الآية ١٧ من سورة البلد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 90 البلد > الآية ١٧ من سورة البلد

ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة البلد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٧ من سورة البلد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ثم كان من الذين آمنوا ) أي : ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه ، محتسب ثواب ذلك عند الله - عز وجل - .

كما قال تعالى : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) [ الإسراء : 19 ] وقال ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ) الآية [ النحل : 97 ] .

وقوله : ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) أي : كان من المؤمنين العاملين صالحا ، المتواصين بالصبر على أذى الناس ، وعلى الرحمة بهم .

كما جاء في الحديث : " الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " وفي الحديث الآخر : " لا يرحم الله من لا يرحم الناس " .

وقال أبو داود : حدثنا [ أبو بكر ] بن أبي شيبة ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو - يرويه - قال : " من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا ، فليس منا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) يقول تعالى ذكره: ثم كان هذا الذي قال: أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا من الذين آمنوا بالله ورسوله، فيؤمن معهم كما آمنوا( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) يقول: وممن أوصى بعضهم بعضا بالصبر على ما نابهم في ذات الله ( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) يقول: وأوصى بعضهم بعضًا بالمرحمة.

كما حدثنا محمد بن سنان والقزّاز، قال: ثنا أبو عاصم عن شبيب، عن عكرِمة، عن ابن عباس ( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) قال: مَرْحَمة الناس.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم كان من الذين آمنوا يعني : أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبة ، أو أطعم في يوم ذا مسغبة ، حتي يكون من الذين آمنوا أي صدقوا ، فإن شرط قبول الطاعات الإيمان بالله .

فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع ، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان ، قال الله تعالى في المنافقين : وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله .

وقالت عائشة : يا رسول الله ، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم الطعام ، ويفك العاني ، ويعتق الرقاب ، ويحمل على إبله لله ، فهل ينفعه ذلك شيئا ؟

قال : " لا ، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " .

وقيل : ثم كان من الذين آمنوا أي فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ، ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة نظيره قوله تعالى : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى .

وقيل : المعنى ثم كان من الذين [ ص: 64 ] يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى .

وقيل : أتى بهذه القرب لوجه الله ، ثم آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقد قال حكيم بن حزام بعدما أسلم ، يا رسول الله ، إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية ، فهل لنا منها شيء ؟

فقال - عليه السلام - : " أسلمت على ما أسلفت من الخير " .

وقيل : إن ثم بمعنى الواو أي وكان هذا المعتق الرقبة ، والمطعم في المسغبة ، من الذين آمنوا .وتواصوا أي أوصى بعضهم بعضا .بالصبر أي بالصبر على طاعة الله ، وعن معاصيه وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب .وتواصوا بالمرحمة بالرحمة على الخلق فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الصالحات بجوارحهم.

من كل قول وفعل واجب أو مستحب.

{ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } على طاعة الله وعن معصيته، وعلى أقدار المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضًا على الانقياد لذلك، والإتيان به كاملًا منشرحًا به الصدر، مطمئنة به النفس.{ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } للخلق، من إعطاء محتاجهم، وتعليم جاهلهم، والقيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه، ومساعدتهم على المصالح الدينية والدنيوية، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ثم كان من الذين آمنوا"، بين أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان.

وقيل: ثم بمعنى الواو، "وتواصوا"، أوصى بعضهم بعضاً، "بالصبر"، على فرائض الله وأوامره، "وتواصوا بالمرحمة"، برحمة الناس.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم كان» عطف على اقتحم وثم للترتيب الذكري، والمعنى كان وقت الاقتحام «من الذين آمنوا وتواصوا» أوصى بعضهم بعضا «بالصبر» على الطاعة وعن المعصية «وتواصوا بالمرحمة» الرحمة على الخلق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم كان مع فِعْل ما ذُكر من أعمال الخير من الذين أخلصوا الإيمان لله، وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على طاعة الله وعن معاصيه، وتواصوا بالرحمة بالخلق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة ) معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( فَلاَ اقتحم العقبة .

.

.

) .و " ثم " هنا للتراخى الرتبى ، للدلالة على أن ما بعدها أصل لقبول ما قبلها .والمعنى : هلا كان هذا الإِنسان ممن فكوا الرقاب ، وأطعموا لليتامى والمساكين .

.

ثم كان - فضلا عن كل ذلك - من الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وممن أوصى بعضهم بعضا بفضيلة الصبر ، وفضيلة التراحم والتعاطف .لقد كان من الواجب عليه .

.

لو كان عاقلا - أن يكون من المؤمنين الصادقين ، ولكنه لتعاسته وشقائه وغروره ، لم يكن كذلك ، لأنه لا هو اقتحم العقبة ، ولا هو آمن .

.وخص - سبحانه - من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر ، وتواصيهم بالمرحمة ، لأن هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإِيمان بالله - تعالى - :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ أي كان مقتحم العقبة من الذين آمنوا، فإنه إن لم يكن منهم لم ينتفع بشيء من هذه الطاعات، ولا مقتحماً للعقبة فإن قيل: لما كان الإيمان شرطاً للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدماً عليها، فما السبب في أن الله تعالى أخره عنها بقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ ؟

والجواب: من وجوه: أحدها: أن هذا التراخي في الذكر لا في الوجود، كقوله: إن من ساد ثم ساد أبوه *** ثم قد ساد قبل ذلك جده لم يرد بقوله: ثم ساد أبوه التأخر في الوجود، وإنما المعنى، ثم اذكر أنه ساد أبوه.

كذلك في الآية.

وثانيها: أن يكون المراد، ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا وهو أن يموت على الإيمان فإن الموافاة شرط الانتفاع بالطاعات.

وثالثها: أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى الله تعالى قبل إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم آمن بعد ذلك بمحمد عليه الصلاة والسلام، فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات، قالوا: ويدل عليه ما روي: أن حكيم بن حزام بعدما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟».

فقال عليه السلام: «أسلمت على ما قدمت من الخير».

ورابعها: أن المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ تراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العنق والصدقة لأن درجة ثواب الإيمان أعظم بكثير من درجة ثواب سائر الأعمال.

أما قوله تعالى: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة ﴾ فالمعنى أنه كان يوصي بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والثبات عليه أو الصبر على المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلي بها المؤمن ثم ضم إليه التواصي بالمرحمة وهو أن يحث بعضهم بعضاً على أن يرحم المظلوم أو الفقير، أو يرحم المقدم على منكر فيمنعه منه لأن كل ذلك داخل في الرحمة، وهذا يدل على أنه يجب على المرء أن يدل غيره على طريق الحق ويمنعه من سلوك طريق الشر والباطل ما أمكنه، واعلم أن قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة ﴾ يعني يكون مقتحم العقبة من هذه الزمرة والطائفة، وهذه الطائفة هم أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم، فإنهم كانوا مبالغين في الصبر على شدائد الدين والرحمة على الخلق، وبالجملة فقوله: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر ﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة ﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله، ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين وهو الذي قاله بعض المحققين، إن الأصل في التوصف أمران: صدق مع الحق؟

وخلق مع الخلق.

ثم إنه سبحانه لما وصف هؤلاء المؤمنين بين أنهم من هم في القيامة فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ ﴾ جاء بثم لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق المقدّم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلاّ به.

والمرحمة: الرحمة، أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والثبات عليه.

أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين.

أو بما يؤدي إلى رحمة الله.

الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال.

أو اليمن والشؤم، أي: الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهنّ.

قرئ: ﴿ موصدة ﴾ بالواو والهمزة، من وصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته وأغلقته.

وعن أبي بكر بن عياش: لنا إمام يهمز مؤصدة؛ فأشتهي أن أسدّ أذني إذا سمعته.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَطَفَهُ عَلى اقْتَحَمَ، أوْ فَكُّ بِـ ثُمَّ لِتَباعُدِ الإيمانِ عَنِ العِتْقِ والإطْعامِ في الرُّتْبَةِ لِاسْتِقْلالِهِ واشْتِراطِ سائِرِ الطّاعاتِ بِهِ.

﴿ وَتَواصَوْا ﴾ وأوْصى بَعْضُهم بَعْضًا.

﴿ بِالصَّبْرِ ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ ﴾ بِالرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ، أوْ بِمُوجِباتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ اليَمِينِ أوِ اليُمْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)

{فَلاَ اقتحم العقبة وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا متربة ثم كان من الذين آمنوا} يعني فلم يشكر تلك الآيادي والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب أو إطعام اليتامى والمساكين ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة وأساس كل خيريل غمط النعم وكفر بالمنعم والمعنى أن الإنفاق على هذا الوجه مرضي نافع عند الله لا أن يهلك ما له لبداً في الرياء والفخار وقلما تستعمل لا مع الماضى إلا مكررة وإنما لم تركر في الكلام الأفصح لأنه لما فسر اقتحام العقبة بثلاثة أشياء صار كأنه أعادلا ثلاث مرات وتقديره فلافك رقبة ولا أطعم مسكيناً ولا آمن والاقتحام الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة والقُحمة الشدة فجعل الصالحة عقبة وعملها اقتحامالها لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس وعن الحسن عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان والمراد بقوله مَا العقبة ما انتحامها ومعناه أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله وفك الرقبة تخليصها من

الرق والإعانة في مال الكتابة فَكَّ رَقَبَةً أو اطعم مكى وأبو عمرو وعلى الإبدال من اقتحم العقبة وقوله وَمَا أَدْرَاكَ ما العقبة اعتراض غيرهم فى فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ على اقتحامها فك رقبة اواطعام والمسغبة المجاعة والقربة القرابة والمتربة الفقر مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب يقال فلان ذو قرابتي وذو مقربتي وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب فيكون مأواه المزابل ووصف اليوم بذي مسغبة كقولهم همٌّ ناصب أي ذو نصب ومعنى ثم كان من الذين آمنوا أي دوام على الإيمان وقيل ثم بمعنى الواو وقيل إنما جاءبثم لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدفة لا فى الوقت إذا الإيمان هو السابق على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به {وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن {وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة} بالتراحم فيما بينهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَإنَّهُ عُطِفَ عَلى المَنفِيِّ؛ أعْنِي ﴿ اقْتَحَمَ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ ولا آمَنَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الإيمانِ غَيْرَ داخِلٍ في مَفْهُومِ العَقَبَةِ؛ لِأنَّهُ يَكْفِي في صِحَّةِ العَطْفِ والتَّكْرارِ كَوْنُهُ جُزْءًا أشْرَفَ خُصَّ بِالذِّكْرِ عَطْفًا فَجاءَتْ صُورَةُ التَّكْرارِ ضَرُورَةً إذِ الحَمْلُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى، ويَلْزَمُهُ جَوازُ: لا أكَلَ زَيْدٌ وشَرِبَ عَلى العَطْفِ عَلى المَنفِيِّ، والبَعْضُ المُتَقَدِّمُ يَمْنَعُهُ.

وقِيلَ: إنَّ «لا» لِلدُّعاءِ والكَلامُ دُعاءٌ عَلى ذَلِكَ الكافِرِ أنْ لا يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَيْرَ.

