الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٨٠ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار ، وأنه لو استغفر لهم ، ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم .
وقد قيل : إن السبعين إنما ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم ؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها ، ولا تريد التحديد بها ، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها .
وقيل : بل لها مفهوم ، كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لما نزلت هذه الآية : أسمع ربي قد رخص لي فيهم ، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة ، لعل الله أن يغفر لهم !
فقال الله من شدة غضبه عليهم : ( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) [ المنافقون : 6 ] .
وقال الشعبي : لما ثقل عبد الله بن أبي ، انطلق ابنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أبي قد احتضر ، فأحب أن تشهده وتصلي عليه .
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما اسمك .
قال الحباب بن عبد الله .
قال : بل أنت عبد الله بن عبد الله ، إن الحباب اسم شيطان .
قال : فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عرق ، وصلى عليه ، فقيل له : أتصلي عليه [ وهو منافق ] ؟
قال : إن الله قال : ( إن تستغفر لهم سبعين مرة ) ولأستغفرن له سبعين وسبعين وسبعين .
وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد بن جبير ، وقتادة بن دعامة .
رواها ابن جرير بأسانيده .
القول في تأويل قوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ادع الله لهؤلاء المنافقين، الذين وصفت صفاتهم في هذه الآيات (1) بالمغفرة, أو لا تدع لهم بها.
وهذا كلام خرج مخرج الأمر, وتأويله الخبر, ومعناه: إن استغفرت لهم، يا محمد، أو لم تستغفر لهم, فلن يغفر الله لهم.
وقوله: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)، يقول: إن تسأل لهم أن تُسْتر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها، وترك فضيحتهم بها, فلن يستر الله عليهم, ولن يعفو لهم عنها، ولكنه يفضحهم بها على رءوس الأشهاد يوم القيامة (2) (ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله)، يقول جل ثناؤه: هذا الفعل من الله بهم, وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم, من أجل أنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله =(والله لا يهدي القوم الفاسقين)، يقول: والله لا يوفق للإيمان به وبرسوله، (3) من آثر الكفر به والخروج عن طاعته، على الإيمان به وبرسوله.
(4) * * * ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حين نـزلت هذه الآية قال: " لأزيدنّ في الاستغفار لهم على سبعين مرة "، رجاءً منه أن يغفر الله لهم, فنـزلت: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [سورة المنافقون: 6].
17023- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان, عن هشام بن عروة, عن أبيه: أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال لأصحابه: لولا أنكم تُنْفقون على محمد وأصحابه لانفَضُّوا من حوله!
وهو القائل: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [سورة المنافقون: 8]، فأنـزل الله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدنّ على السبعين!
فأنـزل الله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، فأبى الله تبارك وتعالى أن يغفر لهم .
17024- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن شباك, عن الشعبي قال: دعا عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى جنازة أبيه, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أنت؟
قال: حُباب بن عبد الله بن أبيّ.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنت عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول, إن " الحُبَاب " هو الشيطان.
(5) ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه قد قيل لي: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم), فأنا استغفر لهم سبعين وسبعين وسبعين، وألبسه النبي صلى الله عليه وسلم قميصَه وهو عَرِقٌ.
17025- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إن تستغفر لهم سبعين مرة)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سأزيد على سبعين استغفارة!
فأنـزل الله في السورة التي يذكر فيها المنافقون: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ، عزمًا.
(6) 17026- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
17027-......
قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.
17028- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه.
17029-......
قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة, عن الشعبي قال: لما ثَقُل عبد الله بن أبيّ, انطلق ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن أبي قد احْتُضِر, فأحبُّ أن تشهده وتصليّ عليه!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اسمك؟
قال: الحُباب بن عبد الله.
قال: بل أنت عبد الله بن عبد الله بن أبي, إن " الحباب " اسم شيطان.
قال: فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عَرِق, وصلى عليه, فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق؟
فقال: إن الله قال: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)، ولأستغفرن له سبعين وسبعين!
= قال هشيم: وأشكُّ في الثالثة.
17030- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) إلى قوله: (القوم الفاسقين)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نـزلت هذه الآية: أسمعُ ربّي قد رَخّص لي فيهم, فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة, فلعل الله أن يغفر لهم !
فقال الله، من شدة غضبه عليهم: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [سورة المنافقون: 6].
17031- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)، فقال نبي الله: قد خيَّرني ربي، فلأزيدنهم على سبعين!
فأنـزل الله سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ، الآية.
17032- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: لما نـزلت: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدنّ على سبعين!
فقال الله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ .
----------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة والمخطوطة : " وصف صفاتهم " ، وما أثبت أبين .
(2) انظر تفسير "الاستغفار" و "المغفرة" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر).
(3) انظر تفسير "الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(4) انظر تفسير " الفسق " فيما سلف : 339 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(5) " الحباب " (بضم الحاء) ، الحية ، قال ابن كثير : " ويقع على الحية أيضا ، كما يقال لها الشيطان ، فهما مشتركان فيه " .
(6) "عزما"، يعني توكيدًا ، وحقًا واجبًا.
قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقينقوله تعالى استغفر لهم يأتي بيانه عند قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا
{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} على وجه المبالغة، وإلا، فلا مفهوم لها. {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} كما قال في الآية الأخرى {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ثم ذكر السبب المانع لمغفرة اللّه لهم فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} والكافر لا ينفعه الاستغفار ولا العمل ما دام كافرا. {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أي: الذين صار الفسق لهم وصفا، بحيث لا يختارون عليه سواه ولا يبغون به بدلا، يأتيهم الحق الواضح فيردونه، فيعاقبهم اللّه تعالى بأن لا يوفقهم له بعد ذلك.
( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) لفظه أمر ، ومعناه خبر ، تقديره : استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم .
( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس على طمع المغفرة .
قال الضحاك : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد رخص لي فلأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم " ، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) .
( ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ) .
(استغفر) يا محمد (لهم أو لا تستغفر لهم) تخيير له في الاستغفار وتركه قال صلى الله عليه وسلم: "" إني خيرت فاخترت يعني الاستغفار "" رواه البخاري (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) قيل المراد بالسبعين المبالغة في كثرة الاستغفار وفي البخاري حديث "" لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر لزدت عليها "" وقيل المراد العدد المخصوص لحديثه أيضاً "" وسأزيد على السبعين "" فبين له حسم المغفرة بآية [سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم] (ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين).
استغفر -أيها الرسول- للمنافقين أو لا تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم، مهما كثر استغفارك لهم وتكرر؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله.
والله سبحانه وتعالى لا يوفق للهدى الخارجين عن طاعته.
ثم عقب الله - تعالى - هذا الحكم عليهم بالعذاب الأليم ، بحكم آخر وهو عدم المغفرة لهم بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق ، فقال - تعالى - : ( استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ .
.
.
) .قال الجمل : قال المفسرون : لما نزلت الآيات المتقدمة فى المنافقين ، وفى بيان نفاقهم ، وظهر أمرهم للمؤمنين ، جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه ، ويقولون : استغفر لنا فنلزت هذه الآية .وهذا كلام خرج مخرج الأمر ومعناه الخبر ، والتقدير : استغفارك وعدمه لهم سواء .وإنما جاء هذا الخبر هنا فى صورة الأمر للمبالغة فى بيان استوائهما .وقد جاء هذا الحكم فى صورة الخبر فى موضع آخر هو قوله - تعالى ( سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ) والمقصود بذكر السبعين فى قوله : ( إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) إرادة التكثير ، والمبالغة فى كثرة الاستغفار ، فقد جرت عادة العرب فى أساليبهم على استعمال هذا العدد للتكثير لا للتحديد ، فهو لا مفهوم له .ونظيره قوله - تعالى - ( ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ) أى : مهما استغفرت لهم يا محمد فلن يغفر الله لهم .وقوله : ( ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ) بيان للأسباب التى أدت إلى عدم مغفرة الله لهم .واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى امتناع المغفرة لهم ، المفهوم من قوله : ( فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ) .أى : ذلك الحكم الذى أصدرناه عليهم بعد مغفرة ذنوبهم مهما كثر استغفارك لهم ، سببه : أنهم قوم ( كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ ) ومن كفر بالله ورسوله ، فلن يغفر الله له ، مهما استغفر له المستغفرو ، وشفع له الشافعون .وقوله : ( والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ) تذييل مؤكد لما قبله ، أى والله - تعالى - لا يهدى إلى طريق الخير أولئك الذين فسقوا عن أمره ، وخرجوا عن طاعته ، ولم يستمعوا إلى نصح الناصحين ، وإرشاد المرشدين ، وإنما آثروا الغاواية على الهداية .هذا ، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة ، شدة شفقته - صلى الله عليه وسلم - بأمته ، وحرصه على هدايتها ، وكثرة دعائه لها بالرحمة والمغفرة ، وأنه مع إيذاء المنافقين له كان يستغفر لهم - أملا فى توبتهم - إلى أن نهاه الله عن ذلك .روى ابن جرير " عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسمع ربى قد رخص له فيهم ، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة ، فلعل الله أن يغفر لهم ، فقال الله - تعالى - من شدة غضبه عليهم ( سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ) " .وهكذا أصدر الله حكمه العادل فى هؤلاء المنافقين ، بعدم المغفرة لهم ، بسبب كفرهم به وبرسوله .
.
.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عند نزول الآية الأولى في المنافقين، قالوا: يا رسول الله استغفر لنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سأستغفر لكم، وأشتغل بالاستغفار لهم، فنزلت هذه الآية، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار.
وقال الحسن: كانوا يأتون رسول الله، فيعتذرون إليه ويقولون إن أردنا إلا الحسنى وما أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً، فنزلت هذه الآية.
وروى الأصم: أنه كان عبد الله بن أبي بن سلول إذا خطب الرسول.
قام وقال هذا رسول الله أكرمه الله وأعزه ونصره، فلما قام ذلك المقام بعد أحد قال له عمر: اجلس يا عدو الله، فقد ظهر كفرك وجبهه الناس من كل جهة، فخرج من المسجد، ولم يصل فلقيه رجل من قومه.
فقال له: ما صرفك؟
فحكى القصة.
فقال: ارجع إلى رسول الله يستغفر لك.
فقال: ما أبالي أستغفر لي أو لم يستغفر لي فنزل ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ ﴾ وجاء المنافقون بعد أحد يعتذرون ويتعللون بالباطل أن يستغفر لهم.
المسألة الثانية: ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ﴾ وروى الشعبي قال: دعا عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة أبيه فقال له عليه السلام: «من أنت؟» فقال: أنا الحباب بن عبد الله قال: «بل أنت عبد الله بن عبد الله، إن الحباب هو الشيطان»، ثم قرأ هذه الآية.
قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ كالدلالة على طلب القوم منه الاستغفار، وقد حكيت ما روي فيه من الأخبار، والأقرب في تعلق هذه الآية بما قبلها ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما أن الذين كانوا يلمزون هم الذين طلبوا الاستغفار، فنزلت هذه الآية.
المسألة الثالثة: من الناس من قال إن التخصيص بالعدد المعين، يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه، وهو مذهب القائلين بدليل الخطاب.
قالوا: والدليل عليه أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ﴾ قال عليه السلام: «والله لأزيدن على السبعين» ولم ينصرف عنه حتى نزل قوله تعالى: ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ الآية فكف عنهم.
ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال بالعكس أولى، لأنه تعالى لما بين للرسول عليه السلام أنه لا يغفر لهم ألبتة.
ثبت أن الحال فيما وراء العدد المذكور مساو للحال في العدد المذكور، وذلك يدل على أن التقييد بالعدد لا يوجب أن يكون الحكم فيما وراءه بخلافه.
المسألة الرابعة: من الناس من قال: إن الرسول عليه السلام اشتغل بالاستغفار للقوم فمنعه الله منه، ومنهم من قال: إن المنافقين طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لهم فالله تعالى نهاه عنه والنهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي مقدماً على ذلك الفعل، وإنما قلنا إنه عليه السلام ما اشتغل بالاستغفار لهم لوجوه: الأول: أن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه عليه السلام أن الاستغفار للكافر لا يجوز.
ولهذا السبب أمر الله رسوله بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام إلا في قوله لأبيه ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ وإذا كان هذا مشهوراً في الشرع فكيف يجوز الإقدام عليه؟
الثاني: أن استغفار الغير للغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصراً على القبح والمعصية.
الثالث: أن إقدامه على الاستغفار للمنافقين يجري مجرى إغرائهم بالإقدام على الذنب.
الرابع: أنه تعالى إذا كان لا يجيبه إليه بقي دعاء الرسول عليه السلام مردوداً عند الله، وذلك يوجب نقصان منصبه.
الخامس: أن هذا الدعاء لو كان مقبولاً من الرسول لكان قليله مثل كثيره في حصول الإجابة.
فثبت أن المقصود من هذا الكلام أن القوم لما طلبوا منه أن يستغفر لهم منعه الله منه، وليس المقصود من ذكر هذا العدد تحديد المنع، بل هو كما يقول القائل لمن سأله الحاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها لك، ولا يريد بذلك أنه إذا زاد قضاها فكذا هاهنا، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى في الآية: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله ﴾ فبين أن العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وإن بلغ سبعين مرة، كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين، فصار هذا التعليل شاهداً بأن المراد إزالة الطمع في أن ينفعهم استغفار الرسول عليه السلام مع إصرارهم على الكفر، ويؤكده أيضاً قوله تعالى: ﴿ والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين ﴾ والمعنى أن فسقهم مانع من الهداية.
فثبت أن الحق ما ذكرناه.
المسألة الخامسة: قال المتأخرون من أهل التفسير، السبعون عند العرب غاية مستقصاة لأنه عبارة عن جمع السبعة عشر مرات، والسبعة عدد شريف لأن عدد السموات والأرض والبحار والأقاليم والنجوم والأعضاء، هو هذا العدد.
وقال بعضهم: هذا العدد إنما خص بالذكر هاهنا لأنه روي أن النبي عليه السلام كبر على حمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قيل: ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ بإزاء صلاتك على حمزة، وقيل الأصل فيه قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ ﴾ وقال عليه السلام: «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة» فلما ذكر الله تعالى هذا العدد في معرض التضعيف لرسوله صار أصلاً فيه.
<div class="verse-tafsir"
سأل عبد الله بن عبد الله بن أبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلاً صالحاً أن يستغفر لأبيه في مرضه ففعل، فنزلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله قد رخص لي فسأزيد على السبعين» فنزلت: ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ [المنافقون: 6] وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر، كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وإن فيه معنى الشرط، وذكرنا النكتة في المجيء به على لفظ الأمر، والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير، قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: لاّصْبَحَنَّ الْعَاصِ وَابْنَ الْعَاصِي ** سَبْعِينَ أَلْفاً عَاقِدِي النَّوَاصِي فإن قلت: كيف خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف وقد تلاه بقوله: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ ﴾ ...
الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى قال: «قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين» قلت: لم يخف عليه ذلك، ولكنه خيل بما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، كقول إبراهيم عليه السلام ﴿ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 36] وفي إظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة والرحمة: لطف لأمّته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَّساوِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في عَدَمِ الإفادَةِ لَهم كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ .
رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِنَ المُخْلِصِينَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ في مَرَضِ أبِيهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَفَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ فَنَزَلَتْ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ .» وَذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهِمَ مِنَ السَّبْعِينَ العَدَدَ المَخْصُوصَ لِأنَّهُ الأصْلُ فَجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدًّا يُخالِفُهُ حُكْمُ ما وراءَهُ، فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّكْثِيرُ دُونَ التَّحْدِيدِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ السَّبْعَةِ والسَّبْعِينَ والسَّبْعَمِائَةِ ونَحْوِها في التَّكْثِيرِ، لِاشْتِمالِ السَّبْعَةِ عَلى جُمْلَةِ أقْسامِ العَدَدِ فَكَأنَّهُ العَدَدُ بِأسْرِهِ.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اليَأْسَ مِنَ المَغْفِرَةِ وعَدَمِ قَبُولِ اسْتِغْفارِكَ لَيْسَ لِبُخْلٍ مَنًّا ولا قُصُورٍ فِيكَ بَلْ لِعَدَمِ قابِلِيَّتِهِمْ بِسَبَبِ الكُفْرِ الصّارِفِ عَنْها.
﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ المُتَمَرِّدِينَ في كُفْرِهِمْ، وهو كالدَّلِيلِ عَلى الحُكْمِ السّابِقِ فَإنَّ مَغْفِرَةَ الكافِرِ بِالإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ، والمُنْهَمِكُ في كَفْرِهِ المَطْبُوعُ عَلَيْهِ لا يَنْقَلِعُ ولا يَهْتَدِي، والتَّنْبِيهُ عَلى عُذْرِ الرَّسُولِ في اسْتِغْفارِهِ وهو عَدَمُ يَأْسِهِ مِن إيمانِهِمْ ما لَمْ يَعْلَمْ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الضَّلالَةِ، والمَمْنُوعُ هو الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ العِلْمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ولما سأل عبد الله بن عبد الله ابن أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأبيه في مرضه نزل {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} وقد أمر أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} والسبعون جارٍ مجرى المثل في كلامهم
للتكثير وليس على التحديد والغاية إذ لو استغفر لهم مدة حياته لن يغفر الله لهم لأنهم كفار والله لا يغفر لمن كفر به والمعنى وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم وقد وردت الأخبار بذكر السبيعن وكلها تدل على الكثرة لا على التحديد والغاية ووجه تخصيص السبيعين من بين سائر الأعداد أن العدد قليل وكثير فالقليل ما دون الثلاث والكثير الثلاث فما فوقها وأدنى الكثير الثلاث وليس لأقصاه غاية والعدد أيضاً نوعان شفع ووتر وأول وأول الإشفاع اثنان وأول الأوتار ثلاثة والواحد ليس بعدد والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين لأن فيها أوتاراً ثلاثة وأشفاعاً ثلاثة والعشرة كمال الحساب لأن ما جاوز العشرة فهو إضافة الآحاد إلى العشرة
التوبة (٨٠ _ ٨٣)
كقولك اثنا عشر وثلاثة عشر إلى عشرين والعشرون تكرير العشرة مرتين والثلاثون تكريرها ثلاثة مرات وكذلك إلى مائة فالسبعون يجمع الكثرة والنوع والكثرة منه وكمال الحساب والكثرة منه فصار السبعون أدنى الكثير من العدد من كل وجه ولا غاية لأقصاه فجاز أن يكون تخصيص السعبين لهذا المعنى والله أعلم {ذلك} إشارة إلى اليأس من المغفرة {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {كَفَرُواْ بالله ورسوله} ولا غفران للكافرين {والله لا يهدي القوم الفاسقين} الخارجين عن الإيمان ما داموا مختارين للكفر والطغيان
﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ وبِمَثَلِهِ التَّخْيِيرُ، ويُؤَيِّدُ إرادَتَهُ هُنا: فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهُ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إنْ شِئْتَ فاسْتَغْفِرْ لَهم وإنْ شِئْتَ فَلا، وكَلامُ النِّسَفِيِّ تَنْسِفُهُ صِحَّةُ الأخْبارِ نَسْفًا، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المُرادَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا ﴾ ) والبَيْتِ المارِّ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي إلَخْ، والمَقْصُودُ الإخْبارُ بِعَدَمِ الفائِدَةِ في ذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بَعْدَ اخْتِيارِهِ لِلتَّسْوِيَةِ في مِثْلِ ذَلِكَ: إنَّها لا تُنافِي التَّخْيِيرَ فَإنْ ثَبَتَ فَهو بِطْرِيقِ الِاقْتِضاءِ لِوُقُوعِها بَيْنَ ضِدَّيْنِ لا يَجُوزُ تَرْكُهُما ولا فِعْلُهُما، فَلا بُدَّ مِن أحَدِهِما، ويَخْتَلِفُ الحالُ فَتارَةً يَكُونُ الإثْباتُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وأُخْرى النَّفْيُ كَما هُنا وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ، ﴿ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ المَغْفِرَةِ وإنِ اسْتَغْفَرَ لَهم حَسْبَما أُرِيدَ إثْرَ التَّخْيِيرِ، أوْ بَيانٌ لِاسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ بَعْدَ المُبالَغَةِ في الِاسْتِغْفارِ إثْرَ بَيانِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الِاسْتِغْفارِ وعَدَمِهِ.
وسَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ ﴾ ) إلَخْ سَألَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اللّامِزُونَ الِاسْتِغْفارَ لَهم فَهَمَّ أنْ يَفْعَلَ فَنَزَلَتْ فَلَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ فَعَلَ، واخْتارَ الإمامُ عَدَمَهُ وقالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ الِاسْتِغْفارُ لِلْكافِرِ فَكَيْفَ يَصْدُرُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُدَّ بِأنَّهُ يَجُوزُ لِأحْيائِهِمْ بِمَعْنى طَلَبِ سَبَبِ الغُفْرانِ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْمُصِرِّ لا يَنْفَعُ، لا يَنْفَعُ لِأنَّهُ لا قَطْعَ بِعَدَمِ نَفْعِهِ إلّا أنْ يُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ كَأبِي لَهَبٍ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْمُنافِقِ إغْراءٌ لَهُ عَلى النِّفاقِ لا نِفاقَ لَهُ أصْلًا وإلّا لامْتَنَعَ الِاسْتِغْفارُ لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ ولا قائِلَ بِهِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والقَوْلُ بِتَقْدِيمِ النَّهْيِ المُفادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ لا إشْكالَ فِيهِ إذِ النَّهْيُ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ لِبَيانِ عَدَمِ الفائِدَةِ وهو كَلامٌ واهٍ لِأنَّ قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ المَنعُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْكُفّارِ وهو لا يَقْتَضِي المَنعَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِمَن ظاهِرُ حالِهِ الإسْلامُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَسْتَجِبْ يَكُونُ نَقْصًا في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ مَمْنُوعٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ لا يُجابُ دُعاؤُهُ لِحِكْمَةٍ كَما لَمْ يُجَبْ دُعاءُ بَعْضِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ نَقْصًا كَما لا يَخْفى، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ في غايَةِ الوُضُوحِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّ الصَّحِيحَ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ وكانَ اسْمُهُ الحُبابَ وكانَ مِنَ المُخْلِصِينَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في مَرَضِ أبِيهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ فَنَزَلَتْ ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ﴾ » إلَخْ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى الإمامِ أيْضًا في اخْتِيارِهِ عَدَمَ الِاسْتِغْفارِ، وكَذا في إنْكارِهِ كَوْنَ مَفْهُومِ العَدَدِ حُجَّةً كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الأسْنَوِيُّ في التَّمْهِيدِ مُخالِفًا في ذَلِكَ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ قائِلٌ بِحُجِّيَّتِهِ كَما نَقَلَهُ الغَزالِيُّ عَنْهُ في المَنخُولِ، وشَيْخُهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ في البُرْهانِ، وصَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وفِي المَطْلَبِ لِابْنِ الرِّفْعَةِ أنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ هو العُمْدَةُ عِنْدَنا في عَدَمِ تَنْقِيصِ الحِجارَةِ في الِاسْتِنْجاءِ عَلى الثَّلاثَةِ والزِّيادَةِ عَلى ثَلاثَةِ أيّامٍ في الخِيارِ، وما نُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ مِن أنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ باطِلٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُرادَ باطِلٌ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الأُصُولِيِّينَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُهُ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ في ”بابِ الجَنائِزِ“ وإلّا فَهو عَجِيبٌ مِنهُ.
وكَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ مُضْطَرِبٌ، فَفي المِنهاجِ التَّخْصِيصُ بِالعَدَدِ لا يَدُلُّ عَلى الزّائِدِ والنّاقِصِ أيْ إنَّهُ نَصٌّ في مَدْلُولِهِ لا يَحْتَمِلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، وفي التَّفْسِيرِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سَوْقِ خَبَرِ سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهِمَ مِنَ السَّبْعِينَ العَدَدَ المَخْصُوصَ لِأنَّهُ الأصْلُ، فَجازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدًّا يُخالِفُهُ حُكْمُ ما وراءَهُ فَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّكْثِيرُ لا التَّحْدِيدُ، وذُكِرَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ نَفْيُ الزّائِدِ، وإرادَةُ التَّكْثِيرِ مِنَ السَّبْعِينَ شائِعٌ في كَلامِهِمْ وكَذا إرادَتُهُ مِنَ السَّبْعَةِ والسَّبْعِمِائَةِ، وعَلَّلَ في ”شَرْحِ المَصابِيحِ“ ذَلِكَ بِأنَّ السَّبْعَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى جُمْلَةِ أقْسامِ العَدَدِ فَإنَّهُ يَنْقَسِمُ إلى فَرْدٍ وزَوْجٍ، وكُلٌّ مِنهُما إلى أوَّلٍ ومُرَكَّبٍ، فالفَرْدُ الأوَّلُ ثَلاثَةٌ والمُرَكَّبُ مِن خَمْسَةٍ والزَّوْجُ الأوَّلُ اثْنانِ والمُرَكَّبُ أرْبَعَةٌ، ويَنْقَسِمُ أيْضًا إلى مُنْطَقٍ كالأرْبَعَةِ وأصَمَّ كالسِّتَّةِ؛ والسَّبْعَةُ تَشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْسامِ، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ المُبالَغَةُ جُعِلَتْ آحادُها أعْشارًا وأعْشارُها مِئاتٍ، وأُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ الَّذِي لا يَكُونُ مَسْبُوقًا بِفَرْدٍ آخَرَ عَدَدِيٍّ كالثَّلاثَةِ إذِ الواحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ بِناءً عَلى أنَّهُ ما ساوى نِصْفَ مَجْمُوعِ حاشِيَتِهِ الصَّحِيحَتَيْنِ، وبِالفَرْدِ المُرَكَّبِ الَّذِي يَكُونُ مَسْبُوقًا بِفَرْدٍ آخَرَ فَإنَّ الخَمْسَةَ مَسْبُوقٌ بِثَلاثَةٍ، وأُرِيدَ بِالزَّوْجِ الأوَّلِ الغَيْرِ مَسْبُوقٍ بِزَوْجِ آخَرَ كالِاثْنَيْنِ وبِالمُرَكَّبِ ما يَكُونُ مَسْبُوقًا بِهِ كالأرْبَعَةِ المَسْبُوقَةِ بِالِاثْنَيْنِ، وقَدْ يُقْسَمُ العَدَدُ ابْتِداءً إلى أوَّلٍ ومُرَكَّبٍ ويُرادُ بِالأوَّلِ ما لا يَعُدُّهُ إلّا الواحِدُ كالثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والسَّبْعَةِ، وبِالمُرَكَّبِ ما يُعِدُّهُ غَيْرُ الواحِدِ كالأرْبَعَةِ فَإنَّهُ يَعُدُّها الِاثْنانِ والتِّسْعَةُ فَإنَّهُ يُعِدُّها الثَّلاثَةُ، ولِلْمَنطِقِ اطْلاقانِ فَيُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ ما لَهُ كَسْرٌ صَحِيحٌ مِنَ الكُسُورِ التِّسْعَةِ، والأصَمُّ الَّذِي يُقابِلُهُ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ كَأحَدَ عَشَرَ، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ المَجْذُورُ وهو ما يَكُونُ حاصِلًا مِن ضَرْبِ عَدَدٍ في نَفْسِهِ كالأرْبَعَةِ الحاصِلَةِ مِن ضَرْبِ الِاثْنَيْنِ في نَفْسِها، والتِّسْعَةِ الحاصِلَةِ مِن ضَرْبِ الثَّلاثَةِ في نَفْسِها، والأصَمُّ الَّذِي يُقابِلُهُ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ كالِاثْنَيْنِ والثَّلاثَةِ وهَذا مُرادُ شارِحِ المَصابِيحِ حَيْثُ مَثَّلَ الأصَمَّ بِالسِّتَّةِ مَعَ أنَّ لَها كَسْرًا صَحِيحًا بَلْ كَسْرانِ النِّصْفُ والسُّدُسُ لَكِنَّها لَيْسَتْ حاصِلَةً مِن ضَرْبِ عَدَدٍ في نَفْسِهِ، ومَعْنى اشْتِمالِ السَّبْعَةِ عَلى هَذِهِ الأقْسامِ أنَّهُ إذا جُمِعَ الفَرْدُ الأوَّلُ مَعَ الزَّوْجِ المُرَكَّبِ أوِ الفَرْدُ المُرَكَّبُ مَعَ الزَّوْجِ الأوَّلِ كانَ سَبْعَةً، وكَذا إذا جُمِعَ المَنطِقُ كالأرْبَعَةِ مَعَ الأصَمِّ كالثَّلاثَةِ كانَ الحاصِلُ سَبْعَةً وهَذِهِ الخاصَّةُ لا تُوجَدُ في العَدَدِ قَبْلَ السَّبْعَةِ، فَمَن ظَنَّ أنَّ الأنْسَبَ بِالِاعْتِبارِ بِحَسَبِ هَذا الِاشْتِمالِ هو السِّتَّةَ لا السَّبْعَةَ لِأنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى ما ذُكِرَ فَهو لَمْ يُحَصِّلْ مَعْنى الِاشْتِمالِ أوْ لَمْ يَعْرِفْ هَذِهِ الِاصْطِلاحاتِ لِكَوْنِها مِن وظِيفَةِ عِلْمِ الإرْتَماطِيقِيِّ.
ومِمّا ذَكَرْنا مِن مَعْنى الِاشْتِمالَ يَنْدَفِعُ أيْضًا ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ كُلَّ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ مِنَ الوَحَداتِ لا مِنَ الأعْدادِ الَّتِي تَحْتَهُ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الِاشْتِمالِ التَّرْكِيبَ عَلى أنَّ في هَذا التَّحْقِيقِ مَقالًا مَذْكُورًا في مَحَلِّهِ.
وقالَ ابْنُ عِيسى الرَّبَعِيُّ: إنَّ السَّبْعَةَ أكْمَلُ الأعْدادِ لِأنَّ السِّتَّةَ أوَّلُ عَدَدٍ تامٍّ وهي مَعَ الواحِدِ سَبْعَةٌ فَكانَتْ كامِلَةً إذْ لَيْسَ بَعْدَ التَّمامِ إلّا الكَمالُ، ولِذا سُمِّيَ الأسَدُ سَبْعًا لِكَمالِ قُوَّتِهِ، وفَسَّرَ العَدَدَ التّامَّ بِما يُساوِي مَجْمُوعَ كُسُورِهِ، وكَوْنُ السِّتَّةِ كَذَلِكَ ظاهِرٌ فَإنَّ كُسُورَها سُدُسٌ وهو واحِدٌ وثُلُثٌ وهو اثْنانِ ونِصْفٌ وهو ثَلاثَةٌ ومَجْمُوعُها سِتَّةٌ، لَكِنِ اسْتُبْعِدَ عَدَمُ فَهْمِ مَن هو أفْصَحُ النّاسِ وأعْرَفُهم بِاللِّسانِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إرادَةَ التَّكْثِيرِ مِنَ السَّبْعِينَ هُنا، ولِذا قالَ البَعْضُ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَكِنَّهُ خُيِّلَ بِما قالَ إظْهارًا لِغايَةِ رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ لِمَن بُعِثَ إلَيْهِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( ﴿ ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ) يَعْنِي أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْقَعَ في خَيالِ السّامِعِ أنَّهُ فَهِمَ العَدَدَ المَخْصُوصَ دُونَ التَّكْثِيرِ فَجَوَّزَ الإجابَةَ بِالزِّيادَةِ قَصْدًا إلى إظْهارِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ كَما جَعَلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزاءَ مَن عَصانِي أيْ لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَ تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ دُونَ ”إنَّكَ شَدِيدُ العِقابِ“ مَثَلًا فَخُيِّلَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَرْحَمُهم ويَغْفِرُ لَهم رَأْفَةً بِهِمْ وحَثًّا عَلى الِاتِّباعِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذِكْرَهُ لِلتَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ بَعْدَ ما فَهِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ التَّكْثِيرَ لا يَلِيقُ بِمَقامِهِ الرَّفِيعِ، وفَهْمُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِن لَفْظٍ اشْتُهِرَ مَجازُهُ لا يُنافِي الفَصاحَةَ والمَعْرِفَةَ بِاللِّسانِ، فَإنَّهُ لا خَطَأ فِيهِ ولا بُعْدَ إذْ هو الأصْلُ، ورَجَّحَهُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَغَفُهُ بِهِدايَتِهِمْ ورَأْفَتُهُ بِهِمْ واسْتِعْطافُ مَن عَداهم، ولَعَلَّ هَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ بِالتَّمْوِيهِ بِلا تَمْوِيهٍ، وأنْكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ صِحَّةَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهِمَ عَلى أنَّ حُكْمَ ما زادَ عَلى السَّبْعِينَ بِخِلافِهِ وهو غَرِيبٌ مِنهُ، فَقَدْ جاءَ ذَلِكَ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، وابْنِ ماجَهْ، والنَّسائِيِّ وكَفى بِهِمْ، وقَوْلُ الطَّبَرَسِيِّ: إنَّ خَبَرَ ”لَأزِيدَنَّ“ إلَخْ خَبَرٌ واحِدٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وتَمَسَّكَ في ذَلِكَ بِما هو كَحَبَلِ الشَّمْسِ وهو عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ كَجِبالِ القَمَرِ، وأجابَ المُنْكِرُونَ لَهُ بِمَنعِ فَهْمِ ذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ السَّبْعِينَ لِلْمُبالَغَةِ، وما زادَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ في الحُكْمِ وهو مُبادَرَةُ عَدَمِ المَغْفِرَةِ فَكَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ المُخالَفَةُ، ولَعَلَّهُ عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ هَهُنا بِخُصُوصِهِ سَلَّمْناهُ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ فَهْمَهُ مِنهُ، ولَعَلَّهُ باقٍ عَلى أصْلِهِ في الجَوازِ إذْ لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ والأصْلُ جَوازُ الِاسْتِغْفارِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَوْنُهُ مَظِنَّةَ الإجابَةِ فَفُهِمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ الأصْلُ لا مِنَ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، وحاصِلُ الأوَّلِ مِنهُ فَهْمُهُ مِنهُ مُطْلَقًا بَلْ إنَّما فُهِمْ مِنَ الخارِجِ، وحاصِلُ الثّانِي تَسْلِيمُ فَهْمِهِ مِنهُ في الجُمْلَةِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ بَلْ مِن جِهَةِ الأصْلِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ الخَبَرِ مَعَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ غايَةُ الأمْرِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أعْلَمَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِآيَةِ المُنافِقِينَ أنَّ المُرادَ بِالعَدَدِ هُنا التَّكْثِيرُ دُونَ التَّحْدِيدِ لِيَكُونَ حُكْمُ الزّائِدِ مُخالِفًا لِحُكْمِ المَذْكُورِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالآيَتَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى واحِدًا وهو عَدَمُ المَغْفِرَةِ لَهم مُطْلَقًا، لَكِنْ في دَعْوى نُزُولِ آيَةِ المُنافِقِينَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ بَراءَةَ آخِرُ ما نَزَلَ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ أكْثَرَها أوْ صَدْرَها كَذَلِكَ وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن تَأخُّرِ نُزُولِ بَعْضِ الآياتِ مِنها عَنْ نُزُولِ بَعْضٍ مِن غَيْرِها، فَلِأنَّ صَدْرَ ما في سُورَةِ المُنافِقِينَ يَقْتَضِي أنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِ قِصَّةِ هَذِهِ الَّتِي سَلَفَتْ آنِفًا، وظاهِرُ الأخْبارِ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى يَقْتَضِي أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيٍّ ولَمْ يَكُنْ مَرِيضًا، وما تَقَدَّمَ في سَبَبِ نُزُولِ ما هُنا نَصٌّ في أنَّهُ نَزَلَ وهو مَرِيضٌ، والقَوْلُ بِأنَّ تِلْكَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ يَحْتاجُ إلى النَّقْلِ ولا يُكْتَفى في مِثْلِهِ بِالرَّأْيِ وأنّى بِهِ، عَلى أنَّهُ يَشْكُلُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» مَعَ تَقَدُّمِ نُزُولِ المُبَيِّنِ لِلْمُرادِ مِنهُ، والقَوْلُ بِالغَفْلَةِ لا أراهُ إلّا ناشِئًا مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ ) بَلِ الجَهْلُ بِمَقامِهِ الرَّفِيعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَزِيدُ اعْتِنائِهِ بِكَلامِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِدَفْعِ هَذا الإشْكالِ، ولا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ إلّا بِمَنعِ نُزُولِ ما في سُورَةِ المُنافِقِينَ في قِصَّةٍ أُخْرى ومَنعِ دَلالَةِ الصَّدْرِ عَلى ذَلِكَ، نَعَمْ ذَكَرُوا أنَّ الصَّدْرَ نَزَلَ في ابْنِ أُبَيٍّ ولَمْ يَكُنْ مَرِيضًا إذْ ذاكَ؛ ولَمْ نَقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّ العَجْزَ نَزَلَ فِيهِ كَذَلِكَ، والظّاهِرُ نُزُولُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ إلَخْ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ الآيَةِ فافْهَمْ ( ﴿ ذَلِكَ ﴾ ) أيِ: امْتِناعُ المَغْفِرَةِ لَهم ولَوْ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ ( ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ ) أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ يَعْنِي لَيْسَ الِامْتِناعُ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِاسْتِغْفارِكَ بَلْ بِسَبَبِ عَدَمِ قابِلِيَّتِهِمْ لِأنَّهم كَفَرُوا كُفْرًا مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وصْفُهم بِالفِسْقِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ في كُلِّ شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنِ التَّمَرُّدِ والتَّجاوُزِ عَنْ حُدُودِهِ، والمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ لا الدَّلالَةُ عَلى ما يُوصَلُ لِأنَّها واقِعَةٌ لَكِنْ لَمْ يَقْبَلُوها لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمِ، فَإنَّ مَغْفِرَةَ الكُفّارِ بِالإقَلاعِ عَنِ الكُفْرِ والإقْبالِ إلى الحَقِّ، والمُنْهَمِكُ فِيهِ المَطْبُوعُ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عُذْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الِاسْتِغْفارِ لَهم وهو عَدَمُ يَأْسِهِ مِن إيمانِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ إذْ ذاكَ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الغَيِّ لا يَنْجَعُ فِيهِمُ العِلاجُ ولا يُفِيدُهُمُ الإرْشادُ، والمَمْنُوعُ هو الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ العِلْمِ بِمَوْتِهِمْ كُفّارًا كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ ولَعَلَّ نُزُولَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بِأنَّهم ) إلَخْ مُتَراخٍ عَنْ نُزُولِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ إلَخْ كَما قِيلَ وإلّا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ في الِاسْتِغْفارِ بَعْدَ النُّزُولِ.
والقَوْلُ بِأنَّ هَذا العُذْرَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ الِاسْتِغْفارُ لِلْحَيِّ كَما مَرَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فِيهِ نَظَرٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ، يعني: يطعنون ويعيبون الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ، وذلك أن النبيّ حين أراد أن يخرج إلى غزوة تبوك، حثَّ الناس على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وزن كل درهم مثقالاً، فقال: «أَكْثَرْتَ، هَلْ تَرَكْتَ لأهْلِكَ شَيْئاً» ؟
فقال: يا رسول الله، كان مالي ثمانية آلاف درهم، فأما أربعة آلاف درهم التي جئت بها فأقرضتها ربي، وأما أربعة آلاف التي بقيت فأمسكتها لنفسي وعيالي، فقال له رسول الله : «بارك الله لك فيما أَعْطَيْتَ، وَفِيمَا أمْسَكْتَ» .
فبارك الله فيه، حتى بلغ ماله حين مات وقد كان طلق إحدى نسائه الثلاث في مرضه، فصالحوها من ثلث الثمن على ثمانين ألف درهم ونيف.
وفي رواية أُخرى: ثمانين ألف دينار ونيف (١) وجاء عاصم بن عدي بسبعين وسقاً من تمر، وكل واحد منهم جاء بمقدار طاقته، حتى جاء أبو عقيل بن قيس بصاع من تمر وقال: آجرت نفسي الليلة بصاعين، فصاع أقرضته لربي، وصاع تركته، فأمره بأن ينثره في الصدقة.
وروي أن امرأة، جاءت إلى النبيّ بتمرةٍ واحدة، فلم ينظر النبيّ إليها فنزل: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إلى آخره.
وكان نفر من المنافقين جلوساً يستهزئون فقالوا: لقد تصدق عبد الرحمن وعاصم بن عدي رياء، ولقد كان الله غنياً عن صاع أبي عقيل، فنزل (٢) يطعنون المتصدقين الذين يتصدقون بأموالهم وهم عبد الرحمن وعاصم وغيرهما.
وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ، قال أهل اللغة: الجُهْدُ بالضم الطاقة، والجَهْدُ بالنصب المشقة.
وقال الشعبي: الجُهْدُ هو القيتة يعني: القلة، والجَهْد بالنصب هو الجَهْدُ في العمل.
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ.
يقول: يستهزئون بهم.
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ، يعني: يجازيهم جزاء سخريتهم.
وهذا كقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 15] .
ثم قال: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، يعني: وجيع دائم.
فلما نزلت هذه الآية، جاءوا إلى النبيّ فقالوا: يا رسول الله، استغفر لنا فنزل: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ: قوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللفظ لفظ الأمر، ومعناه معنى الخبر، فمعناه: إن شئت استغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، يعني: للمنافقين.
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً يعني: فإنك إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
ثم بَيَّنَ المعنى الذي لم يغفر لهم بسببه، فقال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، يعني: في السر.
وقال قتادة ومجاهد: لما نزلت هذه الآية قال النبي : «لأزيدنّ على سبعين مرة، فاستغفر لهم، أكثر من سبعين مرة لعل الله يغفر لهم» (٣) (١) عزاه السيوطي: 4/ 249 إلى البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 249 إلى ابن مردويه عن أبي سعيد و 4/ 251 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) عزاه السيوطي: 4/ 253 إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة.
<div class="verse-tafsir"
عبد اللَّهِ، قال: كُنْتُ عند رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم في صدر النهار، قال: فجاءَه قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ متقلِّدي السُّيُوف، عَامَّتِهِم مِنْ مُضَرَ، بلِ كلُّهم مِنْ مُضَرَ، فتمعَّر وَجْهُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثُمَّ خرج، فأمر بلالاً، فأَذَّن وأقَام، فصلَّى ثم خطب، فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ...
إِلى آخر الآية: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء: ١] والآية التي في سورة الحشر: واتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: ١٨] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّه، مِنْ صَاعِ تَمْره حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تتابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رأَيْتُ كُومَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حتّى رأيت وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتهلّل كأنّه مذهبة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» «١» .
انتهى.
وقوله سبحانه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ: المعنى: أَنَّ اللَّه خَيَّر نبيَّه في هذا، فكأنه قال له: إِن شئْتَ فاستغفر لهم، وإِن شئت لا تستغفر، ثم أعلمه أنَّه لا يغفِرُ لهم، وإِن استغفر سبعين مرَّةً، وهذا هو الصحيحُ في تأويل الآية، لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعمر: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَيَّرَنِي فاخترت، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا زِدتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ لَزِدْتُ ...
» «٢»
الحديث، وظاهرُ لفْظِ الحديثِ رفْضُ إلزام دليل الخطاب، وظاهر صلاته صلّى الله عليه وسلّم عَلَى ابن أُبَيٍّ أَنَّ كُفْره لم يكنْ يقيناً عنده، ومحالٌ أَنْ يُصلِّيَ على كافرٍ، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ وعِيدُ اللّامِزِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لَنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَهم أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ"؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ" الأمْرَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ إنَّما المَعْنى: إنِ اسْتَغْفَرْتَ، وإنْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ، لا يُغْفَرُ لَهم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا المَعْنى هُناكَ، هَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يُعْطِي أنَّهُ إنْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ، رُجِيَ لَهُمُ الغُفْرانُ.
ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، وقَدْ أخْبَرَ بِأنَّهم كَفَرُوا؟
فالجَوابُ: أنَّهُ إنَّما اسْتَغْفَرَ لِقَوْمٍ مِنهم عَلى ظاهِرِ إسْلامِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَقَّقَ خُرُوجَهم عَنِ الإسْلامِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: عَلِمَ كُفْرَهم ثُمَّ اسْتَغْفَرَ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى حَصَرَ العَدَدَ بِسَبْعِينَ؟
فالجَوابُ: أنَّ العَرَبَ تَسْتَكْثِرُ في الآَحادِ مِن سَبْعَةٍ، وفي العَشَراتِ مِن سَبْعِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أو لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ﴾ رَدٌّ عَلى الضَمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ سِرَّهم ونَجْواهُمْ ﴾ و ﴿ يَلْمِزُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَنالُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، وقَرَأ السَبْعَةُ: "يَلْمِزُونَ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- "يَلْمُزُونَ" بِضَمِّ المِيمِ، و"المُطَّوِّعِينَ" لَفْظَةُ عُمُومٍ في كُلِّ مُتَصَدِّقٍ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن تَصَدَّقَ بِكَثِيرٍ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَطْفًا عَلى "المُطَّوِّعِينَ": "والَّذِينَ لا يَجِدُونَ"، ولَوْ كانَ "الَّذِينَ لا يَجِدُونَ" قَدْ دَخَلُوا في "المُطَّوِّعِينَ" لَما ساغَ عَطْفُ الشَيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ ﴾ فَإنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَلائِكَةِ مَن عَدا هَذَيْنِ.
وكَذَلِكَ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ وَرُمّانٌ ﴾ ، وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، لِأنَّ التَكْرارَ لِقَصْدِ التَشْرِيفِ يُسَوِّغُ هَذا مَعَ تَجَوُّزِ العَرَبِ في كَلامِها، وأصْلُ "المُطَّوِّعِينَ" المُتَطَوِّعِينَ، فَأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً وأُدْغِمَ، وأمّا المُتَصَدِّقُ بِكَثِيرٍ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِلْآيَةِ فَأكْثَرُ الرِواياتِ أنَّهُ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، تَصَدَّقَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وأمْسَكَ مِثْلَها، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : « "بارَكَ اللهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وفِيما أنْفَقْتَ"،» وقِيلَ هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ مالِهِ، وقِيلَ: عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، تَصَدَّقَ بِمِائَةِ وسْقٍ، وأمّا المُتَصَدِّقُ بِقَلِيلٍ فَهو أبُو عَقِيلٍ حَبْحابُ الأراشِيُّ، تَصَدَّقَ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، جَرَرْتُ البارِحَةَ بِالجَرِيرِ وأخَذْتُ صاعَيْنِ تَرَكْتُ أحَدَهُما لِعِيالِي وأتَيْتُ بِالآخَرِ صَدَقَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ: اللهُ غَنِيٌّ عن صَدَقَةِ هَذا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن صاعِ أبِي عَقِيلٍ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي لَمَزَ في القَلِيلِ أبُو خَيْثَمَةَ، قالَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ صاحِبِ النَبِيِّ ، وتَصَدَّقَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وقِيلَ: بِأرْبَعِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ مِن فِضَّةٍ، وقِيلَ: أقَلُّ مِن هَذا.
فَقالَ المُنافِقُونَ: ما هَذا إلّا رِياءٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَسْخَرُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَهْزِئُونَ ويَسْتَخِفُّونَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى "يَلْمِزُونَ"، واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِلَةِ فَهو مِنَ الصِلَةِ، وقَدْ دَخَلَ بَيْنَ هَذا المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ﴾ ، وهَذا لا يَلْزَمُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "والَّذِينَ" مَعْمُولٌ لِلَّذِي عَمِلَ في "المُطَّوِّعِينَ" فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "جاءَنِي الَّذِي ضَرَبَ زَيْدًا وعَمْرًا فَقَتَلَهُما"، وقَوْلُهُ: ﴿ سَخِرَ اللهُ مِنهُمْ ﴾ تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، وهي عِبارَةٌ عَمّا حَلَّ بِهِمْ مِنَ المَقْتِ والذُلِّ في نُفُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: مُؤْلِمٌ، وهي آيَةُ وعِيدٍ مَحْضٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جُهْدَهُمْ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ وجَماعَةٌ مَعَهُ: "جَهْدَهُمْ" بِالفَتْحِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقِيلَ: هُما لِمَعْنَيَيْنِ، الضَمُّ في المالِ والفَتْحُ في تَعَبِ الجِسْمِ، ونَحْوُهُ عَنِ الشَعْبِيِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً وخَبَرُهُ "سَخِرَ"، وفي "سَخِرَ" مَعْنى الدُعاءِ عَلَيْهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُجَرَّدًا عَنِ الدُعاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" صِفَةً جارِيَةً عَلى ما قَبْلُ، كَما ذَكَرْتُ أوَّلَ التَرْجَمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أو لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لَفْظَ أمْرٍ ومَعْناهُ الشَرْطُ بِمَعْنى: إنِ اسْتَغْفَرَتْ أو لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ، وبِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشاعِرِ: أسِيئِي لَنا أو أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنَّ تَقَلَّتِ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى الآيَةِ، والمَعْنى الثانِي الَّذِي يَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ تَخْيِيرًا، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ فاسْتَغْفِرْ وإنْ شِئْتَ لا تَسْتَغْفِرْ، ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرَ سَبْعِينَ مَرَّةً، وهَذا هو الصَحِيحُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وتَبْيِينِهِ ذَلِكَ.
وذَلِكَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَمِعَهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتَسْتَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ وقَدْ أعْلَمَكَ اللهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُمْ، فَقالَ لَهُ: "يا عُمَرُ إنَّ اللهَ قَدْ خَيَّرَنِي فاخْتَرْتُ، ولَوْ عَلِمْتُ أنِّي إذا زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ، لَزِدْتُ"»، ونَحْوُ هَذا مِن مُقاوَلَةِ عُمْرَ في وقْتِ إرادَةِ النَبِيِّ الصَلاةَ عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وظاهِرُ صِلاتِهِ عَلَيْهِ أنَّ كُفْرَهُ لَمْ يَكُنْ يَقِينًا عِنْدَهُ، ومَحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلى كافِرٍ، ولَكِنَّهُ راعى ظَواهِرَهُ مِنَ الإقْرارِ، ووَكَلَ سَرِيرَتَهُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى هَذا كانَ سِتْرُ المُنافِقِينَ مِن أجْلِ عَدَمِ التَعْيِينِ بِالكُفْرِ.
وفي هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي لِرَسُولِ اللهِ رَفْضُ إلْزامِ دَلِيلِ الخِطابِ، وذَلِكَ أنَّ دَلِيلَ الخِطابِ يَقْتَضِي أنَّ الزِيادَةَ عَلى السَبْعِينَ يُغْفَرُ مَعَها، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "وَلَوْ عَلِمْتُ" فَجَعَلَ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ، ومِمّا يَنْبَغِي أنْ يُتَعَلَّمَ ويُطْلَبَ عِلْمُهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَفي هَذا حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ لِلْقَوْلِ بِرَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ، وإذا تَرَتَّبَ -كَما قُلْنا- التَخْيِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ التَخْيِيرَ هو الَّذِي نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ المُنافِقُونَ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مَسائِلُ تَقْتَضِي القَوْلَ بِدَلِيلِ الخِطابِ، مِنها قَوْلُهُ: إنَّ المُدْرِكَ لِلتَّشَهُّدِ وحْدَهُ لا تَلْزَمُهُ أحْكامُ الإمامِ؛ لِأنَّ النَبِيَّ ، قالَ: « "مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَلاةِ فَقَدْ أدْرَكَ الصَلاةَ"»، فاقْتَضى دَلِيلُ الخِطابِ أنَّ مَن لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فَلَيْسَ بِمُدْرِكٍ، ولَهُ مَسائِلُ تَقْتَضِي رَفْضَ دَلِيلِ الخِطابِ، مِنها قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَفِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"»، فَدَلِيلُ الخِطابِ أنْ لا زَكاةَ في غَيْرِ السائِمَةِ، ومالِكٌ يَرى الزَكاةَ في غَيْرِ السائِمَةِ، ومِنها أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ في الصَيْدِ: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا ﴾ ، فَقالَ مالِكٌ: حُكْمُ المُخْطِئِ والمُتَعَمِّدِ سَواءٌ، ودَلِيلُ الخِطابِ يَقْتَضِي غَيْرَ هَذا، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِالسَبْعِينَ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأعْدادِ فَلِأنَّهُ عَدَدٌ كَثِيرًا ما يَجِيءُ غايَةً ومُقْنِعًا في الكَثْرَةِ، ألا تَرى إلى القَوْمِ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، وإلى أصْحابِ العَقَبَةِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: إنَّ التَصْرِيفَ الَّذِي يَكُونُ مِنَ السِينِ والباءِ والعَيْنِ فَهو شَدِيدُ الأمْرِ، مِن ذَلِكَ السَبْعَةُ فَإنَّها عَدَدٌ مُقْنِعٌ، هي في السَماواتِ وفي الأرْضِ وفي خَلْقِ الإنْسانِ وفي رِزْقِهِ وفي أعْضائِهِ الَّتِي بِها يُطِيعُ اللهَ وبِها يَعْصِيهِ، وبِها تَرْتِيبُ أبْوابِ جَهَنَّمَ فِيما ذَكَرَ بَعْضُ الناسِ، وهِيَ: عَيْناهُ وأُذُناهُ ولِسانُهُ وبَطْنُهُ وفَرْجُهُ ويَداهُ ورَجُلاهُ، وفي سِهامِ المَيْسِرِ وفي الأقالِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ السَبْعُ والعُبُوسُ والعنبَسُ ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ.
وقَوْلُهُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى امْتِناعِ الغُفْرانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ إمّا مِن حَيْثُ هم فاسِقُونَ، وإمّا أنَّهُ لَفْظُ عُمُومٍ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي عَلى كُفْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا استئناف ابتدائي ليس متصلاً بالكلام السابق، وإنّما كان نزوله لسبب حدث في أحوال المنافقين المحكية بالآيات السالفة، فكان من جملة شرح أحوالهم وأحكامهم، وفي الآية ما يدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر لهم.
روى المفسّرون عن ابن عباس أنّه لمّا نزلت بعض الآيات السابقة في أحوالهم إلى قوله: ﴿ سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ﴾ [التوبة: 79].
قال فريق منهم: استغفر لنا يا رسول الله، أي ممّن صدر منه عمل وبِّخُوا عليه في القرآن دون تصريح بأنّ فاعله منافق فوعدهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر للذين سألوه.
وقال الحسن: كانوا يأتون رسول الله فيعتذرون إليه، ويقولون: إن أردْنا إلاّ الحسنى.
وذلك في معنى الاستغفار، أي طلب مَحْومَا عُدّ عليهم أنّه ذنب، يريدون أنّه استغفار من ظاهر إيهام أفعالهم.
وعن الأصمّ أنّ عبد الله بنَ أُبي بن سَلول لمّا ظهر ما ظهر من نفاقه وتنكّر الناس له من كلّ جهة لقيه رجل من قومه فقال له: ارجع إلى رسول الله يستغفر لك، فقال: ما أبالي استغفر لي أم لم يستغفر لي.
فنزل فيه قوله تعالى في سورة المنافقين (5، 6): ﴿ وإذا قيل لهم تعالَوا يستغفر لكم رسولُ الله لَوَوْا رُؤُوسَهم ورأيتَهم يَصُدُّون وهم مستكبرون سواءٌ عليهم أسْتَغْفَرْتَ لهم أم لم تستغفر لهم لَن يغفرَ الله لهم ﴾ يعني فتكون هذه الآية مؤكّدةً لآية سورة المنافقين عند حدوث مثل السبب الذي نزلت فيه آية سورة المنافقين جمعاً بين الروايات.
وعن الشعبي، وعروة، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة أنّ عبد الله بن أُبَيْ بن سلول مرض فسألَ ابنُه عبدُ الله بنُ عبد الله النبي أن يستغفر له ففعل.
فنزلت.
فقال النبي إنّ الله قد رخَّص لي فسأزيدُ على السبعين فنزلت ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ﴾ [المنافقون: 6].
والذي يظهر لي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا أوحي إليه بآية سورة المنافقين، وفيها أنّ استغفاره وعدمه سواء في حقّهم.
تأوَّلَ ذلك على الاستغفار غيرِ المؤكّد وبعثته رحمته بالناس وحرصه على هداهم وتكدّره من اعْتراضهم عن الإيماننِ أن يستغفر للمنافقين استغفاراً مكرّراً مؤكّداً عسى أن يغفر الله لهم ويزول عنهم غضبه تعالى فيهديهم إلى الإيمان الحقّ.
بما أنّ مخالطتهم لأحوال الإيمان ولو في ظاهر الحال قد يجرّ إلى تعلّق هديه بقلوبهم بأقلّ سبب، فيكون نزول هذه الآية تأيِيساً من رضى الله عنهم، أي عن البقية الباقية منهم تأييساً لهم ولمن كان على شاكلتهم ممّن اطّلع على دخائلهم فاغتبط بحالهم بأنّهم انتفعوا بصحبة المسلمين والكفار، فالآية تأييس من غير تعيين.
وصيغة الأمر في قوله: ﴿ استغفر ﴾ مستعملة في معنى التسوية المراد منها لازمها وهو عدم الحذر من الأمر المباح، والمقصود من ذلك إفادة معنى التسوية التي تَرد صيغة الأمر لإفادتها كثيراً، وعدَّ علماءُ أصول الفقه في معاني صيغة الأمر معنى التسوية ومثّلوه بقوله تعالى: ﴿ اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ [الطور: 16].
فأمَّا قوله: ﴿ أو لا تستغفر لهم ﴾ فموقعه غريب ولم يُعْنَ المفسّرون والمعرِبون ببيانه فإنّ كونه بعد ﴿ لا ﴾ مجزوماً يجعله في صورة النهي، ومعنى النهي لا يستقيم في هذا المقام إذ لا يستعمل النهي في معنى التخيير والإباحة.
فلا يتأتّى منه معنىً يعادل معنى التسوية التي استُعمل فيها الأمر.
ولذلك لم نر علماء الأصول يذكرون التسوية في معاني صيغة النهي كما ذكروها في معاني صيغة الأمر وتأويل الآية: إمّا أن تكون ﴿ لا ﴾ نافية ويكون جزم الفعل بعدها لكونه معطوفاً على فعل الأمر فإن فعل الأمر مجزوم بلام الأمر المقدرة على التحقيق وهو مذهب الكوفيين واختاره الأخفش من البصريين، وابن هشام الأنصاري وأبو علي بن الأحوص، شيخ أبي حيّان، وهو الحقّ لأنّه لو كان مبنياً للزم حالةً واحدةً، ولأنّ أحوال آخره جارية على أحوال علامات الجزم فلا يبعد أن يكون ذلك التقدير ملاحظاً في كلامهم فيعطف عليه بالجزم على التوهّم.
ولا يصح كون هذا من عطف الجمل لأنّه لا وجه لِجزم الفعل لو كان كذلك، لا سيما والأمر مؤول بالخبر، ثم إنّ ما أفاده حرف التخيير قد دلّ على تخيير المخاطب في أحد الأمرين مع انتفاء الفائدة على كليهما.
وإمّا أن تكون صيغة النهي استعملت لمعنى التسوية لأنّها قارنت الأمر الدالّ على إرادة التسوية ويكون المعنى: أمرك بالاستغفار لهم ونهيُك عنه سواء، وذلك كناية عن كون الآمِر والناهي ليس بمغيِّر مراده فيهم سواء فُعل المأمور أو فُعل المنهي ويجوز أن يكون الفعلان معمولين لفعل قول محذوف.
والتقدير: نقول لك: استغفر لهم، أو نقول لا تستغفر لهم.
و ﴿ سبعين مرة ﴾ غير مراد به المقدارُ من العدد بل هذا الاسم من أسماء العدد التي تستعمل في معنى الكثرة.
قال «الكشاف»: «السبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثر».
ويدل له قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو أعلم أنّي لو زدت على السبعين غُفر له لزدت " وهو ما رواه البخاري والترمذي من حديث عمر بن الخطاب.
وأمّا ما رواه البخاري من حديث أنس بن عياض وأبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وسأزيد على السبعين " فهو توهم من الراوي لمنافاته روايةَ عمرَ بن الخطاب، وروايةُ عمَر أرجح لأنّه صاحب القصّة، ولأنّ تلك الزيادة لم تُرو من حديث يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عند الترمذي وابن ماجة والنسائي.
وانتصب ﴿ سبعين مرة ﴾ على المفعولية المطلقة لبيان العدد.
وتقدّم الكلام على لفظ مرّة عند قوله تعالى: ﴿ وهم بدأوكم أول مرة ﴾ في هذه السورة (13).
وضمائر الغيبة راجعة إلى المنافقين الذين علم اللَّهُ نفاقهم وأعلم نبيئَه عليه الصلاة والسلام بهم.
وكان المسلمون يحسبونهم مسلمين اغتراراً بظاهر حالهم.
وكان النبي يُجري عليهم أحكام ظاهر حالهم بين عامّة المسلمين، والقرآن ينعتهم بسيماهم كيلا يطمئنّ لهم المسلمون وليأخذوا الحذر منهم، فبذلك قُضي حقّ المصالح كلّها.
ومن أجل هذا الجري على ظاهر الحال اختلف أسلوب التأييس من المغفرة بين ما في هذه الآية وبين ما في آية ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ [التوبة: 113] لأنّ المشركين كفرُهم ظاهر فجاء النهي عن الاستغفار لهم صريحاً، وكُفر المنافقين خفي فجاء التأييس من المغفزة لهم منوطاً بوصف يعلمونه في أنفسهم ويعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام ولأجل هذا كان يستغفر لمن يسأله الاستغفار من المنافقين لئلا يكون امتناعه من الاستغفار له إعلاماً بباطن حاله الذي اقتضت حكمةُ الشريعة عدمَ كشفه.
وقال في أبي طالب: «لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك» فلمّا نهاه الله عن ذلك أمسك عن الاستغفار له.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الجنازة على من مات من المنافقين لأنّ صلاة الجنازة من الاستغفار ولمّا مات عبدُ الله بن أبي بن سلول رأسُ المنافقين بعد نزول هذه الآية وسألَ ابنُه عبدُ الله بنُ عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه، فصلّى عليه كرامة لابنه وقال عمر للنبيء صلى الله عليه وسلم قد نهاك ربك أن تصلي عليه، قال له على سبيل الرد «إنّما خَيّرني الله»، أي ليس في هذه الآية نهي عن الاستغفار، فكان لصلاته عليهم واستغفاره لهم حكمة غير حصول المغفرة بل لمصالح أخرى، ولعلّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بأضعف الاحتمالين في صيغة ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ وكذلك في لفظ عدد ﴿ سبعين مرة ﴾ استقصاء لمظنّة الرحمة على نحو ما أصّلناه في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا التفسير.
والإشارةُ في قوله: ﴿ ذلك بأنهم كفروا ﴾ لانتفاء الغفران المستفاد من قوله: ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ .
والباء للسببية، وكفرهم بالله هو الشرك.
وكفرهم برسوله جحدهم رسالته صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية دليل على أن جاحد نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم يطلق عليه كافر.
ومعنى ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ أنّ الله لا يُقَدّر لهم الهدي إلى الإيمان لأجل فسقهم، أي بُعدهِم عن التأمّل في أدلّة النبوءة، وعن الإنصاف في الاعتراف بالحق فمن كان ذلك ديدنه طُبع على قلبه فلا يقبل الهُدى فمعنى ﴿ لا يهدي ﴾ لا يخلق الهُدى في قلوبهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ وهَذا عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في اليَأْسِ مِنَ المَغْفِرَةِ وإنْ كانَ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، ومَعْناهُ أنَّكَ لَوْ طَلَبْتَها لَهم طَلَبَ المَأْمُورِ بِها أوْ تَرَكْتَها تَرْكَ المَنهِيِّ عَنْها لَكانَ سَواءً في أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ لَيْسَ بِحَدٍّ لِوُقُوعِ المَغْفِرَةِ بَعْدَها، وإنَّما هو عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ بِذِكْرِ هَذا العَدَدِ لِأنَّ العَرَبَ تُبالِغُ بِالسَّبْعِ والسَّبْعِينَ لِأنَّ التَّعْدِيلَ في نِصْفِ العَقْدِ وهو خَمْسَةٌ إذا زِيدَ عَلَيْهِ واحِدٌ كانَ لِأدْنى المُبالَغَةِ، وإذا زِيدَ عَلَيْهِ اثْنانِ كانَ لِأقْصى المُبالَغَةِ، ولِذَلِكَ قالُوا لِلْأسَدِ سَبُعٌ أيْ قَدْ ضُوعِفَتْ قُوَّتُهُ سَبْعَ مَرّاتٍ، وهَذا ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَحَكى مُجاهِدٌ وقَتادَةُ أنَّ النَّبِيَّ قالَ «سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَهم أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ فَكَفَّ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم «عن عروة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل ﴿ ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ [ المنافقون: 8] فأنزل الله عز وجل ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ قال النبي» لأزيدن على السبعين.
فأنزل الله: ﴿ سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ﴾ [ المنافقون: 6] .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم «سأزيد على سبعين، فأنزل الله في السورة التي يذكر فيها المنافقون ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ [ المنافقون: 6] » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم.
فقال الله من شدة غضبه عليهم ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ [ المنافقون: 6] » .
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي، دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام عليه فلما وقف قلت أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟!
أعدد أيامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت قال: «يا عمر أخر عني اني قد خيرت، قد قيل لي ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها، ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم- والله رسوله أعلم- فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان ﴿ ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ﴾ [ التوبة: 84] فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله عز وجل» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لقد أصبت في الإِسلام هفوة ما أصبت مثلها قط، «أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال الله: ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد خيرني ربي فقال: ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر، فجعل الناس يقولون لابنه: يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب اسم شيطان أنت عبد الله» .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ استغفر لهم...
﴾ الآية.
قال: نزلت في الصلاة على المنافقين قال: «لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق قال النبي صلى الله عليه وسلم لو أعلم إن استغفرت له إحدى وسبعين مرة غفر له لفعلت فصلى عليه الله الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، فأنزل الله: ﴿ ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ﴾ [ التوبة: 84] ونزلت العزمة في سورة المنافقين ﴿ سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ﴾ [ المنافقون: 6] الآية» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ الآية، قال الفراء: (ظاهر الآية أنه أمر ونهي، خيره بينهما، وإنما (١) (٢) ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ الآية، وقال غيره من أهل المعاني: (معنى صيغة الأمر والنهي في هذه الآية: المبالغة في اليأس من المغفرة بأنه لو طلبها طلب المأمور بها، أو (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ قال المتأخرون من أهل التفسير: (السبعون عند العرب غاية مستقصاة؛ لأنه جمع سبعة والسبعة تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) - صلى على حمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قيل: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء صلاتك على حمزة) (١٢) وقال الأزهري: (العرب تضع التسبيع (١٣) (١٤) (١٥) قال: والأصل في هذا: قول الله عز وجل: ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ ، وقال "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة" (١٦) ﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد، ولم يرد الله أنه (١٧) (١٨) هذا الذي ذكرنا في هذه الآية مذهب أهل اللغة وأصحاب المعاني (١٩) ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ تخيير، وقوله: ﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ حصر بهذا العدد (٢٠) - ما يوافق هذا المذهب، وهو ما روي أن النبي - - لما أراد الصلاة علي عبدالله بن أبي قال له عمر: أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا: كذا وكذا؟!
فقال: "إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ " [[رواه البخاري (4670)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ، ومسلم (2400)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر، والنسائي، كتاب: الجنائز، [باب] الصلاة على المنافقين 4/ 67، والترمذي (3097)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة 5/ 279، وأحمد في "المسند" 1/ 16.]].
وقال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - -: "إن الله رخص لي فسأزيدن (٢١) (٢٢) - قال: "لأزيدن علي السبعين" فأنزل الله: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ (٢٣) ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ منسوخًا بقوله تعالى: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ﴾ (٢٤) فهذا الذي ذكرنا من قولهم يدل على أنهم جعلوا قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ [أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ] (٢٥) ﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ حصرًا لهذا العدد لا تكثرًا.
(١) في (ى): (وانهما)، وهو خطأ.
(٢) "معاني القرآن" 1/ 441 بمعناه.
(٣) في (ح): (و).
(٤) في (م): (يرفعها).
(٥) لم أقف عليه.
(٦) لم يتبين لي مراده بذلك، والبحار المعروفة أكثر من سبعة.
(٧) لم يتين لي المراد بذلك، ولا يمكن أن يقال: إن مراده القارات السبع؛ لأن ثلاثًا منها على الأقل لم تكشف إلا بعد وفاة المؤلف بدهر.
(٨) يعني النجوم السيارة في المجموعة الشمسية، وقد كان المعروف منها زمن المؤلف سبع.
انظر: "تفسير الرازي" 16/ 148.
وقد اكتشف فيما بعد غيرها.
(٩) لعله يعني الأعضاء السبعة التي يسجد عليها المصلي، وذكر ابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 582 - 583 نحو هذا القول، وفسر الأعضاء بالجوارح التي بها يطيع الإنسان ربه ويعصيه، وهي عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفيه نظر لأن الطاعة والمعصية ليست محصورة بهذه الأعضاء فالأنف قد يشم ما حرم الله، والقلب قد يحمل حقدًا وحسدًا واحتقارًا لمسلم، والمرأة قد تعصي ربها بإبداء زينتها ووجهها لأجنبي.
(١٠) هذا القول للثعلبي، انظر: "تفسيره" 6/ 134 ب.
(١١) في (ى): (بعض أهل الكتب)، وهو خطأ.
(١٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 134 ب، ولم يذكر سنده.
(١٣) في (ح): (السبع).
(١٤) في (ى): (فقال له)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "تهذيب اللعة".
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٦) رواه البخاري (41، 42)، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء، ومسلم (164)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، والنسائي في "سننه"، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء 8/ 105، وابن ماجه (1638)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في فضل الصيام، وأحمد في "المسند" 1/ 446.
(١٧) ساقط من (ى) و (م).
(١٨) اهـ.
كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (سبع) 2/ 1617.
(١٩) انظر: "تهذيب اللغة" (سبع) 2/ 1617، و"لسان العرب" (سبع) 3/ 1924.
(٢٠) نسبة المؤلف هذا القول للمفسرين على وجه العموم فيه نظر، إذ هم فريقان في هذه المسألة، فبعضهم ذهب إليه، وقد ذكر القرطبي بعضهم في "تفسيره" 8/ 220 حيث قال.
(وقالت طائفة - منهم الحسن وقتادة وعروة: إن شئت استغفر لهم، وإن شئت لا تستغفر) اهـ.
واعتمد هذا القول السمرقندي في "تفسيره" 2/ 65، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 515، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 580، وابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 990 ولم تذكر كتب الرواية كـ"تفسير ابن جرير" وابن أبي حاتم == و"الدر المنثور" قولاً لأحد المفسرين السابقين بهذا المعنى، وإنما ذكرت عن جمع من مفسري السلف -منهم عروة وقتادة- رواية عن النبي - - بالتخيير، فلعل من نسب هذا القول إلى الرواة بناء على أن الراوي لا يخالف روايته، وهذا ليس على إطلاقه.
وقد خالف هذا القول كثير من المفسرين، فابن جرير قال في تفسير الآية 10/ 198 هذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعاه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، وقال الثعلبي في "تفسيره" 6/ 134/ ب: (لفظه أمر، ومعاه جزاء، تقديره: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم).
وقال البغوي في "تفسيره" 4/ 79: (لفظه أمر، ومعاه خبر، تقديره: استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ..
وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس عن طمع المغفرة).
وقال الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 386: (قوله ﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو على وجه المبالغة بذكر هذا العدد).
وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 195، 204، وابن كثير 2/ 414.
وعلى أي حال فالقول بأن قوله تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ تخيير للنبي - - هو الصحيح؛ لقوله - -: "إني خيرت فاخترت"، وهذا الحديث نص في هذه المسألة فلا ينبغي العدول عنه.
(٢١) في "تفسير البغوي": (فلأزيدن)، وفي "تفسير الثعلبي": (فسأزيد).
(٢٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 134 ب، والبغوي في "تفسيره" 4/ 79، وهو ضعيف لإرساله، وقال القشيري: لم يثبت أنه قال: "لأزيدن على السبعين".
"تفسير القرطبي" 8/ 219.
(٢٣) رواه ابن جرير 10/ 198 - 200 عن عروة وقتادة، ورواه عن عروة أيضًا ابن أبي حاتم 6/ 1854، وأشار القرطبي في "تفسيره" 8/ 220 إلى قول الحسن، وأقوالهم هذه مراسيل.
(٢٤) "تفسير مقاتل" 133 أبنحوه.
(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
<div class="verse-tafsir"
﴿ استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ يحتمل معنيين.
أحدهما: أن يكون لفظه أمر، ومعناه الشرط، ومعناه: إن استغفرت لهم أو لم تستغفرلهم لن يغفر الله لهم، كما جاء في سورة المنافقين، والآخر: أن يكون تخييراً، كأنه قال إن شئت فاستغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعلمه الله أنه لا يغفر لهم، وهذا أرجح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله خيرني فاخترت، وذلك حين قال عمر: أتصلي على عبد الله بن أبيّ وقد نهاك الله عن الصلاة عليه ﴿ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ ذكرها على وجه التمثيل للعدد الكثير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ معي أبدأ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والمفضل ﴿ معي عدو ﴾ بالفتح: حفص فقط.
الوقوف: ﴿ أو لا تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ في الحر ﴾ ط ﴿ حراً ﴾ م لأن المعنى لو كانوا يفقهون حرارة النار لما قالوا لا تنفروا في الحر.
ولو وصل لأوهم أن جهنم لا يكون نارها أشد حراً إذا لم يفقهوا ذلك ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح أن يكون مفعولاً له أو مصدر محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ معي عدوّاً ﴾ ط ﴿ الخالفين ﴾ ه ﴿ على قبره ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ وأولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ز لابتداء وعد الفلاح على التعظيم بدليل تكرار ﴿ أولئك ﴾ مع اتفاق الجملتين.
﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس أن عند نزول الآية الأولى في المنافقين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا واشتغل بالاستغفار لهم فنزل ﴿ استغفر لهم ﴾ الآية، ومن المفسرين من قال: إنهم طلبوا من الرسول أن يستغفر لهم وإن الله نهاه عنه.
والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي أقدم على ذلك الفعل.
ثم إن الدليل قد يدل على أنه ما اشتغل بالاستغفار لأن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه أن الاستغفار للكافر غير جائز، ولأن الاستغفار للمنافق يجري مجرى اغرائه على مزيد النفاق ولأنه يلزم أن يكون النبي غير مجاب الدعوة وإن أكثر في الدعاء.
ومن الفقهاء من قال: التخصيص بالعدد المعين يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه لما روي أنه لما نزلت الآية قال : "لأزيدن على السبعين" فنزل ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ﴾ فكف عنه.
فلولا أنه فهم بدليل الخطاب أن الأمر فيما وراء السبعين بالخلاف لم يقل لأزيدنّ على ذلك.
وأجيب بأنه أراد إظهار الرحمة والرأفة بأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم لبعض لا أنه فهم منه ذلك، كيف وقد قال ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ وأردفه بقوله ﴿ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ .
فليس المقصود بهذا العدد تحديد المنع وإنما هو كقول القائل لمن يسأله حاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها.
ولهذا بين العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وهي كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين.
وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً هو أن السبعة عدد شريف لأنه عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فضرب السبعة في عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها.
وقيل: خص بالذكر لأنه كبّر على حمزة سبعين تكبيرة وكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة: هذا وقد مر في تفسير قوله ﴿ قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً ﴾ أن هذا أمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لا، وانتصاب سبعين على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعالهم فقال ﴿ فرح المخلفون ﴾ قيل: إنهم احتالوا أن يتخلفوا وكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون.
وأجيب بأنهم استأذنوا رسول الله فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو أريد خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، أو المجاهدون لما لم يوافقوهم في القعود فكأنهم خلفوهم، أو أطلق عليهم المخلفون باعتبار أنهم سيصيرون ممنوعين من الخروج في الآية الآتية ﴿ فإن رجعك الله ﴾ إلى قوله ﴿ ولن تقاتلوا معي عدواً ﴾ ومعنى ﴿ بمقعدهم ﴾ بقعودهم قاله مقاتل.
أو بموضع قعودهم وهو المدينة قاله ابن عباس.
ومعنى ﴿ خلاف رسول الله ﴾ مخالفة رسول الله حين سار وأقاموا قاله قطرب والزجاج فانتصابه على أنه مفعول له أي قعد والأجل خلافه أو على الحال مثل "فأرسلها العراك" أي مخالفين له، وقال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف أي بعد رسول الله وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان يخالفها جهة الخلف ﴿ وكرهوا أن يجاهدوا ﴾ كيف لا يكرهون وليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإخلاص ومعهم صارف الكفر والنفاق؟
وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين أموالهم وأرواحهم في الله المؤثرين ذلك على الدعة والخفض.
واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب إلا أنه صريح بذلك للتوكيد، ولعل المراد أنه مال طبعهم إلى الإقامة لإلفهم بالبلد واستئناسهم بالأهل والولد، وكرهوا الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والإهدار.
﴿ قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ﴾ أن بعد هذه الدار دار أخرى وبعد هذه الحياة حياة أخرى.
وهذه المشقة منقضية سهلة وتلك باقية صعبة ولبعضهم وكأنه صاحب الكشاف: مسرة أحقاب تلقيت بعدها *** مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة *** وراء تقضيها مساءة أحقاب وفي هذا استجهال عظيم لهم.
ثم قال ﴿ فليضحكوا ﴾ وهو خبر إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره ومعناه فسيضحكون قليلاً أي ضحكاً قليلاً أو زماناً قليلاً وسيبكون كثيراً.
يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.
ثم عرف نبيه وجه الصلاح في سائر الغزوات فقال ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ﴾ أي إن ردّك إلى المدينة.
الرجع متعد مثل الرد، والرجوع لازم.
وإنما قال طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم أو اعتذر بعذر صحيح.
وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين فأراد بالطائفة المخلفين من المنافقين.
﴿ فاستأذنوك للخروج ﴾ إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبداً ﴾ عاقبهم بإسقاط عن ديوان الغزاة جزاء على تخلفهم لما فيه من الذم والطرد وصلاحاً لأمر الجهاد لما في استصحابهم من المفاسد المذكورة في قوله ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ ويعني بأول مرة غزوة تبوك.
وإنما لم يقل أول المرات معرفاً مجموعاً لأن المعنى إن فصلت المرات مرة مرة كانت هذه أولها نظيره "هو أفضل رجل" يعني إن عدّ الرجال رجلاً رجلاً كان هو أفضلهم.
وإنما لم يقل "أولى مرة" لأن أكثر اللغتين "هند أكبر النساء" ولا يكاد يقال "هي أكبر امرأة" ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ كقوله ﴿ وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ {التوبة: 46] والخالف من يخلف الرجل في قومه.
وعن الأصمعي أنه الفاسد من خلف اللبن والنبيذ إذا فسد.
وعن الفراء معناه المخالف.
قال قتادة: ذكر لنا أن الخالفين الذين أمروا بالقعود كانوا اثني عشر رجلاً.
عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبد الله ابن أبيّ ابن سلول عاده رسول الله فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه الذي يلي جلده ليكفن فيه ففعل كل ذلك.
وعنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف علي يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدوّ الله عبد الله ابن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا؟
أعدد أيامه ورسوله يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت.
قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله والله ورسوله أعلم.
قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ﴾ الآية.
فما صلى رسول الله بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله.
قال المفسرون: وكلم رسول الله فيما فعل بعبد الله بن أيّ قال: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إن كنت لأرجو أن يسلم به ألف من قومه وكان كما قال.
وقيل: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه غلب على ظن الرسول أنه انتقل إلى الإيمان لأنه وقت يتوب فيه الكافر فرغب أن يصلي عليه.
وذكر من أسباب دفع القميص أن العباس عم رسول الله أخذ أسيراً ببدر ولم يجدوا له قميصاً طويلاً فكساه عبد الله قميصه، ومنها أن المشركين قالوا له يوم الحديبية إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك.
فقال: إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله صنيعه.
ومنها أنه كان لا يرد السائل لقوله ﴿ وأما السائل فلا تنهر ﴾ ومنها أن ابنه عبد الله كان من الصالحين فالرسول أكرمه لمكان ابنه.
ومنها إظهار الرأفة والرحمة كما مر.
قوله ﴿ مات ﴾ صفة لأحد ﴿ وأبداً ﴾ ظرف لقوله ﴿ لا تصل ﴾ وإنه يحتمل تأبيد النفي ونفي التأبيد والظاهر الأول، لأن القرائن تدل على منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً.
قال الزجاج: معنى قوله ﴿ ولا تقم على قبره ﴾ أن رسول الله كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه.
وقال الكلبي: معناه لا تقم بإصلاح مهمات قبره و ﴿ أنهم كفروا ﴾ تعليل للنهي ويرد عليه أن الكفر حادث وحكم الله قديم والحادث لا يكون علة للقديم.
وأجيب بأن العلة ههنا بمعنى الإمارة المعرفة للحكم.
قال في الكشاف: وإنما قيل مات وماتوا بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير لكون والوجود لأنه كائن موجود لا محالة.
وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبح في جميع الأديان.
أما قوله ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ﴾ فقد سبق مثله في هذه السورة بتفاوت ألفاظ فوجب علينا أن نذكر سبب التفاوت، ثم فائدة التكرار فنقول والله أعلم بمراده: إنما ذكر النهي ههنا بالواو وهناك بالفاء لأنه لا تعلق له ههنا بما قبله وهو موتهم على حالة الفسق خلاف ما هنالك.
وإنما قال ههنا ﴿ وأولادهم ﴾ بدون "لا" لأن المراد هنالك الترقي من الأدون إلى الأعلى وهو أن إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم كقولك: لا يعجبني أمر النائب ولا أمر المنوب.
وههنا أراد المعية فقط إما اكتفاء بما سبق هناك، وإما لأن هؤلاء أقوام آخرون لم يكن عندهم تفاوت بين الأمرين.
وقيل: إنه هناك لما علق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط أكد معنى النهي بتكرار "لا"، وإنما قال ههنا ﴿ إن يعذبهم ﴾ لأنه إخبار عن قوم ماتوا على الكفر فتعلق الإرادة بما هم فيه وهو العذاب.
وأما في الآية المتقدمة فالمفعول محذوف وقد مر.
وقيل: الفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه "أن"، وإنما حذف الحياة ههنا اكتفاء بما ذكر هنالك وقيل تنبيهاً على أن الحياة الدنيا لا تستحق أن تسمى حياة لخستها.
وأما فائدة التكرير فهي المبالغة في التحذير من الأموال والأولاد لأنها جذابه للقلوب فتحتاج إلى صارف قوي، ويحتمل أن تكون الأولى في قوم والثانية في آخرين.
وقيل: الثانية في اليهود والأولى في المنافقين.
ثم عاد إلى توبيخ المنافقين فقال ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ أي تمامها ويجوز أن يزاد عليها كما يقع القرآن والكتاب على بعضه.
وقيل: هي براءة لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿ أن آمنوا ﴾ "أن" هي المفسرة لأن إنزال السورة في معنى القول.
وقال الواحدي: تقديره بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان ﴿ أولوا الطول ﴾ ذو الفضل والسمعة من طال عليه طولاً قاله ابن عباس والحسن.
وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصوا بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود ﴿ مع القاعدين ﴾ مع أصحاب الأعذار من الضعفة والزمنى.
والخوالف النساء اللواتي تخلفن في البيت، وجوز بعضهم أن يكون الخوالف جمع خالف وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف.
ثم قال ﴿ وطبع على قلوبهم ﴾ كقوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد مر البحث فيه، وقال الحسن: الطبع بلوغ القلب في الكفر إلى حد كأنه مات عن الإيمان.
وقالت الأشاعرة: هو حصول داعية الكفر المانعة من الإيمان.
والطبع في اللغة الختم وهو التأثير في الطين ونحوه، ومنه الطبع للسجية التي جبل عليها الإنسان ﴿ فهم لا يفقهون ﴾ أسرار حكمة الله في الجهاد أو في الذهاب من السعادة وما في التخلف من الشقاء.
وفي قوله ﴿ لكن الرسول ﴾ نكتة هي أنه إن تخلف هؤلاء فقد أنهض إلى الغزو من هو خير منهم وأصدق نية كقوله ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ ثم ذكر منافع الجهاد على الإجمال فقال ﴿ وأولئك لهم الخيرات ﴾ وهي شاملة لمنافع الدارين.
وقيل: هي الحور لقوله ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ وقوله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ المراد منه الخلاص من المكاره.
ثم فصل ما أجمل فقال ﴿ أعد الله ﴾ الآية وقيل: الخيرات الفلاح في الدنيا وهذه في الآخرة.
و ﴿ الفوز العظيم ﴾ عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ودرجة عالية.
التأويل: إنما لم يؤثر استغفار الرسول في حقهم لقصور في القائل لا لتقصير في الفاعل، والأثر يتوقف على الأمرين ﴿ جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ من رين القلوب وكدورة الأرواح بظلمة الصفات الحيوانية.
﴿ وهم كافرون ﴾ مستورو القلوب بحجاب حب الأموال والأولاد.
لهم الخيرات لما سعوا سعي العبودية نالوا خيرات الربوبية، ﴿ هم المفلحون ﴾ المتخلصون عن حجب صفات النفس ﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إذ لا حجاب أعظم من حجاب النفس والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ...
﴾ الآية.
يشبه أن تكون الآية صلة قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَتَوَلَّواْ ﴾ .
إن أهل النفاق كانوا أهل بخل لا ينفقون إلا مراءاة وسمعة، فظنوا بمن أنفق من المسلمين وتصدق ظنّاً بأنفسهم، فقالوا: إنهم أنفقوا وتصدقوا مراءاة وسمعة.
[وقد] ذكر في بعض القصة "أن عبد الرحمن بن عوف أتى بنصف ماله في غزوة تبوك يتقرب به إلى الله، وقال: يا نبي الله، هذا نصف مالي أتيتك به، وتركت نصفه لعيالي، فدعا النبي أن يبارك له فيما أعطى وفيما أمسك، فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى إلا رياء وسمعة.
وجاء رجل آخر من فقراء المسلمين بصاع من تمر فنثره في تمر الصدقة، فقال له نبي الله خيراً ودعا له، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صاع هذا، فذلك لمزهم" .
فأنزل الله : ﴿ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ﴾ يعني: الذي جاء بصاع.
قال القتبي: الذين يلمزون المطوعين، أي: يصيبون المتطوعين بالصدقة، ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ﴾ أي: طاقتهم، والجهد: الطاقة، قال: والجهد: المشقة.
وقال أبو عوسجة: الجهد: إنفاق الرجل من الشيء القليل، يقال: جهد الرجل، إذا كان من الضعف أو من الفقر.
ويقال: جهد في العمل، يجهد جهداً؛ إذا بالغ في العمل.
قال أبو عبيد: الجهد مثل الوسع، والجهد: الطاقة، وكذلك قال أبو معاذ.
وفي الآية معنيان: أحدهما: دلالة إثبات رسالة رسول الله ؛ لأنه معلوم أن ما كان منهم من اللمز لم يكن ظاهراً، ولكن كان سرّاً، ثم أخبرهم رسوله بذلك، دل أنه إنما عرف ذلك بالله.
والثاني: أن الأمور التي فيما بين الخلق إنما ينظر إلى ظواهرها، وإن كان في الباطن على خلاف الظواهر، حيث عوتبوا هم بما طعنوا فيهم بالرياء والسمعة؛ ليعلم أن الأمور التي فيما بين الخلق تحمل على ظواهرها، ولا ينظر فيها إلى غير ظاهرها، والحقيقة هو ما بطن وأسروا به يخلص العمل لله، والسر: هو ما يسر المرء في نفسه، والنجوى: هو اجتماع جماعة على نجوةٍ من الأرض، أي: المرتفع من المكان.
وقوله: ﴿ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: إن من اعتذر إلى آخر فيقبل عنه، على علم من المعتذَر إليه أنه لا عذر له فيما يعتذر إليه، وأنه كاذب في ذلك - فقبول المعتذَر إليه ما يعتذر من المعتذِر: سخرية من المعتذَر إليه إلى المعتذِر.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ ﴾ أي: يجزيهم جزاء السخرية؛ فسمى جزاءه باسم السخرية، وإن لم يكن الجزاء سخرية، كما سُمِّي جزاء السبة: سبة، وإن لم تكن الثانية سبة، وكذلك سمي جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن الثاني اعتداء، فعلى ذلك سمي جزاء السخرية سخرية، وإن لم يكن سخرية.
ويحتمل قوله: ﴿ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ ﴾ أي: سخر أولياء الله منهم، فأضيف إليه، وكذلك يحتمل قوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ أي: يستهزئ بهم أولياؤه، وهو قوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ فذلك استهزاؤهم بهم، وذلك جائز في اللغة إضافة الشيء إلى آخر، والمراد منه غير مضاف إليه.
وقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: "إنه لما مات عبد الله بن أبي أراد رسول الله أن يصلي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه، فقال: أأمرك الله بهذا؟
قال: ﴿ ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ فقال: قد خيرني ربي، افعل أو لا تفعل" .
وفي بعض الروايات "قال له عمر: لا تستغفر؛ فإن الله قد نهاك عن هذا.
فقال رسول الله إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على سبعين" أو كلام نحو هذا.
فأنزل الله عند ذلك: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ ، لكن هذا يبعد [أن] يفهم رسول الله من الآية التخيير، وعمر يمنعه من ذلك، ولا يجوز أن يفهم التخيير في ذلك، أو يخرج ذلك على التحديد، أو تكون منسوخة بالتي في "المنافقين"؛ لأنه وعيد، والوعيد لا يحتمل النسخ.
والوجه فيه - والله أعلم -: إن استغفرت لهم فإن استغفارك ليس بالذي يرد فلا يجاب، لكنهم قوم كفروا بالله ورسوله، وقد تعلم من حكمي أني لا أغفر لمن مات على ذلك.
[على ذلك] يخرج على الاعتذار لرسوله في ذلك، والنهي له عن الاستغفار لهم؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ ﴾ ، وقد علم شرك المنافقين وكفرهم بالله ورسوله؛ فنهاهم عن الاستغفار لهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يطلع رسوله على كفرهم؛ فدل على أنه بعد العلم بذلك نهاه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: "إن صاحب الكبيرة لا يغفر له"؛ لأنه أخبر أنه لا يغفر لهم بما كفروا بالله ورسوله؛ فدل أن من لم يكن كفر بالله ورسوله فإنه يغفر له، وأن له الشفاعة، وصاحب الكبيرة ليس بكافر، دل أنه ما ذكرنا.
ثم طلب المغفرة من الله والشفاعة لو يجيء لا يكون إلا للخواص من الخلق وهم الرسل والأنبياء، على ما يكون في الشاهد لا يرفع إلى ملوك الأرض الحاجة ليقربهم إلا الخواص لهم ولا يشفعون إلا أهل الشرف عندهم والمنزلة، لكن الله - - أذن لنا في استغفار غيرنا بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ ﴾ .
وقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: سواء عندهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ويكون طلب استغفارهم من رسول الله استهزاءً منهم به، حيث قال: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ ، يخرج قولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ مخرج الاستهزاء على هذا التأويل.
ويحتمل قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: سواء عند الله أستغفرت لهم، أم لم تستغفر لهم - فإنه لا يغفر لهم بكفرهم بالله ورسوله.
ثم قوله: ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ يحتمل: ذَكَرَ السبعين؛ لأن السبعين هو النهاية والغاية في الاستغفار، على ما روي أن كان يستغفر في كل يوم سبعين استغفاراً، فأخبر: أنك وإن انتهيت النهاية فيه لا يغفر لهم ولا ينفعهم ذلك.
وقوله ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .
وقت اختيارهم الفسق، أو لا يهديهم طريق الجنة في الآخرة؛ لفسقهم في الدنيا، إذا ماتوا على ذلك.
<div class="verse-tafsir"
اطلب -أيها الرسول- المغفرة لهم، أو لا تطلبها لهم، فإن طلبتها سبعين مرة، فإنها على كثرتها لن توصل إلى مغفرة الله لهم؛ لأنهم كافرون بالله ورسوله، والله لا يوفق للحق الخارجين عن شرعه عن عمد وقصد.
<div class="verse-tafsir" id="91.7VQ9l"