الآية ٦٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٦٢ من سورة التوبة

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٦٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال قتادة في قوله تعالى : ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم ) الآية ، قال : ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا ، وإن كان ما يقول محمد حقا ، لهم شر من الحمير .

قال : فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله إن ما يقول محمد لحق ، ولأنت أشر من الحمار .

قال : فسعى بها الرجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال : ما حملك على الذي قلت ؟

فجعل يلتعن ، ويحلف بالله ما قال ذلك .

وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب .

فأنزل الله - عز وجل - : ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه وسلم: يحلف لكم، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون بالله، ليرضوكم فيما بلغكم عنهم من أذاهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, وذكرِهم إياه بالطعن عليه والعيب له, ومطابقتهم سرًّا أهلَ الكفر عليكم = بالله والأيمان الفاجرة: أنهم ما فعلوا ذلك، وإنهم لعلى دينكم، ومعكم على من خالفكم, يبتغون بذلك رضاكم.

يقول الله جل ثناؤه: (والله ورسوله أحق أن يرضوه)، بالتوبة والإنابة مما قالوا ونطقوا =(إن كانوا مؤمنين)، يقول: إن كانوا مصدِّقين بتوحيد الله, مقرِّين بوعده ووعيده.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16906- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم)، الآية, ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا, وإن كان ما يقول محمد حقًّا, لهم شَرٌّ من الحمير!

قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد حق, ولأنت شر من الحمار !

فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم, فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال له: ما حملك على الذي قلت؟

فجعل يلتَعنُ، ويحلف بالله ما قال ذلك.

(1) قال: وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدِّق الصادق، وكذِّب الكاذب !

فأنـزل الله في ذلك: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين).

-------------------- الهوامش : (1) "التعن الرجل" ، إذا أنصف في الدعاء على نفسه، أو لعن نفسه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنينفيه ثلاث مسائل :الأولى : روي أن قوما من المنافقين اجتمعوا ، فيهم الجلاس بن سويد ووديعة بن ثابت ، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فحقروه فتكلموا وقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير .

فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقول حق وأنتم شر من الحمير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم ، فحلفوا أن عامرا كاذب ، فقال عامر : هم الكذبة ، وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب .

فأنزل الله هذه الآية وفيها يحلفون بالله لكم ليرضوكم .الثانية : قوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه ابتداء وخبر .

ومذهب سيبويه أن التقدير : والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه ، ثم حذف ، كما قال بعضهم :نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلفوقال محمد بن يزيد : ليس في الكلام محذوف ، والتقدير ، والله أحق أن يرضوه ورسوله ، على التقديم والتأخير .

وقال الفراء : المعنى ورسوله أحق أن يرضوه ، والله افتتاح كلام ، كما تقول : ما شاء الله وشئت .

قال النحاس : قول سيبويه أولاها ؛ لأنه قد صح عن [ ص: 120 ] النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أن يقال : ما شاء الله وشئت ، ولا يقدر في شيء تقديم ولا تأخير ، ومعناه صحيح .قلت : وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه ، ألا ترى أنه قال : من يطع الرسول فقد أطاع الله .

وكان الربيع بن خيثم إذا مر بهذه الآية وقف ، ثم يقول : حرف وأيما حرف فوض إليه فلا يأمرنا إلا بخير .الثالثة : قال علماؤنا : تضمنت هذه الآية قبول يمين الحالف وإن لم يلزم المحلوف له الرضا .

واليمين حق للمدعي .

وتضمنت أن يكون اليمين بالله عز وجل حسب ما تقدم .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ومن حلف له فليصدق .

وقد مضى القول في الأيمان والاستثناء فيها مستوفى في المائدة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ‏}‏ فيتبرأوا مما صدر منهم من الأذية وغيرها، فغايتهم أن ترضوا عليهم‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ‏}‏ لأن المؤمن لا يقدم شيئا على رضا ربه ورضا رسوله، فدل هذا على انتفاء إيمانهم حيث قدموا رضا غير اللّه ورسوله‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يحلفون بالله لكم ليرضوكم ) قال قتادة والسدي : اجتمع ناس من المنافقين فيهم الجلاس بن سويد ، ووديعة بن ثابت ، فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير ، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس ، فحقروه وقالوا هذه المقالة ، فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقول محمد حق وأنتم شر من الحمير ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فدعاهم وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلفوا أن عامرا كذاب .

وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل عامر يدعو ويقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقال مقاتل والكلبي : نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون إليه ويحلفون ، فأنزل الله تعالى هذه الآية " ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يحلفون بالله لكم» أيها المؤمنين فيما بلغكم عنهم من أذى الرسول أنهم ما آذوه «ليرضوكم والله ورسوله أحقُّ أن يرضوه» بالطاعة «إن كانوا مؤمنين» حقا وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين أو خبر الله ورسوله محذوف.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يحلف المنافقون الأيمان الكاذبة، ويقدمون الأعذار الملفقة؛ ليُرضُوا المؤمنين، والله ورسوله أحق وأولى أن يُرضُوهما بالإيمان بهما وطاعتهما، إن كانوا مؤمنين حقًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك لوناً من جبنهم وعجزهم من مصارحة المؤمنين بالحقائق ، فقال - سبحانه - : ( يَحْلِفُونَ بالله .

.

.

الخزي العظيم ) .قال القرطبى : روى قوماً من المنافقين اجتمعوا ، وفيهم غلاما من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فحقروه تكلموا فقالوا : إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير .

فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقوله محمد - صلى الله عليه وسلم لحق ، ولأنتم شر من الحمير .

ثم أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - بقولهم فحلفوا إن عامرا كاذب .فقال عامر : هم الكذبة ، وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب .

فأنزل الله هذه الآية .فقوله - سبحانه - : ( يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ) خطاب للمؤمنين الذين كان المنافقون يذكرونهم بالسوء ، ثم يأتون إليهم بعد ذلك معتذرين .أى : إن هؤلاء المافقين يحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - ليرضوكم ، فتطمئنوا إليهم ، وتقبلوا معاذيرهم .قال أبو السعود : وإفراد إرضائهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - للإِيذان بأن ذلك بمعز عن أن يكون وسيلة لإرضائه ، وأنه - عليه الصلاة والسلام - إنما لم يكذبهم رفقا بهم ، وسترا لعيوبهم ، لا عن رضا بما فعلوا ، وقبول قلبى لما قالوا .

.وقوله : ( والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ) جملة حالية فى محل نصب من ضمير " يحلفون " جئ بها لتوبيخهم على إيثارهم رضا الناس على رضا الله ورسوله .أى : هم يحلفون لكم ، والحال أن رسوله أحق بالإِرضاء منكم لأن الله - تعالى هو خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم ، وهو العليم بما ظهر وبطن من أحوالهم .

ولأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - هو المبلغ لوحيه - عز وجل - .قال صاحب المنار ما ملخصه : وكان الظاهر أن يقال : " يرضوهما " ونكتة العدول عنه إلى " يرضوه " : الإِعلام بأن إرضاء رسوله عين إرضائه سبحانه .

.

وهذا من بلاغة القرآن فى نفس الإيجاز .

ولو قال " يرضوهما " لما أفاد هذا المعنى؛ إذ يجوز فى نفس العبارة أن يكون إرضاء كل منهما فى غير ما يكون به إرضاء الآخر ، وهو خلاف المراد هنا ، وكذلك لو قيل : " والله أحق أن يرضوه ، ورسوله أحق أن يرضوه " لا يفيد هذا المعنى أيضاً وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل .

.وقد خرجه علماء النحو على قواعدهم .

.

وأقرب الأقوال إلأى قواعدهم قول سيبويه : إن الكلام جملتان حذف خبر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه ، كقول الشاعر :نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف ...

فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربى ، ولكن تفوت به النكتة الى ذكرناها .

.

.وقوله : ( إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ) تذييل قصد به بيان أن الإِيمان الحق لا يتم إلا بإرضاء الله ورسوله عن طريق طاعتهما والانقياد لأوامرهما .أى : إن كانوا مؤمنين حقاً ، فليعملوا على إرضاء الله ورسوله ، بأن يطيعوا أوامرهما ، ويجتنبوا نواهيهما ، وإلا كانوا كاذبين فى دعواهم الإِيمان ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير بسبب مخالفتهم لله ورسوله فقال :( أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين وهو إقدامهم على اليمين الكاذبة.

قيل: هذا بناء على ما تقدم، يعني يؤذون النبي ويسيؤون القول فيه ثم يحلفون لكم.

وقيل: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتوه واعتذروا وحلفوا، ففيهم نزلت الآية، والمعنى: أنهم حلفوا على أنهم ما قالوا ما حكي عنهم، ليرضوا المؤمنين بيمينهم، وكان من الواجب أن يرضوا الله بالإخلاص والتوبة، لا بإظهار ما يستسرون خلافه، ونظيره قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ يُرْضُوهُ ﴾ بعد تقدم ذكر الله وذكر الرسول ففيه وجوه: الأول: أنه تعالى لا يذكر مع غيره بالذكر المجمل، بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيماً له.

والثاني: أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله، فاقتصر على ذكره.

ويروى أن واحداً من الكفار رفع صوته.

وقال: إني أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد، فسمع الرسول عليه السلام ذلك وقال: وضع الحق في أهله الثالث: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله: نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راض والرأي مختلف والرابع: أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى، وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر.

الخامس: لما وجب أن يكون رضا الرسول مطابقاً لرضا الله تعالى وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع الاكتفاء بذكر أحدهما كما يقال: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبرني.

السادس: التقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك وقوله: ﴿ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فيه قولان: الأول: إن كانوا مؤمنين على ما ادعوا.

والثاني: أنهم كانوا عالمين بصحة دين الرسول إلا أنهم أصروا على الكفر حسداً وعناداً، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وفي الآية دلالة على رضا الله لا يحصل بإظهار الإيمان، ما لم يقترن به التصديق بالقلب، ويبطل قول الكرامية الذين يزعمون أن الإيمان ليس إلا القول باللسان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ الخطاب للمسلمين وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق.

وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، فكانا في حكم مرضيّ واحد، كقولك: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبر مني.

أو والله أحقّ أن يرضوه، ورسوله كذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ ﴾ عَلى مَعاذِيرِهِمْ فِيما قالُوا أوْ تَخَلَّفُوا.

﴿ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ لِتَرْضَوْا عَنْهم والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ أحَقُّ بِالإرْضاءِ بِالطّاعَةِ والوِفاقِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِتَلازُمِ الرِّضاءَيْنِ أوْ لِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ  وإرْضائِهِ، أوْ لِأنَّ التَّقْدِيرَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ والرَّسُولُ كَذَلِكَ.

﴿ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ صِدْقًا.

﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ ﴾ أنَّ الشَّأْنَ وقُرِئَ بِالتّاءِ.

﴿ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ يُشاقِقُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحَدِّ.

﴿ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ﴾ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ أيْ فَحَقَّ أنَّ لَهُ أوْ عَلى تَكْرِيرِ أنَّ لِلتَّأْكِيدِ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنَّهُ ويَكُونُ الجَوابُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكُ، وقُرِئَ « فَإنَّ» بِالكَسْرِ.

﴿ ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ ﴾ يَعْنِي الهَلاكَ الدّائِمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} الخطاب للمسلمين وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن أو يتخلفون عن الجهاد ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم فقيل لهم {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} أي إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسول الله فكانا في حكم شيء واحد كقولكم إحسان زيد وإجماله نعشني أو والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وكانَ المُنافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِما لا يَلِيقُ ثُمَّ يَأْتُونَهم فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ ويُؤَكِّدُونَ مَعاذِيرَهم بِالأيْمانِ لِيَعْذِرُوهم ويَرْضَوْا عَنْهم، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَأرْسَلَ إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ؟

فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ: ( يَحْلِفُونَ ) إلَخْ» أيْ يَحْلِفُونَ لَكم أنَّهم ما قالُوا ما نُقِلَ عَنْهم مِمّا يُورِثُ أذاةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُرْضُوكم بِذَلِكَ، وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنها أتَوُا المُؤْمِنِينَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ مِن تَخَلُّفِهِمْ ويَعْتَلُّونَ ويَحْلِفُونَ.

وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذا مُقْتَصِرًا عَلى الأوَّلِ، ولَعَلَّهُ رَأى ذَلِكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ، وإنَّما أفْرَدَ إرْضاءَهم بِالتَّعْلِيلِ مَعَ أنَّ عُمْدَةَ أغْراضِهِمْ إرْضاءُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً لِإرْضائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما لَمْ يُكَذِّبْهم رِفْقًا بِهِمْ وسَتْرًا لِعُيُوبِهِمْ لا عَنْ رِضًى بِما فَعَلُوا وقَبُولٍ قَلْبِيٍّ لِما قالُوا ( ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ ) أيْ: أحَقُّ بِالإرْضاءِ مِن غَيْرِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالطّاعَةِ والمُوافَقَةِ لِأمْرِهِ وإيفاءِ حُقُوقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بابِ الإجْلالِ والإعْظامِ حُضُورًا وغَيْبَةً، وأمّا الإيمانُ فَإنَّما يَرْضى بِها مَنِ انْحَصَرَ طَرِيقُ عِلْمِهِ في الأخْبارِ إلى أنْ يَجِيءَ الحَقُّ ويَزْهَقَ الباطِلُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ ) والمُرادُ ذَمُّهم بِالِاشْتِغالِ فِيما لا يَعْنِيهِمْ والإعْراضِ عَمّا يُهِمُّهم ويُجْدِيهِمْ.

وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في ( ﴿ يُرْضُوهُ ﴾ ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ بَعْدَ العَطْفِ بِالواوِ التَّثْنِيَةُ لِأنَّ إرْضاءَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَنْفَكُّ عَنْ إرْضاءِ اللَّهِ تَعالى و ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ فَلِتَلازُمِهِما جُعِلا كَشَيْءٍ واحِدٍ فَعادَ إلَيْهِما الضَّمِيرُ المُفْرَدُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإنَّما لَمْ يُثَنَّ تَأدُّبًا لِئَلّا يُجْمَعَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ في ضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ: وقَدْ نُهِيَ عَنْهُ عَلى كَلامٍ فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِهِ والكَلامُ جُمْلَتانِ حُذِفَ خَبَرُ الأُولى لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ أوْ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ المَذْكُورَ خَبَرُ الجُمْلَةِ الأُولى وخَبَرُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَحْذُوفٌ، واخْتارَ الأوَّلَ في مِثْلِ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ سِيبَوَيْهِ لِقُرْبِ ما جَعَلَ المَذْكُورَ خَبَرًا لَهُ مَعَ السَّلامَةِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، واخْتارَ الثّانِيَ المُبَرِّدِ لِلسَّبْقِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والخَبَرُ لَهُ لا غَيْرَ ولا حَذْفَ في الكَلامِ لِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإرْضائِهِ فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَمْهِيدًا، فَلِذا لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ وخَصَّ الخَبَرَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ ولا يَخْفى أنَّ اعْتِبارَ الإخْبارِ عَنِ المَعْطُوفِ وعَدَمَ اعْتِبارِ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أصْلًا مَعَ أنَّهُ المُسْتَقِلُّ في الِابْتِداءِ في غايَةِ الغَرابَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ ﴿ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ إيمانًا صادِقًا في الظّاهِرِ والباطِنِ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما ذُكِرَ فَإنَّهُما أحَقُّ بِالإرْضاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة من المنافقين مّنْهُمْ: جلاس بن سويد، ومحشر بن خويلد، وأبو ياسر بن قيس، وذلك أنهم كانوا ينالون من رسول الله  ، فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه الخبر.

فقال الجلاس: نقول ما نشاء، فإنما هُوَ أُذُنٌ سامعة ثم نأتيه فيصدقنا، والأذن الذي يقبل كل ما قيل له وقال القتبي: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ، يعني: إن كان الأمر كما يذكرون فهو خير لكم، ولكنه يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، يعني: يصدق الله ويصدق المؤمنين لا أنتم.

والباء واللام زائدتان، يعني: يصدق الله ويصدق محمد المؤمنين، فذلك قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ يعني: من المنافقين من يؤذي النبي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ يعني: سامع لمن حدثه.

قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ.

قراءة العامة قُلْ أُذُنُ بغير تنوين خَيْرٍ لَكُمْ بكسر الراء وقرأ بعضهم: أُذُنٌ بالتنوين خَيْرٍ بالتنوين والضم.

فمن قرأ أذُنٌ بالتنوين، فمعناه إن كان محمد كما قلتم أذنٌ فهو خيرٌ لكم أي: صلاح لكم.

ومن قرأ بالكسر فهو على الإضافة، أي أذن خير لكم وأذن رحمة- وقرأ نافع أُذُنٌ بجزم الذال والباقون بالضم، وهما لغتان (١) يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، يعني: يصدق بالله تعالى في مقالته، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: يصدق قول المؤمنين، وَرَحْمَةٌ يعني: نعمة لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، في السر والعلانية وقرأ حمزة وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ على معنى الإضافة، يعني: أذن رحمة، وقرأ الباقون وَرَحْمَةٌ بالضم على معنى الاستئناف.

وقرأ نافع أُذُنٌ بجزم الذال بضمة واحدة وقرأ الباقون بضمتين.

ثم قال: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، يعني وجيع.

ثم جاءوا إلى الرسول وحلفوا، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون في حلفهم، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ.

قال الزجاج: لم يقل أحق أن يرضوهما، لأن في الكلام ما يدلّ عليه، لأن في رضى الله تعالى رضى الرسول فحذف تخفيفاً، ومعناه: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، كما قال الشاعر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بَمَا ...

عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض.

ويقال: يكره أن يجمع بين ذكر الله تعالى وذكر رسوله في كتابة واحدة، ويستحب أن يكون ذكر الله تعالى مقدما ثم ذكر النبي  مؤخراً.

وذكر في بعض الأخبار: أن خطيباً قام عند النبيّ  فقال في خطبته: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى فقال النبيّ  : «بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ» (٢) مصدقين بقلوبهم في السر.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) حديث عدي بن حاتم: أخرجه مسلم (870) وأبو داود (1099) و (498) وأحمد 4/ 379 والنسائي: 6/ 90.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَمَّا العاملون: فهم جُبَاتها يستنيبهم الإِمامُ في السعْي على الناس، وجَمْعِ صَدَقَاتهم، قال الجُمْهور: لَهُمْ قَدْر تعبهم ومؤنتهم، وأما الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فكانوا مُسْلِمين وكافرينَ مستَتِرِينَ مُظْهرين للإِسلام حتى وثَّقه الاستئلاف في أكثرهم، واستئلافهم إِنما كان لِتُجْلَبَ إلى الإِسلام مَنْفَعة، أو تُدْفَعَ عنه مَضَرَّة، والصحيحُ بَقَاءُ حكمهم إِن احتيج إِليهم، وأَما الرِّقابِ، فمذْهَبُ مالك وغيره هو ابتداء عِتْق مؤْمِن، وأما الغَارِمُ: فهو الرجُلُ يرْكَبه دَيْن في غير مَعْصِيَة ولا سَفَه، كذا قال العلماء، وأما فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فهو الغازِي، وإِن كانَ مَلِيًّا ببَلَده، وأمَّا ابْنِ السَّبِيلِ، فهو المسافِرُ، وإِن كان غنيًّا ببلده، وسمي المُسَافِرِ ابْنَ السبيلِ لملازمته السبيلِ.

ومَنِ ادعى الفقْر صُدِّق إِلاَّ لريبة فيكلَّف حينئذٍ/ البيِّنة، وأمَّا إِن ادعى أنه غارمٌ أو ابن السبيل أو غازٍ، ونحو ذلك مما لا يُعْلَم إِلا منه، فلا يعطَى إِلا ببينة، وأهلُ بلد الصَّدقة أَحقُّ بها إِلا أن تَفْضُل فضلةٌ، فتنقل إِلى غيرهم.

قال ابنُ حَبِيب: وينبغي للإِمام أن يأمِر السُّعَاة بتَفْريقها في المواضِعِ التي جُبِيَتْ فيها، ولا يحمل منها شيْءٌ إِلى الإِمام، وفي الحديثِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» «١» .

وقوله سبحانه: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ: أي: موجبةً محدودةً.

وقوله سبحانه: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: أي: ومن المنافقين، ويُؤْذُونَ: لفظ يعمّ أنواع إذاءتهم له صلّى الله عليه وسلّم، وخص بعد ذلك مِنْ قولهم: هُوَ أُذُنٌ، وروي أن قائل هذه المقالة نَبْتَلُ بْنُ الحارثِ، وكان من مَرَدَةِ المنافقين، وفيه قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلِ بْنِ الحَارِثِ» «١» ، وكان ثائر الرأس، منتفشَ الشَّعْر، أحمر العينَيْن، أسْفَع الخدَّيْن، مشوَّهاً.

قال الحسن البصريُّ ومجاهد: قولهم: هُوَ أُذُنٌ: أي: يسمع معاذيرنا ويقبلها «٢» ، أي: فنحن لا نُبَالِي من الوقوع فيه، وهذا تنقُّص بقلَّة الحزم، وقال ابن عبَّاس وغيره: إِنهم أرادوا بقولهم: هُوَ أُذُنٌ: أي: يسمع كلَّ ما ينقَلُ إِليهِ عنا، ويصغَي إِليه «٣» ويقبله، فهذا تَشَكٍّ منه عليه السلام، ومعنى أُذُنٌ: سماع، وهذا من باب تسمية الشيْء بالشيء، إِذا كان منْهُ بسبب كما يقال للرؤية: عيْن وكما يقال للمسنَّة من الإِبل التي قد بَزَلَ نابها:

نَاب.

وقيل: معنى الكلامِ: ذو أُذُنٍ، أَي: ذو سماع، وقيل: إِنه مشتقٌّ من قولهم: أَذِنَ إِلَى شَيْءٍ إِذا استمع ومنه قول الشاعر: [البسيط]

صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه ...

وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا

وقرأ نافع: «أذن» - بسكون الذال فيهما-، وقرأ الباقون «٤» بضمِّها فيهما، وكلُّهم قرأ بالإِضافة إِلى «خير» إِلا ما رُوِيَ عن عاصمٍ، وقرأ الحسن «٥» وغيره: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ» - بتنوين

«أُذن» ، ورفع «خير» -، وهذا جار على تأويله المتقدِّم، والمعنى: من يقبل معاذيركم خيرٌ لكم، ورُوِيَتْ هذه القراءة عن عاصمٍ، ومعنى «أذن خيرٍ» على الإِضافة: أي سَمَاعُ خيرٍ وحقٍّ، ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ: معناه: يصدِّق باللَّه، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: قيل: معناه: ويصدِّق المؤمنين، واللام زائدة، وقيل: يقال: آمَنْتُ لك، بمعنى: صدَّقتك ومنه: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف: ١٧] .

قال ع «١» : وعندي أن هذه التي معها اللامُ في ضِمْنها بَاءٌ، فالمعنَى: ويصدِّق للمؤمنين بما يخبرونه به، وكذلك قوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بِمَا نَقُوله.

ت: ولما كانَتْ أخبار المنافقين تصلُ إِلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تارةً بإِخبار اللَّه له، وتارةً بإِخبار المؤمنين، وهم عدولٌ، ناسب اتصال قوله سبحانه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ بما قبله، ويكون التصديقُ هنا خاصًّا بهذه القضيَّة، وإِن كان ظاهر اللفظ عامّا إذ من المعلوم أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يَزَلْ مصدِّقاً باللَّه، وقرأ جميع السبعة إِلاَّ حمزة و «رَحْمَةٌ» - بالرفع- عطفاً على «أُذُن» ، وقرأ حمزة وحْده: و «رَحْمَةٍ» - بالخفض- عطفاً على «خَيْرٍ» ، وخصَّص الرحمة للذين آمنوا إِذ هم الذين فازوا ونَجْوا بالرسول عليه السلام، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ: يعني: المنافقين.

وقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ: التقدير عند سيبَوَيْهِ: واللَّه أحقُّ أَن يرضوه، ورسوله أحَقُّ أن يرضُوه، فحذف الخَبَر من الجملة الأولَى، لدلالة الثانية عليه.

وقيل: الضمير في «يرضوه» عائدٌ على المذكور كما قال رُؤْبَةُ: [الرجز]

فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ...

كَأَنَّهُ فِي الجلد توليع البهق «٢»

أي: كأنّ المذكور.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ.

والثّانِي: بِتَرْكِ الطَّعْنِ والعَيْبِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: "يُرْضُوهُ" ولَمْ يَقُلْ: يُرْضَوْهُما؟

فَقَدْ شَرَحْنا هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنٌ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، و"يُؤْذُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ ويَقُولُونَهُ في جِهَةِ رَسُولِ اللهِ  مِنَ الأذى، وخَصَّ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن قَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ"، ورُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ وكانَ مِن مَرَدَةِ المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  : « "مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَيْطانِ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلَ بْنِ الحارِثِ» "، وكانَ ثائِرَ الرَأْسِ، مُنْتَفِشَ الشَعْرَةِ، أحْمَرَ العَيْنَيْنِ، أسْفَعَ الخَدَّيْنِ، مُشَوَّهًا.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ومُجاهِدٍ أنَّهُما تَأوَّلا أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ" أنَّهُ يَسْمَعُ مِنّا مَعاذِيرَنا وتَنَصُّلَنا ويَقْبَلُهُ، أيْ: فَنَحْنُ لا نُبالِي عن أذاهُ، ولا الوُقُوعِ فِيهِ إذْ هو سَمّاعٌ لِكُلِّ ما يُقالُ مِنِ اعْتِذارٍ ونَحْوِهِ، فَهَذا تَنَقُّصٌ بِقِلَّةِ الحَزامَةِ والِانْخِداعِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٍ مَعَهُ أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ" أنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُنْقَلُ إلَيْهِ عَنّا ويُصْغِي إلَيْهِ ويَقْبَلُهُ، فَهَذا تَشَكُّكٌ مِنهُ ووَصْفٌ بِأنَّهُ تَسُوغُ عِنْدَهُ الأباطِيلُ والنَمائِمُ.

ومَعْنى "أُذُنٌ" سَمّاعٌ، ويُسَمّى الرَجُلُ السَمّاعُ لِكُلِّ قَوْلٍ أُذُنًا إذا كَثُرَ مِنهُ اسْتِعْمالُ الأُذُنِ، فَهَذِهِ تَسْمِيَةُ الشَيْءِ بِالشَيْءِ إذا كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ، كَما يُقالُ لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وكَما يُقالُ لِلسَّمِينَةِ مِنَ الإبِلِ الَّتِي قَدْ بَزَلَ نابُها: نابَ، وقِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: ذُو أُذُنٍ، أيْ: ذُو سَماعٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "أُذُنٌ" مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: "أذِنَ لِلشَّيْءِ" إذا اسْتَمَعَ، كَما قالَ الشاعِرُ وهو عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ: أيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ ∗∗∗ إنَّ هَمِّي في سَماعِ وأذَنْ وفِي التَنْزِيلِ: ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ  ﴾ ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  : « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: في سَماعٍ يَأْذَنُ الشَيْخُ لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وحَدِيثٍ مِثْلَ ماذِيٍّ مُشارِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا وقَرَأ نافِعٌ "أُذْنٌ" بِسُكُونِ الذالِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ: "أُذُنٌ" بِضَمِّ الذالِ فِيهِما، وكُلُّهم قَرَأ بِالإضافَةِ إلى "خَيْرٍ" إلّا ما رُوِيَ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى بِخِلافٍ- "أُذُنٌ خَيْرٌ" بِرَفْعِ "خَيْرٌ" وتَنْوِينِ "أُذُنٌ"، وهَذا يَجْرِي مَعَ تَأْوِيلِ الحَسَنِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، أيْ: مَن يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم خَيْرٌ لَكُمْ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن عاصِمٍ، ومَعْنى "أُذُنُ خَيْرٍ" عَلى الإضافَةِ، أيْ سَمّاعُ خَيْرٍ وحَقٍّ.

و ﴿ يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ مَعْناهُ: يُصَدِّقُ بِاللهِ، و( يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) قِيلَ: مَعْناهُ: ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ، واللامُ زائِدَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ ، وقالَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الفِعْلِ كَأنَّهُ قالَ: وإيمانُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ تَصْدِيقُهُ، ويُقالُ: "آمَنتُ لَكَ" بِمَعْنى صَدَّقْتُكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الَّتِي مَعَها اللامُ في ضِمْنِها باءٌ، فالمَعْنى: ويُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يُخْبِرُونَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ: وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بِما نَقُولُهُ لَكَ، واللهُ المُسْتَعانَ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ إلّا حَمْزَةَ: "وَرَحْمَةٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "أُذُنٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَرَحْمَةٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "خَيْرٍ"، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ، والأعْمَشِ، وخَصَّصَ الرَحْمَةَ لِلَّذِينَ آمَنُوا إذْ هُمُ الَّذِينَ نَجَوْا بِالرَسُولِ وفازُوا بِهِ، ثُمَّ أوجَبَ تَبارَكَ وتَعالى لِلَّذِينِ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ العَذابَ الألِيمَ وحَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِها جَمِيعُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ لِرَسُولِ اللهِ  ولِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم مِنهم في الدِينِ، وأنَّهم مَعَهم في كُلِّ أمْرٍ وكُلِّ حِزْبٍ، وهم في ذَلِكَ يُبْطِنُونَ النِفاقَ ويَتَرَبَّصُونَ الدَوائِرَ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ، وقَدْ رَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: « "إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَأنا شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ"، فَبَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ اللهِ  فَدَعاهُ ووَقَفَ عَلى قَوْلِهِ ووَبَّخَهُ، فَحَلَفَ مُجْتَهِدًا أنَّهُ ما فَعَلَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقَوْلُهُ: "واللهُ".

مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: واللهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْـ ∗∗∗ ∗∗∗ دَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفٌ وَمَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: واللهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ، قالَ: وكانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُجْمَعَ الرَسُولُ مَعَ اللهِ في ضَمِيرٍ، حَكاهُ النَقّاشُ عنهُ، ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، وفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ: "مَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى"» فَجَمَعَ في ضَمِيرٍ، وقَوْلُهُ  في الحَدِيثِ الآخَرِ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» إنَّما ذَلِكَ وقَفَ عَلى "وَمَن يَعْصِهِما" فَأدْخَلَ العاصِيَ في الرَشَدِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في "يُرْضُوهُ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ كَما قالَ رُؤْبَةُ:.

فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: عَلى قَوْلِهِمْ ودَعْواهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الآيَةُ، قَوْلُهُ: "ألَمْ" تَقْرِيرٌ ووَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ألَمْ تَعْلَمْ" عَلى خِطابِ النَبِيِّ  ، وهو وعِيدٌ لَهُمْ، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ: "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتاءِ، و"يُحادِدْ" مَعْناهُ: يُخالِفُ ويُشاقُّ، وهو أنْ يُعْطِيَ هَذا حَدَّهُ لِهَذا وهَذا حَدَّهُ لِهَذا، وقالَ الزَجّاجُ: هو أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ وهَذا في حَدٍّ.

وقَوْلُهُ: "فَأنَّ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأولى، وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ الشَيْءَ لا يُبْدَلُ مِنهُ حَتّى يُسْتَوْفى، والأُولى في هَذا المَوْضِعِ لَمْ يَأْتِ خَبَرُها بَعْدَ إذْ لَمْ يَتِمَّ جَوابُ الشَرْطِ، وتِلْكَ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ، وأيْضًا فَإنَّ الفاءَ تُمانِعُ البَدَلَ، وأيْضًا فَهي في مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الأوَّلِ فَيُقْلِقُ البَدَلُ، وإذا تُلُطِّفَ لِلْبَدَلِ فَهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، وقالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ: هي مُجَرَّدَةٌ لِتَأْكِيدِ الأُولى، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هي في مَوْضِعِ خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: "فَواجِبٌ أنَّ لَهُ"، وقِيلَ: المَعْنى: "فَلَهُ أنَّ لَهُ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ واجِبٌ"، وهَذا مَرْدُودٌ لِأنَّ الِابْتِداءَ بِـ "أنَّ" لا يَجُوزُ مَعَ إضْمارِ الخَبَرِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وحُكِيَ عن أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ قَوْلٌ يَقْرُبُ مَعْناهُ مِن مَعْنى القَوْلِ الثالِثِ مِن هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنا لا أقِفُ الآنَ عَلى لَفْظِهِ، وجَمِيعُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ "أنَّ" الثانِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ أنَّهُ اخْتارَ في قِراءَتِها كَسْرَ الألِفِ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّها قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، ووَجْهُهُ في العَرَبِيَّةِ قَوِيٌّ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي القَطْعَ والِاسْتِئْنافَ، ولِأنَّهُ يَصْلُحُ في مَوْضِعِها الِاسْمُ ويَصْلُحُ الفِعْلُ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ وجَبَ كَسْرُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عدل عن أسلوب الحكاية عنهم بكلمة ومنهم، لأنّ ما حكي هنا حال من أحوال جميعهم.

فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، لإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنّ المنافقين يحلفون الأيمَان الكاذبة، فلا تغرّهم أيمانهم، فضمير يحلفون عائد إلى الذين يؤذون النبي.

والمراد: الحلف الكاذب، بقرينة قوله: ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ ، أي بتركهم الأمور التي حلفوا لأجلها، على أنّه قد عُلِم أنّ أيمانهم كاذبة ممّا تقدّم في قوله: ﴿ وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ﴾ [التوبة: 42].

فكاف الخطاب للمسلمين، وذلك يدلّ على أنّ المنافقين يحلفون على التبرّئي، ممّا يبلغ المسلمين من أقوالهم المؤذية للرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك يغيظ المسلمين وينكرهم عليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يغضي عن ذلك، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ أي أحقّ منكم بأن يرضوهما، وسيأتي تعليل أحقّيّة الله ورسوله بأن يرضوهما في الآية التي بعدها فإرضاء الله بالإيمان به وبرسوله وتعظيممِ رسوله، وإرضاءُ الرسول بتصديقه ومحبّته وإكرامه.

وإنّما أفرد الضمير في قوله: ﴿ أن يرضوه ﴾ مع أنّ المعاد اثنان لأنّه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير: واللَّهُ أحقّ أن يرضوه ورسولُه كذلك، فيكون الكلام جملتين ثانيتهما كالاحتراس وحذفُ الخبر إيجاز.

ومن نكتة ذلك الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين، ومنه قول ضابئ بن الحارث: ومَن يك أمسَى بالمدينة رَحْلُه *** فإنِّي وقيَّارٌ بهَا لَغَرِيب التقدير: فإنّي لغريبٌ وقيارٌ بها غَريب أيضاً.

لأنّ إحدى الغربتين مخالفة لأخراهما.

والضمير المنصوب في ﴿ يرضوه ﴾ عائد إلى اسم الجلالة، لأنّه الأهمّ في الخبر، ولذلك ابتدئ به، ألا ترى أنّ بيت ضابئ قد جاء في خبره المذكور لام الابتداء الذي هو من علائق (إنّ) الكائنة في الجملة الأولى، دون الجملة الثانية، وهذا الاستعمال هو الغالب.

وشرط ﴿ إن كانوا مؤمنين ﴾ ، مستعمل للحثّ والتوقّع لإيمانهم، لأنّ ما حكي عنهم من الأحوال لا يبقى معه احتمال في إيمانهم، فاستعمل الشرط للتّوقع وللحثّ على الإيمان.

وفيه أيضاً تسجيل عليهم، إن أعادوا مثل صنيعهم، بأنّهم كافرون باللَّه ورسوله، وفيه تعليم للمؤمنين وتحذير من غضب الله ورسوله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يُخالِفُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: مُجاوَزَةُ حُدُودِها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والثّالِثُ: أنَّها مُعاداتُها مَأْخُوذٌ مِن حَدِيدِ السِّلاحِ لِاسْتِعْمالِهِ في المُعاداةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ﴾ وهَذا وعِيدٌ، وإنَّما سُمِّيَتِ النّارُ جَهَنَّمَ مِن قَوْلِ العَرَبِ بِئْرٌ جِهْنامٌ إذا كانَتْ بَعِيدَةَ القَعْرِ، فَسُمِّيَتْ نارُ الآخِرَةِ جَهَنَّمَ لِبُعْدِ قَعْرِها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: «ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقاً لهم أشر من حمير.

فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار.

فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: ما حملك على الذي قلت؟

فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه.

مثله، وسمى الرجم المسلم عامر بن قيس من الأنصار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ أي يحلف هؤلاء المنافقون فيما بلغكم عنهم من أذى رسول الله -  - والطعن عليه أنهم بما أتوا ذلك، قال الزجاج: (حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا المؤمنين بيمينهم) (١) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ ولم يقل: يرضوهما لأن المعنى يدل عليه، فحذف استخفافًا؛ لأن رضا الرسول  برضا الله -عز وجل-.

وهذه المسألة قد مضت عند قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ  ﴾ وفي (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ، قال الزجاج: (أي إن كانوا على ما يظهرون، فكان (٤)  - فيكونوا بقبولهم (٥) (٦) (٧) (٨) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 458 مع تصرف يسير.

(٢) ساقط من (ى).

(٣) انظر مثلاً: تفسير الآية: 20، والآية: 24 من سورة الأنفال.

(٤) ساقط من (م).

(٥) في (ى): (بقولهم)، وفي "معاني القرآن وإعرابه": بتوليهم النبي.

(٦) في (ى): (المؤمنين)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه".

(٧) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 458.

(٨) في (ى): (المبعوث من رب العباد).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ يعني المنافقين ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ تقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فهما جملتان حذف الضمير من الثانية لدلالة الأولى عليها، وقيل: إنما وحد الضمير لأن رضا الله ورسوله واحد ﴿ مَن يُحَادِدِ الله ﴾ يعني من يعادي ويخالف ﴿ فَأَنَّ لَهُ ﴾ إن هنا مكررة تأكيداً للأولى، وقيل: بدل منها، وقيل التقدير فواجب أن له، فهي في موضع خبر مبتدأ محذوف ﴿ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ يعني في شأنهم سورة على النبي صلى الله عليه وسلم، والضمائر في عليهم وتنبئهم وقلوبهم تعود على المنافقين، وقال الزمخشري: إن الضمير في عليهم وتنبئهم للمؤمنين، وفي قلوبهم للمنافقين، والأول أظهر ﴿ قُلِ استهزءوا ﴾ تهديد ﴿ إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ صنع ذلك بهم في هذه السورة، لأنها فضحتهم ﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ نزلت في وديعة بن ثابت بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هذا يريد أن يفتح قصور الشام هيهات هيهات، فسأله عن ذلك فقال: إنما كنا نخوض ونلعب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أذن خير ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين: الأعشى والمفضل.

الباقون: بالإضافة.

﴿ ورحمة ﴾ بالجر: حمزة الآخرون: بالرفع ﴿ ألم تعلموا ﴾ بتاء الخطاب: جبلة عن المفضل الباقون: بياء الغيبة ﴿ إن نعف ﴾ ﴿ نعذب ﴾ كلاهما بالنون ونصب ﴿ طائفة ﴾ عاصم غير المفضل.

الباقون: على البناء للمفعول بياء الغيبة في الأول، وبتاء التأنيث في التالي.

الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط أي فرض الله ﴿ فريضة من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ هو أذن ﴾ ط ﴿ آمنوا منكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ليرضوكم ﴾ ط لاحتمال الواو الحال أو الاستئناف.

﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ بما في قلوبهم ﴾ ط ﴿ استهزؤا ﴾ ط لاحتمال الهمزة في "إن" للتعليل ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ ونلعب ﴾ ط ﴿ تستهزؤون ﴾ ه ﴿ بعد إيمانكم ﴾ ط ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ من بعض ﴾ ط كيلا تصير الجملة صفة لبعض المنافقين وهي صفة لكلهم ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ فنسيهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ حسبهم ﴾ ط لاختلاف النظم مع اتحاد المقصود في إتمام الجزاء ﴿ ولعنهم الله ﴾ ج لذلك ﴿ مقيم ﴾ ه لا بناء على تعلق الكاف ﴿ وأولاداً ﴾ ط ﴿ خاضوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ الخاسرون ﴾ ه.

التفسير: إن المنافقين لما لمزوا الرسول  في قسمة الصدقات بيَّن لهم الله  مصرفها كيلا يبقى لهم طعن إذا وجدوا فعله موافقاً لحكم الله فقال ﴿ إنما الصدقات ﴾ الآية.

وفي تصدير الكلام بإنما دلالة على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا لهؤلاء، ويؤيده ما روي أنه  قال لرجل: "إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق.

وإلا فهو صداع في الرأس وداء في البطن" .

ولنتكلم في تعريف هؤلا الأصناف.

فالأول والثاني: الفقراء والمساكين.

ولا شك أن كلاً من الصنفين محتاجون لا يفي دخلهم بخرجهم إنما الكلام في أنهما متساوياً الدلالة أو أحدهما أسوأ حالاً.

فعن أبي يوسف ومحمد والجبائي أنهما واحد حتى لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين بمال كان لزيد النصف لا الثلث.

قال الجبائي: إنه  ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في الصدقات.

والفائدة فيه أن أصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم.

وعند الشافعي الفقير أسوأ حالاً لأنه  أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجاتهم فالذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم، ومما يدل على إشعار الفقر بالشدّة العظيمة قوله  ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة  ﴾ جعل الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي.

وروي أنه  كان يتعوذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في قوله "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" فكأنه سأل توسط الحال، ولهذا لما توفي رسول الله  ترك أشياء معلومة مع أنه  أجاب دعاءه ظاهراً فأماته مسكيناً.

وتقييده تعالى المسكين بقوله ﴿ ذا متربة  ﴾ يدل على أن المسكين قد لا يكون كذلك، وقال  ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين  ﴾ وكان ابن عباس يفسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً كأهل الصفة، والمسكين بأنه الطوَّاف الذي يسأل الناس.

والغالب أنه يحصل له منهم شيء وقريب منه قول من قال سمي مسكيناً لأنه الدائم السكون إلى الناس.

ولما كان المسكين هو السائل لما قلنا فالمحرم في قوله  ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم  ﴾ هو الفقير صاحب الحرمان.

واتفق الناس على أن الفقير ضد الغني ولم يقل أحد أن الغنى والمسكنة ضدان فلعل الترفع هو ضد التمسكن.

وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالاً لقوله  ﴿ أو مسكيناً ذا متربة  ﴾ وقد تقدم الكلام عليه ولأنه  جعل الكفارات من الأطعمة ولا فاقة أعظم من الجوع ونقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل والمسكين هو الذي لا شيء له، وقال يونس: قلت لأعرابي، أفقير أنت؟

قال: لا والله بل مسكين.

وقيل: سمي مسكيناً لأنه يسكن حيث يحضر لأجل أنه لا بيت له ولا منزل.

وأجيب بأنه تعالى جعل الكفارة للمسكين ذي المتربة وهو الفقير بعينه وإنما النزاع في المسكين المطلق والروايات معارضة بأمثالها والله أعلم.

الصنف الثالث: العاملون على الصدقات وهم السعاة الجباة للصدقة.

قال ابن عمر وابن الزبير والشافعي: يعطى هؤلاء أجور أمثالهم لأنها أجرة للعمل.

وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات لأنهم صنف من الثمانية، والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات لأن رسول الله  أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم.

وفائدة التعدية بعلى التسليط والولاية.

يقال: فلان على بلدة كذا إذا كان والياً عليها.

واختلفوا في أن الإمام هل له حق لأنه هو العامل في الحقيقة أو لا حق له لخروجه عن الأصناف؟

والجمهور على أن العامل يأخذ نصيبه وإن كان غنياً لأن ذلك أجرة عمله.

وعن الحسن أنه لا يأخذ إلا مع الحاجة.

الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم.

عن ابن عباس هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله  يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل.

قال العلماء: لعل مراد ابن عباس إنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة وإلا فلم يكن ما أعطاهم من الصدقات.

ويروى أن أبا بكر الصديق أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة.

والذي استقر عليه رأى الأئمة أن المؤلفة ثلاثة أقسام: ضعيف النية في الإسلام، وشريف بإعطائه يتوقع سلام نظرائه، والمتألف على جهاد من يليهم من الكفار ومانعي الزكاة حيث يكون ذلك أهون للإمام من بعث جيش يعطى كل واحد ما رأى الإمام باجتهاده، هذا كله إذا كانوا مسلمين، فأما الكفار الذين يميلون إلى الإسلام فيرغبون فيه بإعطاء مال، والذين يخاف شرهم فيتألفون لدفع الشر بمال فلا يعطون شيئاً من الزكاة، وكان النبي  يعطيهم من خمس الخمس والآن لا يعطون أصلاً لقوة الإسلام والاستغناء عن تألفهم ولأنه ليس في الآية دلالة على أن المؤلفة يجوز أن يكونوا من الكفار فلا ينبغي أن يقال إن حكم الآية منسوخ، الصنف الخامس قوله وفي الرقاب.

قال الزجاج: تقديره وفي فك الرقاب، وللأئمة في تفسيره أقوال؛ فعن ابن عباس أنهم المكاتبون وهو مذهب الشافعي قال: إذا عجزوا عن أداء النجوم بأن يكون لهم شيء أو لا يفي ما في أيديهم بنجومهم صرف إليهم أو إلى سيدهم بإذنهم ما يعينهم على العتق.

وقال مالك وأحمد وإسحاق: المراد أنه يشتري به عبيد فيعتقون.

وعن أبي حنيفة وأصحابه.

وهو قول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه.

وقال الزهري: سهم الرقاب نصفه للمكاتبين المسلمين ونصفه يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون.

قال المفسرون: إنما عدل عن اللام إلى "في" لأن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة.

ففي الرقاب يوضع نصيبهم في تخليص رقابهم عن الرق أو الأسر ولا يدفع إليهم، وفي الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاج إليه في الغزو، وفي ابن السبيل كذلك يصرف إلى ما يبلغه المقصد.

وقال في الكشاف: إنما عدل للإيذان بأنهم أرسخ في استحاق التصديق عليهم ممن سبق لأن "في" للوعاء فنبه به على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مصباً للصدقات.

وتكرير "في" في قوله ﴿ وفي سبيل الله وابن السبيل ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين الصنف السادس الغارمون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يستحق وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً لازماً.

وفلان مغرم بالنساء، وسمي الدين غرماً لأنه شاق لازم.

فالغارمون المديونون والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية لأن المعصية لا تستوجب الإعانة وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية سواء حصل بسبب نفقات ضرورية أو لإصلاح ذات البين.

وإن كان متمولاً أو للضمان إن أعسر هو والأصيل وكل داخل في الآية.

روى الأصم في تفسيره أنه  لمّا قضى بالغرة في جنين قالت العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمد ابن مالك: أعنهم بغرة من صدقاتهم، وكان حمد على الصدقة يومئذ.

وإنما يعطى الغارم قدر دينه إن لم يقدر على شيء وإن قدر على بعض أعطى الباقي.

الصنف السابع قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ يعني الغزاة.

قالالشافعي: يجوز له أن يأخذ من مال الصدقات وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد.

وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً وظاهر لفظ الآية لا يوجب القصر على الغزاة فلهذا نقل القفال عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقة إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن كلها في سبيل الله.

الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر لا لأجل معصية، يعطى ما يبلغه المقصد أو موضع ماله إن كان له في الطريق مال.

قال الشافعي: ويدخل في المسافر الشاخص من وطنه أو من بلد كان مقيماً به منشئاً للسفر والغريب المجتاز ببلدنا والله أعلم.

ولنذكر طرفاً من أحكام هذه الأصناف: الحكم الأول: اتفقوا على دخول الزكاة الواجبة في قوله ﴿ إنما الصدقات ﴾ لقوله في موضع آخر ﴿ خذ من أموالهم صدقة  ﴾ ولقوله  : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" واختلفوا في الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل، والفائدة أن تعلم أن مصارف جميع الصدقات ليست إلا هؤلاء الأصناف، والأقرب اختصاص الآية بالواجبة لدخول لام التمليك في الأصناف، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة ولأن الآية تدل على الحصر في الأصناف الثمانية والصدقة المندوبة يجوز صرفها إلى وجوه أخر كالمساجد والمدارس وتجهيز الموتى، ولأن الصدقات تنصرف إلى معهود سابق وهو الصدقات الواجبة في قوله ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ .

الحكم الثاني: في الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه لأنه تعالى جعل للعاملين سهماً منها.

والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر كقوله ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم  ﴾ وإذا كان حقاً لهما وجب أن يجوز دفعه إليهما ابتداء، وإذا كان الإمام جائراً فالتفريق بنفسه أفضل.

الحكم الثالث: مذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية والنخعي، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية فلا يلزم أن يكون كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلاً موزعاً على كل واحد منهم، ولأن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً فأخرج نصف دينار لو كلفناه أن يقسمه على أربعة وعشرين لدفع كل ثلاثة منها إلى ثلاثة من كل صنف صار كل قسم حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر.

وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي.

وقال الشافعي: لا بد من صرفها، إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز.

واحتجوا عليه بأن الله  ذكر هذه القسمة في نص الكتاب ثم أكدها بقوله ﴿ فريضة من الله ﴾ وهو في معنى المصدر المؤكد لأن قوله ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ في قوة قوله فرض الله الصدقات لهم، وهذا كالزجر عن مخالفة من الآية.

وعن النبي  "إن الله تبارك وتعالى لم يرض بقسمة ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه" .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم ﴾ أي بتقدير الأنصباء والمصالح ﴿ حكيم ﴾ لا يفعل إلا ما هو الأصوب والأصلح وكل هذه المؤكدات دليل على وجوب الاحتياط في صرف الزكاة، ومن ههنا قال الشافعي: لا بد في كل صنف من ثلاثة لأنه  ذكر أكثر الأصناف بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين غرم للثالثأقل متمول على الأقيس لا الثلث، لأن التفضيل في أفراد الصنف جائز للمالك لأن العدد من كل صنف غير محصور فيصعب اعتبار التسوية بخلاف التسوية بين الأصناف لأنهم محصورون فتسهل التسوية بينهم.

الحكم الرابع: العامل والمؤلفة قلوبهم مفقودان في زماننا فبقي أن تصرف الزكاة إلى الأصناف الستة الباقية كما لو فقد بعض الأصناف في بلد فإنه يصرف إلى الباقين، ولا يؤمر بالنقل إلى بلد وجدوا فيه جميعاً والأحوط رعاية التسوية بينهم على ما يقوله الشافعي، أما إذا لم يفعل ذلك فإنها مجزئه عند سائر الأئمة.

أما الحكمة في إيجاب الزكاة فهو أن المال محبوب بالطبع لأن القدرة من صفات الكمال والمال سبب.

لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسراً للنفس ومنعاً من انصبابها بالكلية إليه.

فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب وهو المراد من قوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ﴾ أي عن دنس الاستغراق في حب المال.

وأيضاً إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة فتصير المسألة دورية لا مقطع لها ولا آخر فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويفضي في الأغلب إلى الطغيان وقساوة القلب.

وأيضاً النفس الناطقة لها قوتان: نظرية وكمالها في التعظيم لأمر الله، وعملية وكمالها في الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليتصف جوهر الروح بهذا الكمال ويصير بسبب ذلك محسناً إلى الخلق، وإذا أحسن إليهم أمدوه بالدعاء والهمة.

وأيضاً المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه وهو غاد ورائح سريع الزوال مشرف على التلف والبوار، فإذا أنفقه لوجه الله بقي بقاء لا يمكن زواله.

وفي إنفاق المال تشبه بالمجردات والمفارقات وليس الغنى إلا عن الشيء لا به لأن الاستغناء عن الشيء صفة الحق والاستغناء بالشيء صفة المخلوقين العاجزين، ففي الأمر بالزكاة نقل للإنسان من درجة أدنى إلى درجة أعلى.

وأيضاً للإنسان روح وبدن ومال فإذا بذلك الروح في الاستغراق في بحار معرفة الله، وبذل البدن في العبودية لله والصلاة له فكيف يليق به أن لا يبذل المال في ابتغاء مرضاته؟!

وأيضاً إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضر إنسان آخر محتاج فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال، أما في حق المالك فهو أنه سعى اكتسابه وتحصيله وتعلق قلبه به، وأما في حق الفقير فلاحتياجه الموجب للتعلق به فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت حكمة الشارع رعاية كل منهما بقدر الإمكان.

ورجح جانب المالك لأن له حق الاكتساب وحق التعلق فأبقى عليه الكثير وأمر بصرف جزء يسير إلى الفقير توفيقاً بين الأمرين وجمعاً بين المصلحتين مع رعاية المال عن التعطيل فلا معطل في الوجود.

وأيضاً الأغنياء خزان الله لأن المال مال الله وهم عبيده ولولا أنه ألقاها في أيديهم لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل لا يملك ملء بطنه، وكم من غافل تأتيه الدنيا عفواً صفواً.

وليس بمستبعد أن يقول الملك لخزّانه اصرفوا طائفة من مال خزانتي إلى المحتاجين من عبيدي.

وأيضاً إن الأغنياء لو لم يلزموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملتهم شدة الحاجة على تحصيل المال من وجوه منكرة كالسرقة ونحوها أو على الالتحاق بأعداء المسلمين.

وقال  "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" وكأن  يقول للغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان المال فتصير من الصابرين، ويقول للفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ولكني أوجبت على الغني أن يصرف إليك طائفة من المال لتشكرني فتكون من الشاكرين.

وأيضاً أراد الله  أن يكون الغني منعماً على الفقير بما يؤديه إليه ويكون الفقير منعماً على الغني بما قبله منه ليحصل الخلاص في الدنيا من الذم والعار وفي الآخرة من عذاب النار.

ثم حكى نوعاً من فضائح المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون لرسول الله  على وجه الطعن والذم ﴿ هو أذن ﴾ عن ابن عباس كانوا يؤذون النبي  ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فنحلف له.

فقال الجلاس بن سويد، نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية.

وقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان رجلاً أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه النبي  "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث" وكان ينم حديث النبي صل الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدّقنا.

وقال السدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي  وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وإنكم لشر من الحمير، ثم أتى النبي  فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامراً كاذب وحلف عامر أنهم كذبة.

وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق من كذب الكاذب فنزلت الآيتان.

قال علماء اللغة: الأذن الرجل الذي يصدق بكل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأنه جملته أذن سامعة ومثله قولهم للربيئة عين.

وفسر إيذاءهم النبي  بأنهم يقولون له أذن وذلك أنهم قصدوا به المذمة وأنه ليس ذا ذكاء ولا بعيد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع.

ويجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول أي يؤذونه بالغيبة والنميمة وسائر أنواع الأذية ويقولون في وجه الاعتذار عن ذلك هو أذن يقبل كل ما يسمع، فنحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا فيرضى، ثم إنه  أجاب عن قولهم فقال ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ بالإضافة كقولهم: رجل صدق يريدون الجودة والصلاح.

ومجوز الإضافة هو الملابسة كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن إذ أريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بإذن في غير ذلك ويؤيده قراءة حمزة ﴿ رحمة ﴾ بالجر عطفاً عليه عطف الخاص على العام أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع ولا يقبل غيرهما.

ثم بين كونه أذن خير بأنه ﴿ يؤمن بالله ﴾ أي يقرّ به ويعترف بوحدانيته لما قام عنده من الأدلة ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ يسلم لهم قولهم لوثوقه بقولهم وعلمه بإخلاصهم لا لكونه من أهل الغرة والبله ﴿ و ﴾ هو ﴿ رحمة للذين آمنوا منكم ﴾ باللسان دون الجنان لأنه يجري أمركم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم فإن الله هو الذي يتولى السرائر ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ﴾ وأما من قرأ ﴿ أذن خير ﴾ بالرفع فيهما فعلى أن الإذن خبر مبتدأ محذوف و ﴿ خير ﴾ كذلك أي هو أذن هو خير.

والمعنى هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم لأنه يقبل معاذيركم ويتغافل عن جهالاتكم فتحفظ بذلك دماؤكم وأموالكم.

وقيل: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد.

ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن وهو قوله ﴿ يؤمن بالله ﴾ إلى آخره.

ووجه ثالث ذكره صاحب النظم واستحسنه الواحدي وهو أن قوله ﴿ أذن ﴾ وإن كان رافعاً في الظاهر لكنه نصب في الحقيقة على الحال وتأويله: قل هو أذنا خير لكم.

ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ أي كان من الواجب أن يرضوا الله  بالإخلاص والتوبة لا بإظهار ما يستسرون خلافه.

وإنما لم يقل يرضوهما تعظيماً لله بالإفراد بالذكر، أو المراد والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، أو وقع الاكتفاء بذكر الله لأن رضا الله ورضا رسوله شيء واحد كما يقال إحسان زيد وإجماله بعثني ومعني ﴿ إن كانوا مؤمنين ﴾ أي بزعمهم.

ثم وبخهم بقوله ﴿ ألم يعلموا ﴾ وذلك أنه يقال ذلك لمن تتولع في تعليمه مدة ثم لم يظهر عليه أثر العلم والرشد، وكان النبي  طال مكثه فيهم وكثر تحذيره عن المعصية وترغيبه في الطاعة.

والضمير في قوله ﴿ أنه ﴾ للشأن وفائدته مزيد التعظيم والتهويل.

والمحادة المخالفة لأن كلاً منهما في حد غير حد صاحبه كالمشاقة لأن كلاً منهما في شق آخر.

وقال أبو مسلم: هي من الحديد حديد السلاح.

ثم ذكر في الجزاء قوله ﴿ فإن له ﴾ بالفتح أي فحق أن له ﴿ نار جهنم ﴾ وقيل "أن" مكرر للتأكيد والتقدير فله نار جهنم.

وقيل "فإن" معطوف على "أنه" وجواب من محذوف وهو يهلك.

قال الزجاج: يجوز كسر "أن" على الاستئناف بعد الفاء ولكن القراءة بالفتح.

ونقل الكعبي في تفسيره أنه قرىء بالكسر.

قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت إني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء فيفضحنا فأنزل الله  ﴿ يحذر المنافقين ﴾ وقال مجاهد: كانوا يقولون القوم بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا سرنا فنزلت.

والضمير في ﴿ عليهم ﴾ و ﴿ تنبئهم ﴾ للمؤمنين وفي ﴿ قلوبهم ﴾ للمنافقين، ويجوز أن تكون الضمائر كلها للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم وكأنها تخبر عما في بواطنهم وتذيع عليهم أسرارهم.

قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي لأنه غير قائل به؟

وأجيب بأنهم عرفوا ذلك بالتجربة أو كفرهم كان كفر عناد أو كانوا شاكين في صحة نبوته والشاك في أمر خائف من وقوعه، أو هذا الخبر في معنى الأمر أي ليحذر المنافقون: عن أبي مسلم أنهم أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ولهذا أجابهم الله بقوله ﴿ استهزؤا ﴾ وهو أمر تهديد ﴿ إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ مظهر ما تحذرونه من نفاقكم أو محصل إنزال السورة لأن الشيء إذا حصل بعد عدم فكأن فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود.

قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ الآية.

عن ابن عمر أن رجلاً من المنافقين في غزوة تبوك.

ما رأيت مثل هؤلاء الفراء أرغب بطوناً أي أوسع ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله وأصحابه.

فقال واحد من المؤمنين: كذبت وأنت منافق.

ثم ذهب ليخبر رسول الله  فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله  إنا كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله  والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.

والنبي  يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟

ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه.

وقال الحسن وقتادة: بينا رسول الله  يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات.

فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.

قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى أي كنا نخوض في الباطل كما يخوض الركب لقطع الطريق.

ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم ﴿ أبا لله ﴾ أي بتكاليفه أو بأسمائه أو بقدرته حيث استبعدتم إعانته النبي  وأصحابه على فتح قصور الشام ﴿ وآياته ﴾ يعني القرآن ﴿ ورسوله كنتم تستهزؤن ﴾ لم يعبأ باعتذارهم فجعلوا كأنهم معترفون بوقوع الاستهزاء منهم فأوقع الإنكار على الاستهزاء بالله بأن أولى الاستفهام الذي يفيد التقرير المستهزأ به ولم يقل "أتستهزؤن بالله".

ثم قال: ﴿ لا تعتذروا ﴾ نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب أو قطعه من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس.

واعتذرت المياه إذا انقطعت، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع.

والعذر سبب لقطع اللوم، نهاهم الله عن الاعتذار بالخوض واللعب لأن الشيء الذي يوجب الكفر لا يصلح للعذر.

ثم بين ذلك بقوله ﴿ قد كفرتم ﴾ أي صريحاً ﴿ بعد إيمانكم ﴾ أي بعد الإيمان الذي أظهرتموه.

وفيه أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله صريح لأن العمدة الكبرى في الإيمان هو التعظيم لأمر الله ولشرائعه.

﴿ إن نعف عن طائفة منكم ﴾ ذكر المفسرون أنهم كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك الثالث، ولما كان ذنب الضاحك أخف لأنه لم يوافق القوم في الكفر فلا جرم عفا الله عنه.

وفيه إشارة إلى أنه من خاض في عمل باطل فعليه أن يجتهد في التقليل ويحذر من الانهماك فإنه يرجى له ببركة ذلك القليل أن يعفو الله عنه الكل.

قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة لأنها المقدار الذي يمكنه أن يطيف بالشي، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة قال  ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  ﴾ وأقله الواحد.

وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه.

ووجه بأن من اختار مذهباً فإنه ينصره ويذب عنه من كل الجوانب فلا يبعد أن يسمى طائفة بهذا السبب والتاء للمبالغة.

وقال ابن الأنباري: العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقال  ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ يعني نعيم بن مسعود.

ثم علل كونه معذباً للطائفة الثانية ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ أي مصّرين مستمرّين على الجرم، ويجوز أن يكون سبب العفو عن الطائفة الأولى إحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ويجوز أن يراد بالعذاب العذاب العاجل.

ومن قرأ ﴿ أن يعف ﴾ على البناء للمفعول والتذكير فلأنه مستند إلى الظرف كما تقول: سير بالدابة دون سيرت.

وقرىء بالتأنيث ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة.

