الآية ٥٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٥٢ من سورة التوبة

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 57 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( قل ) لهم يا محمد : ( هل تربصون بنا ) ؟

أي : تنتظرون بنا ( إلا إحدى الحسنيين ) شهادة أو ظفر بكم .

قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وغيرهم .

( ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ) أي : ننتظر بكم هذا أو هذا ، إما أن يصيبكم الله بقارعة من عنده أو بأيدينا ، بسبي أو بقتل ، ( فتربصوا إنا معكم متربصون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين وصفتُ لك صفتهم وبينت لك أمرهم: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخَلَّتين اللتين هما أحسن من غيرهما, (32) إما ظفرًا بالعدو وفتحًا لنا بِغَلَبَتِناهم, ففيها الأجر والغنيمة والسلامة = وإما قتلا من عدوِّنا لنا, ففيه الشهادة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

وكلتاهما مما نُحبُّ ولا نكره =(ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده)، يقول: ونحن ننتظر بكم أن يصيبكم الله بعقوبة من عنده عاجلة، تهلككم =(أو بأيدينا)، فنقتلكم =(فتربصوا إنا معكم متربصون)، يقول: فانتظروا إنا معكم منتظرون ما الله فاعل بنا, وما إليه صائرٌ أمر كلِّ فريقٍ منَّا ومنكم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16796- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين)، يقول: فتح أو شهادة = وقال مرة أخرى: يقول القتل, فهي الشهادة والحياة والرزق.

وإما يخزيكم بأيدينا.

16797- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين)، يقول: قتل فيه الحياة والرزق, وإما أن يغلب فيؤتيه الله أجرًا عظيمًا، وهو مثل قوله: وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إلى فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [سورة النساء: 74].

16798- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (إلا إحدى الحسنيين)، قال: القتل في سبيل الله، والظهور على أعدائه.

16799- ......

قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد قال: القتل في سبيل الله, والظهور.

16800- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إحدى الحسنيين)، القتل في سبيل الله، والظهور على أعداء الله.

16801- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه = قال ابن جريج، قال ابن عباس: (بعذاب من عنده)، بالموت =(أو بأيدينا), قال: القتل.

16802- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين)، إلا فتحًا أو قتلا في سبيل الله =(ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا)، أي: قتل.

--------------------------- الهوامش : (32) انظر تفسير "التربص" فيما سلف ص : 177، تعليق : 3، والمراجع هناك.

= وتفسير " الحسنى " فيما سلف 9 : 96 ، 97 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصونقوله تعالى قل هل تربصون بنا والكوفيون يدغمون اللام في التاء .

فأما لام المعرفة فلا يجوز إلا الإدغام ، كما قال جل وعز : التائبون لكثرة لام المعرفة في كلامهم ولا يجوز الإدغام في قوله : قل تعالوا لأن ( قل ) معتل ، فلم يجمعوا عليه علتين .

والتربص الانتظار .

يقال : تربص بالطعام ، أي انتظر به إلى حين الغلاء .والحسنى تأنيث الأحسن .

وواحد الحسنيين حسنى ، والجمع الحسنى .

ولا يجوز أن ينطق به إلا معرفا .

لا يقال : رأيت امرأة حسنى .

والمراد بالحسنيين الغنيمة والشهادة ، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما .

واللفظ استفهام والمعنى توبيخ .ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أي عقوبة تهلككم كما أصاب الأمم الخالية من قبلكم .أو بأيدينا أي يؤذن لنا في قتالكم .فتربصوا تهديد ووعيد .

أي انتظروا مواعد الشيطان إنا منتظرون مواعد الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ قل للمنافقين الذين يتربصون بكم الدوائر‏:‏ أي شيء تربصون بنا‏؟‏ فإنكم لا تربصون بنا إلا أمرا فيه غاية نفعنا، وهو إحدى الحسنيين، إما الظفر بالأعداء والنصر عليهم ونيل الثواب الأخروي والدنيوي‏.‏ وإما الشهادة التي هي من أعلى درجات الخلق، وأرفع المنازل عند اللّه‏.‏ وأما تربصنا بكم ـ يا معشر المنافقين ـ فنحن نتربص بكم، أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده، لا سبب لنا فيه، أو بأيدينا، بأن يسلطنا عليكم فنقتلكم‏.‏ ‏{‏فَتَرَبَّصُوا‏}‏ بنا الخير ‏{‏إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ‏}‏ بكم الشر‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قل هل تربصون بنا ) تنتظرون بنا أيها المنافقون ، ( إلا إحدى الحسنيين ) إما النصر والغنيمة أو الشهادة والمغفرة .

وروينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله ، وتصديق كلمته : أن يدخله الجنة ، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة " .

قوله عز وجل ( ونحن نتربص بكم ) إحدى السوأتين إما : ( أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) فيهلككم كما أهلك الأمم الخالية ، ( أو بأيدينا ) أي : بأيدي المؤمنين إن أظهرتم ما في قلوبكم ، ( فتربصوا إنا معكم متربصون ) قال الحسن : فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل هل تربصون» فيه حذف إحدى التاءين من الأصل أي تنتظرون أن يقع «بنا إلا إحدى» العاقبتين «الحسنيين» تثنية حسنى تأنيث أحسن: النصر أو الشهادة «ونحن نتربص» ننتظر «بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده» بقارعة من السماء «أو بأيدينا» بأن يؤذن لنا في قتالكم «فتربصوا» بنا ذلك «إنا معكم متربِّصون» عاقبتكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل لهم -أيها النبي-: هل تنتظرون بنا إلا شهادة أو ظفرًا بكم؟

ونحن ننتظر بكم أن يصيبكم الله بعقوبة مِن عنده عاجلة تهلككم أو بأيدينا فنقتلكم، فانتظروا إنا معكم منتظرون ما الله فاعل بكل فريق منا ومنكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين .

.

) إرشاد آخر للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يخرس ألسنة هؤلاء المنافقين ويزيل فرحتهم .وقوله : ( تَرَبَّصُونَ ) التربص بمعنى الانتظار فى تمهل .

يقال : فلان يتربص بفلان الدوائر ، إذا كان ينتظر ووقع مكروه به .والحسنيان : مثنى الحسنى .

والمراد بهما : النصر أو الشهادة .أى : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين - أيضا - إنكم ما تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين اللتين كل وحدة منهما أحسن من جميع العواقب ، وهما إما النصر على الأعداء ، وفى ذلك الأجر والمغنم والسلامة ، وإما أن نقتل بأيدهم وفى ذلك الشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار .قال الآلوسى : والحاصل أن ما تنتظرونه بنا - أيها المنافقون - لا يخلوا من أحد هذين الأمرين ، كل منهما عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا من القتل فى الغزوة سوء ، ولذلك سررتم به .وصح من حديث أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " تكفل الله - تعالى - لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد فى سبيله ، وتصديق كلمته أن يدخله الجنة .

أو يرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة " .وقوله : ( وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ) بيان لما ينتظر المؤمنون وقوعه بالمنافقين .أى : ونحن معشر المؤمنين نتربص بكم أيها المنافقون إحدى السوءتين من العواقب : إما " أن يصيبكم الله بعذاب " كائن " من عند " فيهلككم كما أهلك الذين من قبلكم ، وإما أن يصبكم بعذاب كائن " بأيدينا " بأن يأذن لنا فى قتالكم وقتلكم .والفاء فى قوله : ( فتربصوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ ) للإِفصاح .أى إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا ، فإنا معكم متربصون ما هو عاقبتكم ، وسترون أن عاقبتنا على كل حال هو الخير ، وأن عاقبتكم هى الشر .وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة ، قد حكت طرفا من رذائل المنافقين ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإِسلامية ، وردت عليهم بما يكبتهم ، ويفضحهم على رءوس الأشهاد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين، وذلك لأن المسلم إذا ذهب إلى الغزو، فإن صار مغلوباً مقتولاً فاز بالاسم الحسن في الدنيا والثواب العظيم الذي أعده الله للشهداء في الآخرة، وإن صار غالباً فاز في الدنيا بالمال الحلال والاسم الجميل، وهي الرجولية والشوكة والقوة، وفي الآخرة بالثواب العظيم.

وأما المنافق إذا قعد في بيته فهو في الحال في بيته مذموماً منسوباً إلى الجبن والفشل وضعف القلب والقناعة بالأمور الخسيسة من الدنيا على وجه يشاركه فيها النسوان والصبيان والعاجزون من النساء، ثم يكونون أبداً خائفين على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وفي الآخرة إن ماتوا فقد انتقلوا إلى العذاب الدائم في القيامة، وإن أذن الله في قتلهم وقعوا في القتل والأسر والنهب، وانتقلوا من الدنيا إلى عذاب النار، فالمنافق لا يتربص بالمؤمن إلا إحدى الحالتين المذكورتين، وكل واحدة منهما في غاية الجلالة والرفعة والشرف، والمسلم يتربص بالمنافق إحدى الحالتين المذكورتين، أعني البقاء في الدنيا مع الخزي والذل والهوان، ثم الانتقال إلى عذاب القيامة والوقوع في القتل والنهب مع الخزي والذل، وكل واحدة من هاتين الحالتين في غاية الخساسة والدناءة، ثم قال تعالى للمنافقين: ﴿ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ بنا إحدى الحالتين الشريفتين ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ ﴾ وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين النازلتين.

قال الواحدي: يقال فلان يتربص بفلان الدوائر، وإذا كان ينتظر وقوع مكروه به، وهذا قد سبق الكلام فيه.

وقال أهل المعاني: التربص، التمسك بما ينتظر به مجيء حينه، ولذلك قيل: فلان يتربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره، والحسنى تأنيث الأحسن.

واختلفوا في تفسير قوله: ﴿ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ قيل: من عند الله.

أي بعذاب ينزله الله عليهم في الدنيا، أو بأيدينا بأن يأذن لنا في قتلكم.

وقيل: بعذاب من عند الله، يتناول عذاب الدنيا والآخرة، أو بأيدينا القتل.

فإن قيل: إذا كانوا منافقين لا يحل قتلهم مع إظهارهم الإيمان، فكيف يقول تعالى ذلك؟

قلنا قال الحسن: المراد بأيدينا إن ظهر نفاقكم، لأن نفاقهم إذا ظهر كانوا كسائر المشركين في كونهم حرباً للمؤمنين، وقوله: ﴿ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ وإن كان بصيغة الأمر، إلا أن المراد منه التهديد، كما في قوله: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلا إِحْدَى الحسنيين ﴾ إلاّ إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسن العواقب، وهما النصرة والشهادة ﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ﴾ إحدى السوأتين من العواقب، إمّا ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ ﴾ وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود ﴿ أَوْ ﴾ بعذاب ﴿ بِأَيْدِينَا ﴾ وهو القتل على الكفر ﴿ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ بنا ما ذكرنا من عواقبنا ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ ﴾ ما هو عاقبتكم، فلا بدّ أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا ﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنا.

﴿ إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ﴾ إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَلٌّ مِنهُما حُسْنى العَواقِبِ: النُّصْرَةُ والشَّهادَةُ.

﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ﴾ أيْضًا إحْدى السَّوْأيَيْنِ ﴿ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ بِقارِعَةٍ مِنَ السَّماءِ.

﴿ أوْ بِأيْدِينا ﴾ أوْ بِعَذابٍ بِأيْدِينا وهو القَتْلُ عَلى الكُفْرِ.

﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ ما هو عاقِبَتُنا ﴿ إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ ما هو عاقِبَتُكم.

﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ أمُرُّ في مَعْنى الخَبَرِ، أيْ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم نَفَقاتُكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا.

وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في تَساوِي الِإنْفاقَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ كَأنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يُمْتَحَنُوا فَيُنْفِقُوا ويَنْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنهم.

وهو جَوابُ قَوْلِ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ وأُعِينُكَ بِمالِي.

ونَفْيُ التَّقَبُّلِ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أنْ لا يُؤْخَذَ مِنهم وأنْ لا يُثابُوا عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ وما بَعْدَهُ بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

التوبة (٥٢ _ ٥٥)

تنتظرون بنا {إِلا إِحْدَى الحسنيين} وهما النصرة والشهادة {ونحن نتربص بكم} إحدى السوأيين إما {أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ} وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود {أَوْ} بعذاب {بِأَيْدِينَا} وهو القتل على الكفر {فَتَرَبَّصُواْ} بنا ما ذكرنا

{إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} ما هو عاقبتكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ ﴾ بِنا لِانْقِطاعِ حُكْمِ الأمْرِ الأوَّلِ بِالثّانِي، وإنْ كانَ أمْرًا لِغائِبٍ، وأمّا عَلى كَلامِ الجَماعَةِ فالإعادَةُ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّمَهُّلُ وإحْدى التّاءَيْنِ مَحْذُوفَةٌ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ ما تَنْتَظِرُونَ بِنا ( ﴿ إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ﴾ ) أيْ إحْدى العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كُلٌّ مِنهُما أحْسَنُ مِن جَمِيعِ العَواقِبِ غَيْرِ الأُخْرى أوْ أحْسَنُ مِن جَمِيعِ عَواقِبِ الكَفَرَةِ، أوْ كُلٌّ مِنهُما أحْسَنُ مِمّا عَداهُ مِن جِهَةٍ، والمُرادُ بِهِما النُّصْرَةُ والشَّهادَةُ والحاصِلُ أنَّ ما تَنْتَظِرُونَهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما عاقِبَتُهُ حُسْنى لا كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ ما يُصِيبُنا مِنَ القَتْلِ في الغَزْوِ سُوءٌ ولِذَلِكَ سُرِرْتُمْ بِهِ وصَحَّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» ( ﴿ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ﴾ ) إحْدى السَّوْأيَيْنِ مِنَ العَواقِبِ إمّا أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ فَيُهْلِكَكم كَما فَعَلَ بِالأُمَمِ الخالِيَةِ قَبْلَكُمْ، والظَّرْفُ صِفَةُ ( عَذابٍ ) وكَوْنُهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِلا مُباشَرَةِ البَشَرِ، ويُظْهِرُ ذَلِكَ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ أوْ بِأيْدِينا ﴾ ) أيْ أوْ بِعَذابٍ كائِنٍ بِأيْدِينا كالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ والعَطْفِ عَلى صِفَةِ عَذابٍ فَهو صِفَةٌ أيْضًا لا أنَّ هُناكَ عَذابًا مُقَدَّرًا، وتَقْيِيدُ القَتْلِ بِكَوْنِهِ عَلى الكُفْرِ لِأنَّهُ بِدُونِهِ شَهادَةٌ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يُقْتَلُونَ حَتّى يُظْهِرُوا الكُفْرَ ويُصِرُّوا عَلَيْهِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ والمُنافِقُ لا يُقْتَلُ ابْتِداءً ( ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ ) الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَتَرَبَّصُوا بِنا ما هو عاقِبَتُنا ( ﴿ إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ ) ما هو عاقِبَتُكم فَإذا لَقِيَ كُلٌّ مِنّا ومِنكم ما يَتَرَبَّصُهُ لا نُشاهِدُ إلّا ما يَسُوءُكم ولا تُشاهِدُونَ إلّا ما يَسُرُّنا، وما ذَكَرْناهُ مِن مَفْعُولِ التَّرَبُّصِ هو الظّاهِرُ ولَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْ فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ إنّا مُتَرَبِّصُونَ مُواعِدَ اللَّهِ تَعالى مِن إظْهارِ دِينِهِ واسْتِئْصالِ مَن خالَفَهُ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّهْدِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمّا الشهادة وإمّا الغنيمة.

وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ، يعني: ننتظر بكم أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ وهو الموت، أَوْ بِأَيْدِينا، يعني: فيأمرنا أن نقتلكم ويقال: معناه قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، يعني: إلا إحدى الخبرين.

ونحن نتربص بكم احد الشرين، فبين ما ننتظر وتنتظرونه فرق عظيم.

فَتَرَبَّصُوا، يعني: انتظروا بنا الهلاك.

إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ، من المتربصين يعني: المنتظرين لإهلاككم.

ثم قال عز وجل: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، يعني: قل للمنافقين، أنفقوا طَوْعاً من قبل أنفسكم، أَوْ كَرْهاً مخافة القتل.

لَنْ يُتَقَبَّلَ الله مِنْكُمْ النفقة.

إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ يعني: منافقين.

فقوله: أَنْفِقُوا اللفظِ لفظ الأمر، ومعناه معنى الخبر، يعني: إن أنفقتم، كما إنه يذكر لفظ الخبر والمراد به الأمر، كقولك: غفر الله لك، وقولك: رحم الله فلاناً، يعني: اللهم اغفر، وهاهنا اللفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر والشرط يعني: إن أنفقتم طوعاً أو كرها، لن يتقبل الله منكم.

قرأ حمزة والكسائي كَرْهاً بضم الكاف، وقرأ الباقون كَرْهاً بالنصب.

ثم بين المعنى الذي لم تقبل نفقاتهم من أجله، قال تعالى: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، يعني: في السر.

قرأ حمزة والكسائي لن يقبل منهم بالياء على معنى التذكير، وقرأ الباقون بلفظ التأنيث، لأن الفعل مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث.

وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى، يعني: متثاقلين ولا يرونها واجبة عليهم، وَلا يُنْفِقُونَ في الجهاد إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ على النفقة غير محتسبين.

ثم قال عز وجل: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ، يعني: كثرة أموالهم وأولادهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.

في الآية تقديم وتأخير، قال ابن عباس: «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنَّما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة» .

ثم قال: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ، يعني: تذهب أنفسهم وتقبض أرواحهم، وأصله الذهاب، كقوله تعالى وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [الإسراء: 81] وَهُمْ كافِرُونَ، يعني: تقبض أرواحهم على الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وخِلالَكُمْ معناه: فيما بينكم.

قال ص: خِلالَكُمْ جمع خَلَلٍ، وهو الفُرْجَة بين الشيئين، وانتصب على الظّرف ب لَأَوْضَعُوا، ويَبْغُونَكُمُ: حالٌ، أي: باغين.

انتهى.

والإِيضاع: سُرْعَةُ السير، ووقَعْتُ لَأَوْضَعُوا بألف بَعْدَ «لا» في المصحف، وكذلك وقعتْ في قوله: أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [النمل: ٢١] يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، أي: يطلبون لكم الفتْنَة، وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، قال مجاهد وغيره: معناه: جواسيسُ يسمعون الأخبار، ويَنْقُلُونها إِليهم «١» ، وقال الجمهور: معناه: وفيكم مُطِيعُونَ سامعون لهم.

وقوله سبحانه: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، في هذه الآية تحقيرٌ لشأنهم، ومعنَى قوله: مِنْ قَبْلُ: ما كان من حالهم في أُحُدٍ وغيرها، ومعنى قوله: وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ: دبَّروها ظهراً لبطْنٍ، وسعوا بكُلِّ حيلةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، نزلَتْ في الجَدِّ بْنِ قيس، وأسند الطبريّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم/ قالَ: «اغْزُوا تَبُوكَ، تَغْنَمُوا بَنَاتِ الأصْفَرِ» فقال الجَدُّ: ائذن لَنَا وَلاَ تَفْتِنَّا «٢» بالنِّسَاءِ، وقال ابن عبَّاس: إِن الجَدَّ قال:

ولكنِّي أُعِينُكَ بِمَالِي «٣» .

وقوله سبحانه: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، أي: في الذي أظهروا الفرار منه.

إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)

وقوله سبحانه: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ...

الآية: الحسنَةُ هنا بحسب الغَزْوَة: هي الغنيمةُ والظفرُ، والمصيبةُ: الهزيمة والخيبةُ، واللفظ عامٌّ بعد ذلك في كلِّ محبوب ومكروه، ومعنى قوله: قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ، أَيْ: قد أخذنا بالحَزْمِ في تخلّفنا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا ﴾ أيْ: تَنْتَظِرُونَ.

والحُسْنَيانِ: النَّصْرُ والشَّهادَةُ.

﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ في هَذا العَذابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الصَّواعِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ بِأيْدِينا ﴾ يَعْنِي: القَتْلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أو بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ فالمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلى المُنافِقِينَ في مُعْتَقَدِهِمْ في المُؤْمِنِينَ، وإزالَةُ ظَنِّهِمْ أنَّ المُؤْمِنِينَ تَنْزِلُ بِهِمْ مَصائِبُ، والإعْلامُ بِأنَّها حُسْنى كَيْفَ تَصَرَّفَتْ.

وتَرَبَّصُونَ مَعْناهُ: تَنْتَظِرُونَ، والحُسْنَيانِ: الشَهادَةُ والظَفَرُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "إلّا احْدى الحُسْنَيَيْنِ" بِوَصْلِ ألِفِ "إحْدى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الشاعِرِ: يا بالمُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ وقَوْلِ الآخَرِ: إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسِينِي بُرْقُعا وَقَوْلُهُ: ﴿ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يُرِيدُ المَوْتَ بِإحْداثِ الأسَفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أو بِأيْدِينا ﴾ يُرِيدُ القَتْلَ.

وقِيلَ: ﴿ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يُرِيدُ أنْواعَ المَصائِبِ والقَوارِعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴾ سَبَبُها أنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ حِينَ قالَ: ﴿ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي  ﴾ قالَ: "إنِّي أُعِينُكَ بِمالٍ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ، وهي عامَّةٌ بَعْدَهُ.

والطَوْعُ والكُرْهُ يَعُمّانِ كُلَّ إنْفاقٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "أو كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّصِلُ هُنا ذِكْرُ أفْعالِ الكافِرِ إذا كانَتْ بِرًّا كَصِلَةِ القَرابَةِ وجَبْرِ الكَسِيرِ وإغاثَةِ المَظْلُومِ، هَلْ يَنْتَفِعُ بِها أمْ لا؟

فاخْتِصارُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ ثَوابَ الكافِرِ عَلى أفْعالِهِ البَرَّةِ هو في الطُعْمَةِ يُطْعَمُها"» ونَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذا مُقْنِعٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى نَظَرٍ، وأمّا أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الآخِرَةِ فَلا دَلِيلَ، ذَلِكَ «أنَّ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ  : يا رَسُولَ اللهِ، أرَأيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُدْعانَ، أيَنْفَعُهُ ما كانَ يُطْعِمُ ويَصْنَعُ مِن خَيْرٍ؟

فَقالَ: "لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»، ودَلِيلٌ آخَرُ في قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِابْنِهِ: "ذاكَ العاصِي بْنُ وائِلٍ لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وكانَ هَذا القَوْلُ بَعْدَ مَوْتِ العاصِي، الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ودَلِيلٌ ثالِثٌ في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، أعْنِي في قَوْلِ النَبِيِّ  : « "أسَلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ"،» ولا حُجَّةَ في أمْرِ أبِي طالِبٍ وكَوْنِهِ في ضَحْضاحٍ مِن نارٍ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِشَفاعَةِ مُحَمَّدٍ  ، وبِأنَّهُ وجَدَهُ في غَمْرَةٍ مِنَ النارِ فَأخْرَجَهُ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّ ذَلِكَ بِأعْمالِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى شَفاعَةٍ.

وأمّا أفْعالُ الكافِرِ القَبِيحَةُ، فَإنَّها تَزِيدُ في عَذابِهِ، وبِذَلِكَ تَفاضُلُهم في عَذابِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْفِقُوا ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَوابٌ، فالتَقْدِيرُ: "إنْ تُنْفِقُوا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكُمْ"، وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِن جَوابٍ، فَلَيْسَ يُصِبْهُ تَضَمُّنُ الشَرْطِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تتنزّل هذه الجملة منزلة البيان لِما تضمّنته جملة ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ [التوبة: 51] الآية، ولذلك لم تعطف عليها، والمبيّن هو إجمالُ ﴿ ما كتب الله لنا هو مولانا ﴾ [التوبة: 51] كما تقدّم.

والمعنى لا تنتظرون من حالنا إلاّ حسنة عاجلة أو حسنة آجلة فأمّا نحن فننتظر من حالكم أن يعذبكم الله في الآخرة بعذاب النار، أو في الدنيا بعذاب على غير أيدينا من عذاب الله في الدنيا: كالجوع والخوف، أو بعذاببٍ بأيدينا، وهو عذاب القتل، إذا أذن الله بحربكم، كما في قوله: ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ﴾ [الأحزاب: 60] الآية.

والاستفهام مستعمل في النفي بقرينة الاستثناء.

ومعنى الكلام توبيخ لهم وتخطئة لتربّصهم لأنّهم يتربّصون بالمسلمين أن يقتلوا، ويغفلون عن احتمال أن ينصروا فكان المعنى: لا تتربّصون بنا إلا أن نقتل أو نغلِب وذلك إحدى الحسنين.

والتربص: انتظار حصول شيء مرغوب حصوله، وأكثر استعماله.

أن يكون انتظارَ حصول شيء لغير المنتظِر (بكسر الظاء) ولذلك كثرت تعدية فعل التربّص بالباء لأن المتربّص ينتظر شيئاً مصاحباً لآخرِ هو الذي لأجله الانتظار.

وأمّا قوله: ﴿ والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228] فقد نزلت ﴿ أنفسهن ﴾ منزلة المغاير للمبالغة في وجوب التربّص، ولذلك قال في «الكشّاف»: «في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربّص وزيادة بعث».

وقد تقدم ذلك هنالك، وأمّا قوله: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر ﴾ [البقرة: 226] فهو على أصل الاستعمال لأنّه تربّص بأزواجهم.

وجملة ﴿ ونحن نتربص بكم ﴾ معطوفة على جملة الاستفهام عَطف الخبر على الإنشاء: بل على خبر في صورة الإنشاء، فهي من مقول القول وليس فيها معنى الاستفهام.

والمعنى: وجود البون بين الفريقين في عاقبة الحرب في حالي الغلبة والهزيمة.

وجعلت جملة ﴿ ونحن نتربص ﴾ اسميةً فلم يقل ونتربّص بكم بخلاف الجملة المعطوف عليها: لإفادة تقوية التربّص، وكناية عن تقوية حصول المتربَّص لأن تقوية التربّص تفيد قوة الرجاء في حصول المتربَّص فتفيد قوّة حصوله وهو المكنّى عنه.

وتفرّع على جملة ﴿ هل تربصون بنا ﴾ جملة ﴿ فتربصوا إنا معكم متربصون ﴾ لأنّه إذا كان تربّص كلّ من الفريقين مسفراً عن إحدى الحالتين المذكورتين كان فريق المؤمنين أرضى الفريقين بالمتَّربِّصين لأنّ فيهما نفعه وضرّ عدوّه.

والأمر في قوله: ﴿ تربّصوا ﴾ للتحْضيض المجازي المفيد قلّة الإكتراث بتربّصهم كقول طَريف بن تميم العنبري: فتوسَّمُوني إنَّني أنَا ذلكُم *** شَاكِي سِلاحي في الحوادث مُعْلَم وجملة ﴿ إنا معكم متربصون ﴾ تهديد للمخاطبين والمعية هنا: معية في التّربص، أو في زمانه، وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنّها كالعلّة للحضّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ﴾ يَعْنِي النَّصْرَ أوِ الشَّهادَةَ وكِلاهُما حَسَنَةٌ لِأنَّ في النَّصْرِ ظُهُورَ الدِّينِ، وفي الشَّهادَةِ الجَنَّةَ.

﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا.

والثّانِي: عِقابُ العِصْيانِ في الآخِرَةِ.

﴿ أوْ بِأيْدِينا ﴾ يَعْنِي بِقَتْلِ الكافِرِ عِنْدَ الظَّفَرِ والمُنافِقِ مَعَ الإذْنِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ قال: فتح أو شهادة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا إحدى الحسنيين ﴾ قال: إلا فتحاً أو قتلاً في سبيل الله.

وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق سعد بن اسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده بينما النبي صلى الله عليه وسلم بالروحاء إذ هبط عليه أعرابي من سرب فقال: من القوم وأين تريدون؟

قال: قوم بدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: ما لي أراكم بذة هيئتكم قليلاً سلاحكم؟

قال: ننتظر إحدى الحسنيين، إما أن نقتل فالجنة وإما أن نغلب فيجمعهما الله تعالى لنا الظفر والجنة.

قال: أين نبيكم؟

قالوا: ها هوذا.

فقال له: يا نبي الله ليست لي مصلحة آخذ مصلحي ثم الحق؟

قال «اذهب إلى أهلك فخذ مصلحتك» فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وخرج الرجل إلى أهله حتى فرغ من حاجته ثم لحق بهم ببدر، فدخل في الصف معهم فاقتتل الناس فكان فيمن استشهد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن انتصر فمر بين ظهراني الشهداء ومعه عمر رضي الله عنه، فقال: «ها يا عمر إنك تحب الحديث، وإن للشهداء سادة وأشرافاً وملوكاً، وإن هذا يا عمر منهم» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ﴾ قال: القتل بالسيوف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ الآية، يقال: فلان يتربص بفلان الدوائر: إذا كان ينتظر وقوع (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال ابن عباس وجميع المفسرين في: ﴿ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ يعني الغنيمة والفتح، أو (٦) (٧)  - "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا إيمانًا بالله وتصديقًا لرسوله أن يرزقه الشهادة، أو يرده إلى أهله مغفورًا نائلاً ما نال من أجر وغنيمة" (٨) أخبرناه (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨)  فذكر الحديث.

وأخبرناه أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن إبراهيم بن يحيي التميمي (١٩) (٢٠) ﴿ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: ننتظر بكم (٢١) ﴿ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ ﴾ (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد بإذن الله لنا في قتلكم فنقتلكم (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: فانتظروا (٢٧) (٢٨) (٢٩)  - وهو قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ  ﴾ .

وقال أبو إسحاق: يقول أنتم تربصون بنا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم إحدى السوأتين (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال أهل المعاني: ومعنى صيغة الأمر في قوله: فتربصوا التهدد (٣٣) (١) ساقط من (م).

(٢) في (ي): (المكروه).

(٣) انظر: "تفسير البسيط" المائدة: 52.

(٤) انظر معنى التربص في: "تهذيب اللغة" (ربص) 2/ 1344، و"لسان العرب" (ربص) 3/ 1558.

(٥) "البرهان" للحوفي 11/ 203 أ، و"تنوير المقباس" ص 195، و"الوسيط" 2/ 503، عن ابن عباس، وانظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 151، والثعلبي 6/ 114 أ، والبغوي 4/ 57.

(٦) في (ج): (و).

(٧) أخرجه ابن عباس الإمام ابن جرير 10/ 151، وابن أبي حاتم 6/ 1812، وهو قول مجاهد وقتادة وابن جريج.

انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 151، والبغوي 4/ 57.

(٨) رواه بنحوه البخاري (3123)، كتاب: الخمس، باب: قول النبي -  -: "أحلت لكم الغنائم" رقم، ومسلم (1876) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد، ورواه بلفظه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 114 أ.

(٩) في (ج): (أخبرنا).

(١٠) هو: الثعلبي المفسر.

(١١) هو: الحسن بن الحسن بن حبيب بن أيوب، أبو القاسم النيسابوري الواعظ المفسر، كان إمام عصره في معاني القرآن وعلومه، أديبًا نحويًّا، عارفًا بالمغازي والسير، وسمع الحديث الكثير، وله مصنفات في القراءات والتفسير والآداب، توفي سنة 406 هـ.

انظر: "العبر" 2/ 212، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 144.

(١٢) ساقط من (ج) و (م).

(١٣) لم أقف على ترجمة له فيما بين يدي من مصادر.

(١٤) ساقطة من (ي).

(١٥) هو: محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن العبدي، أبو عبد الله البوشنجي المالكي النيسابوري الإمام العلامة الحافظ، ذو الفنون، شيخ أهل الحديث في عصره بنيسابور، ارتحل في طلب الحديث ولقي الكبار، وصنف، وسار ذكره، وبعد صيته.

توفي في غرة محرم سنة 291 هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 581، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 657، و"تهذيب التهذيب" 3/ 489.

(١٦) هو: أمية بن بسطام بن المنتثسر، أبو بكر العيشي البصري، الحافظ الثقة، حدث عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومات سنة 231 هـ.

انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 11، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 9، و"تهذيب التهذيب" 1/ 187.