وقِيلَ: «لا» مُخَفَّفُ «إلّا» لِلتَّخْضِيضِ كَ «هَلّا»، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلّا اقْتَحَمَ، أوِ الِاسْتِفْهامُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَلا اقْتَحَمَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والجُبّائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ.

وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ تَخْفِيفَ ألا التَّحْضِيضِيَّةَ، وأنَّهُ كَما قالَ المُرْتَضى: يَقْبُحُ حَذْفُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ عِيبَ عَلى عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ قَوْلُهُ: ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرًا عَدَدَ الرَّمْلِ والحَصى والتُّرابِ وقَوْلُهُمْ: لَوْ أُرِيدَ النَّفْيُ لَمْ يَتَّصِلِ الكَلامُ بِشَيْءٍ لِظُهُورِ كانَ تَحْتَ النَّفْيِ واتِّصالِ الكَلامِ عَلَيْهِ، قِيلَ: الكَلامُ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ فَلَيْسَ مِمّا يَلْزَمُ فِيهِ التَّكْرِيرُ؛ أيْ: فَلا يَقْتَحِمُ العَقَبَةَ لِأنَّ ماضِيَهُ مَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ فالأهَمُّ الإخْبارُ عَنْ حالِهِ في الِاسْتِقْبالِ لِكَيْ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ عَبْرَ بِالماضِي.

ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ عَدَمَ وُجُوبِ تَكْرِيرِها رادًّا عَلى الزَّجّاجِ في زَعْمِهِ ذَلِكَ.

وقالَ: هي كَلَمْ، والتَّكَرُّرُ في نَحْوِ ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ كَما في ﴿ لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ وعَلى عَدَمِ التَّكْرارِ جاءَ قَوْلُ أُمَيَّةَ السّابِقُ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والمُتَيَقَّنُ عِنْدِي أكْثَرِيَّةُ التَّكَرُّرِ، وأمّا وُجُوبُهُ فَلَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والنَّحْوِيّانِ: «فَكَّ» فِعْلًا ماضِيًا «رَقَبَةً» بِالنَّصْبِ «أوْ أطْعَمَ» فِعْلًا ماضِيًا أيْضًا وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَفَكَّ مُبْدَلَةٌ مَنِ اقْتَحَمَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.

ومَعْناهُ أنَّكَ لَمْ تَدْرِ كُنْهَ صُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ وكُنْهَ ثَوابِها عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ قَرَأ «ذا مَسْغَبَةٍ» بِالألِفِ عَلى أنَّ «ذا» مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِأطْعَمَ؛ أيْ: أطْعَمَ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ، ويَكُونُ يَتِيمًا بَدَلًا مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ.

وقَرَأ هو أيْضًا والحَسَنُ: «أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذا» بِالألِفِ أيْضًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ.

وقَرَأ بَعْضُ التّابِعِينَ: «فَكُّ رَقَبَةٍ» بِالإضافَةِ «أوْ أطْعَمَ» فِعْلًا ماضِيًا وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَصْدَرِ لِتَأْوِيلِهِ بِهِ.

والتَّراخِي المَفْهُومُ مِن «ثُّمَ» في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ ﴾ إلَخْ رُتَبِيٌّ فالإيمانُ فَوْقَ جَمِيعِ ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلنَّجاةِ وشُكْرًا بِدُونِ الأعْمالِ كَما فِيمَن آمَنَ بِشَرْطِهِ وماتَ في يَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ فَإنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ ويُخَلِّصُهُ بِخِلافِ ما عَداهُ فَإنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ عُطِفَ عَلى آمَنُوا؛ أيْ: أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ أوْ بِذَلِكَ والصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ أوْ بِهِ، والصَّبْرُ عَلى المَعاصِي وعَلى المِحَنِ الَّتِي يُبْتَلى بِها الإنْسانُ.

﴿ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ ﴾ أيْ: بِالرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ عَزَّ وجَلَّ ومِن ذَلِكَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ تَواصَوْا بِأسْبابِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ الخَيْراتِ عَلى أنَّ المَرْحَمَةَ مَجازٌ عَنْ سَبَبِها أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

وذَكَرَ أنَّ ﴿ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهُما أصْلانِ عَلَيْهِما مَدارُ الطّاعَةِ وهو الَّذِي قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الأصْلُ في التَّصَوُّفِ أمْرانِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ ﴿ أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ أيْ: جِهَةَ اليَمِينِ الَّتِي فِيها السُّعَداءُ أوِ اليُمْنِ لِكَوْنِهِمْ مَيامِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعني: فلا هو اقتحم العقبة، ويقال: فلم يقتحم العقبة، ويقال: معناه فهل تجاوز العقبة، الذي يزعم أنه أنفق مالاً كثيراً في عداوة محمد  ، وإنما أراد بالعقبة، الصراط.

كما روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال: إنه بين أيدينا عقبة كؤود، لا ينجو منها إلاَّ كل مخف.

وكما روي عن أبي هريرة  ، أنه بكى حين حضرته الوفاة، قيل له: وما يبكيك؟

قال: بُعْدَ المفازة، وقلة الزاد، وضعف النفس، وعقبة كؤد، والهبوط منها إلى الجنة أو إلى النار.

ثم قال عز وجل: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ يعني: ما أدراك بماذا يكون مجاوزة الصراط.

ثم قال: فَكُّ رَقَبَةٍ يعني: اقتحام العقبة، هو فك الرقبة يعني: إنما يجاوز الصراط.

أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يعني: يجاوز الصراط بإحكام في يوم ذي مجاعة.

قرأ أبو عمرو، وابن كثير، والكسائي فَكُّ رَقَبَةٍ، بنصب الكاف والهاء، وأطعم بنصب الهمزة بغير الألف، والباقون فَكُّ رَقَبَةٍ بضم الكاف، وكسر الهاء أَوْ إِطْعامٌ بكسر الهمزة، وإثبات الألف.

فمن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى، معناه فلا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطعمَ في يوم ذي مسغبة، فكيف يجاوز العقبة، ومن قرأ بالضم فمعناه اقتحامُ العقبة، فكُّ رقبة يعني: مجاوزة العقبة بعتق رقبة، وبإطعام في يوم ذي مسغبة، أي: مجاعة.

ثم بين لهم لمن يُطْعَم الطعام فقال: يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ يعني: يتيماً بينك وبينه قرابة أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ يعني: مسكيناً لا شيء له لاصق في التراب من الجهد، فهذا الإحسان مجاوزة العقبة ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: من صنع هذا الإحسان، يكون مؤمناً، لأنه لا يتقبل عملاً من الأعمال بغير إيمان.

ويقال: معناه ثم يثبت على إيمانه.

ثم قال: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ يعني: تحاشوا أنفسهم بالصبر، وتحاشوا بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله تعالى، وبالصبر على المكروهات، لأنه روي في الخبر، إن الجنة حفت بالمكاره.

ثم قال تعالى: وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ يعني: تحاشوا بالتراحم بعضهم على بعض، يعني: بالمرحمة على أنفسهم، على غيرهم.

وروي عن النبي  ، أنه قال: «مَنْ يَرْحَمِ النَّاسَ، يَرْحَمُهُ الله تَعَالَى» .

ثم قال: أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ يعني: أهل التراحم والتواصل، هم أصحاب الميمنة، الذين يعطون كتابهم بأيمانهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يعني: بمحمد  وبالقرآن، ويقال: كفروا بدلائل الله تعالى.

هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ يعني: يعطون كتابهم بشمالهم عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ يعني: أُدْخِلُوا في النار، وأُطْبِقَتْ عليهم، لا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.

قرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية حفص، وحمزة عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ بالهمزة، والباقون بغير همزة، وهما لغتان.

يقال: أصدت وأوصدت الباب، وأوصدته إذا أطبقته والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥)

وقوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ الآية، قولهُ «فَلاَ» هو عند الجمهورِ تحضيضٌ بمعنى: ألا اقتحم، والعقبةُ في هذه الآيةِ عَلى عُرْفِ كلامِ العَرَبِ استعارةٌ لهذا العمل الشاقِّ على النفسِ، من حيثُ هو بِذَلُ مالٍ، تشبيهٌ بعقبة الجبل، واقْتَحَمَ: معناه: دَخَلَهَا وجَاوَزَها بسرعةٍ وضَغْط وشدة، ثم عَظَّم تعالى أمر العقبةِ في النفوس بقولهِ: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ثمَّ فَسَر اقتحَامَ العقبةِ بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ الآية، وهذا على قراءةِ مَنْ قرأ: فَكُّ رَقَبَةٍ بالرفعِ على المَصْدَرِ وأما من قرأ: «فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ» عَلَى الفعلِ، ونَصَبَ الرقبةَ، وهي قراءةُ أبي عمرِو «١» ، فليسَ يحتاجُ أن يُقَدَّرَ: وما أدرَاكَ ما اقتحامٌ بلْ يكونُ التعظيمُ للعقَبةِ نَفْسِها ويجيءُ فَكُّ بَدَلاً من اقْتَحَمَ ومبيَّناً لَه، وفَكُّ الرقَبةِ هو عَتْقُها من رِبْقَةِ الأسرِ أو الرِّقِّ، وفي الحديث/ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أعْتَقَ نَسَمَةً مؤمِنَةً أعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ» «٢» ، والمسْغَبَةُ: الجماعة، والساغب: الجائع وذا مَقْرَبَةٍ:

معناه: ذَا قَرَابَةٍ لتجتمعَ الصدقةُ والصلة، وذا مَتْرَبَةٍ: معناه: مُدْقَعاً قَدْ لَصِقَ بالترابِ وهذا ينْحو إلى أنّ المسكينَ أشَدَّ فاقةً مِنَ الفقيرِ، قال سفيانُ: هم المَطْرُوحُونَ على ظهرِ الطريقِ قُعُوداً على الترابِ لا بُيُوتَ لهم «٣» ، وقال ابن عباس: هو الذي يَخْرُجُ من بيته ثم يَقْلِبُ وجهَه إلى بيته مستيقناً أنه ليس فيه إلا التراب «٤» .

ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)

وقوله تعالى: ثُمَّ كانَ معطوفٌ على قوله: اقْتَحَمَ والمعنى: ثم كان وقتَ اقتحامِه العقبةَ من الذين آمنوا.

وقوله تعالى: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ معناه: على طاعةِ الله وبلائه وقضائه وعن الشهوات والمعاصي، وبِالْمَرْحَمَةِ قال ابن عباس: كلُّ ما يؤَدِّي إلى رحمةِ اللَّهِ تعالى «١» ، وقال آخرون: هو التراحمُ والتعاطُفُ بينَ الناسِ، وفي ذلك قِوَامُ الناس ولو لم يتراحموا جملة لهلكوا، والْمَيْمَنَةِ، فيما رُوِيَ عن يمينِ العرشِ وهو موضِع الجنّة، ومكان المرحومين من الناس، والْمَشْأَمَةِ: الجانب الأشْأَمُ وهُو الأَيْسَرُ وفيه جهنَّم وهو طريق المعذبين، ومُؤْصَدَةٌ معناه: مطبقة مغلقة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ.

قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى  ﴾ ، ﴿ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ  ﴾ .

ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ.

﴾ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ.

فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟

عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟!

.

فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .

وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.

والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ.

يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿ وَما أدْراكَ ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟

.

ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ.

ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ.

ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ.

يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿ أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿ وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم.

وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ ﴾ ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ ﴿ أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ ﴾ ﴿ أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ ﴿ عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ ( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و ﴿ اقْتَحَمَ ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"».

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى  ﴾ ، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا.

ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟

هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ ﴿ أو إطْعامٌ ﴾ ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ.

و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ  : « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"».

«وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ  : دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟

فَقالَ النَبِيُّ  : "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي.

«ثُمَّ قالَ النَبِيُّ  لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذا مَقْرَبَةٍ ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ  لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿ أو مِسْكِينًا ﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا أو إيّاكُمْ  ﴾ ، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و ﴿ ذا مَتْرَبَةٍ ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اقْتَحَمَ ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿ فَلا اقْتَحَمَ ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ثُمَّ كانَ ﴾ ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ ثُمَّ كانَ ﴾ أيْ كانَ وقْتَ اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي.

والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى.

وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا.

والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ.

والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗.........................

بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ تفريع إدماج بمناسبة قوله: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ [البلد: 10] أي هديناه الطريقين فلمْ يسلك النجْد الموصِّل إلى الخير.

ويجوز أن يكون تفريعاً على جملة ﴿ يقول أهلكت مالاً لبداً ﴾ [البلد: 6] وما بينهما اعتراضاً، وتكون «لا اقتحم العقبة» استفهاماً حذف منه أداته.

وهو استفهام إنكار، والمعنى: أنه يدعي إهلاك مَال كثيرٍ في الفساد من ميسر وخمر ونحو ذلك أفَلا أهلكه في القُرَب والفضائل بفكّ الرقاب وإطعام المساكين في زمن المجاعة فإن الإِنفاق في ذلك لا يخفى على الناس خلافاً لما يدعيه من إنفاققٍ.

وعلى هذا الوجه لا يعرِض الإِشكال بعدم تكرُّر (لا) فإن شأن (لا) النافية إذا دخلت على فعل المضي ولم تتكرر أن تكون للدّعاء إلاّ إذا تكررت معها مثلُها معطوفةٌ عليها نحو قوله: ﴿ فلاَ صَدَّق ولا صلَّى ﴾ [القيامة: 31] أو كانت (لا) معطوفة على نفي نحو: ما خرجتُ ولا ركبتُ.

فهو في حكم تكرير (لا).

وقد جاءت هنا نافية في غير دعاء، ولم تتكرر استغناء عن تكريرها بكون ما بعدها وهو ﴿ اقتَحَم العقبة ﴾ يتضمن شيئين جاء بيانهما في قوله: ﴿ فكُّ رقبة أو إطعام ﴾ فكأنه قال: فلا فَكَّ رقبةً ولا أطعم يتيماً أو مسكيناً.

ويجوز أن يكون عدم تكرير (لا) هنا استغناء بقوله: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ فكأنه قيل: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.

ويظهر أن كل ما يصرف عن التباس الكلام كاففٍ عن تكرير (لا) كالاستثناء في قول الحريري في «المقامة الثلاثين»: «لا عقد هذا العقد المبجل في هذا اليوم الأغر المحجّل إلا الذي جال وجاب» الخ وأُطلق ﴿ العقبةُ ﴾ على العمل الموصل للخير لأن عقبة النجد أعلى موضع فيه.

ولكل نجد عقبة ينتهي بها.

وفي العقبات تظهر مقدرة السابرة.

والاقتحام: الدخول العسير في مكان أو جماعة كثيرين يقال: اقتحم الصَفَّ، وهو افتعال للدلالة على التكلف مثل اكتسب، فشبه تكلف الأعمال الصالحة باقتحام العقبة في شدته على النفس ومشقته قال تعالى: ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ [فصلت: 35].

والاقتحام: ترشيح لاستعارة العقبة لِطريق الخير، وهو مع ذلك استعارة لأن تزاحم الناس إنما يكون في طلب المنافع كما قال: والمورد العذب كثير الزحام *** وأفاد نفي الاقتحام أنه عدل على الاهتداء إيثاراً للعاجل على الآجل ولو عزم وصَبر لاقْتحم العقبة.

وقد تتابعت الاستعارات الثلاث: النجدين، والعقبة، والاقتحام، وبُني بعضها على بعض وذلك من أحسن الاستعارة وهي مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس.

والكلام مسوق مساق التوبيخ على عدم اهتداء هؤلاء للأعمال الصالحة مع قيام أسباب الاهتداء من الإِدراك والنطق.

وقوله: ﴿ وما أدراك ما العقبة ﴾ حال من العقبة في قوله: ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ للتنويه بها وأنها لأهميتها يَسأل عنها المخاطب هل أعلَمَهُ مُعْلِم ما هي، أي لم يقتحم العقبة في حال جَدارتها بأن تُقتحم.

وهذا التنويه يفيد التشويق إلى معرفة المراد من العقبة.

و ﴿ ما ﴾ الأولى استفهام.

و ﴿ ما ﴾ الثانية مثلها.

والتقدير: أيُّ شيء أعلمك ما هي العقبة، أي أعْلَمك جواب هذا الاستفهام، كناية عن كونه أمراً عزيزاً يحتاج إلى من يُعلمك به.

والخطاب في ﴿ ما أدراك ﴾ لغير معين لأن هذا بمنزلة المثل.

وفِعل ﴿ أدراك ﴾ معلق عن العمل في المفعولين لوقوع الاستفهام بعده وقد تقدم نظيره في سورة الحاقة.

وقرأ نافع وابنُ عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخَلف، ﴿ فك رقبة ﴾ برفع ﴿ فكُّ ﴾ وإضافتِه إلى ﴿ رقبة ﴾ ورفععِ ﴿ إطعام ﴾ عطفاً على ﴿ فكّ ﴾ .

وجملة: ﴿ فك رقبة ﴾ بيان للعقبة والتقدير: هي فكّ رقبة، فحذف المسند إليه حذفاً لمتابعة الاستعمال.

وتبيين العقبة بأنها: ﴿ فك رقبة أو إطعام ﴾ مبني على استعارة العقبة للأعمال الصالحة الشاقة على النفس.

وقد علمت أن ذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس، فلا وجه لتقدير من قدَّر مضافاً فقال: أي وما أدراك ما اقتحام العقبة.

وقرأه ابن كثير وأبو عَمرو والكسائي ﴿ فَكَّ ﴾ بفتح الكاف على صيغة فعل المضي، وبنصب ﴿ رقبةً ﴾ على المفعول ل ﴿ فكَّ ﴾ أو «أطعم» بدون ألف بعد عين ﴿ إطعام ﴾ على أنه فعل مضي عطفاً على ﴿ فَكَّ ﴾ ، فتكون جملة: ﴿ فكَّ رقبةً ﴾ بياناً لجملة ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ وما بينهما اعتراضاً، أو تكون بدلاً من جملة ﴿ اقتحم العقبة ﴾ أي فلا اقتحم العقبة ولا فكَّ رقبةً أو أطعم.

وما بينهما اعتراض كما تقرر آنفاً.

والفك: أخذ الشيء من يد من احتاز به.

والرقبة مراد بها الإنسان، من إطلاق اسم الجزء على كله مثل إطلاق رأس وعيننٍ ووجهٍ، وإيثار لفظ الرقبة هنا لأن المراد ذات الأسير أو العبد وأول ما يخطر بذهن الناظر لواحد من هؤلاء.

هو رقبته لأنه في الغالب يوثَق من رقبته.

وأطلق الفك على تخليص المأخوذ في أسْرٍ أو مِلْك، لمشابهة تخليص الأمر العسير بالنزع من يد القابض الممتنع.

وهذه الآية أصل من أصول التشريع الإِسلامي وهو تشوُّف الشارع إلى الحرية وقد بسطنا القول في ذلك في كتاب «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام».

والمسغبة: الجوع وهي مصدر على وزن المَفْعَلَة مثل المَحْمَدة والمَرْحَمَة مِن سَغِبَ كفَرِح سَغَباً إذا جاع.

والمراد ب ﴿ يوم ذي مسغبة ﴾ زمانٌ لا النهار المعروف.

وإضافة ﴿ ذي ﴾ إلى ﴿ مسغبة ﴾ تفيد اختصاص ذلك اليوم بالمسغبة، أي يوم مجاعة، وذلك زمن البَرد وزمنُ القَحط.

ووجه تخصيص اليوم ذي المسغبة بالإِطعام فيه أن الناس في زمن المجاعة يشتد شحهم بالمال خشية امتدادِ زمن المجاعة والاحتياج إلى الأقوات.

فالإِطعام في ذلك الزمن أفضل، وهو العقبة ودون العقبة مصاعد متفاوتة.

وانتصب ﴿ يتيماً ﴾ على المفعول به ل ﴿ إطعام ﴾ الذي هو مصدر عامل عمل فعله وإعمالُ المصدر غيرِ المضاف ولا المعرّففِ باللام أقيس وإن كان إعمال المضاف أكثرَ، ومنع الكوفيون إعمالَ المصدر غير المضاف.

ومَا ورد بعدَه مرفوع أو منصوب حملوه على إضمار فعل من لفظ المصدر، فيقدر في مثل هذه الآية عندهم «يطعم يتيماً».

واليتيم: الشخص الذي ليس له أب، وهو دون البلوغ.

ووجه تخصيصه بالإِطعام أنه مظنة قلة الشبع لصغر سنه وضعف عمله وفقد من يعوله ولحيائه من التعرض لطلب ما يحتاجه.

فلذلك رغب في إطعامه وإن لم يصل حد المسكنة والفقر ووصف بكونه ﴿ ذا مقربة ﴾ أي مقربة من المطعِم لأن هذا الوصف يؤكد إطعامه لأن في كونه يتيماً إغاثة له بالإِطعام، وفي كونه ذَا مقربة صلة للرحم.

والمَقْرَبة: قرابة النسب وهو مصدر بوزن مَفْعَلة مثل ما تقدم في ﴿ مسغبة ﴾ .

والمسكين: الفقير، وتقدم في سورة البقرة (184) عند قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين وذا متربة ﴾ صفة لمسكين جعلت المتربة علامة على الاحتياج بحسب العرف.

والمَتربة مصدر بوزن مفْعَلة أيضاً وفعِله تَرِب يقال: ترب، إذا نام على التراب أي لم يكن له ما يفترشه على الأرض، وهو في الأصل كناية عن العُروِّ من الثياب التي تحول بين الجسد والأرض عند الجلوس والاضطجاع وقريب منه قولهم في الدعاء: تَرِبت يمينك: وتربَت يداك.

و ﴿ أو ﴾ للتقسيم وهو معنى من معاني (أو) جاء من إفادة التخيير.

واعلم أنه إن كان المراد بالإنسان الجنس المخصوص، أي المشركين كان نفي فكّ الرقاب والإِطعام كنايةً عن انتفاء تحلّيهم بشرائع الإِسلام لأن فكّ الرقاب وإطعام الجياع من القُربات التي جاء بها الإِسلام من إطعام الجياع والمحاويج وفيه تعريض بتعيير المشركين بأنهم إنما يحبون التفاخر والسمعة وإرضاء أنفسهم بذلك، أو لمؤانسة الأخلاّء وذلك غالب أحوالهم، أي لم يطعموا يتيماً ولا مسكيناً في يوم مسغبة، أي هو الطعام الذي يرضاه الله لأن فيه نفع المحتاجين من عباده.

وليس مثل إطعامكم في المآدب والولائم والمنادمة التي لا تعود بالنفع على المطعَمين لأن تلك المطاعم كانوا يدْعُون لها أمثالهم من أهل الجِدّة دون حاجة إلى الطعام وإنما يريدون المؤانسة أو المفاخرة.

وفي حديث مسلم " شر الطعام طعامُ الوليمة يُمْنَعْها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها " وروى الطبراني: " شرّ الطعام طعام الوليمة يُدعى إليه الشَّبْعان ويُحبس عنه الجائع ".

وإن كان المراد من الإِنسان واحداً معيناً جاز أن يكون المعنى على نحو ما تقدم، وجاز أن يكون ذَمّاً له باللّؤْم والتفاخرِ الكاذب، وفضحاً له بأنه لم يسبق منه عمل نافع لقومه قبل الإِسلام فلم يغرم غرامة في فَكاك أسير أو مأخوذٍ بدم أو مَنّ بحُرية على عبدٍ.

وأيَّاَ مَّا كان فليس في الآية دلالة على أن الله كلف المشركين بهذه القرب ولا أنه عاقبهم على تركهم هذه القربات، حتى تفرض فيه مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة وهي مسألة قليلة الجدوى وفرضها هنا أقل إجداء.

وجملة: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ عطف على جملة ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ .

و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي فتدل على أن مضمون الجملة المعطوفة بها أرقى رتبة في الغرض المسوق له الكلام من مضمون الكلام المعطوفة عليه، فيصير تقدير الكلام: فلا اقتحم العقبة بفكّ رقبة أو إطعاممٍ بعد كونه مؤمناً.

وفي فعل ﴿ كان ﴾ إشعار بأن إيمانه سابق على اقتحام العقبة المطلوبة فيه بطريقة التوبيخ على انتفائها عنه.

فعطفُ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ على الجمل المسوقة للتوبيخ والذم يفيد أن هذا الصنف من الناس أو هذا الإِنسان المعين لم يكن من المؤمنين، وأنه ملوم على ما فَرَّط فيه لانتفاء إيمانه، وأنه لو فعل شيئاً من هذه الأعمال الحسنة ولم يكن من الذين آمنوا ما نفعه عملُه شيئاً لأنه قد انتفى عنه الحظ الأعظم من الصالحات كما دلت عليه ﴿ ثم ﴾ من التراخي الرتبي فهو مؤذن بأنه شرط في الاعتداد بالأعمال.

وعن عائشة: أنها قالت: «يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم الطعام ويفك العاني ويعتق الرقاب ويحمل على إبله لله (أي يريد التقرب) فهل ينفعه ذلك شيئاً قال: " لا إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ".

ويفهم من الآية بمفهوم صفة الذين آمنوا أنه لو عمل هذه القرب في الجاهلية وآمن بالله حين جاء الإسلام لكان عمله ذلك محموداً.

ومن يجعل ﴿ ثُم ﴾ مفيدة للتراخي في الزمان يجعل المعنى: لا اقتحم العقبة واتبعها بالإِيمان.

أي اقتحم العقبة في الجاهلية وأسلمَ لمّا جاء الاسلام.

وقد جاء ذلك صريحاً في حديث حكيم بن حزام في الصحيح: «قال: قلت: يا رسول الله أرأيتَ أشياء كنتُ أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم " أسلمت على ما سلف من خير " والتحنّث: التعبد يعني أن دخوله في الإِسلام أفاده إعطاء ثواب على أعماله كأنه عملها في الإِسلام.

وقال: ﴿ من الذين آمنوا ﴾ دون أن يقول: ثم كان مؤمناً، لأن كونه من الذين آمنوا أدل على ثبوت الإِيمان من الوصف بمؤمن لأن صفة الجماعة أقوى من أجل كثرة الموصوفين بها فإن كثرة الخير خير، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قال أعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة البقرة (67)، ثم في هذه الآية تقوية أخرى للوصف، وهو جعله بالموصول المشعرِ بأنهم عُرفوا بالإِيمان بَيْن الفرق.

وحُذِف متعلّق آمنوا} للعلم به أي آمنوا بالله وحده وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ودين الإِسلام.

فجُعل الفعل كالمستغني عن المتعلق.

وأيضاً ليتأتى من ذكر الذين آمنوا تخلص إلى الثناء عليهم بقوله: ﴿ وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ﴾ ولبشارتهم بأنهم أصحاب الميمنة.

وخص بالذكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر وتواصيهم بالمرحمة لأن ذلك أشرف صفاتهم بعد الإِيمان، فإن الصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها لأنها لا تخلو من كبح الشّهوة النفسانية وذلك من الصبر.

والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية قال تعالى: ﴿ رحماء بينهم ﴾ [الفتح: 29].

والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة، وهو أيضاً كناية عن اتصافهم بالمرحمة لأن من يوصي بالمرحمة هو الذي عَرَف قدرَها وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يُوصي بها، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولا تحضون على طعام المسكين ﴾ [الفجر: 18].

وفيه تعريض بأن أهل الشرك ليسوا من أهل الصبر ولا من أهل المرحمة، وقد صُرح بذلك في قوله تعالى: ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ [فصلت: 33 35] وقوله: ﴿ بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين ﴾ [الفجر: 17، 18].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

الثّالِثُ: أنَّها نارٌ دُونَ الحَشْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّها الصِّراطُ يُضْرَبُ عَلى جَهَنَّمَ كَحَدِّ السَّيْفِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الكَلْبِيُّ: صُعُودًا وهُبُوطًا.

الخامِسُ: أنْ يُحاسِبَ نَفْسَهُ وهَواهُ وعَدُوَّهُ الشَّيْطانَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الحَسَنُ: عَقَبَةٌ واَللَّهِ شَدِيدَةٌ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: اقْتِحامُ العَقَبَةِ خالِصَةً مِنَ الغَرَضِ.

وَفي مَعْنى الكَلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اقْتِحامُ العَقَبَةِ فَكُّ رَقَبَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: مَعْناهُ فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ إلّا مَن فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ ﴾ وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  لِيُعَلِّمَهُ اقْتِحامَ العَقَبَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما تُقْتَحِمُ بِهِ العَقَبَةُ.

فَقالَ: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إخْلاصُها مِنَ الأسْرِ.

الثّانِي: عِتْقُها مِنَ الرِّقِّ، وسُمِّيَ المَرْقُوقُ رَقَبَةً لِأنَّهُ بِالرِّقِّ كالأسِيرِ المَرْبُوطِ مِن رَقَبَتِهِ، وسُمِّيَ عِتْقًا فَكُّها لِأنَّهُ كَفَكِّ الأسِيرِ مِنَ الأسْرِ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ كَمْ مِن أسِيرٍ فَكَكْناهُ بِلا ثَمَنٍ وجَزِّ ناصِيَةٍ كُنّا مَوالِيها وَرَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ الجُهَنِيُّ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «مَن أعْتَقَ مُؤْمِنَةً فَهي فِداؤُهُ مِنَ النّارِ» .

ويَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ أرادَ فَكَّ رَقَبَتِهِ وخَلاصَ نَفْسِهِ بِاجْتِنابِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ، لا يَمْنَعُ الخَبَرُ مِن هَذا التَّأْوِيلِ، وهو أشْبَهُ الصَّوابِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ أيْ مَجاعَةٌ، لِقَحْطٍ أوْ غَلاءٍ.

﴿ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ ذا جِوارٍ.

﴿ أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ذا المَتْرَبَةِ هو المَطْرُوحُ عَلى الطَّرِيقِ لا بَيْتَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، الثّانِي: هو الَّذِي لا يَقِيهِ مِنَ التُّرابِ لِباسٌ ولا غَيْرُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ذُو العِيالِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المَدْيُونُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الخامِسُ: أنَّهُ ذُو زَمانَةٍ، قالَهُ أبُو سِنانٍ.

السّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أحَدٌ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

السّابِعُ: أنَّ ذا المَتْرَبَةِ: البَعِيدُ التُّرْبَةِ، يَعْنِي الغَرِيبَ البَعِيدَ عَنْ وطَنِهِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: بِالصَّبْرِ عَلى ما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قالَهُ هِشامُ بْنُ حَسّانَ.

الثّالِثُ: بِالصَّبْرِ عَلى ما أصابَهم، قالَهُ سُفْيانُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: بِالصَّبْرِ عَلى الدُّنْيا وعَنْ شَهَواتِها.

﴿ وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ ﴾ أيْ بِالتَّراحُمِ فِيما بَيْنَهم، فَرَحِمُوا النّاسَ كُلَّهم ويَحْتَمِلُ ثانِيًا: وتَواصَوْا بِالآخِرَةِ لِأنَّها دارُ الرَّحْمَةِ، فَيَتَواصَوْا بِتَرْكِ الدُّنْيا وطَلَبِ الآخِرَةِ.

﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ أصْحابَ المَيْمَنَةِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهم أُخِذُوا مِن شَقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: لِأنَّهم أُوتُوا كِتابَهم بِأيْمانِهِمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: لِأنَّهم مَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُ مَنزِلُهم عَلى اليَمِينِ، قالَهُ مَيْمُونٌ.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هي جَمِيعُ دَلائِلِ اللَّهِ وحُجَجُهُ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

﴿ هم أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهم أُخِذُوا مِن شَقِّ آدَمَ الأيْسَرِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: لِأنَّهم أُوتُوا كِتابَهم بِشَمالِهِمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: لِأنَّهم مَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الرّابِعُ: لِأنَّ مَنزِلَهم عَنِ اليَسارِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ مَيْمُونٍ.

﴿ عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُؤْصَدَةُ المُطْبَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وقَتادَةُ.

الثّانِي: مَسْدُودَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: لَها حائِطٌ لا بابَ لَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ قال: جبل في جهنم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: العقبة النار.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: للناس عقبة دون الجنة واقتحامها فك رقبة الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رجاء رضي الله عنه قال: بلغني أن العقبة التي ذكر الله في كتابه مطلعها سبعة آلاف سنة ومهبطها سبعة آلاف سنة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ قال: عقبة بين الجنة والنار.

وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ قال: عقبة بين الجنة والنار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: العقبة سبعون درجة في جهنم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ قال: ألا أسلك الطريق التي فيها النجاة والخير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ قال: جهنم وما أدراك ما العقبة؟

قال: ذكر لنا أنه ليس من رجل مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه: وما أدراك ما العقبة؟

ثم أخبر عن اقتحامها فقال: فك رقبة «ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟

قال: أكثر ثمناً» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمامكم عقبة كؤداً لا يجوزها المثقلون فأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما نزلت ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ قيل يا رسول الله: ما عند أحدنا ما يعتق إلا عند أحدنا الجارية السوداء تخدمه وتنوء عليه، فلو أمرناهن بالزنا فزنين، فجئن بالأولاد فاعتقناهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن آمر بالزنا، ثم أعتق الولد» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنه بلغها قول أبي هريرة رضي الله عنه: «علاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من عتق ولد زنية، فقالت عائشة رضي الله عنها: يرحم الله أبا هريرة إنما كان هذا أن الله لما أنزل ﴿ فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة ﴾ قال: بعض المسلمين، يا رسول الله: إنه ليس لنا رقبة نعتقها فإنما يكون لبعضنا الخويدم التي لا بد منها فنأمرهن يبغين، فإذا بغين فولدن، أعتقنا أولادهن.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تأمروهن بالبغاء لعلاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من هذا» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق رقبة فإنه يجزى مكان كل عظم من عظامها عظم من عظامه من النار» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق نسمة مسلمة أو مؤمنة وقى الله بكل عضو منها عضواً منه من النار» وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: قلت يا نبي الله: أي الرقاب أفضل؟

قال: أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، حتى الفرج بالفرج» .

وأخرج أحمد وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن البراء «أن أعرابياً قال لرسول الله علمني عملاً يدخلني الجنة؟

قال: أعتق النسمة وفك الرقبة.

قال: أوليستا بواحدة؟

قال: لا إن عتق الرقبة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الركوب والفيء على ذي الرحم، فإن لم تطق ذلك فاطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير» .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم ذي مسغبة ﴾ قال: مجاعة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في يوم ذي مسغبة ﴾ قال: مجاعة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ في يوم ذي مسغبة ﴾ قال: جوع.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم رضي الله عنه ﴿ في يوم ذي مسغبة ﴾ قال: يوم فيه الطعام عزيز.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي رجاء العطاردي رضي الله عنه أنهما قرآ: ﴿ أو أطعم في يوم ذا مسغبة ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ذا مقربة ﴾ أي ذا قرابة، وفي قوله: ﴿ ذا متربة ﴾ يعني بعيد التربة أي غريباً من وطنه.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ قال: هو المطروح الذي ليس له بيت، وفي لفظ الحاكم: هو الترب الذي لا يقيه من التراب شيء، وفي لفظ: هو اللازق بالتراب من شدة الفقر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ يقول: شديد الحاجة.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ يقول: مسكين ذو بنين وعيال ليس بينك وبينه قرابة.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ذا متربة ﴾ قال: ذا جهد وحاجة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: تربت يداك ثم قل نوالها ** وترفعت عنك السماء سحابها وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ مسكيناً ذا متربة ﴾ قال: «الذي مأواه المزابل» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ذا متربة ﴾ قال: كنا نحدث أن المترب ذو العيال الذي لا شيء له.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه: ما عمل الناس بعد الفريضة أحب إلى الله من إطعام مسكين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن هشام بن حسان رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتواصوا بالصبر ﴾ قال: على ما افترض الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وتواصوا بالمرحمة ﴾ يعني بذلك رحمة الناس كلهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ مؤصدة ﴾ قال: مغلقة الأبواب.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ مؤصدة ﴾ قال: مطبقة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وعطية والضحاك وسعيد بن جبير والحسن وقتادة مثله.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ مؤصدة ﴾ قال: مطبقة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: تحن إلى أجبال مكة ناقتي ** ومن دوننا أبواب صنعا مؤصدة وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ مؤصدة ﴾ قال: هي بلغة قريش أوصد الباب أغلقه.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي كان مقتحم العقبة، وهو فاك الرقبة، والمطعم من الذين آمنوا، فإنه إن لم يكن منهم لم ينفعه قربة، لإحباط الكفر لها.

فإن قيل: أليس من شرط صحة هذا القرب، ووقوعها من الله بمكان القبول: الإيمان؟

فهلا قدم الإيمان عليها، وثم للتراخي، فقدله: "ثم كان" يوجب الإيمان إذا تراخى عن هذا القرب صحت دونه؟!

والجواب عن هذا أن يقال: هذا التراخي في الذكر، لا في الوجود والترتيب (١) وكذا ذكر المفسرون (٢) إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوُهُ ...

ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدّهْ (٣)  - ثم آمن به (أجر) (٤) (٥)  -: "أسلمت على ما قدمت من الخير" (٦) وقوله: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ .

أي على فرائض الله وأمره.

قاله ابن عباس (٧) (٨) (قوله) (٩) ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ فالأمر فيما بينهم، والتراحم لليتيم، والمسكين، والضعيف.

وهذا من صفة أصحاب النبي -  - أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، أي كان من الجملة الذين هذه صفتهم.

ثم ذكر أن هؤلاء منهم فقال: (١) انظر تفصيل القول في المسألة في "مغنى اللبيب" 1/ 197.

(٢) قال بذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 99 أ.

(٣) البيت لأبي نواس الحسن بن هانئ، وهو في "ديوانه" 493 برواية: قلْ لمنْ سادَ ثُم سَادَ أبوُه ...

قَبْله ثم قبلَ ذلك جَدّه وورد البيت غير منسوب في: "التفسير الكبير" 31/ 187، و"مغنى اللبيب" == 1/ 197 ش 174، "غرائب التفسير" 1/ 260.

(٤) ساقط من (ع).

(٥) التَحَنَّث: أي تعبَّد واعتزل الأصنام.

"الصحاح" 1/ 280 (حنث)، وانظر: القاموس المحيط: 1/ 165 (حنث).

وجاء في "فتح الباري": التحنث: "الإحسان" وعمل الخير من الحنث، وهو الإثم، يقال: تحنث أي ألقى عنه الإثم.

3/ 302.

(٦) الحديث أخرجه البخاري 1/ 443، 444 ح 1436 كتاب الزكاة، باب 24، واللفظ كما هو عند البخاري: عن حكيم بن حزام  قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنَّثُ بها في الجاهلية؛ من صدقة، أو عَتاقة، ومن صلة رحم، فهل فيها من أجر؟

فقال النبي -  -: "أسلمت على ما سلف من خير".

كما ورد أيضًا في المرجع السابق: 2/ 119 ح 2220: كتاب البيوع، باب 100، و2/ 218 ح 2538: كتاب العتق، باب 12، و4/ 90 ح 5992: كتاب الأدب.

قال المازني: ظاهره: أن الخير الذي أسلفه كتب له، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير.

وأخرجه مسلم 1/ 113 - 114: ح 194، 195 كتاب الإيمان، والإمام أحمد 3/ 402.

== وانظر: " التفسير الكبير" 31/ 187، و"البحر المحيط" 8/ 476، و"فتح القدير" 5/ 445.

(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: "معالم التنزيل" 4/ 491، و"زاد المسير" 8/ 255، و"لباب التأويل" 4/ 381.

(٨) "تفسير مقاتل" 241 أ، وقد ورد بمثله عن هشام بن حسام ذكره السيوطي في: "الدر المنثور" 8/ 526.

(٩) ساقط من: (ع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ ﴾ ثم هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان، وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام، ولا يصح أن يكون للترتيب في الزمان لأنه لا يلزم أن يكون الإيمان بعد العتق.

والإطعام ولا يقبل عمل إلا من مؤمن ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر ﴾ وصّى بعضهم بعضاً بالصبر على قضاء الله، وكأن هذا إشارة إلى صبر المسلمين بمكة على إذاية الكفار ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة ﴾ أي وصى بعضهم بعضاً برحمة المساكين وغيرهم، وقيل: الرحمة كل ما يؤدي إلى رحمة الله ﴿ الميمنة ﴾ جهة اليمين ﴿ المشأمة ﴾ جهة الشمال، وروي أن الميمنة عن يمين العرش ويحتمل أن يكونا من اليمين والشؤم ﴿ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ ﴾ أي مطقبة مغلقة يقال: أوصدت الباب ِإذاى أغلقته وفيه لغتان الهمزة وترك الهمزة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ لبداً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ فك رقبة أو إطعام ﴾ على صيغة الفعلين ونصب ﴿ رقية ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وعليّ.

الباقون: على المصدرين فأضافوا الأول ونونوا الثاني أي هي الفك أو الإطعام ﴿ مؤصدة ﴾ بالهمز: أبو عمرو ويعقوب وحمزة وخلف وحفص والمفضل.

الوقوف: ﴿ البلد ﴾ ه لا ﴿ البلد ﴾ ه ك ﴿ ولد ﴾ ه ك ﴿ كبد ﴾ ه ط ﴿ أحد ﴾ م ه لئلا يوهم أن ما بعده صفة ﴿ لبداً ﴾ ط ﴿ أحد ﴾ ه ك ﴿ عينين ﴾ ه لا ﴿ وشفتين ﴾ ه ك ﴿ النجدين ﴾ ج ه للنفي مع الفاء ﴿ العقبة ﴾ ه ز ﴿ العقبة ﴾ ه ط ﴿ رقبة ﴾ ه لا ﴿ مسغبة ﴾ ه ط ﴿ مقربة ﴾ ه ك ﴿ متربة ﴾ ه ط لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ بالمرحمة ﴾ ه ك ﴿ الميمنة ﴾ ه ط ﴿ المشأمة ﴾ ه ط ﴿ مؤصدة ﴾ ه.

التفسير: إنه  قرر في هذه السورة وفي أكثر ما يتلوها من السور مراتب النفوس الإنسانية وأحوالها في السعادة وضدّها، فأكد ذلك بالإقسام بالبلد الحرام وهو مكة التي جعلها الله  منشأ كل بركة وخير.

وقوله ﴿ وأنت حلّ بهذا البلد ﴾ اعتراض بين القسمين كأنه  عظم مكة من جهة أنه  حلّ بها وأقام فيها.

وقيل: الحل بمعنى الحلال كأنه  عجب من اعتقاد أهل مكة كيف يؤذون أشراف الخلق في موضع محرم.

عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيداً ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك.

وقال قتادة: أنت حلّ أي لست بأثيم وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت كما في الحديث " "ولم تحل لي إلا ساعة من نهار" .

فأن كانت السورة مكية أو مدنية قبل الفتح فقوله ﴿ حل ﴾ بمعنى الاستقبال نحو ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ وكثيراً ما تبرز الأفعال المستقبلة في القرآن في صيغ الماضي لتحقق الوقوع، وإن كان حال الفتح أو بعده فظاهر.

وعلى الأول يكون فيه إخبار بالغيب وقد يسر الله له فتح مكة كما وعد فيكون معجزاً.

أما الوالد والولد فقيل: آدم وذرّيته لكرامتهم على الله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ وقيل كل والد ومولود.

وقد يخص الإقسام بالصالحين لأن غير الصالحين لا حرمة لهم ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ والأكثرون على أن الوالد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام والولد محمد  كأنه أقسم ببلده ثم بوالده ثم به والتنكير للتعظيم.

وإنما لم يقل ومن ولد للفائدة المذكورة في قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت  ﴾ أي بشيء وضعته وهو مولود عجيب الشأن.

والكبد المشقة والتعب كقوله ﴿ إنك كادح إلى ربك كدحاً  ﴾ وأصله من كبد الرجل بالكسر كبداً بالفتح فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت.

ولا تخفى الشدائد الواردة على الإنسان من وقت احتباسه في الرحم إلى انفصاله ثم إلى زمان رضاعه ثم إلى بلوغه ثم ورود طوارق السراء وبوارق الضراء وعلائق التكاليف وعوائق التمدن والتعيش عليه إلى الموت.

ثم إلى البعث من المساءلة وظلمة القبر ووحشته، ثم إلى الاستقرار في الجنة والنار من الحساب والعتاب والحيرة والحسرة والوقوف بين يدي الجبار، اللهم سهل علينا هذه الشدائد بفضلك يا كريم ووفقنا للعمل بما يستعقب الخلاص منها إلى النعيم المقيم.

وقيل: الكبد مرض القلب وفساد العقيدة والمراد به الذين علم الله من حالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: الكبد هو الاستواء والاستقامة أي خلقناه منتصب القامة.

وقيل: الكبد الشدة والغلظ ثم اشتق منه اسم العضو لأنه دم غليظ.

وقد يخص الإنسان على هذا التفسير بشخص واحد من جمح يكنى أبا الأشدين، كان يجعل تحت قدميه الأديم ثم يمدّ من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه ويعضد هذا التفسير قوله ﴿ أيحسب ﴾ يعني ذلك الإنسان الشديد.

وعلى الأول معناه لن يقدر على بعثه ومجازاته أو على تغيير أحواله وأطواره ﴿ يقول أهلكت ما لا لبداً ﴾ أي كثيراً بعضه فوق بعض وهو جمع لبدة بالضم لما يلبد قاله الفراء.

وعن الزجاج أنه مفرد والبناء للمبالغة والكثرة.

يقال: رجل حطم إذا كان كثير الحطم.

ومن قرأ بالتشديد فهو جمع لا بد يريده كثرة ما أنفقه في الجاهلية فوبخه على ذلك بقوله ﴿ أيحسب أن لم يره أحد ﴾ يعنى أنه  كان عالماً بقصده حين ينفق ما ينفق رياء وافتخاراً وحباً للانتساب إلى المكارم والمعالي أو معاداة على رسول الله  وقال قتادة: أيظن أن الله لم يره ولا يسأله عن ماله من أين كسبه وفي أي شيء أنفقه؟

وقال الكلبي: كان كاذباً ولم ينفق شيئاً فقال الله: أيزعم أن الله ما رأى ذلك منه ولو كان قد أنفق لعلم الله.

ثم دل على كمال قدرته مع إشارة إلى الاستعداد الفطري بقوله ﴿ ألم نجعل له عينين ﴾ يبصر بهما المصنوعات ﴿ ولساناً ﴾ يعبر به عما في ضميره ﴿ وشفتين ﴾ يستعين بهما على الإفصاح بالنطق ﴿ وهديناه النجدين ﴾ سبيلي الخير والشر كقوله ﴿ إنا هديناه السبيل إما شاكراً أو كفوراً  ﴾ هذا قول عامة المفسرين.

والنجد في اللغة المكان المرتفع جعل الدلائل لارتفاع شأنها وعلو مكانها كالطرق المرتفعة العالية التي لا تخفى على ذوي الأبصار.

وقال الحسن ﴿ يقول أهلكت ما لا لبداً ﴾ فمن الذي يحاسبني عليه؟

فقيل الذي قدر على أن خلق لك الأعضاء قادر على محاسبتك.

وعن ابن عباس وسعيد بن المسيب: هما الثديان لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه هدى الله الطفل الصغير حتى ارتضعهما، قال القفال: والتفسير هو الأول.

ثم قرر وجه الاستدلال به فقال: إن من قدر على أن خلق من الماء المنتن قلباً عقولاً ولساناً فؤولاً فهو على إهلاك ما خلق أقدر، فام الحجة في الكفر بالله مع تظاهر نعمه؟

وما العلة في التعزز على الله وأوليائه بالمال وإنفاقه وهو المعطي والممكن من الانتفاع؟

ثم عرف عباده وجوه الإنفاق الفاضلة تعريضاً بأن ذلك الكافر لم يكن إنفاقه في وجه مرضيّ معتدّ به لابتناء قبول الطاعات على الإيمان الذي هو أصل الخيرات.

والاقتحام الدخول بشدّة ولهذا يستعمل في الأخطار والأهوال.

والعقبة طريق الجبل؛ فعن ابن عمر: هي جبل زلال في جهنم.

وعن مجاهد والضحاك: هي الصراط يضرب على متن جهنم، وهو معنى قول الكلبي: عقبة بين الجنة والنار.

وزيف الواحدي وغيره هاتين الروايتين بأنه من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا العقبة بهذا المعنى، وبأن تفسير الله  العقبة عيبه ينافيه.

وعن الحسن: عقب والله شديدة إن هذا مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان.

قال النحويون: قلما توجد لا الداخلة على الماضي إلا مكررة كقوله ﴿ فلا صدّق ولا صلّى  ﴾ وتقول: لا خيبني ولا رزقني.

والقرآن أفصح الكلام فهو أولى برعاية هذه القاعدة.

والجواب أن القرآن حجة كافية ولو سلم فهي متكررة في المعنى.

قال الزجاج: ألا ترى أنه فسر العقبة بفك الرقبة والإطعام؟

فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً ولا سيما فيمن قرأ ﴿ فك ﴾ و ﴿ أطعم ﴾ على الإبدال من ﴿ اقتحم ﴾ وجعل ما بينهما اعتراضاً.

ويجوز أن يراد فلا اقتحم العقبة ولا آمن يدل عليه قوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ ومن قرأ ﴿ فك ﴾ ﴿ أو إطعام ﴾ على المصدرين فالفاعل محذوف وهو من خواص المصدر لا يجوز حذف الفاعل من غيره والتقدير: فك فاك رقبة أو إطعام مطعم يتيماً.

والمسغبة مصدر على " مفعلة " من سغب إذا جاع، وكذا المقربة من قرب في النسب.

والمتربة من ترب إذا افتقر والتصق بالتراب فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما يوطئه.

عن النبي  :هو الذي مأواه المزابل.

ووصف اليوم بذي مسغبة مجاز باعتبار صاحبه نحو " نهاره صائم".

وفك الرقبة تخليصها من رق أو غيره.

وفي الحديث "إن رجلاً قال لرسول الله  : دلني على عمل يدخلني الجنة.

فقال: تعتق النسمة وتفك الرقبة.

فقال: أوليسا سواء؟

قال: لا إعتاقها أن تتفرد بعتقها وفكها تخليصها من قود أو غرم" وقد استدل أبو حنيفة من تقدم العتق على أنه أفضل من الصدقة.

وعند بعضهم بالعكس لأن في الصدقة تخليص النفس من الإشراف على الهلاك فإن قوام البدن بالغذاء، وفي الفك تخليصها من القيد في الأغلب.

وأيضاً لعل الأمر في الأول أضيق.

ولا شك إن إطعام التيم القريب أفضل من اليتيم الأجنبي.

وقد يستدل للشافعي أن المسكين أحسن حالاً من الفقير وأنه قد يكون بحيث يملك شيئاً وإلا وقع قوله ﴿ ذا متربة ﴾ تكراراً.

وقال بعض أهل التأويل: فك الرقبة أن يعين المرء نفسه على إقامة الوظائف الشرعية ليتخلص بها عن النار.

وعندي هو أن يفك رقبته عن الكونين ليلزم عنه زوال الحرص المستتبع لمواساة النفس على الطعام والإيثار.

وفي قوله ﴿ ثم كان ﴾ وجوه أحدها: أن هذا التراخي في الذكر لا في وجود فإن الإيمان مقدّم على جميع الخصال المعتدّ بها شرعأً كقوله: إن من ساد ثم ساد أبوه *** ثم قد ساد قبل ذلك جده أي ثم إنه أذكر ساد أبوه: وثانيها التأويل بالعاقبة أي ثم كان في عاقبة أمره ممن يموت على الإيمان.

وثالثها أن الآية نزلت فيمن أتى بهذه الخصال قبل إيمانه بمحمد  ثم آمن به بعد مبعثه.

فعند بعضهم يثاب على تلك الطاعات يدل عليه ما روي أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال لرسول الله  : إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟

فقال  " أسلمت على ما قدّمت من الخير" ورابعها وهو أولى الوجوه عند أصحاب المعاني أن المراد تراخي الرتبة والفضيلة لأن ثواب الإيمان أكثر من ثواب العتق والصدقة.

وقد يوجه البيت المذكور على هذا بأن المراد ثم ساد أبوه مع ذلك ثم ساد جده مع ما ذكر، ولا ريب أن مجموع الأمرين أو الأمور أشرف من أن ساد هو بنفسه فقط.

وحين ذكر خصال الكمال عقبه بما يدل على التكميل قائلاً ﴿ تواصوا ﴾ أي أوصى بعضهم بعضاً ﴿ بالصبر ﴾ على التكاليف الشرعية وعلى البلايا والمحن التي قلما يخلوا المؤمن عنها ﴿ وتواصوا ﴾ ﴿ بالمرحمة ﴾ أي التعاطف والتراحم كما قال النبي  " لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا أخواناً متعاضدين" وفي الآية نكتة لطيفة وهي أنه  ذكر في باب الكمال أمرين: فك الرقبة والإطعام ثم الإيمان، وذكر في باب التكميل شيئين: التواصي بالصبر على الوظائف الدينية والتواصي بالتراحم، وكل من النوعين مشتمل على التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله إلا أنه في الأول قدّم جانب الخلق، وفي الثاني قدم جانب الحق.

ففي الأول إشارة إلى كامل رحمته ونهاية عنايته بالمخلوقات فإن رعاية مصالحهم عنده أهمّ، وفي الآخر رمز إلى حسن الأدب وتعليم للمكلفين أن يعرفوا ما هو الأقدم الأهمّ في نفس الأمر زادنا الله اطلاعاً على دقائق هذا الكتاب الكريم.

قوله ﴿ أصحاب الميمنة ﴾ و ﴿ أصحاب المشأمة ﴾ مر في أول الواقعة تفسيرهما.

قال أهل اللغة: أوصدت الباب وآصدته بالواو وبالهمز أي أطبقته وأغلقته.

قال مقاتل: فلا يخرج أحد منهما ولا يدخل روح فيها.

والإيصاد بالحقيقة صفة أبواب النار أي مؤصدة أبوابها فهو من الإسناد المجازي.

وقيل: أراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب نعوذ بالله منها.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ ﴾ : قيل: فيه من وجهين: أحدهما: فهلا اقتحم العقبة.

والثاني: لم يقتحم.

فإن كان على الأول، فمعناه: أن الذي قال: أنفقت مالا لبدا، كيف لا كان إنفاقه في فلك الرقبة، وفي الإنفاق على اليتيم والمسكين الذي بلغ به الجهد إلى أن ألصق بالتراب؟

ويكون من جملة من آمن بالله -  - وتواصى بالبصر والمرحمة؛ ليكون من أصحاب الميمنة، ويكسب بذلك الحياة الطيبة في الآخرة دون أن تكون العاقبة في الملاهي وشهوات النفس؛ فلم يحصل لنفسه حمداً ولا أجرا في العقبى، بل صار من أصحاب المشأمة، فيكون ما بعد قوله: ﴿ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً  ﴾ صلة له وتفسيرا.

وإن كان التأويل على النفي، ففيه تكذيبه فيما زعم أنه أنفق مالا لبدا، فيقول: لو كان على ما يظن، لظهر ذلك، بفك الرقاب والمواساة على اليتيم وعلى المسكين الذي هو ذو متربة؛ فيكون ذها كله صلة قوله - عز وجل -: ﴿ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً ﴾ أيضا.

ثم قيل: في العقبة من وجهين: أحدهما: على تحقيق العقبة، وهو أن يكون في النار عقبة لا تجاوز ولا تقطع إلا بما ذكر من فك الرقبة والإطعام في يوم ذي مسبغة، كقوله -  -: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ ﴾ على تحقيق العقبة، معناه: وما يدريك بم تقطع تلك العقبة؟

ثم بين أنها تقطع بما ذكر من فك الرقبة ونحو.

وجائز أن يكون على التمثيل لا على التحقق، ووجهه: أنه يشتد عليه تحمل المؤمن التي ذكر من فك الرقبة، وإطعام المساكين، ومواساة اليتيم؛ فتكون العقبة كناية عن تحمل المؤن، لا على العقبة نفسها، وهو كقوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، أي: يصير الإيمان عليه في الشدة والثقل كأنه كلف الصعود إلى السماء، ويشتد على الأول تحمل المؤن، كما يشتد عليه قطع العقبة والصعود عليها.

والاقتحام: هو رمي النفس في المهالك.

وقيل: الاقتحام: هو تحمل المؤن: فإن كان على تحمل المؤن، فوجهه ما ذكرنا: أن كيف لم يتحمل هذه المؤن؛ ليصير من أهل الميمنة؟

وإن كان على الرمي في المهالك؛ فكأنه يقول: قد أهلك نفسه بتركه الإنفاق في الوجوه التي ذكر، والإعراض عن الإيمان بالله  ، بتركه فكاك الرقبة.

وروى أبو بكر الأصم في تفسيره خيرا عن رسول الله  "أن رجلا سأله فقال: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة؛ فأمره بعتق النسمة، وفك الرقبة؛ فقال السائل: أليسا هما واحدا؟

فقال [النبي  ]: لا؛ عتق النسمة: أن تعتقها، وفك الرقبة: أن تعين على فكاكها" ففكاك الرقبة: أن تخلصها من وجوه المهالك، وذلك يكون بالتخليص عن ذل الرق، وأن ترى إنسانا بهم بقتل آخر بغير حق؛ فتدفع عن المظلوم شر المظالم، وتراه يغرق؛ فتخلصه عن ذلك؛ فيكون في ذلك كله فكاك الرقبة عن المهالك؛ لتكتسب بها الحياة الطيبة في الآخرة.

واختلف القراء في هذا الحرف: فمنهم من قرأه: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ على النصب.

ومنهم من قرأه: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ ﴾ على الرفع.

فإذا قرأته بالنصب، فمعناه: هلا فك رقبة، أو أطعم؛ فيكون راجعا إلى تفسير الاقتحام.

وإذا قرأته بالرفع، انصرف التأويل إلى تفسير العقبة؛ فكأنه قال: قطع العقبة يكون بالفك وبما ذكر.

وذكر عن سفيان بن عيينه -  - أنه قال: كل ما في القرآن: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ ﴾ ، فقد أعلمه ودرَّاه، وكل ما فيه ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ  ﴾ فهو لم يعلمه، والله أعلم.

والمسبغة: المجاعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾ : أي: ذا قرابة منه.

قوله - عز وجل -: ﴿ ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ : أي: ألصق بطنه بالتراب.

وقيل: الذي ليس له شيء يحجبه عن التراب.

ثم في قوله: ﴿ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾ دلالة وجوب حق اليتيم على القريب إذا كان محتاجا؛ فيكون فيه حجة لقول أصحابنا: إن اليتيم إذا كان محتاجا، فرضت نفقته على أقربائه.

وفي قوله: ﴿ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ دلالة أن المسكين الذي وصفه، وهو ألا يكون بينه وبين التراب حائل، فكفايته تلزم الخلق جملة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : فتأويله أنه لا ينفعه فك الرقبة ولا الإطعام؛ حتى يكمون مؤمنا مع ذلك، متواصيا بالصبر والمرحمة، فإذا كان كذلك؛ فحينئذ يحصل قاطعا للعقبة.

وجائز أن يكون الصبر أريد به الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، أي: آمنوا.

والتواصي بالصبر والمرحمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ التواصي مأخوذ من الوصية، وهذا يوجب أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اعتقاد الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ ﴾ : أي: أصحاب الميامن، وهم أهل اليُمن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ : أي: أصحاب الشؤم على أنفسهم؛ حيث عملوا بالمعاصي، واستوجبوا بها نارا مؤصدة، وهي المؤصدة المطبقة المبهمة، وصفة الإطباق ما ذكر في آية أخرى، وذلك قوله -  -: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، وقال [الله]  : ﴿ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...

﴾ الآية [الكهف: 29]، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم كان من الذين آمنوا بالله، وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على الطاعات وعن المعاصي وعلى البلاء، وأوصى بعضهم بعضًا بالرحمة بعباد الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.kEew5"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(لا أقسم) عبارة من عبارات القسم والتأكيد في لسانا لعرب، كما تقدم ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ  ﴾ في سورة "كورت"، و (البلد) المشار إليه هو مكة لان السورة مكية، ولما يدل عليه قوله: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ  ﴾ .

والحل: هو الحلال.

والخطاب للنبي  ، ومعنى كونه حلًا، أنه قد استحل لأهل مكة.

استحلوا إيذاءه وإعناته ومطاردته، واستباحوا منه حرمة الأمن في ذلك البلد الأمين حتى اضطروه إلى الهجرة.

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ  ﴾ عطف على هذا البلد داخل في المقسم به، والمراد منه: أي والد وأي مولود من الإنسان والحيوان والنبات، كما يرشد إليه التنكير، وكما هو مختار ابن جرير وجمع من المحققين: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ  ﴾ هذا هو الخبر المقصود تأكيده بالقسم المتقدم، والكبد: المشقة والتعب، قال لبيد: يا عين هل بكيت اربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد أي في شدة الأمر وعظم الخطب ومنه المكابدة لمقاساة الشدائد أقسم بمكة لتفخيم شأنها، وصرح بذكرها -على طريق الإشارة إليها مرتين- لزيادة التفخيم، وأتي بجملة (وأنت حل بهذا البلد) واعترض بها بين العاطف والمعطوف ليفيد إن مكة عظيم شانها جليل قدرها في جميع الأحوال، حتى في هذه الحالة التي لم يرع أهلها في معاملتك تلك الحرمة التي خصها الله بها.

وفي هذا من تنبيههم وإيقاظهم من غفلتهم وتقريعهم على ما حطوا من منزلة بلدهم ما فيه.

ثم اقسم بوالد وما ولد ليلفت نظرنا إلى رفعة قدر هذا الطور من أطوار الوجود -وهو طور التوالد- وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، والى ما يعاينه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ وإبلاغه حده من النمو المقدر له.

فإذا تصورت في النبات كم تعانى البذرة في أطوار النمو: من مقاومة فواعل الجو، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذورًا أخرى تعمل عملها، وتزين الوجود بجمال منظرها، أحضرت ذلك في ذهنك، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم، ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو اشد وأجسم.

انظر كيف أشار سبحانه في القسم إلى التمهيد إلى المقسم عليه، فكان القسم توكيدًا للخبر بصيغته، وتأكيدًا له وبرهانًا عليه بإشارته.

فإن الإنسان نوع من أنواع الوالد والمولود، فحق له إن يخلق في كبد وكد ونصب..

لا تغفل عن موضع قوله: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ  ﴾ .

فانه -مع ما فيه من تقريع المستحلين لحرمته  - يشتمل على بيان أن ما يصيبه من ذلك فهو من شان الإنسان، وقد قدر على كل مولود منه.

وفيه من تسليته  عن ذلك الإيذاء ما هو ظاهر، ثم إنه جمع بين البلد المعظم والوالد والولد -مع الاعتراض بتلك الجملة- ليشير إلى أن مكة على ما بها من عمل أهلها ستلد من الأمر العظيم ما يكون إكليلًا لمجد النوع الإنساني، وهو دين الإسلام الذي جاء به عليه  ، وأن العناء الذي يلاقيه من اختصه الله بوحيه إنما هو العناء الذي يصيب الوالد في تربية ولده، والمولود في بلوغ الغاية من سير نموه، وفيه من الوعد بإتمام نوره ما فيه.

ربما تقول: إن كون الإنسان مخلوقًا في كبد وتعب أمر مشهود وشيء معروف معهود، فما الحاجة إلى تأكيد الأخبار به؟

فنقول لك في الجواب: إن هذا الخبر إنما ورد لتسلية الناصب وحمله على الصبر -كما يدل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ - وتنبيه المغرور الجاهل.

أما الأول، فإنه إذا غلبه التعب، وقهرته المشقة في القصد الذي وجه عزيمته إليه، أحاطت به الآلام فيتمثل له بين عينيه شخص من شقائه يخيل له -وهو في حمي الضجر- إن هذا العدو يطارده وحده، فيتمنى أن يكون له حظ غيره ممن سبقه أو ممن هم معه.

فهو -على هذه الحالة- في اشد الحاجة إلى تأكيد الخبر بأن الإنسان في أي فرد من أفراده خلق في كبد، وإنما يتفاوت الناس فيما ينصبون له.

وطعم الموت في شيء حقير كطعم الموت في شيء عظيم وأما الثاني، فهو الذي يشعر بقوة في بدنه يستطيع أن يصارع بها الأقران، ويقارع بها الأنداد، أو يحس بعزة في سلطانه، ورفعة في مكانه وبسطة في جاهه، أو ينظر إلى ما لديه من وفرة المال وغزارة الغني، فيشمخ بأنفه، ويظن أنه واحد في صنفه، وأن الناس من دونه ليسوا منه إلا كما يكون العابد من معبوده، فكبيرهم يجب عنده إن يستذل، وصغيرهم يستعبد ويسترذل ويخيل له -في حاله هذه- أنه أعلى من أن تتناوله يد القدر، أو تدنو منه عادية الدهر.

فهذا المفتون بقوته، أو السكران بسلطته، أو المأخوذ بثروته في أشد ما يكون من الحاجة إلى تأكيد الخبر بأن الإنسان خلق في كبد، فإذا رجع إلى نفسه ورأي انه في عناء من تصريف قواه في عمله، بل وفي أكله وشربه وحماية أهله في سربه، تمثلت له الحقيقة من ضعفه، ورجع إلى الحق إذا ذكر به من أهله.

ولما كان هذا القسم الأخير -وهو قسم المفتونين بما أصابوا من النعم- هو الأجدر بأن يقصد بالخطاب، ويعنى بالتذكير، قال الله عقب الخبر: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ  ﴾ ، أي أيظن -مع ما هو فيه من العناء من ميلاده إلى ساعة عناده- أنه قد بلغ من القوة أو العزة أو المنعة إلى حيث لا يقدر عليه، فالضمير في (أيحسب) عائد على الإنسان باعتبار تحققه في بعض أفراده من هذا الصنف الذي ذكرناه.

ما أجهله لو ظن!!

فإن الذي ينشأ في وجوده ضعيفًا، يحتاج في أصغر أمره إلى المعين، وتملك ناصيته تلك اليد التي أنشأته، وتأخذه تلك القدرة التي أبدعته.

(يقول) أي الإنسان (أهلكت) أي أنفقت (مالًا لبدًا) أي كثيرًا، أعاد الضمير على الإنسان باعتبار صنف أخر من أفراده، وهم أولئك الأغنياء البخلاء المراءون الذين يكنزون أموالهم ولا ينفقونها إلا على شهواتهم وفي توفير لذاتهم، ثم إذا حملوا على عمل من أعمال الخير قالوا أننا ننفق كثيرًا من أموالنا في أعمال غير التي تدعوننا إليها.

أفيحسب هؤلاء الأغنياء أن لم يرهم احد، وأن سرائرهم تخفى على المتصرف في ضمائرهم؟

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ  ﴾ فهو إذا أبصر فإنما يبصر بنعمتنا عليه فيهما ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ  ﴾ فهو إذا تكلم فإنما يتكلم بما وهبناه من لدنا؟

حتى قوله الذي يرائي فيه إذ يقول أهلكت مالًا لبدًا.

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ : النجد مشهور في الطريق المرتفعة.

والمراد بهما هنا طريقا الخير والشر، وإنما سماهما نجدين ليشير إلى أن في كل منهما وعورة وصعوبة مسلك، فليس الشر بأهون من الخير كما يظن، وإلى أنهما واضحان جليان لا يخفي واحد منهما على سالك، إلا أودعنا في فطرته التمييز بين الخير والشر، وأقمنا له من وجدانه وعقله أعلامًا تدله عليهما، ثم وهبناه الاختيار..

فإليه أن يختار أي الطريقين شاء.

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى ما ترمي إليه هذه الآية من إن الله تعالى لم يجعل الشر أحب إلى أنفسنا من الخير-كما يزعمه بعض أهل النظر في الأخلاق الإنسانية- فالذي وهب الإنسان هذه الآلات، وأودع باطنه تلك القوى، لا يمكن للإنسان أن يفلت من قدرته، ولا يجوز أن يخفي عليه شيء من سريرته.

اقتحم الأمر: دخل فيه بشدة.

والعقبة: الطريق الوعرة في الجبل يصعب سلوكها.

لكن الله تعالى فسر لنا المراد بالعقبة هنا حيث قال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ  ﴾ إلخ فأراد منها الطريق التي يصعب سلوكها إلى حيث تنال سعادة الدنيا والآخرة، وإنما كانت صعبة السلوك لمعارضة الهوى، ومغالبة الشهوة لسالكها.

وفك الرقبة: عتقها، أو المعاونة عليه.

وقد ورد في فضل العتق ما بلغ معناه حد التواتر، فضلًا عما ورد في الكتاب، وهو يرشد إلى ميل الإسلام إلى الحرية وجفوته للأسر والعبودية.

والمسغبة: المجاعة، والسغب: هو الجوع.

وفسره أبو حيان بالجوع العام.

والمقربة: القرابة في النسب.

يقال هو ذو قرابتي وذو مقربتي، بمعنى إن نسبي يتصل بنسبه.

والمسكين ذو المتربة: هو الفقير الشديد الفقر اللاصق بالتراب.

يقال: ترب، أي افتقر، ويقال: فقر مدقع أو فقير مدقع، بمعني لاصق بالدقعاء، وهي التراب.

والذين تواصوا بالصبر، هم الصابرون على ما يصيبهم وعما يفوتهم في سبيل الله، الذين -مع صبرهم- ينصح بعضهم بعضًا بالتزام الصبر، فهم صابرون وأعوان لإخوانهم على الصبر.

والرحمة: وجدان الرحمة بالناس مع ظهور أثر ذلك في مسامحتهم وفي معاونة المحتاجين منهم.

بعد أن اخبر الله جل شأنه بأنه الإنسان قد خلق في كبد، لام الجاهل المغرور على استغراقه في غروره حتى كأنه يظن أن لن يقدر عليه أحد، مع أن ما هو فيه من المكابدة كان كافيًا لإيقاظه من غفلته واعترافه بعجزه، وبعد أن وبخ المرائين الذين ينفقون أموالهم طلبًا للشهرة وحبًا في الأحدوثة، وقرعهم على افتخارهم بما يصنعون مع خلو بواطنهم من حسن النية، أراد أن يبين لهؤلاء وأولئك أنه سبحانه مصدر لأفضل ما يتمتعون به من البصر والنطق والعقل المميز بين الخير والشر والنفع والضر، فهو مهدي ذلك إليهم، وهو القادر على سلبه منهم.

وما أعجز من يفقد بصره ونطقه وعقله!.

ثم إن واهب هذه القوى لا تخفي عليه أعمالها، وهو الحافظ لكونها، فمحاولة الظهور بخلاف ما تكنه السرائر ضرب من الغفلة والعبث بالنفس على الحقيقة.

ثم هو قد أدرج في ذلك البيان وجه المنة بهذه النعمة.

وكان على الإنسان -بعد ما وهب التمييز بين الحسن والقبيح والخير والشر، وبعد ما منح من تلك القوى التي سبق ذكرها- أن يشكر تلك النعم، ويختار طريق الخير، ويرجح سبيل السعادة، فيصعد فيها إلى حيث يلقي غايتها.

وكان عليه أن يندفع في تلك السبيل، ويهجم عليها بكل قوته، وذلك بأن يفيض على الناس بشيء مما أفاض الله عليه.

وأفضل ذلك أن يعين على تحرير الأرقاء من البشر، أو يواسي الأيتام من أقاربه في أيام العوز وعزة الطعام، أو يطعم المساكين الذين لا وسيلة لهم إلى كسب ما يقيمون به حياتهم من الضعفاء والعجزة، أو لبيان أنواع الخير.

والقصد إنما هو إلى التحلي بالخلق الذي يصدر عنه أحد هذه الأفعال، ثم مع ذلك يكون صحيح الإيمان صادق السر مع ربه، صبورًا على أذي الناس وما يصيبه من المكاره في سبيل الدعوة إلى الحق أو المحافظة عليه، رحيمًا بعباد الله، مواسيًا لهم، مساعدًا لهم عند نزول الشدائد بهم، ثم يكون مع هذا حريصًا على أن يكونوا مثله في الصبر والمرحمة فيحملهم على ذلك بقوله وفعله.

هذه هي الطريقة التي كان من حق العقل أن يرشد إليها، لكن الإنسان قد خدعه غروره، فلم يقتحم هذه العقبة، كما قال سبحانه: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ  ﴾ إلخ، بل اقتحم تلك العقبة الأخرى: عقبة الحرص على المال، والتكبر بالقوة والثروة، وهي عند أهل الحق أوعر العقبتين، فهي مثار الحسد ومزدحم الخصام مع مقاومة العقل الصحيح والذوق السليم، غير أن الحيوانية وحضور لذاتها هي التي تسهل سلوكها مع ما فيها من الهلكة.

قال المفسرون: إن قوله تعالى ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ  ﴾ نزل في أبي الأشد (سيد بن كلدة الجمحي) وكان مغترًا بقوته البدنية كما يقولون: إن قوله ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا  ﴾ جاء في الحارث بن نوفل، وكان يقول: أهلكت مالًا لبدًا في الكفارات منذ أطعت محمدًا.

وقد يجوز أن يكون في الآيات إشارة إلى تلك الحوادث الحاضرة وقت النزول غير أن معناها على الحقيقة عام كما رأيت.

أما ما قيل من أن (لا) إذا دخلت على الماضي وجب تكرارها ولم تكرر في الآية، فذلك لا يلتفت إليه، لأن الكتاب نفسه حجة في الفصاحة.

وقد ورد في كلامهم عدم تكرارها، وقال أبو مسلم -للتخلص من مخالفة القاعدة في تكرار لا- إن (لا) في الآية مخفف ألا التي للتحضيض، كأنه قيل فهلا اقتحم العقبة، ولكن ورد عليه انه لم يعرف تخفيف إلا التحضيضية أيضًا، فالحق الرجوع إلى ما قلنا.

وأما التعبير بالماضي في اقتحم وفي ثم كان، فلأن الكلام فيما وقع من نوع الإنسان منذ نشأته، وأن الحيوانية غلبته فصرفته إلى سبيل غير التي كان يقوده إليها عقله، إلا من هدى الذين وهم الذين ذكرهم بقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ إلخ.

أي أن الإنسان -في ذلك الصنف الأغلب من أفراده- لم يكن من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.

﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ  ﴾ الإشارة في أولئك إلى الذين امنوا وتواصوا إلخ.

ومعنى أصحاب الميمنة من أهل اليمين، وأهل اليمين -في لسان الدين الإسلامي- عنوان السعداء.

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ  ﴾ الذين تمر عليهم آيات الله -سواء كانت كونية، كالآيات التي ذكرت في هذه السورة من خلقة الإنسان في كبد، ومن تمتعه بقواه الظاهرة والباطنة، أو سائر الآيات الأخر في خلق الإنسان وما بين يديه من سائر الموجودات ولا يعتبرون بها، أم كانت آيات قوليه وإرادة على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، كالقرآن الذي هو آية الآيات للدين الإسلامي -تمر عليهم هذه الآيات ولا يرتقون من النظر فيها إلى معرفة الصراط الذي يجب إن يستقيموا عليه في الاعتقاد والعمل..

هؤلاء أصحاب المشأمة: أي من أهل الشمال.

وأهل الشمال -في لسان الدين- هم الأشقياء.

فكأنه قال: والذين كفروا بآياتنا هم الأشقياء، وقد تكون الميمنة والمشأمة من اليمن والشؤم، فأولئك ميامين على أنفسهم، وهؤلاء مشائيم.

﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ  ﴾ : أي مطبقة عليهم، من أصدت الباب إذا أغلقته في لغة قريش وقرأ بعض السبعة موصدة بدون همز، من أوصدته، وإغلاق النار عليهم عبارة عن تخليدهم فيها، وسد سبيل الخلاص منها..

وهؤلاء الذين وجه إليهم هذا الوعيد هم الذين ذكر حالهم في قوله: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ  ﴾ إلخ، فإن ما نسبه إليهم في تلك الآيات السابقة إنما هو عارض يلحق الكفر بآيات الله الباهرة وآية من آياته.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده