذين لم يغزوا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ التائبون ﴾ قال: من الشرك والذنوب ﴿ العابدون ﴾ قال: العابدون لله عز وجل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ التائبون ﴾ قال: الذين تابوا من الشرك ولم ينافقوا في الإِسلام ﴿ العابدون ﴾ قال: قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم ﴿ الحامدون ﴾ قال: قوم يحمدون الله على كل حال ﴿ السائحون ﴾ قال: قوم أخذوا من أبدانهم صوماً لله عز وجل ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ قال: لفرائضه من حلاله وحرامه.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ العابدون ﴾ قال: الذين يقيمون الصلاة.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء» .
وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير قال: إن أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله على كل حال، أو قال: في السراء والضراء.
وأخرج البيهقي في الشعب عن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال» .
وأخرج ابن جرير عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين، قال هم الصائمون» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كلما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: ﴿ السائحون ﴾ الصائمون.
وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: سياحة هذه الأمة الصيام.
وأخرج الفريابي ومسدد في مسنده وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عبيد بن عمير عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السائحين، فقال هم الصائمون» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه وابن النجار من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السائحون: هم الصائمون» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السائحين.
فقال: «الصائمون» .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: ﴿ السائحون ﴾ الصائمون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ السائحون ﴾ قال: هم الصائمون.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمرو العبدي قال: ﴿ السائحون ﴾ الصائمون الذين يديمون الصيام.
وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال: إنما سمي الصائم السائح لأنه تارك للذات الدنيا كلها من المطعم والمشرب والمنكح، فهو تارك للدنيا بمنزلة السائح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي فاختة مولى جعدة بن هبيرة.
أن عثمان بن مظعون أراد أن ينظر أيستطيع السياحة؟
قال: كانوا يعدون السياحة قيام الليل وصيام النهار.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة.
أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة.
قال «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ السائحون ﴾ قال: هم المهاجرون، ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة، وكانت سياحتهم الهجرة حين هاجروا إلى المدينة، ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ترهب.
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال: كانت السياحة في بني إسرائيل.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ السائحون ﴾ قال: طلبة العلم.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس الآمرون بالمعروف قال: بلا إله إلا الله ﴿ والناهون عن المنكر ﴾ قال: الشرك بالله ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ قال: الذين لم يغزوا.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ قال: لفرائض الله التي افترض، نزلت هذه الآية في المؤمنين الذين لم يغزوا، والآية التي قبلها فيمن غزا ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ قال: الغازين.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في هذه الآية قال: هذه قال فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قضى على نفسه في التوراة والإِنجيل والقرآن لهذه الأمة أنه من قتل منهم على هذه الأعمال كان عند الله شهيداً، ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله.
وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة.
قال: وقال ابن عباس: من مات وفيه تسع فهو شهيد ﴿ التائبون العابدون ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ يعني بالجنة، ثم قال: ﴿ التائبون ﴾ إلى قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ يعني القائمون على طاعة الله، وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد إذا وفوا الله بشرطه وفى لهم بشرطهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ ، قال الفراء: (استؤنفت بالرفع لتمام الآية قبلها وانقطاع الكلام، فحسن الاستئناف) (١) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ منظوم بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ على النعت للمؤمنين، وإنما رفع كما رفع قوله: ﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (٢) ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾ (٣) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ وجوهًا: أحدها: المدح كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون.
والثاني: أن يكون على البدل، المعنى يقاتل التائبون، قال: وهذا مذهب أهل اللغة (٤) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ رفع بالابتداء وخبره مضمر، المعنى: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ إلى آخر الآية: لهم الجنة أيضًا، أي: من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد فله الجنة أيضًا) (٥) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ تابعًا لأول الكلام كان الوعد بالجنة خاصًا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات (٦) وأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ يريد: (الراجعون عن الشرك) (٧) (٨) (٩) وقال أهل المعاني: (كل من أخلص هذه الصفات مما يحبطها استحق إطلاق هذه الأوصاف عليه) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ الْعَابِدُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم) (١١) وقال الزجاج: (الذين عبدوا الله وحده) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ الْحَامِدُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: الله (١٥) (١٦) ﴿ السَّائِحُونَ ﴾ ، قال عامة المفسرين: (الصائمون) (١٧) (١٨) -: "سياحة أمتي الصيام" (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال الأزهري: (وقيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدًا لا زاد معه فحين يجد الزاد يطعم، والصائم لا يطعم أيضًا فلشبهه به سمى سائحًا) (٢٥) (٢٦) وقال أهل المعاني: (أجل السياحة: الاستمرار بالذهاب في الأرض كما يسيح الماء، فالصائم مستمر على الطاعة في ترك المنهي من المأكل والمشرب والمنكح) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد الذين يصلون لله بنية صادقة (٣٠) (٣١) وقال الزجاج: (الذين أدوا (٣٢) (٣٣) (٣٤) قوله تعالى: ﴿ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، قال عامة المفسرين: (بالإسلام والإيمان بالله) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ ، قال: (يريد عن ترك فرائض الله وحدوده والشرك به) (٣٦) وقال الكلبي: (عن اتباع الجبت والطاغوت) (٣٧) وأما دخول الواو في قوله: ﴿ وَالنَّاهُونَ ﴾ فإن العرب قد تنسق بالواو وغير الواو، منه قوله (٣٨) ﴿ حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ﴾ ،وجاء بعض بالواو وبعض بغير الواو، ومنه قول الخرنق: لا يبعدنْ قومي الذين هم ...
سم العداة وآفة الحزر النازلين بكل معترك ...
والطيبون معاقد الأزر (٣٩) وإنما يفعل ذلك لالتباس الكلام بعضه ببعض.
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ السَّاجِدُونَ ﴾ مبتدأ يقتضي جوابًا، وجاء بهذا (٤٠) ﴿ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ فلما كان الفصل الأول مبتدأ جعل له نظمًا غير نظم الجواب، ونظم الجواب نسق بواو العطف فرقًا بينهما، ولولا هذا الفرق لما امتاز الخبر من المبتدأ، فالتأويل: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ السَّاجِدُونَ ﴾ هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعلى هذا التأويل دخله واو العطف، لأنه ذهب به مذهب الفعل (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ ، قال مجاهد: (حدود الله: فرائضه) (٤٢) (٤٣) (١) "معاني القرآن" 1/ 453.
(٢) وقد قرأ الكوفيون ويعقوب وابن عامر (رب السموات) بالخفض، وقرأ الباقون بالرفع.
انظر: "كتاب السبعة" ص 669، و"تحبير التيسير" ص 197، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 431.
(٣) وقد قرأ ابن عامر وحمزة الكسائي ويعقوب وخلف وأبو بكر عن عاصم (رب السموات) بالخفض، وقرأ الباقون بالرفع.
انظر: "كتاب السبعة" ص 658، و"تحبير التيسير" ص 194، و"الإتحاف" ص 426.
(٤) لم أجد من اعتمد هذا المذهب دون غيره، بل قال النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 43: (التائبون) رفع على إضمار مبتدأ عند أكثر النحويين، أي: (هم التائبون)، وهذا ما اعتمده أبو البقاء العكبري في "التبيان" ص 431، وابن جني في "المحتسب" 1/ 305، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 216، وقد ذكر المذهب المذكور بصيغة التمريض (قيل) الزمخشري في الموضع السابق، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 103.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 471.
(٦) هذا التعليل فيه نظر؛ إذ إن تخصيص المجاهدين بالوعد في موضع لا يعني عدم شمول غيرهم في مواضع أخرى، وإلا فقد خص الله المجاهدين بالوعد بالجنة في قوله تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ ثم إن السياق يدل على أن المحذوف هو المبتدأ وليس الخبر.
(٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 202، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 104، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 527.
(٨) رواه ابن جرير 11/ 36، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 503.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) ذكره عنه الرازي في "تفسيره" 16/ 203، وبمعناه ابن الجوزي في "زاد الميسر" 3/ 505.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
(١٣) ذكره بنحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 505، عن أبي صالح عن ابن عباس، وهو سند تفسير الكلبي.
(١٤) رواه بنحوه ابن جرير 11/ 37، وابن أبي حاتم 6/ 1888، وابن المنذر وابن أبي شيبة وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 503.
(١٥) في (م) و (ى): (لله)، وما أثبته موافق لما في "الوسيط"، والمراد: الحامدون الله.
(١٦) انظر: "الوسيط" 2/ 527 دون نسبة.
(١٧) انظر: " تفسير ابن جرير" 11/ 37 - 39، وابن أبي حاتم 6/ 1889 - 1890، و"الدر المنثور" 3/ 503 - 504.
(١٨) رواه ابن جرير 11/ 38، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 503، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1890، والبغوي 4/ 99.
(١٩) أجده بهذا اللفظ عند أئمة الرواية، وقد ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 203 والمؤلف في "الوسيط" 2/ 527، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 270، ورواه ابن جرير في "تفسيره" 39/ 11 موقوفاً على عائشة، وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك الحديث كما في "تقريب التهذيب" ص 95 (272).
وقد روى أبو داود (2486)، كتاب: الجهاد، الحديث بلفظ: (إن سياحة أمتي الجهاد) وهو صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" رقم (2093).
(٢٠) هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، نزيك اليمن، الإمام الحافظ، كان ثقة فاضلًا من أوعية العلم، مع الصدق والورع، وتوفي سنة 154هـ.
انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 378، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 190، و"وسير أعلام النبلاء" 7/ 5، و"تقريب التهذيب" ص 541 (6809).
(٢١) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 472، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 527، ورواه بمعناه ابن جرير في "تفسيره" ص 541 (6809).
(٢٢) في (ى): (وقال).
(٢٣) هذا القول لأبي عمرو العبدي.
انظر: "تفسير ابن جرير" 14/ 504، وابن أبي حاتم 4/ 101 أ، و"الدر المنثور" 3/ 504.
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
(٢٥) "تهذيب اللغة" (ساح) 2/ 1586.
(٢٦) رواه الثعلبي 6/ 151 ب، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 504، وذكره بنحوه ابن جرير 11/ 39 بغير سند.
(٢٧) انظر: "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 258.
(٢٨) يعني الثعلبي.
(٢٩) "تفسير الثعلبي" 6/ 152 أ، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم 6/ 1890، والبغوي 4/ 99.
(٣٠) ساقط من (ى).
(٣١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 527.
(٣٢) في (ى): (يؤدون)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
(٣٤) رواه بنحوه ابن جرير 39/ 11، وابن أبي حاتم 6/ 1891، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 503.
(٣٥) رواه ابن جرير 11/ 39 بنحوه عن أبي العالية، وهو قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472، والبغوي في "تفسيره" 4/ 99، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 408، و"المحرر الوجيز" 7/ 56.
(٣٦) "تنوير المقباس" ص 205 بمعناه.
(٣٧) لم أقف عليه.
(٣٨) في (ى) زيادة نصها: (قوله: والناهون) وقوله ...
إلخ).
(٣٩) انظر: "ديوان الخرنق" ص 29، و"أوضح المسالك" 1/ 10، و"كتاب سيبويه" 1/ 202.
لا يبعدن: أي لا يهلكن.
سم العداة: أي هم كالسم لعدوهم.
آفة الجزر: أي هم آفة للإبل التي تجزر لكثرة ما ينحرون منها.
والمعترك: موضع ازدحام الناس في المعركة.
ومعقد الإزار: موضع عقده، والإزار: ما يستر النصف الأسفل من البدن، وطيبها كناية عن العفة والبعد عن الفاحشة.
قال ابن هشام بعد ذكر البيتين: يجوز فيه رفع (النازلين) و (الطيبين) على الإتباع لـ (قومي) أو على القطع بإضمار (هم)، ونصبها بإضمار (أمدح) و (أذكر) ورفع الأول ونصب الثاني على ما ذكرنا، وعكسه على القطع فيهما.
أوضح المسالك 3/ 12.
(٤٠) في (ى): (هذا).
(٤١) في (ح): (الفصل).
(٤٢) لم أجده فيما بين يدي من المصادر.
(٤٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم ﴾ قيل: إنها نزلت في بيعة العقبة، وحكمها عام في كل مؤمن مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة.
قال بعضهم: ما أكرَمَ الله، فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة ﴿ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله ﴾ جملة في موضع الحال بيان للشراء ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ قال بعضهم: ناهيك عن بيع البائع فيه رب العلا والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ﴿ التائبون ﴾ وما بعده: أوصاف للمؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم؛ تقديره: هم التائبون ﴿ السائحون ﴾ وقيل معناه الصائمون، ويقال ساح في الأرض: أي ذهب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فيقتلون ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ويقتلون ﴾ مبنياً للفاعل: حمزة علي وخلف الآخرون على العكس.
﴿ ويقتلون ﴾ بالتشديد: أبو عون عن قنبل.
﴿ إبراهام ﴾ وكذلك ما بعده: هشام ﴿ يزيغ ﴾ بياء الغيبة.
حمزة وحفص والمفضل.
والباقون بتاء التأنيث.
﴿ خلفوا ﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس.
الباقون بالتشديد مجهولاً.
الوقوف: ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ ويقتلون ﴾ ط ﴿ والقرآن ﴾ ط ﴿ بايعتهم به ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لحدود الله ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ إياه ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ج ﴿ حليم ﴾ ه ط ﴿ ما يتقون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ تاب عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿ خلفوا ﴾ ط ﴿ إلا إليه ﴾ ط ﴿ ليتوبوا ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه فقال: ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.
قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.
فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.
قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟
قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.
قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم.
وقال جعفر الصادق : والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.
واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه.
ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها.
والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع.
وههنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات.
وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات العاليات؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ وفي قوله ﴿ يقاتلون ﴾ معنى الأمر كقوله ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ﴾ وهو كالتفسير لتلك المبايعة ﴿ فيقتلون ويقتلون ﴾ أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين.
ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان.
ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ .
والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال لعلي : " لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس" ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال: "هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قوله ﴿ وعداً عليه ﴾ قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ كأنه قيل: وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال ﴿ ومن أوفى ﴾ استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد ﴿ من الله ﴾ لأنه الغني عن كل الحاجات القادر على كل المقدورات.
وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: ﴿ إن الله اشترى ﴾ وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً.
ومنها أنه قال ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة.
ومنها قوله ﴿ وعداً ﴾ و ﴿ إنه لا يخلف الميعاد ﴾ .
ومنها قوله ﴿ عليه ﴾ وكلمة "على" للوجوب ظاهراً.
ومنها قوله: ﴿ حقاً ﴾ وهو تأكيد التحقيق.
ومنها قوله: ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة.
ومنها قوله: ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف ألبتة.
ومنها قوله: ﴿ فاستبشروا ﴾ والبشارة الخبر الصدق الأول.
ومنها قوله: ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ ثم وصف الفوز بـ ﴿ العظيم ﴾ واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها ﴿ ذلك الفوز ﴾ بغير "هو" وإنه في ستة مواضع: في "براءة" موضعان، وفي "النساء والمائدة والصف والتغابن" وما في "النساء" بزيادة واو.
والآخر ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ بزيادة "هو" وذلك في ستة مواضع أخرى في "براءة" موضعان و "يونس" و "المؤمن" و "الدخان" و "الحديد" وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في "المؤمن".
وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها.
وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة.
وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد.
وكذلك في "المؤمن" وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية ﴿ فاغفر ﴾ ﴿ وقهم ﴾ ﴿ وأدخلهم ﴾ قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة.
ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: ﴿ التائبون ﴾ قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في ﴿ يقاتلون ﴾ وقيل: مبتدأ خبره ﴿ العابدون ﴾ وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.
أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق.
ومال آخرون الى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص ﴿ والعابدون ﴾ قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم.
وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع.
وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
و ﴿ الحامدون ﴾ هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ و ﴿ السائحون ﴾ قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله: " سياحة أمتي الصيام" .
ثم قيل: هذا صوم الفرض.
وقيل: الذين يديمون الصيام.
قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم.
وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع.
وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول.
وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل.
قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثراً عظيماً في تكميل النفس لأنه يلقى أنواعاً من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على الله فيصير ذلك ملكه له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال والأخلاق والسير والآثار ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ يعني المصلين قال بعض العلماء: إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود.
وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع.
ثم قال: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن ههنا بحثاً آخر وهو أنه لم أدخل الواو في قوله: ﴿ والناهون ﴾ ﴿ والحافظون ﴾ دون سائر الأوصاف؟
وأجيب بأن النسق يجيء بالواو وبغيرها كقوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ﴾ أو المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه الواو تنبيهاً على هذه المخالفة والمباينة.
ولبعض النحويين جواب عام يشمل هذه الآية وما في "الكهف" في قوله: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ وما في "الزمر" في قوله في ذكر الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وما في "التحريم" في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وذلك أنهم سموا هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها في القرآن والأخبار.
فالثمانية تجري مجرى استنئاف كلام فلهذا فصل بالواو.
وأما قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ فكإجمال بعد تفصيل؛ وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات.
وإنها إما لجلب المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية.
فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها.
والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها كحالة الإحرام.
ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في المسجد.
والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال والبحث عنها إما من جهة الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بيع العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئاً في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع الكاليء بالكالىء المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس.
وأما دفع المضار والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو السرقة.
وههنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولاً إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى والبينات.
فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله وأحكامه وحدوده، وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.
ولكن قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ يشمل ذلك أيضاً بل رعايته أهم من رعاية أحوال الظواهر.
ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه.
ولما بين من أول السورة إلى ههنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضاً وإن كانوا أقارب فقال: ﴿ ما كان للنبي ﴾ ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك.
ثم علل المنع بقوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فطلب غفرانهم جارٍ مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا يستجاب له.
وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا بالغ فيه بقوله: ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية - فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.
فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب.
فقال النبي : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآيتان.
وقيل عن ابن عباس: لما افتتح مكة سأل أي أبويه أحدث به عهداً أي آخرهما موتاً؟
فقيل: أمك آمنة.
فزار قبرها ثم قام باكياً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل عليّ ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآية.
فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة في آخر القرآن نزولاً، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام.
ويمكن أن يوجه الأول بأنه لعله بقي مستغفراً إلى حين نزول الآية.
ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد.
﴿ فلما تبين ﴾ لإبراهيم ﴿ أنه عدو لله ﴾ إما بإصراره على الكفر أو بموته على ذلك أو بطريق الوحي ﴿ تبرأ منه ﴾ وترك الاستغفار.
ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم ويوافقه قراءة الحسن ﴿ وعدها أباه ﴾ بالباء الموحدة وذلك في قوله: ﴿ لأستغفرن لك ﴾ وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه.
وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع إلى الله أن يرزقه الإيمان.
وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة فكان قوله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم ﴾ في حق المنافقين خاصة وهذه في حق الكافرين عامة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال أهل اللغة: أوّاه "فعال" مأخوذ من حروف "أوه" كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، وعن النبي أنه قال: "الأوّاه الخاشع المتضرع" والحلم ضد السفه، وصفه بشدّة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى أولى.
ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال أو يخذلهم أو يوقع الضالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به العقاب ﴿ بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ ما يجب عليهم أن يحترزوا عنه.
والحاصل أن الله لا يسمي قوماً ضلالاً بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب الخمر والربا قبل تحريمهما.
وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض المحظورات داخلاً في حكم الضلال.
ثم قال: ﴿ إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ﴾ والمراد أن من كان عالماً قادراً هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر.
قالت المعتزلة: وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب.
وأجيب بأن له ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر عادة، وفي قوله: ﴿ إن الله له ملك السموات والأرض ﴾ فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية نصرته لمن أراد استظهاراً للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب والأنصار كأنه قال: وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي.
ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الآية.
ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها.
فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم.
الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى.
والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي بقوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص.
ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب.
السؤال الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟
فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته.
والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد.
وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿ لا تنفروا في الحر ﴾ وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله في غزوة الخندق ﴿ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ﴾ الثالث: ما معنى ﴿ كاد يزيغ ﴾ وكيف إعرابه؟
والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد.
معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر.
وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان.
وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا.
وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية.
الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ ؟
الجواب إن عاد الضمير في ﴿ عليهم ﴾ الى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك.
وإليه الإشارة بقوله: : "إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" .
وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ يريد ازداد عنهم رضا.
ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿ إنه بهم رؤوف رحيم ﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة.
أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.
الخامس: الثلاثة الذين خلفوا من هم؟
الجواب هم المرجون لأمر الله كما مرّ، سّمُّوا مخلفين كما سمو مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد أولئك.
وقيل: لأنهم خلفوا عن الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين.
وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، وقرأ جعفر الصادق : ﴿ خالفوا ﴾ .
﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ﴾ مع سعتها وهو مثل للحيره في الأمر، ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور ﴿ وظنوا ﴾ أي علموا وتيقنوا ﴿ أن لا ملجأ من ﴾ سخط ﴿ الله إلا ﴾ إلى استغفاره كقوله : "أعوذ بك منك" .
وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون المدة قصيرة وجواب "إذا" محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، وحسن حذفه لتقدم ذكره.
عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله سلمت عليه فرد عليّ كالمغضب بعدما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه.
فقال: معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا - أيها الثلاثة - فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع - وهو جبل بالمدينة - أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي ﴿ وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ﴾ وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة.
وقال رسول الله وهو يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية.
سئل أبو بكر الورّاق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
السادس: قد عرفنا فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ ؟
الجواب معناه رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علماً منهم بأن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم.
وقالت الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله حتى إنه لو لم يتب عليهم لم يتوبوا.
وأيضاً قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر، ثم إنه لم يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوماً.
ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أوّل الأمر فلهذا تأخر القبول دليله قوله : ﴿ حتى إذا ضاقت ﴾ الآية.
ثم حث المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل الصدق لا النفاق فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال بعض العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة.
والكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين.
ثم إنه ثبت بالتواتر من دين محمد أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة علىالمكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصاً بالكون مع الرسول وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك.
ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصراً في الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على شيء كانوا صادقين فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهراً وباطناً.
وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا عليه من الطاعة نية وقولاً وعملاً.
وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في الصدق والثبات.
وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، وقيل: الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري.
وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته.
ومن خصائص الصدق ما روي أن أعرابياً جاء إلى رسول الله وقال: إني أريد أن أؤمن بك إلا إني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم.
فلما خرج من عند رسول الله عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل.
ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرّده وكفره استنكف منه حتى استثنى في قوله ﴿ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ .
ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذباً عند المعتزلة وكونه مفضياً إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن الله اشترى ﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة.
﴿ التائبون ﴾ عما سوى الله ﴿ العابدون ﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿ الحامدون ﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿ السائحون ﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿ الراكعون ﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿ الساجدون ﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿ الآمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي ﴿ الناهون ﴾ عما سواه ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره.
﴿ ما كان للنبي ﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿ إن إبراهيم لأواه ﴾ الأواه هو المتبرىء من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق.
﴿ حليم ﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا ﴿ وما كان الله ليضل قوماً ﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿ بعد إذ هداهم ﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن الله بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.
﴿ إن الله له ملك السموات ﴾ سموات القلوب ﴿ والأرض ﴾ أرض النفوس ﴿ يحيي ﴾ بنور ربوبيته ﴿ من يشاء ويميت ﴾ عن صفات بشريته ﴿ من يشاء ومالكم من دون الله من ولي ﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها.
أو نقول ﴿ لقد تاب الله ﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿ والأنصار ﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل.
﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم ﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ ﴾ ، أي استام؛ لأن قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ ﴾ خبر، ولكن يحتمل الاستيام، أي: استام أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم لله؛ ليجعل لهم الجنة.
ثم بين فقال: ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ ؛ خبراً عن قوم باعوا أنفسهم وأموالهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية، فإذا صاروا بائعين أنفسهم، كان الله - عز جل - مشتريها منهم.
ثم بين أن كيف تباع وكيف تُشترى فقال: ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ﴾ ، أي: يقتلون العدو، ﴿ وَيُقْتَلُونَ ﴾ أي: يقتلهم العدو.
وقد قرئ الأول بالرفع: فيقتلون، والثاني بنصب الياء، فهو ليس على الجمع أن يَقتلوا ويُقتلوا، ولكن أن يقتلوا العدو أو يقتلهم العدو، أيهما كان، أو يقاتلون العدو وإن لم يقتلوا؛ كقوله: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية؛ سمي الإيمان بالله والمجاهدة في سبيله تجارة، ثم قال: ﴿ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ بحق الوعد لهم فضلاً منه، لا بحق البذل.
ثمّ قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ .
ذكر شراء أنفسهم وأموالهم منهم، وأنفسهم في الحقيقة لله أن يأخذ منهم أنفسهم وأموالهم، وأن يتلفهم بأي وجه ما شاء، لكنه عامل عباده معاملة من لا ملك له في ذلك، ولا حق؛ كرماً منه [وفضلاً] وجوداً، ووعدهم على ذلك أجراً وبدلاً، وكذلك ما ذكر من القرض له، ووعدهم على ذلك الأجر مضاعفاً، وكذلك ما وعدهم من الثواب فيما يعملون لأنفسهم كالعاملين له؛ حيث قال: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ ونحوه، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم بقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...
﴾ الآية، ذكر ما ذكر فضلاً منه وإكراماً؛ إذ هي له في الحقيقة، وهو كما قال: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ ، فإنما طلب بذل حق أنفسهم وأموالهم، أو ذكر - والله أعلم - شرى ماله في الحقيقة؛ ليعلم الخلق أن كيف يعامل بعضهم [بعضاً]، وكذلك قال الله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ، عاملهم معاملة من لا حق له في أموالهم وأنفسهم؛ ليعامل الناس بعضهم بعضاً في أموالهم وأنفسهم، كمن لا حق له في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .
أي: وعداً واجباً [حقّاً].
﴿ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ ﴾ .
أي: وعد ذلك في التوراة والإنجيل والقرآن.
وفي حرف ابن مسعود: (عهداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والفرقان).
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ .
هذه الآية تنقض قول من يقول بأن الإنجيل نزل على التخفيف والتيسير والتوراة بالشدائد، وكذلك قوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ ، وذلك مذكور في حكم الإنجيل، إلا أن يقال بأن قوله: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ ، أي: كان هذا مذكوراً لهذه الأمة في التوراة والإنجيل وما ذكر.
[ثم] قال: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .
هذا على أن قوله: ﴿ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...
﴾ الآية إنما هو عهد إليهم؛ حيث قال: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا أحد أوفى وأصدق بعهده من الله إن وفيتم أنتم بعهده الذي عهد عليكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ .
يشبه أن يكون الاستبشار الذي ذكر وقت الموت أن تقول لهم الملائكة: استبشروا ببيعكم الذي بايعتم به في الحياة؛ [و] هذا يدل أن البيع يكون بيعاً بالبدل وإن لم يتلفظ بلفظة البيع، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأحكام لم تتعلق بالألفاظ والأسامي؛ إنما علقت بمعاني فيها، فإذا وجدت المعاني حكم بها.
﴿ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ الذي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ...
﴾ إلى آخره.
قال بعضهم: [هو] على الصلة بالأول فيما ذكر من الشرى والوعد لهم الجنة إذا كانوا على الوصف الذي ذكر.
وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي - ما -: (إن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين الحامدين)، على الصلة بالأول بالكسر إلى قوله: ﴿ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ﴾ ، قرآها: (والقائمين على حدود الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة).
ومنهم من قال على الابتداء بالرفع: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ...
﴾ إلى آخره.
ويشبه أن يكون الشراء الذي ذكر في أول الآية وما وعد لهم ببذل أنفسهم وأموالهم في الجهاد، يكون ذلك أيضاً في غيره من الطاعات والخيرات، من بذل نفسه لله فيما ذكر من العبادة له والجهد، وما ذكر في الآية - فهو بائع نفسه منه؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ﴾ .
يحتمل: التائبون من الشرك، أو من جميع المعاصي.
﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ .
يحتمل: الموحدون.
ويحتمل: العابدون: جميع أنواع العبادة.
﴿ ٱلْحَامِدُونَ ﴾ .
قيل: الشاكرون.
وقيل: المثنون على الله.
فإن كان قوله: ﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ من العبادة، فيكون الحامدون: المثنون على الله؛ لأن العبادات كلها شكر.
وإن كان قوله: ﴿ ٱلْعَابِدُونَ ﴾ : الموحدون، فيكون قوله: ﴿ ٱلْحَامِدُونَ ﴾ الشاكرون للنعم التي أنعمها الله عليهم.
﴿ ٱلسَّائِحُونَ ﴾ .
قيل: الصائمون؛ وعلى ذلك روي عن نبي الله : "أنه سئل عن السائحين؟
فقال: هم الصائمون" ، وقال: "وسياحة أمتي الصيام" وقال القتبي: وأصل السائح الذاهب في الأرض، ومنه يقال: ساح إذا جرى وذهب، والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات، فشبه الصيام به؛ لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب وجميع اللذات.
وقال أبو عوسجة: هم الذين يمضون على وجوههم في الأرض ليست لهم منازل، يقال: ساح يسيح سيحاً وسياحة.
﴿ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ﴾ .
قيل: المصلون.
وقيل: الخاضعون لله والخاشعون له؛ وكذلك ذكر في حرف حفصة.
﴿ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
يحتمل التوحيد، أي: آمرون الناس بتوحيد الله.
ويحتمل: الآمرون لهم بالخيرات والمعروف كله.
﴿ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ﴾ .
الشرك، ويحتمل: كل معصية.
﴿ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: لفرائض الله التي فرضها على عباده.
وقال بعضهم: لسنن الله، ولكن حافظون جميع أحكام الله، لا يجاوزون ما حد لهم [و] لا يفرطون فيها.
[ ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يحتمل البشارة لهؤلاء الذين سبق ذكرهم.
ويحتمل: على الابتداء، أي: بشر جميع المؤمنين؛ كقوله]: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هؤلاء الحاصلون على هذا الجزاء هم الراجعون مما كرهه الله وسخطه إلى ما يحبه ويرضاه، الذين ذلُّوا خشية لله وتواضعًا فجاوا في طاعته، الحامدون لربهم على كل حال، الصائمون، المصلون، الآمرون بما أمر الله به أو أمر به رسوله، الناهون عما نهى الله عنه ورسوله، الحافظون لأوامر الله بالاتباع، ولنواهيه بالاجتناب، وأَخْبِر -أيها الرسول- المؤمنين المتصفين بهذه الصفات بما يسرهم في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.djMDW"