ثم ذكر جملة أحوال المنافقين.

وأن إناثهم في ذلك كذكورهم فقال ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ أي في صفة النفاق وأريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم ﴿ إنهم لمنكم ﴾ وتقرير قوله ﴿ وما هم منكم ﴾ ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم الحال المؤمنين فقال ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك تكذيب الله ورسوله.

﴿ وينهون عن المعروف ﴾ وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك الإخلاص في الإيمان ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ عن كل خير أو عن كل واجب كصدقة أو زكاة أو اتفاق في سبيل الله، وهذا أولى ليتوجه الذم بتركه.

وقبض الأيدي كناية عن الشح والبخل كبسطها في الكرم والسخاء ﴿ نسوا الله ﴾ أغفلوا أمره وتركوا ذكره وذلك أن النسيان الحقيقي لا يتوجه عليه الذم ﴿ فنسيهم ﴾ جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وهذا على سبيل المزاوجة والطباق.

وإنما جعل النسيان عبارة عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره فدل بذكر الملزوم على اللازم، ثم قال ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ وفيه دليل على أنهم هم الكاملون في الفسق وأن على المسلم أن يتحرز عما يكسبه هذا الاسم.

ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر فقال ﴿ وعد الله ﴾ الآية ومعنى ﴿ خالدين فيها ﴾ مقدرين الخلود فيها قاله في الكشاف ويحتمل أن يراد مستأهلين للخلود ﴿ هي حسبهم ﴾ كافيهم في الجزاء والإيلام ومع ذلك فقد لعنهم الله ليكون العذب مقروناً بالإهانة والطرد ﴿ ولهم عذاب مقيم ﴾ نوع آخر من العذاب الدائم سوى عذاب النار، أو عذاب عاجل لا ينفكون عنه من تعب النفاق والخوف من افتضاحهم.

ثم شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن الخيرات فقال ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم.

فعلى الأول محل الكاف رفع وعلى الثاني نصب.

ثم وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة أي جسامة من هؤلاء المنافقين ﴿ وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ وهو ما خلق للإنسان أي قدر له من خير كما قيل له قسم لأنه قسم ونصيب لأنه نصب أي أثبت.

﴿ فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأوّلين ثالثاً؟

وأجيب بأنه  ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر  هذا الذم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية فيالمبالغة.

قال جار الله: نظيره أن تقول لبعض الظلمة أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب وأنت تفعل مثل فعله.

وأما قوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة.

ومعنى "كالذي" كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج الذي خاضوا.

وقيل: أصله كالذين فحذف النون.

ثم بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال أما في الدنيا فبسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف، وأما في الآخرة فلأنهم هلكوا وبادوا وانتقلوا إلى العقاب الدائم وخسران الدارين.

فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال والفضائح مع ضعف بنيتهم وقلة عددهم وعددهم أولى بخزي الدارين وخسار الأمرين.

التأويل: ﴿ إنما الصدقات ﴾ وهي صدقات مواهب الله كما قال الله  "ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة على من يشاء من عباده الفقراء وهم الأغنياء بالله الذين فنوا عنهم وبقوا به" ﴿ والمساكين ﴾ الذين لهم بقية أوصاف الوجود ألقوا سفينة القلب في بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً  ﴾ ﴿ والعاملين عليها ﴾ وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أرباب الأحوال ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ الذين تتألف قلوبهم بذكر الله ﴿ وفي الرقاب ﴾ الذين يريدون أن يتخلصوا عن رق الموجودات تحر لعبودية موجدها.

والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

﴿ والغارمين ﴾ الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص عن حبس الوجود ﴿ وفي سبيل الله ﴾ المجاهدين الجهاد الأكبر مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافرون عن أوصاف الطبيعة وعالم البشرية، السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة ﴿ فريضة من الله ﴾ أوجبها على ذمة كرمه كما قال "ألا من طلبني وجدني" ﴿ والله عليم ﴾ بطالبيه ﴿ حكيم ﴾ في معاونتهم بعد الطلب كقوله "من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً" ﴿ ويقولن هو أذن ﴾ رأوا محامده بنظر المذمة والعيب ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ أي سامعيته خير لكم لأن له مقام السامعية يسمع ما يوحى إليه ﴿ يؤمن بالله ﴾ عياناً ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ لأن فوائد إيمانه تعود إليهم كما تعود إلى نفسه ﴿ ورحمة للذين آمنوا ﴾ لأنهم يهتدون بهداه ﴿ والذين يؤذون رسول الله ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ﴿ يحذر المنافقون ﴾ والحذر لا يغني عن القدر ﴿ أن نعف عن طائفة ﴾ إظهاراً للفضل والرأفة ﴿ نعذب طائفة ﴾ إظهار للقهر والعزة ولكن إظهار اللطف بلا سبب.

وإظهار القهر لا يكون إلا بسبب أنهم كانوا مجرمين و ﴿ بعضهم من بعض ﴾ لأن أرواحهم كانت في صف واحد في الأزل فمعاملاتهم من نتائج خصوصيات أرواحهم ﴿ نسوا الله ﴾ ولو ذكروه قبل الإتيان بالمعاصي لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروا فغفر لهم ﴿ هي حسبهم ﴾ لأنها نصيبهم في الأزل ﴿ كانوا أشد منكم قوة ﴾ بالاستعداد الفطري وضيعوها في الاستمتاع العاجل فخسروا رأس المال ولم يربحوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .

أخبر أنهم يؤذون النبي، ولم يبين بما كانوا يؤذونه، فيحتمل: يؤذون النبي بتكذيبهم إياه، وتركهم الإجابة له والطاعة فيما يدعوهم إليه.

ويحتمل: يؤذونه بكلمات يسمعونه، وطعن يطعنونه، ويعيبون عليه ﴿ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ .

قيل: الأذن هو الذي يقبل العذر ممن اعتذر إليه، ويسمع [من كل أحد يعتذر إليه ويقبل، وكذلك كان  يقبل العذر ممن اعتذر إليه ويسمع] منه سواء كان له عذر أو لا عذر له؛ لكرمه وشرفه، وحسن خلقه، فظن أولئك لما رأوه أنه كان يعاملهم معاملة أهل الكرم والشرف والمجد أنه إنما يعاملهم هذه المعاملة لسلامة قلبه، وصغر همته، وقصور يده، وهم كانوا أهل كبر وأنفة، قالوا: هو أذن، نقول ما شئنا ثم نتخلف ونعتذر إليه فيصدقنا، ويقبل عذرنا؛ قال الله -  -: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ أي: الذي يقبل العذر ويسمع خير لكم من الذي لا يقبل ولا يسمع، فكيف تؤذونه، وتطعنون [عليه]، وتعيبونه، ولا تصدقونه ولا تؤمنون به؟

يخبر عن سفههم.

قال أبو عوسجة: الأذن: الذي من قال له شيئاً، أو حدثه حديثاً، صدقه واستمع منه، وكذلك كان رسول الله  يصدق كل من قال له شيئاً أو حدثه حديثاً، واستمع منه؛ لكرمه، وشرفه، ومجده، وحسن خلقه، لا لما ظن أولئك.

وقيل: يقولون: هو أذن، أي: يسر في نفسه ويكتم، ولا يكافيء من آذاه، ولا يجازيه؛ قال الله: ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: يصدق بالله بما ينزل عليه من آياته.

﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يصدقهم فيما بينهم من شهاداتهم، وأيمانهم على حقوقهم، وفروجهم، وأموالهم.

ويحتمل قوله: يؤمن بالله ويصدقه بما يخبره من سرّ المنافقين، وما استكتموه منه من الكيد له، والمكر به، ويؤمن للمؤمنين بما يخبرونه من قبل أولئك المنافقين من الطعن فيه، والعيب عليه، والإيمان بآخر هو التصديق بجميع ما فيه، والإيمان له من خبره وحديثه.

وقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

فيما يشهدون في الآخرة له بالتبليغ إليهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يؤمن بالمؤمنين فيما بينهم بالأخوة في الدين؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ﴾ .

كان  رحمة للمؤمنين؛ لما استنقذهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الهلاك إلى النجاة، يشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا.

﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

في الآخرة، بقية من الآية الأولى.

وقوله: ﴿ وَٱلْغَارِمِينَ ﴾ .

جعل الله الغارم موضعاً للصدقة، وهو الذي عليه الدين والغرم من أي وجه لحقه؛ [و]على ذلك روي في الخبر عن نبي الله  قال: "إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث: من فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو لذي دم موجع" وفي بعض الأخبار: "إن الصدقة لا تحل إلا لخمس: للعاملين عليها، أو رجل اشتراها، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، [أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني]" وروي عن الحسن، والحسين وابن عمر، وابن جعفر أن رجلاً سألهم شيئاً فقالوا: إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك: في فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو دم موجع.

هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة، قل دينه أو كثر.

فإن قيل: في الخبر: "أو غرم مفظع"، قيل: لا خلاف بينهم في أن من دينه غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة، فهذا يدل أن الذي روي في الخبر إنما هو لكراهة المسألة، لا على التحريم، وهكذا نقول: إن المسألة لا تحل له إذا كان غرمه غير مفظع، ولكن يحل وضعه عنه وأخذه له.

مسألة: قوله: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه المنقطع من ماله، جعله الله موضعاً للصدقة، وإن كان غنيّاً في مقامه للحاجة التي بدت له؛ وعلى ذلك روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له" وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا قال: "لا تحل الصدقة إلا لخمس، وفيه: أو [فقير] تصدق عليه فأهداها لغني" وقد يكون الرجل غنيّاً بأن يكون له دار يسكنها، ومتاع يتهيأه، وثياب وعزم على الخروج في سفر غزو احتاج من آلات سفره، وسلاح يستعمله في غزوه، ومركب يغزو عليه، وخادم يستغني بخدمته إلى ما لم يكن محتاجاً إليه في حال إقامته، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها لسفره، فهو في مقامه غني بما يملكه؛ لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا، وهو في حال سفره غير غني، فيحتمل أن يكون معنى قوله: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله" على من كان غنيّاً في حال مقامه، فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره؛ لما أحدث له السفر من الحاجة.

ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه، والدابة لا يركبها، فإذا صار ذلك مائتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، فإن عرض له مرض أو سفر فاحتاج إلى دابة ليركبها، أنه يخرج من الغناء بما حدث له من الحاجة إلى الركوب، وكان له أن يأخذ من الصدقة عندنا لا يستغني عما هو له، وإنما الغني من استغنى عما يملكه.

فكذلك الغارم على العرف قد تحدث له الحاجة إلى أكثر مما يملك، وصار ممن يجوز أن يعان، وإن كان ملكه الذي كان به غنيّاً قبل ذلك لم ينقص، فهذا - والله أعلم - يحتمل.

وابن السبيل - أيضاً - ما ذكرنا من الخبر ألا تحل الصدقة لغني إلا لابن السبيل ومن ذكر معه، وعلى ذلك اتفاق الأمة، وهو ما قيل: المجتاز من أرض إلى أرض.

وعن ابن عباس - رضي الله  عنه - في تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ  ﴾ : هو المسافر.

وهو ما ذكرنا أنه المنقطع عن ماله وإن كان غنيّاً في مقامه، والفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة.

روي عن الحسن بن علي -  ما - قال: قال رسول الله  : "للسائل حق وإن جاء على فرس" وعن أبي هريرة عن النبي  : "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" وجاء في بعض الأخبار عن رسول الله قال: "لا يسأل عبدٌ - أو قال: أحد - مسألة ما يغنيه إلا جاءت يوم القيامة خدوشاً وكدوحاً في وجهه قيل: يا رسول الله، وماذا يغنيه؟

أو ما أغناه؟

قال: خمسون درهماً أو حسابها من الذهب" وفي بعض الأخبار يقول: "من سأل وله أربعون درهماً فقد ألحف" وعن علي وعبد الله قالا: لا تحلّ الصدقة لمن له خمسون درهماً، أو عوضها من الذهب.

وعن عمر كذلك.

وعن ابن عباس قال: "[سأل] رجل رسول الله  : إن لي أربعين درهماً، أمستكثر أنا؟

قال: نعم" وفي بعض الأخبار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" وفي بعض الأخبار: [ولا] "لقوي مكتسب".

وإنما يحمل قوله: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" على الزجر عن العرض على الصدقة والمسألة عليها.

ألا ترى أن النبي  قال: "إن الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث" ، فذكر إحداها: "أو فقر مدقع"، فذلك يبيح لذي المرة السوى أن يقبل.

ألا ترى أن الرجلين اللذان سألا رسول الله  قال لهما: "إن شئتما أعطيتكما" ، فلو كان حراماً عليهما ما أعطاهما الحرام، ولكن ذلك على الزجر عن المسألة.

وروي عن سلمان أنه حمل إلى رسول الله  صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل [هو]، ولا يتوهم متوهم أن أصحابه كانوا زمني، فهذا يبين أن النبي أراد الزجر عن المسألة والتعرض لها [إلا] في حال الضرورة، لا على التحريم لها وأن من أخذها وله أقل من مائتي درهم أو قيمتها، فله فيها ملك سداد من عيش، فذلك مكروه.

ألا ترى أنه روي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله  يأخذون الصدقة ولأحدهم من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم.

فهذا حسن، والتعفف عنها أحسن؛ لقول رسول الله  : "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله" وقوله: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس شيئاً أعطوه أو منعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ .

بما حلفوا عليه.

ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم - يعني: إلى المنافقين - فقالوا: قد عيرنا بما نزل فيكم فحتى متى؟!

فكانوا يحلفون للأنصار: والله ما كان شيء من ذلك، فأكذبهم الله فقال: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ ﴾ : ما كان الذي بلغكم، ﴿ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ : بما حلفوا، ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ ﴾ : منكم يا معشر الأنصار، ﴿ أَن يُرْضُوهُ ﴾ : حيث اطلع [على ما] حلفوا وهم كذبة، ﴿ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يقول: ولكن ليسوا بمصدقين.

والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كان منهم برسول الله، أو طعن فيه، أو استهزاء بدين الله، فاعتذروا إليهم وحلفوا على ذلك ليرضوهم، فقال [الله]: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ حقيقة [ولكن] ليسوا بمؤمنين.

وأما ما قاله بعض أهل التأويل أن رجلاً من المنافقين قال: والله، لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك رسول الله، فدعاه، فقال: "ما حملك على الذي قلت" فحلف والتعن ما قاله، فنزل قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ ، هذا لو كان ما ذكر، لكانوا يحلفون لرسول الله، لا يحلفون لهم؛ دل أن الآية في غير ما ذكر.

ويذكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول الله حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبداً وكذلك قال غيره من أهل التأويل، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول الله ويرضونه، لا للمؤمنين؛ دل أن الأشبه ما ذكرنا، [و] فيه وجوه: أحدها: أن فيه دلالة تحقيق رسالته  ليعلموا أنه حق؛ حيث اطلع على ما أسرّوا في أنفسهم وكتموا من المكر به وأنواع السفه.

والثاني: ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه؛ لما علموا أنه يطلع على جميع ما يسرون عنه ويكتمون.

والثالث: تنبيهاً للمؤمنين وتعليماً لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا يشتغلون بالحلف طلباً لإرضاء بعضهم بعضاً، ولكن يتوبون إلى الله، ويطلبون منه مرضاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ .

ذكره نفسه ورسوله ثم أضاف الرضاء إلى رسوله بقوله: ﴿ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ، ولم يقل: [أحق] أن يرضوهما؛ فهو - والله أعلم - لأنهم إذا أرضوا رسوله  م، وكان في إرضائهم رسوله إرضاء له، فهو ما ذكر أنهم ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ثم أضاف الحكم إلى رسوله؛ لأنهم إنما دعوا إلى أن يحكم الرسول بينهم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ؛ لأن الخلاف والخيانة كان في حق الله، وفي حق رسوله، لم يكن في حق المؤمنين؛ لذلك قال: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ من المؤمنين.

ثم ذكر محادة الله ورسوله، ثم اقتصر على رضاء رسوله؛ لأنهم لم يقصدوا قصد مخالفة [الله، وإنما قصدوا قصد مخالفة] رسوله، أو أن يكون ذكر إرضاء أحدهما؛ لأن في إرضاء رسوله رضاء الرب؛ كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

[و]في الآية دلالة أنهم علموا أنهم معاندون في صنيعهم، وعلموا أن من عاند وكابر بغير حق فإن له نار جهنم.

وقوله: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل: يعاند الله.

وقيل: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ : يشاقق الله ويخالفه؛ وهو واحد.

ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قد علموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له ما ذكر، لكنهم عاندوا [وقصدوا] الخلاف والمحادة له مع علمهم.

والثاني: أي: علموا أنه من يحادد الله ورسوله، فإن له ما ذكر؛ على ما ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

يحتمل وجهين: الأول: يحتمل الخزي، أي: الفضيحة العظيمة في الدنيا.

والثاني: يحتمل ذلك الخزي العظيم في الآخرة، أي: نار جهنم خزي عظيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ، أي: الحق عليهم أن يحذروا؛ لما أطلع الله ورسوله مراراً على ما أسروا وكتموا.

ويحتمل على الخبر: أنهم كانوا يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم عما في قلوبهم؛ لكثرة ما أطلع الله رسوله من سرائرهم وسفههم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ .

فهو - والله أعلم - ليس على الأمر؛ ولكن على الوعيد، يقول: استهزئوا؛ فإن الله مظهر ومبين ما أسررتم وكتمتم من العيب والاستهزاء برسوله والطعن فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

ذكر السؤال، ولم يبين عمّ يسألهم، ولكن في الجواب بيان أن السؤال إنما كان على الاستهزاء؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ : ذكر أن نفرا من المنافقين كانوا اختفوا في بعض الطريق، ليمر رسول الله، ويرجع من الغزو فيقتلونه، فأطلع الله نبيه على اختفائهم في ذلك أنه لماذا؟

فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

وذكر بعض أهل التأويل أن النبي لمّا رجع من غزوة تبوك بينا هو يسير إذ هو برهط يسيرون بين يديه يضحكون ويستهزئون، فأطلع الله رسوله أنهم يستهزءون بالله وكتابه ورسوله؛ فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

وقيل بغير ذلك.

وقيل: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ﴾ ، أي: لو سألتهم: ما تقولون؟

فيقولون لك: مما يخوض فيه الركب إذا ساروا.

وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة، ولا مأرب سوى أن فيما ذكر لنا من خبر المنافقين تنبيهاً للمؤمنين وتحذيراً لهم؛ ليحذروا إسرار ما لم يظهروا على ألسنتهم؛ ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون.

وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَبِٱللَّهِ ﴾ يحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى أنفس المؤمنين؛ لأنه لا أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله، ولكنهم كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين؛ فأضاف إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ...

 ﴾ الآية؛ فعلى ذلك الأول كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين، فأضاف إلى نفسه؛ تعظيماً لهم وإكراماً.

وقوله: ﴿ وَآيَاتِهِ ﴾ يحتمل أنهم كانوا يستهزئون بالأحكام التي لها آيات، فاستهزءوابتلك الأحكام؛ فأضاف الاستهزاء إلى الآيات؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ  ﴾ الآية.

{ ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً  ﴾ ، [هم] لم يتخذوا آيات الله هزوا؛ ولكن هزوا بالأحكام التي لها آيات فأضاف الهزء إلى آياته، ولكن من استخف بحكم من الأحكام التي لها آيات كان ذلك استخفافا بآياته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .

أي: لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم؛ لما لا عذر لكم فيما تعتذرون بعد ما قلتم إنه أذن لما ظهر منكم الخلاف والكذب في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا نصدقهم فيما اعتذروا؛ لما ظهر كذبهم وتبين خلافهم.

وقوله: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .

يحتمل: كفرتم في الباطن بعد ما أظهرتم باللسان.

ويحتمل: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ حقيقة قد كفروا بعد ما آمنوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ ﴾ ذلك أن المنافقين قد آمن منهم بعد النفاق وتاب، فأخبر أنه إن يعف عنهم يعذب طائفة: الذين لم يؤمنوا ولم يتوبوا.

وقيل: إن يعف عن طائفة منكم يعذب طائفة؛ لأن من المنافقين من قد ماتوا على الإيمان، ومنهم من قد مات على الكفر؛ فوعد العفو لمن مات على الإيمان؛ كقوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ : أخبر أنه إن شاء تاب عليهم؛ فقوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ﴾ الطائفة التي يتوب [الله] عليهم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الإيجاب، أي: يفعلون بالله ورسوله ذلك.

وقيل: على الوعيد والتوبيخ؛ أبالله يفعلون هذا؟!

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يقسم المنافقون بالله لكم -أيها المؤمنون- أنهم لم يقولوا شيئًا يؤذي النبي  ، ذلك ليرضوكم عنهم، والله ورسوله أولى بالإرضاء بالإيمان والعمل الصالح إن كان هؤلاء مؤمنين حقًّا.

<div class="verse-tafsir" id="91.pn8e5"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله