الإسلام > القرآن > سور > سورة 92 الليل > الآية ٧ من سورة الليل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة الليل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قوله تعالى "فسنيسره لليسرى" قال ابن عباس يعني للخير وقال زيد بن أسلم يعني الجنة وقال بعض السلف من ثواب الحسنة بعدها.
ومن جاء السيئة السيئة بعدها.
وقوله: ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ) يقول: فسنهيئه للخلة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة.
قوله تعالى : فسنيسره لليسرى أي نرشده لأسباب الخير والصلاح ، حتى يسهل عليه فعلها .
وقال زيد بن أسلم : لليسرى للجنة .
وفي الصحيحين والترمذي عن علي - رضي الله عنه - قال : كنا في جنازة بالبقيع ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجلس وجلسنا معه ، ومعه عود ينكت به في الأرض ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : " ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مدخلها " فقال القوم : يا رسول الله ، أفلا نتكل على كتابنا ؟
فمن كان من أهل السعادة فانه يعمل للسعادة ، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء .
قال : " بل اعملوا فكل ميسر أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر لعمل [ ص: 75 ] الشقاء - ثم قرأ - فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى " لفظ الترمذي .
وقال فيه : حديث حسن صحيح .
وسأل غلامان شابان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا : العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ؟
أم في شيء يستأنف ؟
فقال - عليه السلام - : " بل فيما جفت به الأقلام ، وجرت به المقادير " قالا : ففيم العمل ؟
قال : " اعملوا فكل ميسر لعمل الذي خلق له " قالا : فالآن نجد ونعمل .
{ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرًا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك.
"فسنيسره"، فسنهيئه في الدنيا، "لليسرى"، أي للخلة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه الله عز وجل.
«فسنسيره لليسرى» للجنة.
فأمَّا من بذل من ماله واتقى الله في ذلك، وصدَّق بـ"لا إله إلا الله" وما دلت عليه، وما ترتب عليها من الجزاء، فسنرشده ونوفقه إلى أسباب الخير والصلاح ونيسِّر له أموره.
( فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى ) أى : فسنهيئه للخصلة التى توصله إلى اليسر والراحة وصلاح البال ، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التى تؤدى إلى السعادة .وحذف مفعول " أعطى واتقى " للعلم بهما ، أى : أعطى ما كلفه الله - تعالى - به ، واتقى محارمه .
وفي قوله: ﴿ أعطى ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم كما كان يفعله أبو بكر سواء كان ذلك واجباً أو نفلاً، وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ فإن المراد منه كل ذلك إنفاقاً في سبيل الله سواء كان واجباً أو نفلاً، وقد مدح الله قوماً فقال: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ وقال في آخر هذه السورة: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ ﴾ ، وثانيهما: أن قوله: ﴿ أعطى ﴾ يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى، يقال: فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة وقوله: ﴿ واتقى ﴾ فهو إشارة إلى الاحتراز عن كل مالا ينبغي، وقد ذكرنا أنه هل من شرط كونه متقياً أن يكون محترزاً عن الصغائر أم لا في تفسير قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ وَصَدَّقَ بالحسنى ﴾ فالحسنى فيها وجوه: أحدها: أنها قول لا إله إلا الله، والمعنى: فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم، وهو كقوله: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ .
وثانيها: أن الحسنى عبارة عما فرضه الله تعالى من العبادات على الأبدان وفي الأموال كأنه قيل: أعطى في سبيل الله واتقى المحارم وصدق بالشرائع، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا لما فيها من وجوه الصلاح والحسن.
وثالثها: أن الحسنى هو الخلف الذي وعده الله في قوله: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَيء فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ والمعنى: أعطى من ماله في طاعة الله مصدقاً بما وعده الله من الخلف الحسن، وذلك أنه قال: ﴿ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله ﴾ فكان الخلف لما كان زائداً صح إطلاق لفظ الحسنى عليه، وعلى هذا المعنى: ﴿ وَكَذَّبَ بالحسنى ﴾ أي لم يصدق بالخلف، فبخل بماله لسوء ظنه بالمعبود، كما قال بعضهم: منع الموجود، سوء ظن بالمعبود، وروي عن أبي الدرداء أنه قال: ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين.
اللهم أعط كل منفق خلفاً وكل ممسك تلفاً.
ورابعها: أن الحسنى هو الثواب، وقيل: إنه الجنة، والمعنى واحد، قال قتادة: صدق بموعود الله فعمل لذلك الموعود، قال القفال: وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين ﴾ يعني النصر أو الشهادة، وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ فسمى مضاعفة الأجر حسنى، وقال: ﴿ إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ .
وأما قوله: ﴿ فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه اللفظة وجوه: أحدها: أنها الجنة.
وثانيها: أنها الخير وقالوا في العسرى: أنها الشرك.
وثالثها: المراد منه أن يسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك، والمراد من العسرى تعسير كل ذلك عليه.
ورابعها: اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولاً، فكأنه قال فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء في سبيل الله، وقالوا: في العسرى ضد ذلك أي نيسره لأن يعود إلى البخل والامتناع من أداء الحقوق المالية، قال القفال: ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة، وذلك لأن الأعمال بالعواقب، فكل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة، فإن ذلك من اليسرى، وذلك وصف كل الطاعات، وكل ما أدت عاقبته إلى عسر وتعب فهو من العسرى، وذلك وصف كل المعاصي.
المسألة الثانية: التأنيث في لفظ اليسرى، ولفظ العسرى فيه وجوه: أحدها: أن المراد من اليسرى والعسرى إن كان جماعة الأعمال، فوجه التأنيث ظاهر، وإن كان المراد عملاً واحداً رجع التأنيث إلى الخلة أو الفعلة، وعلى هذا من جعل يسرى هو تيسير العود (ة) إلى ما فعله الإنسان من الطاعة رجع التأنيث إلى العود (ة)، وكأنه قال: فسنيسره للعود (ة) التي هي كذا.
وثانيها: أن يكون مرجع التأنيث إلى الطريقة فكأنه قال: للطريقة اليسرى والعسرى.
وثالثها: أن العبادات أمور شاقة على البدن، فإذا علم المكلف أنها تفضي إلى الجنة سهلت تلك الأفعال الشاقة عليه، بسبب توقعه للجنة، فسمى الله تعالى الجنة يسرى، ثم علل حصول اليسرى في أداء الطاعات بهذه اليسرى وقوله: ﴿ فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى ﴾ بالضد من ذلك.
المسألة الثالثة: في معنى التيسير لليسرى والعسرى وجوه: وذلك لأن من فسر اليسرى بالجنة فسر التيسير لليسرى بإدخال الله تعالى إياهم في الجنة بسهولة وإكرام، على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿ ﴾ وقوله: ﴿ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين ﴾ وقوله: ﴿ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار ﴾ وأما من فسر اليسرى بأعمال الخير فالتيسير لها هو تسهيلها على من أراد حتى لا يعتريه من التثاقل ما يعتري المرائين والمنافقين من الكسل، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين ﴾ وقال: ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ وقال: ﴿ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الارض ﴾ فكان التيسير هو التنشيط.
المسألة الرابعة: استدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق والخذلان، فقالوا: إن قوله تعالى: ﴿ فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى ﴾ يدل على أنه تعالى خص المؤمن بهذا التوفيق، وهو أنه جعل الطاعة بالنسبة إليه أرجح من المعصية، وقوله: ﴿ فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى ﴾ يدل على أنه خص الكافر بهذا الخذلان، وهو أنه جعل المعصية بالنسبة إليه أرجح من الطاعة، وإذا دلت الآية على حصول الرجحان لزم القوم بالوجوب لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومعلوم أن حال الاستواء يمتنع الرجحان، فحال المرجوحية أولى بالامتناع، وإذا امتنع أحد الطرفين وجب حصول الطرف الآخر ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض.
أجاب القفال رحمه الله عن وجه التمسك بالآية من وجوه: أحدها: أن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور، قال تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ وقال: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ فلما سمى الله فعل الألطاف الداعية إلى الطاعات تيسيراً لليسرى، سمى ترك هذه الألطاف تيسيراً للعسرى.
وثانيها: أن يكون ذلك على جهة إضافة الفعل إلى المسبب له دون الفاعل.
كما قيل في الأصنام: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس ﴾ .
وثالثها: أن يكون ذلك على سبيل الحكم به والإخبار عنه والجواب: عن الكل أنه عدول عن الظاهر، وذلك غير جائز، لاسيما أنا بينا أن الظاهر من جانبنا متأكد بالدليل العقلي القاطع، ثم إن أصحابنا أكدوا ظاهر هذه الآية بما روى عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد علم الله مكانها من الجنة والنار»، قلنا: أفلا نتكل؟
قال: «لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له» أجاب القفال عنه بأن الناس كلهم خلقوا ليعبدوا الله، كما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ واعلم أن هذا ضعيف لأنه عليه السلام إنما ذكر هذا جواباً عن سؤالهم، يعني اعملوا فكل ميسر لما وافق معلوم الله، وهذا يدل على قولنا: أن ما قدره الله على العبد وعلمه منه فإنه ممتنع التغيير، والله أعلم.
المسألة الخامسة: في دخول السين في قوله: ﴿ فَسَنُيَسّرُهُ ﴾ وجوه: أحدها: أنه على سبيل الترفيق والتلطيف وهو من الله تعالى قطع ويقين، كما في قوله: ﴿ اعبدوا رَبَّكُمُ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
وثانيها: أن يحمل ذلك على أن المطيع قد يصير عاصياً، والعاصي قد يصير بالتوبة مطيعاً، فهذا السبب كان التغيير فيه محالاً.
وثالثها: أن الثواب لما كان أكثره واقعاً في الآخرة، وكان ذلك مما لم يأت وقته، ولا يقف أحد على وقته إلا الله، لا جرم دخله تراخ، فأدخلت السين لأنها حرف التراخي ليدل بذلك على أن الوعد آجل غير حاضر، والله أعلم.
أما قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ أعطى ﴾ يعني حقوق ماله ﴿ واتقى ﴾ الله فلم يعصه ﴿ وَصَدَّقَ بالحسنى (6) ﴾ بالخصلة الحسنى: وهي الإيمان.
أو بالملة الحسنى: وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى: وهي الجنة ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى (7) ﴾ فسنهيؤه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها.
ومنه قوله عليه السلام: «كل ميسر لما خلق له» والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها، من قوله: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ [الأنعام: 125] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ ﴿ وَصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ تَفْصِيلٌ مُبَيِّنٌ لِتَشَتُّتِ المَساعِي.
والمَعْنى مَن أعْطى الطّاعَةَ واتَّقى المَعْصِيَةَ وصَدَّقَ بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي ما دَلَّتْ عَلى حَقٍّ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.
﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَّةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى يُسْرٍ وراحَةٍ كَدُخُولِ الجَنَّةِ، مِن يَسَّرَ الفَرَسَ إذا هَيَّأهُ لِلرُّكُوبِ بِالسَّرْجِ واللِّجامِ.
<div class="verse-tafsir"
{فسنيسره لليسرى} فسنهيث للخلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه ربه
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن أعْطى ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ مُبَيِّنٌ لِتَفَرُّقِها واخْتِلافِها في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِها كَوْنُ البَعْضِ طالِبًا لِلْيَوْمِ المُتَجَلِّي، والبَعْضُ طالِبًا لِلَّيْلِ الغاشِي وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالذَّكَرِ وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالأُنْثى، فَيَكُونُ الجَوابُ شَدِيدَ المُناسَبَةِ بِالقَسَمِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ورَكاكَتُهُ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإعْطاءِ بَذْلُ المالِ ومِن هُنا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ إنْفاقُ مالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: أعْطى حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُهُ الحُقُوقُ المالِيَّةُ.
﴿ واتَّقى ﴾ أيْ: واتَّقى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ قَتادَةَ: واتَّقى ما نُهِيَ عَنْهُ.
وفي رِوايَةٍ: مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى.
وقالَ مُجاهِدٌ: واتَّقى البُخْلَ وهو كَما تَرى.
