تفسير الآية ٨ من سورة الليل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 92 الليل > الآية ٨ من سورة الليل

وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ ٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 20 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨ من سورة الليل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الليل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال تعالى "وأما من بخل" أي بما عنده "واستغنى" قال عكرمة عن ابن عباس أي بخل بماله واستغنى عن ربه عز وجل.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) يقول تعالى ذكره: وأما من بخل بالنفقة في سبيل الله، ومنع ما وهب الله له من فضله، من صرفه في الوجوه التي أمر الله بصرفه فيها، واستغنى عن ربه، فلم يرغب إليه بالعمل له بطاعته بالزيادة فيما خوّله من ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) قال: بخل بما عنده، واستغنى في نفسه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عكرِمة عن ابن عباس ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) وأما من بخل بالفضل، واستغنى عن ربه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) يقول: من أغناه الله، فبخل بالزكاة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) : وأما من بخل بحقّ الله عليه، واستغنى في نفسه عن ربه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأما من بخل واستغنى أي ضن بما عنده ، فلم يبذل خيرا .

وقد تقدم بيانه وثمرته في الدنيا في سورة ( آل عمران ) .

وفي الآخرة مآله النار ، كما في هذه الآية .

روى الضحاك عن ابن عباس فسنيسره للعسرى قال : سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله .

وعنه عن ابن عباس قال : نزلت في أمية بن خلف وروى عكرمة عن ابن عباس : وأما من بخل واستغنى يقول : بخل بماله ، واستغنى عن ربه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ } بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، { وَاسْتَغْنَى } عن الله، فترك عبوديته جانبًا، ولم ير نفسه مفتقرة غاية الافتقار إلى ربها، الذي لا نجاة لها ولا فوز ولا فلاح، إلا بأن يكون هو محبوبها ومعبودها، الذي تقصده وتتوجه إليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وأما من بخل"، بالنفقة في الخير، "واستغنى"، عن ثواب الله فلم يرغب فيه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأما من بخل» بحق الله «واستغنى» عن ثوابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأما مَن بخل بماله واستغنى عن جزاء ربه، وكذَّب بـ"لا إله إلا الله" وما دلت عليه، وما ترتب عليها من الجزاء، فسنُيَسِّر له أسباب الشقاء، ولا ينفعه ماله الذي بخل به إذا وقع في النار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَأَمَّا مَن بَخِلَ ) بماله فلم يؤد حقوق الله - تعالى - فيه ، ولم يبذل شيئا من ه فى وجوه البر .

( واستغنى ) أى : واستغنى عن ثواب الله - تعالى - ، وتطاول على الناس بماله وجاهه ، وآثر متع الدنيا على نعيم الآخرة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا الجواب القسم، فأقسم تعالى بهذه الأشياء، أن أعمال عباده لشتى أي مختلفة في الجزاء وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض، وإنما قيل للمختلف: شتى، لتباعد ما بين بعضه وبعضه، والشتات هو التباعد والافتراق، فكأنه قيل: إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى، وبعضه يوجب الجنان، وبعضه يوجب النيران، فشتان ما بينهما، ويقرب من هذه الآية قوله: ﴿ لاَ يَسْتَوِى أصحاب النار وأصحاب الجنة  ﴾ وقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يستوون  ﴾ وقوله: ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ الظل ولا الحرور  ﴾ قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان.

ثم إنه سبحانه بين معنى اختلاف الأعمال فيما قلناه من العاقبة المحمودة والمذمومة والثواب والعقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أعطى ﴾ يعني حقوق ماله ﴿ واتقى ﴾ الله فلم يعصه ﴿ وَصَدَّقَ بالحسنى (6) ﴾ بالخصلة الحسنى: وهي الإيمان.

أو بالملة الحسنى: وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى: وهي الجنة ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى (7) ﴾ فسنهيؤه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها.

ومنه قوله عليه السلام: «كل ميسر لما خلق له» والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها، من قوله: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ [الأنعام: 125] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ ﴿ وَصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ تَفْصِيلٌ مُبَيِّنٌ لِتَشَتُّتِ المَساعِي.

والمَعْنى مَن أعْطى الطّاعَةَ واتَّقى المَعْصِيَةَ وصَدَّقَ بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي ما دَلَّتْ عَلى حَقٍّ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَّةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى يُسْرٍ وراحَةٍ كَدُخُولِ الجَنَّةِ، مِن يَسَّرَ الفَرَسَ إذا هَيَّأهُ لِلرُّكُوبِ بِالسَّرْجِ واللِّجامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَمَّا مَن بَخِلَ} بماله {واستغنى} عن ربه فلم يتقه أواستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن أعْطى ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ مُبَيِّنٌ لِتَفَرُّقِها واخْتِلافِها في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِها كَوْنُ البَعْضِ طالِبًا لِلْيَوْمِ المُتَجَلِّي، والبَعْضُ طالِبًا لِلَّيْلِ الغاشِي وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالذَّكَرِ وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالأُنْثى، فَيَكُونُ الجَوابُ شَدِيدَ المُناسَبَةِ بِالقَسَمِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ورَكاكَتُهُ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإعْطاءِ بَذْلُ المالِ ومِن هُنا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ إنْفاقُ مالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: أعْطى حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُهُ الحُقُوقُ المالِيَّةُ.

﴿ واتَّقى ﴾ أيْ: واتَّقى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ قَتادَةَ: واتَّقى ما نُهِيَ عَنْهُ.

وفي رِوايَةٍ: مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ مُجاهِدٌ: واتَّقى البُخْلَ وهو كَما تَرى.

﴿ وصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ أيْ: بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي كَما قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ هي ما دَلَّتْ عَلى حَقٍّ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: وتَدْخُلُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ بِالمِلَّةِ الحُسْنى وهي مِلَّةُ الإسْلامِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: هي المَثُوبَةُ بِالخَلَفِ في الدُّنْيا مَعَ المُضاعَفَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الجَنَّةُ، وقِيلَ: المَثُوبَةُ مُطْلَقًا ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الإعْطاءَ إشارَةٌ إلى العِبادَةِ المالِيَّةِ، والِاتِّقاءَ إشارَةٌ إلى ما يَشْمَلُ سائِرَ العِباداتِ مِن فِعْلِ الحَسَناتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ مُطْلَقًا والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى إشارَةً إلى الإيمانِ بِالتَّوْحِيدِ أوْ بِما يَعُمُّهُ وغَيْرِهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وهو تَفْصِيلٌ شامِلٌ لِلْمَساعِي كُلِّها، وتَقْدِيمُ الإعْطاءِ لِما أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرًا؛ فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ أبُو قُحافَةَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أراكَ تُعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا فَلَوْ أنَّكَ إذْ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رِجالًا جُلُدًا يَمْنَعُونَكَ ويُقِيمُونَ دُونَكَ.

فَقالَ: يا أبَهْ، إنَّما أُرِيدُ ما أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ إلى: ﴿ وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشَرَةِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ.

ولَمّا كانَ الإيمانُ أمْرًا مُعْتَنًى بِهِ في نَفْسِهِ أُخِّرَ عَنِ الِاتِّقاءِ لِيَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ.

وقِيلَ: المُرادُ أعْطى الطّاعَةَ واتَّقى المَعْصِيَةَ وصَدَّقَ بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.

وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ في الإعْطاءِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ، وأمْرُ تَأْخِيرِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِحالِهِ وقِيلَ: أُخِّرَ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ إعْطاءِ الطّاعَةِ بِالإصْغاءِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي لا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِها.

ومِن جُمْلَةِ الِاتِّقاءِ عَنِ الإشْراكِ وهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَصَةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى يُسْرٍ وراحَةٍ كَدُخُولِ الجَنَّةِ ومَبادِيهِ مِن يُسْرِ الفَرَسِ لِلرُّكُوبِ إذا أسْرَجَها وألْجَمَها.

ووَصَفَها بِاليُسْرى إمّا عَلى الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «اللّيل»

وهي مكّيّة في قول الجمهور

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢)

أقسَمَ تعالى بالليل إذا غَشِيَ الأرضَ وجميعَ ما فيها، وبالنهارِ إذا تَجَلَّى، أي: ظهَرَ وضَوَّى الآفاقَ، وقال- ص-: يَغْشى: مفعولهُ محذوفٌ فيحتملُ أنْ يكونَ النهارَ كقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٤] أو الشمس كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٤] وقيل الأرض وما فيها، انتهى.

وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢)

وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)

وقوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يحتملُ أنْ تكونَ «ما» بمعنى: «الذي» ويحتملُ أَنْ تكونَ مصدريةً، والذكرُ والأنثى هنا عامٌّ، وقال الحسن: المرادُ آدمُ وحواء «١» ، والسَّعْيُ العَمَلُ، فأخبرَ تعالى مُقْسِماً أَنَّ أعمالَ العبادِ شَتَّى، أي: متفرقة جدًّا بعضُها في رِضَى اللَّهِ، وبعضها في سَخَطِه، ثم قَسَّم تعالى الساعينَ فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآية، ويُروى أن هذهِ الآيَة نزلتْ في أبي بكرٍ الصديقِ- رضي اللَّه عنه-.

وقوله تعالى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قيل هي: لا إله إلا اللَّه، وقيل: هي الخَلَفُ الذي وَعَدَ اللَّه بهِ، وقيل: هي الجنةُ، وقال كثيرٌ من المتأولينَ: الحسنى: الأجرُ والثوابُ مُجْمَلاً، والعُسْرَى: الحال السيئة في الدنيا والآخرة، ومن جَعل بَخِلَ في المالِ خَاصَّةً جَعَلَ اسْتَغْنى في المالِ أيضاً، لتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَنْ جَعَلَ بَخِلَ عَامًّا في جَمِيعِ مَا يَنْبَغِي أن يبْذَلَ، مِنْ قَولٍ أو فعلٍ قال: اسْتَغْنى عن اللَّهِ ورحمتهِ بِزَعْمِه، وظاهرُ قوله:

وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ أَنَّ الإعطاءَ والبخلَ المذكورين إنما هما في المال.

وقوله تعالى: إِذا تَرَدَّى، قال قتادة وغيره: معناه تردَّى في جهنم «١» .

وقال مجاهد: تَرَدَّى معناه: هَلَكَ من الردَّى «٢» ، وخَرَّج البخاريُّ وغيرُه عن علي- رضي اللَّه عنه- قال: «كُنَّا مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنَازَةٍ، فقالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، أوْ مَا/ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ؟

قال: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى إلى قوله:

لِلْعُسْرى» وفي روايةٍ، لَمَا قيلَ له: أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، قال: لاَ بَلِ اعملوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» الحديثَ، وخرَّجه الترمذيُّ أيضاً، انتهى، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» :

«وسأل شابّان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالاَ: العَملُ فِيما جَفَّتْ بهِ الأَقْلاَمُ وجَرَتْ بهِ المَقَادِيرُ أَمْ في شَيْءٍ مُسْتَأْنَفٍ؟

فقال: بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ، وجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ، قَالاَ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ: قَالَ: اعملوا فَكُلُّ مُيسَّر لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ له» قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونَعْمَلُ» «٣» انتهى، وقال قوم: معنى تردى، أي: بأكْفَانِهِ مِنَ الرِّدَاءِ ومنه قول الشاعر: [الطويل]

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح الكلام بالقسم جار على أسلوب السورتين قبل هذه، وغرض ذلك ما تقدم آنفاً.

ومناسبة المُقْسَممِ به للمُقْسَممِ عليه أن سعي الناس منه خير ومنه شر وهما يماثلان النور والظلمة وأن سعي الناس ينبثق عن نتائج منها النافع ومنها الضار كما ينتج الذكر والأنثى ذرية صالحة وغير صالحة.

وفي القسم بالليل وبالنهار التنبيه على الاعتبار بهما في الاستدلال على حكمة نظام الله في هذا الكون وبديع قدرته، وخص بالذكر ما في الليل من الدلالة من حالة غشيانه الجانِب الذي يغشاه من الأرض.

ويغشى فيه من الموجودات فتعمها ظلمته فلا تبدو للناظرين، لأن ذلك أقوى أحواله، وخص بالذكر من أحوال النهار حالة تجليته عن الموجودات وظهوره على الأرض كذلك.

وقد تقدم بيان الغشيان والتجلي في تفسير قوله: ﴿ والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ﴾ في سورة الشمس (3، 4).

واختير القسم بالليل والنهار لمناسبتِه للمقام لأن غرض السورة بيان البون بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة.

وابتدئ في هذه السورة بذكر الليل ثم ذكر النهار عكسَ ما في سورة الشمس لأن هذه السورة نزلت قبل سورة الشمس بمدة وهي سادسة السور وأيَّامئذٍ كان الكفر مخيماً على الناس إلا نفراً قليلاً، وكان الإِسلام قد أخذ في التجلي فناسب تلك الحالة بالإِشارة إلى تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار، ويتضح هذا في جواب القسم بقوله: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ إلى قوله: ﴿ إذا تردى ﴾ [الليل: 4 11].

وفي قوله: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ إجمال يفيد التشويق إلى تفصيله بقوله: ﴿ فأما من أعطى ﴾ [الليل: 5] الآية ليتمكن تفصيله في الذهن.

وحذف مفعول ﴿ يغشى ﴾ لتنزيل الفعل منزلة اللازم لأن العبرة بغشيانه كلَّ ما تغشاه ظلمته.

وأسند إلى النهار التَجلي مدحاً له بالاستنارة التي يراها كل أحد ويحس بها حتى البصراء.

والتجلّي: الوضوح، وتجلي النهار: وضوح ضيائه، فهو بمعنى قوله: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [الشمس: 1] وقوله: ﴿ والضحى ﴾ [الضحى: 1].

وأشير إلى أن ظلمة الليل كانت غالبة لضوء النهار وأن النهار يعقبها والظلمةُ هي أصل أحوال أهل الأرض وجميع العوالم المرتبطة بالنظام الشمسي وإنما أضاءت بعد أن خلق الله الشمس ولذلك اعتبر التاريخ في البدء بالليالي ثم طَرأ عليه التاريخ بالأيام.

والقول في تقييد الليل بالظرف وتقييد النهار بمثله كالقول في قوله: ﴿ والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها في السورة السابقة ﴾ [الشمس: 3، 4].

و ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ وما خلق الذكر والأنثى ﴾ مصدرية أقسم الله بأثر من آثار قدرته وهو خلق الزوجين وما يقتضيه من التناسل.

والذكر والأنثى: صنفا أنواع الحيوان.

والمراد: خصوص خلق الإنسان وتكونه من ذكر وأنثى كما قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ [الحجرات: 13] لأنه هو المخلوق الأرفع في عالم الماديات وهو الذي يدرك المخاطَبون أكثرَ دقائقه لتكرره على أنفسهم ذُكورهم وإناثهم بخلاف تكوّن نسل الحيوان فإن الإنسان يدرك بعض أحواله ولا يُحصي كثيراً منها.

والمعنى: وذلك الخلققِ العجيب من اختلاف حالي الذكورة والأنوثة مع خروجهما من أصل واحد، وتوقف التناسل على تزاوجهما، فالقسم بتعلققٍ مِن تعلققِ صفات الأفعال الإلهية وهي قِسْم من الصفات لا يُختلف في ثبوته وإنما اختلَف علماء أصول الدين في عدّ صفات الأفعال من الصفات فهي موصوفة بالقدم عند الماتريدي، أو جَعْلِها من تعلق صفة القدرة فهي حادثة عند الأشعري، وهو آيل إلى الخلاف اللفظي.

وقد كان القسم في سورة الشمس بتسوية النفس، أي خلق العقل والمعرفة في الإِنسان، وأما القَسَم هنا فبِخلق جسد الإِنسان واختلاف صنفيه، وجملة: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ جوابُ القسم.

والمقصود من التأكيد بالقسم قولُه: ﴿ وما يغني عنه مالُهُ إذا تردى ﴾ [الليل: 11].

والسَّعي حقيقته: المشي القوي الحثيث، وهو مستعار هنا للعمل والكدّ.

وشتّى: جمع شتيت على وزن فَعْلَى مثل قَتِيل وقَتْلى، مشتق من الشتِّ وهو التفرق الشديد يقال: شتَّ جمعُهم، إذا تفرقوا، وأريد به هنا التنوع والاختلاف في الأحوال كما في قول تأبط شرّاً: قليل التشكي للملم يصيبه *** كثير الهوى شَتَّى النَّوى والمسالك وهو استعارة أو كناية عن الأعمال المتخالفة لأن التفرق يلزمه الاختلاف.

والخطاب في قوله: ﴿ إن سعيكم ﴾ لجميع الناس من مؤمن وكافر.

واعلم أنه قد روي في «الصحيحين» عن علقمة قال: «دخلت في نفر من أصحاب عبد الله (يعني ابنَ مسعود) الشام فسمع بِنا أبو الدرداء فأتانا فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟

فقلت: أنا.

قال: كيف سمعتَه يقرأ؟

﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال سمعته يقرأ: «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى» قال: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا».

وسماها في «الكشاف»: قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أي ثَبت أنه قرأ بها، وتأويل ذلك: أنه أقرأها أبا الدرداء أيام كان القرآن مرخَّصاً فيه أن يُقرأ على بعض اختلاف، ثم نُسخ ذلك الترخيص بما قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وهو الذي اتفق عليه قراء القرآن.

وكتب في المصحف في زمن أبي بكر رضي الله عنه، وقد بينت في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير معنى قولهم: قراءة النبي صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ﴾ أي بالنفقة في الخير والصدقة (١) ﴿ وَاسْتَغْنَى ﴾ عن ثواب الله فلم يرغب فيه (٢) قال مقاتل (٣) (٤) وقال عطاء: يريد أمية بن خلف (٥) (١) بمعناه قال ابن عباس، وقتادة انظر: "جامع البيان" 30/ 221 - 222، وبه قال السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 485، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، وعزاه ابن الجوزي إلى المفسرين في "زاد المسير" 8/ 264.

(٢) قال بنحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 103 أ.

(٣) "المحرر الوجيز" 5/ 491 بمعناه.

(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.

والذي وجدته بمثله من طريق الضحاك عن ابن عباس "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 84.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والليل إِذَا يغشى ﴾ أي يغطي وحذف المفعول وهو الشمس لقوله: ﴿ والليل إِذَا يغشى ﴾ أو النهار لقوله: ﴿ يُغْشِي اليل النهار ﴾ [الأعراف: 54] أوكل شيء يستره الليل ﴿ والنهار إِذَا تجلى ﴾ أي ظهر وتبين والنهار من طلوع الشمس واليوم من طلوع الفجر ﴿ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى ﴾ ما بمعنى من والمراد بها الله تعالى وعدل عن من لقصد الوصف كأنه قال: والقدر الذي خلق الذكر والأنثى وقيل: هي مصدرية وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والذكر والأنثى ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى ﴾ هذا جواب القسم ومعناه إن عملكم مختلف فمنه حسنات ومنه سيئات، وشتى جمع شتيت ﴿ فَأَمَّا مَنْ أعطى ﴾ أي أعطى ماله في الزكاة والصدقة وشبه ذلك، أو أعطى حقوق الله من طاعته في جميع الأشياء واتقى الله ﴿ وَصَدَّقَ بالحسنى ﴾ أي بالخصلة الحسنة وهي الإسلام، ولذلك عبّر عنها بعضهم بأنها لا إله إلا الله، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، وقيل: يعني الأجر والثواب على الاطلاق، وقيل: يعني الخلف على المنفق ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى ﴾ أي نهيؤه للطريقة اليسرى، وهي فعل الخيرات وترك السيئات وضد ذلك تيسيره للعسرى ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اعلموا فكل ميسر لما خلق له» أي يهيؤه الله لما قدر له ويسهل عليه فعل الخيرات أو الشر ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى ﴾ أي بخل بماله أو بطاعة الله على الاطلاق فيحتمل الوجهين؛ لأنه في مقابلة أعطى، كما أن استغنى في مقابلة اتقى، وكذلك كذب بالحسنى في مقابلة صدق بالحسنى، ونيسره للعسرى في مقابلة نيسره لليسرى، ومعنى استغنى: استغنى عن الله فلم يطعه واستغنى بالدنيا عن الآخر، ونزلت آية المدح في أبي بكر الصديق، لأنه أنفق ماله في مرضات الله، وكان يشتري من أسلم من العبيد فيعتقهم، وقيل نزلت في أبي الدحداح، وهذا ضعيف، لأنها مكية وإنما أسلم أبو الدحداح في المدينة، وقيل: إن آية الذم نزلت في أبي سفيان بن حرب، وهذا ضعيف لقوله: فسنيسره للعسرى وقد أسلم أبو سفيان بعد ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأما من بخل بماله فلم يبذله فيما يجب عليه بذله فيه، واستغنى بماله عن الله فلم يسأل الله من فضله شيئًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.OQEmO"

مزيد من التفاسير لسورة الليل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله