الآية ٨ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٨ من سورة التوبة

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى محرضا للمؤمنين على معاداة المشركين والتبري منهم ، ومبينا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله وكفرهم برسول الله ولو أنهم إذ ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم ، لم يبقوا ولم يذروا ، ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة .

قال علي بن أبي طلحة ، وعكرمة ، والعوفي عن ابن عباس : " الإل " : القرابة ، " والذمة " : العهد .

وكذا قال الضحاك والسدي ، كما قال تميم بن مقبل : أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإل وأعراق الرحم وقال حسان بن ثابت - رضي الله عنه - : وجدناهم كاذبا إلهم وذو الإل والعهد لا يكذب وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( لا يرقبون في مؤمن إلا ) قال : الله .

وفي رواية : لا يرقبون الله ولا غيره .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان ، عن أبي مجلز في قوله تعالى : ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) مثل قوله : " جبرائيل " ، " ميكائيل " ، " إسرافيل " ، [ كأنه يقول : يضيف " جبر " ، و " ميكا " ، و " إسراف " ، إلى " إيل " ، يقول عبد الله : ( لا يرقبون في مؤمن إلا ) ] كأنه يقول : لا يرقبون الله .

والقول الأول أشهر وأظهر ، وعليه الأكثر .

وعن مجاهد أيضا : " الإل " : العهد .

وقال قتادة : " الإل " : الحلف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: كيف يكون لهؤلاء المشركين الذين نقضوا عهدهم أو لمن لا عهد له منهم منكم، أيها المؤمنون، عهد وذمة, وهم =(إن يظهروا عليكم)، يغلبوكم =(لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة).

* * * واكتفى بـ " كيف " دليلا على معنى الكلام, لتقدم ما يراد من المعني بها قبلها.

وكذلك تفعل العرب، إذا أعادت الحرف بعد مضيّ معناه، استجازوا حذف الفعل, كما قال الشاعر: (10) وَخَبَّرْتُمَـانِي أَنَّمَـا الْمَـوْتُ فِي الْقُرَى فَكَــيْفَ وَهَــذِي هَضْبَـةٌ وَكَـثِيبُ (11) فحذف الفعل بعد " كيف "، لتقدم ما يراد بعدها قبلها.

ومعنى الكلام: فكيف يكون الموت في القرى، وهذي هضبة وكثيب، لا ينجو فيهما منه أحد.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة).

فقال بعضهم، معناه: لا يرقبوا الله فيكم ولا عهدًا.

* ذكر من قال ذلك: 16499- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا ، [سورة التوبة: 10]، قال: الله.

16500- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن سليمان, عن أبي مجلز في قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ، قال: مثل قوله: " جبرائيل "، " ميكائيل "، " إسرافيل ", كأنه يقول: يضيف " جَبْر " و " ميكا " و " إسراف "، إلى " إيل ", (12) يقول: عبد الله = لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا ، كأنه يقول: لا يرقبون الله.

16501- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثني محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا ولا ذمة)، لا يرقبون الله ولا غيره.

* * * وقال آخرون: " الإلّ"، القرابة.

* ذكر من قال ذلك: 16502- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ، يقول: قرابةً ولا عهدًا.

وقوله: (وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)، قال: " الإل "، يعني: القرابة, و " الذمة "، العهد.

16503- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)، " الإلّ"، القرابة, و " الذمة "، العهد، يعني أهل العهد من المشركين, يقول: ذمتهم.

16504- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية وعبدة، عن جويبر, عن الضحاك، " الإل "، القرابة.

(13) 16505- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا محمد بن عبد الله, عن سلمة بن كهيل, عن عكرمة, عن ابن عباس: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ، قال: " الإلّ"، القرابة، و " الذمة "، العهد.

16506- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان, قال سمعت، الضحاك يقول في قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ، " الإل "، القرابة, و " الذمة "، الميثاق.

16507- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (كيف وإن يظهروا عليكم)، المشركون =(لا يرقبوا فيكم)، عهدًا ولا قرابة ولا ميثاقًا.

* * * وقال آخرون: معناه: الحلف.

* ذكر من قال ذلك: 16508- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)، قال: " الإل "، الحلف, و " الذمة "، العهد.

* * * وقال آخرون: " الإلّ"، هو العهد، ولكنه كرِّر لما اختلف اللفظان، وإن كان معناهما واحدًا.

* ذكر من قال ذلك: 16509- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا)، قال: عهدًا.

16510- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)، قال: لا يرقبوا فيكم عهدًا ولا ذمة.

قال: إحداهما من صاحبتها كهيئة " غفور "، " رحيم ", قال: فالكلمة واحدة، وهي تفترق.

قال: والعهد هو " الذمة ".

16511- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبيه, عن خصيف, عن مجاهد (ولا ذمة)، قال: العهد.

16512- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس, عن خصيف, عن مجاهد: (ولا ذمة)، قال: " الذمة "، العهد.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين الذين أمر نبيَّه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وحصرهم والقعود لهم على كل مرصد: أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم " إلا ".

و " الإلّ": اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد، والعقد, والحلف, والقرابة, وهو أيضا بمعنى " الله ".

فإذْ كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة, ولم يكن الله خصّ من ذلك معنى دون معنى, فالصواب أن يُعَمّ ذلك كما عمّ بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة, فيقال: لا يرقبون في مؤمنٍ اللهَ, ولا قرابةً, ولا عهدًا, ولا ميثاقًا.

ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى " القرابة " قول ابن مقبل: أَفْسَــدَ النَّــاسَ خُــلُوفٌ خَــلَفُوا قَطَعُـــوا الإلَّ وَأَعْــرَاقَ الرَّحِــمْ (14) بمعنى: قطعوا القرابة، وقول حسان بن ثابت: لَعَمْــرُكَ إِنَّ إِلَّــكَ مِــنْ قُـرَيْشٍ كَــإلِّ السَّــقْبِ مِــنْ رَأْلِ النَّعـامِ (15) وأما معناه إذا كان بمعنى " العهد "، فقول القائل: (16) وَجَدْنَــاهُمُ كَاذِبًـــا إلُّهُـــمْ وَذُو الإلِّ وَالْعَهْــــدِ لا يَكْـــذِبُ * * * وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين: أن " الإلّ"، و " العهد "، و " الميثاق "، و " اليمين " واحد = وأن " الذمة " في هذا الموضع، التذمم ممن لا عهد له, والجمع: " ذِمَم ".

(17) * * * وكان ابن إسحاق يقول: عنى بهذه الآية أهل العهد العام.

16513- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (كيف وإن يظهروا عليكم)، أي: المشركون الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل العهد العام =(لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة).

(18) * * * فأما قوله: (يرضونكم بأفواههم)، فإنه يقول: يعطونكم بألسنتهم من القول، خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء (19) =(وتأبى قلوبهم)، أي: تأبَى عليهم قلوبهم أن يذعنوا لكم، بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم.

يحذِّر جل ثناؤه أمرَهم المؤمنين، ويشحذهم على قتلهم واجتياحهم حيث وجدوا من أرض الله, وأن لا يقصِّروا في مكروههم بكل ما قدروا عليه =(وأكثرهم فاسقون)، يقول: وأكثرهم مخالفون عهدَكم، ناقضون له, كافرون بربهم، خارجون عن طاعته.

(20) --------------------- الهوامش : (10) هو كعب بن سعد الغنوي .

(11) الأصمعيات : 99 ، طبقات فحول الشعراء : 176 ، أمالي القالي : 151 ، جمهرة أشعار العرب : 135 ، ومعاني القرآن للفراء : 1 : 424 وغيرها كثير .

وهي من أشهر المرائي وأنبلها .

وكان لكعب بن سعد أخ يقال له " أبو المغوار " ، فأخذ المدينة وباء ، فنصحوه بأن يفر بأخيه من الأرض الوبيئة ، لينجو من طوارق الموت ، فلما خرج به إلى البادية هلك أخوه ، فتفجع عليه تفجع العربي النبيل .

(12) في المخطوطة : " كأنه يقول : يضاف جبر " ، وفي المخطوطة : " كأنه يقول جبر يضف جبر .

.

.

" .

وفي المخطوطة أيضا " سراف " بغير ألف .

(13) الأثر : 16504 - في المطبوعة : " عن حوشب ، عن الضحاك " ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب وهذا إسناد مضى مثله مرارا .

(14) من أبيات مفرقة ، لم أجدها مجموعة في مكان ، وهذا بيت لم أجده أيضا في مكان آخر .

و " خلوف " جمع " خلف " ( بفتح فسكون ) ، وهو بقية السوء والأشرار تخلف من سبقها.

وفي المخطوطة : " أخلفوا " بالألف ، والصواب ما في المطبوعة .

و " الأعراق " جمع " عرق " وعرق كل شيء : أصله الذي منه ثبت .

ويقال منه : " تداركه أعراق خير ، وأعراق شر " .

(15) ديوانه : 407 ، واللسان ( ألل ) ، من أبيات هجا بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخوه من الرضاعة ، وكان ممن يشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم .

وكان أبو سفيان ممن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، ويهجوه ، ويؤذي المسلمين ، فانبرى له حسان فأخذ منه كل ما أخذ .

ثم أسلم في فتح مكة ، وشهد حنينا ، وثبت فيمن ثبت مع نبي الله ، وظل آخذا بلجام بغلة رسول الله يكفها ورسول الله يركضها إلى الكفار.

ثم ظل أبو سفيان بعد ذلك لا يرفع رأسه إلى رسول الله حياء منه .

ولكن كان من هجاء حسان له ، بعد البيت : فَــإنَّكَ إِن تَمُــتَّ إلــى قُــرَيْشٍ كَــذَاتِ البَـــوِّ جائِلَــةَ المَــرَامِ وَأَنْـــتَ مُنَــوَّطٌ بِهِــمُ هَجِــينٌ كمــا نِيــطَ السَّــرَائِحُ بــالخِدَامِ فَــلا تَفْخَــر بِقَـوْمٍ لَسْـتَ مِنْهُـمْ ولا تَــكُ كاللِّئَــامِ بَنِــي هِشــامِ " السقب " ، ولد الناقة ساعة يولد .

و " الرأل " ، ولد النعام .

يقول : ما قرابتك في قريش ، إلا كقرابة الفصيل ، من ولد النعام !

.

(16) لم أعرف قائله .

(17) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 253 .

(18) الأثر : 16513 - سيرة ابن هشام 4 : 189 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16492 .

(19) انظر تفسير " بدت البغضاء من أفواههم " 7 : 145 - 147 / و " يقولون بأفواههم " 7 : 378 / و " قالوا آمنا بأفواههم " ، 10 : 301 - 308 .

(20) انظر تفسير " الفسق " فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقونقوله تعالى كيف وإن يظهروا عليكم أعاد التعجب من أن يكون لهم عهد مع خبث أعمالهم ، أي كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة .

يقال : ظهرت على فلان أي غلبته ، وظهرت البيت علوته ، ومنه فما اسطاعوا أن يظهروه أي يعلوا عليه .[ ص: 18 ] قوله تعالى لا يرقبوا فيكم يرقبوا يحافظوا .

والرقيب الحافظ .

وقد تقدم .إلا عهدا ، عن مجاهد وابن زيد .

وعن مجاهد أيضا : هو اسم من أسماء الله عز وجل .

ابن عباس والضحاك : قرابة .

الحسن : جوارا .

قتادة : حلفا ، وذمة عهدا .

أبو عبيدة : يمينا .

وعنه أيضا : إلا العهد ، والذمة التذمم .

الأزهري : اسم الله بالعبرانية ، وأصله من الأليل وهو البريق ، يقال أل لونه يؤل ألا ، أي صفا ولمع .

وقيل : أصله من الحدة ، ومنه الألة للحربة ، ومنه أذن مؤللة أي محددة .

ومنه قول طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب .مؤللتان تعرف العتق فيهما كسامعتي شاة بحومل مفردفإذا قيل للعهد والجوار والقرابة " إل " فمعناه أن الأذن تصرف إلى تلك الجهة ، أي تحدد لها .

والعهد يسمى " إلا " لصفائه وظهوره .

ويجمع في القلة آلال .

وفي الكثرة إلال .

وقال الجوهري وغيره : الإل بالكسر هو الله عز وجل ، والإل أيضا العهد والقرابة .

قال حسان :لعمرك إن إلك من قريش كإل السقب من رأل النعامقوله تعالى ولا ذمة أي عهدا .

وهي كل حرمة يلزمك إذا ضيعتها ذنب .

قال ابن عباس والضحاك وابن زيد : الذمة العهد .

ومن جعل الإل العهد فالتكرير لاختلاف اللفظين .

وقال أبو عبيدة معمر : الذمة التذمم .

وقال أبو عبيد : الذمة الأمان في قوله عليه السلام : ويسعى بذمتهم أدناهم .

وجمع ذمة ذمم .

وبئر ذمة - بفتح الذال - قليلة الماء ، وجمعها ذمام .

قال ذو الرمة :على حميريات كأن عيونها ذمام الركايا أنكزتها المواتحأنكزتها أذهبت ماءها .

وأهل الذمة أهل العقد .قوله تعالى يرضونكم بأفواههم أي يقولون بألسنتهم ما يرضي ظاهره .

وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون أي ناقضون العهد .

وكل كافر فاسق ، ولكنه أراد هاهنا المجاهرين بالقبائح ونقض العهد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ ‏{‏كَيْفَ‏}‏ يكون للمشركين عند اللّه عهد وميثاق ‏{‏و‏}‏ الحال أنهم ‏{‏وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ‏}‏ بالقدرة والسلطة، لا يرحموكم، و ‏{‏لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً‏}‏ أي‏:‏ لا ذمة ولا قرابة، ولا يخافون اللّه فيكم، بل يسومونكم سوء العذاب، فهذه حالكم معهم لو ظهروا‏.‏ ولا يغرنكم منهم ما يعاملونكم به وقت الخوف منكم، فإنهم ‏{‏يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ‏}‏ الميل والمحبة لكم، بل هم الأعداء حقا، المبغضون لكم صدقًا، ‏{‏وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ لا ديانة لهم ولا مروءة‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( كيف وإن يظهروا عليكم ) هذا مردود على الآية الأولى تقديره : كيف يكون لهم عهد عند الله كيف وإن يظهروا عليكم!

( لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) قال الأخفش : كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي : يظفروا بكم ، لا يرقبوا : لا يحفظوا؟

وقال الضحاك : لا ينتظروا .

وقال قطرب : لا يراعوا فيكم إلا .

قال ابن عباس والضحاك : قرابة .

وقال يمان : رحما .

وقال قتادة : الإل الحلف .

وقال السدي : هو العهد .

وكذلك الذمة ، إلا أنه كرر لاختلاف اللفظين .

وقال أبو مجلز ومجاهد : الإل هو الله عز وجل .

وكان عبيد بن عمير يقرأ : " جبر إل " بالتشديد ، يعني : " عبد الله " .

وفي الخبر أن ناسا قدموا على أبي بكر من قوم مسيلمة الكذاب ، فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرؤوا ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : إن هذا الكلام لم يخرج من إل ، أي : من الله .

والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة " لا يرقبون في مؤمن إيلا " بالياء ، يعني : الله عز وجل .

مثل جبرائيل وميكائيل .

ولا ذمة أي : عهدا .

( يرضونكم بأفواههم ) أي : يعطونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم ، ( وتأبى قلوبهم ) الإيمان ، ( وأكثرهم فاسقون ) .

فإن قيل : هذا في المشركين وكلهم فاسقون فكيف قال : " وأكثرهم فاسقون " ؟

قيل : أراد بالفسق : نقض العهد ، وكان في المشركين من وفى بعهده ، وأكثرهم نقضوا ، فلهذا قال : " وأكثرهم فاسقون " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كيف» يكون لهم عهد «وإن يظهروا عليكم» يظفروا بكم «لا يرقبوا» يراعوا «فيكم إلاّ» قرابة «ولا ذمة» عهدا بل يؤذوكم ما استطاعوا وجملة الشرط حال «يرضونكم بأفواههم» بكلامهم الحسن «وتأبى قلوبهم» الوفاء به «وأكثرهم فاسقون» ناقضون للعهد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن شأن المشركين أن يلتزموا بالعهود ما دامت الغلبة لغيرهم، أما إذا شعروا بالقوة على المؤمنين فإنهم لا يراعون القرابة ولا العهد، فلا يغرنكم منهم ما يعاملونكم به وقت الخوف منكم، فإنهم يقولون لكم كلامًا بألسنتهم؛ لترضوا عنهم، ولكن قلوبهم تأبى ذلك، وأكثرهم متمردون على الإسلام ناقضون للعهد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً .

.

.

) لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، ولاستنكار ان يكون لهم عهد حقيق بالمرعاة ، وبيان لما يكون عليه أمرهم عند ظهورهم على المؤمنين .وفائدة هذا التكرار للفظ ( كَيْفَ ) : التأكيد والتمهيد لتعداد الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مجاهدتهم والإِغلاظ عليهم ، والحذر منهم .قال الآلوسى : وحذف الفعل كيف هنا لكونه معلوماً من الآية السابقة ، وللإِيذان بأن النفس مستضحرة له ، مترقبة لورود ما يوجب استنكاره .وقد كثر الحذف للفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده .

ومن ذلك قول كعب الغنوى يرثى أخاه أبا المغوار :وخبرتمانى أنما الموت بالقرى ...

فيكف وماتا هضبة وقليبيريد فكيف مات والحال ما ذكر .والمراد هنا : كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعند رسوله وحالهم أنهم ( وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ) .وقوله : ( يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) يظفروا بكم ويغلبوكم .

يقال : ظهرت على فلان أى : غلبته ومنه قوله - تعالى - ( فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ) أى : غالبين .وقوله : ( لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ ) أى : لا يراعوا فى شأنكم .

يقال : رقب فلان الشئ يرقبه إذا رعاه وحفظه .

.

ورقيب القوم حارسهم .والإِل : يطلق على العهد ، وعلى القرابة ، وعلى الحلق .قال ابن جرير - بعد أن ساق أوالا فى معنى الإِل - وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : والإِل : اسم يشتمل على معان ثلاثة : وهى العهد والعقد ، والحلف ، والقرابة .

.

ومن ادلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل :أفسد الناس خلوف خلفوا ...

قطعوا الإِل وأعراق الرحمأى قطعوا القرابة .ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى العهد قول القائل :وجدناهم كاذبا إلهم ...

وذو الإِل والعهد لا يكذبوإذا كان الكلمة تشمل هذه المعانى الثلاثة ، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى ، فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها - جل ثناؤه - معانيها الثلاثة .

.والذمة : كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة أو هى ما يتذمم به أى يجتنب فيه الذم .والمعنى : بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ، والحال المعهود منهم أن إن يظفروا بكم ويغلبوكم ، لا يراعوا فى أمركم لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ولا حقا من الحقوق .وقوله - تعالى - ( يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وتأبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ) زيادة بيان للأحال القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين .أى : أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم - أيها المؤمنون - فلعوا بكم الأفاعيل ، وتفتنوا فى إيذاكم من غير أن يقيموا وزنا لما بينكم وبينهم من عهود وموايثق ، وقرابات وصلات .

.

أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم في هذه الحالة ( يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ) أى : يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا إرضاء لكم ، وهم فى الوقت نفسه ( وتأبى قُلُوبُهُمْ ) المملوءة حقدا عليكم وبغضا لكم تصديق ألسنتهم ، فهم كما وصفهم - سبحانه - فى آية أخرى : ( يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) وقوله : ( وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ) أى : خارجون عن حدود الحق ، منفصلون عن كل فضيلة ومكرمة ، إذ الفسق هو الخروج والانفصال .

يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها وفسق فلان إذا خرج عن حدود الشرع .وإنما وصف أكرهم بالفسوق ، لأن هؤلاء الاكثرين منهم ، هم الناقضون لعهودهم ، الخارجون على حدود ربهم ، أما الأقلون منهم فهم الذين وفوا بعهودهم ، ولم ينقصوا المؤمنين شيئا ، ولم يظاهروا عليهم أحدا .وبذلك نرى أن الاية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين وصفا فى نهاية الذم والقبح ، لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا واسرفوا فى الإِيذاء ، نابذين كل عهد وقراءة وعرف .

.

أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين الذى تنطق به ألسنتهم ، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة .أى أن الغدر ملازم لهم فى حالتى قوتهم وضعفهم ، لأنهم فى حالة قوتهم ( لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ) .

وفى حالة ضعفهم يخادعون ويداهون حتى تحين لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ كَيْفَ ﴾ تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل كونه معلوماً أي كيف يكون عهدهم وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق لم ينظروا إلى حلف ولا عهد (ولم يبقوا عليكم) هذا هو المعنى، ولا بد من تفسير الألفاظ المذكورة في الآية يقال: ظهرت على فلان إذا علوته، وظهرت على السطح إذا صرت فوقه.

قال الليث: الظهور الظفر بالشيء.

وأظهر الله المسلمين على المشركين أي أعلاهم عليهم ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظاهرين  ﴾ وقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ﴾ أي ليعليه، وتحقيق القول فيه أن من غلب غيره حصلت له صفة كمال، ومن كان كذلك أظهر نفسه ومن صار مغلوباً صار كالناقص، والناقص لا يظهر نفسه ويخفي نقصانه فصار الظهور كناية للغلبة لكونه من لوازمها فقوله: ﴿ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ ﴾ يريد أن يقدروا عليكم وقوله: ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ ﴾ قال الليث: رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوباً وهو أن ينتظره ورقيب القوم حارسهم وقوله: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى  ﴾ أي لم تحفظه، أما الأول ففيه أقوال: الأول: أنه العهد قال الشاعر: وجدناهم كاذباً إلهم *** وذو الإل والعهد لا يكذب يعني العهد الثاني: قال الفراء: الإل القرابة.

قال حسان: لعمرك أن إلك من قريش *** كإل السقب من رأل النعام يعني القرابة والثالث الإل الحلف.

قال أوس بن حجر: لولا بنو مالك والإل مرقبه *** ومالك فيهم الآلاء والشرف يعني الحلف.

والرابع: الإل هو الله عز وجل، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما سمع هذيان مسيلمة قال: إن هذا الكلام لم يخرج من إل، وطعن الزجاج في هذا القول وقال: أسماء الله معلومة من الأخبار والقرآن ولم يسمع أحد يقول: يا إل.

الخامس: قال الزجاج: حقيقة الإل عندي على ما توجبه اللغة تحديد الشيء، فمن ذلك الألة الحربة.

وأذن مؤللة، فالإل يخرج في جميع ما فسر من العهد والقرابة.

السادس: قال الأزهري: أيل من أسماء الله عز وجل بالعبرانية، فجائز أن يكون عرب.

فقيل إل.

السابع: قال بعضهم: الإل مأخوذ من قولهم إل يؤل ألا، إذا صفا ولمع ومنه الآل للمعانه، وأذن مؤللة شبيهة بالحربة في تحديدها وله أليل أي أنين يرفه به صوته، ورفعت المرأة أليلها إذا ولولت، فالعهد سمي إلا، لظهوره وصفائه من شوائب الغدر، أو لأن القوم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه.

أما قوله: ﴿ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ فالذمة العهد، وجمعها ذمم وذمام، كل أمر لزمك، وكان بحيث لو ضيعته لزمتك مذمة، وقال أبو عبد الله الذمة ما يتذمم منه، يعني ما يجتنب فيه الذم يقال: تذمم فلان، أي ألقى على نفسه الذم، ونظيره تحوب، وتأثم وتحرج.

أما قوله: ﴿ يُرْضُونَكُم بأفواههم وتأبى قُلُوبُهُمْ ﴾ أي يقولون بألسنتهم كلاماً حلواً طيباً، والذي في قلوبهم بخلاف ذلك، فإنهم لا يضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: الموصوفون بهذه الصفة كفار.

والكفر أقبح وأخبث من الفسق، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم.

السؤال الثاني: أن الكفار كلهم فاسقون، فلا يبقى لقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ فائدة.

والجواب عن الأول: أن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، وقد يكون فاسقاً خبيث النفس في دينه، فالمراد هاهنا أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود ﴿ أَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ في دينهم وعند أقوامهم، وذلك يوجب المبالغة في الذم.

والجواب عن الثاني: عين ما تقدم، لأن الكافر قد يكون محترزاً عن الكذب، ونقض العهد والمكر والخديعة، وقد يكون موصوفاً بذلك، ومثل هذا الشخص يكون مذموماً عند جميع الناس وفي جميع الأديان، فالمراد بقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ أن أكثرهم موصوفون بهذه الصفات المذمومة، وأيضاً قال ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب، فلهذا السبب قال: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام.

أما قوله: ﴿ اشتروا بئايات الله ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ﴾ ففيه قولان: الأول: المراد منه المشركون.

قال مجاهد: أطعم أبو سفيان بن حرب حلفاءه، وترك حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة.

الثاني: لا يبعد أن تكون طائفة من اليهود أعانوا المشركين على نقض تلك العهود، فكان المراد من هذه الآية ذم أولئك اليهود، وهذا اللفظ في القرآن كالأمر المختص باليهود ويقوى هذا الوجه بما أن الله تعالى أعاد قوله: ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ولو كان المراد منه المشركين لكان هذا تكراراً محضاً، ولو كان المراد منه اليهود لم يكن هذا تكراراً، فكان ذلك أولى.

ثم قال: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون ﴾ يعني يعتدون ما حده الله في دينه وما يوجبه العقد والعهد، وفي ذلك نهاية الذم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَيْفَ ﴾ استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد؛ لأن يكون للمشركين عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أضداد وغرة صدورهم، يعني: محال أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم.

ثم استدرك ذلك بقوله: ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ أي ولكن الذين عاهدتم منهم ﴿ عِندَ المسجد الحرام ﴾ ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم ﴿ فَمَا استقاموا لَكُمْ ﴾ على العهد ﴿ فاستقيموا لَهُمْ ﴾ على مثله ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين ﴿ كَيْفَ ﴾ تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوماً كما قال: وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّمَا الْمَوْتُ بِالْقُرَى ** فَكَيْف وَهَاتَا هَضْبَة وَقَليبُ يريد: فكيف مات.

أي: كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ ﴾ بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق، لم ينظروا في حلف ولا عهد ولم يبقوا عليكم ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ ﴾ لا يراعوا حلفاً.

وقيل: قرابة.

وأنشد لحسان رضي الله عنه: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيْش ** كَإلِّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ وقيل: ﴿ إِلاًّ ﴾ إلها وقرئ: ﴿ إيلا ﴾ ، بمعناه وقيل: جبرئيل، وجبرئل، من ذلك.

وقيل: منه اشتق الآل بمعنى القرابة، كما اشتقت الرحم من الرحمن، والوجه ان اشتقاق الإلّ بمعنى الحلف، لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه، من الأل وهو الجؤار، وله أليل: أي أنين يرفع به صوته.

ودعت ألليها: إذا ولولت، ثم قيل لكل عهد وميثاق: إلّ.

وسميت به القرابة، لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق ﴿ يُرْضُونَكُم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد.

وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ متمرّدون خلعاء لا مروءة تزعهم، ولا شمائل مرضية تردعهم، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة، من التفادي عن الكذب والنكث، والتعفف عما يثلم العرض ويجرّ أحدوثة السوء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَيْفَ ﴾ تَكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ أوْ بَقاءِ حُكْمِهِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ وحُذِفَ الفِعْلُ لِلْعِلْمِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى.

.

.

فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ أيْ فَكَيْفَ ماتَ.

﴿ وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْفَرُوا بِكم.

﴿ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ ﴾ لا يُراعُوا فِيكم.

﴿ إلا ﴾ حِلْفًا وقِيلَ قَرابَةٌ قالَ حَسّانُ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ.

.

.

∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَألِ النَّعامِ وَقِيلَ رُبُوبِيَّةٌ ولَعَلَّهُ اشْتُقَّ لِلْحِلْفِ مِنَ الإلِّ وهو الجُؤارُ لِأنَّهم كانُوا إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْقَرابَةِ لِأنَّها تَعْقِدُ بَيْنَ الأقارِبِ ما لا يَعْقِدُهُ الحِلْفُ، ثُمَّ لِلرُّبُوبِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ.

وقِيلَ اشْتِقاقُهُ مَن ألَّلَ الشَّيْءَ إذا حَدَّدَهُ أوْ مِن آلَ البَرْقُ إذا لَمَعَ.

وقِيلَ إنَّهُ عِبْرِيٌّ بِمَعْنى الإلَهِ لِأنَّهُ قُرِئَ إيلًا كَجِبْرَئِلَ وجِبْرَئِيلَ.

﴿ وَلا ذِمَّةً ﴾ عَهْدًا أوْ حَقًّا يُعابُ عَلى إغْفالِهِ.

﴿ يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ المُنافِيَةِ لِثَباتِهِمْ عَلى العُهَدِ المُؤَدِّيَةِ إلى عَدَمِ مُراقَبَتِهِمْ عِنْدَ الظَّفَرِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِن فاعِلِ لا يَرْقُبُوا فَإنَّهم بَعْدَ ظُهُورِهِمْ لا يُرْضُونَ ولِأنَّ المُرادَ إثْباتُ إرْضائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِوَعْدِ الإيمانِ والطّاعَةِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ في الحالِ، واسْتِبْطانِ الكُفْرِ والمُعاداةِ بِحَيْثُ إنْ ظَفَرُوا لَمْ يُبْقُوا عَلَيْهِمْ والحالِيَّةُ تُنافِيهِ وتَأْبى قُلُوبُهم ما تَتَفَوَّهُ بِهِ أفْواهُهم.

﴿ وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ ﴾ مُتَمَرِّدُونَ لا عَقِيدَةَ تَزَعُهم ولا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم، وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ لِما في بَعْضِ الكَفَرَةِ مِنَ التَّفادِي عَنِ الغَدْرِ والتَّعَفُّفِ عَمّا يَجُرُّ إلى أُحْدُوثَةِ السُّوءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد وحذف الفعل لكونه معلوماً أى كيف يكون لهم عهدو حالهم أنهم إن يظهروا عليكم أي يظفروا بكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ} لا يراعوا حلفاً ولا قرابة {وَلاَ ذِمَّةً} عهداً {يُرْضُونَكُم بأفواههم} بالوعد بالإيمان والوفاء بالعهد وهو كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد {وتأبى قُلُوبُهُمْ} الإيمان والوفاء بالعهد {وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون} ناقضون العهد أو متمردون فى الكفر لامروءة تمنعهم عن الكذب ولا شمائل تردعهم عن النكث كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادى عنها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَيْفَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِاسْتِنْكارِ ما مَرَّ مِن أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ حَقِيقٌ بِالمُراعاةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِاسْتِبْعادِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ وفائِدَةُ التَّكْرارِ التَّأْكِيدُ والتَّمْهِيدُ لِتَعْدادِ العِلَلِ المُوجِبَةِ لَما ذُكِرَ لا خِلالَ تَخَلُّلِ ما في البَيْنِ بِالِارْتِباطِ والتَّقْرِيبِ؛ وحَذْفُ الفِعْلِ المُسْتَنْكَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ النَّفْسَ مُسْتَحْضِرَةٌ لَهُ مُتَرَقِّبَةٌ لِوُرُودِ ما يُوجِبُ اسْتِنْكارَهُ، وقَدْ كَثُرَ حَذْفُ الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَعَ كَيْفَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ حالِيَّةٍ بَعْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبٍ الغَنَوِيِّ يَرْثِي أخاهُ أبا المِغْوارِ: وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ في القُرى فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ يُرِيدُ فَكَيْفَ ماتَ والحالُ ما ذُكِرَ، والمُرادُ هُنا كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ مُعْتَدٌّ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ( و) حالُهم أنَّهم ( ﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ ) أيْ يَظْفَرُوا بِكم ( ﴿ لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً ﴾ ) أيْ: لَمْ يُراعُوا في شَأْنِكم ذَلِكَ، وأصْلُ الرُّقُوبِ النَّظَرُ بِطَرِيقِ الحِفْظِ والرِّعايَةِ ومِنهُ الرَّقِيبُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الرِّعايَةِ، والمُراقَبَةُ أبْلَغُ مِنهُ كالمُراعاةِ، وفي نَفْيِ الرُّقُوبِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في نَفْيِهِما، وما ألْطَفَ ذِكْرَ الرُّقُوبِ مَعَ الظُّهُورِ و( الإلُّ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وقَدْ يُفْتَحُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الرَّحِمُ والقَرابَةُ وأنْشَدَ قَوْلَ حَسّانَ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الضَّحّاكُ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ الحِلْفُ والعَهْدُ، قِيلَ: ولَعَلَّهُ بِهَذا المَعْنى مُشْتَقٌّ مِنَ الإلِّ وهو الجِوارُ لِأنَّهم كانُوا إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا أصْواتَهم ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْقَرابَةِ لِأنَّ بَيْنَ القَرِيبَيْنِ عَقْدًا أشَدَّ مِن عَقْدِ التَّحالُفِ، وكَوْنُهُ أشَدَّ لا يُنافِي كَوْنَهُ مُشَبَّهًا لِأنَّ الحِلْفَ يُصَرَّحُ بِهِ ويُلْفَظُ فَهو أقْوى مِن وجْهٍ آخَرَ ولَيْسَ التَّشْبِيهُ مِنَ المَقْلُوبِ كَما تُوُهِّمَ، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ مَن ألَّلَ الشَّيْءَ إذا حَدَّدَهُ أوْ مِن ألَّ البَرْقُ إذا لَمَعَ وظَهَرَ، ووَجْهُ المُناسِبَةِ ظاهِرٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٌ أنَّ الإلَّ بِمَعْنى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِنهُ ما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قُرِئَ عَلَيْهِ كَلامُ مُسَيْلِمَةَ، فَقالَ: لَمْ يَخْرُجْ هَذا مِن إلٍّ فَأيْنَ تَذْهَبُ بِكُمْ؟

قِيلَ: ومِنهُ اشْتُقَّ الإلُّ بِمَعْنى القَرابَةِ كَما اشْتُقَّتِ الرَّحِمُ مِنَ الرَّحْمَنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ إذْ لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ إلٌّ بِمَعْنى إلَهٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِبْرِيٌّ ومِنهُ جِبْرالُ: وأيَّدَهُ بِأنَّهُ قُرِئَ إيلًا وهو عِنْدَهم بِمَعْنى اللَّهِ أوِ الإلَهِ أيْ لا يَخافُونَ اللَّهَ ولا يُراعُونَهُ فِيكم، والذِّمَّةُ الحَقُّ الَّذِي يُعابُ ويُذَمُّ عَلى إغْفالِهِ، أوِ العَهْدُ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ نَقْضَهُ يُوجِبُ الذَّمَّ، وهي في قَوْلِهِمْ: في ذِمَّتِي كَذا مَحَلُّ الِالتِزامِ ومِنَ الفُقَهاءِ مَن قالَ: هو مَعْنى يَصِيرُ بِهِ الآدَمِيُّ عَلى الخُصُوصِ أهْلًا لِوُجُوبِ الحُقُوقِ عَلَيْهِ، وقَدْ تُفَسَّرُ بِالأمانِ والضَّمانِ وهي مُتَقارِبَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإلَّ والذِّمَّةَ كِلاهُما هُنا بِمَعْنى العَهْدِ، والعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، ويَأْباهُ إعادَةً لا ظاهِرًا فَلَيْسَ هو نَظِيرَ: فَألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا فالحَقُّ المُغايَرَةُ بَيْنَهُما، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ قِيلَ: بَيانُ أنَّهم أُسَراءُ الفُرْصَةِ فَلا عَهْدَ لَهم، وقِيلَ: الإرْشادُ إلى أنَّ وُجُوبَ مُراعاةِ حُقُوقِ العَهْدِ عَلى كُلٍّ مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ مَشْرُوطٌ بِمُراعاةِ الآخَرِ لَها، فَإذا لَمْ يُراعِها المُشْرِكُونَ فَكَيْفَ تُراعُونَها فَهو عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ: عَلامَ تَقْبَلُ مِنهم فِدْيَةً وهم ∗∗∗ لا فِضَّةَ قَبِلُوا مِنّا ولا ذَهَبًا ولَمْ أجِدْ لِهَؤُلاءِ مِثْلًا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وإنْ يَظْهَرُوا ﴾ ) إلَخْ إلّا أُناسًا مُتَزَيِّنِينَ بِزِيِّ العُلَماءِ ولَيْسُوا مِنهُمْ، ولا قُلامَةَ ظُفْرٍ فَإنَّهم مَعِي وحَسْبِي اللَّهُ وكَفى عَلى هَذا الطَّرْزِ فَرَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى لا قَدْرًا وحَطَّهم ولا حَطَّ عَنْهم وِزْرًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ ﴾ ) اسْتِئْنافٌ لِلْكَشْفِ عَنْ حَقِيقَةِ شُؤُونِهِمُ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ دافِعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن تَعْلِيقِ عَدَمِ رِعايَةِ العَهْدِ بِالظَّفَرِ أنَّهم يُراعُونَهُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ حَيْثُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّهم في حالَةِ العَجْزِ أيْضًا لَيْسُوا مِنَ الوَفاءِ في شَيْءٍ، وأنَّ ما يُظْهِرُونَهُ أخْفاهُمُ اللَّهُ تَعالى مُداهَنَةً لا مُهادَنَةً، وكَيْفِيَّةُ إرْضائِهِمُ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يُبْدُونَ لَهُمُ الوَفاءَ والمُصافاةَ ويَعِدُونَهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ ويُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، والمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ إذا قالَ صَدَقَ وإذا قِيلَ لَهُ صَدَّقَ، ويَتَعَلَّلُونَ لَهم عِنْدَ ظُهُورِ خِلافِ ذَلِكَ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ.

وتَقْيِيدُ الإرْضاءِ بِالأفْواهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم مُجَرَّدُ ألْفاظٍ يَتَفَوَّهُونَ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ في قُلُوبِهِمْ، وأكَّدَ هَذا بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ ( ﴿ يَرْقُبُوا ﴾ ) لا اسْتِئْنافِيَّةٌ، ورُدَّ بِأنَّ الحالَ تَقْتَضِي المُقارَنَةَ والإرْضاءَ قَبْلَ الظُّهُورِ الَّذِي هو قَبْلَ عَدَمِ الرُّقُوبِ الواقِعِ جَزاءً، فَأيْنَ المُقارَنَةُ ؟

وأيْضًا إنَّ بَيْنَ الحالَتَيْنِ مُنافاةً ظاهِرَةً فَإنَّ الإرْضاءَ بِالأفْواهِ حالَةَ إخْفاءِ الكُفْرِ والبُغْضِ مُداراةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وحالَةَ عَدَمِ المُراعاةِ والوُقُوفِ حالَةُ مُجاهَرَةٍ بِالعَداوَةِ لَهُمْ، وحَيْثُ تَنافَيا لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ إحْداهُما بِالأُخْرى ( ﴿ وأكْثَرُهم فاسِقُونَ ﴾ ) خارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ مُتَمَرِّدُونَ لا عَقِيدَةَ تَزَعُهم ولا مُرُوءَةَ تَرُدُّهُمْ، وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ لِما في بَعْضِ الكَفَرَةِ مِنَ التِحامِي عَنِ العُذْرِ والتَّعَفُّفِ عَمّا يَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السُّوءِ، ووَصْفُ الكَفَرَةِ بِالفِسْقِ في غايَةِ الذَّمِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يقول: كيف تقاتلوهم (١) وقال سعيد بن جبير: الإل هو الله تعالى.

وقال ابن عباس: «الإل القرابة والذمة والعهد» .

يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: بألسنتهم مثل قول المنافقين.

وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ، يعني: وتنكر قلوبهم، يقولون قولاً بغير حقيقة.

وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ، يعني: عاصون بنقض العهد.

قوله تعالى: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا قال مقاتل: باعوا الإيمان بعرض من الدنيا وذلك أن أبا سفيان كان يعطي الناقة والطعام والشيء، ليصد بذلك الناس عن متابعة النبيّ  .

وقال الكلبي: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يقول: كتموا صفة رسول الله  في كتابهم بشيء من المآكلة، يأخذونه من السفلة.

إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ، يعني: بئسما كانوا يعملون بصدهم الناس عن دين الله.

قوله تعالى: لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً، يعني: لا يحفظون في المؤمنين قرابة ولا عهداً.

وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ بنقض العهد وترك أمر الله تعالى.

(١) في النسخة «ب» كيف لا تقتلونهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)

وقوله سبحانه: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ...

الآية: في الكلام حذْفٌ، تقديره:

كيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي «كيف» هنا تأكيدٌ لِلاستبعادِ الذي في الأولى، ولا يَرْقُبُوا معناه: لا يُرَاعُوا، ولا يَحْفَظُوا، وقرأ الجمهور «١» : إِلًّا، وهو اللَّه عزَّ وجلَّ قاله مجاهد، وأبو مِجْلِزٍ، وهو اسمه بالسُّرْيانية «٢» ، وعُرِّب، ويجوز أن يراد به العَهْدُ، والعَرَبُ تقول للعهد والحِلْف والجِوَارِ ونحوِ هذه المعاني: «إِلاًّ» ، والذّمة أيضا: بمعنى الحلف والجوار ونحوه.

وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)

وقوله سبحانه: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ...

الآية، ويليق هنا ذكْرُ شيء مِنْ حُكْمٍ طعن الذميِّ في الدِّين، والمشهورُ من مذْهَب مالِكٍ: أنه إِذا فعل شيئاً من ذلك مِثْلُ تكذيبِ الشريعة، وسبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قُتِلَ.

وقوله سبحانه: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، أي: رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودُونَ الناس إِليه، وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، واقتضت حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولاً، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم.

وقرأ الجمهور «٣» : «لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ» (جَمْع يمين) ، أي: لا أيمان لهم يُوفَى بها وتُبَرُّ، وهذا المعنَى يشبه الآيةَ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة: «لا إيمان لهم» ، وهذا يحتمل وجهين:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وأنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم، فَحَذَفَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ، قالَ الشّاعِرُ: وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى فَكَيْفَ وهَذِي هَضْبَةٌ وقَلِيبٌ أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ بِقَرْيَةٍ؟

ومِثْلُهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: فَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهم خَذَلُوكم ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ ولا أدِيمَكم قَدُّوا أيْ: فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِ قَوْمٍ؟

واسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ جَرى في القَصِيدَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما أُضْمِرَ.

وقَوْلُهُ: يَظْهَرُوا يَعْنِي: يُقْدِرُوا ويَظْفَرُوا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا يَرْقُبُوا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يَحْفَظُوا.

والثّانِي: لا يَخافُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: لا يُراعُوا، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَفِي الإلِّ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القَرابَةُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأنْشَدُوا: إنَّ الوُشاةَ كَثِيرٌ إنْ أطَعْتَهم ∗∗∗ لا يَرْقُبُونَ بِنا إلًّا ولا ذِمَمًا وَقالَ الآَخَرُ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلْكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ والثّانِي: أنَّهُ الجِوارُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العَهْدُ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ الحِلْفُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "إيلًا" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ: "ألًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.

وفي المُرادِ بِالذِّمَّةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها العَهْدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: التَّذَمُّمُ مِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ: لا يَرْقُبُونَ بِنا إلًّا ولا ذِمَمًا والثّالِثُ: الأمانُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: « "وَيَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهُمْ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في الوَفاءِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا الغَدْرَ.

والثّانِي: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في العُدَّةِ بِالإيمانِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا الشِّرْكَ.

والثّالِثُ: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في الطّاعَةِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا المَعْصِيَةَ، ذَكَرَهُنَّ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خارِجُونَ عَنِ الصِّدْقِ، ناكِثُونَ لَلْعَهْدِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عن سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ ﴾ بَعْدَ "كَيْفَ" في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ ولا بُدَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، فَيَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ: "كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ"؟

ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وخَبَّرْ تُمانِي أنَّما المَوْتُ في القُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ وَفِي "كَيْفَ" هُنا تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في الأُولى، و"لا يَرْقُبُوا" مَعْناهُ: لا يُراعُوا ولا يُحافِظُوا، وأصْلُ الِارْتِقابِ بِالبَصَرِ، ومِنهُ الرَقِيبُ في المَيْسِرِ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مَن حافَظَ عَلى شَيْءٍ وراعاهُ: راقَبَهُ وارْتَقَبَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلًّا"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ اللامِ: "إيلًا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَأمّا مَن قَرَأ: "إلًّا" فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مِجْلَزٍ، وهو اسْمُهُ بِالسُرْيانِيَّةِ وعُرِّبَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ كَلامَ مُسَيْلِمَةَ، فَقالَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ العَهْدُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْعَهْدِ والخُلُقِ والجِوارِ ونَحْوِ هَذِهِ المَعانِي: إلًّا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جَهْلٍ: لِإلٍّ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القَرابَةُ، فَإنَّ القَرابَةَ في لُغَةِ العَرَبِ يُقالُ لَها: إلٌّ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: أفْسَدَ الناسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا ∗∗∗ ∗∗∗ قَطَعُوا الإلَّ وأعْراقَ الرَحِمْ أنْشُدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى القَرابَةِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ في العُهُودِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ في قُرَيْشٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كَإلِّ السَقْبِ مِن رَأْلِ النَعامِ وأمّا مَن قَرَأ: "ألًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَهو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِ الألِّ الَّذِي هو العَهْدُ، ومَن قَرَأ: "إيلًا" فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ يُقالُ: إلٌّ وإيلٌ، وفي البُخارِيِّ: قالَ اللهُ: جِبْرَ، ومِيكَ، وسِرافَ: عَبْدٌ بِالسُرْيانِيَّةِ، وإيلُ: اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ "إلًّا" المُتَقَدِّمَ فَأبْدَلَ مِن أحَدِ المِثْلَيْنِ ياءً، كَما فَعَلُوا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: أمّا وأيْما، ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ قُرْطٍ يَهْجُو أُمَّهُ: يا لَيْتَما أُمُّنا شالَتْ نَعامَتُها ∗∗∗ ∗∗∗ أيْما إلى جَنَّةٍ أيْما إلى نارِ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: رَأتْ رَجُلًا أيْما إذا الشَمْسُ عارَضَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ وقالَ آخَرُ: لا تُفْسِدُوا أبًا لَكم ∗∗∗ ∗∗∗ إيما لَنا إيما لَكُمْ قالَ أبُو الفَتْحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن آلَ يَؤُولُ إذا ساسَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قَدْ أُلْنا وإيلَ عَلَيْنا"، فَكانَ المَعْنى -عَلى هَذا-: لا يَرْقُبُونَ فِيكم سِياسَةً ولا مُداراةً ولا ذِمَّةً، وقُلَبَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها والكَسْرَةِ قَبْلَها.

و"الذِمَّةُ" أيْضًا بِمَعْنى المَتابِ والحِلْفِ والجِوارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الأصْمَعِيِّ: "الذِمَّةُ كُلُّ ما يَجِبُ أنْ يُحْفَظَ ويُحْمى"، فَمَن رَأى في "الإلِّ" أنَّهُ العَهْدُ جَعَلَهُما لَفْظَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ أو مُتَقارِبٍ، ومَن رَأى "الإلَّ" لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُما لَفْظانِ لِمَعْنَيَيْنِ.

و( تَأْبى قُلُوبُهم ) مَعْناهُ: تَأْبى أنْ تُذْعِنَ لِما يَقُولُونَهُ بِالألْسِنَةِ، وأبى يَأْبى شاذٌّ، لا يُحْفَظُ فَعَلَ يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، وقَدْ حُكِيَ رَكَنَ يَرْكَنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأكْثَرُهُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الكُلَّ، أو يُرِيدُ اسْتِثْناءَ مَن قَضى لَهُ بِالإيمانِ، كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ الآيَةُ.

اللازِمُ مِن ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ الكافِرَةَ المَوْصُوفَةَ بِما تَقَدَّمَ لَمّا تَرَكَتْ آياتِ اللهِ ودِينَهُ وآثَرَتِ الكُفْرَ وحالَها في بِلادِها، كُلُّ ذَلِكَ كالشِراءِ والبَيْعِ لَمّا كانَ تَرْكًا لِما قَدْ مُكِّنُوا مِنهُ وأخْذًا لِما يُمْكِنُ نَبْذُهُ، وهَذِهِ نَزْعَةُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في مَنعِ اخْتِيارِ المُشْتَرِي فِيما تَخْتَلِفُ آحادُ جِنْسِهِ، ولا يَجُوزُ التَفاضُلُ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَصَدُّوا عن سَبِيلِهِ ﴾ يُرِيدُ: صَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهُمْ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ عَمَلَهم سَيِّئٌ، و"ساءَ" في هَذِهِ الآيَةِ -إذْ لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُها- يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً كَبِئْسَ، فَأمّا إذا قُلْتَ: "ساءَنِي فِعْلُ زَيْدٍ" فَلَيْسَ تَضْمِينٌ بِوَجْهٍ، وإنْ قَدَّرْتَ في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولًا زالَ التَضْمِينُ.

ورُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ جَمَعَ بَعْضَ العَرَبِ عَلى طَعامٍ، ونَدَبَهم إلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ النَقْضِ فَأجابُوا إلى ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذِهِ في اليَهُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ وإنَّ كانَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِيهِ فَما قَبْلَها وما بَعْدَها يَرُدُّهُ ويَتَبَرَّأُ مِنهُ، ويَخْتَلُّ أُسْلُوبُ القَوْلِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرْقُبُونَ ﴾ الآيَةُ، وصْفٌ لِهَذِهِ الطائِفَةِ المُشْتَرِيَةِ يَضْعُفُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ﴾ هو في اليَهُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي مُؤْمِنٍ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ عَداوَتَهم إنَّما هي بِحَسَبِ الإيمانِ فَقَطْ، وقَوْلُهُ أوَّلًا: فِيكم كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ لِلْإحَنِ الَّتِي وقَعَتْ فَزالَ هَذا الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي مُؤْمِنٍ ﴾ ثُمَّ وصَفَهم بِالِاعْتِداءِ والبَداءَةِ بِالنَقْضِ لِلْعُهُودِ والتَعَمُّقِ في الباطِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ .

و ﴿ كيف ﴾ هذه مؤكدة ل ﴿ كيف ﴾ [التوبة: 7] التي في الآية قبلها، فهي معترضة بين الجملتين وجملة: ﴿ وإن يظهروا عليكم ﴾ إلخ يجوز أن تكون جملة حالية، والواو للحال ويجوز أن يكون معطوفة على جملة ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ [التوبة: 7] إخباراً عن دخائلهم.

وفي إعادة الاستفهام إشعار بأنّ جملة الحال لها مزيد تعلّق بتوجّه الإنكار على دوام العهد للمشركين، حتّى كأنّها مستقلّة بالإنكار، لا مجرّدُ قيد للأمر الذي توجّه إليه الإنكار ابتداء، فيؤول المعنى الحاصل من هذا النظم إلى إنكار دوام العهد مع المشركين في ذاته، ابتداء، لأنّهم ليسوا أهلاً لذلك، وإلى إنكار دوامه بالخصوص في هذه الحالة.

وهي حالة ما يبطنونه من نية الغدر إن ظهروا على المسلمين، ممّا قامت عليه القرائن والأمارات، كما فعلت هوازن عقب فتح مكة.

فجملة: ﴿ وإن يظهروا عليكم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ [التوبة: 7].

وضمير ﴿ يظهروا ﴾ عائد إلى المشركين في قوله: ﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله ﴾ [التوبة: 7] ومعنى ﴿ وإن يظهروا ﴾ إن ينتصروا.

وتقدّم بيان هذا الفعل آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحدا ﴾ [التوبة: 4].

والمعنى: لو انتصر المشركون، بعد ضعفهم، وبعد أن جرّبوا من العهد معكم أنّه كان سبباً في قوتكم، لنقضوا العهد.

وضمير ﴿ عليكم ﴾ خطاب للمؤمنين.

ومعنى ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يوفوا ولا يراعوا، يقال: رقَب الشيء، إذا نظر إليه نظر تعهّد ومراعاة، ومنه سمّي الرقيب، وسمّي المرْقَبَ مكان الحراسة، وقد أطلق هنا على المراعاة والوفاء بالعهد، لأنّ من أبطل العمل بشيء فكأنّه لم يَره وصرف نظره عنه.

والإلّ: الحلف والعهد؛ ويطلق الإلّ على النسب والقرابة.

وقد كانت بين المشركين وبين المسلمين أنساب وقرابات، فيصحّ أن يراد هنا كلا معنييه.

والذمّة ما يمتّ به من الأواصر من صحبة وخلة وجوار ممّا يجب في المروءة أن يحفظ ويحمى، يقال: في ذمّتي كذا، أي ألتزم به وأحفظه.

استئناف ابتدائي، أي هم يقولون لكم ما يرضيكم، كيداً ولو تمكّنوا منكم لم يرقبوا فيكم إلاّ ولا ذمّة.

من يسمع كلاماً فيأباه.

والإباية: الامتناع من شيء مطلوب وإسناد الإباية إلى القلوب استعارة، فقلوبهم لمّا نوت الغدر شبّهت بمن يطلب منه شيء فيأبى.

وجملة: ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ في موضع الحال من واو الجماعة في ﴿ يرضونكم ﴾ مقصود منها الذمّ بأن أكثرهم موصوف، مع ذلك، بالخروج عن مهيع المروءة والرُّجلة، إذ نجد أكثرهم خالعين زمام الحياة، فجمعوا المذمة الدينية والمذمّة العرفية.

فالفسق هنا الخروج عن الكمال العرفي بين الناس، وليس المراد الخروج عن مهيع الدين لأنّ ذلك وصف لجميعهم لا لأكثرهم، ولأنّه قد عرف من وصفهم بالكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي يَقْوَوْا حَتّى يَقْدِرُوا عَلى الظَّفَرِ بِكم.

وَفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم.

﴿ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُوا: قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لا يُراعُوا.

﴿ إلا ولا ذِمَّةً ﴾ وفي الإلِّ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَهْدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ، ويَكُونُ مَعْناهُ لا يَرْقُبُونَ اللَّهَ فِيكم.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحِلْفُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ الإلَّ اليَمِينُ، والذِّمَّةَ العَهْدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: أفْسَدُ النّاسِ خُلُوفٌ خَلَّفُوا قَطَعُوا الإلَّ وأعْراقَ الرَّحِمِ والخامِسُ: أنَّهُ الجِوارُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ القَرابَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: وأُقْسِمُ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ؎ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ والسّابِعُ: أنَّ الإلَّ العَهْدُ والعَقْدُ والمِيثاقُ واليَمِينُ، وأنَّ الذِّمَّةَ في هَذا المَوْضِعِ التَّذَمُّمُ مِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ.

﴿ وَلا ذِمَّةً ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الجِوارُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ التَّذَمُّمُ مِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العَهْدُ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

﴿ يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُرْضُونَكَ بِأفْواهِهِمْ في الوَفاءِ وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا الغَدْرَ.

والثّانِي: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في الطّاعَةِ وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا المَعْصِيَةَ.

والثّالِثُ: يُرْضُونَكم بِأفْواهِمِ في الوَعْدِ بِالإيمانِ وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا الشِّرْكَ، لِأنَّ النَّبِيَّ  لا يُرْضِيهِ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا بِالإيمانِ.

﴿ وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في نَقْضِ العَهْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُهم بِالشِّرْكِ فاسِقًا.

والثّانِي: وأكْثَرُهم فاسِقٌ في دِينِهِ وإنْ كانَ كُلُّ دِينِهِمْ فِسْقًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ الإِل ﴾ الله عز وجل.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة قال: الإِل: الله.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ ﴿ إلاًّ ولا ذمة ﴾ قال: الإِل القرابة، والذمة العهد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: جزى الله ألا كان بيني وبينهم ** جزاء ظلوم لا يؤخر عاجلاً وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن ميمون بن مهران رضي الله عنه.

أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رضي الله عنهما: أخبرني عن قول الله تعالى ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ﴾ قال: الرحم، وقال فيه حسان بن ثابت: لعمرك أن الك من قريش ** كال السقب من رال النعام وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ قال: ذم الله تعالى أكثر الناس.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ الآية، قال الفراء (١) (٢) (٣) ﴿ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا ﴾ الآية، ولكنه حذف ما يتعلق به (كيف)؛ لأنه قد ذكر قبل هذا في الآية المتقدمة فاكتفى به، قال الفراء: "وإذا أعيد الحرف وقد مضى معناه استجازوا حذف الفعل، وأنشدوا (٤) (٥) (٦) أي فكيف مات وليس بقرية، وأنشد أبو إسحاق (٧) فكيف ولم أعلمهُم خذلوكمُ ...

على معظَم ولا أديمكمُ قدُّوا (٨) أراد: فكيف يكون ما تقولون حقًّا والأمر على ما أصف.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ يقال: ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا صرت فوقه، قال الليث: "الظهور: الظفر بالشيء" (٩) ﴿ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ ، أي: ليعليه (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ﴾ ، قال الليث: "رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوبًا (١٤) (١٥) ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي  ﴾ أي لم تحفظه، وقيل: لم تنتظر (١٦) (١٧) واختلفوا في معنى الإل (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وأما قول المفسرين: فقال ابن عباس والضحاك: "قرابة" (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) لعمرك إن إلك من قريش ...

كإل السقب (٣٢) (٣٣) يعني القرابة، وقال أوس بن حجر: لولا بنو مالك والإل مرقبة ...

ومالك فيهم الإلاء والشرف (٣٤) يعني الحلف، وقال آخر (٣٥) وجدناهم كاذبًا إِلّهم ...

وذو الإِلّ والعهد لا يكذب يعني العهد، وفي حديث أبي بكر أنه قال: "إن هذا الكلام لم يخرج من إل" (٣٦) قال أبو إسحاق: "وليس عندنا بالوجه قول من قال: الإل اسم من أسماء الله معروفة ومعلومة كما تُليت في القرآن، وسمعت في الأخبار، ولم يسمع الداعي يقول في الدعاء يا إل، قال: وحقيقة "الإل" عندي على (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقال بعض أهل المعاني: "الأصل في جميع ما فسر به الإل: العهد، وهو مأخوذ من قولهم ألّ يؤلّ (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا ذِمَّةً ﴾ الذمة: العهد، وجمعها ذمم وذمام، وهو كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها المذمة، وقال أبو عبيدة: "الذمة: ما يتذمم منه" (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) وقوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ [وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ] (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: كاذبون" (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 424.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 186، و"إعراب القرآن" له 2/ 6، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب ص 324، و"البرهان" للحوفي 11/ 143.

قلت: قوله "جميع أهل المعاني" فيه نظر؛ فإن الأخفش الأوسط قدر المضمر بقوله: كيف لا تقتلونهم.

انظر: "معاني القرآن" له 1/ 355، وجوز أبو البقاء أن يكون المقدر: كيف تطمئنون إليهم.

انظر: "التبيان في إعراب القرآن" ص 415.

(٤) في "معاني القرآن": كما قال الشاعر.

(٥) البيت لكعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه أبا المغوار الذي مات في البادية، وكان أخوه فرّ به من وباء المدينة انظر: "الأصمعيات" ص97، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 269، و"كتاب سيبويه" 3/ 487، و"لسان العرب" (تفسير هذا) 6/ 3780 (قول).

يقول الشاعر: لقد أخبرني الناس أن الموت يكون في القرى حيث الوباء، فكيف مات أخي في الصحراء حيث الهضاب والكثبان وطيب الهواء.

(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 424.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.

(٨) "ديوانه" ص 140، وفيه: على موطن، ونسب إليه أيضاً في "معاني القرآن" للفراء 1/ 424، و"معاني القرآن" للزجاج 2/ 479، و"الدر المصون" 6/ 16.

وقوله: على معظم: أي أمر عظيم.

والأديم: الجلد، وقده: شقه، والمراد: لم يطعنوا في أعراضكم ولم يأكلوا لحومكم بالغيبة.

(٩) "تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2259 ت والنص في كتاب "العين" (ظهر) 4/ 37.

(١٠) ساقط من (ى).

(١١) ساقط من (ى).

(١٢) في "المفردات" (ظهر) ص 318: ("ظهر الشيء: أصله أن يحصل شيء على ظهر الأرض ثم صار مستعملًا في كل بارز مبصر".

اهـ.

باختصار.

(١٣) "تنوير المقباس" ص 188 بمعناه.

(١٤) في "تهذيب اللغة" وكتاب العين: رقبانًا.

(١٥) "تهذيب اللغة" (رقب) 2/ 1448، ونحوه في كتاب "العين" (رقب) 5/ 154.

(١٦) هذا قول ابن جريج، والأول قول ابن عباس، رواه عنهما ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 4/ 548.

(١٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 81 ب، والبغوي 4/ 15.

(١٨) في (ى): (الأول)، وهو خطأ.

(١٩) "مجاز القرآن" 1/ 253 ونص قوله: العهد والعقد واليمين.

(٢٠) "تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184، و"لسان العرب" (ألل) 1/ 112.

(٢١) ساقط من (ي).

(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.

(٢٣) رواه عنهما ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 81 أ، وابن أبي حاتم 6/ 1758.

(٢٤) هو ابن المعتمر.

(٢٥) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1758 من رواية ابن أبي نجيح.

(٢٦) رواه ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15.

(٢٧) رواه عنهما ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 82 أ.

(٢٨) هي رواية ابن أبي نجيح وخصيف عنه.

انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 85، و"تفسير الإمام مجاهد" ص 365.

(٢٩) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 83، والثعلبي 6/ 82 أ، وابن أبي حاتم 6/ 1758.

(٣٠) هو: لاحق بن حميد الشيباني السدوسي البصري، من كبار التابعين، إمام ثقة، مشهور بكنيته، توفي سنة 106هـ على القول المشهور.

انظر: "الكاشف" 3/ 217، و"تهذيب التهذيب" 4/ 582، و"تقريب التهذيب" ص 586 (7490).

(٣١) رواه ابن جرير 10/ 83، والثعلبي 6/ 82 أ، قال ابن حجر في"فتح الباري" 6/ 267: "عن مجاهد: الإل: الله، وأنكره عليه غير واحد".

(٣٢) في (ح): (السيف)، وهو خطأ.

(٣٣) "ديوانه" ص 216، و"تفسير ابن جرير" 10/ 85، و"لسان العرب" (ألل) 1/ 113.

== والسقب: الذكر من ولد الناقة، كما في "الصحاح" (سقب) 1/ 148، والرأل: ولد النعام، كما في المصدر نفسه (رأل) 4/ 1703.

والمعنى: ما قرابتك من قريش إلا كقرابة ولد الناقة من ولد النعام، فأنت دعي ملصق فيهم.

(٣٤) "ديوانه" ص31، وتفسير الثعلبي 6/ 81 ب.

(٣٥) لم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في "تفسير الطبري" 10/ 85، والثعلبي 6/ 82 أ، و"البرهان" للحوفي 11/ 145 ب، و"الدر المصون" 6/ 17.

(٣٦) ذكر هذا الأثر أبو عبيد في غريب الحديث 1/ 100، والثعلبي في "تفسيره" 6/ 82 أ، ونصه عنده: إن ناسًا قدموا على أبي بكر -  - من قوم مسيلمة فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرءوا، فقال أبو بكر: إن هذا ...

إلخ.

(٣٧) ساقطة من (ى).

(٣٨) في (ى): (تحديدًا للشيء)، وما أثبته موافق لسائر النسخ، و"معاني القرآن وإعرابه"، و"تهذيب اللغة".

(٣٩) في (ح): (الجزية)، وهو خطأ.

(٤٠) في "معاني القرآن وإعرابه"، و"تهذيب اللغة".

آذن مؤللة: إذا كانت محددة.

(٤١) في"معاني القرآن وإعرابه" و"تهذيب اللغة": على.

(٤٢) هكذا في جميع النسخ و"تهذيب اللغة"، وفي"معاني القرآن وإعرابه": فإذا.

(٤٣) ما بين المعقوفين ساقط من "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع، كما يظهر بالمقابلة مع هذا النص ومع "تهذيب اللغة" و"لسان العرب" (ألل).

(٤٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434، و"تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184 - 185 مع اختلاف يسير.

(٤٥) في"تهذيب اللغة": إسرائيل.

(٤٦) "تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184 - 185، وقد نسب الأزهري الجملة الأولى لابن السكيت.

(٤٧) في (ى): (يؤول).

(٤٨) في (ح) و (ى): (الإل).

(٤٩) ذكر نحو هذا القول الرازي في "تفسيره" 15/ 231.

(٥٠) "مجاز القرآن" 1/ 253، ونص قوله: "الذمة: التذمم ممن لا عهد له".

(٥١) تحوب: قال أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 221: "قد يكون التحوب: التعبد== والتجنب للمأثم" اهـ.

وفي "لسان العرب" (حوب) 2/ 1036، يقال: "تحوب: إذا تعبد، كأنه يلقي الحُوب عن نفسه، كما يقال: تأثم، وتحنث".

(٥٢) رواه ابن جرير 10/ 84، وابن أبي حاتم 6/ 1758.

(٥٣) هذا قول ابن زيد، انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 84، و"البرهان" للحوفي 11/ 145 أ.

(٥٤) لم أقف على مصدره.

(٥٥) يعني الطبري، انظر: "تفسيره" 10/ 85، والقول لأبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 253.

(٥٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٥٧) في (ى): (قلوبهم).

(٥٨) "تنوير المقباس" ص 188 بمعناه.

(٥٩) لم أقف على مصدره.

(٦٠) ذكره ابن الجوزي 3/ 403 بمعناه.

(٦١) هذا قول ابن جرير باختصار، انظر: "تفسيره" 10/ 85.

(٦٢) ساقط من (ى).

(٦٣) انظر: "البحر المحيط" 5/ 13.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴾ لفظ استفهام، ومعناه استنكار واستبعاد ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قيل: المراد قريش، وقيل: قبائل بني بكر ﴿ فَمَا استقاموا ﴾ ما ظرفية ﴿ كَيْفَ ﴾ تأكيد للأولى، وحذف الفعل بعدها للعلم به تقديره: كيف يكون لهم عهد؟

﴿ لاَ يَرْقُبُواْ ﴾ أي لا يراعوا ﴿ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ الإل القرابة، وقيل: الحلف، والذمة العهد ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ استثنى من قضي له بالإيمان ﴿ أَئِمَّةَ الكفر ﴾ أي رؤساء أهله قيل: إنهم أبو جهل لعنه الله، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكى ذلك الطبري وهو ضعيف لأن أكثر هؤلاء كان قد مات قبل نزول هذه السورة، والأحسن أنها على العموم ﴿ لاَ أيمان لَهُمْ ﴾ أي لا إيمان لهم يوفون بها، وقرئ لا إيمان بكسر الهمزة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ يتعلق بقاتلوا ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول ﴾ قيل: يعني إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأحد، وقيل: يعني إخراجه من مكة إذا تشاوروا فيه بدار الندوة ثم خرج هو بنفسه ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني: إذايَتَهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمكة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ وقد قال: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ الآية [التوبة: 5]، فأمر بالآية الأولى عند الوجود [بالإجارة]، وفي هذه بالقتل والأسر، وأمر في الأولى بتبليغه مأمنه، وفي هذه بأن يقعد له كل مرصد، وحال هذه هي حال الأولى في رأي العين، ويتهيأ له في كل وقت يظفر به أن يستجير؛ لما ذكر، وفي كل حال يرصد له أن يحتال ليرد إلى مأمنه، وفي ذلك زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر، فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعاً.

فقال أصحابنا: إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر أعلام الحرب، ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه؛ بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة، ومن يتعاهد ومن ينادي إليه بالاستجارة - فيجار.

ولو كان مقبلا نحو مأمننا، كالطالب لأحد، عليه أعلام الحرب، لكنه كالغافل عن الذين يرصدون له أو الذين لهم منعة ولا قوة به - فلا يقبل قوله، وذلك على تسليم الأمر الغالب من الأحوال؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك، وعلى ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين، وما ذكرت عن الآية في لزوم ذلك الاعتبار؛ إذ لا وجه له غيره هو دليله، والله أعلم.

ثم دل قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ بعد العلم بأنه من مأمنه لا يقدر على الاستجارة لبعد [مأمن كل من] مأمن الآخر، ثم لا يكون مأمن الفريقين في إحدى الدارين؛ لما كان تحقيق أمن كل فريق منهما نفي أمن الآخر؛ إذ به خوفه؛ فثبت أنه قد يؤذن له بالخروج للاستجارة من مأمنه والدخول في مأمن المسلمين إلى أن يبلغوا مساكنهم فيستجيروا؛ فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق الأسر ولا القتل، ويجب رده لو لم يجر، ولم يسع تعرضه لشيء من ذلك.

ثم قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ من غير أن يبين استجارته لماذا، يحتمل أن يكون ترك بيانه؛ لما في الجواب ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وذلك كقوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ  ﴾ أنه في الجواب بيان ما استفتوا.

ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان.

وذلك قريب؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض، تذهب منفعة التضييق، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام، وحسن رعاية أهل الإسلام، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه، رجاء أن يجيبوا، فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم.

وقد روي عن نبي الله  أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو؛ إلى الإسلام، فيما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه؛ إذ الذي يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع؛ نحو اللسان والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي [يتكلم وقوله]، فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازاً لا حقيقة؛ فعلى ذلك ما قيل من سماع كلام الله.

ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى الله، فقيل بذلك كلام الله؛ لما إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك.

والوجه الثاني: أن يكون [الله] ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعاً من غيره؛ على ما تنسب القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله: "حتى يسمع كلام الله".

والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلاماً، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان الله -  - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال الله -  - ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، فمثله لما قيل: كلام الله.

ثم الله -  - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول [فعلى ذلك صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ولا تقدر بها العقول]، إلا من طريق القول بالحقيقة على ما هن أغيار لهم، فالله -  - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، [فتدبر] فيه.

وقال [الثلجي]: يقال: كلام الله، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد.

وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال: يعرف الله من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه والله [أعلم] من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن الله -  - كذلك سماع كلامه.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ دلالة أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك، ولكان يحق عليه الخروج منها، لا العود إليها.

ثم معلوم أن كلام الله هو حجته، وأن الحجة قد لزمته؛ لوجهين: أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع المقابلين لرسول الله بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم.

والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها مما يشهد العقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما لو قوبل بما فيه من المعنى وما يحدث به من الفائدة، ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابراً، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل [لما لم يكن] يضمن أمانة القبول، ولا [أن] يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه.

والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجازة [بعض]، وعلى ذلك كل مسلم.

ثم سماع كلام الله يخرج على القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع أوامر الله ونواهيه في حق الفرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: ما لهم وما عليهم.

ويحتمل نفي العلم: بما لم ينتفعوا بما علموا.

ويحتمل ذلك تعليم [من] مع رسول الله كيفية معاملة الكفرة؛ إذ هم لم يكونوا يعلمون من قبل، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ ﴾ .

هو - والله أعلم - أن كيف يستحقون العهد، وكيف يُعْطَى لهم العهد، وقد نقضوا العهود التي بينهم وبين ربهم وبين رسول الله؟!

فأما العهود التي بينهم وبين ربهم فهي عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، والشهادة على الرسالة.

وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد ونعته للخلق، فنقضوا ذلك كله ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله ولم يحفظوها؛ يقول - والله أعلم -: كيف يستحقون أن يُعْطَى العهد لهم، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم والعهود التي أعطاهم رسول الله؟!

لا يستحقون ذلك، إلا أن الله - عز وجل - بفضله وإحسانه أذن أن يعطي لهم العهود: ﴿ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ ، أي: أوفوا لهم العهد إذا أوفوا لكم وإن انقضت المدة؛ يقول - والله أعلم -: إذا استقاموا لكم في وفاء العهد، فاستقيموا لهم في وفائه، وإن انقضت المدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

استثنى الذين عاهدوا عند المسجد الحرام، يحتمل ألا يعطى العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ ﴾ ، فإنهم [إن وفوا لكم فأوفوا لهم] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ إن الله يحب من اتقى الشرك واتقى كل جور وظلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ يقول: كيف تعطون لهم العهد وكيف يستحقون العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاًّ ولا ذمة؟!

وقال بعضهم: وكيف لا تقاتلونهم ﴿ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، قال: الإل: الله، والذمة: العهد.

وقيل: الإل: القرابة.

وقيل: الإل: العهد، والذمة، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (لا يرقبوا فيكم عهدا ولا ذمة).

وقال القتبي: الإل: العهد.

قال: ويقال: القرابة.

وقال أبو عوسجة: الإل: القرابة.

وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم.

وقال ابن عباس: الإل: الله، بمنزلة جبريل، تفسيره: عبد الله؛ لما قيل: جبريل هو عبد الله.

وقيل: الإل: الحرم؛ يقول: كيف تعطونهم العهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم القرابة ولا العهد، ولا يرقبوا الحرم فيكم؟!

وقد كانوا يحفظون فيما بينهم القرابة والرحم حتى يعاون بعضهم بعضاً ويناصر، إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم الله حتى لا يقاتلون في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود فيما بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها.

هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، وقد كانوا يرقبون من قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

بأنهم يوفون العهد ويحفظونه.

﴿ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلا النقض.

وقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ في نقض العهد.

والفسق: هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل: حججه وبراهينه.

ويحتمل: آيات القرآن ومحمد.

ويحتمل: آياته: دينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

أي: صدوا الناس عن متابعة النبي.

وقيل: صدوا الناس عن دين الله الإسلام.

﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: بئس ما عملوا بصدهم الناس عن دين الإسلام ومتابعة محمد  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ هذا قد ذكرناه.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ﴾ .

في نقض العهد، والاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: انظروا إلى كرم ربكم وجوده، قوم قد افتروا على الله كذباً، وكذبوا رسول الله، وهموا بقتله وإخراجه من بين أظهرهم، وطعنوا في دينهم، وعملوا كل بلية من نصب الحروب والقتال فيما بينهم، ثم إنه وعدهم التوبة والمغفرة والتجاوز عما كان منهم بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وجعل فيما بينهم الأخوة والمودة بقوله: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ وقال: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ وغير ذلك من الآيات، وفيه أن من كان له بمكان آخر ذنب أو جفاء، فإذا رجع عن ذلك وتاب لزمه أن يتجاوز عنه وألا يذكر بعد ذلك ما كان منه من الذنب؛ على ما جعل الله فيما بين هؤلاء الأخوة والمودة إذا تابوا، وقال: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ وقد كان منهم ما كان، ومن حق الأخوة ألا يذكر ما كان منهم من المساوئ.

ثم قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ من الشرك وما كان منهم.

وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ وجهين: الأول: يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، زكاة المال، وهو ما ذكرنا فيما تقدم من الإقرار بهما والاعتقاد والقبول لذلك دون فعلهما، وهو في الكبراء والقادة الذين كانوا يأنفون عن الخضوع لأحد، ولا يؤتون الزكاة، ولا يتصدقون؛ لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا؛ إشفاقاً على أنفسهم.

والثاني: يحتمل أن يكون المراد من الصلاة: الخضوع والخشوع، لا الصلاة المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها، فإن كان هذا فهو لازم في الأوقات كلها، ما من وقت إلا وله على كل أحد الخضوع [له] والخشوع له، ويزكي نفسه ويصلحها، وهو كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: نبين الآيات لقوم يعلمون ينتفعون بعلمهم.

ويحتمل: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لقوم إذا نظروا فيها وتدبروا يعلمون لا لقوم لا يعلمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ [قوله: أيمانهم: العهود نفسها كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ \[أيمانهم\] أيماناً يحلفونها بعد إعطاء العهد توكيداً؛ لئلا ينقضوا العهد إذ عادتهم نقض العهد ونكثه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ \[طعنهم\] في الدين ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .

أي: أئمة الكفرة، وتخصيص الأمر بمقاتلة الأئمة؛ لما أن الأتباع أبداً يقلدون الأئمة، ويصدرون عن آرائهم وتدبيرهم، فإذا قاتلوهم اتبع الأتباع لهم.

والثاني: لنفي الشبه أي: ليس الأئمة منهم كأصحاب الصوامع، وإن كانوا هم أئمة في العبادة، فلا تترك مقاتلتهم؛ كما تترك مقاتلة أصحاب الصوامع؛ [لأن أصحاب الصوامع] قد عزلوا أنفسهم عن الناس وعن جميع المنافع، وحبسوها للعبادة، والأئمة ليسوا كذلك.

والثالث: خصّ الأئمة بالقتال؛ لأنهم إذا قتلوهم لم يبق لهم إمام في الكفر، فيذهب الكفر رأساً، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ...

﴾ الآية [الأنفال: 39].

[وقوله]: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا عهد لهم بعد نقضهم العهد، أي: لا توفوا لهم العهد الذي كان لهم إذا نقضوا.

ويحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يعطي لهم العهد [مبتدأً بعدما نقضوا العهد؛ لأنهم اعتادوا نقض العهد.

والثاني: قال ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون] أبداً.

وفيه لغة أخرى: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ ، بكسر الألف: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يؤمنون أبداً [فإن كان كذلك وذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً].

وفائدة قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ تخرج على وجهين: أحدهما: أن أهل العهد إذا نقضوا العهد ينقض ذلك، ويتركون على النقض، ويقاتلون بعد النقض، وليس كأهل الذمة إذا نقضوا الذمة لا يتركون على ذلك، ولكن يردون إلى الذمة ولا تنقض الذمة [فيما] بينهم.

وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ يقول: لا تصديق لهم.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ .

عن نقض العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ أي: كيف لا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وأيمانهم ما ذكرنا، وهو حرف الإغراء على مقاتلة من اعتقد نقض العهود والتحريش عليهم ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ : القتل، أي: هموا بقتله، وفي القتل إخراجه.

أو هو إخراجه من المدينة، على ما ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا لرسول الله: إن مكان الأنبياء والرسل بيت المقدس، لا المدينة، فانتقل إليه.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه معلوم أنهم أسروا في أنفسهم وفيما بينهم إخراجه وقتله، لا أنهم أظهروا ذلك، ثم أخبرهم بذلك، دل أنهم إنما علموا أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ في نقض العهد، أي: هم بدءوكم بنقض العهد.

ويحتمل: بدءوكم بالقتال أول مرة والإخراج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾ أي: لا تخشوهم واخشوا الله؛ فإنهم لا يقدرون أن تصل إليكم نكبة إلا بإقدار الله إياهم، فلا تخشوهم واخشوا الله.

ويحتمل قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ فالله القادر بنصركم وبقهر عدوكم ﴿ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ﴾ : إذ هو القادر على منعهم عنكم ونصركم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية.

علم الله - عز وجل - كراهة القتل وثقله على الخلق، فأمر المؤمنين بمقاتلة الكفرة، ووعدهم النصر.

والتعذيب بأيديهم: يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: القتل والإهلاك.

والثاني: يحتمل الأسر والسبي.

﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ يحتمل أيضاً وجهين: الأول: يحتمل: الهزيمة والإذلال.

والثاني: يحتمل قوله: ﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ : في الآخرة؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ ، الخزي: العذاب الذي فيه الفضيحة والذلة.

وفي قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه لا قدرة لله على أفعال الخلق، وقد أخبر أنه يعذبهم بأيديهم، ولو كان غير قادر على أفعالهم، كان يعذبهم بيده لا بأيديهم.

﴿ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

وعدهم النصر عليهم والظفر وخزي الكفرة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ [وكذلك في قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ] دلالة نقض قولهم [أيضا،] لأنه أخبر أنهم يصيبهم العذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين؛ كما ذكرناه.

[و] قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل أن تكون قلوبهم توجعت وتألمت بكفرهم بالله وتكذيبهم الرسول، فوعدهم شفاء صدورهم، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يسلمون، فيصيرون إخواناً، فيدخل فيهم السرور والفرح بإزاء ما حزنوا وتألموا، وذلك شفاء صدورهم.

والثاني: يشف صدورهم بالقتل والهزيمة، يقتلون ويهزمون، ففي ذلك شفاء صدورهم، لما تألمت وتوجعت بالتكذيب والكفر بالله وآياته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل - أيضاً - وجهين: يذهب الغيظ الذي كان في قلوبهم [بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله بإسلامهم يسلمون فيكونون إخواناً.

أو يقتلون ويهلكون فيذهب عنهم الغضب الذي كانوا] غضبوا عليهم بالذي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: من شاء عذب، ومن شاء تاب عليه.

وفي الآية دلالة [الرد] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أن يتوب على جميع الكفرة، لكنهم لا يتوبون، فأخبر أنه يعذب بعضاً ويتوب على بعض، فإنما شاء أن يعذب غير الذي شاء أن يتوب [عليه وشاء أن يتوب على] غير الذي شاء أن يعذبه.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .

بما كان ويكون، أي: عن علم بما كان منهم خلقهم، لا عن جهل؛ إذ خلقه إياهم ليس لمنافع نفسه وحاجته، إنما خلقهم لحاجتهم ومنافعهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ وضع كل شيء موضعه.

ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: فيما جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي كأنه وضع الشيء موضعه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كيف يكون لهم عهد وأمان وهم أعداؤكم، وإن يظفروا بكم لا يراعوا فيكم الله ولا قرابة، ولا عهدًا، بل يسومونكم سوء العذاب؟!

يرضونكم بالكلام الحسن الذي تنطق به ألسنتهم، لكن قلوبهم لا تطاوع ألسنتهم، فلا يَفُون بما يقولون، وأكثرهم خارجون عن طاعة الله لنقضهم العهد.

<div class="verse-tafsir" id="91.JP5kp"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله