الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٧٨ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ) يخبرهم تعالى أنه يعلم السر وأخفى ، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها ، فإنه أعلم بهم من أنفسهم ؛ لأنه تعالى علام الغيوب ، أي : يعلم كل غيب وشهادة ، وكل سر ونجوى ، ويعلم ما ظهر وما بطن .
القول في تأويل قوله : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ (78) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله ورسوله سرًّا, ويظهرون الإيمان بهما لأهل الإيمان بهما جهرًا =(أن الله يعلم سرهم)، الذي يسرُّونه في أنفسهم، من الكفر به وبرسوله =(ونجواهم)، يقول: " ونجواهم "، إذا تناجوا بينهم بالطعن في الإسلام وأهله، وذكرِهم بغير ما ينبغي أن يُذكروا به, فيحذروا من الله عقوبته أن يحلَّها بهم، وسطوته أن يوقعها بهم، على كفرهم بالله وبرسوله، وعيبهم للإسلام وأهله, فينـزعوا عن ذلك ويتوبوا منه =(وأن الله علام الغيوب)، يقول: ألم يعلموا أن الله علام ما غاب عن أسماع خلقه وأبصارهم وحواسّهم، مما أكنّته نفوسهم, فلم يظهرْ على جوارحهم الظاهرة، فينهاهم ذلك عن خداع أوليائه بالنفاق والكذب, ويزجرهم عن إضمار غير ما يبدونه، وإظهار خلاف ما يعتقدونه؟
(53) ------------------------ الهوامش : (53) انظر تفسير "علام الغيوب" فيما سلف 11 : 238 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
هذا توبيخ , وإذا كان عالما فإنه سيجازيهم .
ولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع، بقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها اللّه تعالى، وهذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين يقال له {ثعلبة} جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسأله أن يدعو اللّه له، أن يعطيه الله من فضله، وأنه إن أعطاه، ليتصدقن، ويصل الرحم، ويعين على النوائب، فدعا له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فكان له غنم، فلم تزل تتنامى، حتى خرج بها عن المدينة، فكان لا يحضر إلا بعض الصلوات الخمس، ثم أبعد، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت فأبعد بها، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة. ففقده النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبر بحاله، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها، فمروا على ثعلبة، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فلما لم يعطهم جاءوا فأخبروا بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: (يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة) ثلاثًا. فلما نزلت هذه الآية فيه، وفي أمثاله، ذهب بها بعض أهله فبلغه إياها، فجاء بزكاته، فلم يقبلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم جاء بها لأبي بكر بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يقبلها، ثم جاء بها بعد أبي بكر لعمر فلم يقبلها، فيقال: إنه هلك في زمن عثمان.
قوله عز وجل : ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ) يعني : ما أضمروا في قلوبهم وما تناجوا به بينهم ، ( وأن الله علام الغيوب ) .
«ألم يعلموا» أي المنافقون «أن الله يعلم سرهم» ما أسروه في أنفسهم «ونجواهم» ما تناجوا به بينهم «وأنّ الله علام الغيوب» ما غاب عن العيان ولما نزلت آية الصدقة جاء رجل فتصدق بشيء كثير فقال المنافقون: مُراءٍ وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إنّ الله غني عن صدقة هذا فنزل.
ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله يعلم ما يخفونه في أنفسهم وما يتحدثون به في مجالسهم من الكيد والمكر، وأن الله علام الغيوب؟
فسيجازيهم على أعمالهم التي أحصاها عليهم.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، بتوبيخهم على إصرارهم على المعاصى ، مع علمهم بأنه - عز وجل - عليم رقيب عليهم ، ومطلع على أحوالهم فقال : ( أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب ) .أى : ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله - تعالى - يعلم ما يسرونه فى أنفسهم من نفاق ، وما يتناجون به فيما بينهم من أقوال فاسدة ، وأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء؟
بلى إنهم ليعلمون ذلك علم اليقين ، ولكنهم لاستيلاء الهوى والشيطان عليهم ، لم ينتفعوا بعلمهم .فالاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ يَعْلَمُواْ ) للتوبيخ والتهديد والتقرير .
وتنبيههم إلى أن الله عليم بأحوالهم ، وسيجازيهم عليها .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1- وجوب الوفاء بالعهود ، فإن نقض العهود ، وخلف الوعد ، والكذب كل ذلك يورث النفاق ، فيجب على المسلم أن يبالغ فى الاحتراز عنه ، فإذا عاهد الله فى أمر فليجتهد فى الوفاء به .ومذهب الحسن البصرى - رحمه الله - أنه يوجب النفاق لا محالة ، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان " .2- أن للإِمام أن يمتنع عن قبول الصدقة من صاحبها إذا رأى المصلحة فى ذلك ، اقتداء بما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع ثعلبة ، فإنه لم يقبل منه الصدقة بعد أن جاء بها .قال الإِمام الرازى : فإن قيل إن الله - تعالى - أمره - أى ثعلبة - بإخراج الصدقة فكيف يجوز من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقبلها منه؟قلنا : لا يبعد أن يقال أنه - تعالى - منع رسوله عن قبول الصدقة منه على سبلي الإِهانة له ، ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات .ولا يبعد - أيضا - أنه إنما أتى بها على وجه الرياء لا على وجه الإِخلاص وأعلم الله ورسوله بذكل ، فلم يقبل تلك الصدقة لهذا السبب .ويحتمل - أيضا - أنه - تعالى - لما قال : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) وكان هذا المقصود غير حاصل فى ثعلبة مع نفاقه ، فلهذا السبب امتنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم عن أخذ تلك الصدقة .3- أن النفس البشرية ضعيفة شحيحة - إلا من عصم الله .وأن مما يعين الإِنسان على التغلب على هذا الضعف والشح ، أن يوطن نفسه على طاعة الله ، وأن يجبرها إجباراً على مخالفة الهوى والشيطان ، وأن يؤثر ما عند الله على كل شئ من حطام الدنيا .أما إذا ترك لنفسه أن تسير على هواها ، فإنها ستورده المهالك ، التى لن ينفع معها الندم ، وستجعله أسر شهواته وأطمامعه ونفاقه إلى أن يلقى الله ، وصدق - سبحانه - حيث يقول : ( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ) .
اعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل فيقول: ﴿ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى ﴾ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ﴾ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى ﴾ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشأم، فلحقه شدة، فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار، لئن آتانا من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله، إلى آخر الآية، والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً.
فقال عليه السلام: «يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه فراجعه» وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً بها، فجعل يصلي الظهر والعصر ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة.
وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فأخبر بخبره فقال: «يا ويح ثعلبة» فنزل قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ فبعث إليه رجلين وقال: مرا بثعلبة فخذا صدقاته فعند ذلك قال لهما: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فلم يدفع الصدقة فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ فقيل له: قد أنزل فيك كذا وكذا، فأتى الرسول عليه السلام وسأله أن يقبل صدقته، فقال: إن الله منعني من قبول ذلك فجعل يحثي التراب على رأسه، فقال عليه الصلاة والسلام: «قد قلت لك فما أطعتني» فرجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أتى أبا بكر بصدقته، فلم يقبلها اقتداء بالرسول عليه السلام ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثم لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان.
فإن قيل: إن الله تعالى أمره بإخراج الصدقة، فكيف يجوز من الرسول عليه السلام أن لا يقبلها منه؟
قلنا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول الصدقة منه على سبيل الإهانة له ليعتبر غيره به، فلا يمتنع عن أداء الصدقات، ولا يبعد أيضاً أنه إنما أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص؛ وأعلم الله الرسول عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك الصدقة، لهذا السبب، ويحتمل أيضاً أنه تعالى لما قال: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه، فلهذا السبب امتنع رسول الله عليه السلام من أخذ تلك الصدقة، والله أعلم.
المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله في أنه لو آتاه مالاً لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات، ثم إنه تعالى آتاه المال، وذلك الإنسان ما وفى بذلك العهد، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: المنافق كافر، والكافر كيف يمكنه أن يعاهد الله تعالى؟
والجواب: المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلا أنه كان منكراً لنبوة محمد عليه السلام، فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر هذا العالم مقرون بوجود الصانع القادر؟
ويقل في أصناف الكفار من ينكره، والكل معترفون بأنه تعالى هو الذي يفتح على الإنسان أبواب الخيرات، ويعلمون أنه يمكن التقرب إليه بالطاعات وأعمال البر والإحسان إلى الخلق، فهذه أمور متفق عليها بين الأكثرين، وأيضاً فلعله حين عاهد الله تعالى بهذا العهد كان مسلماً، ثم لما بخل بالمال، ولم يف بالعهد صار منافقاً، ولفظ الآية مشعر بما ذكرناه حيث قال: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ .
السؤال الثاني: هل من شرط هذه المعاهدة أن يحصل التلفظ بها باللسان، أو لا حاجة إلى التلفظ حتى لو نواه بقلبه دخل تحت هذه المعاهدة؟
الجواب: منهم من قال: كل ما ذكره باللسان أو لم يذكره، ولكن نواه بقلبه فهو داخل في هذا العهد.
يروى عن المعتمر بن سليمان قال: أصابتنا ريح شديدة في البحر، فنذر قوم منا أنواعاً من النذور، ونويت أنا شيئاً وما تكلمت به، فلما قدمت البصرة سألت أبي، فقال: يا بني ف به.
وقال أصحاب هذا القول إن قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ كان شيئاً نووه في أنفسهم، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بما إذا حصل التلفظ بها باللسان، والدليل عليه قوله عليه السلام: «إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسها ولم يتلفظوا به» أو لفظ هذا معناه وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا الله مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ إخبار عن تكلمه بهذا القول، وظاهره مشعر بالقول باللسان.
السؤال الثالث: قوله: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ المراد منه إخراج مال، ثم إن إخراج المال على قسمين قد يكون واجباً، وقد يكون غير واجب.
والواجب قسمان: قسم وجب بإلزام الشرع ابتداء، كإخراج الزكاة الواجبة، وإخراج النفقات الواجبة، وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد من عند نفسه مثل النذور.
إذا عرفت هذه الأقسام الثلاثة، فقوله: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ هل يتناول الأقسام الثلاثة، أو ليس الأمر كذلك؟
والجواب: قلنا أما الصدقات التي لا تكون واجبة، فغير داخلة تحت هذه الآية، والدليل عليه أنه تعالى وصفه بقوله: ﴿ بَخِلُواْ بِهِ ﴾ والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب، وأيضاً أنه تعالى ذمهم بهذا الترك وتارك المندوب لا يستحق الذم.
وأما القسمان الباقيان، فالذي يجب بإلزام الشرع داخل تحت الآية لا محالة، وهو مثل الزكوات والمال الذي يحتاج إلى إنفاقه في طريق الحج والغزو، والمال الذي يحتاج إليه في النفقات الواجبة.
بقي أن يقال: هل تدل هذه الآية على أن ذلك القائل، كان قد التزم إخراج مال على سبيل النذر؟
والأظهر أن اللفظ لا يدل عليه، لأن المذكور في اللفظ ليس إلا قوله: ﴿ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ وهذا لا يشعر بالنذر، لأن الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة إن وسع الله عليه، فدل هذا على أن الذي لزمهم إنما لزمهم بسبب هذا الالتزام، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحولان الحول.
قلنا: قوله: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ لا يوجب أنهم يفعلون ذلك على الفور، لأن هذا إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا القدر لا يوجب الفور، فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقت كما قالوا: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين ﴾ أي في أوقات لزوم الصلاة، فخرج من التقدير الذي ذكرناه أن الداخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال التي يجب إخراجها بمقتضى إلزام الشرع ابتداء، ويتأكد ذلك بما روينا أن هذه الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداء الزكاة، فكأنه تعالى بين من حال هؤلاء المنافقين أنهم كما ينافقون الرسول والمؤمنين، فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه، ولا يقومون بما يقولون والغرض منه المبالغة في وصفهم بالنفاق، وأكثر هذه الفصول من كلام القاضي.
السؤال الرابع: ما المراد من الفضل في قوله: ﴿ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ ﴾ .
والجواب: المراد إيتاء المال بأي طريق كان، سواء كان بطريق التجارة، أو بطريق الاستنتاج أو بغيرهما.
السؤال الخامس: كيف اشتقاق ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ .
الجواب: قال الزجاج: الأصل لنتصدقن.
ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها.
قال الليث: المصدق المعطي والمتصدق السائل.
قال الأصمعي والفراء: هذا خطأ فالمتصدق هو المعطي قال تعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين ﴾ السؤال السادس: ما المراد من قوله: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين ﴾ .
الجواب: الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عن الذي بخل بما يلزمه في التكليف فوجب أن يكون الصالح عبارة عما يقوم بما يلزمه في التكليف.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ثعلبة قد عاهد الله تعالى لئن فتح الله عليه أبواب الخير ليصدقن وليجعن، وأقول التقييد لا دليل عليه.
بل قوله: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ إشارة إلى إخراج الزكاة الواجبة وقوله: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين ﴾ إشارة إلى إخراج كل مال يجب إخراجه على الإطلاق.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاثة: الصفة الأولى: البخل وهو عبارة عن منع الحق.
والصفة الثانية: التولي عن العهد.
والصفة الثالثة: الإعراض عن تكاليف الله وأوامره.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ فعل ولا بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره.
والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض ولا يجوز إسناد أعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التصدق أو الصلاح، لأن هذه الثلاثة أعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثره في حصول النفاق، ولا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى البخل والتولي والإعراض، لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركاً لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق في القلب، لأن ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض الواجب لا يجوز أن يكون مؤثراً في حصول الجهل في القلب.
أما أولاً: فلأن ترك الواجب عدم، والجهل وجود العدم لا يكون مؤثراً في الوجود.
وأما ثانياً: فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق، مع أنه لا يحصل معه النفاق.
وأما ثالثاً: فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو كان محرماً شرعاً، لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً.
وأما رابعاً: فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز، لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل.
فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها إلا إلى الله سبحانه، فوجب إسناده إليه، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه: أنهم لما ضلوا في الماضي، فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل، والذي يؤكد القول بأن قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ مسند إلى الله جل ذكره أنه قال: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ والضمير في قوله تعالى: ﴿ يَلْقَوْنَهُ ﴾ عائد إلى الله تعالى، فكان الأولى أن يكون قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ ﴾ مسنداً إلى الله تعالى.
قال القاضي: المراد من قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي فأعقبهم العقوبة على النفاق، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم، ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة.
قلنا: هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة، فإن ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر، قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت.
المسألة الثانية: قال الليث: يقال: أعقبت فلاناً ندامة إذا صيرت عاقبة أمره ذلك.
قال الهذلي: أودى بني وأعقبوني حسرة *** بعد الرقاد وعبرة لا تقلع ويقاتل: أكل فلان أكلة أعقبته سقماً، وأعقبه الله خيراً.
وحاصل الكلام فيه أنه إذا حصل شيء عقيب شيء آخر يقال أعقبه الله.
المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به، ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله عليه السلام: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن حان».
وعن النبي عليه السلام: «تقبلوا لي ستاً أتقبل لكم الجنة إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا ائتمنتم فلا تخونوا وكفوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم.
أبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السرقة وفروجكم عن الزنا».
قال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوا أن يخرجوا معه فأخلفوه، ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله وإذا وعد أخلف كما ذكره فيمن عاهد الله وإذا ائتمن على دين الله خان في السر فكان قلبه على خلاف لسانه ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجل فقال له: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم أكله الذئب وكذبوه ووعدوه في قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ فأخلفوه وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه فهل نحكم بكونهم منافقين؟
فتوقف الحسن رحمه الله.
المسألة الرابعة: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ يدل على أن ذلك المعاهد مات منافقاً، وهذا الخبر وقع مخبره مطابقاً له، فإنه روي أن ثعلبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فقال: إن الله تعالى منعني أن أقبل صدقتك، وبقي على تلك الحالة، وما قبل صدقته أحد حتى مات، فدل على أن مخبر هذا الخبر وقع موافقاً، فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.
المسألة الخامسة: قال الجبائي: إن المشبهة تمسكوا في إثبات رؤية الله تعالى بقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام ﴾ قال واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل أنه قال في صفة المنافقين: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ وأجمعوا على أن الكفار لا يرونه، فهذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
قال: والذي يقويه قوله عليه السلام: «من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حق امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان».
وأجمعوا على أن المراد من اللقاء هاهنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا هاهنا.
والقاضي استحسن هذا الكلام.
وأقول: أنا شديد التعجب من أمثال هؤلاء الأفاضل كيف قنعت نفوسهم بأمثال هذه الوجوه الضعيفة؟!
وذلك لأنا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرؤية في هذه الآية، وفي هذا الخبر لدليل منفصل، فلم يلزمنا ذلك في سائر الصور.
ألا ترى أنا لما أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل، لم يلزمنا مثله في جميع العمومات أن نخصصها من غير دليل، فكما لا يلزم هذا لم يلزم ذلك فإن قال هذا الكلام إنما يقوى لو ثبت أن اللقاء في اللغة عبارة عن الرؤية، وذلك ممنوع.
فنقول: لا شك أن اللقاء عبارة عن الوصول ومن رأى شيئاً فقد وصل إليه فكانت الرؤية لقاء، كما أن الإدراك هو البلوغ.
قال تعالى: ﴿ قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ أي لملحقون، ثم حملناه على الرؤية فكذا هاهنا، ثم نقول: لا شك أن اللقاء هاهنا ليس هو الرؤية، بل المقصود أنه تعالى ﴿ فأعقبهم نفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ أي حكمه وقضاءه، وهو كقول الرجل ستلقى عملك غداً، أي تجازى عليه، قال تعالى: ﴿ بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ والمعنى: أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق في قلوبهم لأجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب.
ثم قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ والسر ما ينطوي عليه صدورهم، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، وهو مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ وقوله: ﴿ فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان...
وتناجوا بالبر والتقوى ﴾ وقوله: ﴿ إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً ﴾ .
إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر؟
ثم قال: ﴿ وَأَنَّ الله علام الغيوب ﴾ والعلام مبالغة في العالم، والغيب ما كان غائباً عن الخلق.
والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء.
فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات، فيجب كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر، فكيف يمكن الاخفاء منه؟
ونظير لفظ علام الغيوب هاهنا قول عيسى عليه السلام: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب ﴾ فأما وصف الله بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله محال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سِرَّهُمْ ونجواهم ﴾ ما أسرّوه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ فَجَعَلَ اللَّهُ عاقِبَةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ نِفاقًا وسُوءَ اعْتِقادٍ في قُلُوبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبُخْلِ والمَعْنى فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ.
﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ يَلْقَوْنَ اللَّهَ بِالمَوْتِ أوْ يَلْقَوْنَ عَمَلَهم أيْ جَزاءَهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ ﴾ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ.
﴿ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ وبِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيهِ فَإنَّ خُلْفَ الوَعْدِ مُتَضَمِّنٌ لِلْكَذِبِ مُسْتَقْبَحٌ مِنَ الوَجْهَيْنِ أوِ المَقالِ مُطْلَقًا وقُرِئَ « يُكَذِّبُونَ» بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ أيِ المُنافِقُونَ أوْ مَن عاهَدَ اللَّهَ وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ.
﴿ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ﴾ ما أسَرُّوهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ أوِ العَزْمِ عَلى الإخْلافِ.
﴿ وَنَجْواهُمْ ﴾ وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المُطاعِنِ، أوْ تَسْمِيَةِ الزَّكاةِ جِزْيَةً.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)
{أَلَمْ يَعْلَمُواْ} يعني المنافقين {أَنَّ الله يَعْلَمُ سرهم} أى ما أسروه من النفاق بالعزم على إخلاف ما وعدوه {ونجواهم} وما يتناجون به فيما بينهم
من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها {وَأَنَّ الله علام الغيوب} فلا يخفى عليه شيء
﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ أيِ المُنافِقُونَ أوْ مَن عاهَدَ اللَّهَ تَعالى، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ بِالتّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لِلْأوَّلِينَ عَلى الِالتِفاتِ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ ﴾ وجَعْلُهُ التِفاتًا آخَرَ تَكَلُّفٌ، والمُرادُ مِنَ السِّرِّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُنافِقِينَ ما أسَرُّوهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ ومِنَ النَّجْوى ما يَتَناجَوْنَ بِهِ مِنَ المُطاعِنِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الآخَرِ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ العَزْمُ عَلى الإخْلافِ ومِنَ الثّانِي تَسْمِيَةُ الزَّكاةِ جِزْيَةً، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى النَّجْوى لِأنَّ العِلْمَ بِهِ أعْظَمُ في الشّاهِدِ مِنَ العِلْمِ بِها مَعَ ما في تَقْدِيمِهِ وتَعْلِيقِ العِلْمِ بِهِ مِن تَعْجِيلِ إدْخالِ الرَّوْعَةِ أوِ السُّرُورِ عَلى اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَنْفَعُكَ هُنا أيْضًا ﴿ وأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، والهَمْزَةُ إمّا لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ حَتّى اجْتَرَأُوا عَلى ما اجْتَرَأُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظائِمِ أوْ لِلتَّقْرِيرِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مُؤاخِذُهم ومُجازِيهِمْ بِما عَلِمَ مِن أعْمالِهِمْ، وإظِهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإلْقاءِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ أوْ لِتَعْظِيمِ أمْرِ المُؤاخَذَةِ والمُجازاةِ، وفي إيرادِ العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِسِرِّهِمْ ونَجْواهُمُ الحادِثَيْنِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِصِيغَةِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ والعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالغُيُوبِ الكَثِيرَةِ بِصِيغَةِ الِاسْمِ الدّالِّ عَلى الدَّوامِ والمُبالَغَةِ مِنَ الفَخامَةِ والجَزالَةِ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ، وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في أصحاب العقبة حين هموا بما لم ينالوا، ويقال: هذا عطف نسق عطف على قوله: لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، أي علم غيب كل شيء مما هموا به.
<div class="verse-tafsir"
ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَبَبٌ في ذلك، وعلى هذا الحَدِّ قال عليه السلام للأنصارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: «كُنْتُمْ عَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ» ، قال العراقيُّ: نَقَمُوا: أي: أنْكَرُوا.
وقال ص: إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ: إِنْ وصلْتَها: مفعولُ نَقَمُوا: أي: ما كرهوا إِلا إِغْنَاء اللَّه إِياهم، وقيل: هو مفعولٌ من أجله، والمفعولُ به محذوفٌ، أي: ما كرهوا الإِيمانَ إِلاَّ للإِغناء.
انتهى.
ثم فتح لهم سبحانَهُ بابَ التَّوْبةِ رفقاً بهم ولطفاً، فروي أن الجُلاَسَ تَابَ من النفاقِ، وقال: إِن اللَّه قَدْ تَرَكَ لي بَابَ التَّوْبَة، فاعترف وأخلص، وحسنت توبته «١» .
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ...
الآية: هذه الآية نزلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب الأنصاريِّ «٢» ، قال الحسن: وفي معتّب بن قشير معه،
واختصار ما ذكره الطبريُّ «١» وغيره مِنْ أمره: أنه جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادع اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مَالاً، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ ذَا مَالٍ، لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ، وَفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرَادَهُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: «قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تطيقه» فعاود، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَوْ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُسَيِّرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَباً، لَسَارَتْ» فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا لَهُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِذَلِكَ، فاتخذ غَنَماً، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ حتى ضاقَتْ به المدينةُ، فتنحَّى عنها، وكَثُرت غنمه، حتَّى كان لا يُصَلِّي إِلا الجُمُعَةَ، ثم كَثُرَتْ حتى تَنَحَّى بعيداً، فترك الصَّلاَة، وَنَجَمَ نِفَاقه، وَنَزَلَ خلال ذلك فَرْضُ الزكاةِ، فبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مُصَدِّقِينَ بكتابه في أخْذ زكاة الغَنَمِ، فلما بلغوا ثَعْلَبَةَ، وقرأ الكِتَابَ، قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثم قال لهم: دَعُونِي حَى أَرَى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأَخْبَروه، قال:
«وَيْح ثَعْلَبَة» ثَلاَثاً، ونزلَتْ الآية فيه، فحضر القصَّةَ قريبٌ لثعلبة، فخرج إِليه، فقال: أَدْرِكْ أَمرك، فقد نَزَلَ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم، فَرَغِبَ أَنْ يؤدِّي زكاتَهُ، فأعرض عنه رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَلاَّ آخُذَ زَكَاتَكَ» ، فبقي كذلك حتّى توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم وَرَدَ ثَعلبةُ على أبي بَكْر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغَبُ إِلى كلِّ واحد منهم أنْ يأخذ منه الزكاةَ، فكلّهم ردّ ذلك وأباه اقتداء بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبقي ثعلبةُ كذلك حتى هَلَكَ في مدَّة عثمان «٢» .
وفي قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ: نصٌّ في العقوبة على الذَّنْب بما هو أشدُّ منه.
وقوله: إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ: يقتضي موافاتَهُمْ على النّفاق، قال ابن العربيّ: في ضمير
يَلْقَوْنَهُ قولان:
أحدهما: أنه عائدٌ على اللَّه/ تعالى.
والثاني: أنه عائدٌ على النفاقِ مجازاً على تقدير الجَزَاءِ كأنه قال: فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إِلى يَوْمِ يلقون جَزَاءَهُ.
انتهى من «الأحكام» .
ويَلْمِزُونَ: معناه: ينالون بألسنتهم، وأكثر الروايات في سَبَبِ نزول الآية أَنَّ عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ تصدَّق بأربعة آلاف، وأمْسَكَ مثلها.
وقيل: هو عمر بنُ الخطَّاب تصدَّق بِنِصْفِ مالِهِ، وقيل: عاصمُ بْنُ عَدِيٍّ «١» تصدَّق بمائَةِ وَسْقٍ «٢» ، فقال المنافقون: ما هذا إِلا رياء، فنزلَتِ الآية في هذا كلِّه، وأما المتصدِّق بقليل، فهو أبو عقيل تصدَّق بصاعٍ من تمرٍ، فقال بعضهم: إِن اللَّه غنيٌّ عن صاعِ أبي عقيل، وخرَّجه البخاريُّ «٣» ، وقيل: إِن الذي لُمِزَ في القليلِ هو أبو خَيْثَمَةَ قاله كعب بن مالك «٤» .
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ: معناه: يستهزئون ويستخفُّونْ وروى مسلم عن جرير بن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأعْقَبَهُمْ ﴾ أيْ: صَيَّرَ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ النِّفاقَ.
وَفِي الضَّمِيرِ في "أعْقَبَهُمْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: جازاهُمُ اللهُ بِالنِّفاقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى البُخْلِ، فالمَعْنى: أعْقَبَهم بُخْلَهم بِما نَذَرُوا نِفاقًا، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ﴾ وهو ما في نُفُوسِهِمْ (وَنَجْواهُمْ) حَدِيثُهم بَيْنَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنهم مَن عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مَن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مَن الصالِحِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللهَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الأنْصارِيِّ، وقالَ الحَسَنُ: وفي مَعْتَبِ بْنِ قُشَيْرٍ مَعَهُ، واخْتِصارُ ما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أمْرِهِ «أنَّهُ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَ لِي مالًا فَإنِّي لَوْ كُنْتُ ذا مالٍ لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ وفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرادَّهُ رَسُولُ اللهِ وقالَ: "قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ"، فَعاوَدَ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "ألا تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، لَوْ دَعَوْتُ اللهَ أنْ تَسِيرَ الجِبالُ مَعِي ذَهَبًا لَسارَتْ؟"، فَأعادَ عَلَيْهِ حَتّى دَعا لَهُ رَسُولُ اللهِ بِذَلِكَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُودُ حَتّى ضاقَتْ بِهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى عنها، وكَثُرَتْ غَنَمُهُ، فَكانَ لا يُصَلِّي إلّا الجُمْعَةَ، ثُمَّ كَثُرَتْ حَتّى تَنَحّى بَعِيدًا ونَجَمَ نِفاقُهُ، ونَزَلَ خِلالَ ذَلِكَ فَرْضُ الزَكاةِ عَلى رَسُولِ اللهِ ، فَبَعَثَ مُصَدِّقِينَ بِكِتابِهِ في أخْذِ زَكاةِ الغَنَمِ، فَلَمّا بَلَغُوا ثَعْلَبَةَ وقَرَأ الكِتابَ قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: دَعُونِي حَتّى أرى رَأْيِي، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللهِ وأخْبَرُوهُ، قالَ: "وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" ثَلاثًا، ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وحَضَرَ القِصَّةَ قَرِيبٌ لِثَعْلَبَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقالَ: أدْرِكْ أمْرَكَ، فَقَدْ نَزَلَ كَذا وكَذا، فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتّى أتى رَسُولَ اللهِ فَرَغِبَ أنْ يُؤَدِّيَ زَكاتَهُ، فَأعْرَضَ عنهُ رَسُولُ اللهِ وقالَ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ لا آخُذَ زَكاتَكَ"، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ ورَدَ ثَعْلَبَةُ عَلى أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عَلى عُمْرَ ثُمَّ عَلى عُثْمانَ يَرْغَبُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَأْخُذَ مِنهُ الزَكاةَ، فَكُلَّهم رَدَّ ذَلِكَ وأباهُ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللهِ ، فَبَقِيَ ثَعْلَبَةُ كَذَلِكَ حَتّى هَلَكَ في مُدَّةِ عُثْمانَ».
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأعْقَبَهُمْ ﴾ نَصُّ المُعاقَبَةِ عَلى الذَنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ يَقْتَضِي مُوافاتَهم عَلى النِفاقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ الخُلَفاءُ رَضِيَ اللهُ عنهم رُجُوعَ ثَعْلَبَةَ لِشَهادَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ، ولَوْلا الِاحْتِمالُ في أنَّهُ نِفاقُ مَعْصِيَةٍ لَوَجَبَ قَتْلُهُ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِنَصَّدَّقَنَّ" بِالنُونِ الثَقِيلَةِ مِثْلَ الجَماعَةِ، "وَلَنَكُونَنْ" خَفِيفَةَ النُونِ.
والضَمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: "فَأعْقَبَهُمْ" يَعُودُ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى البُخْلِ المُضَمَّنِ في الآيَةِ، ويَضْعُفُ ذَلِكَ الضَمِيرُ في "يَلْقَوْنَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ ويَكُونُ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ نِفاقًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تُرِكَ في أوَّلِ الزَكاةِ عِقابًا لَهُ ونَكالًا.
وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ ألّا يُؤَدِّيَ الزَكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ: لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ.
وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وسائِرُهُمْ: "يَكْذِبُونَ" خَفِيفَةً، قَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يُكَذِّبُونَ" مُشَدَّدَةً.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُناسِبُها مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ : « "ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، إذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ"» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "وَإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ"» ونَحْوُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ، ويَظْهَرُ مِن مَذْهَبِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الخِلالَ الذَمِيمَةَ مُنافِقٌ مَنِ اتَّصَفَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
ورُوِيَ أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ لَمّا احْتُضِرَ قالَ: "زَوِّجُوا فُلانًا فَإنِّي قَدْ وعَدْتُهُ، لا ألْقى اللهَ بِثُلْثِ النِفاقِ"، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الخِلالَ إخْوَةُ يُوسُفَ ولَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانُوا أنْبِياءَ"، وهَذِهِ الأحادِيثُ إنَّما هي في المُنافِقِينَ في عَصْرِ النَبِيِّ ، الَّذِينَ شَهِدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الخِصالُ في سائِرِ الأُمَّةِ مَعاصٍ لا نِفاقٌ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ الحَسَنَ رَجَعَ إلى هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَحالَةَ أنَّها كانَتْ مَعَ التَوْحِيدِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ مَعاصٍ، لَكِنَّها مِن قَبِيلِ النِفاقِ اللُغَوِيِّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: كانَ العَهْدُ الَّذِي عاهَدَ اللهَ عَلَيْهِ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ شَيْئًا نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الآيَةُ، لَفْظٌ تَعَلَّقَ بِهِ مَن قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: إنَّ العَهْدَ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ بِالنِيَّةِ لا بِالقَوْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْلَمُوا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ: "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تُناسِبُ حالَهُمْ، وذَلِكَ أنَّها تَضَمَّنَتْ إحاطَةَ عِلْمِ اللهِ بِهِمْ وحَصْرِهِ لَهُمْ، وفِيها تَوْبِيخُهُمْ، عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَحَدُّثِ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى ثَلْبِ الإسْلامِ، وراحَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في جِهَةِ النَبِيِّ وشَرْعِهِ، فَهي تَعُمُّ المُنافِقِينَ أجْمَعَ، وقائِلُ المَقالَةِ المَذْكُورَةِ ذَهَبَ إلى أنَّها تَخْتَصُّ بِالفِرْقَةِ الَّتِي عاهَدَتْ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف لأجل التقرير.
والكلامُ تقرير للمخاطَب عنهم لأنّ كونهم عالمين بذلك معروف لدى كلّ سامع.
والسر ما يخفيه المرء من كلام وما يضمر في نفسه فلا يُطلع عليه الناس وتقدم في قوله ﴿ سراً وعلانية ﴾ في سورة البقرة (274).
والنجوى: المحادثة بخفاء أي يعلم ما يضمرونه في أنفسهم وما يتحادثون به حديثَ سر لئلا يطلع عليه غيرهم.
وإنّما عطفت النجوى على السرّ مع أنّه أعمّ منها لينبئهم باطّلاعه على ما يتناجَون به من الكيد والطعن.
ثم عَمّم ذلك بقوله: وأن الله علام الغيوب} أي قوي علمُه لجميع الغيوب.
والغيوب: جمع غيب وهو ما خفي وغاب عن العيان.
وتقدّم قوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ في سورة البقرة (3).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ ﴾ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الأنْصارِيِّ.
وَفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ خافَ هَلاكَهُ فَنَذَرَ أنْ يَتَصَدَّقَ مِنهُ، فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ بَخِلَ بِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّ مَوْلًى لِعُمَرَ قَتَلَ رَجُلًا لِثَعْلَبَةَ فَوَعَدَ إنْ أوْصَلَ اللَّهُ الدِّيَةَ إلَيْهِ أخْرَجَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِنها، فَلَمّا وصَلَتْ إلَيْهِ بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْرِجَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَقِيلَ «إنَّ ثَعْلَبَةَ لَمّا بَلَغَهُ ما نَزَلَ فِيهِ أتى رَسُولَ اللَّهِ ، فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ صَدَقَتَهُ فَقالَ: (إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ صَدَقَتَكَ فَجَعَلَ يَحْثِي عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ شَيْئًا).» <div class="verse-tafsir"
أخرج الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والباوردي وأبو نعيم في معرفة الصحابة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: «جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا.
قال: ويحك يا ثعلبة...
!
أما ترضى أن تكون مثلي؟
فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي لسارت.
قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه.
قال: ويحك يا ثعلبة...
!
قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيق شكره.
فقال: يا رسول الله، ادع الله تعالى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ ارزقه مالاً.
فاتَّجَرَ واشترى غنماً فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها- فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل، ثم نمت كما ينمو الدود فتنحى بها، فكان لا يشهد الصلاة بالنهار ولا بالليل إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى به، فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار.
وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه؟
فأخبروه أنه اشترى غنماً، وأن المدينة ضاقت به وأخبروه بخبره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويح ثعلبة بن حاطب...
!
ثم إن الله تعالى أمر رسوله أن يأخذ الصدقات، وأنزل الله تعالى ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ [ التوبة: 103] الآية.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين، رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقات، فكتب لهما اسنان الابل والغنم كيف يأخذانها على وجهها، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم، فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة.
فقال: ارياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى تفرغا ثم مرا بي.
قال: فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا: إنما عليك دون هذا.
فقال: ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي!
فقبلاه، فلما فرغا مرا بثعلبة فقال: أرياني كتابكما.
فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية.
انطلقا حتى أرى رأيي.
فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما: ويح ثعلبة بن حاطب.
ودعا للسليمي بالبركة، وأنزل الله: ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ﴾ الثلاث آيات.
قال: فسمع بعض من أقارب ثعلبة فأتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة...
!
أنزل الله فيك كذا وكذا.
قال: فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه صدقة مالي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد منعني أن أقبل منك قال: فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى.
ثم أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر اقبل مني صدقتي، فقد عرفت منزلتي من الأنصار.
فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟!
فلم يقبلها أبو بكر، ثم ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي.
وتوسل إليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا؟!
فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمان فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلت ﴿ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ﴾ [ التوبة: 79] قال: وذلك في الصدقة» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ﴾ وذلك أن رجلاً كان يقال له ثعلبة من الأنصار، أتى مجلساً فاشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت منه وجعلت منه للقرابة.
فابتلاه الله فأتاه من فضله.
فخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده نقص الله شأنه في القرآن.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وذلك بأن الله تعالى يقول ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق.
إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان.
وتلا هذه الآية ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث.
إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» .
وأخرج أبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت بالثلاث التي تذكر في المنافق.
إذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، فالتمستها في الكتاب زماناً طويلاً حتى سقطت عليها بعد حين، وجدنا الله تعالى يذكر فيه ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ﴾ إلى قوله: ﴿ وبما كانوا يكذبون ﴾ و ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ﴾ [ الأحزاب: 72] إلى آخر الآية ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ [ المنافقون: 1] إلى قوله: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ [ المنافقون: 1] .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رجلاً من الأنصار هو الذي قال هذا، فمات ابن عم له فورث منه مالاً فبخل به ولم يف الله بما عاهد عليه، فأعقبه بذلك نفاقاً إلى أن يلقاه قال: ذلك ﴿ بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي قلابة قال: مثل أصحاب الأهواء مثل المنافقين كلامهم شتى وجماع أمرهم النفاق، ثم تلا ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ [ التوبة: 58] ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ [ التوبة: 61] .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ﴾ قال: «اجتنبوا الكذب فإنه باب من النفاق، وعليكم بالصدق فإنه باب من الإِيمان، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدث» أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء بالتوراة لبني إسرائيل قالت بنو إسرائيل: إن التوراة كثيرة، وانا لا نفرغ لها فسل لنا جماعاً من الأمر نحافظ عليه ونتفرغ لمعايشنا.
قال: مهلاً مهلاً أي قوم، هذا كتاب الله وبيان الله ونور الله وعصمة الله.
فردوا عليه مثل مقالتهم، فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرب تبارك وتعالى: فإني آمرهم إن هم حافظوا عليهن دخلوا الجنة بهن: أن يتناهوا إلى قسمة مواريثهم ولا يتظالموا فيها، وأن لا يدخلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم، وأن لا يطعموا طعاماً حتى يتوضأوا كوضوء الصلاة.
فرجع موسى عليه السلام إلى قومه بهن ففرحوا، ورأوا أن سيقومون بهن، فوالله إن لبث القوم إلا قليلاً حتى جنحوا فانقطع بهم فلما حدث نبي الله صلى الله عليه وسلم هذا عن بني إسرائيل قال: تكفلوا لي بست أتكفل لكم بالجنة.
إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا ائتمنتم فلا تخونوا، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، وفروجكم «قال قتادة: شداد والله إلا من عصم الله» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، وذلك أنه قال يا رسول الله: ادع الله أن يكثر مالي.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فأعاد عليه حتى دعا له فكثر ماله، فتشاغل به حتى ترك الصلوات، ثم امتنع من أداء الزكاة، فنزلت فيه الآية فجاء بزكاته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنه ولم يأخذها منه، وقال: إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك، ثم لم يأخذها منه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ﴿ بَخِلُواْ بِهِ ﴾ إشارة إلى منعه الزكاة ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ عقوبة على العصيان بما هو أشد منه ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ حكم بوفاته على النفاق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والمؤتفكات ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن قالون والأعشى وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ والمؤتفكات ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب.
﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ م لما مر.
﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ سيرحمهم الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ما قالوا ﴾ ط ﴿ لم ينالوا ﴾ ج ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ج ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ من الصالحين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ علام الغيب ﴾ ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم.
وكونه بدلاً من الضمير في ﴿ نجواهم ﴾ ﴿ فيسخرون منهم ﴾ ط.
﴿ سخر الله منهم ﴾ ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم.
﴿ أليم ﴾ ه.
التفسير: لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيب الأنبياء والاشتغال بالنعيم الزائل بين أن أولئك الكفار من هم فذكر ست طوائف سمع العرب أخبارهم لأن بلادهم - وهي الشام - قريبة من بلادهم وقد بقيت آثارهم مشاهدة، ولهذا صدر الكلام بحرف الاستفهام للتقرير.
فأوّلهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم: قوم عاد وأهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: ثمود وأخمدوا بالصيحة، ورابعهم: قوم إبراهيم سلط الله عليهم البعوض وكفى شر ملكهم وهو نمرود ببعوضة واحدة سلطها على دماغه.
وخامسهم: أًصحاب مدين قوم شعيب أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات قوم لوط أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن جعل مدائنهم عاليها سافلها.
والائتفاك الانقلاب سميت مدائنهم بذلك لأن الله قلبها عليهم.
ويمكن أن يراد بالمؤتفكات الناس لانقلاب أحوالهم من الخير إلى الشر.
ثم قال ﴿ أتتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالمعجزات ولا بد بعد هذا من إضمار والتقدير فكذبوهم فأهلكهم الله.
﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ قالت المعتزلة: أي ما صح منه الظلم ولكنهم استحقوا ذلك بسبب كفرهم، وقد مر الكلام في أمثال ذلك.
ثم بين أن شأن المؤمنين في الدنيا والآخرة بخلاف المنافقين فقال ﴿ والمؤمنون ﴾ الآية قال بعض العلماء: إنما قال ههنا ﴿ أولياء بعض ﴾ وهناك ﴿ من بعض ﴾ لأن نفاق أتباع المنافقين حصل بسبب التقليد لأكابرهم بمقتضى الطبع والعادة بخلاف الموافقة بين المؤمنين فإنها بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية.
وأقول: كون بعض المنافقين من بعض يوجب اشتراكهم في أمر من الأمور بالجملة كالدار أو حكم من الأحكام الشرعية أو سيرة وطريقة وهذا هو المقصود، ولكنه يحتمل أن يكون تكلفاً أو بطريق النفاق لأن سببه انعقاد غرض من الأغراض الدنيوية العاجلة فذكر الله اشتراكهم في ذلك بلفظ "من" لمكان الاحتمال المذكور.
وأما تشارك المؤمنين في السيرة فلما كان سبببه الإخلاص والعصبية للدين والاجتماع على ما يفضي إلى سعادة الدارين كانت الموالاة بينهم محققة فصرح الله بذلك.
ثم وصفهم بأضداد صفات المنافقين فقال ﴿ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان بالنسبة إلى غيرهم.
ثم قال ﴿ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ وهاتان لهم في أنفسهم وهما بإزاء قوله في صفة المنافقين ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ .
ثم وصفهم بالطاعة على الإطلاق فقال ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ أي في كل ما يأتون ويذرون.
ثم ذكر ما أعدّ لهم من الثواب على سبيل الإجمال فقال ﴿ أولئك سيرحمهم الله ﴾ والسين تفيد المبالغة في إنجاز الوعد بالرحمة كما يؤكد الوعيد به إذا قلت سأنتقم منك يوماً يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ وفيه ترغيب للمؤمنين وترهيب للكافرين لأن العزيز هو من لا يمنع من مرادة في عباده من رحمة أو عقوبة.
والحكيم هو الذي يدبر عباده على وفق ما يقتضيه العدل والصلاح.
ثم فصل ما أجمل من الرحمة بقوله ﴿ وعد الله المؤمنين ﴾ الآية.
وقد كثر كلام أصحاب الآثار في معنى جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن ذلك فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله فقال: "هو قصر في الجنة من اللؤلؤ وفيه سبعون داراً من ياقوته حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة يعطى المؤمن من القوة ما يأتي على ذلك أجمع" .
وعن ابن عباس أنها دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر.
وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها قاله الأزهري.
وبطنان الأودية المواضع التي يستنقع فيها السيل واحدها بطن.
وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى.
وسائر الجنات حولها.
وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب.
فتهب الريح من تحت العرش فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض.
وقال عبد الله بن عمر: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد.
وفي هذه الأخبار دلالة على أن عدناً علم ويؤيده قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب ﴾ ولو لم يكن علماً لم يوصف بالمعرفة.
ولا ريب أن أصله صفة من قولك عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن للمكان الذي تخلق فيه الجواهر.
وعلى هذا فالجنات كلها جنات عدن.
إلا أن يغلب الاسم على بعضها.
﴿ ورضوان من الله ﴾ شيء يسير من رضاه ﴿ أكبر ﴾ من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وكرامة وكل خطب مع رضا المولى هين، وكل نعيم مع سخطه منغص.
وفيه دليل على أن السعادات الروحانية أعلى حالاً وأشرف مآلاً من السعادات الجسمانية بل لا نسبة لتلك اللذة والابتهاج إلى هذه على أن الاعتراف بالسعادات الجسمانية واجب من حيث الشرع ﴿ ذلك ﴾ الموعود والرضوان ﴿ هو الفوز العظيم ﴾ وحده دون ما يعده الناس فوزاً.
في الحديث "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟
فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أدخل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً" ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال المنافقين فقال ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ قال الضحاك: أي جاهد الكفار واغلظ على المنافقين لأن المنافق لا تجوز محاربته في ظاهر الشرع.
وضعف بأن النسق يأباه.
وقيل: المراد بهؤلاء المنافقين هم الذين عرفه الله حالهم فصاروا كسائر الكفرة فجاز قتالهم، وزيف بأنه وإن علم حالهم بالوحي إلا أنه مأمور بأن يحكم بالظاهر والقوم كانوا يظهرون الإسلام فكيف يجوز قتالهم؟
والصحيح أن الجهاد بذل المجهود في حصول المقصود وهو شامل للسيف واللسان، فالمراد جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة واغلظ عليهم في الجهادين جميعاً عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه بأن يكرهه ويبغضه ويتبرأ منه.
وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.
واعترض عليه بأن إقامة الحدود واجبة على كل فاسق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق.
واعتذر عنه بأنه قال ذلك لأن عنده أن كل فاسق منافق أو لأن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن رسول الله كونه منافقاً.
قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله فقال رسول الله : يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟
فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك فأنزل الله ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وعن قتادة أن رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبيّ يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبي الله فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية.
ومعنى قوله ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ أنهم أظهروا الكفر بعدما كانوا يظهرون الإسلام.
أما قوله ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ فهو الفتك برسول الله عند مرجعه من تبوك، وذلك أنه توافقخمسة عشر رجلاً منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر أخذ بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلام فالتفت فإذا هم قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا.
وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر بن قيس لرده على الجلاس بن سويد وقد مر في تفسير قوله ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم ﴾ وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله .
﴿ وما نقموا ﴾ وما أنكروا وما عابوا ﴿ إلا أن أغناهم ﴾ كقول القائل.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فظفروا بالغنائم وجمعوا الأموال.
وروي أنه قُتل للجلاس مولى فأمر رسول الله بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى، ثم استعطف قلوبهم بعد صدور هذه الجنايات العظيمة عنهم فقال ﴿ فإن يتوبوا يك ﴾ يعني ذلك الرجوع ﴿ خيراً لهم ﴾ وكان الجلاس ممن تاب فحسنت توبته ﴿ وإن يتولوا ﴾ يعرضوا عن التوبة ﴿ يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي واغتنام الأموال.
وقيل: بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب.
وقيل: في القبر وأما عذاب الآخرة فمعلوم ﴿ وما لهم في الأرض ﴾ يحتمل أرض الدنيا وأرض القيامة.
ثم بين أن هؤلاء كما ينافقون الرسول والمؤمنين فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه فقال ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ يروى عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال لرسول الله : ادع الله أن يرزقني مالاً فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه.
ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال فضة وذهباً لسارت.
فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأويتن كل ذي حق حقه.
فقال رسول الله : اللهم ارزق ثعلبة مالاً.
فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما.
ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل عنه رسول الله فأخبر خبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثاً وأنزل الله عز وجل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فبعث رسول الله رجلين على الصدقة رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وقال لهما.
مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما.
فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إليّ.
فانطلقا وأخبرا السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا عليك وما نريد أن نأخذ هذا منك.
قال: بلى خذوه فإن نفسي بها طيبة.
فأخذوها منه ثم رجعا على ثعلبة فقال: أروني كتابكما ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي.
فانطلقا حتى أتيا النبي فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة ثم نزلت الآية وعند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إليه وقال: يا ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا.
فخرج ثعلبة حتى أتى النبي فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك.
فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله : هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني.
فلما أبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله وقبض رسول الله ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله وموضعي من الأنصاري فاقبل صدقتي.
فقال: لم يقبلها رسول الله وأنا أقبلها؟
فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها في خلافة عثمان ولم يقبل صدقته واحد من الخلفاء اقتداء برسول الله .
وأقول وما ذاك إلا بشؤم اللجاج أولاً وآخراً.
قال بعض العلماء: المعاهدة أعم من أن تكون باللسان أو بالقلب.
وقال المحققون.
إنه لا بد من التلفظ بها لما روي أنه قال: "إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسهم ولم يتلفظوا به" ولأن قوله عز من قائل ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقن ﴾ ظاهره مشعر بالقول اللساني.
والمراد بالفضل إيتاء المال بطريق التجارة أو الاستغنام ونحوهما.
وأصل ﴿ لنصدقن ﴾ لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد.
والمصدق المعطي لا السائل كقوله ﴿ وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ﴾ ومعنى قوله ﴿ ولنكونن من الصالحين ﴾ عن ابن عباس أنه أراد الحج.
ولعل المراد إخراج كل ما يجب إخراجه إذ لا دليل على التقييد.
ثم وصفهم بصفات ثلاث فقال ﴿ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ﴾ فالبخل عبارة عن منع الحق الشرعي، والتولي نقض العهد، والإعراض أراد به الإحجام عن تكاليف الله وأن ذلك منهم عادة معتادة، ولترتب هذا الذم عل أمنع الصدقة ولإطلاق لفظة البخل عليه وهو في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب.
ذكر العلماء أن الصدقة الملتزمة في قوله ﴿ لنصدقن ﴾ هي الصدقة الواجبة.
وأن الرجل قد عاهد ربه أن يقول بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة.
إن وسع الله عليه دون ما يلتزنه الإنسان بالنذر من المندوبات إذ لا دليل في الآية على ذلك مع أن سبب النزول يأباه.
فإن قيل: الزكاة لا تلزم بسبب الالتزام وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحلول الحول.
قلنا إن قوله ﴿ لنصدقن ﴾ لا دليل فيه على الفور بل المراد لنصدقن في وقته الذي يليق به.
وفي الآية دلالة على أن الرجل حين عاهد بهذا العهد كان مسلماً ثم إنه لما بخل بالمال ولم يف بالعهد صار منافقاً ويؤكده قوله ﴿ فأعقبهم نفاقاً ﴾ عن الحسن وقتادة أن أعقب مسند إلى ضمير البخل أي أورثهم البخل نفاقاً متمنكاً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه وباعثاً عليه، وكذا التأويل إن جعل عائداً إلى التولي أو الإعراض.
وضعت بأن حاصل هذه الأمور كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق فى القلب لأن ترك الواجب عدم والنفاق جهل وكفر وهو أمر وجودي والعدم لا يؤثر في الوجود، ولأن هذا الترك قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه النفاق، ولأنه لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان الترك جائزاً شرعاً أو محرماً فسبب اختلافات الأحكام الشرعية لا يخرج السبب عن كونه مؤثراً، ولأن البخل أو التولي أو الإعراض هو بعينه خلاف ما وعدوا الله به فيصير تقدير الآية إن التولي أوجب النفاق بسبب التولي وهذا كلام كما ترى فلم يبق إلا أن يسند الفعل إلى الله فيكون فيه دليل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله، ومن هنا قال الزجاج: معناه أنهم لما ضلوا في الماضي فالله يضلهم عن الدين في المستقبل ومما يؤكد القول بأن الضمير في ﴿ أعقب ﴾ لله أن الضمير في قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ عائد إلى الله.
وللمعتزلة أن يقولوا: النفاق وإن سلم أنه وجودي لكنه أمر شرعي ولا يبعد جعل شيء عدمي أمارة عليه.
وأيضاً الترك المقرون بالتولي والإعراض لا نسلم أنه لا يحصل معه النفاق، ولا يلزم من كون الترك المحرم موجباً للكفر بجعل الشارع كون الترك الجائز كذلك، ولا نسلم أن البخل هو بعينه إخلاف الوعد والكذب بل قد يقع البخل من غير سبق وعد.
سلمنا عود الضمير إلى الله لكن من أين يلزم كونه خالقاً للكفر والنفاق، ولم لا يجوز أن يراد فأعقبهم الله العقوبة على النفاق بإحداث الغم في قلوبهم وضيق الصدور ما ينالهم من الذل والخوف، أو يراد فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا؟
ولأهل السنة أن يقولوا هذا عدول عن الظاهر مع أن الدلائل الدالة على وجوب انتهاء الكل إلى مشيئة الله وتقديره تعضد ما قلناه.
قال العلماء: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فعلى المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه.
ومذهب الحسن البصري أن نقض العهد يوجب النفاق لا محالة تمسكاً بهذه الآية وبقوله "ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وقال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله إنما ذكر قوله "ثلاث من كن فيه فهو منافق" في المنافقين خاصة الذين حدثوا رسول الله فكذبوه واؤتمنوا على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه.
ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره الله فيمن عاهده، وإذا أؤتمن على دين الله خان في السر وكان قلبه على خلاف لسانه.
ونقل أن واصل بن عطاء أرسل إلى الحسن رجلاً فقال: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم ﴿ فأكله الذئب ﴾ فكذبوا، ووعدوه في قولهم ﴿ وإنّا له لحافظون ﴾ فأخلفوا وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل تحكم بكونهم منافقين؟
فتوقف الحسن في مذهبه.
قال أهل التفسير: قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ دل على أن ذلك المعاهد يموت على ذلك وكان كما أخبر فيكون إخباراً بالغيب ومعجزاً.
قال الجبائي: هذا اللقاء لا شك أنه ليس بمعنى الرؤية لأن الكفار لا يرونه بالاتفاق فدل على أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ .
ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم الله وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم فقال ﴿ ألم يعلموا ﴾ الآية.
والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى ما يكون بين اثنين وأكثر مع الإخفاء عن غيرهم.
والترتيب يدل على التخليص كما مر في الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه ﴿ خلصوا نجياً ﴾ ومعنى الآية كيف تتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع أنه يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض؟!
عن ابن عباس أن رسول الله خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي.
فقال رسول الله : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم.
وقيل؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً.
وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله ﴿ الذين يلمزون المطوعين ﴾ أي المتطوعين فأدغمت.
والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب.
والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث.
وقال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم.
وفرق ابن السكيت بينهما فقال: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة.
وقال الشعبي: الأول في العمل والثاني في القوة ﴿ سخر الله منهم ﴾ خير لا دعاء كقوله ﴿ الله يستهزىء بهم ﴾ وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم.
وقال الأصم: المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله.
وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً.
التأويل: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿ يأمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله "فأحببت أن أعرف" ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ الحقيقية ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ ومساكن طيبة ﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿ يا أيها النبي ﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الانباء ﴿ جاهد ﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿ واغلظ عليهم ﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿ فمأواهم جهنم ﴾ القطيعة ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿ وما نقموا ﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ باستعداده الفطري ﴿ لئن آتانا من فضله ﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿ لنصدقن ﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿ وأن الله علام الغيوب ﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلق ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿ الغيوب ﴾ .
﴿ سخر الله منهم ﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ...
﴾ : قال بعضهم: نزلت الآية في ثعلبة بن حاطب، سأل رسول الله أن يدعو الله ليرزقه مالاً، وقال: ﴿ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
ومنهم من قال: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، أنه كان له أموال في الشام، فقال: لئن آتاني تلك الأموال لأصدقن وأكن من الصالحين، فقد آتاه الله تلك الأموال، فبخل ومنع ما وعد.
ومنهم من قال: نزلت في المنافقين جملة، ولكن ليست في شأن واحد منصوص مشار إليه، ولكن في المنافقين جملة، وهكذا كانت عادتهم أنهم إذا وعدوا شيئاً أخلفوا ولم يوفوا الوعد.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ﴾ أنه كان منافقاً وقت ما وعد الله، ووعد الله لئن أتاه من فضله ليصدقن، ويحتمل أنه لم يكن منافقاً في ذلك الوقت، لكنه صار بما بخل وكذب واعتقد الخلاف واستحل الخُلْف لما وعد - منافقاً، فإن كان إنما صار منافقاً بما بخل واستحل الخلاف له والمنع؛ فيكون قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: أعقبهم الدوام على النفاق إلى يوم القيامة ببخلهم ومنعهم ما وعدوا؛ فيكون هذا كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ...
﴾ الآية.
وفي قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ﴾ إلى قوله: ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ ﴾ دلالة أن النذور يلزم أهلها الوفاء بها، ويؤاخذون بها إن تركوا الوفاء، ويكفرون إن استحلوا نقض ما عاهدوا.
وقوله: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ قال بعضهم: من المؤمنين، فهو على تأويل من قال: إنه كان منافقاً وقتئذ.
ويحتمل ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: من الشاكرين.
وكذلك ذكر في الخبر أن ثعلبة لما سأل رسول الله أن يسأل الله له مالاً فقال: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي حقه.
أو كلام نحو هذا.
وقوله: ﴿ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ .
يحتمل: تولوا عن وفاء ما وعدوا، أو تولوا عن طاعة الله، ﴿ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ : أيضاً عن طاعة الله، أو معرضون عما وعدوا وعاهدوا أن يوفوا.
وقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ : قال بعضهم أثابهم نفاقاً بما بخلوا به إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: أعقبهم الدوام على النفاق ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ .
ينبغي للمسلم أن يجتنب الكذب والخلف في الوعد؛ فإنه سبب النفاق أو نوع من النفاق، [و] على ذلك روي في الخبر: "أن اجتنبوا الكذب؛ فإنه باب من النفاق، وعليكم بالصدق؛ فإنه باب من الإيمان" ، وفي بعضها عن النبي : "أربع من كن فيه كان منافقاً: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وفي بعضها: وإذا اؤتمن خان" فإن قيل: إن أولاد يعقوب اؤتمنوا فخانوا، وحدثوا فكذبوا بقولهم: ﴿ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ ، ووعدوا فأخلفوا، فترى أنهم نافقوا؟
قيل: ما روي أن من إذا حدث كذب هو الكذب في أمر الدين، وأما الكذب في غير أمر الدين فإنه لا يوجب النفاق.
وفي الآية دلالة ألا ينص بالسؤال في شيء على غير الخبر في ذلك من الله؛ ألا ترى أن ثعلبة لما ألح على الرسول بالسؤال أن يسأل ربه ليرزقه مالاً ففعل، فأعقبه الله نفاقاً إلى يوم القيامة؟!
ولأن أولاد يعقوب قد قدموا التوبة والإصلاح قِبَلَ صنيعهم الذي صنعوا على خوف منهم بما فعلوا والمنافقين، وأصله: أن اعتقاد الكذب، واستحلال الخلاف لما عهد، والخلف في الوعد - هو الموجب للنفاق، فأما ترك الوفاء على غير استحلال منه فلا يوجب ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أن قد علموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم؛ لكثرة ما يطلع رسوله على ما أسروا من الخلاف له وذكرهم السوء في رسول الله .
والثاني: ألم يعلموا أي: الذين نافقوا أن يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم، فيطلع رسوله على سرهم ونجواهم فيتركوا الطعن في رسول الله، وذِكْرِ ذلك والخلاف له.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .
أي: علام بالغيوب التي غاب عن الخلق، وإلا ليس شيء يغيب عنه، ما غاب عن الخلق وما لم يغب عنده بمحل واحد.
أو ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ ، أي: علام بما يكون أبداً في جميع الأوقات التي تكون.
[و] فيه دلالة أنه عالماً بما في الضمائر والسرائر وما كان غائباً عن الخلق والغيب: هو ما علم أنه يكون له أنه كان ولم يزل عالماً؛ لما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
ألم يعلم المنافقون أن الله يعلم ما يخفون من الكيد والمكر في مجالسهم، وأن الله سبحانه علام الغيوب؟
فلا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وسيجازيهم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.Dbvwl"