﴿ وصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ أيْ: بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي كَما قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ هي ما دَلَّتْ عَلى حَقٍّ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: وتَدْخُلُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ بِالمِلَّةِ الحُسْنى وهي مِلَّةُ الإسْلامِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: هي المَثُوبَةُ بِالخَلَفِ في الدُّنْيا مَعَ المُضاعَفَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الجَنَّةُ، وقِيلَ: المَثُوبَةُ مُطْلَقًا ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الإعْطاءَ إشارَةٌ إلى العِبادَةِ المالِيَّةِ، والِاتِّقاءَ إشارَةٌ إلى ما يَشْمَلُ سائِرَ العِباداتِ مِن فِعْلِ الحَسَناتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ مُطْلَقًا والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى إشارَةً إلى الإيمانِ بِالتَّوْحِيدِ أوْ بِما يَعُمُّهُ وغَيْرِهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وهو تَفْصِيلٌ شامِلٌ لِلْمَساعِي كُلِّها، وتَقْدِيمُ الإعْطاءِ لِما أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرًا؛ فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ أبُو قُحافَةَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أراكَ تُعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا فَلَوْ أنَّكَ إذْ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رِجالًا جُلُدًا يَمْنَعُونَكَ ويُقِيمُونَ دُونَكَ.
فَقالَ: يا أبَهْ، إنَّما أُرِيدُ ما أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ إلى: ﴿ وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشَرَةِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ.
ولَمّا كانَ الإيمانُ أمْرًا مُعْتَنًى بِهِ في نَفْسِهِ أُخِّرَ عَنِ الِاتِّقاءِ لِيَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ أعْطى الطّاعَةَ واتَّقى المَعْصِيَةَ وصَدَّقَ بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.
وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ في الإعْطاءِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ، وأمْرُ تَأْخِيرِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِحالِهِ وقِيلَ: أُخِّرَ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ إعْطاءِ الطّاعَةِ بِالإصْغاءِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي لا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِها.
ومِن جُمْلَةِ الِاتِّقاءِ عَنِ الإشْراكِ وهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَصَةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى يُسْرٍ وراحَةٍ كَدُخُولِ الجَنَّةِ ومَبادِيهِ مِن يُسْرِ الفَرَسِ لِلرُّكُوبِ إذا أسْرَجَها وألْجَمَها.
ووَصَفَها بِاليُسْرى إمّا عَلى الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي إحدى وعشرون آية مكية قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى أقسم الله تعالى بالليل، إذا غشيت ظلمته ضوء النهار.
ويقال: أقسم بخالق الليل إذا يغشى، يعني: يغشى الليل ضوء النهار وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى يعني: أقسم بالنهار إذا استنار، وتجلى عن الظلمة وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يعني: والذي خلق الذكر والأنثى، يعني: آدم وحواء.
وقال القتبي: ما ومن أصلهما واحد، وجعل من للناس، وما لغير الناس.
ويقال: من مَرّ بك من الناس، وما مَرّ بك من الإبل.
وقال أبو عبيد: وما خلق، أي: وما خلق، وكذلك قوله: وَالسَّماءِ وَما بَناها (5) [الشمس: 5] وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) [الشمس: 7] «وما» في هذه المواضع بمعنى «من» وقال أبو عبيد: وما بمعنى من وبمعنى الذي.
وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال: أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود؟
فأشاروا إلي، فقلت: نعم أنا.
فقال: كيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية؟
قلت: سمعته يقرأ، والذكر والأنثى.
قال: أنا هكذا والله سمعت رسول الله ، يقرأها، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأها كلا أنا معهم.
ثم قال عز وجل: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فهذا موضع جواب القسم، أقسم الله تعالى بخالق هذه الأشياء، إن سعيكم لشتى، يعني: أديانكم ومذاهبكم مختلفة، يعني: عملكم مختلف.
عامل للجنة، وعامل للنار.
وقال أبو الليث رحمه الله: حدثنا أبو جعفر، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال: أخبرنا حدّثنا أحمد بن جرير، قال حدثنا أبو عبد الرحمن راشد بن إسماعيل، عن منصور بن مزاحم، عن يونس بن إسحاق، عن عبد الله بن مسعود ، إن أبا بكر ، اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبي بن خلف ببروة وعشرة أواق من فضة، فأعتقه لله تعالى، فأنزل الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى يعني: سعي أبي بكر، وأمية بن خلف.
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى يعني: بلا إله إلا الله، يعني: أبا بكر فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى يعني: الجنة وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى يعني: بلا إله إلا الله فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى يعني: أمية، وأبي ابني خلف إذا ماتا.
ويقال: لنزول هذه الآية سبب آخر، كان رجل من الكفار له نخلة في دار، وشعبها في دار رجل آخر من المسلمين، وكان إذا سقطت ثمرة في دار المسلم، نادى الكافر: حرام حرام، وكان المسلم يأخذ الثمرة، فيرمي بها في دار الكافر، لئلا يأكل ذلك صبيانه فسقطت يوماً ثمرة، فأخذها ابن صغير للمسلم، فجعلها في فيه، فدخل الكافر، فأخرج الثمرة من فيه، وأبكى الصبي.
فشكى المسلم إلى النبي ، فدعا المشرك فقال: أتبيع نخلتك ليعطيك الله أفضل منها في الجنة، فقال: لا أبيع العاجل بالآجل، فسمع رجل من أصحاب النبيّ ، فاشترى النخلة من الكافر، وتصدق بها على المسلم.
فنزلت فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى يعني: أعطى من ماله حق الله تعالى، واتقى الشرك، وسخط الله تعالى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى يعني: بثواب الله في الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ يعني: سنعينه ونوفقه لِلْيُسْرى يعني: لعمل أهل الجنة وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بالصدقة وَاسْتَغْنى يعني: رأى نفسه مستغنياً عن ثواب الله، وعن جنته وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى يعني: بالثواب وهو الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى يعني: نخذله ولا نوفقه للطاعة، فسنيسر عليه طريق المعصية وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى يعني: ما ينفعه ماله، إذا مات وتركه في الدنيا، وهو يرد إلى النار.
<div class="verse-tafsir"
نصيبك مما تجمع الدهر كله ...
رداءان تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطُ «١»
ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعاً، أي: تعريفَهم بالسُّبل كلِّها، وليستْ هذه الهدايةُ بالإرشَادِ إلى الإيمان، ولو كانَ ذلِك لَمْ يُوجَدْ كافرٌ، قال البخاريُّ: «تَلَظَّى» : تُوَهَّجٌ وقال الثعلبيَّ: تَتَوقَّدُ، وتتوهَّج، انتهى.
لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩)
وقوله سبحانه: لاَ يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى المعنى: لا يصْلاَها صَلْيَ خُلُودٍ، ومن هنا ضَلَّتْ المُرْجِئَةُ لأنها أخَذَتْ نَفْيَ الصَّلْيِ مُطْلَقاً، ولم يَخْتَلِفْ أَهلُ التأويلِ أن المرادَ بالأتْقَى إلى آخر السورة/ أبو بكرٍ الصديقِ، ثم هي تَتَنَاولُ كلَّ مَنْ دَخَلَ في هذِه الصفاتِ، وباقي الآيةِ بيِّنٌ، ثم وَعَدَه تعالى بالرِّضَى في الآخرةِ وهذه [عِدَةٌ] لأبي بكرٍ- رضي الله عنه-.
سُورَةُ اللَّيْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ في " ما " قَوْلانِ.
وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بَناها ﴾ .
وفي ﴿ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟
" فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟
قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟
فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟
قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟
قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً.
فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ » رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّقى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ.
وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ واسْتَغْنى ﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿ وَكَذَّبَ بِالحُسْنى ﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿ إذا تَرَدّى ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللَيْلِ إذا يَغْشى ﴾ ﴿ والنَهارِ إذا تَجَلّى ﴾ ﴿ وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ ﴿ وَصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ ﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى ﴾ ﴿ وَكَذَّبَ بِالحُسْنى ﴾ ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ﴾ ﴿ وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى ﴾ ﴿ إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ﴾ ﴿ وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى ﴾ ﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ ﴿ لا يَصْلاها إلا الأشْقى ﴾ ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى ﴾ ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى ﴾ ﴿ وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ﴾ ﴿ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ﴾ ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضى ﴾ أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: "سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ - وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ: وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ﴾ ، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَصْلاها إلا الأشْقى ﴾ ، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ.
و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ: تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿ فأما ﴾ تفريع وتفصيل للإِجمال في قوله: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ [الليل: 4] فحرف (أمَّا) يفيد الشرط والتفصيل وهو يتضمن أداة شرط وفعل شرط لأنه بمعنى: مَهما يكن من شيء، والتفصيل: التفكيك بين متعدد اشتركت آحاده في حالة وانفرَد بعضها عن بعض بحالة هي التي يُعتنَى بتمييزها.
وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ﴾ في سورة الفجر (15).
والمحتاج للتفصيل هنا هو السعي المذكور، ولكن جعل التفصيلُ ببيان الساعين بقوله: فأما من أعطى} لأن المهم هو اختلاف أحوال الساعين ويُلازمهم السعي فإيقاعهم في التفصيل بحسب مساعيهم يساوي إيقاع المساعي في التفصيل، وهذا تفنن من أفانين الكلام الفصيح يحصل منه معنيان كقول النابغة: وقَد خِفت حتى ما تزيد مخافتي *** على وعللٍ في ذي المَطارة عَاقِل أي على مخافة وَعِل.
ومنه قوله تعالى: ﴿ ولكن البر من آمن باللَّه واليوم الآخر ﴾ إلخ في سورة البقرة (177).
وقوله تعالى: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن باللَّه واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 19] الآية، أي كإيمان من آمن بالله.
وانحصر تفصيل «شتى» في فريقين: فريق ميسَّر لليسرى وفريق ميسَّر للعسرى، لأن الحالين هما المهم في مقام الحث على الخير، والتحذير من الشر، ويندرج فيهما مختلف الأعمال كقوله تعالى: ﴿ يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ في سورة الزلزلة (6 8).
ويجوز أن يجعل تفصيل شتى هم من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى، ومنْ بخل واستغنى وكذب بالحسنى وذلك عدد يصح أن يكون بياناً لشتّى.
ومَن } في قوله: ﴿ من أعطى ﴾ الخ وقوله: ﴿ من بخل ﴾ الخ يعم كل من يفعل الإعطاء ويتقي ويصدِّق بالحسنى.
وروي أن هذا نزل بسبب أن أبا بكر اشترى بلالاً من أمية بن خلف وأعتقه ليُنجيه من تعذيب أمية بن خلف، ومن المفسرين من يذكر أبا سفيان بن حرب عوضَ أمية بن خلف، وهم وهَم.
وقيل: نزلت في قضية أبي الدحداح مع رجل منافق ستأتي.
وهذا الأخير متقض أن السورة مدنية وسببُ النزول لا يخصص العموم.
وحُذف مفعول ﴿ أعطى ﴾ لأن فعل الإِعطاء إذا أريد به إعطاء المال بدون عوض، يُنزَّل منزلَة اللازم لاشتهار استعماله في إعطاء المال (ولذلك يسمى المالُ الموهوب عَطاءَ)، والمقصود إعطاء الزكاة.
وكذلك حُذف مفعول ﴿ اتقى ﴾ لأنه يعلم أن المقدّر اتّقى الله.
وهذه الخلال الثلاث من خلال الإيمان، فالمعنى: فأما من كان من المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿ قالوا لم نَكُ من المصلين ولم نَكُ نطعم المسكين ﴾ [المدثر: 43 44]، أي لم نك من أهل الإيمان.
وكذلك فعل ﴿ بَخل ﴾ لم يُذكر متعلقه لأنه أريد به البخل بالمال.
و ﴿ استغنى ﴾ جُعل مقابلاً ل ﴿ اتَّقى ﴾ فالمراد به الاستغناء عن امتثال أمْرِ الله ودعوته لأن المصرَّ على الكفر المعرِضَ عن الدعوة يَعُد نفسه غنياً عن الله مكتفياً بولاية الأصنام وقومِه، فالسين والتاء للمبالغة في الفعل مثل سين استحباب بمعنى أجاب.
وقد يراد به زيادة طلب الغنى بالبخل بالمال، فتكون السين والتاء للطلب، وهذه الخلال كناية عن كونه من المشركين.
والحُسنى: تَأنيث الأحسن فهي بالأصالة صفَة لموصوف مقدر، وتأنيثها مشعر بأن موصوفها المقدر يعتبر مؤنث اللفظ ويحتمل أموراً كثيرة مثل المثوبة أو النصر أو العدة أو العاقبة.
وقد يصير هذا الوصف علماً بالغلبة فقيل: الحسنى الجنة، وقيل: كلمة الشهادة، وقيل: الصلاة، وقيل: الزكاة.
وعلى الوجوه كلها فالتصديق بها الاعتراف بوقوعها ويكنى به عن الرغبة في تحصيلها.
وحاصل الاحتمالات يحوم حول التصديق بوعد الله بما هو حسن من مثوبة أو نصر أو إخلاف ما تلف فيرجع هذا التصديق إلى الإيمان.
ويتضمن أنه يعمل الأعمال التي يحصل بها الفوز بالحسنى.
ولذلك قوبل في الشق الآخر بقوله: ﴿ وكذب بالحسنى ﴾ .
والتيسير: جعل شيء يسيرَ الحصول، ومفعول فعل التيسير هو الشيء الذي يجعل يسيراً، أي غير شديد، والمجرور باللام بعده هو الذي يسهَّل الشيءُ الصعب لأجله وهو الذي ينتفع بسهولة الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿ ويسر لي أمري ﴾ [طه: 26] وقوله: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ [القمر: 17].
واليسرى في قوله: ﴿ لليسرى ﴾ هي ما لا مشقة فيه، وتأنيثها: إما بتأويل الحالة، أي الحالة التي لا تشق عليه في الآخرة، وهي حالة النعيم، أو على تأويلها بالمكانة.
وقد فسرت اليسرى بالجنة عن زيد بن أسلم ومجاهد.
ويحتمل اللفظ معاني كثيرة تندرج في معاني النافع الذي لا يشق على صاحبه، أي الملائم.
والعسرى: إما الحالة وهي حالة العسر والشدة، أي العذاب، وإما مكانته وهي جهنّم، لأنها مكان العسر والشدائد على أهلها قال تعالى: ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ﴾ [المدثر: 9، 10]، فمعنى: «نيسره» ندرّجُهُ في عملي السعادة والشقاوة وبه فسر ابن عطية، فالأعمال اليسرى هي الصالحة، وصفت باليسرى باعتبار عاقبتها لصاحبها، وتكون العسرى الأعمال السيئة باعتبار عاقبتها على صاحبها فتأنيثهما باعتبار أن كلتيهما صفة طائفة من الأعمال.
وحرف التنفيس على هذا التفسير يكون مراداً منه الاستمرار من الآن إلى آخر الحياة كقوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ [يوسف: 98].
وحرف (ال) في «اليسرى» وفي «العسرى» لتعريف الجنس أو للعهد على اختلاف المعاني.
وإذ قد جاء ترتيب النظم في هذه الآية على عكس المتبادر إذ جُعل ضمير الغيبة في «نيسره لليسرى» العائدُ إلى ﴿ من أعطى واتقى ﴾ هو الميسرَ، وجعل ضمير الغيبة في «نيسره للعسرى» العائدُ إلى ﴿ من بخل واستغنى ﴾ هو الميسرَ، أي الذي صار الفعل صعبُ الحصول حاصلاً له، وإذ وقع المجروران باللام «اليسرى» و«العسرى»، وهما لا ينتفعان بسهولة من أعلى أو من بَخل، تعين تأويل نظم الآية بإحدى طريقتين: الأولى: إيفاء فعل «نيسر» على حقيقته وجَعْلُ الكلام جارياً على خلاف مقتضى الظاهر بطريق القلب بأن يكون أصل الكلام: فسنيسر اليسرى له وسنيسر العسرى له ولا بد من مقتض للقلب، فيصار إلى أن المتقضي إفادة المبالغة في هذا التيسير حتى جعل الميسَّر ميسراً له والميسر له ميسراً على نحو ما وجهوا به قول العرب: عرضت الناقة على الحوض.
والثانية: أن يكون التيسير مستعملاً مجازاً مرسلاً في التهيئة والإعداد بعلاقة اللزوم بين إعداد الشيء للشيء وتيسره له، وتكون اللام من قوله: ﴿ لليسرى ﴾ و ﴿ للعسرى ﴾ لام التعليل، أي نيسره لأجل اليسرى أو لأجل العسرى، فالمراد باليسرى الجنة وبالعُسرى جهنم، على أن يكون الوصفان صارا علماً بالغلبة على الجنة وعلى النار، والتهيئةُ لا تكون لذات الجنة وذاتتِ النار فتعين تقدير مضاف بعد اللام يناسب التيسير فيقدر لدخُول اليسرى ولدخول العسرى، أي سنعجّل به ذلك.
والمعنى: سنَجْعل دخول هذه الجنةَ سريعاً ودخولَ الآخِر النارَ سريعاً، بشبه الميسَّر من صعوبة لأن شأن الصعب الإِبطاءُ وشأن السهل السرعةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿ ذلك حشر علينا يسير ﴾ [ق: 44]، أي سريع عاجل.
ويكون على هذا الوجه قوله: ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ مشاكلةٌ بُنِيت على استعارة تهكمية قرينتها قولُه: «العسرى».
والذي يدعو إلى هذا أن فعل «نيسر» نصبَ ضمير ﴿ من أعطى واتقى وصدَّق ﴾ ، وضمير ﴿ من بَخل واستغنى وكذَّب، فهو تيسيرٌ ناشئ عن حصول الأعمال التي يجمعها معنى اتَّقى ﴾ أو معنى ﴿ استغنى ﴾ ، فالأعمال سابقة لا محالة.
والتيسير مستقبل بعد حصولها فهو تيسير ما زاد على حصولها، أي تيسير الدوام عليها والاستزادة منها.
ويجوز أن يكون معنى الآية: أن يُجعل التيسير على حقيقتِهِ ويجعل اليسرى وصفاً أي الحالة اليسرى، والعسرى أي الحالة غير اليسرى.
وليس في التركيب قلب، والتيسير بمعنى الدوام على العمل، ففي «صحيح البخاري» عن علي قال: " كنا مع رسول الله في بقيع الغَرقد في جنازة فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مَقْعَده من الجنة ومَقْعَدَه من النار، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكِلُ؟
فقال: اعملوا فكل ميسَّر لما خلق له.
أما أهل السعادة فَيُيَسَّرُونَ لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ﴾ " اه.
فصدر الحديث لا علاقة له بما تضمنته هذه الآية لأن قوله: " ما من أحد إلا وقد كتبَ مقعده " الخ معناه قد علم الله أن أحداً سيعمل بعمل أهل الجنة حتى يُوافيَ عليه، أو سيعمل بعمل أهل النار حتى يُوافِيَ عليه، فقوله: «وقد كتب مقعده» جعلت الكتابة تمثيلاً لعلم الله بالمعلومات علماً موافقاً لما سيكون لا زيادة فيه ولا نقص، كالشيء المكتوب إذ لا يقبل زيادة ولا نقصاً دون المقول الذي لا يكتب فهو لا ينضبط.
فنشأ سؤال من سأل عن فائدة العمل الذي يعمله الناس، ومعنى جوابه: أن فائدة العمل الصالح أنه عنوان على العاقبة الحسنة.
وذُكر مقابله وهو العمل السيئ إتماماً للفائدة ولا علاقة له بالجواب.
وليس مجازه مماثلاً لما استعمل في هذه الآية لأنه في الحديث علق به عمل أهل السعادة فتعين أن يكون تيسيراً للعمل، أي إعداداً وتهيئة للأعمال صالحها أو سيئها.
فالذي يرتبط بالآية من اللفظ النبوي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أعقب كلامه بأن قرأ: ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ الآية لأنه قرأها تبييناً واستدلالاً لكلامه فكان للآية تعلق بالكلام النبوي ومَحَلّ الاستدلال هو قوله تعالى: ﴿ فسنيسره ﴾ .
فالمقصود منه إثبات أن من شؤون الله تعالى تيسراً للعبد أن يعمل بعمل السعادة أو عمل الشقاء سواء كان عمله أصلاً للسعادة كالإيمان أو للشقاوة كالكفر، أم كان للعمل مما يزيد السعادة ويُنقص من الشقاوة وذلك بمقدار الأعمال الصالحة لمن كان مؤمناً لأن ثبوت أحد معنَيَي التيسير يدل على ثبوت جنسه فيصلح دليلاً لثبوت التيسير مِن أصله.
أو يكون المقصود من سوق الآية الاستدلال على قوله: «اعملوا» لأن الآية ذكرت عملاً وذكرت تيسيراً لليسرى وتيسيراً للعسرى، فيكون الحديث إشارة إلى أن العمل هو علامة التيسير وتكون اليسرى معنياً بها السعادة والعسرى معنياً بها الشقاوة، وما صدْق السعادة الفوز بالجنة، وما صدْقَ الشقاوة الهُويُّ في النار.
وإذ كان الوعدُ بتيسير اليُسرى لصاحب تلك الصلات الدالة على أعمال الإِعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى كان سلوك طريق الموصولية للإِيماء إلى وجه بناء الخبر وهو التيسير فتعين أن التيسير مسبب عن تلك الصلات، أي جزاءٌ عن فعلها: فالمتيسر: تيسير الدوام عليها، وتكون اليسرى صفة للأعمال، وذلك من الإِظهار في مقام الإِضمار.
والأصل: مستيسر له أعمالَه، وعدل عن الإِضمار إلى وصف اليسرى للثناء على تلك الأعمال بأنها مُيسرة من الله كقوله تعالى: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ في سورة الأعلى (8).
وخلاصة الحديث أنه بيان للفرق بين تعلق علم الله بأعمال عباده قبل أن يعملوها، وبين تعلُّق خطابه إياهم بشرائعه، وأن ما يصدر عن الناس من أعمال ظاهرة وباطنة إلى خاتمة كل أحد وموافاته هو عنوان للناس على ما كان قد علمه الله، ويلتقي المهيعان في أن العمل هو وسيلة الحصول على الجنة أو الوقوع في جهنم.
وإنما خص الإِعطاء بالذِكْر في قوله: ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ مع شمول ﴿ اتقى ﴾ لمفاده، وخص البخل بالذكر في قوله: ﴿ وأما من بخل واستغنى ﴾ مع شمول ﴿ استغنى ﴾ له، لتحريض المسلمين على الإِعطاء، فالإِعطاء والتقوى شعار المسلمين مع التصديق بالحسنى وضد الثلاثة من شعار المشركين.
وفي الآية محسن الجمع مع التقسيم، ومحسن الطباق، أربع مرات بين ﴿ أعطى ﴾ و ﴿ بخل ﴾ ، وبين ﴿ اتقى ﴾ ، و ﴿ استغنى ﴾ ، وبين و ﴿ صدق ﴾ و ﴿ كذب ﴾ وبين «اليسرى» و«العسرى».
وجملة: ﴿ وما يغني عنه ماله إذا تردى ﴾ عطف على جملة ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ أي سنعجل به إلى جهنم.
فالتقدير: إذا تردّى فيها.
والتردّي: السقوط من علوّ إلى سفل، يعني: لا يغني عنه ماله الذي بخل به شيئاً من عذاب النار.
و ﴿ مَا ﴾ يجوز أن تكون نافية.
والتقدير: وسَوْف لا يغني عنه ماله إذا سقط في جهنم، وتحتمل أن تكون استفهامية وهو استفهام إنكار وتوبيخ.
ويجوز على هذا الوجه أن تكون الواو للاستئناف.
والمعنى: وما يغني عنه ماله الذي بخل به.
رَوى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس: «أنه كانت لرجل من المنافقين نخلة مائلة في دار رجل مسلم ذي عيال فإذا سقط منها ثمرٌ أكله صبيةٌ لذلك المسلم فكان صاحب النخلة ينزع من أيديهم الثمرة، فشكا المسلم ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلم النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة أن يتركها لهم وله بها نخلة في الجنة فلم يفعل، وسمع ذلك أبو الدحداح الأنصاري فاشترى تلك النخلة من صاحبها بحائط فيه أربعون نخلة وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله اشترِها مني بنخلة في الجنة فقال: نعم والذي نفسي بيده، فأعطاها الرجلَ صاحب الصبية " قال عكرمة قال ابن عباس: فأنزل الله تعالى: ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [الليل: 1] إلى قوله: ﴿ للعسرى ﴾ وهو حديث غريب، ومن أجل قول ابن عباس: فأنزل الله تعالى: ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال جماعة: السورة مدنية وقد بينا في المقدمة الخامسة أنه كثيراً ما يقع في كلام المتقدمين قولهم: فأنزل الله في كذا قوله كذا، أنهم يريدون به أن القصّة ممّا تشمله الآية.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كمْ من عَذْق رَدَاحْ في الجنة لأبي الدحداح " ولمح إليها بشار بن برد في قوله: إن النُحيلة إذْ يميل بها الهوى *** كالعَذق مال على أبي الدحداح <div class="verse-tafsir"
سُورَةُ اللَّيْلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: غَطّى وسَتَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: إذا غَشّى الخَلائِقَ فَعَمَّهم ومَلَأهم، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا قَسَمٌ.
﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا أضاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: إذا ظَهَرَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إذا أظْهَرَ ما فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وهَذا قَسَمٌ ثانٍ.
﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ واَلَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ هَذا قَسَمًا بِنَفْسِهِ تَعالى.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: وهو أشْبَهُ مِن قَوْلِ الحَسَنِ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ وما خَلَقَ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، فَتَكُونُ (مَن) مُضْمَرَةَ المَعْنى مَحْذُوفَةَ اللَّفْظِ، ومَيَّزَهم بِخَلْقِهِمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى عَنِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ يُخْلَقُوا مَن ذَكَرٍ وأُنْثى، ويَكُونُ القَسَمُ بِأهْلِ طاعَتِهِ مِن أوْلِيائِهِ وأنْبِيائِهِ، ويَكُونُ قَسَمُهُ بِهِمْ تَكْرِمَةً لَهم وتَشْرِيفًا.
وَفي المُرادِ بِالذَّكَرِ والأُنْثى قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: مِن كُلِّ ذِكْرٍ وأُنْثى.
فَإنْ حُمِلَ عَلى قَوْلِ الحَسَنِ فَكُلُّ ذَكَرٍ وأُنْثى مِن آدَمِيٍّ وبَهِيمَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَمِيعَهم.
وَإنْ حُمِلَ عَلى التَّخْرِيجِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ أظْهَرُ، فَكُلُّ ذَكَرٍ وأُنْثى مِنَ الآدَمِيِّينَ دُونَ البَهائِمِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِوِلايَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وهَذا قَسَمٌ ثالِثٌ: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ أيْ مُخْتَلِفٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمُخْتَلِفُ الجَزاءِ، فَمِنكم مُثابٌ بِالجَنَّةِ، ومِنكم مُعاقَبٌ بِالنّارِ.
الثّانِي: لَمُخْتَلِفُ الأفْعالِ، مِنكم مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وبَرٌّ وفاجِرٌ، ومُطِيعٌ وعاصٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَمُخْتَلِفُ الأخْلاقِ، فَمِنكم راحِمٌ وقاسٍ، وحَلِيمٌ وطائِشٌ، وجَوّادٌ وبَخِيلٌ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ.
وَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي أُمَيَّةٍ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ حِينَ عَذَّبا بِلالًا عَلى إسْلامِهِ، فاشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ، ووَفّى ثَمَنَهُ بُرْدَةً وعَشْرَ أوْراقٍ، وأعْتَقَهُ لِلَّهِ تَعالى، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ.
﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَعْنِي أبا بَكْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ أعْطى ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن بَذْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: بِمَوْعُودِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: بِالجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: بِالثَّوابِ، قالَهُ خَصِيفٌ.
الخامِسُ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
السّادِسُ: بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
السّابِعُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومَعانِي أكْثَرِها مُتَقارِبَةٌ.
﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ أسْبابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ حَتّى يَسْهُلَ عَلَيْهِ فِعْلُها.
﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ بَخِلَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَخِلَ بِمالِهِ الَّذِي لا يَبْقى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ واسْتَغْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمالِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: عَنْ رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَكَذَّبَ بِالحُسْنى ﴾ فِيهِ التَّأْوِيلاتُ السَّبْعَةُ.
﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِلنّارِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَسَنُعْسِّرُ عَلَيْهِ أسْبابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ حَتّى يَصْعُبَ عَلَيْهِ فِعْلُها فَعِنْدَ نُزُولِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَرْوِي قَتادَةُ عَنْ خُلَيْدٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلّا ومَلَكانِ يُنادِيانِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها)» .
﴿ وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في النّارِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إذا تَرَدّى في ضَلالِهِ وهَوى في مَعاصِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ب ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ ونحوها.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس: «أن رجلاً كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، فكان الرجل إذا جاء فدخل الدار فصعد إلى النخلة ليأخذ منها الثمرة فربما تقع ثمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل من نخلته، فيأخذ الثمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يخرج الثمرة من فيه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب ولقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة.
فقال له: أعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة.
فقال له الرجل: لقد أعطيت وإن لي لنخلاً كثيراً وما فيه نخل أعجب إلي ثمرة منها.
ثم ذهب الرجل ولقي رجلاً كان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب النخلة، فأتى رسول الله: فقال أعطني ما أعطيت الرجل إن أنا أخذتها.
قال: نعم، فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة ولكليهما نخل فقال له صاحب النخلة: أشعرت أن محمداً أعطاني بنخلتي المائلة إلى دار فلان نخلة في الجنة، فقلت: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، ولي نخل كثير ما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها، فقال له الآخر: أتريد بيعها؟
فقال: لا إلا أن أعطي بها ما أريد، ولا أظن أعطى.
قال: فكم تؤمل فيها؟
قال: أربعين نخلة، فقال له الرجل: لقد جئت بأمر عظيم تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة.
ثم سكت عنه فقال: أنا أعطيك أربعين نخلة فقال له: أشهد إن كنت صادقاً.
فأشهد له بأربعين نخلة بنخلته المائلة، فمكث ساعة ثم قال: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق.
فقال له الرجل: ولست بأحق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة.
فقال له: أعطيك على أن تعطيني كما أريد تعطينيها على ساق.
فسكت عنه ثم قال: هي لك على ساق.
قال: ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله إن النخلة قد صارت لي فهي لك.
فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الدار فقال: النخلة لك ولعيالك.
فأنزل الله: ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ » إلى آخر السورة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إني لأقول هذه السورة نزلت في السماحة والبخل ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال: إذا أظلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال: إذا أقبل فغطى كل شيء.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن علقمة أنه قدم الشام فجلس إلى أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء ممن أنت؟
قال: من أهل الكوفة.
قال: كيف سمعت عبد الله يقرأ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال: علقمة: ﴿ والذكر والأنثى ﴾ فقال أبو الدرداء: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا.
وهؤلاء يريدوني على أني أقرؤها: ﴿ خلق الذكر والأنثى ﴾ والله لا أتابعهم.
وأخرج البخاري في تاريخ بغداد من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت إلا ثمانية عشر حرفاً أخذها من قراءة عبد الله بن مسعود وقال ابن عباس ما يسرني أني تركت هذه الحروف ولو ملئت لي الدنيا ذهبة حمراء منها حرف في البقرة: ﴿ من بقلها وقثائها وثومها ﴾ .
بالثاء وفي الأعراف: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم قبلك من رسلنا ولنسألن المرسلين ﴾ وفي براءة ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ .
وفي إبراهيم: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ وفي الأنبياء: ﴿ وكنا لحكمهم شاهدين ﴾ ، وفيها: ﴿ وهم من كل جدث ينسلون ﴾ وفي الحج ﴿ يأتون من كل فج سحيق ﴾ وفي الشعراء: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الجاهلين ﴾ ، وفي النمل: ﴿ اعبد رب هذه البلدة التي حرمها ﴾ وفي الصافات: ﴿ فلما سلما وتله للجبين ﴾ وفي الفتح: ﴿ وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ﴾ بالتاء وفي النجم: ﴿ ولقد جاء من ربكم الهدى ﴾ وفيها: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ وفي الحديد: ﴿ لكي يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء ﴾ وفي ن: ﴿ لولا أن تداركته نعمة من ربه ﴾ على التأنيث وفي إذا الشمس كوّرت: ﴿ وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت ﴾ وفيها: ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ وفي الليل: ﴿ والذكر والأنثى ﴾ قال: هو قسم فلا تقطعوه.
وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق قال؛ في قراءة عبد الله: ﴿ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه كان يقرؤها ﴿ وما خلق الذكر والأنثى ﴾ يقول: والذي خلق الذكر والأنثى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ إن سعيكم ﴾ قال: السعي العمل.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: وقع القسم هاهنا ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ يقول: مختلف.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود أن أبا بكر الصديق اشترى بلالاً من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله، فأنزل الله: ﴿ والليل إذا يغشى إن سعيكم لشتى ﴾ سعي أبي بكر وأمية وأبي إلى قوله: ﴿ وكذب بالحسنى ﴾ قال: لا إله إلا الله إلى قوله: ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ قال: النار.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأما من أعطى ﴾ من الفضل ﴿ واتقى ﴾ قال: اتقى ربه ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: صدق بالخلف من الله ﴿ فسنيسره لليسرى ﴾ قال: الخير من الله ﴿ وأما من بخل واستغنى ﴾ قال: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿ وكذب بالحسنى ﴾ قال: بالخلف من الله ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ قال: للشر من الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فأما من أعطى ﴾ قال: أعطى حق الله عليه ﴿ واتقى ﴾ محارم الله ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: بموعود الله على نفسه ﴿ وأما من بخل ﴾ قال: بحق الله عليه ﴿ واستغنى ﴾ في نفسه عن ربه ﴿ وكذب بالحسنى ﴾ قال: بموعود الله الذي وعد.
وأخرج ابن جرير من طرق عن ابن عباس ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: أيقن بالخلف.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ يقول صدق بلا إله ألا الله ﴿ وأما من بخل واستغنى ﴾ يقول: من أغناه الله فبخل بالزكاة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: بلا إله إلا الله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: بالجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ فسنيسره لليسرى ﴾ قال: الجنة.
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإِسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك.
قال: أي أبت إنما أريد ما عند الله.
قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر في طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ﴾ قال: أبو بكر الصديق ﴿ وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ﴾ قال: أبو سفيان بن حرب.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه وابن جرير عن علي بن أبي طالب قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا، يا رسول الله أفلا نتكل؟
قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ إلى قوله: ﴿ للعسرى ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ [ القمر: 49] قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل أفي شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر نيسره لليسرى ونيسره للعسرى» .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إذا تردّى ﴾ قال: إذا تردى ودخل في النار نزلت في أبي جهل.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول عدي بن زيد: خطفته منية فتردى ** وهو في الملك يأمل التعميرا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ إذا تردى ﴾ قال: في النار.
وأخرج ابن أبي شيبة ﴿ وما يغني عنه ماله إذا تردى ﴾ قال: في النار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا تردى ﴾ قال: إذا مات وفي قوله: ﴿ ناراً تلظى ﴾ قال: توهج.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن علينا للهدى ﴾ يقول: على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.
وأخرج سعيد بن منصور والفراء والبيهقي في سننه بسند صحيح عن عبيد بن عمير أنه قرأ: ﴿ فأنذرتكم ناراً تتلظى ﴾ بالتاءين.
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: لتدخلن الجنة إلا من يأبى.
قالوا ومن يأبى أن يدخل الجنة؟
فقرأ ﴿ الذي كذب وتولى ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله الجنة إلا من شرد على الله كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يصدقني فإن الله تعالى يقول: ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ﴾ يقول: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتولى عنه.
وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شرد البعير على أهله» .
وأخرج أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى.
قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟
قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إلا شقيّ.
قيل: ومن الشقي؟
قال: الذي لا يعمل لله بطاعة ولا يترك لله معصية» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وابنتها وزنيرة وأم عيسى وأمة بني المؤمل، وفيه نزلت ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج أحمد ومسلم وابن حبان والطبراني وابن مردويه عن جابر بن عبد الله: «أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله أفي أي شيء نعمل؟
أفي شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت فيه الأقلام أم في شيء نستقبل فيه العمل؟
قال: بل في شيء ثبتت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام.
قال سراقة: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟
قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ إلى قوله: ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ » .
وأخرج ابن قانع وابن شاهين وعبدان كلهم في الصحابة عن بشير بن كعب الأسلمي «أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم العمل قال: فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، فاعملوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ﴾ » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقاباً ضعافاً فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك، فقال: يا أبت إنما أريد وجه الله، فنزلت هذه الآية فيه: ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ إلى قوله: ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ﴾ .
وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن عديّ وابن مردويه وابن عساكر من وجه آخر عن عامر بن الزبير عن أبيه قال: نزلت هذه الآية ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ﴾ في أبي بكر الصديق.
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال: نزلت ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى ﴾ في أبي بكر أعتق ناساً لم يلتمس منهم جزاء ولا شكوراً ستة أو سبعة منهم بلال وعامر بن فهيرة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ قال: هو أبو بكر الصديق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى ﴾ يقول: ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم إنما عطيته لله.
(قوله تعالى) (١) ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ فسنهيئه لعمل الخير، وهو معنى قول ابن عباس: نيسر له أعمال الخير (٢) وقال الكلبي، و (مقاتل (٣) (٤) (٥) ومعنى اليسرى: الخلة اليسرى (٦) (٧) (٨) قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق - - (٩) (١٠) (١) ساقط من (أ).
(٢) ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" 6/ 288، و"زاد المسير" 8/ 263، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 554، و"شعب الإيمان" 7/ 422 ح: 10825.
(٣) لم أعثر على مصدر لقولهما.
(٤) ساقط من (أ).
(٥) "معاني القرآن" 31/ 270 بنصه.
(٦) في (أ): (الخل اليسرا).
(٧) ما بين القوسين من قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 335.
(٨) بمعنى هذا القول: ذهب الطبري في: "جامع البيان" 30/ 211، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، والماوردي في:"النكت والعيون" 6/ 288.
(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٠) ورد معنى هذه الآية من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض أهله عند الطبري في "جامع البيان" 30/ 211، وكذلك "الدر المنثور" 8/ 535 - 536، وعزاه إلى ابن عساكر، وانظر أيضًا: "أسباب النزول" تح.
أيمن صالح ص 391، وقال عنه: صحيح صححه الحاكم، وقال عصام الحميدان: وإسناده حسن بشواهده، أسباب النزول: 456، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند الحاكم.
وانظر شواهده في: "لباب النقول" 230، و"فتح القدير" 5/ 454، كما خرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 525 - 526، كتاب التفسير: تفسير سورة الليل: وقال صحيح، وسكت عنه الذهبي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والليل إِذَا يغشى ﴾ أي يغطي وحذف المفعول وهو الشمس لقوله: ﴿ والليل إِذَا يغشى ﴾ أو النهار لقوله: ﴿ يُغْشِي اليل النهار ﴾ [الأعراف: 54] أوكل شيء يستره الليل ﴿ والنهار إِذَا تجلى ﴾ أي ظهر وتبين والنهار من طلوع الشمس واليوم من طلوع الفجر ﴿ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى ﴾ ما بمعنى من والمراد بها الله تعالى وعدل عن من لقصد الوصف كأنه قال: والقدر الذي خلق الذكر والأنثى وقيل: هي مصدرية وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والذكر والأنثى ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى ﴾ هذا جواب القسم ومعناه إن عملكم مختلف فمنه حسنات ومنه سيئات، وشتى جمع شتيت ﴿ فَأَمَّا مَنْ أعطى ﴾ أي أعطى ماله في الزكاة والصدقة وشبه ذلك، أو أعطى حقوق الله من طاعته في جميع الأشياء واتقى الله ﴿ وَصَدَّقَ بالحسنى ﴾ أي بالخصلة الحسنة وهي الإسلام، ولذلك عبّر عنها بعضهم بأنها لا إله إلا الله، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، وقيل: يعني الأجر والثواب على الاطلاق، وقيل: يعني الخلف على المنفق ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى ﴾ أي نهيؤه للطريقة اليسرى، وهي فعل الخيرات وترك السيئات وضد ذلك تيسيره للعسرى ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اعلموا فكل ميسر لما خلق له» أي يهيؤه الله لما قدر له ويسهل عليه فعل الخيرات أو الشر ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى ﴾ أي بخل بماله أو بطاعة الله على الاطلاق فيحتمل الوجهين؛ لأنه في مقابلة أعطى، كما أن استغنى في مقابلة اتقى، وكذلك كذب بالحسنى في مقابلة صدق بالحسنى، ونيسره للعسرى في مقابلة نيسره لليسرى، ومعنى استغنى: استغنى عن الله فلم يطعه واستغنى بالدنيا عن الآخر، ونزلت آية المدح في أبي بكر الصديق، لأنه أنفق ماله في مرضات الله، وكان يشتري من أسلم من العبيد فيعتقهم، وقيل نزلت في أبي الدحداح، وهذا ضعيف، لأنها مكية وإنما أسلم أبو الدحداح في المدينة، وقيل: إن آية الذم نزلت في أبي سفيان بن حرب، وهذا ضعيف لقوله: فسنيسره للعسرى وقد أسلم أبو سفيان بعد ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ناراً تلظى ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.
الوقوف: ﴿ يغشى ﴾ ه لا ﴿ تجلى ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه لا ﴿ لشتى ﴾ ه ط ﴿ واتقى ﴾ ه لا ﴿ بالحسنى ﴾ ه لا ﴿ لليسرى ﴾ ه ط ﴿ واستغنى ﴾ ه لا ﴿ بالحسنى ﴾ ه لا ﴿ للعسرى ﴾ ط ﴿ تردّى ﴾ ه ط ﴿ للهدى ﴾ ه ز للعطف مع رعاية جانب " أنّ " والوصل أجوز لإتمام الكلام ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ تلظى ﴾ ه ج لأن ما بعده صفة أو استئناف ﴿ الأشقى ﴾ ه لا ﴿ وتولى ﴾ ه ط ﴿ الأتقى ﴾ ه لا ﴿ يتزكى ﴾ ه ج لأن ما بعده استئناف أو حال ﴿ تجزى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ يرضى ﴾ ه.
التفسير: هذه السورة نزلت باتفاق كثير من المفسرين في أبي بكر وفي أبي سفيان ابن حرب أو أمية بن خلف، إلا أن المعنى على العموم لقوله ﴿ إن سعيكم لشتى فأنذرتكم ﴾ ومفعول ﴿ يغشى ﴾ محذوف وهو إما الشمس كقوله ﴿ والليل إذا يغشاها ﴾ أو النهار أ كل شيء يمكن تواريه بالظلام.
أقسم بالليل والنهار اللذين بتعاقبهما يتم أمر المعاش والراحة مع أنهما آيتان في أنفسهما.
ومعنى ﴿ تجلى ﴾ ظهر بزوال ظلمة الليل وتبين بطلوع الشمس ثم بذاته الذي خلق كل شيء ذي روح لأن الروح إما ذكر أو أنثى، والخنثى المشكل معين في علم الله وإن كان مبهماً في علمنا ولهذا قال الفقهاء: لو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكراً ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلاً حنث.
وقيل: هما آدم وحواء ﴿ شتى ﴾ جمع شتيت وهو المتفرق المختلف.
ثم بين اختلاف الأعمال في ذاتها وفيما يرجع إليها في العاقبة من الثواب والعقاب أو التوفيق والخذلان.
"عن علي رضي الله عنه أنه قال: خرجنا مع رسول الله في جنازة فقعد رسول الله وقعدنا حوله فقال ما منكم نفس منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة والنار.
فقلنا: يا رسول الله أفلا نتكل؟
قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ ﴿ فأمّا من أعطى ﴾ " يعني حقوق ما له ﴿ واتقى ﴾ المحارم ﴿ وصدّق ﴾ بالخصلة الحسنى وهي الإيمان أو كلمة الشهادة أو بالملة الحسنى أوبالمثوبة ﴿ فسنيسره ﴾ فسنهيئه للطريق اليسرى.
يقال يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها.
ومعنى استغنى أنه رغب عما عند الله كأنه مستغن، أو استغنى باللذات العاجلة عن الآجلة.
والتحقيق فيه أن الأعمال الفاضلة إذا واظب المكلف عليها حصلت في نفسه ملكة نورانية تسهل عليه سلوك سبيل الخيرات حتى يصير التكليف طبعاً.
والتعب راحة والتكليف عادة، ولأن هذه الملكة تحصل بالتدريج فلا جرم أدخل الفاء في ﴿ فسنيسره ﴾ ومن فسر اليسرى بالجنة فمعنى الاستقبال عنده واضح.
والرذائل بالضد حتى تصير النفس من الكسل بحيث لا تواتي صاحبها إلا في مواجب الكسل وجذب الراحات العاجلة كقوله ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ ويقرب مما ذكرنا قول القفال: كل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة فإن ذلك من اليسرى وذلك وصف كل الطاعات، وكل ما أدّت عاقبته إلى عسر وتعب فهو من العسرى وذلك وصف كل المعاصي، ومن جملة اليسرى الجنة ومن جملة العسرى النار.
استدل بعض الأشاعرة بقوله ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ على أنه قد يخلق القبائح في المكلف ويقوي دواعيه على فعلها.
والمعتزلة عبروا عن هذا التيسير بالخذلان وعن الأول بمنح الألطاف والتوفيق.
ثم وبخ هذا الكافر بقوله ﴿ وما يغني عنه ماله ﴾ وهو استفهام في معنى النفي أي لا ينفعه ماله الذي بخل به ﴿ إذا تردّى ﴾ أي مات من الردى وهو الهلاك.
ويجوز أن يكون من قولهم " تردّى من الجبل" أي تردّى من الحفرة في القبر أو في قعر جهنم.
استدل المعتزلة بقوله ﴿ إن علينا للهدى ﴾ على أنه أزاح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في سعته وطاقته، وعلى أنه يجب على الله الهداية، وعلى أن العبد لو لم يكن مستقلاً بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة.
وأجوبة أهل السنة عن المسائل الثلاث معلومة.
ونقل الواحدي عن الفراء وجهاً آخر وهو أن المراد إن علينا للهدى والإضلال فاقتصر كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ وأكدوا ذلك بما روي عن ابن عباس في رواية عطاء أن معنى الآية أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي.
ثم بين بقوله ﴿ وإن لنا للآخرة والأولى ﴾ أن لله كل ما في الدنيا والآخرة فلا يضره عصيان العاصين ولا ينفعه طاعة المطيعين، وإنما يعود ضره أو نفعه إليهم.
ويمكن أن يراد أن سعادة الدارين تتعلق بمشيئته وإرادته فيعطي الهداية من يشاء ويمنعها من يشاء.
والأول أوفق للمعتزلة والثاني للأشاعرة.
ثم ذكر نتيجة المواعظ المذكورة قائلاً ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى ﴾ يعني إذا عرفتم هذه البيانات الوافية والتقريرات الشافية فقد صح إني أنذرتكم، ويجوز أن يراد بالمضيّ تحقق الوقوع.
والمعنى على الاستقبال أي إذا تقررت مراتب النفوس الإنسانية وعرفتم درجاتها ودركاتها فإني أنذرتكم ناراً تلظى تتلهب وتتوقد وأصله تتلظى حذف إحدى التاءين.
ثم إن كان المراد بالأشقى هو أبو سفيان أو أمية وبالأتقى هو أبو بكر فلا إشكال وتتناول الآية غيرهما من الأشقياء والأتقياء بالتبعية إذ لا عبرة بخصوص السبب، وإن كان المراد أعم فإن أريد بهم الشقي والتقي فلا إشكال أيضاً، وإن أريد حقيقة أفعل التفضيل فإما أن يراد نار مخصوصة بدلالة التنكير، وإما أن يراد بالأشقى الكافر على الإطلاق لأنه أشقى من الفاسق.
وأما الكلام في الأتقى فنقول: إنه لا يلزم من تخصيصه بالذكر نفي ما عداه.
قال جار الله: هذا الكلام وارد على سبيل المبالغة فجعل الأشقى مختصاً بالصلى كأن النار لم تخلق إلا له، وجعل الأتقى مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له.
وقوله ﴿ يتزكى ﴾ أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً، أو هو من الزكاة لا محل له لأنه بدل من ﴿ يؤتى ﴾ والصلة لا محل لها لأنها كبعض الكلمة، أو هو منصوب المحل على الحال.
قال بعض المفسرين: إن بلالاً كان يعذب في الله وهو يقول أحد أحد، فسمع بذلك أبو بكر فحمل رطلاً من ذهب فابتاعه به فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده فنزل ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء ﴾ قال أكثر النحويين: هذا الاستثناء منقطع لأن الابتغاء ليس من جنس النعمة.
وقال الفراء: وهو مفعول له من ﴿ يؤتى ﴾ على المعنى أي لا ينفق ماله إلا ابتغاء رضوان الله لا لمكافأة نعمة ﴿ ولسوف يرضى ﴾ عن الله أو يرضى الله عنه فيكون راضياً مرضياً.
واعلم أن بعض الشيعة زعموا أن السورة نزلت في عليّ لقوله ﴿ يتزكى ﴾ لأنه قال في موضع آخر ﴿ ويؤتون الزكاة وهم راكعون ﴾ وقال بعض أهل السنة: إنها تدل على أفضلية أبي بكر لأنه قال في وصف عليّ وسائر أهل البيت م ﴿ ويطعمون الطعام ﴾ إلى قوله ﴿ إنا نخاف ﴾ وذكر في صفة أبي بكر أنه لا ينفق إلا لوجه الله من غير شائبة رغبة أو رهبة، وهذا المقام أعلى وأجل.
وعندي أن أمثال هذه الدلائل لا تصلح لترجيح أكابر الصحابة بعضهم على بعض، وأن نزول هذه السورة في الشخص الفلاني مبني على الرواية فلا سبيل للاستدلال إليه، وإليه المرجع والمآب والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ﴾ جعل الله - - الليل والنهار آيتين عظيمتين ظاهرتين مكررتين على الخلائق ما يعرف [كل] كافر ومؤمن، وجميع أهل التنازع الذين ينازعون أهل الإيمان والتوحيد من الجبابرة والفراعنة.
والقسم بالليل والنهار، القسم بقوله: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ واحد.
وقد ذكرنا أن القسم إنما ذكر في تأكيد ما يقع به القسم، ما لولا القسم كان ذلك يوجب دون القسم؛ وذلك لعظم ما فيهما؛ تى قهرا جميع الفراعنة والجبابرة، وغلبا عليهم في إتيانهما وذهابهما، حتى أن من أراد منهم دفع هذا ومجيء هذا، ما قدروا عليه.
وفيهما دلالة وحدانية الله - - وألوهيته، وقدرته، وسلطانه، وعلمه، وتدبيره، وحكمته: أما دلالة وحدانيته وألوهيته: اتساقهما وجريانهما على حد واحد وسنن واحد مذ كانا وأنشئا من الظلمة والنور، والزيادة والنقصان؛ فدل جريانهما على ما ذكرنا أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا جاء هذا، وغلب الآخر، دامت غلبته عليه، وكذلك الآخر يكون مغلوبا أبدا، والآخر غالبا؛ فإذا لم يكن ذلك، دل أنه فعل واحد.
ويدل - أيضا - على أن ليس ذلك عمل النور والظلمة، على ما تقوله الثنوية.
ودل اتصال منافع أحدهما بمنافع الآخر على [أن] ذلك علم واحد لا عدد.
ودل اتساق ما ذكرنا، ودوامهما على حد واحد على الاستواء أن منشئهما مدبر عليهم، عن تدبير وعلم خرج ذلك لا على الجزاف بلا تدبير.
ودل مجيء كل واحد منهما بطرفة عين على أن منشئهما قادر لا يعجزه شيء من بعث ولا غيره.
ودل ما ذكرنا أن فاعل ذلك حكيم، على حكمة خرج فعله، لا يحتمل أن تركهم سدى لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم بأمور.
وكذلك جعل فيما ذكر من الذكر والأنثى من الدلالات والآيات من الازدواج والتوالد والتناسل وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ ﴾ : قال بعضهم: إن حرف (ما) متى قرن بالفعل الماضي، صار بمعنى المصدر؛ كأنه قال: وخلق الذكر والأنثى؛ فيكون قسما بجميع الخلائق، إذ لا يخلو شيء من أن يكون ذكرا وأنثى.
وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - -: (والذكرِ والأنثى)، وكذلك روي عن رسول الله أنه قرأ كذلك.
وقال بعضهم: (ما) هاهنا بمعنى "الذي"؛ كأنه قال: والذي خلق الذكر والأنثى؛ فيكون على هذا الوجه القسم بالله ، وعلى التأويل الأول بالذكر والأنثى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ : قالوا: على هذا وقع القسم، فإن قيل: إن كلا يعلم من كافر ومؤمن أن سعيهم لمختلف؛ فما الحكمة والفائدة من ذكر القسم على ما يعلم كل ذلك؟
فالوجه فيه - والله أعلم -: [أن] ما يقع لهم بالسعي، وما يستوجبون به لمختلف في الآخرة، وهو جزاء السعي؛ كأنه قال: إن جزاء سعيكم وثوابه لمختلف، وذلكأ نهم كانوا يقولون: إن كانت دار أخرى على ما يقوله محمد - عليه الصلاة والسلام - فنحن أحق بها من أتباع محمد كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ .
أو يكون قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ ؛ لأن المعطي في الشاهد ينفع غيره، ويضر نفسه في الظاهر، والممسك ينفع نفسه، ثم المعطي محمود عند الناس؛ فلو لم يكن عاقبة ينتفع المعطي بما أعطى، ويضر البخيل المنع، لكان الناس بما حمدوا هذا وذموا الآخر سفهاء؛ فدل أن العاقبة هي التي تصير هذا محمودا.
ولأن الخلق جميعا من مسلم وكافر، ومحسن ومسيء، قد استووا في نعم هذه الدنيا ولذاتها مما ذكرنا من ممر الليل والنهار [و] مما يخلق فيها من النبات والثممار والعيون والأشجار، فإذا وقع الاستواء في هذه الدار، وبه وردت الأخبار عن النبي المختار أن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار - لا بد من دار أخرى للأشيقيا والأبرار؛ ليقع بها التفاوت [بين الأبرار] والأشرار، والنافع منهم نفسه والضار، وإذا ثبت أنهما استويا في منافع الليل والنهار، وجميع ما في الدنيا من الأنزال وغيرها، فإذا وقع الاستواء بينهم في الدنيا لا بد من دار أخرى [فيها] يقع التفاوت والتفاضل بينهم، وفيها يميز بين ما ذكرنا.
ثم بين أن السعي الذي يقع الجزاء له مختلف، ما ذكر بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، وهو يخرج على وجوه: يحتمل ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ﴾ ، أي: أعطى ما أمره به، واتقى عصيانه وكفرانه نعمه، أو اتقى المنع، أو من أعطى التوحيد لله - - من نفسه، واتقى الشرك والكفران لنعمه، وصدق بموعود الله - -: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ : للأعمال والشرائع؛ إذ نشرح صدره للتوحيد والإسلام ونيسره عليه.
﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، ولم يأت بالتوحيد، ﴿ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾ عن الله - - بما عنده، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بموعود الله ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ ؛ لما بعده من الأعمال، والله أعلم.
والثاني: في حق القبول والعزم على وفاء ذلك بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ ﴾ ، أي: قبل الإعطاء، وعز على وفاء ذلك، ﴿ وَٱتَّقَىٰ ﴾ ، أي: عزم [على] اتقاء معاصي الله - - ومحارمه.
﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: بموعوده؛ ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، أي: سنيسره لوفاء ما عزم [عليه]، ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، اي: عزم على البخل والمنع بذلك، ﴿ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾ بالذي له وعنده، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بموعود الله ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ ﴾ لوفاء ما عزم [عليه] من الخلاف لله والمعصية له.
وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله أنه سئل عن ذلك؛ فقال: "كل ميسر لما خلق له" ، أو قال: "كل ميسر لما عمل" والثالث: يخرج على حقيقة إعطاء ما وجب من الحق في المال وحقيقة المنع؛ يقول: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ ﴾ ما وجب من حق الله - - في ماله، ﴿ وَٱتَّقَىٰ ﴾ نقمة الله ومقته وعذابه، ﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: بموعود الله ، ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ في الخيرات والطاعات.
﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، أي: منع حق الله - - الذي في ماله، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بالذي وعد على ذلك، ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ ي الإفضاء إلى ما وعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ ﴾ : قيل: إذا هلك ومات، أو تردى في النار.
وفي ظاهر قوله - -: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ ﴾ دلالة على أن الآية في حقيقة الإعطاء من المال والمنع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، قال بعضهم: بالجنة.
وقيل: بشهادة: أن لا إله إلا الله.
وقيل: بالخلف على ما أنفق.
وجائز أن تكون "اليسرى" اسم للجنة وكذلك "الحسنى".
و"العسرى" و"السوءى": النار.
ويحتمل أن تكون "اليسرى" اسما لكل ما طاب وحسن من العمل، و"العسرى": ما خبث، وقبح من العمل.
ومنهم من قال: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - - لأنه اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة أواقٍ، فأعتقه لله - - فأنزل الله : ﴿ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ...
﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ ، يعني: سعي أبي بكر وأمية وأبي.
وذكر إلى آخر السورة: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ : أبو بكر، ، ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ : أمية بن خلف، وأبي بن خلف؛ يرويه عبد الله بن مسعود، .
<div class="verse-tafsir"
فسنُسَهِّل عليه العمل الصالح، والإنفاق في سبيل الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.oWwvL"
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ يبتدئ في هذه السورة بأن يقسم بالليل، وهو الظلمة، لأنها الأنسب بما ختمت به السورة السابقة من الدمدمة وإطباق العذاب، ولأنها أليق بما عليه سعي أغلب الناس الذي سيذكر في قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ والتعبير في الغشيان بالمضارع لما سبق من عروض الظلمة لأصل النور الذي هو أكمل مظاهر الوجود، حتى عبر به عن الوجود نفسه، أما (تجلي النهار) فهو لازم له، لهذا عبر عنه بالماضي، كما سبق بيانه.
﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾ الذي خلف الذكر والأنثى هو الله سبحانه، وعبر عنه بما إلفاتًا لنظر المخاطبين إليه من حيث هو سبب موجود فقط، حتى لا يبادر منكر الألوهية إلى الانصراف عن الخطاب بمجرد الشعور بأن المتكلم يذكر له من صفات الله العلية ما لا يعتقده -كما أشرنا إليه في تفسير السورة السابقة- وإنما أقسم بذاته بهذا العنوان لما فيه من الأشعار بصفة العلم المحيط بدقائق المادة وما فيها، والإشارة إلى الإبداع في الصنع، إذ لا يعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى في الحيوان يحصل بمحض الاتفاق من طبيعة لا شعور لها بما تفعل كما يزعم بعض الجاحدين، فإن الأجزاء الأصلية في المادة متساوية النسب إلى كون الذكر أو كون الأنثى.
فتكوين الولد من عناصر واحدة -تارة ذكرًا وتارة أنثى- دليل على أن واضع هذا النظام عالم بما يفعل محكم فيما يضع ويصنع!
﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ : هذا هو جواب القسم.
يؤكد بالقسم السابق ما تضمنه هذا الخبر من أن سعي الناس مختلف مفترق في صفته ونوعه، فمنه الحسن، ومنه القبيح، ومنه المفيد، ومنه الضار، ومنه ما ينقيه الإخلاص، ومنه ما يعكره الرياء وطلب المكافأة عليه من الناس ولو بحسن الثناء على فاعله، ومنه الإعطاء، ومنه المنع، ومنه التكذيب بالحسنى، ومنه التصديق بها، ومنه التقوى ومن الفجور، ومفترق في عاقبته، فمنه ما يشقى به الساعي، ومنه ما يسعد به، ثم فصل ذلك التفرق في النوع والعاقبة بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ﴾ إلخ.
فإن خطر لك سؤال: كيف يقسم سبحانه على أن سعي الناس شيء مختلف، مع أن هذه القضية بديهية، لأن جميع من يفهم الخطاب يعلم أن مساعي الناس وأعمالهم مختلفة متنوعة إلى هذه الأنواع التي ذكرت، ومثل هذا الخبر البديهي لا يحتاج إلى تأكيد، بل الإخبار به غير مفيد، فإني أجيبك أولًا بأن المقسم عليه هو الإجمال والتفصيل معًا.
ولا شك في إن الوعد على الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى بالتيسير لليسرى، والوعيد على البخل والاستغناء والتكذيب بالحسنى بالتيسير للعسرى، يحتاج إلى تأكيد، فيكون التأكيد لمجموع الأخبار لا للأول منها فقط، وثانيًا بما أشرنا إليه في بيان معنى (شتى) من أن الافتراق واقع في أنواع الأفعال وصفاتها، وواقع في عاقبتها وما يعود منها على فاعلها.
ولما كان فعلة الشر إنما اختاروا طريقه لاعتقادهم أن إتيانه أفضل عائدة عليهم من تجنبه، وأنه لا يفضي بهم إلى ما يكرهون، كانوا كأنهم اعتقدوا بوحدة العاقبة في سعيهم وسعي مخالفيهم من أهل الخير، فاحتاج الأمر إلى أن يؤكد لهم الخبر بأن السعي مختلف في الغاية والعاقبة، كما هو مختلف في الصفة والنوع، وهذا هو الذي يشعر به وصل التفصيل بالفاء، فإن التفصيل سيق لبيان عاقبة كل قبيل من السعي، فوصله بالفاء يفيد أنه كان شيئًا داخلًا فيما سبقه.
ثم كيف تزعم بداهة الخبر باختلاف الأعمال في الصفة، مع أن البخيل مثلًا إنما يمسك الفضل من ماله ولا ينفقه في أعمال البر، وهو يعتقد أنه لم يمنع حقًا، وأنه وَفَّي حق الحق، لأن في توفير المال صون النفس عن الحاجة وتمتيعها بالكرامة وعلو المنزلة، وهو أمر مطلوب لأهل العقل، فهو -باعتقاده هذا- قد أدخل عمله في جنس أعمال المقتصدين وأهل الوقار والكرامة، وكذلك الحاسد مثلًا يرى ما يصنعه في طلب الوسائل لإزالة نعمة محسودة من باب السعي في إزالة المنكر والدفاع عن حق للنفس أو للعامة، وهو بهذه العقيدة يدرج عمله في أعمال المجاهدين في إنكار المنكر وحمل الناس على المعروف.
وهكذا يمكنك أن تخلص بنظرك في باطن كل مقترف لرذيلة فنجده يمثلها بمثال الفضيلة، فقد اختلط عليه وصف مساعيه بوصف مساعي غيره.
وأنت ترى اغلب الناس على هذه الحال، فكانوا في أشد الحاجة إلى تأكيد الخبر بان الأعمال والمساعي شتى مختلفة كل الاختلاف، أو منزلين منزلة من يحتاج إلى ذلك لتلبيسهم على أنفسهم.
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ أعطي المال لسد حاجة المسكين، أو إغاثة المعدم الكريم، أو للإغاثة على النفع العميم.
(واتقي) أي خاف من الشر وإيصال الأذى إلى الناس، فحمى نفسه من ذلك، أو كره الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فوقي نفسه من ارتكاب شيء منها، (وصدق بالحسنى) أي بالخصلة التي هي أحسن من غيرها، أي صدق بثبوت الفضيلة والعمل الطيب، وبالفرق بين الفضيلة والرذيلة وبين العمل الطيب والخبيث، واعتقد بأن هناك خيرًا وشرًا، وأن من مزايا الإنسان أن يفعل الخير ويتجنب الشر.
فان التصديق بذلك هو مصدر الصالحات بلا ريب، وهو مقدم في الترتيب الوجودي على بذل المال في سبيل الحق والرحمة، وعلى اتقاء المفاسد والخطايا، ولكنه قدم هذين في الذكر عليه للاهتمام بهما، ولأنهما الدليلان على تحققه حقيقة، ولأنهما ثمرته الدانية.
وكثير من الناس يظن نفسه مصدقًا بفضل الخير على الشر، وأن الخير أولي بالإنسان، ولكن هذا التصديق قد يكون سرابًا في النفس خيله الوهم وصوره التقليد الأعمى، ثم لا يصدر عنه الأثر الذي يليق به، بل تجد صاحبه رديء الملكة، قسي القلب، بعيدًا عن الحق، قريبًا من الباطل، بخيلًا في الخير، مسرفًا في الشر، ولا تجد له مع ذلك كلامًا إلا في الفضيلة وحسن جزائها، والرذيلة وسوء عاقبتها.
فهو -كما يقول بعض الأدباء: "يحسن وصف الفضيلة وحروفها تئن من لوكها بفمه وجزها بسن قلمه!".
فالتصديق بالحسن لا يعد تصديقًا، ولا ينظر الله إليه، ولا يجود كرمه بالوعد عليه إلا إذا صدر عنه أثره الذي لا ينفك عنه، وهو بذل المال واتقاء مفاسد الأعمال.
ومن فعل ذلك يسره الله لليسرى أي هيأة لأيسر الخطتين وأسهلهما في أصل الفطرة، وهي خطة تكميل النفس وإنمائها بالكمال إلى أن تبلغ المقام الذي تجد فيه سعادتها، وإنما كانت هذه الخطة هي اليسرى والأسهل لتوفر الدواعي إليها وكثرة البواعث عليها، فان الإنسان إنما يمتاز عن غيره من سائر الحيوان الأعجم بالتفكير في الأعمال، وتقدير ثمراتها، ووزن نتائجها.
وحاجة كل إنسان إلى أن يعنيه غيره ظاهرة كذلك بسذاجة الفطرة، فإحساسه بحاجة غيره واندفاعه إلى سدها، مما تنبه إليه الفطرة، فأولى أن تنبهه الفطرة إلى أن لا يلحق الأذى بمن لم يؤذه، وأن لا يأتي من القبائح شيئًا لظهور ضررها بالناس..
فهو مدفوع إلى ذلك كله بأصل فطرته الإنسانية، لكنه يحتاج -في الاستقامة على هذه الطريقة- إلى صحة عقل ينظر بنفسه فيما يختار، ويميز بنظره فيما يسمح بين ما ينبغي أن يتبع وما يجب أن يدفع، فإذا حصَّل الشخص ذلك وظهرت آثاره في أعماله، سهل الله ما هو مسوق إليه بأصل فطرته، وهو تكميل نفسه لتسعد بمزاياها في الدنيا والآخرة، وذلك لجري سنة الله في خلقه بأن كل عمل من أعمال العاقل يفتح له باب بصيرة في نوع ذلك العمل، ويكون مبدأ عادة للنفس تأنس بملابستها.
ففاعل الخير للخير يذوق لذته، ويجد حلاوته، فتزيد فيه رغبته وتشتد إليه عزيمته، وهذا هو التيسير الإلهي!
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ أي إن من امسك ماله أو أنفقه في شهواته ولذاته ولم ينفقه في الطرق التي بيناها، فإنه يعد باخلًا على خلاف ما يعتقد كثير من الناس من أن البخيل هو الذي لا يتمتع بماله في التلذذ بمأكله ومشربه وملبسه، فهذا بمجرده لا يعد بخلًا، لا شرعًا ولا في اصطلاح علماء تهذيب الأخلاق، وإنما البخيل هو الذي لا يبذل ماله في سبيل الخير -خصت أو عمت- وإن أنفق جميع أمواله في لذاته ولذات أمثاله، أو هو الذي لا يعطي الحق فيما يطالبه به الحق ومنفعة العامة، والمرحمة للخاصة من أعظم أنواع الحق، (واستغني) أي عد نفسه غنيًا عن الناس بما لديه من المال، فلا يري له حاجة إليهم، فلذلك لا يجد المرحمة في قلبه لضعفائهم فيبذل ماله لدفع ضرورتهم، ولا يحس بأنه عضو من جماعتهم فينفق من ماله فيما يعود بالمنفعة عليهم، ولا يبالي بما يصيبهم من فساد أو سلامة فهو لا يتقي شرًا يفعله فيهم، فيكون شريرًا فاحشًا، فمعنى (استغنى) يقابل معنى (اتقى) في جميع مشتملاته.
وأمثال هؤلاء المستغنين -الذين لا يحسون بوجود الناس إلا عند حاجتهم إليهم- كثيرون فيما بيننا، بل هم الأكثر، بل لا تكاد تجد بين المسلمين سواهم.
فإن الكلمة العامة في أفواه جميعهم: "نحن ما لنا" و "أنا مالي" و "دع الخلق للخالق"، ونحو ذلك مما يطول سرده، (وكذب بالحسنى) أي كذب بثبوت الفضيلة، وبأنها أصل من أصول الإنسانية، وركن من أركان وجودها، فلا يعرف إلا ما يلذ له ويمنعه في حاضره، ولا يبالي بما عدا ذلك، ضر غيره أو نفعه.
وهذا التكذيب هو الأصل في البخل والاستغناء بمعناهما السابق، لان من صدق بالحسنى -ذلك الضرب من التصديق الذي سبق بيانه- لا يمكن أن يبخل ولا أن يستغني بالمعنى الذي سبق ذكره.
ويدخل في المكذبين بالحسنى أولئك الذين يتكلمون بها تقليدا لغيرهم ولكن لا يظهر أثرها في أعمالهم، فهم مكذبون رغم أنوفهم، والله يعدهم مكذبين مهما لبسوا على أنفسهم، وهذا هو السر في تقديم ذكر البخل والاستغناء على التكذيب بالحسنى، لأنهما أثرها وثمرتها، فإذا ظهرا في عمل الإنسان ثبت تكذيبه بالحسنى، ومن كانت حاله هذه فقد مرنت نفسه على الشر، وتعودت على الخبث، واستشري فيها الفساد، فيسهل الله له -على حسب ما جرت به سنته سبحانه- تلك الخطة العسرى، وهي الخطة التي يحط فيها الإنسان من نفسه، ويغض من حقها، وينزل بها إلى حضيض البهيمية، ويغمسها في أوحال الخطيئة.
وهي أعسر الخطتين على الإنسان لأنه لا يجد معينًا عليها لا من فطرته ولا من الناس.
ولو اتفق أن جماعة أو قومًا فسدت أخلاقهم جميعًا، ووجد كل منهم فيمن حوله من يعينه على الشر، سلط الله عليهم من غيرهم من ينزل العقاب بهم جميعًا، فيسلبهم ما آتاهم الله من نعمه، ويضعهم تحت نير المذلة، كما نشاهده ويقع تحت نظرنا كل يوم، فلا ريب إن هذه الخطة هي أعسر الخطتين، ولكن كاسب الشر معان عليها لتعود نفسه على مقارفة ما هو منها بسبيل.
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾ ما استفهامية: أي وماذا يفيده ماله إذا تردى وهلك، سواء كان بالموت الذي يدركه عند أجله فهو يقبل على عذاب أليم، أو تردى في مغبات بخله وسيئات أعماله بأن حل الانتقام به في الحياة الدنيا، فإنه لا يجد من الناس منجدًا ولا من رحمة الله مغيثًا..
فماذا يفيده ماله؟
ولما كان هنا موضع أن يقول قائل: كيف يخلق الله الناس ويكلهم إلى أهوائهم، ثم يعاقبهم على ما تجرهم إليه؟
أو أن يقول إذا كان الله هو واهب تلك القوى والآلات البدنية فكل ما كان من متناولها وانساقت إليه فهي مسيرة إليه بمقتضى غريزتها، فكيف يؤاخذ الله على فعل فاعل أطلق الله له الإرادة في عمله وأعطاه القدرة عليه؟..
لما كان ذلك مما يقال في جميع الأزمان، قال الله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ .
أي إننا خلقنا الإنسان وجعلنا من جوهر إنسانيته العقل والاختيار، وألهمناه التمييز بالعقل بين الحق والباطل وبين الخير والشر، ثم بعثنا له من كملة أفراده الأنبياء، وشرعنا لهم الأحكام، وبينا لهم العقائد تعليمًا له وإرشادًا.
فهذا هو ما يقتضيه خلق الإنسان من حيث هو إنسان.
ثم بعد ذلك هو مختار: فإما أن يسلك مسلك الخير فيسلم ويسعد، وإما أن يذهب مذهب الشر فيعطب ويشقى.
ومن هذا نفهم معنى (علينا)، فليس فيه أن ذلك واجب عليه كما يظنه بعض السفهاء، بل معناه أننا حيث أردنا أن نخلق الإنسان نوعًا ممتازًا عن سائر أنواع الحيوان، كان لا بد في إرادتنا هذه أن نخلق الإنسان نوعًا ممتازًا عن سائر أنواع الحيوان، كان لا بد في إرادتنا هذه أن نضع في جوهره ما يميزه وهو العقل، وأن نضع له شريعة تعليمية حتى يعد بذلك نوعًا ممتازًا عن غيره من الأنواع.
﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ﴾ أي نحن المالكون الحياة الدنيا، وهي الأولى، والحياة الآخرة.
وإنما قدم الآخرة في الذكر-مع أنها الآخرة في الوجود- ليبادر إلى تأكيد وجودها.
وإذا كان ملك الحياتين لله كان هديه هو الذي يجب اتباعه فيهما، لأن المالك لأمر عالم بوجوه التصرف فيه.
فما مكنك منه بهداه، وأرشدك إليه من ذلك فلا تحد عنه.
ولهذا المعنى تراه رتب على القضيتين (إن علينا للهدى) (وإن لنا للآخرة والأولى) قوله ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ﴾ : أي لرحمتنا بكم، وعلمنا الكامل بمصالحكم، أسدينا إليكم الهدى، فأنذرتكم نارًا تلتهب.
وتلك النار أعدت في الآخرة لمن سيذكره الله بعد، وهي نار يجب علينا الإيمان بها، ولكن لا ينبغي لنا البحث في حقيقتها لأنها من أمور الآخرة التي استأثر الله بعلم حقائقها.
وإنما هي عذاب أليم لمن يصلاها.
(لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى).
يصلاها: يعذب فيها.
والأشقى: من هو أشد شقاء من غيره.
ومن كذب: من وقع منه تكذيب ما.
وتولى: أعرض عن وجهة الحق وانصرف ولم يعد إليها بالتوبة والندم.
(وسيجنبها الأتقى): أي أن أشد الناس تقوى هو الذي لا يدخل هذه النار بالمرة، ولا يمسه لهبها.
واعلم أن الناس أقسام: منهم الأبرار الذين منحهم الله من قوة العقل وصفاء اليقين ما بعد بهم عن الفواحش ظاهرها وباطنها، ودفعهم إلى محاسن الأعمال جليلها وصغيرها، فلم يقارفوا خطيئة، ولم يقصروا في خير.
ومنهم الذين يلون هؤلاء، وهم من تغلبهم الشهوة أحيانًا فيقعون في الذنب، أو يقصرون في الواجب، ثم يثوب إليهم رشدهم فيتوبون ويندمون.
وهذان القسمان يدخلان في الأتقى، وهم الذين ذكرهم الله في سورة آل عمران في قوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ﴾ إلخ.
ومنهم من يخلط بين الخير والشر فيعتقد بالله مثلًا ويقترف بعض السيئات لكنه يصر عليها ولا يتوب عنها، فهذا الإصرار منه يدل على أنه غير مصدق حق التصديق بما جاء فيها من الوعيد كما يرشد إليه العقل.
لأن البديهة تأبى أن يصدق الشخص بسوء عاقبة أمر تمام التصديق ثم يصر على إتيانه دون أسف ولا ندم.
وكما تدل عليه السنة، فقد ورد في الصحيح:"لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن".
ومعناه أن صورة الوعيد، وصورة الأمر الإلهي تذهب عن ذهن المخالف، ويوجد عنده ضروب أخرى من الصور تقاوم أثر هذه في النفس وتغلب عليها.
فهذا الفاسق المصر يدخل في الأشقى، وهو صنف من أصنافه، لأنه كذب ضربًا ما من التكذيب وتولى فلم يرجع بالتوبة.
ومنهم الكافرون الجاحدون، وهم صنف آخر من الأشقى.
فالنار التي وصفها الله يدخلها الفاسقون من المؤمنين تحت عنوان مكذبين متولين ضربًا من التكذيب والتولي، تغليظًا عليهم، ولكنهم لا يخلدون فيها.
ويدخلها الكافرون الجاحدون وهم فيها خالدون، وينجو منها الأتقى بصنفيه: الأبرار والخالطين التائبين.
وإنما صح دخول المصر في الأشقى لأن الخالط التائب له شقاء، وكفى بالندم ومحاسبة النفس شقاء عظيمًا لمن يعرف قدره.
وصح دخول الخالطين التائبين في قسم الأتقى لأنهم أعظم تقوى من المصرين.
وفي المصرين على بعض السيئات شيء من التقوى يصدهم عن بعضها كما هو ظاهر.
فالخالط التائب والمؤمن المصر على خطيئة -إذا لم تحط به خطيئاته- كل منهما يشارك صاحبه ويفارقه، وبذلك أكسب كل صاحبه وصفه: الخالط التائب له شقاء بالندم والأسف فيشارك المصر في ضرب من الشقاء، ويكون المصر أشقى منه.
والمصر فيه شيء من التقوى بالإيمان فيشارك التائب في التقوى، ولكن التائب أتقى منه.
وما أجمل ما قاله الإمام الغزالي في مثل هذا!
وإنا نأتي بعبارته قال:"كل علم يراد ليكون باعثًا على عمل فلا يقع التفصي عن عهدته ما لم يصر باعثًا عليه.
فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثًا على تركها.
فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان.
وهو المراد بقوله :"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".
"وما أراد به نفي الإيمان الذي يرجع إلى علوم المكاشفة: كالعلم بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله، فإن ذلك لا ينافيه الزنا والمعاصي.
وإنما أراد به نفي الإيمان بكون الزنا مبعدًا عن الله تعالى موجبًا للمقت.
كما إذا قال الطبيب: هذا سم فلا تتناوله.
فإذا تناوله، يقال تناوله وهو غير مؤمن، لا بمعنى أنه غير مؤمن بوجود الطبيب وكونه طبيبًا وغير مصدق به، بل المراد أنه غير مصدق بقوله إنه سم مهلك.
فإن العالم بالسم لا يتناوله أصلًا".
"فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان، وليس الإيمان بابًا واحدًا، بل هو نيف وسبعون بابًا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
ومثاله قول القائل: الإنسان ليس موجودًا بل هو نيف وسبعون موجودًا: أعلاها القلب والروح، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشارب، مقلوم الأظافر، نقي البشرة من الخبث، حتى يتميز عن البهائم المرسلة الملوثة بأرواثها، المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظلافها".
"وهذا مثال مطابق.
فالإيمان كالإنسان، وفقد شهادة التوحيد يوجب البطلان بالكلية، كفقد الروح.
والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرسالة، هو كإنسان مقطوع الأطراف، مفقوء العينين، فاقد لجميع أعضائه الباطنة والظاهرة لا أصل الروح".
"وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت فتزايله الروح الضعيفة المنفردة التي تخلف عنها الأعضاء التي تمدها وتقويها، فكذلك من ليس له إلا أصل الإيمان، وهو مقصر في الأعمال، قريب من أن تقتلع شجرة إيمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للإيمان في مقدمة قدوم ملك الموت ووروده.
فكل إيمان لم يثبت في اليقين أصله، ولم تنتشر في الأعمال فروعه لم يثبت على عواصف الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة".
أفلا يجدر بمثل هذا أن يدخل في الأشقى الذي كذب وتولى هذا النوع من التكذيب والتولي؟
ثم ذكر الأتقى بأفضل مزاياه فقال: ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ : الأتقى بقسميه-سواء كان محسنًا بارًا، أو كان ظالمًا لنفسه تائبًا- يعطي من ماله في سبيل الله ومرحمة الفقراء لا لغرض آخر سوى أنه يريد أن يتزكى، وأن تنمو نفسه وتتدرج في قوتها الروحية حتى تبلغ أشدها في الحياة الروحانية فتستوي على عرش الإنسانية تستخدم قواها الجسدانية فيما خلقت لأجله.
فهو لا ينفق شيئًا من ماله رئاء الناس يطلب به مدحتهم-اللهم إلا أن تكون هفوة من غير الأبرار- وينفق من ماله، وليس لأحد عنده يد سابقة يحب أن يجازيه بها، أي ينفق من ماله على شخص، وليس لذلك الشخص عنده نعمة يريد مكافأته عليها.
أما إعطاء المال على وجه المكافأة، فهو ضرب من المعاملة والتجارة الدنيوية لا يتفاضل به الناس في الخير؛ وإنما يريد المحسن والخالط بما ينفق وجه ربه الأعلى.
أي يرغب مرضاته.
والعبارة معروفة في تخاطب العرب، يقال: فعلت كذا ابتغي وجه فلان، أي لم يحملني على الفعل إلا إجلاله وقصد مرضاته وخيفة الوقوع فيما يغضبه، ولذلك أتبع الآية بقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ : أي سوف يرضى الله عن ذلك الأتقى الطالب بصنعه رضاه.
يجوز للتقي أن يعطي من ماله لمكافأة نعمة عليه لأحد من الناس، لكن ذلك لا يكون أثرًا من آثار التقوى.
بل الذي يعد من آثار التقوى، هو بذل المال في سبيل الخير، كما قدمنا.
وقد يعرض لبعض الأفراد من قسم الأتقى أن يرائي في إنفاق ما ينفق من ماله لكنه يرجع فيندم ويتوب، والتوبة تعود على العمل بالإخلاص، وتبعث على العود إلى الإنفاق مع خلوص النية فيه لله تعالى، فيصدق عليه أنه يؤتي ماله يتزكى إلخ.
والاستثناء في قوله ﴿ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ﴾ ، منقطع كما ترى.
والتعبير بسوف لإفادة أن الرضا يحتاج إلى بذل كثير، ولا يكفي القليل من المال لأن يبلغ العبد درجة الرضا الإلهي.
وبتفسير الأتقى والأشقى على النحو الذي سمعته تبطل تلك الإشكالات التي أوردها المفسرون في الحصر.
وما أشكل عليهم إلا تقيدهم بالعادة في استعمال ألفاظ كذب وتولى، وتحكيمهم عاداتهم واصطلاحاتهم التي وضعوها من عند أنفسهم لأنفسهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
ثم إنهم يوردون ههنا أسبابًا للنزول، وأن الآيات نزلت في سيدنا أبي بكر الصديق لأنه اشترى من أرقاء المسلمين ضعفاء وأعتقهم من ماله لا يبتغي في ذلك إلا وجه الله.
ورووا غير ذلك وقالوا إن الأشقى هو أمية بن خلف.
وقيل غير ذلك، ومتى وجد شيء من ذلك في الصحيح لم يمنعنا من التصديق به مانع، ولكن معنى الآيات لا يزال عامًا -كما رأيت- والله أعلم.