الإسلام > القرآن > سور > سورة 94 الشرح > الآية ٥ من سورة الشرح
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 32 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥ من سورة الشرح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.
وقوله : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر ، ثم أكد هذا الخبر .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا حميد بن حماد بن خوار أبو الجهم ، حدثنا عائذ بن شريح قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله جحر ، فقال : " لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " ، فأنزل الله عز وجل : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) .
ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر ، عن حميد بن حماد به ، ولفظه : " لو جاء العسر حتى يدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يخرجه " ثم قال : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) ثم قال البزار : لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح .
قلت : وقد قال فيه أبو حاتم الرازي : في حديثه ضعف ، ولكن رواه شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن رجل ، عن عبد الله بن مسعود موقوفا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا أبو قطن ، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال : كانوا يقولون : لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك ، وهو يقول : " لن يغلب عسر يسرين ، لن يغلب عسر يسرين ، فإن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا " .
وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد ، عن الحسن مرسلا .
وقال سعيد ، عن قتادة : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية فقال : " لن يغلب عسر يسرين " .
ومعنى هذا : أن العسر معرف في الحالين ، فهو مفرد ، واليسر منكر فتعدد ; ولهذا قال : " لن يغلب عسر يسرين " ، يعني قوله : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد .
وقال الحسن بن سفيان : حدثنا يزيد بن صالح ، حدثنا خارجة ، عن عباد بن كثير ، عن أبي الزناد ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نزل المعونة من السماء على قدر المؤونة ، ونزل الصبر على قدر المصيبة " .
ومما يروى عن الشافعي رضي الله عنه ، أنه قال : صبرا جميلا ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا من صدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجا وقال ابن دريد : أنشدني أبو حاتم السجستاني : إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطأت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب وقال آخر : ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج
وقوله: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها.
ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية لما نـزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نـزلت هذه الآية ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ".
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) قال: يتبع اليسرُ العُسَر.
قوله تعالى : فإن مع العسر يسرا[ ص: 95 ] أي إن مع الضيقة والشدة يسرا ، أي سعة وغنى .
ثم كرر فقال : إن مع العسر يسرا ، فقال قوم : هذا التكرير تأكيد للكلام كما يقال : ارم ارم ، اعجل اعجل قال الله تعالى : كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون .
ونظيره في تكرار الجواب : بلى بلى ، لا لا .
وذلك للإطناب والمبالغة قاله الفراء .
ومنه قول الشاعر [ الخنساء ] :هممت بنفسي بعض الهموم فأولى لنفسي أولى لهاوقال قوم : إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه ، فهو هو .
وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره .
وهما اثنان ، ليكون أقوى للأمل ، وأبعث على الصبر قاله ثعلب .
وقال ابن عباس : يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا ، وخلقت يسرين ، ولن يغلب عسر يسرين .
وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه السورة : أنه قال : " لن يغلب عسر يسرين " .وقال ابن مسعود : والذي نفسي بيده ، لو كان العسر في حجر ، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ولن يغلب عسر يسرين .
وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم ، وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - : أما بعد ، فإنهم مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة ، يجعل الله بعده فرجا ، وإنه لن يغلب عسر يسرين ، وإن الله تعالى يقول في كتابه : يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون .
وقال قوم منهم الجرجاني : هذا قول مدخول ; لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا ، إن مع الفارس سيفا ، أن يكون الفارس واحدا ، والسيف اثنين .
والصحيح أن يقال : إن الله بعث نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - مقلا مخفا ، فعيره المشركون بفقره ، حتى قالوا له : نجمع لك مالا فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره فعزاه الله ، وعدد نعمه عليه ، ووعده الغنى بقوله : فإن مع العسر يسرا أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا أي في الدنيا .
فأنجز له ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن ، ووسع ذات يده ، حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ويعد لأهله قوت سنة .
فهذا الفضل كله من أمر الدنيا وإن كان خاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى .
ثم ابتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له - صلى الله عليه وسلم - فقال مبتدئا : إن مع العسر يسرا فهو شيء آخر .
والدليل على ابتدائه ، تعريه من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف .
فهذا وعد عام لجميع المؤمنين ، لا يخرج أحد منه أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة .
وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة .والذي [ ص: 96 ] في الخبر : " لن يغلب عسر يسرين " يعني العسر الواحد لن يغلبهما ، وإنما يغلب أحدهما إن غلب ، وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة ، ولن يغلبه شيء .
أو يقال : إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة يسرا ، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل ، مع عز وشرف .
{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى: { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا \" .وتعريف \" العسر \" في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير \" اليسر \" يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين.وفي تعريفه بالألف واللام، الدالة على الاستغراق والعموم يدل على أن كل عسر -وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ- فإنه في آخره التيسير ملازم له.
فقال الله عز وجل: "فإن مع العسر يسراً".
«فإن مع العسر» الشدة «يسرا» سهولة.
فلا يثنك أذى أعدائك عن نشر الرسالة؛ فإن مع الضيق فرجًا، إن مع الضيق فرجًا.
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه النعم الجليلة ، ما يدخل السرور على قلبه صلى الله عليه وسلم وما يبعث الأمل فى نفسه وفى نفوس أصحابه ، بأن بين لهم سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ) .والفاء للإِفصاح ، ومع بمعنى بَعْد ، وأل فى العسر لاستغراق أنواع العسر المعروفة للمخاطبين .
من فقر ، وضعف ، وقلة فى الوسائل التى تؤدى إلى إدراك المطلوب .
والجملة الثانية مؤكدة ومقررة للجملة الأولى .
والتنكير فى قوله ( يسرا ) للتفخيم .والمعنى : إذا تقرر عندك ما أخبرنا به ، من شرح الصدر ، ووضع الوزر .
ورفع الذكر .
.
فاعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر ، وما من شدة إلا ويأتى بعدها الفرج ، وما من غم أو هم ، إلا وينكشف ، وتحل محله المسرة .
.
وما دام الأمر كذلك ، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر ، واعتصموا بالتوكل على الله ، فإن العاقبة لكم .ففى هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ، ومن وعد صادق بأن كل صعب يلين ، وكل شديد يهون ، وكل عسير يتيسر .
متى صبر الإِنسان الصبر الجميل ، وتسلح بالعزيمة القوية ، وبالإِيمان العميق بقضاء الله - تعالى - وقدره .وأكد - سبحانه - هاتين الآيتين ، لأن هذه القضية قد تكون موضع شك ، خصوصا بالنسبة لمن تكاثرت عليهم الهموم وألوان المتاعب ، فأراد الله - سبحانه - أن يؤكد للناس فى كل زمان ومكان ، أن اليسر يعقب العسر لا محالة ، والفرج يأتى بعد الضيق ، فعلى المؤمن أن يقابل المصائب بصبر جميل ، وبأمل كبير فى تيسير الله وفرجه ونصره .وقال - سبحانه - ( مَعَ العسر يُسْراً ) ولم يقل بعد العسر يسرا ، للإِشعار بأن هذا اليسر ، ليس بعد العسر بزمن طويل ، وإنما هو سيأتى فى أعقابه بدون مهلة طويلة ، متى وطن الإِنسان نفسه على الصبر والأمل فى فرج الله - تعالى - .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين بعض الآثار ، منها ما رواه ابن أبى حاتم ، عن عائد بن شريح قال : سمعت أنس بن مالك يقول : " كان النبى صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله حجر فقال : " لو جاء العسر فدخل فهذا الحجر ، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " " .وعن الحسن قال : كانوا يقولون : لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين .وعن قتادة : ذكر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه فقال : " لن يغلب عسر يسرين " ومعنى هذا أن العسر مُعَرَّف فى الحالين ، فهو مفرد ، واليسر مُنَكَّر فمتعدد ، ولهذا قال : " لن يغلب عسر يسرين " فالعسر الأول عين الثانى ، واليسر تعدد .
.وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف تعلق قوله : ( فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ) ، كأنه قال : خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله ، فإن مع العسر الذى أنتم فيه يسرا .
واعلم أنه عام في كل ما ذكروه من النبوة، وشهرته في الأرض والسموات، اسمه مكتوب على العرش، وأنه يذكر معه في الشهادة والتشهد، وأنه تعالى ذكره في الكتب المتقدمة، وانتشار ذكره في الآفاق، وأنه ختمت به النبوة، وأنه يذكر في الخطب والأذان ومفاتيح الرسائل، وعند الختم وجعل ذكره في القرآن مقروناً بذكره: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ، ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ و ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ ويناديه باسم الرسول والنبي، حين ينادي غيره بالاسم يا موسى يا عيسى، وأيضاً جعله في القلوب بحيث يستطيبون ذكره وهو معنى قوله تعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً ﴾ كأنه تعالى يقول: أملأ العالم من أتباعك كلهم يثنون عليك ويصلون عليك ويحفظون سنتك، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعه سنة فهم يمتثلون في الفريضة أمري، وفي السنة أمرك وجعلت طاعتك طاعتي وبيعتك بيعتي ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ لا تأنف السلاطين من أتباعك، بل جراءة لأجهل الملوك أن ينصب خليفة من غير قبيلتك، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك، والوعاظ يبلغون وعظك بل العلماء والسلاطين يصلون إلى خدمتك، ويسلمون من وراء الباب عليك، ويمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون شفاعتك، فشرفك باق إلى يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك؛ ولذلك عطف عليه: وضعنا: اعتباراً للمعنى.
ومعنى: شرحنا صدرك: فسحناه حتى وسع هموم النبوّة ودعوة الثقلين جميعاً.
أو حتى احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم: أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل.
وعن الحسن: مليء حكمة وعلماً.
وعن أبي جعفر المنصور أنه قرأ: ﴿ ألم نشرح لك ﴾ بفتح الحاء.
وقالوا: لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها، فظنّ السامع أنه فتحها، والوزر الذي أنقض ظهره- أي: حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله- مثل لما كان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغمّه من فرطاته قبل النبوّة.
أو من جهله بالأحكام والشرائع.
أو من تهالكه على إسلام أولي العناد من قومه وتلهفه.
ووضعه عنه: أن غفر له، أو علم الشرائع، أو مهد عذره بعد ما بلغ وبلغ.
وقرأ أنس: ﴿ وحللنا ﴾ حططنا.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ وحللنا عنك وقرك ﴾ .
ورفع ذكره: أن قرن بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وفي غير موضع من القرآن ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62] ، ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ [النساء: 13] ، ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ [المائدة: 92] وفي تسميته رسول الله ونبيّ الله؛ ومنه ذكره في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به، فإن قلت: أيّ فائدة في زيادة لك، والمعنى مستقل بدونه؟
قلت: في زيادة لك ما في طريقة الإبهام والإيضاح، كأنه قيل: ألم نشرح لك، ففهم أن ثم مشروحاً، ثم قيل: صدرك، فأوضح ما علم مبهما، وكذلك ﴿ لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ و ﴿ عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ألَمْ نُفْسِحْهُ حَتّى وسِعَ مُناجاةَ الحَقِّ ودَعْوَةَ الخَلْقِ فَكانَ غائِبًا حاضِرًا، أوْ ألَمْ نُفْسِحْهُ بِما أوْدَعْنا فِيهِ مِنَ الحِكَمِ وأزَلْنا عَنْهُ ضِيقَ الجَهْلِ، أوْ بِما يَسَّرْنا لَكَ تَلَقِّيَ الوَحْيِ بَعْدَ ما كانَ يَشُقُّ عَلَيْكَ، وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى رَسُولَ اللَّهِ في صِباهُ أوْ يَوْمَ المِيثاقِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبَهُ فَغَسَلَهُ ثُمَّ مَلَأهُ إيمانًا وعِلْمًا».» وَلَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى نَحْوِ ما سَبَقَ ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ إنْكارُ نَفْيِ الِانْشِراحِ مُبالَغَةً في إثْباتِهِ ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ.
﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ عِبْأكَ الثَّقِيلَ.
﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى النَّقِيضِ وهو صَوْتُ الرَّحْلِ عِنْدَ الِانْتِقاضِ مِن ثِقَلِ الحَمْلِ وهو ما ثَقُلَ عَلَيْهِ مِن فُرُطاتِهِ قَبْلَ البَعْثَةِ، أوْ جَهْلِهِ بِالحُكْمِ والأحْكامِ أوْ حَيْرَتِهِ، أوْ تَلَقِّي الوَحْيِ أوْ ما كانَ يُرى مِن ضَلالِ قَوْمِهِ مِنَ العَجْزِ عَنْ إرْشادِهِمْ، أوْ مِن إصْرارِهِمْ وتَعَدِّيهِمْ في إيذائِهِ حِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)
{فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً} أي إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاسات بلاء المشركين يسراً بإظهاري إياك عليهم حتى تغلبهم وقيل كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً كأنه قال خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا وجئ بلفظ مع لغاية مقاربة اليسر العسر زيادة في التسلية ولتقوية القلوب وإنما قال عليه السلام عند نزولها لن يغلب عسر يسرين لأن العسر أعيد معرفاً فكان واحداً لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى واليسر أعيد نكرة والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى فصار المعنى إن مع العسر يسرين قال أبو معاذ يقال إن مع الأمير غلاماً إن مع الأمير غلاماً فالأمير واحد ومعه غلامان وإذا قال إن مع أمير غلاماً وإن مع الأمير الغلام فالأمير واحد والغلام واحد وإذا قيل أن مع غلاماً وإن مع أمير غلاماً فهما أميران وغلامان كذا في شرح التأويلات
والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ عَلى ما في الكَشّافِ فَصِيحَةٌ.
والكَلامُ وعْدٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَسُوقٌ لِلتَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ.
قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يُعَيِّرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ بِالفَقْرِ والضِّيقَةِ حَتّى سَبَقَ إلى ذِهْنِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم رَغِبُوا عَنِ الإسْلامِ لِافْتِقارِ أهْلِهِ واحْتِقارِهِمْ، فَذَكَّرَهُ سُبْحانَهُ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ ثُمَّ قالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: خَوَّلْناكَ ما خَوَّلْناكَ فَلا تَيْأسْ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ يُسْرًا وهو ظاهِرٌ في أنَّ (ألْ) في العُسْرِ لِلْعَهْدِ، وأمّا التَّنْوِينُ في «يُسْرًا» فَلِلتَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عَظِيمًا وأيَّ يُسْرٍ، والمُرادُ بِهِ ما تَيَسَّرَ لَهم مِنَ الفُتُوحِ في أيّامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ يُسْرُ الدُّنْيا مُطْلَقًا.
<div class="verse-tafsir"
وهي ثمان آيات مكيّة قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ هو معطوف على قوله أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [الضحى: 6] وذلك أن النبيّ ، قال: «سَألْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً، وَوَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْألْهَا قَطُّ، فَقُلْتُ: اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً.
فَقَالَ الله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى قُلْتُ: بَلَى قال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) [الضحى: 7] قُلْتُ: بَلَى قال: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) [الضحى: 8] قُلْتُ: بَلَى.
قال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» الآية.
وروي عن بعض المتقدمين أنه قال: سورة التوبة والأنفال، بمنزلة سورة واحدة، وسورة ألم نشرح لك والضحى بمنزلة سورة واحدة، وسورة لإيلاف قريش وألم تر كيف فعل ربك، بمنزلة سورة واحدة.
قال أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعني: ألم نوسع قلبك بالتوحيد والإيمان، وهذا قول مقاتل.
وقال الكلبي: أتاه جبريل فشرح صدره، حتى أبدى قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم، فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطشت من ذهب قد ملئ علماً وإيماناً، فوضعه فيه.
ويقال الانشراح للعلم، حتى علم أنه رسول الله ، وكان مؤمناً من وقت الميثاق، فشق صدره على جهة المثل، فيعبر به عنه.
ويقال أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعني: ألم نلين قلبك بقبول الوحي، وحب الخيرات.
ويقال: معناه، ألم نطهر لك قلبك، حتى لا يؤذيك الوسواس، كسائر الناس.
ويقال: معناه أَلَمْ نَشْرَحْ يعني: نوسع لك قلبك بالعلم، كقوله وعلمك مما لم تكن تعلم.
ثم قال: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ يعني: غفرنا لك ذنبك، كقوله لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ويقال: غفرنا لك ذنبك، وذلتك بترك الاستثناء ويقال: معنى وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ يعني: عصمناك من الذنوب الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ لو لم يعصمك الله، لأثقل ظهرك، ويقال: معناه أخرجنا من قلبك الأخلاق السيئة، وطبائع السوء الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ يعني: التي لو لم ننزعها عن قلبك، لأثقل عليك حمل النبوة والرسالة.
ثم قال عز وجل: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يعني: في التأذين والخطب، حتى لا أذكر إلا وذكرت معي، يعني: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أنَّ محمداً رسول الله ، في كل يوم خمس مرات، في الأذان والإقامة.
<div class="verse-tafsir"
استفهام تقريري على النفي.
والمقصود التقرير على إثبات المنفي كما تقدم غير مرة.
وهذا التقرير مقصود به التذكير لأجل أن يراعي هذه المنة عندما يخالجه ضيق صدر مما يلقاه من أذى قوم يريد صلاحَهم وإنقاذَهم من النار ورفعَ شأنهم بين الأمم، ليدوم على دعوته العظيمة نَشيطاً غير ذي أسف ولا كَمَدٍ.
والشرح حقيقته: فصل أجزاء اللحم بعضِها عن بعض، ومنه الشريحة للقطعة من اللحم، والتشريح في الطب، ويطلق على انفعال النفس بالرضى بالحال المتلبس بها.
وظاهر كلام «الأساس» أن هذا إطلاق حقيقي.
ولعله راعى كثرة الاستعمال، أي هو من المجاز الذي يساوي الحقيقة لأن الظاهر أن الشرح الحقيقي خاص بشرح اللحم، وأن إطلاق الشرح على رضى النفس بالحال أصله استعارة ناشئة عن إطلاق لفظ الضيق وما تصرف منه على الإحساس بالحزن والكمد قال تعالى: ﴿ وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ﴾ [هود: 12] الآية.
فجعل إزالة ما في النفس من حزن مثل شرح اللحم وهذا الأنسب بقوله: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ [الشرح: 5].
وتقدم قوله: ﴿ قال رب اشرح لي صدري ﴾ في سورة طه (25).
فالصدر مراد به الإِحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك.
وشرح صدره كناية عن الإِنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات وإعلامه برضى الله عنه وبشارته بما سيحصل للدّين الذّي جاء به من النصر.
هذا تفسير الآية بما يفيده نظمها واستقلالها عن المرويات الخارجية، ففسرها ابن عباس بأن الله شرح قلبه بالإِسلام، وعن الحسن قال: شرح صدره أن مُلِئ علماً وحكماً، وقال سهل بن عبد الله التستري: شرح صدره بنور الرسالة، وعلى هذا الوجه حمله كثير من المفسرين ونسبه ابن عطية إلى الجمهور.
ويجوز أن يجعل الشرح شرحاً بدنياً.
وروي عن ابن عباس أنه فسر به وهو ظاهر صنيع الترمذي إذ أخرج حديث شقِّ الصدر الشريف في تفسير هذه السورة فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شَق صدره صلى الله عليه وسلم شقّاً قُدُسياً، وهو المروي بعض خبره في «الصحيحين»، والمروي مطولاً في السيرة والمسانيد، فوقع بعض الروايات في «الصحيحين» أنه كان في رؤيا النوم ورؤيا الأنبياء وحي، وفي بعضها أنه كان يقظة وهو ظاهر ما في «البخاري»، وفي «صحيح مسلم» أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه، وفي حديث مسلم عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت أثر الشق في جلد صدر النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بين النائم واليقظان، والرواياتُ مختلفة في زمانه ومكانه مع اتفاقها على أنه كان بمكة.
واختلاف الروايات حمل بعضَ أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع، منها حين كان عند حليمة.
وفي حديث عبد الله بن أحمد بن حنبل أن الشق كان وعمُر النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين.
والذي في «الصحيح» عن أبي ذر أنه كان عند المعراج به إلى السماء، ولعل بعضها كان رؤيا وبعضها حساً.
وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية، وإذ قد كان ذاك الشق معجزة خارقة للعادة يجوز أن يكون مراداً وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في «الأحكام»، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته وهو الباطن الحاوي للقلب.
ومن العلماء فسر الصدر بالقلب حكاه عياض في «الشفا»، يشير إلى ما جاء في خبرِ شق الصدر من إخراج قلبه وإزالة مقر الوسوسة منه، وكلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم لنفس النبي صلى الله عليه وسلم إمَّا مباشرة وإما باعتبار مغزاهُ كما لا يخفى.
واللام في قوله: ﴿ لك ﴾ لام التعليل، وهو يفيد تكريماً للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله فعل ذلك لأجله.
وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإِبهام للتشويق فإنه لما ذُكر فعل ﴿ نشرح ﴾ عَلم السامع أن ثَمَّ مشروحاً، فلما وقع قوله: ﴿ لك ﴾ قوي الإِبهام فازداد التشويق، لأن ﴿ لك ﴾ يفيد معنى شيئاً لأجلك فلما وقع بعده قوله: «صدره» تعين المشروح المترقَّب فتمكن في الذهن كمال تمكن، وهذا ما أشار إليه في «الكشاف» وقفِّي عليه صاحب «المفتاح» في مبحث الإِطناب.
والوِزر: الحَرج، ووضْعه: حطَّه عن حامله، والكلام تمثيل لحال إزالة الشدائد والكروب بحال من يحط ثقلاً عن حامله ليريحه من عناء الثقل.
والمعنى: أن الله أزال عنه كل ما كان يتحرج منه من عادات أهل الجاهلية التي لا تلائم ما فَطر الله عليه نفسه من الزكاة والسمو ولا يجد بداً من مسايرتهم عليه فوضع عنه ذلك حين أوحى إليه بالرسالة، وكذلك ما كان يجده في أول بعثته من ثقل الوحي فيسَّره الله عليه بقوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ إلى قوله: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ [الأعلى: 6 8].
و ﴿ أنقض ﴾ جعل الشيءَ ذا نقيض، والنقيض صوت صرير المحمل والرحْل وصوتُ عظام المفاصل، وفرقعةُ الأصابع، وفعله القاصر من باب نصر ويعدّى بالهمزة.
وإسناد ﴿ أنقض ﴾ إلى الوِزر مجاز عقلي، وتعديته إلى الظهر تَبع لتشبيه المشقة بالحمل، فالتركيب تمثيل لمتجشم المشاققِ الشديدة، بالحَمولة المثقلة بالإِجمال تثقيلاً شديداً حتى يسمع لعظام ظهرها فرقعة وصرير.
وهو تمثيل بديع لأنه تشبيه مركب قابل لتفريق التشبيه على أجزائه.
ووصف الوزر بهذا الوصف تكميل للتمثيل بأنه وزر عظيم.
واعلم أن في قوله: ﴿ أنقض ظهرك ﴾ اتصالَ حرفي الضاد والظاء وهما متقاربا المخرج فربما يحصل من النطق بهما شيء من الثقل على اللسان ولكنه لا ينافي الفصاحة إذ لا يبلغ مبلغ ما يسمى بتنافر الكلماتتِ بل مثله مغتفر في كلام الفصحاء.
والعرب فُصحاء الألسن فإذا اقتضى نظم الكلام ورود مثل هذين الحرفين المتقاربين لم يعبأ البليغ بما يعرض عند اجتماعهما من بعض الثقل، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ وسبحه ﴾ [الإنسان: 26] في اجتماع الحاء مع الهاء، وذلك حيث لا يصح الإدغام.
وقد أوصى علماء التجويد بإظهار الضاد مع الظاء إذا تلاقيا كما في هذه الآية وقوله: ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ [الفرقان: 27] ولها نظائر في القرآن.
وهذه الآية هي المشتهرة ولم يزل الأيمة في المساجد يتوخون الحذر من إبدال أحد هذين الحرفين بالآخر للخلاف الواقع بين الفقهاء في بطلان صلاة اللحَّان ومَن لا يحسن القراءة مطلقاً أو إذا كان عَامداً إذا كان فذاً وفي بطلان صلاة من خلفه أيضاً إذا كان اللاحن إماماً.
ورفع الذكر: جعل ذكره بين الناس بصفات الكمال، وذلك بما نزل من القرآن ثناء عليه وكرامة.
وبإلهام الناس التحدث بما جبله الله عليه من المحامد منذ نشأته.
وعطفُ ﴿ ووضعنا ﴾ و ﴿ رفعنا ﴾ بصيغة المضي على فعل ﴿ نشرح ﴾ بصيغة المضارع لأن (لَم) قلبت زمن الحال إلى المضي فعُطف عليه الفعلان بصيغة المضي لأنهما داخلان في حيز التقرير فلما لم يقترن بهما حرف (لم) صيّر بهما إلى ما تفيده (لم) من معنى المضي.
والآية تشير إلى أحوال كان النبي صلى الله عليه وسلم في حرج منها أو من شأنه أن يكون في حرج، وأن الله كشف عنه ما به من حرج منها أو هيّأ نفسه لعدم النوء بها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها كما أشعَر به إجمالها في الاستفهام التقريري المقتضي علم المقرَّر بما قُرر عليه، ولعلّ تفصيلها فيما سبق في سورة الضحى فلعلها كانت من أحوال كراهيته ما عليه أهل الجاهلية من نبذ توحيد الله ومن مساوي الأعمال.
وكان في حرج من كونه بينهم ولا يستطيع صرفهم عما هم فيه ولم يكن يترقب طريقها لأن يهديهم أو لم يصل إلى معرفة كنه الحق الذي يجب أن يكون قومه عليه ولم يطمع إلا في خويصة نفسه يودّ أن يجد لنفسه قبس نور يضيء له سبيل الحق مما كان باعثاً له على التفكر والخلوة والالتجاء إلى الله، فكان يتحنث في غار حراء فلما انتشله الله من تلك الوحلة بما أكرمه به من الوحي كان ذلك شرحاً مما كان يضيق به صدره يومئذ، فانجلى له النور، وأمِر بإنقاذ قومه وقد يظنهم طلاَّب حق وأزكياء نفوس فلما قابلوا إرشاده بالإِعراض ومُلاطفته لهم بالامتعاض، حدث في صدره ضيق آخر أشار إلى مثل قوله تعالى: ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ [الشعراء: 3] وذلك الذي لم يزل ينزل عليه في شأنه رَبْطُ جأشه بنحو قوله تعالى: ﴿ ليس عليك هداهم ولكن اللَّه يهدي من يشاء ﴾ [البقرة: 272] فكلما نزل عليه وحي من هذا أكسبه شرحاً لصدره، وكان لحماية أبي طالب إياه وصده قريشاً عن أذاه منفس عنه، وأقوى مؤيد له لدعوته يَنشرح له صدره.
وكلما آمن أحد من الناس تزحزح بعض الضيق عن صدره، وكانت شدة قريش على المؤمنين يضيق لها صدره فكلما خلُص بعض المؤمنين من أذى قريش بنحو عتق الصديق بلالاً وغيره، وبما بشره الله من عاقبة النصر له وللمؤمنين تصريحاً وتعريضاً نحو قوله في السورة قبلها: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ [الضحى: 5] فذلك من الشرح المراد هنا.
وجماع القول في ذلك أنَّ تجليات هذا الشرح عديدة وأنها سر بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم المخاطب بهذه الآية.
وأما وضع الوزر عنه فحاصل بأمرين: بهدايته إلى الحق التي أزالت حيرته بالتفكر في حال قومه وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ووجدك ضالاً فهدى ﴾ [الضحى: 7] وبكفايته مؤنة كُلف عيشه التي قد تشغله عما هو فيه من الأنس بالفكرة في صلاح نفسه، وهو ما أشار إليه قوله: ﴿ ووجدك عائلاً فأغنى ﴾ [الضحى: 8].
ورفْع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس، استعير الرفع لحسن الذكر لأن الرفع جعل الشيء عالياً لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل.
فقد فطر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على مكارم يعزّ وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأوَ ما بلغه منها حتى لُقب في قومه بالأمين.
وقد قيل إن قوله تعالى: ﴿ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ﴾ [التكوير: 19 21] مراد به النبي صلى الله عليه وسلم ومن عظيم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم الله تعالى في كلمة الإِسلام وهي كلمة الشهادة.
وروي هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان وأبي يعلى قال السيوطي: وإسناده حسن، وأخرجه عياض في «الشفاء» بدون سند.
والقول في ذكر كلمة ﴿ لك ﴾ مع ﴿ ورفعنا ﴾ كالقول في ذكر نظيرها مع قوله: ﴿ ألم نشرح ﴾ .
وإنما لم يُذكر مع ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ بأن يقال: ووضعنا لك وزرك للاستغناء بقوله: ﴿ عنك ﴾ فإنه في إفادة الإِبهام ثم التفصيل مساوٍ لكلمة ﴿ لك ﴾ ، وهي في إفادة العناية به تساوي كلمة ﴿ لك ﴾ ، لأن فعل الوضع المعدَّى إلى الوزر يدل على أن الوضع عنه فكانت زيادة ﴿ عنك ﴾ إطناباً يشيرإلى أن ذلك عناية به نظير قوله: ﴿ لك ﴾ الذي قبله، فحصل بذكر ﴿ عنك ﴾ إيفاء إلى تعدية فعل ﴿ وضعنا ﴾ مع الإِيفاء بحق الإِبهام ثم البيان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ قال الكلبي: مَعَ الفقر سعة (١) وقال مقاتل: يعني تتبع الشدة الرخاء (٢) (١) "الوسيط" 4/ 517.
(٢) المرجع السابق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ هذا لصدره توقيف معناه إثبات شرح صدره صلى الله عليه وسلم وتعديد ما ذكر بعده من النعم، وشرح صدره صلى الله عليه وسلم هو اتساعه لتحصيل العلم، وتنويره بالحكمة، والمعرفة، وقيل هو شق جبريل لصدره في صغره، أو في وقت الإسراء حين أخرج قلبه وغسله ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: قول الجمهور أن الوزر الذنوب.
ووضعها هو غفرانها هو كقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: 2] وهذا على قول من جوّز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على ذنوبه كانت قبل النبوّة، الثاني: أن الوزر هو أثقال النبوة وتكاليفها، ووضعها على هذا هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلغ الرسالة، الثالث: أن الوزر هو تحيره قبل النبوة، إذ كان يرى أن قومه على اضلال، ولم يأته من الله أمر واضح فوضعه على هذا هو بالنبوّة والهدى للشريعة ﴿ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدته عليه، قال الحارث المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفرة لهم لهمّهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله، وهذا كما جاء في الأثر: «إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه تطير كالذبابة فوق أنفه» واشتقاق أنقض ظهرك من نقض البنيان وغيره، أو من النقيض وهو الصوت فكأنه يسمع لظهره نقيض كنقيض ما يحمل عليه شيء ثقيل.
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ أي نوّهنا باسمك وجعلناه شهيراً في المشارق والمغارب، وقيل: معناه اقتران ذكره بذكر الله في الأذان والخطبة والتشهد.
وفي مواضع من القرآن، وقد روي في هذا حديث أن الله قال له؛ إذا ذكرت ذكرت معي.
فإن قيل: لم قال لك ذكرك ولك صدرك مع أن المعنى مستقل دون ذلك؟
فالجواب أن قوله: لك يدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره.
<div class="verse-tafsir"
فإن مع الشدّة والضيق سهولة واتساعًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.g85ny"