(١٧) هو: يزيد بن زريع العيشي، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت حافظ، إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وهو من رجال الصحيحين والسنن الأربع، توفي سنة 182 هـ.

انظر: "الكاشف" 2/ 382، و"تقريب التهذيب" 601 (7713)، و"تهذيب التهذيب" 4/ 411.

(١٨) هو: روح بن القاسم التميمي العنبري، أبو غياث البصري، كان ثقة ثبتًا حافظًا متقنًا، وهو من رجال الكتب الستة، توفي سنة 141 هـ.

انظر: "الكاشف" 1/ 399، و"تقريب التهذيب" 211 (1970)، و"تهذيب التهذيب" 1/ 616.

(١٩) تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخ الواحدي.

(٢٠) هو: إسماعيل بن نُجيد بن أحمد بن يوسف السلمي، النيسابوري، الصوفي، كبير الطائفة، وصنمه الذهبي بقوله: شيخ عصره، ومسند مصره.

سمع عبد الله بن أحمد ابن حنبل ومحمد بن إبراهيم العبدي وغيرهما، وروى عنه جماعة منهم أبو منصور == البغدادي وأبو عبد الله الحاكم، وتوفي سنة 365 هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 146، و"تاريخ الإسلام" (وفيات سنة 365 هـ) ص 235، و"الإكمال" لابن ماكولا 1/ 188.

(٢١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 503، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 195.

(٢٢) في (ي): (زيادة نصها: كما أصاب الأمم الخالية.

اهـ.

وهي التباس من الناسخ بسبب الجملة التالية.

(٢٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 114 أبلفظ: الصواعق، ومثله ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 451.

(٢٤) لم أجد من نسبه للكلبي، وقد اعتمده الثعلبي في "تفسيره" 6/ 114 أ، والبغوي 4/ 58، والقرطبي 8/ 160 وغيرهم.

(٢٥) ذكره ابن جرير في "تفسيره" 10/ 151، مختصرًا من رواية ابن جريج وهي منقطعة.

(٢٦) لم أجد من ذكره عنه، وقد اعتمده الثعلبي في"تفسيره" 6/ 114 أ.

(٢٧) في (ج): (وانتظروا).

(٢٨) "تنوير المقباس" ص 195.

(٢٩) رواه الثعلبي 6/ 114 أ، والبغوي 4/ 58.

(٣٠) في "معاني القرآن وإعرابه": الشرتين.

وفي "الوسيط" 2/ 0503 السوأتين أيضاً لكن المحققين أبدلوا اللفظ إلى: الشرين.

(٣١) في (ج): (وينتظرون)، وفي "معاني القرآن وإعرابه": وننتظره.

(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452.

(٣٣) انظر: "مفاتيح الغيب" 16/ 90 ولم أجده عند أهل المعاني.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين ﴾ أي هل تنتظرون بنا إلا إحدى أمرين: إما الظفر والنصر، وإما الموت في سبيل الله وكل واحد من الخصلتين حسن ﴿ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ ﴾ المصائب وما ينزل من السماء أو عذاب الآخرة ﴿ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ يعني القتل ﴿ فتربصوا ﴾ تهديد ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ تضمن الأمر هنا معنى الشرط، فاحتاج إلى جواب، والمعنى: لن يتقبل منكم سواءٌ أنفقتم طوعاً أو كرهاً، والطوع والكره عموم في الإنفاق أي: لن يتقبل على كل حال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تربِّصون ﴾ بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي وهشام مدغماً حتى لا يجتمع ساكنان.

الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء ﴿ أن تقبل ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفوقانية ﴿ مدخلاً ﴾ بضم الميم وسكون الدال: سهل ويعقوب.

الباقون: بالدال المشددة المتفوحة.

﴿ يلمزك ﴾ بضم الميم: سهل ويعقوب.

الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير.

الوقوف: ﴿ تسؤهم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ لنا ﴾ ج للابتداء لفظاً مع الاتحاد معنى ﴿ هو مولانا ﴾ ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية عنهم.

﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ الحسنيين ﴾ ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام ﴿ بأيدينا ﴾ ط والوصل أصح لأن الفاء جواب ﴿ نتربص ﴾ ﴿ متربصون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط.

﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا أولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ لمنكم ﴾ ط ﴿ يفرقون ﴾ ه ﴿ يجمحون ﴾ ه ﴿ في الصدقات ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ يسخطون ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ لا إلى قوله ﴿ راغبون ﴾ لأن الكل يتعلق بـ"لو" وجواب "لو" بعد التمام محذوف أي لكان خيراً لهم.

التفسير: هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين.

عن ابن عباس: الحسنة في قوم بدر والمصيبة في يوم أحد.

والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله  .

ومعنى ﴿ أخذنا أمرنا ﴾ أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي والتدبير.

و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل ما وقع ﴿ وتولوا ﴾ أي عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول ﴿ وهم فرحون ﴾ مسرورون ثم أمر نبيه  بأن يقول في جوابهم ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ قيل: أي في اللوح المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء.

وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال - زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب.

وقيل: أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدوّ وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في الحال.

وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر ﴿ هو مولانا ﴾ لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه.

﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ فيه تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط والأسباب.

ثم أمره بجواب ثانٍ فقال ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ التربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره.

والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة يعني النصرة أو الشهادة.

وفي الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز بنعيم الآخرة.

﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ﴾ قارعة مثل قارعة عاد وثمود وقيل: عذاب الله يشمل عذاب الدارين ﴿ أو بأيدينا ﴾ يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي ﴿ فتربصوا ﴾ أمر للتهديد نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم  ﴾ ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في الدنيا والأخرى.

عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي  ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به.

ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً.

و ﴿ أنفقوا ﴾ لفظه أمر ومعناه خبر كقوله فيما يجيء ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم  ﴾ ومعناه أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟

ومثله قول كثير لعزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين مني تفاوتاً في الحالين.

وإنما يجوز إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل لإفادة المبالغة.

وانتصب ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ على الحال ومعناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما.

وسمي الإلزام كراهاً لأنهم منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه.

ويحتمل أن يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة.

ومعنى ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع قبولاً عند الله.

ثم علل عدم القبول بقوله ﴿ إنكم كنتم قوماً فاسقين ﴾ قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق يحبط الطاعات.

وأجيب بأن الفسق ههنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق المطلق كذلك.

وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله  ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم ﴾ الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله.

وثانيها ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ﴾ قال المفسرون: معناه أنه إن كان في جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر.

وثالثها: ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا مختارين يعدون الإنفاق مغرماً ومنعه مغنماً خلاف قول رسول الله  "أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم" .

قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟

والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارت المتعددة على شيء واحد.

بوجه آخر أطلق كفرهم أولاً ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى حكم عليهم بالكفر مطلقاً ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعاً لشأن تارك الصلاة والزكاة.

قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله  كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية.

وأن الكسل من صفات المنافقين.

قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله ﴿ فَمَنْ يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب.

ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولاً بوجه لم يكن له في التخفيف أيضاً أثر.

وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم على وجه الكسل ليس مانعاً من التقبل بالإنفاق.

ثم لما قطع رجاء المنافقين عن منافع الآخرة أراد أن يبّين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضاً في الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطباً للرسول  أو لكل أحد ﴿ فلا تعجبك ﴾ الآية.

ونظيره ﴿ ولا تمدّن عينيك  ﴾ وإنما قال ﴿ فلا تعجبك ﴾ بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ بخلاف ما سيجيء في الآية الآخرى من هذه السورة.

والإعجاب سرور المرء بالشيء مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله ﴿ ما أظن أن تبيد هذه أبداً  ﴾ ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا قال  "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى.

وقوله ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ يريد الله ليبين لكم  ﴾ قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن المال والولد لا يكونان عذاباً بل هما من نعم الله  على عباده، وأورد عليه أنهما لا يكونان عذاباً في الآخرة أيضاً.

فإن تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم والتأخير لأنهما قد يكونان سبباً للعذاب في الدنيا أيضاً.

وبوجه أخر، المال والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان.

في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟

واعلم أن الأموال والأولاد قد يكونان سبباً للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم.

فصاحب المال أبداً إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب حفظه وتثميره.

ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة.

ثم إنه إن بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حساباً وحرامه عذاباً فثبت أنحصول المال سبب لعذاب الدارين.

إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله يكون نادراً، وكذا الكلام في الولد.

وهذا المعنى وإن كان عاماً للكل إلا أن المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب.

وذلك أن الرجل إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة.

وأيضاً إن النبي  كان يكلفهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، وكانوا مبغضين للنبي  مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبيّ شهد بدراً وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسببه ولأجل هذه المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ليعذبهم.

أما قوله ﴿ وتزهق أنفسهم ﴾ أي تخرج ﴿ وهم كافرون ﴾ فقد قالت الأشاعرة: فيه دليل على أنه  أراد منهم الكفر.

وأورد الجبائي عليه أن المريض إذا قال للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريداً لمرض نفسه، والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعاً في تلك الحالة من ضرورات كونه مريضاً وهو طبيبه.

وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مراداً بالضرورة.

وقال في الكشاف: المراد الاستدراج بالنعم كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة.

ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله  عنهم في قوله ﴿ ويحلفون بالله أنهم لمنكم ﴾ أي على دينكم.

ثم قال ﴿ وما هم منكم ﴾ أي ليسوا على دينكم.

﴿ ولكنهم قوم يفرقون ﴾ يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية.

ثم أكد نفاقهم بقوله ﴿ لو يجدون ملجأً ﴾ مفراً فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم.

فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن من صميم القلب.

والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر.

والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب مخرجيهما.

والتداخل "تفعل" من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول فيه.

قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع.

والمراد أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة ﴿ لولوا إليه ﴾ يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه ﴿ وهم يجمحون ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوهم شيء.

ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام.

والحاصل أنهم من شدة تأذيهم وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة.

قال بعض العلماء: إنه  ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار والله تعالى أعلم.

ومن جملة قبائحهم قوله ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ الآية.

قال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته.

وفرق الليث فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز العيب في الغيبة، واعلم أن العيب في الصدقات يحتمل وجوهاً: الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم.

الثاني: أن يقال: هي أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك.

الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم أرادوه.

عن أبي سعيد الخدري "بينا رسول الله  يقسم غنائم حنين قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله.

فقال: ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل" فنزلت.

وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل.

فقال: رسول الله  : "لا أبا لك أما كان موسى راعياً.

أما كان داود راعياً فلما ذهب قال رسول الله  : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون" .

وقيل: هم المؤلفة قلوبهم.

ثم بيّن أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا للدين فقال ﴿ فإن أعطوا منها رضوا ﴾ وذلك أن رسول الله  استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون.

ومعنى ﴿ إذا هم يسخطون ﴾ فهم يسخطون.

وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم عليه.

ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال ﴿ ولو أنهم رضوا ﴾ الآية ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه  حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكماً له وقضاء منه كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه.

الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم ﴿ حسبنا الله ﴾ كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر الحبيب.

الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة العالية كان واثقاً بأن الله لا يهمله وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى.

الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال.

يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: ما الذي يحملكم عليه؟

قالوا: الخوف من عقاب الله.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟

فقال: الرغبة في الثواب.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسأهلم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره.

فقال: أنتم المحقون.

التأويل: ﴿ أن تصبك ﴾ يا روح ﴿ حسنة ﴾ من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح عليها ﴿ وإن تصبك مصيبة ﴾ من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع الحيوانية لما خالفناه في السير في العالم الروحاني.

﴿ قل ﴾ يا روح ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد.

وانظر وقل ﴿ هل تربصون بنا ﴾ أيتها النفس وصفاتها ﴿ إلا إحدى الحسنيين ﴾ الإحسان والعواطف الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية ﴿ بعذاب من عنده ﴾ هو الابتلاء بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما ﴿ أو بأيدينا ﴾ بالمنع من المخالفات وبكثرة الرياضيات والمجاهدات ﴿ طوعاً ﴾ أو رياء ﴿ وكرهاً ﴾ أي نفاقاً ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ لأن أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل القلب بدون الجوارح مقبولاً لقوله  "نية المؤمن أبلغ من عمله" وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق وحال المخلص بالعكس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

قيل: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: الغنيمة، والظفر، والنصر على الأعداء، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة النكبة والهزيمة فرحوا بها.

﴿ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

أي: أخذنا أمرنا بالوثيقة والاحتياط؛ حيث لم نخرج معهم حتى لم يصبنا ما أصابهم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: قد أظهرنا الموافقة للمؤمنين في الظاهر، وكنا مع الكافرين في السر، وواليناهم في الحقيقة، وهو ما ذكر من انتظارهم أحد أمرين في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141].

﴿ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴾ .

يحتمل: يتولوا أولئك الكفرة وهم فرحون.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ونبوته؛ لأنه معلوم أن ما يسوءهم كانوا يضمرونه ويسرونه عنهم، ثم أخبر عما أسروا وأضمروا؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: قضى الله لنا، أي: لن يصيبنا إلا ما قضى الله لنا.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: ما جاء به القرآن، وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ : من الكرامة، والمنزلة، والنعيم الدائم في الآخرة، أي: لن يصيبنا إلا ذلك، وإن كنتم أنتم تفرحون بذلك، فذلك الذي كتب الله لنا.

﴿ هُوَ مَوْلاَنَا ﴾ .

أي: [هو] ربنا ونحن عبيده، يكتب لنا ما يشاء من الخير والشر؛ أي: ما أكرمنا الله لنا، أي: ما أحل لنا وأباح، وأما القضاء فإنه قل ما يقال فيما يكون لهم، وإنما يقال فيما قضى عليهم، وأما الكتاب لهم فهو فيما ...

ويحل لهم ويبيح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: على الإخبار، أي: على الله يتوكل المؤمنون، لا يتوكلون على غيره.

والثاني: يحتمل: أن يكون على الأمر، أي: على الله توكلوا أيها المؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ .

عن ابن عباس -  -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ يعني: الشهادة، والحياة، والرزق الدائم، والكرامة؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً...

﴾ الآية [آل عمران: 169].

ويحتمل: إلا إحدى الحسنيين في الدنيا: الغنيمة والظفر؛ يقول: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين: إما الحياة الدائمة في الآخرة، والرزق الحسن، والكرامة، وإما الغنيمة والنصر في الدنيا، هذا تتربصون بنا ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده: العذاب في الآخرة إن قتلتم، أو بأيدينا، أي: القتل بأيدينا.

﴿ تَرَبَّصُونَ بِنَآ ﴾ الشر ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ ﴾ العذاب بكم، هم كانوا لا يتربصون بنا إلا الدوائر والهلاك، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ  ﴾ هم كانوا لا يتربصون بنا الحسنى، ولكن ما ذكرنا من الدوائر، لكن ذلك وإن كان عند أولئك المنافقين هلاك ودائرة، فهو للمؤمنين الحسنى في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: الآية في الجهاد، أن المنافقين كانوا يؤمرون بالجهاد والقتال مع الكفرة على [ما] أمر أهل الإيمان بذلك، ثم منهم من كان يخرج للجهاد، ومنهم من كان يجهز غيره ويقعد، ومنهم من كان يخرج كارهاً، ونحوه، فنزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ، أي: خوفاً، ﴿ لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .

ومنهم من قال: الآية في الزكاة؛ أن الله - عز وجل - فرض الزكاة في أموال المؤمنين، والمنافقون قد أظهروا الإيمان، وكانوا ينفقون، ويؤدون الزكاة، لكن منهم من كان يؤدي طوعاً، ومنهم من يؤدي كرهاً، فقال: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا لا يرون الزكاة قربة، وكانوا ينفقون وهم كارهون في الباطن.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ ؛ دل أنهم كانوا ينفقون جميعاً وهم كارهون لذلك في الباطن، ثم بين ما به لم يتقبل نفقاتهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ في الآية وجهان: أحدهما: دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وهم في الظاهر كانوا يأتون الصلاة على ما كان يأتي المؤمنون، ثم أخبر أنهم يأتونها كسالى؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله،  .

وكذلك أخبر أنهم ينفقون وهم كارهون لذلك، وكانوا ينفقون في الظاهر مراءاة لموافقيهم، ثم أخبر أنهم كانوا كارهين لذلك في السر؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله  .

والثاني: ألا تقوم قربة ولا تقبل إلا على حقيقة الإيمان الذي هو شرط قيام هذه العبادات وقبول القرب، لا أن أنفسها إيمان؛ لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر؛ دل أنه ما ذكرنا، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

أي: إنكم كنتم فاسقين.

ويحتمل قوله: ﴿ كُنتُمْ ﴾ ، أي: صرتم فاسقين بما أنفقتم وأنتم كارهون؛ إذ هم قد أظهروا الإيمان ثم تركوه؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا  ﴾ أخبر أنهم آمنوا ثم كفروا؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ ﴾ وكسلى وكسالى فيه لغات ثلاث والمعنى واحد، وهو أنهم لا يأتون الصلاة إلا مستثقلين؛ لأنهم كانوا لا يرونها قربة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [في الحياة الدنيا]، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي الحياة الدنيا.

والتعذيب في الدنيا: هو ما فرض عليهم الجهاد وأمروا بالخروج للقتال، فكان يشق ذلك عليهم ويشتد، فذلك التعذيب لهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ...

 ﴾ الآية.

أو التعذيب في الدنيا هو القتل؛ يقتلون إن لم يخرجوا.

وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يعطي الله أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ثم قال لرسول الله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ ﴾ ، ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح، فكأنه قال: لا يعجبك ما أعطيتهم من الخيرات والصلاح، فذلك بعيد؛ فدل أنه قد يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين.

وكذلك في قوله: { ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ...

﴾ \[المؤمنون: 55-56\] الآية، دلالة الرد على قولهم؛ لأنه قال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ثم قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 56\] أنه يمدهم به لا للخيرات؛ دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو أصلح لهم في الدين.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ دلالة الرد عليهم أيضاً؛ لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة، ولا يعذبهم مجاناً فيما لا فعل لهم في ذلك؛ دل أن لهم صنعاً في ذلك، وأنه إنما يعذبهم بفعل اكتسبوه.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ دلالة أن ليس كل ما يعطيهم إنما يعطيهم ليرحمهم به، ولكن يعطيهم لما علم منهم، فإن كان علم منهم أنهم يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها فيما فيه هلاكهم، أعطاهم لذلك، ومن علم منهم أنهم يستعملونه لنجاتهم أعطاهم ليرحمهم به، فإنما أعطي كلاًّ ما علم أنه يكون منهم؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون في إعطائه مخطئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .

قيل: تخرج أنفسهم وتهلك خوفاً.

قال أبو عوسجة: يقال: خرج نفسه من فمه.

وقيل: تذهب أنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، أي: ذهب.

وكذلك قال أبو عبيد: تزهق، أي: تذهب.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة رسول الله  ؛ لأنه أخبر أن أنفسهم تزهق وهم كافرون، فكان ما ذكر؛ دل أنه علم ذلك بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهم: هل تنتظرون أن يقع لنا إلا النصر أو الشهادة؟!

ونحن ننتظر أن ينزل بكم الله عذابًا من عنده يهلككم أو يعذبكم بأيدينا بقتلكم وأسركم إذا أذن لنا بقتالكم، فانتظروا عاقبتنا، إنا منتظرون عاقبتكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.QXWB0"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر